المبحث الثالث: حكم مرتكب الكبيرة عند الكرامية
وافقت الكرامية في مسألة مرتكب الكبيرة مقالة المرجئة، إذ جعلوا الفاسق مؤمنا كامل الإيمان، ويثاب ويعاقب، وأنه إن دخل النار فإنه يخرج منها.
وقد تكرر القول إن مخالفة الكرامية إنما هي في مسمى الإيمان، فحسب، وما عداه فهم موافقون لما عليه فرق المرجئة.
يقول شيخ الإسلام في بيان قولهم في مرتكب الكبيرة.
"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء.
ثم قال الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث.
قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار. وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (١).
ويقول معلقا على مسألة إثابة الله تعالى للطائع، وعفوه عن العاصي، أو معاقبته:
"فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة، وغيرهم. والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار" (٢).ولما ذكر مخالفة الكرامية في مسمى الإيمان قال: "وأما في الصفات، والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة" (٣).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٥١٥
стр. 1297
المبحث الرابع: حكم مرتكب الكبيرة عند الأشاعرة
حديث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن قول الأشاعرة في مرتكب الكبيرة يفيد أنهم في ذلك فريقان:
الفريق الأول: موافق لما عليه عامة المرجئة في مرتكب الكبيرة.
وهذه هي المقالة التي نسبها شيخ الإسلام إلى الأشاعرة، وإلى إمامهم أبي الحسن الأشعري. فقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا الحسن الأشعري" نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار، وتقبل فيهم الشفاعة، ونحو ذلك" (١).وأنه "رجع إلى مذهب أهل الإثبات الذين يثبتون الصفات، والقدر، ويثبتون خروج أهل الكبائر من النار، ولا يخرجون أحدا من الإيمان" (٢).
وعن موقف الأشاعرة عامة يقول: "وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء، وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء، والكرامية، والكلابية، والأشعرية، والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة.
وهذا الشخص الذي له سيئات عذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه:
فقالت المرجئة - جهميتهم، وغير جهميتهم -: هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة والجماعة على أنه ناقص الإيمان" (٣).
ولما قال ابن المطهر الرافضي: "إن الله يثيب المطيع، ويعفو عن العاصي، أو يعذبه".علق شيخ الإسلام على ذلك بقوله: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة (٤)، وغيرهم، والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار" (٥).
وأما أصل الضلال في هذه المسألة، فقد سبق قول شيخ الإسلام:
"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء، ثم ذكر رأي الخوارج والمعتزلة، ثم قال:"وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر" (٦).
ومما تقدم يعلم أن المشهور عن الأشاعرة هو موافقة سائر المرجئة في مرتكب الكبيرة.
الفريق الثاني: الواقفة، ومنهم القاضي أبو بكر الباقلاني.
ومذهبهم يشرحه شيخ الإسلام بقوله:
"وكثير من متكلمة المرجئة تقول: لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدا منهم لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم.
стр. 1298
ويقولون: من أذنب وتاب، لا يقطع بقبول توبته، بل يجوز أن يدخل النار أيضا. فهم يقفون في هذا كله؛ ولهذا سموا الواقفة، وهذا قول القاضي أبي بكر، وغيره من الأشعرية، وغيرهم" (١).
ويقول ﵀: "وكثير من المرجئة، والجهمية من يقف في الوعيد، فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر. كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة، والأشعرية، كالقاضي أبي بكر، وغيره" (٢).
فخلاصة مذهب الواقفة هو التوقف في أحكام الفساق:
فهم متوقفون في قبول توبة الفاسق، فعندهم قد تقبل توبته من ذنبه، وقد يعذب عليه، وهم متوقفون في دخول الفساق النار، فعندهم قد يدخلون كلهم النار، وقد يدخل بعضهم، وقد لا يدخل أحد منهم فيها، فلم يجزموا بنفوذ الوعيد في حق أحد من الفساق.
стр. 1299
وهذا المذهب جاء مقابلا لمذهب الوعيدية في مرتكب الكبيرة، فإن الوعيدية يرون خلود من دخل النار فيها حتى لو كان موحدا، ويوجبون العذاب في حق أهل الكبائر؛ لشمول نصوص الوعيد فيهم. ويرون أن نصوص الوعد لا تتناول إلا مؤمنا، والفساق ليسوا بمؤمنين، فلا يدخلون في الوعد؛ لأنهم لا حسنات لهم؛ لأنهم لم يكونوا من المتقين، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، وقال: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٨]، فهذه النصوص وغيرها تدل على أن العمل لا يقبل إلا مع التقوى، والوعد إنما هو للمؤمن، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين، وأن فعل السيئات يحبط الأعمال (١).وأولوا قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢] على أن السابقين هم الذين يدخلونها، وأن المقتصد، أو الظالم لنفسه لا يدخلها (٢).فهنا عارضهم واقفة المرجئة وغلاتهم بنصوص الوعد، فإنها قد تتناول كثيرا من أهل الكبائر (٣).وأمام دعوى الوعيدية أن نصوص الوعيد عامة، فتشمل أهل الكبائر، قابلهم غلاة المرجئة، فأنكروا العموم، وقالوا: ليس في اللغة عموم، وإنما التزموا ذلك؛ لئلا يدخل جميع المؤمنين في نصوص الوعيد (٤).وأولوا قوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، بأن المراد به: من اتقى الشرك والكفر، وقالوا: الأعمال لا تحبط بمجرد السيئات، وإنما تحبط بالكفر فحسب، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، وقال: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥] (٥).وقالوا: إن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر: ٣٢ - ٣٣]، إخبار من الله تعالى أن الثلاثة يدخلون الجنة، لا السابق فقط كما زعمت الوعيدية (٦).واستدل بعض من أنكر دخول أحد من المحدين النار بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٤ - ١٦]، فقالوا: إن النار لا يدخلها إلا الكافر، والموحد ليس كذلك (٧).
стр. 1300
فهذا ملخص مذهب الفريقين في الوعد والوعيد، ويهمنا هنا مناقشة مذهب هؤلاء غلاة المرجئة، ويمكن ترتيب ذلك فيما يلي: أولاص: بينما الوعيدية غلوا، فأدخلوا العصاة في نصوص الوعيد، وأخرجوهم من نصوص الوعد، عارضتهم غلاة المرجئة، فقصروا حين أدخلوهم في نصوص الوعد، وأخرجوهم من نصوص الوعيد، فهما مذهبان متقابلان يدوران بين الإفراط والتفريط، ورحم الله شيخ الإسلام عندما قال: "ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ونصوص الكتاب والسنة، مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثالة ذرة من إيمان" (١).
ثانياً: في إنكار غلاة المرجئة للعموم يقول شيخ الإسلام:"ومن أهل المرجئة من ضاق عظمته لما ناظره الوعيدية بعموم آيات الوعيد وأحاديثه؛ فاضطره ذلك إلى أن جحد العموم في اللغة والشرع، فكانوا فيما فروا منه إلى من هذا الجحد، كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولو اهتدوا للجواب السديد للوعيدية: من أن الوعيد في آية، وإن كان عاما مطلقا، فقد خصص وقيد في آية أخرى، جريا على السنن المستقيمة أولى بجواز العفو عن المتوعد وإن كان متعينا، تقييدا للوعيد المطلق" (٢).وقد تقدم تفصيل مطول لمعنى هذه الجملة، وأنه لا يحتاج الأمر في رد مقالة الوعيدية إنكار العموم كما وقعت فيه هذه الشرذمة (٣)، فإن ذلك يستلزم تعطيل نصوص الوعد والوعيد، فلا تبقى خاصة ولا عامة (٤).
والوجه الحق في فقه الجمع بين هذه النصوص هو أنها نصوص مطلقة عامة، وأنها أسباب لحصول مقتضاها على المعين، لكن هذا العموم مخصص بنصوص أخرى بينت أن المعين لا يلحقه عموم هذه النصوص وإطلاقها إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع.
ثالثاً: توقف هؤلاء في عصاة الموحدين، منقوض بتظافر النصوص على خلافه، إذا إنها دلت على قبول الله تعالى توبة من تاب من عباده، وكذلك دلت على أن من العصاة من سيدخل النار قطعا، ومنهم من يغفر له.
يقول شيخ الإسلام: "في قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣ - ٥٥].
قد ذكرنا في غير هذا الموضع أن هذه الآية في حق التائبين، وأما آية النساء، وهي قوله: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، فلا يجوز أن تكون في حق التائبين، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، فإن التائب من الشرك يغفر له الشرك أيضا بنصوص القرآن، واتفاق المسلمين.
وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد، وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق.
هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره، وما عداه لم يجزم بمغفرته، بل علقه بالمشيئة، فقال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨].
وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه الآية - يعني آية النساء - كما ترد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
فهي ترد أيضا على المرجئة الواقفية الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد، ويجوز أن يغفر للجميع.
стр. 1301
فإنه قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، فأثبت أن ما دون ذلك فهو مغفور، لكن لمن يشاء، فلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ، ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: لِمَن يَشَاء.
فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس، وحينئذ فمن غفر له لم يعذب، ومن لم يغفر له عذب. وهذا مذهب الصحابة، والسلف، والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له" (١).
وقال: "وقد دل على فساد قول الطائفتين - يعني الوعيدية والواقفة من المرجئة -: قول الله تعالى في آيتين من كتابه.
وهو قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب، كما يقوله من يقوله من المعتزلة، لأن الشرك يغفره الله لمن تاب، وما دون الشرك يغفره الله أيضا للتائب، فلا تعلق بالمشيئة.
ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، فهنا عمم المغفرة وأطلقها، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له.
ففي آية التوبة عمم وأطلق، وفي تلك الآية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه على المشيئة، ومن الشرك التعطيل للخالق، وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه، كتعطيل الخالق، أو يجوز ألا يعذب بذنب، فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض، ولو كان كل ظالم مغفور له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة. وقوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨] دليل على أنه يغفر البعض دون البعض، فبطل النفي والوقف العام" (٢).
ويقول رحمه الله تعالى: "وأيضا فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها، وأن النبي ﷺ يشفع في أقوام دخلوا النار، وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين:
الوعيدية الذين يقولون من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها.
وعلى المرجئة الواقفة، الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟ كما يقول ذلك طوائف من: الشيعة، والأشعرية، كالقاضي أبي بكر، وغيره" (٣).
ويقول: "وهذا المعنى - خروج الموحد من النار - مستفيض عن النبي ﷺ ، بل متواتر في أحاديث كثيرة من الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما، وفيها الرد على طائفتين:
على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن أهل التوحيد يخلدون فيها، وهذه الآية حجة عليهم.
وعلى من حكي عنه من غلاة المرجئة أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخلوها، تكذيب لهؤلاء وأولئك.
стр. 1302
وفيه رد على من يقول: يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد أحدا النار.
كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة، ومرجئة أهل الكلام المنتسبين إلى السنة، وهم الواقفة من أصحاب أبي الحسن وغيرهم، كالقاضي أبي بكر، وغيره. فإن النصوص المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد وخروجهم" (١).
وخلاصة هذا الرد في الوجوه التالية:
١ - أن قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ يدل على بطلان قول المرجئة أنه يجوز أن لا يغفر لأحد.
ويدل على أن المغفرة حاصلة للبعض ممن يشاء الله، ومن لم يشأ أن يغفر له يجوز أن لا يغفر لأحد.
ويدل على أن المغفرة حاصلة للبعض ممن يشاء الله، ومن لم يشأ أن يغفر له، فهو معذب.
٢ - أن قوله تعالى: لِمَن يَشَاء يدل على بطلان قولهم إنه يجوز أن يغفر لكل أحد.
٣ - أن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣]، يدل على بطلان توقفهم في قبول توبة الله على المذنبين، فإن الآية تدل على أن كل من ارتكب ذنبا، سواء كان شركا فما دونه، ثم تاب منه، فإن الله يقبل توبته.
٤ - أن الأحاديث المتواترة في خروج العصاة من النار، وفي الشفاعة لمن دخلها بالخروج منها تبطل توقفهم في خروج أصحاب الذنوب من النار. والذي عليه أئمة السلف هو القطع بأن من تاب توبة نصوحا قبل الله توبته (٢).
رابعا: تأويل المرجئة قوله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧] بأن المراد به من اتقى الشرك، أجاب عنه شيخ الإسلام بقوله:
هذا خلاف القرآن، فإن الله تعالى قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ [المرسلات: ٤١ - ٤٢]، وإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [القمر: ٥٤]، وقال: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: ١ - ٤]، وقالت مريم: قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا [مريم: ١٨]، ولم ترد الشركن بل أرادت التقي الذي يتقي، فلا يقدم على الفجور"، ثم قال:
"وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، فهم قد آمنوا واتقوا الشرك، فلم يكن الذي أمرهم به بعد ذلك مجرد ترك الشرك.
стр. 1303
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]، أفيقول مسلم: إن قطاع الطريق الذين يسفكون دماء الناس، ويأخذون أموالهم اتقوا الله حق تقاته؛ لكونهم لم يشركوا؟، وإن أهل الفواحش، وشرب الخمر، وظالم الناس اتقوا الله حق تقاته؟ "، ثم قال:"ومن أواخر ما نزل من القرآن - وقيل: إنها آخر آية نزلت (١) - قوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]، فهل اتقاء ذلك هو مجرد ترك الشرك، وإن فعل كل ما حرم الله عليه، وترك كل ما أمر الله به؟ ".ثم ختم شيخ الإسلام جوابه بقوله: "وبالجملة، فكون المتقين هم الأبرار، الفاعلون للفرائض، المجتنبون للمحارم، هو من العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفا عن سلف، القرآن والأحاديث تقتضي ذلك" (٢).
وقال أيضا: "قوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، أي ممن اتقاه في ذلك العمل، ليس المراد به الخلو من الذنوب، ولا مجرد الخلو من الشرك، بل من اتقاه من عمل قبله منه وإن كانت له ذنوب أخرى؛ بدليل قوله: وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، فلو كانت الحسنة لا تقبل من صاحب السيئة لم تمحها.
وقد ثبت بالكتاب والسنة المتواترة: الموازنة بين الحسنات والسيئات، فلو كانت الكبيرة تحبط بالحسنات لم تبق حسنة توزن معها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بغيا سقت كلباش، فغر الله لها بسقيه" (٣).
خامسا: ظن المرجئة أن العمل لا يحبط إلا بالكفر فقط. فيقال: إن الإيمان كله لا يزيله إلا الكفر المحض، الذي لا يبقى مع صاحبه شيء من الإيمان، وهذا هو الذي يحبط الأعمال، وأما ما دون ذلك، فقد يحبط بعض العمل، كما في قوله تعالى: لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى [البقرة: ٢٦٤]، فإن ذلك يبطل تلك الصدقة، لا يبطل سائر أعماله (٤).
سادسا: استدلالهم بقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر: ٣٢ - ٣٣] على أن الثلاثة يدخلون الجنة. يجاب عنه بأن هذا "لا يمنع أن يكون الظالم لنفسه قد عذب قبل هذا، ثم يدخلها" (٥).
سابعاً: استدلال بعض المرجئة بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٤ - ١٦] على أن النار لا يدخلها إلا كافر.
أجيبوا عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذه نار مخصوصة بالكفار الأشقياء، ولغيرهم منازل أخرى.
والثاني: أن الموحدين لا يصلونها صلي خلود. وهذا أقرب، وتحقيقه أن الصلي هنا هو الصلي المطلق، وهو المكث فيها، والخلود على وجه يصل إليهم العذاب دائما، فأما من دخل النار وخروج، فإنه نوع من الصلي، ليس هو الصلي المطلق، بحيث تحبط به من جميع جوانبه، فإنه قد ثبت أن الموحدين لا تأكل النار منهم مواضع السجود، والله أعلم (٦).ومن خلال المباحث السابقة في مرتكب الكبيرة يتبين أن فرق المرجئة الذين درست أقوالهم في مرتكب الكبيرة، وهم رؤوس فرق الإرجاء، ليس لهم مخالفة في مرتكب الكبيرة إلا في اسمه، حيث يجعلونه مؤمنا كامل الإيمان، وإلا فهم يقولون بأن الفاسق مستحق للذم والعقاب، ومعرض للوعيد، وأن من أهل القبلة من يدخل النار (٧).
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص ٥١٧
стр. 1304
المبحث الأول: موقف علماء السلف من الإرجاء والمرجئة
يمتاز علماء السلف بأنهم هم الفئة العالمة التي لا تعبث بأصول عقيدتها الأحداث، والفتن التي مزقت الأمة إلى تيارات متعددة، وقد كانت هذه الفرق المخالفة لمنهج السلف هي إحدى نتائج هذه الفتن، وقد أوغلت الضلالة بأرباب هذه الفرق إلى ابتداع أمور مخالفة لما كان عليه الرسول ﷺ ، وصحابته الكرام، ومن هذا المنطق، فقد وقف علماء السلف في وجه هؤلاء المبتدعة، وأبطلوا شبهاتهم، وبينوا المعتقد الحق الذي تدين به الأمة المسلمة".
وكلما ظهرت فتنة من الفتن أفرزت في خاتمتها إقرارات بدعية مختلفة، يقول بها من ضعف عقيدته عن مواجهة الباطل، والثبات على الدين الحق، وهذا ما حدث للخوارج عندما خرجوا على علي ﵁، ورد عليهم الشيعة، وانتحلوا الأكاذيب التي يرفعون بها الرجال إلى مصاف الألوهية، ويتبرءون من صحابة رسول الله ﷺ ، ثم ظهرت القدرية، والتي عجزت عقولهم عن اعتقاد الرسول، والصحابة الكرام في القدر، فراموا فهما، واعتقاداً، أودى بهم إلى إنكار القدر، ثم جاءت المرجئة بعقولهم العاجزة - أيضا - عن فهم أسس العقيدة، وثوابتها أمام الفتن، والأحداث الجسام، فجنحوا إلى فصل الإيمان عن العمل، واتسعت دائرة هذا الابتداع، ليجد فيه أتابع الفرق المنحرفة مخرجاً لانسلاخهم، وبعدهم عن الدين الحق.
وبسبب هذا الواقع الأليم، أنكر علماء السلف على المرجئة مقالتهم الضالة، واعتبروها من البدع الخطرة، التي تعطي الجهلة، والفسقة، الذريعة لارتكاب المعاصي، والمنكرات، وقد أتبع السلف في الرد على المرجئة مسالك متعددة؛ من أبرزها ما يلي:
الاحتجاج عليهم بنصوص الكتاب، والسنة، وواقع الصحابة الذي يبطل دعواتهم:
فأهل البدع كلهم إنما سموا مبتدعة لمخالفتهم ما جاء في الكتاب والسنة من العقائد الصحيحة، وهؤلاء المرجئة إنما حرفوا نصوص الكتاب والسنة في الإيمان، والعمل، وتأولوها على غير وجهها الصحيح؛ تبعاً لانحرافهم، وبدعتهم؛ فهذا هو القرآن الكريم يقرن الإيمان بالعمل، في مواطن يطول حصرها، ومنها قول الله - تعالى -: وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [البقرة: ٢٥]، وقال - تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٧]، وقال - تعالى -: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ٩٣]، وسمى - سبحانه - الأعمال إيماناً؛ فقال - سبحانه -: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ١٤٣].
وقال - تعالى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥].
وقال - تعالى -: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ [الطور: ٢١].
стр. 1305
ثم ينص القرآن الكريم على زيادة الإيمان - أيضاً -؛ مما يبطل دعوى المرجئة أن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ فقال رداً على المنافقين سلف المبتدعة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، ويصف - سبحانه - صحابة نبيه ﵇، وزيادة إيمانهم في المحنة الكبرى يوم حد: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].
ويصف - سبحانه - الفتية المؤمنين في سورة الكهف؛ فيقول: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣]، وقال - تعالى -:
لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١].
стр. 1306
وقال - تعالى -: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، وقال - تعالى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ [الأنفال: ٢].أما السنة المطهرة، فقد حفلت بهذه الجوانب كثيراً؛ ولذلك صنف علماء السلف المصنفات الكثيرة في الإيمان؛ للرد على المرجئة؛ فمنها: "كتاب الإيمان"، لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت ٢٢٤"، و "الإيمان" للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة "ت ٢٣٥"، وقد حققهما فضيلة الشيخ الألباني: والإمام أحمد بن حنبل، والإمام الطحاوي، والإمام محمد بن إسحاق بن مندة، كما حفلت الصحاح بأبواب الإيمان المليئة بالأحاديث الصحيحة؛ مثل صحيح البخاري، ومسلم، وكتب السنن المختلفة، كما ألف شيخ الإسلام كتابه "الإيمان"، وتعرض لمسائل الإيمان في مجموع فتاويه في مواطن متعددة (١)، وقد عرضنا لجملة من هذه الأحاديث في مبحث الإيمان، والعمل، ومنها ما رواه البخاري، ومسلم، عن ابن عباس ﵁، قال: "إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ ، قال: ((من القوم، أو: من الوفد، قالوا: ربيعة، قال: مرحبا بالقوم غير خزايا، ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة؛ فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده، قالوا: الله، ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدبا، والنقير، والمزفت، وربما قال: المقير: وقال: أحفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم)) (٢).فهذا التوجيه النبوي لهذا الوفد الكبير فيه اقتران الإيمان بالعمل، وأنه لابد من هذه الفرائض، واجتناب هذه النواهي؛ حتى يكتمل إيمانهم، وهذا الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص إذا عمل المسلم المعاصي، والمنهيات، فقد روى البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، ومن في قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير))، وفي رواية أخرى أنه قال بدل كلمة ((خير)) كلمة ((إيمان)) (٣).وروى ابن أبي شيبة عن هانئ بن هانئ، قال: كنا جلوساً عند علي ﵇، فدخل عمار، فقال: مرحباً بالطيب المطيب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن عماراً مليء إيماناً إلى مشاشه)) (٤).وقد أخذ التابعون عن الصحابة - رضوان الله عليهم - الفهم الصحيح لزيادة الإيمان، ونقصه؛ فعن إبراهيم بن علقمة، وكان من أصحاب عبدالله بن مسعود، أنه كان يقول لأصحابه: (أمشوا بنا نزدد إيماناً) (٥)،
стр. 1307
وعن الأسود بن هلال، قال: (كان معاذ بن جبل يقول للرجال من إخوانه: أجلس بناء، فنؤمن ساعة، فيجلسان، فيذكران الله، ويحمدانه) (١).فكان السلف - رضوان الله عليهم - على هذا المعتقد الحق بالإيمان، وأن العمل ملازم له، ولا ينفك عنه، بل هو علامة دالة على صدق صاحبه؛ ولذلك ألف علماء السلف المصنفات الكبرى في شعب الإيمان، وأبوابه التي قالها النبي ﷺ إنها الإيمان، وإنها قول باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل الأركان (٢).وكان علماء السلف من الصحابة والتابعين، على هذا المعتقد، وذكر منهم: "عمر بن الخطاب، وعليا، وعبدالله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، وابن عباس، وابن عمر، وعمارا، وأبا هريرة، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن رواحة، وأبا أمامة، وجندب بن عبدالله البجلي، وعمير بن خماشة، وعائشة ﵃ أجمعين، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة بن الزبير، وعطاء، وطاووسا، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وميمون بن مهران، وعمران بن عبدالعزيز، وسعيد بن جيد، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، وأيوب بن عبيد، وابن عون، وسليمان التيمي، وإبراهيم النخعي، وأبا البختري، وسعيد بن فيروز، وعبدالكريم بن مالك الجزري، وزبيد بن الحارث، والأعمش، والحكم، ومنصوراً، وحمزة الزيات، وهشام بن حسان، ومعقل بن عبدالله الجزري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وجمهرة كبيرة غيرهم" (٣).ومن مسالك السلف في رد بدعة المرجة: بيان فساد مذهبهم، والتحذير منهم: فقد قال الأوزاعي: "كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء اخوف عندهم على الأمة من الإرجاء" (٤)، وكان إبراهيم النخعي يقول عنهم: "لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة؛ لفقوا قولاً، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كبير؛ فإياك، وإياهم"، وذكر عنده المرجئة، فقال: "والله، إنهم أبغض إلى من أهل الكتاب"، ولعل قول إبراهيم النخعي بأنه أخوف على الأمة منهم من فتنة الأزراقة، كان نابعا من أن الأزارقة قالوا بتكفير مرتكب الكبيرة، فكفروا الناس في الذنوب، فكان الغلو رائدهم، وتساهلت المرجئة في القول بترك العمل، وإنه لا يضر مع الإيمان معصية مهما عظمت، فأباحت للناس فعل الموبقات، فكان غلوهم من هذا الجانب، والأزارقة يحذرون من الكبائر، ويحكمون على أصحابها بذلك التشدد، وهؤلاء يتركون الحبل على الغارب في دعواهم الباطلة، ويطمعون الفساق، ويدعون الناس بمقالتهم لفعل الكبائر، والموبقات. وروى الطبري عن عمر بن مرة "ت ١١٦"، قال: "نظرت في أمر هؤلاء الخوارج، فإذا شر قوم، ونظرت في أمر هؤلاء الجنشبية "الشيعة"، فإذا شر قوم، ونظرت في أمر هؤلاء المرجئة، فإذا هم أمثل، أو خير، فأنا مرجئ، قال الأعمش: قلت: يا أبا عبدالله: ولم تسمى باسم غير الإسلام؟ قال: أنا كذلك" (٥).وروى الذهبي عن محمد بن حميد، عن معيزة قال: "لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمر بن مرة في الإرجاء، فتهافت الناس فيه" (٦).
стр. 1308
ويعيب ابن أبي مليكة مقالة المرجئة الغلاة؛ فيقول: "وقد أتى على برهة من الدهر، وما أراني أدرك رجلاً يقول: أنا مؤمن، فما رضي بذلك حتى قال على إيمان جبريل، وميكائيل، وما كان محمد ﷺ يقول بذلك، وما زال الشيطان يتعلب بهم حتى قالوا: مؤمن، وإن نكح أمه، وأخته، وابنته؛ والله، ولقد أدركت من أصحاب رسول الله ﷺ رجالاً، ما مات أحد إلا وهو يخشى النفاق" (١).وقال ابن مجاهد: كنت عند عطاء بن أبي رباح، فجاء ابنه يعقوب، فقال: "يا أبتاه، إن أصحابا لنا يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل، فقال: يا بني، ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله" (٢).وعن سويد بن سعيد الهروي، قال: "سألنا سفيان بن عينية عن الإرجاء، فقال: يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول، وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لم شهد أن لا إله إلا الله "مصراً بقلبه على ترك الفرائض"، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل، ولا عذر، هو كفر؛ وبيان ذلك من أمر آدم - صلوات الله عليه -، وإبليس، وعلماء اليهود؛ أما آدم، فنهاه الله عن أكل الشجرة، وحرمها عليه، فأكل منها متعمداً؛ ليكون ملكاً، أو يكون من الخالدين؛ فسمي عاصياً من غير كفر، وأما إبليس - لعنه الله -، فغنه فرض عليه سجدة واحدة، فجحدها متعمداً؛ فسمي كافراً، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ ، وأنه نبي رسول، كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته؛ فسماهم الله كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم ﵇، وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحوداً، فهو كفر؛ مثل كفر إبليس - لعنه الله -، وتركهم على معرفة من غير جحود جحود، فهو كفر مثل كفر علماء اليهود" (٣).ومن مسالك علماء السلف مع مبتدعة المرجئة الحوار معهم، وبيان تهافت فكرتهم وبطلانها؛ فقد روى الطبري عن سلام بن أبي مطيع قال: "سمعت أيوب، وعنده رجل من المرجئة، فجعل الرجل يقول: إنما هو الكفر، والإيمان، قال: فأقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قول الله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٦]، أمؤمنون أم كفار؟ قال: فسكت الرجل، قال: فقال له أيوب: اذهب، فاقرأ القرآن؛ فكل آية في القرآن فيها ذكرالنفاق فإني أخافها على نفسي" (٤).وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: يا سفيه، ما أجهلك! ألا ترضى أن تقول: أنا مؤمن، حتى تقول: أنا مستكمل الإيمان؟ لا، والله، لا يستكمل العبد الإيمان حتى يؤدي ما فرض الله عليه، ويجتنب ما حرم الله عليه، ويرضى بما قسم الله له، ثم يخاف مع ذلك أن لا يقبل منه" (٥).وجاء رجل إلى ميمون بن مهران يخاصمه في الإرجاء، فبينما هما على ذلك إذ سمعا امرأة تغني، فقال ميمون: أين إيمان هذه من إيمان مريم بنت عمران؟ فانصرف الرجل، ولم يرد عليه (٦).
стр. 1309
ومن مسالك علماء السلف في الرد على المرجئة الغلاة تكفيرهم بما نسب لهم من الأقوال الشاذة التي تبيح المحرمات؛ فقد روى اللالكائي، وابن بطة، والطبري، عن معقل بن عبيدالله العبسي "ت ١١٦"، قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفاراً شديداً؛ منهم ميمون بن مهران "ت ١١٩ط، وعبدالكريم بن مالك، فأما عبدالكريم بن مالك، فإنه عاهد الله أن لا يأويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت، فدخلت على عطاء بن أبي رباح "ت: ١٢٤" في نفر من أصحابي، وغذا هو يقرأ سورة يوسف، وقال: قلت له: إن لنا حاجة، فأدخلنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا، وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة، والزكاة ليستا من الدين، فقال: أوليس الله يقول: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة: ٥]، قال: وقتل إنهم يقولون: ليس في الإيمان زيادة، قال: أوليس قد قال الله فيما أنزل: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤].هذا الإيمان الذي زادهم، قال: فقلت: إنهم انتحلوك، وبلغني أن ابن درهم دخل عليك في أصحابه، فعرضوا عليك قولهم، فقبلته، فقلت هذا الأمر، فقال: لا، والله الذي لا إله إلا هو "مرتين، أو ثلاثاً"، قال: ثم قال: قدمت المدينة، فجلس إلى نافع مولى ابن عمر "ت ١١٩"، فقلت: يا أبا عبدالله، إن لي إليك حاجة، قال: سر، أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر، قال: دعني من السر، سر لا خير فيه، فقلت: ليس من ذلك، فلما صلى العصر، فذكرت له قولهم، فقال: قال رسول الله ﷺ : ((أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله))، قال: قلت: إنهم يقولون: نحن نقر بالصلاة، فريضة، ولا نصلي، وأن الخمر حرام، ونحن نشربها، وأن نكاح الأمهات حرام، ونحن نريده، فنتر يده من يدي، وقال: من فعل هذا فهو كافر" (١).ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد، ووكيع، تكفير غلاة المرجئة؛ فقال: "وأما جهم، فكان يقول: إن الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به، وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة، وأئمتها؛ بل أحمد، ووكيع، وغيرهما، كفروا من قال بهذا القول" (٢).وروى الخلال عن عبيدالله بن حنبل قال الحميدي "عبداللهبن الزبير بن عيسى": وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولم يفعل من ذلك شيئاً، حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره، مستدبر القبلة، حتى يموت، فهو مؤمن، ما لم يكن جاحداً، إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذا كان يقر الفروض، واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وفعل المسلمين قال الله : حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥]، قال حنبل: "قال أبو عبدالله، وسمعته يقول: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ما جاء به" (٣).
стр. 1310
ومن مسالك علماء السلف في رد بدعة القدرية نسبة مقالتهم إلى مصادر غير إسلامية، كاليهودية، والنصرانية، والصابئة؛ فقد روى عبدالله بن أحمد أن سعيد بن جبير كان يقول عن المرجئة: "إنهم يهود القبلة" (١).وكان قول - أيضاً -: "مثل المرجئة مثل الصابئين" (٢)، ويفسر ذلك فيقول: "مثلهم مثل الصائبين، إنهم أتوا اليهود، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: التوراة، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، ثم أتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، ثم قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن بد ندين" (٣).
وكان السلف لا يسلمون عليهم، ولا يجالسونهم، وينهون عن ذلك: فقد روى ابن بطة، أن ذر بن عبدالله "أحد المرجئة" شكا سعيد بن جبير إلى أبي البحتري الطائي، فقال: "مررت، فسلمت عليهن فلم يرد علي، فقال أبو البحتري لسعيد بن جبير، فقال سعيد: إن هذا يجدد في كل يوم ديناً، لا، ولا كلمته أبدا" (٤).وقال أيوب السختياني: قال لي سعيد بن جبير: "لا تجالس طلقاً "أي طلق بن حبيب، وكان مرجئيا، وقال مرة أخرى: رآني سعيد بن جبير جلست إلى طلق بن حبيب، فقال: ألم أرك جلست إليه؟ لا تجالسه، قال: وكان ينتحل الإرجاء" (٥)، وكان سفيان الثوري يقول: "ما كنا نأتي حماد بن أبي سليمان "ت ١٢٠هـ" إلا سرا من أصحابنا، كانوا يقولون: أتأتيه؟ أتجالسه؟ فما كنا نأتيه إلا سرا" (٦)، وقال في رواية أخرى: "كنت ألقى حماد بعد ما أحدث "الإرجاء"، فما كنت أسلم عليه" (٧). وكان الأعمش لا يسمح بجلوسهم في حلقة الحديث التي كان يعقدها، وكان يأمر بإخراجهم من المسجد (٨).وكان السلف لا يحضرون جنائزهم، ولا يصلون عليهم إذا ماتوا؛ "فعندما مات عمر بن ذر، وكان رأسا في الإرجاء، لم يشهد جنازته سفيان الثوري، ولا الحسن بن صالح (٩)، وعندما توفي عبدالعزيز بن أبي رواد، فجيء بجنازته، فوضعت عند باب الصفا، واصطف الناس، وجاء سفيان الثوري، فقال الناس: جاء الثوري جاء الثوري، فجاء حتى خرق الصفوف، والناس ينظرون إليه، فجاوز الجنازة، ولم يصل عليها؛ وذلك لأنه كان يرى الإرجاء" (١٠)، وسئل عن ذلك، فقال: "والله، إني لأرى الصلاة على من هو دونه عندي، ولكني أردت أن أرى الناس أنه مات على بدعة" (١١).
هذه جملة من مواقف علماء السلف من بدعة الإرجاء، وهي تعبر عن أصالة منهج السلف، واشتهاره، وهيمنته على الأمة في هذه المرحلة، واستلهام علماء السلف، واقع الدعوة الإسلامية الأولى، بشخص رسول الله ﷺ ، وصحابته الكرام، الذين اعتقدوا ما جاء به الكتاب، والسنة، ولم تؤثر فيهم الأحداث، والفتن، فكانوا هم أهل الحق الذي وعد به الرسول ﷺ ، وأنهم لا يضرهم من خالفهم؛ حيث وقفوا لهذه البدع بالمرصاد، فكل البدع، صغيرة كانت أو كبيرة، فهي مرفوضة عندهم؛ لأن الأتباع لهذا الدين الحق بوضوحه، وظهوره، لا يعطي أي مبرر لأهل البدع أن يعلنوا بدعهم، أو يدعوا لها.
المصدر: العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها والدفاع عنها حتى نهاية العصر الأموي لعطا الله المعايطة - ص ٦٠١
стр. 1311
المبحث الثاني: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من المرجئة إجمالا
يمكن عرض موقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من المرجئة من خلال الفقرات التالية:
أولاً: خطورة الإرجاء. بين شيخ الإسلام أن المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم أحسنوا، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر (١).فالمرجئة مع قولهم بأن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش (٢)، إلا أن قولهم بالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم (٣).ومن المرجئة من تسترسل نفسه في المحرمات وترك الواجبات، حتى يكون من شرك الخلق (٤).وقد نبه شيخ الإسلام أيضا على أن كثيرا من المرجئة لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذما مطلقا، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة، وهذه طريقة منحرفة، خارجة عن الكتاب والسنة (٥).فخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف (٦).
ثانياً: الإرجاء بدعة، وأصحابه من أهل الأهواء.
البدعة التي يعد صاحبها من أهل الأهواء هي ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، وهذا الوصف يقع على بدعة الإرجاء، كما هو واقع على بدعة الخوارج، والروافض، والقدرية. ولذا فإن بدعة الإرجاء من البدع التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء (٧).كما أن بدعة المرجئة تشارك البدع السابقة في أن لها شبها في نصوص الأنبياء، بخلاف بدع الجهمية النفاة، فإنه ليس معهم فيها دليل سمعي أصلا، ولهذا كانت آخر البدع حدوثا في الإسلام (٨).
ثالثا: الإرجاء من الاختلاف المذموم. خلاف المرجئة من الاختلاف المذموم (٩)، وهو نزاع مبتدع في الإسلام، مسبوق بإجماع السلف على خلافه، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعاً؛ لمخالفته النصوص المستفيضة المعلومة، وإجماع الصحابة (١٠).
رابعا: المرجئة أصناف، ولكل صنف أحكامه.
مما يلاحظ حول موقف شيخ الإسلام من المرجئة أنه لم يجعلهم في دائرة واحدة يندرجون تحت حكم واحد، بل هم عنده أصناف ثلاثة، ولكل صنف منهم أحكامه:
الصنف الأول: مرجئة الفقهاء.
стр. 1312
وهؤلاء على أيديهم ظهر الإرجاء، وكانوا أول من أحدث هذه الثلمة في الأمة - نعوذ بالله من الخدلان -.وقد كان قصدهم - عفا الله عنا وعنهم - أتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد بالوعد، وجعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارا، فهم قابلوا الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فصاروا طرفا آخر (١).وإذا ما قورنت بدعة هؤلاء بغيرها من البدع في الإيمان نجد شيخ الإسلام ﵀ يصف بدعتهم بأنها أخف البدع، وأنها من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، لكن البلاء في هذه البدعة أنها فتحت الباب لخطأ عظيم في العقائد والأعمال (٢).
ولذا اتفقت كلمة السلف على إنكار هذه المقالة، وذم أصحابها، وتبديعهم.
وكلمة السلف متفقة أيضا على عدم تكفيرهم، ومن ظن من السلف أنهم كفروهم، فقد أخطأ عليهم. يقول شيخ الإسلام: "ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء" (٣).
ويقول ﵀: "ثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء - يعني مرجئة الفقهاء -، وتبديعهم، وتغليظ القول فيهم. ولم أعلم أحدا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك، وقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة (٤).ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطا عظيما" (٥).
ويقول: "وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة، والشيعة المفضلة، ونحو ذلك. ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع - من هؤلاء وغيرهم - خلافا عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة" (٦).
ومما يقيد لشيخ الإسلام حول موقفه من هذا الصنف اهتمامه الشديد بتحرير النزاع بين مقالتهم ومقالة السلف في الإيمان. فهو يضعف النزاع بين الفريقين بأن "أكثره نزاع لفظي" (٧)، وأن "كثيرا منه نزاع في الاسم دون الحكم" (٨).وقال ﵀: "فكان خلاف كثير من كلامم للجماعة إنما هو في الاسم، لا في الحكم" (٩).وقال أيضا: "وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع الجماعة خلاف يسير، وبعضه لفظي" (١٠).
فالمتحصل أن شيخ الإسلام يصف الخلاف بين الفريقين بأنه يسير، وأن أكثره، أو كثيرا منه، أو بعضه لفظي.
وما مضى في مباحث الكتاب المتعلقة بمرجئة الفقهاء من كلام شيخ الإسلام نفسه كفيل بكشف حقيقة نزاعهم مع السلف في مسائل الإيمان.
والذي تبين من الدراسة أن بين الفريقين مواطن اتفاق، ومواطن اختلاف على النحو التالي:
أولا: مواطن الاتفاق:
١ - أن العمل المفروض واجب، وأن تارك الفرائض، وفاعل المحرمات مستحق للذم والعقاب.
٢ - أنه لابد في الإيمان من قول اللسان، وأن من لم يأت به مع قدرته عليه، فهو كافر.
٣ - أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، وأن من شتم الله تعالى ورسوله ﷺ كافر باطنا وظاهرا.
стр. 1313
٤ - أن مرتكب الكبيرة معرض للذم والوعيد، وأن أصحاب الكبائر منهم من لا يدخل النار، ومنهم من يدخلها ثم يخرج بالشفاعة.
ثانيا: مواطن الاختلاف.
١ - ظنهم أن الإيمان شيء واحد لا يتعدد، ولا يتبعض، ولا يتفاضل أهله فيه.
٢ - حصرهم الإيمان في تصديق القلب، وقول اللسان.
٣ - إخراجهم أعمال القلوب من الإيمان.
٤ - إخراجهم أعمال الجوارح من الإيمان.
٥ - أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
٦ - أن الاستثناء في الإيمان لا يجوز.
٧ - مرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان.
٨ - ظنهم أن المرجئ هو الذي لا يوجب الفرائض، ولا اجتناب المحارم. هذه هي مواطن اتفاق أهل السنة ومرجئة الفقهاء، واختلافهم في مسائل الإيمان، ومنها يتضح للناظر مدى الفرق بينهما، ويبقى التنبيه على مسألة مهمة حول كون النزاع لفظيا في مسألة الإيمان، وهي أن النزاع يكون كذلك في حالة تسليم المخالف بأن الإيمان الذي في القلب يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال والأعمال، ثم هو ينازع بعد ذلك في كون هذا الإيمان الظاهر جزءا من الإيمان الباطن أو لازما له، فالنزاع في هذه الجزئية يعد لفظيا على رأي شيخ الإسلام (١).وأما إن كان المخالف يقول بحصول الإيمان الواجب في القلب دون فعل شيء من الواجبات الظاهرة فهذه هي بدعة الإرجاء التي أعظم السلف الكلام في أهلها (٢).
الصنف الثاني: جهمية المرجئة.
ويندرج تحت هذا الوصف أتباع جهم، والأشعري - في المشهور عنه - وأكثر أصحابه، والماتريدية. ومن موقف شيخ الإسلام من هذا الصنف تأكيده على ضرورة فهم مقالتهم، فإن كثيرا من المتأخرين قد خلط بين قول الجهمية وقول السلف، فتراه في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف (٣).وبين أيضا أن قول هؤلاء في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه، وهو أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم (٤).وأمام هذه المباينة حصل الخلاف في تكفير من قال بهذا القول (٥)، والذي عليه الأئمة، كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، وغيرهم، هو كفر من يقول بهذه المقالة (٦).
стр. 1314
وهذا تكفير للمقالة، وأما أصحابها، فقد قال شيخ الإسلام: "والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة، وأمثال هؤلاء، ولم يكفر أحمد الخوارج، ولا القدرية - إذا أقروا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، وعموم المشيئة -، لكن حكي عنه في تكفيرهم: روايتان. وأما المرجئة، فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم" (١).ومع هذا كله لم ينس شيخ الإسلام ﵀ عليه وهو يتخذ هذا الموقف من التنبيه على أن قول الجهمية بأن الفساق لا يخلدون في النار أقرب في الحكم إلى قول السلف (٢).فهؤلاء الجهمية يعدون في إقرارهم بالأمر النهي والوعد والوعيد - وإن كانوا يضعفونه - من مقتصدة المرجئة الجبرية، إذا ما قورنوا بغالية المرجئة ممن ينكر العقاب بالكلية، أو ينكر الوعيد في الآخرة رأساً، كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة (٣).
الصنف الثالث: الكرامية. مع نقض شيخ الإسلام لمقالة الكرامية، وتبين أن قولهم في الإيمان لم يسبقهم إليه أحد، إلا أن هذا لم يحل دون التأكيد على عدم تقويلهم ما لم يقولوا به، فمن نسب غليهم الحكم على المنافق بأنه مؤمن من أهل الجنة، فقد أخطأ عليهم، فالقوم إنما نازعوا في الاسم لا الحكم (٤).
وبعد، فتلك الخلاصة مركزة لموقف شيخ الإسلام من المرجئة، وما مضى في مباحث الكتاب فيه تفاصيل كاشفة لحقيقة هذا الموقف، والله تعالى أعلم.
المصدر: آراء المرجئة في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية لعبدالله محمد السند - ص٥٣٥
стр. 1315
المبحث الثالث: المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء
حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال: حدثنا زهير بن محمد المروزي قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه يعني: أهل الإرجاء
حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثنا شهاب بن فراس عن أبي حمزة الثمالي الأعور قال: قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه لفقوا قولا فأنا أخافهم على الأمة الشر من أمرهم كثير فإياك وإياهم
حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال: حدثنا أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثني سعيد بن صالح عن حكيم بن جبير قال إبراهيم: المرجئة أخوف عندي على الإسلام عدتهم من الأزارقة
حدثنا ابن عبد الحميد قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا الضحاك بن مخلد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: إني لأعرف أهل دسر أهل ذلك الدسر في النار قوم يقولون: الإيمان كلام وإن زنى وقتل وقوم يقولون: إن أولية الضلال ما قال خمس صلوات وإنما هما صلاتان قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:٧٨]
وحدثنا أبو نصر قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا أبو عمرو عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حذيفة ﵁ قال: إني لأعلم أهل دينين هذين الدينين في النار قوم يقولون: الإيمان كلام وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان
وحدثنا أبو نصر قال: حدثنا ابو بكر قال: حدثنا ابو عبد الله قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: مثل المرجئة مثل الصابئين
وحدثنا أبو نصر قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثنا أيوب قال: قال لي سعيد بن جبير: رأيتك مع طلق قلت: بلى فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجىء قال أيوب: وما شاورته في ذلك ويحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه
قال: وحدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: سمعت سفيان - وذكر المرجئة - فقال: رأي محدث أدركنا الناس على غيره
قال: وحدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا أبو إسحاق - يعني الفزاري - قال: قال الأوزاعي: قد كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء
قال: وحدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن نمير عن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة
قال: وحدثنا أبو عبد الله قال: وحدثنا حجاج قال: سمعت شريكا - وذكر المرجئة - قال: هم أخبث قوم وحسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله
قال: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي قال: حدثنا الفضل بن زياد قال: سمعت أبا عبد الله - وسئل عن المرجئة - فقال: من قال: إن الإيمان قول
حدثنا جعفر قال: حدثنا الفضل قال: حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سلمة بن نبيط عن الضحاك بن مزاحم قال: ذكروا عنده من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة فقال: هذا قبل أن تحد الحدود وتنزل الفرائض
أخبرنا خلف بن عمرو العكبري قال: حدثنا الحميدي قال: سمعت وكيعا يقول: أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل والمرجئة يقولون: الإيمان قول والجهمية يقولون: الإيمان معرفة
стр. 1316
قال محمد بن الحسين: من قال: الإيمان قول دون العمل يقال له: رددت القرآن والسنة وما عليه جميع العلماء وخرجت من قول المسلمين وكفرت بالله العظيم
فإن قال: بماذا؟
قيل له: إن الله أمر المؤمنين بعد أن صدقوا في إيمانهم: أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وفرائض كثيرة يطول ذكرها مع شدة خوفهم على التفريط فيها النار والعقوبة الشديدة
فمن زعم أن الله تعالى فرض على المؤمنين ما ذكرنا ولم يرد منهم العمل ورضي منهم بالقول فقد خالف الله ورسوله ﷺ فإن الله لما تكامل أمر الإسلام بالأعمال قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣] وقال النبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس)) وقال ﷺ : ((من ترك الصلاة فقد كفر))
قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: ومن قال: الإيمان: المعرفة دون القول والعمل فقد أتى بأعظم من مقالة من قال: الإيمان: قول ولزمه أن يكون إبليس على قوله مؤمنا لأن إبليس قد عرف ربه قال تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي [الحجر:٣٩] وقال تعالى: قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي [الحجر:٣٦] ويلزم أن تكون اليهود - لمعرفتهم بالله وبرسوله - أن يكونوا مؤمنين قال الله : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ [البقرة:١٤٦] فقد أخبر : أنهم يعرفون الله تعالى ورسوله
ويقال لهم: أليس الفرق بين الإسلام وبين الكفر العمل؟ وقد علمنا أن أهل الكفر والشرك قد عرفوا بعقولهم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما ولا ينجيهم في ظلمات البر والبحر إلا الله وإذا أصابتهم الشدائد لا يدعون إلا الله فعلى قولهم أن الإيمان المعرفة كل هؤلاء مثل من قال: الإيمان: المعرفة على قائل هذه المقالة الوحشية لعنة الله
بل نقول - والحمد لله - قولا يوافق الكتاب والسنة وعلماء المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم وقد تقدم ذكرنا لهم: أن الإيمان معرفة بالقلب تصديقا يقينا وقول باللسان وعمل بالجوارح ولا يكون مؤمنا إلا بهذه الثلاثة لا يجزئ بعضها عن بعض والحمد لله على ذلك قال: (حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا يوسف القطان قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن الزهري قال: قال: لي عبد الملك بن مروان: الحديث الذي جاء عن النبي ﷺ : ((من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنا وإن سرق)) (١). قال: فقلت له: أين يذهب بك يا أمير المؤمنين؟ هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض
قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: احذروا رحمكم الله قول من يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ومن يقول: أنا مؤمن عند الله وأنا مؤمن مستكمل الإيمان هذا كله مذهب أهل الإرجاء
حدثنا حسان بن أبي سنان الأنماطي قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثنا عبد الملك بن محمد قال: حدثنا الأوزاعي قال: ثلاث هن بدعة: أنا مؤمن مستكمل الإيمان وأنا مؤمن حقا وأنا مؤمن عند الله تعالى
стр. 1317
قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال: حدثنا نافع بن عمر القرشي قال: كنا عند ابن أبي مليكة فقال له جليس له: يا أبا محمد إن ناسا يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل؟ فغضب عبد الله ابن أبي مليكة فقال: ما رضي الله لجبريل ﵇ حتى فضله بالثناء على محمد ﷺ فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ [التكوير:١٩ - ٢٢] يعني محمدا ﷺ قال ابن أبي مليكة: أفأجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟ لا ولا كرامة ولا حبا
قال نافع: قد رأيت فهدان كان رجلا لا يصحو من الشراب
قال محمد بن الحسين رحمه الله تعالى: من قال هذا فقد أعظم الفرية على الله وأتى بضد الحق وبما ينكره جميع العلماء لأن قائل هذه المقالة يزعم: أن من قال لا إله إلا الله: لم تضره الكبائر أن يعملها ولا الفواحش أن يرتكبها وأن عنده: أن البار التقي الذي لا يباشر من ذلك شيئا والفاجر يكونان سواء هذا منكر قال الله : أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:٢١] وقال : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:٢٨]
فقل لقائل هذه المقالة المنكرة: ياضال يامضل إن الله لم يسو بين الطائفتين من المؤمنين في أعمال الصالحات حتى فضل بعضهم على بعض درجات قال الله : لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد:١٠] فوعدهم الله كلهم الحسنى بعد أن فضل بعضهم على بعض وقال : لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً النساء:٩٥ [ثم قال: وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى النساء:٩٥]، وكيف يجوز لهذا الملحد في الدين أن يسوي بين إيمانه وإيمان جبريل وميكائيل ويزعم أنه مؤمن حقا؟
(حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا شهاب بن خراش عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ما بعث الله نبيا قبلي فاستجمعت له أمته إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون أمر أمته من بعده ألا وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم أو أحدهم)
(أخبرنا الفريابي قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة ومحمد بن بشر قالا: أخبرنا ابن نزار علي أو محمد عن أبيه عن عكرمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)
قال: (حدثنا أبو علي الحسين بن محمد بن شعبة الأنصاري قال: حدثنا علي بن المنذر الطريقي قال: حدثنا ابن فضيل قال: حدثنا أبي وعلي بن نزار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)
المصدر: الشريعة للآجري - ١/ ١٥١
стр. 1318
المبحث الرابع: فتوى اللجنة الدائمة في التحذير من مذهب الإرجاء وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام فيه
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ...
وبعد:
فقد أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين، المقيدة استفتاآتهم بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (٥٤١١) وتاريخ (٧/ ١١/١٤٢٠هـ). ورقم (١٠٢٦) وتاريخ (١٧/ ٢/١٤٢١هـ). ورقم (١٠١٦) وتاريخ (٧/ ٢/١٤٢١هـ). ورقم (١٣٩٥) وتاريخ (٨/ ٣/١٤٢١هـ). ورقم (١٦٥٠) وتاريخ (١٧/ ٣/١٤٢١هـ). ورقم (١٨٩٣) وتاريخ (٢٥/ ٣/١٤٢١هـ). ورقم (٢١٠٦) وتاريخ (٧/ ٤/١٤٢١هـ). وقد سأل المستفتون أسئلة كثيرة مضمونها:
"ظهرت في الآونة الأخيرة فكرة الإرجاء بشكل مخيف، وانبرى لترويجها عدد كثير من الكتاب، يعتمدون على نقولات مبتورة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ مما سبب ارتباكاً عند كثير من الناس في مسمى الإيمان، حيث يحاول هؤلاء الذين ينشرون هذه الفكرة أن يخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، ويرون نجاة من ترك جميع الأعمال، وذلك مما يسهل على الناس الوقوع في المنكرات وأمور الشرك وأمور الردة، إذا علموا أن الإيمان متحقق لهم، ولو لم يؤدوا الواجبات ويتجنبوا المحرمات ولو لم يعملوا بشراع الدين بناء على هذا المذهب.
ولا شك أن هذا المذهب له خطورته على المجتمعات الإسلامية وأمور العقيدة والعبادة، فالرجاء من سماحتكم بيان حقيقة هذا المذهب، وآثاره السيئة، وبيان الحق المبني على الكتاب والسنة، وتحقيق النقل عن شيخ الإسلام، حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، وفقكم الله وشدد خطاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
هذه المقالة المذكورة هي: مقالة المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، ويقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط وليست منه، فمن صدق بقلبه، ونطق بلسانه؛ فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات، ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيراً قط، ولزم على ذلك الضلال لوازم باطلة؛ منها: حصر الكفر بكفر التكذيب والاستحلال القلبي، ولا شك أن هذا قول باطل وضلال مبين، مخالف للكتاب والسنة، وما عليه أهل السنة والجماعة سلفا وخلفاً، وأن هذا يفتح بابا لأهل الشر والفساد، للانحلال من الدين، وعدم التقيد بالأوامر والنواهي، والخوف والخشية من الله سبحانه.
ويعطل جانب الجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسوي بين الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، والمستقيم على دين الله، والفاسق المتحلل من أوامر الدين ونواهيه، ما دام أن أعمالهم هذه لا تخل بالإيمان كما يقولون.
ولذلك اهتم أئمة الإسلام - قديما وحديثاً - ببيان بطلان هذا المذهب، والرد على أصحابه، وجعلوا لهذه المسألة بابا خاصا في كتب العقائد، بل ألفوا فيها مؤلفات مستقلة، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره.
قال شيخ الإسلام ﵀ في "العقيدة الواسطية": "ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل. قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية".
وقال في "كتاب الإيمان": "ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية وأتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح".
стр. 1319
وقال ﵀: "والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس في التصديق ولا في الحب ولا في الخشية ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.
وقال ﵀: "وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم للغة، وهذه طريقة أهل البدع". انتهى.
ومن الأدلة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وعلى زيادته ونقصانه بها، قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:٢ - ٤]، وقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون: ١ - )]، وقول الرسول ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة. أعلاها قول: لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان".
قال شيخ الإسلام ﵀ في "كتاب الإيمان" أيضاً: "وأصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله. وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد. وما كان في القلب فلابد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح. وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه. ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب، ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من الإيمان المطلق وبعض له".
وقال أيضا: "بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان، علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً. ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين. إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت ونهيت عنه؛ فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة ولا نفي بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمتر به. ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم أهل لشفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أ؛ د منكم النار. بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك" انتهى.
стр. 1320
وقال أيضاً: "فلفظ الإيمان إذا أطلق في القرآن والسنة يراد به ما يراد بلفظ البر وبلفظ التقوى وبلفظ الدين كما تقدم. فإن النبي ﷺ بين أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطرق، فكان كل ما يحبه الله يدخل في اسم الإيمان. وكذلك لفظ البر يدخل فيه جميع ذلك إذا أطلق، وكذلك لفظ التقوى، وكذلك الدين أو دين الإسلام. وكذلك روي أنهم سألوا عن الإيمان؛ فأنزل الله هذه الآية لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ... [البقرة: ١٧٧]. إلى أن قال: "والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان العمل. لا على إيمان خال عن عمل" فهذا كلام شيخ الإسلام في الإيمان. ومن نقل عنه غير ذلك فهو كاذب عليه.
وأما ما جاء في الحديث: أن قوما يدخلون الجنة لم يعملوا خيرا قط؛ فليس هو عاما لكل من ترك العمل وهو يقدر عليه، وإنما هو خاص بأولئك لعذر منعهم من العمل، أو لغير ذلك من المعاني التي تلائم النصوص المحكمة، وما أجمع عليه السلف الصالح في هذا الباب.
هذا؛ واللجنة الدائمة إذ تبين ذلك، فإنها تنهى وتحذر من الجدال في أصول العقيدة؛ لما يترتب على ذلك من المحاذير العظيمة، وتوصي بالرجوع في ذلك إلى كتب السلف الصالح وأئمة الدين، المبنية على الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتحذر من الرجوع إلى الكتب المخالفة لذلك، وإلى الكتب الحديثة الصادرة عن أناس متعالمين، لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصيلة.
وقد اقتحموا القول في هذا الأصل العظيم من أصول الاعتقاد، وتبنوا مذهب المرجئة، ونسبوه ظلماً إلى أهل السنة والجماعة، ولبسوا بذلك على الناس، وعززوه - عدواناً - بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وغيره من أئمة السلف بالنقول المبتورة بالنقول المبتورة، وبمتشابه القول، وعدم رده إلى المحكم من كلامهم. وإنا ننصحهم أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يثوبوا إلى رشدهم ولا يصدعو الصف بهذا المذهب الضال، واللجنة - أيضاً - تحذر المسلمين من الاغترار والوقوع في شراك المخالفين لما عليه جماعة المسلمين: أهل السنة والجماعة. وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو/ عبدالله بن عبدالرحمن الغديان
عضو/ بكر بن عبدالله أبو زيد
عضو/ صالح بن فوزان الفوزان
الرئيس/ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ
فتوى رقم "٢١٤٣٦" وتاريخ ٨/ ٤/١٤٢١هـ
المصدر: التحذير من الإرجاء وبعض الكتب الداعية إليه فتاوى صدرت من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - ص ٧
стр. 1321
المبحث الأول: تعريف المعتزلة لغةً واصطلاحاً
لمعرفة معنى هذه الكلمة؛ لابد أن نعرف ما هو الاعتزال في اللغة.
الاعتزال لغة: مأخوذ من اعتزل الشيء وتعزله بمعنى تنحى عنه، ومنه تعازل القوم بمعنى تنحى بعضهم عن بعض، وكنت بمعزل عن كذا وكذا أي: كنت في موضع عزلة منه، واعتزلت القوم أي فارقتهم، وتنحيت عنهم، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان: ٢١]. أراد إن لم تؤمنوا بي، فلا تكونوا علي ولا معي. ومنه قول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
وعلى ذلك: فالاعتزال معناه: الانفصال والتنحي، والمعتزلة هم المنفصلون. هذا في اللغة (١).أما المعتزلة في الاصطلاح: فهو اسم يطلق على فرقة ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجا عقليا متطرفا في بحث العقائد الإسلامية (٢)، وهم أصحاب واصل (٣) بن عطاء الغزال الذي اعتزل عن مجلس الحسن البصري (٤)(٥).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ١٣
стр. 1322
المبحث الثاني: أصل تسمية المعتزلة
لقد اختلف الباحثون في أصل هذه التسمية، وسنعرض أهم الآراء في ذلك، وما ورد على كل رأي من اعتراض، ثم نبين الرأي الأقرب للصواب.
الرأي الأول: التفسير الشائع الذي أورده كتَّاب الفرق، كالبغدادي (١) والشهرستاني (٢)، ومن على شاكلتهما، والذي يفيد بأن كلمة "المعتزلة" لفظ أطلقه أعداؤهم من أهل السنة عليهم للتدليل على أنهم انفصلوا عنهم، وتركوا مشايخهم القدامى، واعتزلوا قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة، فهو بهذا الاعتبار اسم يتضمن نوعا من الذم، واتهاما واضحا بالخروج على السنة والجماعة، فالمعتزلي هو المخالف والمنفصل (٣).يقول الشهرستاني: ودخل رجل على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدين: لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان؛ بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان، فلا يضر مع مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا؟ ففكر الحسن في ذلك, وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلقا؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن. فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسمي هو وأصحابه المعتزلة (٤).ويقول البغدادي: إن واصل بن عطاء زعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفسق في منزلتي الكفر والإيمان، وأن الحسن البصري لما سمع ذلك منه طرده من مجلسه، وانضم إليه صديقه عمرو بن عبيد (٥)، فقال الناس فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة، وسمي أتباعهما من يومئذ معتزلة (٦). انتهى كلام البغدادي بتصرف. وهناك رواية تنسب الاعتزال إلى عمرو بن عبيد أوردها المقريزي (٧) في خططه حيث قال: "وقال ابن منبه: اعتزل عمرو بن عبيد وأصحاب له الحسن، فسموا المعتزلة (٨).
وقد اعترض بعض الباحثين المعاصرين على أصل هذه التسمية، بأمور منها:
стр. 1323
١ - أن انتقال واصل بن عطاء أو عمرو بن عبيد من أسطوانة في المسجد إلى أخرى ليس بالأمر الهام الذي يصح أن تلقب به فرقة. ٢ - اختلاف الرواة في سرد الرواية، فبعضهم ينسب حادثة الانفصال إلى عمرو بن عبيد، وبعضهم ينسبها إلى قتادة بن دعامة السدوسي (١) وهذا مما يضعف الرواية ويجعلها عرضة للنقد؛ فالذي فهم من رواية الشهرستاني مثلا: هو أن الحسن البصري هو الذي قال لواصل بن عطاء حين اختلفا في مسألة الحكم على مرتكب الكبيرة، (اعتزلنا واصل، فسمي هو وأصحابه معتزلة).أما ابن خلكان (٢) وجماعة معه، فيذكرون: أن الذي سماهم بهذا الاسم هو المحدث المشهور قتادة بن دعامة السدوسي، المتوفى سنة (١١٧) هـ، وكان قتادة من علماء البصرة، وأعلام التابعين، ومن أصحاب الحسن البصري، دخل يوما مسجد البصرة وكان ضريرا فإذا بعمرو بن عبيد ونفر معه قد اعتزلوا حلقة الحسن البصري وكونوا لهم حلقة خاصة وارتفعت أصواتهم، فأمهم وهو يظن أنهم من حلقة الحسن، فلما صار معهم وعرف حقيقتهم قال: إنما هؤلاء المعتزلة، فسموا معتزلة من وقتها (٣).فاختلاف الرواة في المنفصل عن الحسن البصري، هل هو عمرو بن عبيد أو واصل بن عطاء؟ واختلاف المسمي هل هو الحسن البصري أم قتادة؟ مما يضعف الرواية ويشكك فيها (٤).
هذه أهم الاعتراضات التي وردت على هذا الرأي. الرأي الثاني: تفسير جولد تسيهر (٥):
يرى جولد تسيهر أن هذه الفرقة الكلامية ولدت من نزعة ورعة، وأنه كان من هؤلاء الجماعة الورعين المعتزلة، أي: الزهاد الذين يعتزلون الناس، ويؤيد رأيه بشبهات، منها ما يلي:
١ - أن بعض المصادر الأدبية استعملت فيها كلمة (معتزلي) كمرادف لكلمة (عابد) أو (زاهد)؛ فالاعتزال صفة يوصف بها الزاهد. ٢ - ما عرف به أوائل المعتزلة من ميل للزهد والعبادة، وأنهم كانوا يعتزلون العالم، ويحيون حياة التقشف والزهد، فيروى عن واصل بن عطاء أنه كان إذا جنه الليل صف قدميه ليصلي ولوح ودواة موضوعان فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها ثم عاد في صلاته. وروي عن عمرو بن عبيد أنه كثيرا ما كان يصلي الفجر بوضوء المغرب، وأنه حج حججا كثيرة ماشيا ,وبعيره موقوف على من أحصر (٦).وقد رد مرغليوث ونيللو هذا التفسير، فيقول مرغليوث: المعتزلة من انفصلوا. وهم الذين اعتزلوا إخوانهم في مجلس الحسن البصري، وكانوا يؤمنون بحرية الإرادة. أما نيللو: فيقول: إن ما افترضه جولد تسيهر وهمي لا يقوم على سند ما من المصادر، بل هو فوق هذا يصطدم بمشكلة خطيرة، كيف يمكن أن يكون اسم المعتزلة قد قصر على طائفة من الناس لم يكن الزهد فيهم العنصر المميز لهم حقا عن غيرهم، سواء كأفراد، أو كجماعة؟ أفلم يكن الزهد منتشرا بنفس الدرجة في الوسط الديني الذي اعتزله المعتزلة؟ أفلم يكن الحسن البصري مشهورا بالزهد، وهو أستاذ واصل (٧).
وإذا فهذا الرأي مردود.
الرأي الثالث: التفسير السياسي.
стр. 1324
من أشهر القائلين بهذا الرأي نيللو والمستشرق السويدي نيبرج، وملخص رأيهم: أن منشأ الاعتزال من أصل سياسي، وأن المعتزلة الدينية أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كانوا في الأصل استمرارا في ميدان الفكر والنظر لفئة سياسية سبقتها في الظهور، هي فئة المعتزلة السياسيين الذين ظهروا في حرب صفين، وقبلها في معركة الجمل، وقد أبدوا رأيهم بأدلة، منها ما يلي:
١ - أن لفظ الاعتزال كثيرا ما يرد في كتب التاريخ، وفي لغة السياسة في القرن الأول والنصف الأول من القرن الثاني للهجرة للدلالة على الامتناع عن مناصرة أحد الفريقين المتنازعين، وعلى الوقوف موقف الحياد، كأن يرى الرجل فئتين متقاتلتين، ثم هو لا يقتنع برأي أحدهما أو رأي أن كلا الفريقين غير محق. من ذلك ما نراه من إطلاق المؤرخين هذه الكلمة (المعتزلة) كثيرا على الطائفة التي لم تشارك في القتال بين علي وعائشة في حرب الجمل، وعلى الذين لم يدخلوا في النزاع بين علي ومعاوية (١)، فقد ذكر الطبري (٢) في حوادث سنة (٣٦) هـ, أن قيس بن سعد – عامل مصر من قبل علي – كتب إليه يقول: "إن قبلي رجالا معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس، فنرى ويرى رأيهم" (٣).وفي موضع آخر يقول: "ولم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كان قيس وادعهم، فقال: يا هؤلاء إما أن تدخلوا في طاعتنا، وإما أن تخرجوا من بلادنا، فبعثوا إليه: إنا لا نفعل، دعنا حتى ننظر إلى ما تصير إليه أمورنا، ولا تعجل بحربنا" (٤).٢ - هناك نصوص وشواهد مهمة تفيد أن مثل هذه الفئة المعتزلة التي وقفت على الحياد في الحروب المشار إليها أطلقت على نفسها اسم المعتزلة أو أطلق عليها اسم المعتزلة من ذلك ما يذكره الملطي (٥) إذ يقول: "وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي – ﵁ – معاوية وجميع الناس، وكانوا من أصحاب علي – ﵁ – لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا بذلك معتزلة" (٦).وما يقوله النوبختي (٧): "لما قتل عثمان بايع الناس عليا، فسموا الجماعة ثم افترقوا ثلاث فرق: فرقة أقامت على ولاية علي – ﵁ –، وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد بن حارثة؛ فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي وامتنعوا عن محاربته، والمحاربة معه بعد دخولهم في بيعته والرضا به، فسموا المعتزلة، وصاروا أسلاف المعتزلة إلى آخر الأبد، وقالوا: لا يحل قتال علي ولا القتال معه (٨).
وقد رد بعض الباحثين هذا الرأي محتجين بأمور، منها: ١ - أن أقوال المعتزلة الكلامية ليس فيها ما يثبت الأصل السياسي لنشأتهم. يقول الأستاذ كوريان: "إذا فكرنا مليا في مذهب الاعتزال، وفي حرية الاختيار؛ رأينا أن السياسية لا تشكل سببا كافيا لنشوئهما" (٩).
стр. 1325
٢ - لو صح أن هؤلاء الصحابة المعتزلين للفتنة كانوا أسلافا للمعتزلة لوجب اتفاقهم معهم في أصول مذهبهم، فلما لم يتفقوا دل على بطلان هذا الرأي، فمثلا: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة واجب بالسيف فما دونه، كيف قدروا على ذلك؟ فلو كان الصحابة المعتزلون للفتنة أسلافا للمعتزلة الفرقة لأوجب عليهم هذا الأصل قتال معاوية، ونحن نراهم قد توقفوا عن القتال وابتعدوا عن الفتنة؛ مما يدل على بطلان القول بأنهم أسلاف للمعتزلة، وعليه فيبطل هذا الرأي.
الرأي الرابع:
وهو رأي انفرد به الدكتور أحمد أمين، فقد قال في كتابه (فجر الإسلام): ولنا فرض آخر في تسميتهم المعتزلة لفتنا إليه ما قرأناه في خطط المقريزي من أن من بين الفرق اليهودية التي كانت منتشرة في ذلك العصر وما قبله طائفة يقال لها "الفروشيم" وقال: إن معناها المعتزلة. وذكر بعضهم عن هذه الفرقة: أنها كانت تتكلم في القدر، وتقول: ليس كل الأفعال خلقها الله، فلا يبعد أن يكون هذا اللفظ قد أطلقه على المعتزلة قوم ممن أسلموا من اليهود لما رأوا بين الفرقتين من الشبه. وإن التشابه بين معتزلة اليهود ومعتزلة الإسلام موجود. فمعتزلة اليهود: يفسرون التوراة على مقتضى منطق الفلاسفة؛ ومعتزلة الإسلام: يتأولون كل ما في القرآن من أوصاف على مقتضى منطق الفلاسفة أيضا، فقد قال المقريزي في هؤلاء الفروشيم الذين ساهم المعتزلة قال: إنهم يأخذون بما في التوراة على معنى ما فسره الحكماء من أسلافهم (١).
وهذا الرأي مردود لأمور منها:
١ - أنه لم يرد له ذكر في كتب أهل الفرق المتقدمين الذين تعرضوا للمعتزلة بالبيان والتفصيل، فلو كان صحيحا لأشير إليه على الأقل، كما أشير إلى الآراء الأخرى في بيان سبب تسميتهم بالمعتزلة.
٢ - أن ما استدل به الدكتور أحمد أمين ضعيف واه لا يستند على دليل، بل إنه مجرد افتراض، والرأي الذي لا يبنى على دليل صحيح لا يعتد به.
٣ - إن الشبه بين فئتين: المعتزلة والطائفة اليهودية التي يذكرها أحمد أمين لا يستلزم أن يكون سبب تسميتهم بالمعتزلة، وعلى هذا: فهذا الرأي مردود. والرأي الأقرب للصواب في أصل تسمية المعتزلة - والله أعلم - أن اسم الاعتزال ظهر أثناء الحروب التي حصلت في عهد علي ﵁ لكنه لم يطلق على فئة بعينها؛ بل من اعتزل عن السياسة أطلقت عليه، ومن اعتزل للعبادة أطلقت عليه، ثم إن وجود هذه الحروب مما أورث الخلاف بين المسلمين وتفرقهم فرقا, كل فرقة ترى أنها على الصواب ومن سواها على الخطأ؛ ومن ثم أخذوا يبحثون في حكمها، وأصبحت كل فرقة تضع حكما مخالفا للأخرى؛ مما ساقهم إلى البحث في حكم مرتكب الكبيرة، ووضعت بعض الفرق أحكاما متناقضة على إثرها حصلت قصة السائل الذي أتى إلى الحسن البصري في حلقته، وحكى له ما سمع من آراء متناقضة في حكم مرتكب الكبيرة، وطلب منه رأيه ثم إن أحد تلاميذ الحسن وهو واصل بن عطاء سبقه وأخرج حكما يخالف شيخه في مرتكب الكبيرة، وهو أنه في منزلة بين المنزلتين؛ وبسبب ذلك قال الحسن: اعتزلنا واصل ثم طرده من حلقته، فاعتزل في سارية من سواري مسجد البصرة يقرر ما أجاب به على جماعة استحسنوا رأيه وتابعوه، فسموا من ذلك الحين المعتزلة؛ لاعتزالهم الحسن وقول الأمة بأسرها وحكمهم على صاحب الكبيرة باعتزاله المؤمنين والكافرين (٢).
وعلى ذلك؛ فظهور هذه التسمية على فرقة بعينها مستقلة، إنما حصل في حلقة الحسن البصري – ﵀ – والله أعلم.
стр. 1326
أما قول من اعترض على هذا الرأي باختلاف الرواة في سرد الرواية، وأن بعضهم ينسب حادثة الانفصال إلى عمرو بن عبيد، وبعضهم ينسبها إلى واصل بن عطاء، وبعضهم ينسب التسمية إلى الحسن البصري، وبعضهم ينسبها إلى قتادة بن دعامة السدوسي، وأن هذا مما يضعف الرواية. فنقول: إن المنفصل هو واصل بن عطاء، وقد انفصل معه عمرو بن عبيد، فلا يمتنع أن يكون من قال بانفصال عمرو عن الحسن، وأنه سبب التسمية أن يكون قاصدا عمرا وواصلا ومن معهما، لأنه قال: عمرو وجماعة معه، فيكون النقاش دار بين الحسن وواصل، والانفصال من واصل وعمرو ومن معهما.
أما اختلاف المسمي هل هو الحسن أم قتادة؟؛ فهذا أيضا: لا يقدح في صحة الرواية؛ لأن المسمي الأول هو الحسن، أما قتادة فإنما قال شيئا قد حصل ومضى، ويدل عليه ألفاظ الرواية "فأمهم وهو يظن أنهم حلقة الحسن" ثم قال لقتادة: "إنما هؤلاء المعتزلة" ففي هاتين الجملتين دلالة على أن قتادة من مرتادي مجلس الحسن، وأنه كان يعرف سبب انفصالهم، وأن إطلاقه الاسم إنما كان بعد تكون الفرقة، وعلى هذا، فلا تعارض بين الروايتين. ومما يؤكد ما ذكرناه ما يقوله المسعودي حيث قال: "وأما القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو الأصل الرابع، فهو أن الفاسق المرتكب للكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، بل يسمى فاسقا. . إلى أن قال: وبهذا الباب سميت المعتزلة؛ وهو الاعتزال. . " (١).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٨٣
стр. 1327
المبحث الثالث: أسماء المعتزلة وعلة تلقيبهم بها
للمعتزلة أسماء كثيرة منها: ما أطلقه الغير عليهم نكاية بهم، ومنها: ما أطلقوه على أنفسهم، وسنعرض بعض هذه الأسماء مع بيان علة التسمية بها – إن شاء الله –
القسم الأول: ما أطلقه الغير عليهم: ١ - المعتزلة: بمعنى المنشقين، وقد بينا سبب تسميتهم بهذا الاسم عندما تكلمنا على أصل المعتزلة (١).٢ - الجهمية: وسبب تلقيبهم بهذا اللقب، هو أنه لما كانت الجهمية سبقت المعتزلة في الظهور واشتهرت ببعض آرائها، إلا أن سبقها للمعتزلة سبق قريب، ثم لما خرجت المعتزلة كانت قد وافقت الجهمية في مسائل كثيرة، منها: نفي الرؤية والصفات، وخلق الكلام، فكأن توافق الفرقتين جعلهما كالفرقة الواحدة، وبما أن الجهمية أسبق ومسائلها أكثر وبعض مسائل المعتزلة مأخوذة منها، لذا أصبح يطلق على كل معتزلي جهمي، ولا يطلق على كل جهمي معتزلي. ولذلك أطلق أئمة الأثر لفظ الجهمية على المعتزلة فالإمام أحمد في كتابه (الرد على الجهمية) والبخاري في الرد على الجهمية، ومن بعدهما؛ إنما يعنون بالجهمية المعتزلة؛ لأنهم كانوا في المتأخرين أشهر بهذه المسائل من الجهمية (٢).وقال الإمام ابن تيمية (٣) في كتابه (منهاج السنة): "لما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق، ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى. . وطلبوا أهل السنة للمناظرة. . لم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط؛ بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية، وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا؛ لأن جهما أشد تعطيلا لنفيه الأسماء والصفات. . " (٤). ٣ - القدرية: كذلك يلقب المعتزلة بالقدرية. يقول البغدادي – وهو يسوق ما أجمعت عليه المعتزلة: ". . . وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم وأنه ليس لله – – في أكسابهم وفي أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير. ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية (٥). إلا أن المعتزلة لا يرضون بهذا الاسم؛ ولذا يقولون: إنه أولى أن يطلق على القائلين بالقدر خيره وشره من الله تعالى (٦).وقد دافع المقبلي (٧) عن المعتزلة في هذا المقام، ورد على شبهة الذين سموهم بالقدرية، فقال: إذا كان المراد بالقدر نفس العلم الأزلي، فرمي المعتزلة بنفي القدر تقول محض؛ لأن المعتزلة جميعا يقرون به ويثبتونه. . فالمعتزلة إذا يرون أن الذي يثبت القدر لله تعالى أحق أن ينسب إليه من نافيه (٨) ولكن ابن قتيبة (٩) يرى: أن المعتزلة نفوا القدر عن الله وأضافوه إلى أنفسهم، فوجب أن يسموا قدرية، لأن مدعي الشيء لنفسه أحق أن يدعى به (١٠).٤ - الثنوية والمجوسية: يقول المقريزي: إن المعتزلة يدعون الثنوية، لقولهم الخير من الله، والشر من العبد (١١). ولما كان هذا القول يشبه قول الثنوية المجوسية، فإن المعتزلة اكتسبوا علاوة على أسمائهم العديدة اسم المجوسية.
стр. 1328
ولا شك أن المعتزلة لا يقبلون هذا الاسم، وهم إنما تنصلوا من اسم القدرية وأنكروه بشدة تخلصا من وصمة لقب المجوسية، إذ كان النبي ﷺ ذم القدرية بتسميتها مجوس هذه الأمة (١).٥ - مخانيث الخوارج: من ألقاب المعتزلة مخانيث الخوارج، وسبب التسمية: أن المعتزلة، ولا سيما شيوخهم الأولين: واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كانوا يوافقون الخوارج في تخليد مرتكب الكبيرة في النار مع قولهم: إنه ليس بكافر، فهم قد وافقوا الخوارج في التخليد؛ لكن لم يجرأوا على تكفيره؛ ولذا سموا بهذا الاسم (٢).٦ - الوعيدية: من أسماء المعتزلة الوعيدية، سماهم به أحد المرجئة في شعر قاله في هجاء أبي هاشم الجبائي (٣):
يعيب القول بالإرجاء حتى ... يرى بعض الرجاء من الجرائر
وأعظم من ذوي الإرجاء جرما ... وعيدي أصر على الكبائر (٤)
واسم الوعيدية آت من قول المعتزلة بالوعد والوعيد، وهذا القول أحد الأركان التي يقوم عليها الاعتزال، ومعناه: أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأنه لا يغفر الذنوب إلا من بعد التوبة (٥).٧ - المعطلة: كان أهل السنة يطلقون على الجهمية الأولى نفاة الصفات اسم المعطلة لتعطيلها الله تعالى عن صفاته (٦). أي تجريده تعالى منها، وكانوا يقصدون من وراء هذه التسمية ذم الجهمية وهجوها، فإن أهل الموصل أخذوا بعد هزيمة مروان بن محمد يسبونه وينادونه: يا معطل، لأن مروان كان على مذهب المعطلة (٧). وحين قام المعتزلة واقتبسوا عن الجهمية الأولى قولها بنفي الصفات، لزمهم اسم المعطلة. يقول الشهرستاني: إن من معاني التعطيل تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي تدل عليها (٨).وبما أن المعتزلة كانوا يلجأون في الآيات التي لا توافق أغراضهم إلى التأويل، فلا يبعد أن يكون سببا آخر في تسميتهم بالمعطلة ونحن نجد بعض أهل السنة كابن القيم (٩) يستعملون في كلامهم عن المعتزلة لفظ المعطلة للدلالة عليهم، فقد وضع ابن القيم كتابه (الصواعق المرسلة) في الرد على الجهمية والمعطلة، وهو يقصد الرد على المعتزلة بالدرجة الأولى (١٠).
القسم الثاني: ما أطلقوه على أنفسهم: ١ - المعتزلة: سبق أن ذكرنا هذا الاسم من ضمن أسمائهم التي سماهم بها غيرهم، ونورده هنا من ضمن الأسماء التي تسموا بها؛ وذلك أنهم لما رأوا أنه لا خلاص لهم من هذا الاسم، أخذوا يبرهنون على فضله، وأن المراد به الاعتزال عن الأقوال المحدثة والمبتدعة (١١)، وبرهنوا على ما يقولون ببعض النصوص مثل قوله تعالى: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا [المزمل: ١٠]. وذلك لا يكون إلا بالاعتزال عنهم (١٢).٢ - أهل العدل والتوحيد: يروي المقبلي أن المعتزلة كانوا يطلقون على أنفسهم أهل العدل والتوحيد والعدلية، ولذا يقول: "وتسمي المعتزلة نفسها بالعدلية، وأهل العدل والتوحيد" (١٣).أما مؤرخو أهل السنة الذين قالوا: إن المعتزلة يدعون أنفسهم أهل العدل والتوحيد فكثيرون، منهم: الشهرستاني حيث قال: ". . . ويسمون أصحاب العدل والتوحيد. . والعدلية" (١٤).وجاء في صحيح الأعشى أن المعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ويعنون بالعدل نفي القدر، والقول بأن الإنسان موجد أفعاله تنزيها لله تعالى أن يضاف إليه شر، ويعنون بالتوحيد نفي الصفات القديمة (١٥).والمعتزلة يفضلون أن يدعوا بهذا الاسم (١٦)؛ ذلك أنه علاوة على المعنى الحسن الذي يتضمنه، فإنه مشتق من أهم قاعدتين من قواعد الاعتزال اللتين كانت تدور حولهما أكثر تعاليمهم، وهما: أصل العدل، وأصل التوحيد (١٧).٣ - أهل الحق، والفرقة الناجية، والمنزهون الله عن النقص: كذلك من أسماء المعتزلة التي تسموا بها: أهل الحق، والفرقة الناجية والمنزهون الله عن النقص. يقول المقبلي: "وتسمي المعتزلة نفسها. . أهل الحق، وأهل الفرقة الناجية والمنزهون الله عن النقص (١٨)؛ ذلك أنهم يعتبرون أنفسهم على الحق، ومن سواهم على الباطل، ولذا دعوا خصومهم بالمجبرة، القدرية المجوزة المشبهة الحشوية المرجئة، وغير ذلك (١٩).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٢٢
стр. 1329
المبحث الرابع: تاريخ ومكان نشأة المعتزلة وممن استقوا آراءهم
لقد اختلف الباحثون في وقت ظهور المعتزلة كاختلافهم في أصل تسميتهما، وأهم الأقوال في ذلك قولان: الأول: قول من يرى أنها ابتدأت في قوم من أصحاب علي – ﵁ – اعتزلوا السياسة، وانصرفوا إلى العقائد، عندما نزل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية (١).يقول الملطي: ". . . وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي معاوية وسلم الأمر إليه اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس – وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي – ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة" (٢).القول الثاني: قول الأكثرية من الباحثين. يرى هؤلاء أن رأس المعتزلة هو واصل بن عطاء المولود سنة (٨٠هـ)، والمتوفى سنة (١٣١هـ)، وقد كان ممن يحضر مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة (٣)، فثارت تلك المسألة التي شغلت الأذهان في ذلك العصر، وهي مسألة مرتكبي الكبيرة، وذلك أنه دخل رجل على الحسن البصري في حلقته في مسجد البصرة، وبين له مذهب الخوارج في الكبيرة، ومذهب المرجئة، وطلب منه بيان الحكم في ذلك، ففكر الحسن، وقبل إجابته قال واصل بن عطاء: أنا أقول أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق، ولا كافر بإطلاق، بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، فطرده الحسن واعتزل في ناحية من المسجد يقرر ما أجاب به على أصحابه (٤).والمعتزلة – في كتبهم – يرون أن مذهبهم أقدم في نشأته من واصل، فيعدون من رجال مذهبهم كثيرا من أهل البيت، ولذلك فإنهم يقولون: إن الاعتزال إنما يعود إلى علي بن أبي طالب، وإن ابنه محمد بن الحنفية أخذ عنه هذا المذهب، ثم أورثه محمد لابنه أبي هاشم أستاذ واصل، فهذا ابن المرتضى (٥) ينسب علي بن أبي طالب إلى الاعتزال (٦).
وما يقوله المعتزلة هنا مردود؛ لأمور منها: ١ - أن الروايات التي تنسب الاعتزال إلى علي بن أبي طالب لم ترد في كتب المعتزلة؛ إضافة إلى ذلك أن أسانيدها ليست صحيحة؛ مما يدل على أنها من وضعهم (٧).٢ - ما أثر عن علي بن أبي طالب – ﵁ – أنه كان ينهى (٨) عن الخوض في القدر، فكيف ينهى عن شيء ينتحله؟! ٣ - أن ما زعمه المعتزلة – هنا – إنما هو مجرد محاولة لإثبات بعض الأصالة لمذهبهم، وأنه لم يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة إذا نسب إلى علي أو أحد بنيه (٩).
стр. 1330
والرأي الأقرب للصواب – والله أعلم – قول الأكثرية، وهو أن رأس الاعتزال هو واصل بن عطاء، وأنه نشأ في سنة ما بين (١٠٥ إلى ١١٠) للهجرة في البصرة نتيجة للمناظرة في أمر صاحب الكبيرة ثم خروج واصل برأيه المخالف لشيخه الحسن البصري؛ وبعد ذلك أضاف إلى رأيه في مرتكب الكبيرة آراء أخرى أصبحت فيما بعد من أصول المعتزلة، ومن ثم أخذ كل عالم من علمائهم يأتي برأي حتى تكونت هذه الفرقة. وقد استقوا آراءهم من المقالات والآراء السائدة في عصرهم آنذاك؛ وخصوصا البصرة. ففكرة الاختيار ومسئولية الإنسان عن أفعاله أخذها المعتزلة عن القدرية، وعن الجهمية أصحاب الجهم بن صفوان (١) تلقف المعتزلة القول بنفي الصفات وخلق القرآن، وعدم رؤية الله بالأبصار في الآخرة، وهذا الالتقاء يفسر خلط بعض الدارسين بين الجهمية والمعتزلة والقدرية. كما أخذ المعتزلة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الخوارج. كما اتفقوا مع الشيعة في كثير من الآراء الخاصة بالإمامة، كقولهم بوجوب وجود الإمام في كل عصر فضلا عن تجويزهم للتأويل حتى إن ابن المرتضى يرجع أن واصلا وعمرو بن عبيد شيخي الاعتزال تتلمذا على أبي هاشم بن محمد بن الحنفية. وباختصار، فإن المعتزلة لم يجدوا غضاضة في تكوين مذهبهم على أساس انتقائي للأفكار والآراء السائدة في عصرهم؛ وخصوصا آراء الفرق المخالفة (٢).أما المكان الذي نشأ فيه الاعتزال، فإنه يكاد يجمع الباحثون على أنه البصرة، ولكن بعضهم يقول: إنه نشأ بالمدينة استنادا إلى أن المعتزلة السياسيين كانوا في المدينة، وكذلك الزهاد، وعلى ما يزعمه بعض الناس من أن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، والاثنان كانا يسكنان المدينة، وبالمدينة ولد واصل بن عطاء وسكن فيها في صباه، وأخذ الاعتزال عن أبي هاشم الذي تقدم ذكره آنفا، يقول الملطي: "إن واصلا حمل الاعتزال معه من المدينة إلى البصرة" (٣).
والصحيح أن الاعتزال نشأ بالبصرة؛ أما ما ذكره، فإنما المقصود به الاعتزال السياسي واعتزال الزهاد. أما زعم بعضهم أن أول من قام بالاعتزال أبو هاشم عبد الله والحسن ابنا محمد بن الحنفية، فليس بصحيح، وإنما هذا من وضع كبار المعتزلة الذين يحبون أن يكسبوا مذهبهم بعض الأصالة والقداسة في نسبته إلى ابني محمد بن الحنفية؛ لكي يصلوا من ذلك إلى نسبته إلى علي بن أبي طالب – ﵁ – كما أنه ليس هناك أسانيد تثبت صحة ما زعموه، وأيضا: فقد أثر عن علي – ﵁ – النهي عن الخوض في القدر.
أما قول الملطي أن واصلا حمل الاعتزال معه من المدينة إلى البصرة فليس بصحيح؛ لأنه إما أن يكون بنى قوله على ما ذكر من وجود المعتزلة السياسيين والزهاد بالمدينة، وعلى زعم البعض أن الاعتزال أخذ عن أبي هاشم. أولاً إن كان الأول، فقد أبطلناه مسبقا، فإذا بطل الأصل، بطل ما ينبني عليه، وإن كان الآخر فممن أخذ الاعتزال في المدينة؛ حينئذ يحتاج إلى دليل ولم يبين. إذا ثبت بطلانه. إضافة إلى ذلك: فإن واصلا كان تلميذا للحسن، وتربى على يديه ولم يفارقه إلا عندما خالفه في مسألة مرتكب الكبيرة، وأبعده الحسن عن مجلسه (٤). والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٢٦
стр. 1331
المبحث الخامس: إبطال مزاعم الشيعة والمستشرقين حول نسبة المعتزلة إلى الصحابة ومن الشبهات التي أثيرت في العصر الحديث محاولة جملة من المستشرقين الربط بين اعتزال جملة من الصحابة لأحداث الفتنة الأولى، ومسمى المعتزلة الذي ظهر في أول القرن الثاني الهجري، واتخذوا من عبارات المؤرخين دليلاً على قدم مذهب الاعتزال، وأن اعتزال واصل هو امتداد لاعتزال الصحابة للفتنة، ومن هذه النصوص التي اعتمدوا عليها ما ذكره الطبري على لسان المغيرة بن شعبة، عندما سأل عمرو بن العاص، فقال له: "يا أبا عبدالله، أخبرني عما أسالك عنه: كيف ترانا، معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نتأنى، ونثبت، حتى تجتمع الأمة، قال أراكم، معشر المعتزلة، خلف الأبرار، وأمام الفجار" (١).ولفظ الاعتزال هنا تعني معناها اللغوي المعروف؛ من الكف، وعدم المشاركة في القتال، ولم تكن تشير إلى فئة معينة لها تميز فكري، أو عقدي، ولم يصرح المؤرخون بهذا المعنى: لا الطبري، ولا ابن كثير، ولا غيرهم من مؤرخي أهل السنة، ولكن كتاب المقالات من الشيعة زعموا أن أصل الاعتزال يرجع لاعتزال الصحابة للفتنة؛ فقال القمي "ت (٣٠٢هـ) "، والنوبختي، وعند الذهبي, النوبختي من نفس طبقة القمي، ولم يذكر سنة وفاته (٢)، يقول النوبختي بعد أن يعدد مواقف الصحابة من خلافة علي ﵁: "وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك، وهو سعد بن أبي وقاص "ت (٥٥هـ) "، وعبدالله بن عمر "ت (٧٣هـ) "، ومحمد بن مسلمة الأنصاري "ت (هـ٤٣) "، وأسامة بن زيد "ت (٥٤هـ) "، مولى رسول الله ﷺ ؛ فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي ﵁، وامتنعوا عن محاربته، والمحاربة معه، بعد دخولهم في بيعته، والرضاء به؛ فسموا المعتزلة؛ وصاروا أسلاف المعتزلة للأبد، وقالوا: لا يحل قتال علي، ولا القتال معه، وذكر بعض أهل العلم أن الأحنف بن قيس التميمي "ت (هـ٦٧) " اعتزل بعد ذلك في خاصة قومه من بني تميم، لا على التدين بالاعتزال، لكن على طلب السلامة من القتل، وذهاب المال؛ قال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم" (٣).وقال الناشئ الأكبر "ت (٢٩٢هـ) " أحد مؤرخي الشيعة: "وفرقة اعتزلوا الحرب؛ وهم صنفان: صنف اعتزلوا الحرب، ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل، والمقتول في النار)) (٤)، ومن هؤلاء القوم الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن سلمة، وأسامة بن زيد، وخلق كثير من الصحابة، والتابعين، ممن رأى القعود عن الحرب فضلاً، وديناً، والدخول فيها فتنة، وهؤلاء هم أصحاب الحديث، وهم الذين يأتمون في كل عصر بمن غلب، والصنف الثاني: فهم الذين اعتزلوا الحرب لأنهم لا يعلمون من في الطائفتين أولى بالحق؛ ومن هؤلاء القوم أبو موسى الأشعري "ت (٤٤هـ) "، وأبو سعيد الخدري "ت (٦٤هـ) "، وأبو مسعود الأنصاري "ت (٤٠هـ) "، والأحنف بن قيس التميمي "ت (٦٧هـ) " في قبائل بني تميم، وقد جاءت الأخبار عنهم بذلك؛ فهذا الصنف الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة، وكانوا يسمون في ذلك العصر المعتزلة، وإلى قولهم في حرب علي "ت (٤٠هـ) "، وطلحة " ت (٣٦هـ) "، والزبير "ت (٣٦هـ) "، يذهب واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وهما رئيسا المعتزلة" (٥).
стр. 1332
ويذهب الملطي إلى أن هذا الاسم برز بعد مبايعة الحسن بن علي لمعاوية؛ حيث قال: "وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي – ﵇ – معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن، ومعاوية، وجميع الناس؛ وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم، ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم، والعبادة فسموا بذلك معتزلة" (١).وقد بنى المستشرقون على هذه المزاعم أن ربطوا المعتزلين عن الحروب، والفتن، باعتزال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ ليصلوا إلى هدفهم؛ وهو نسبة هذا الابتداع الضال إلى الصحابة – رضوان الله عليهم -؛ حيث حشد المستشرق نلينلوا مثل هذه النصوص؛ ليخلص إلى القول: "فعندئذ الدليل الحاسم على استعمال لفظ الاعتزال بهذا المعنى السياسي، طوال هذا الزمان الذي عاش فيه مؤسساً مذهب المعتزلة، ونستطيع أن نلاحظ أخيراً في كثير من الاحتمال أن الحديث الموضوع الذي طبقه المعتزلة المتكلمون، من بعد على أنفسهم، كان يشير في الأصل إلى المعتزلة السياسيين، وأعني بهم هؤلاء الذين امتنعوا عن الاشتراك في المنازعات الداخلية في القرن الأول، وأوائل القرن الثاني" (٢)، ثم يعقب الدكتور بدوي بعد النص السابق، فيقول: "من كل هذا الذي سبق يبدو لي أنه ما دامت هذه المسألة قد أخذت حظها من الأهمية؛ بسبب المنازعات السياسية، والحروب الأهلية في القرن الأول، فمن الطبيعي أن يكون اسم المعتزلة قد أخذ عن لغة السياسة في ذلك العصر؛ فكان المعتزلة الجدد، المتكلمون في الأصل، استمراراً في ميدان الفكر، والنظر، للمعتزلة السياسية، أو العملية" (٣).
стр. 1333
وللرد على هذه المزاعم المعروفة الهدف؛ وهو الربط بين معتزلة الابتداع المتأخرين، واعتزال الصحابة للفتنة، وأحداثها، فهذا الربط باطل، ولا صحة له؛ فإن الصحابة المعتزلين لأحداث الفتنة لم يؤثر عنهم أي خوض في مسائل عقدية مشابهة للتي ابتدعها المتأخرون، بل كان اعتزالهم لحقن دماء الأمة فقط، ولم يتعد ذلك إلى أي مقولة فكرية، أو عقدية، تشق صف الأمة، وتخالف ما جاء به الرسول ﷺ . ثم إن المعتزلة المتأخرين، لا يعتبرون معتزلة الحرب سلفاً لهم، بل الذي حملهم هذا هم مؤرخو الشيعة، والمستشرقون، ومن تابعهم، بل الثابت أن موقف واصل، وعمرو بن عبيد، من أحداث الفتنة ليس موقفاً وسطاً؛ كما فعل الصحابة المعتزلون، ولكنه موقف يطعن في المقتتلين؛ حيث قال واصل: "إن فرقة من الفريقين فسقة بأعيانهم، وإنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازوا أن يكون الفسقة في الفريقين علياًّ، وأتباعه؛ كالحسن، والحسين، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي أيوب الأنصاري، وسائر من كان مع علي يوم الجمل، وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة، وطلحة، والزبير، وسائر أصحاب الجمل، ثم قال في تحقيق شكه: لو شهد علي وطلحة، أو علي والزبير، أو رجل من أصحاب علي، ورجل من أصحاب الجمل، عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق، لا بعينه" (١).وزاد عمرو بن عبيد على قرينة واصل؛ فقال بفسق كلتا الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل؛ وذلك أن واصلاً إنما رد شهادة رجلين من أصحاب الجمل، والآخر من أصحاب علي ﵁، وقبل شهادة رجلين كلاهما من أحد الفريقين، وزعم عمرو بأن شهادتهما مردودة، وإن كان من فريق واحد؛ لأنه قال بفسق الفريقين جميعاً" (٢).
فأين هو الاعتزال الذي قال به الشيعة، والمستشرقون؟ وهل الذي يقول مثل هذا في الصحابة يكون الصحابة المعتزلون للفتنة سلفاً له، وهم الذين كان عندهم عهد من رسول الله ﷺ أن لا يخوضوا في الفتنة؟ لكن واصلاً، وعمراً، انطلقت ألسنتهم العليلة بتفسيق جمهور الصحابة، الذين ﵃، ورضوا عنه.
أما ما قاله الملطي "ت (٣٧٧هـ) " عن حدوث هذا الاسم بعد بيعة الحسن لمعاوية، فهذا الرأي يكاد قد ينفرد به وحده، ولم يقل به غيره، ولو صح، لاشتهر هذا الاسم اشتهاراً واسعاً، ثم إن الحقائق تنقضه؛ فإن الناس بعد بيعة الحسن لمعاوية – ﵄ –، قد دخل أغلبهم في بيعة معاوية، وسمي ذلك العام عام الجماعة، فقد بايعه كبار الصحابة، وأعيان الأمصار في كل أرض الخلافة، إلا بقايا من الشيعة السبئية، والخوارج الذين اختاروا سراديب الظلام، وعلى فرض صحة ما قاله الملطي، فإن اعتزال هؤلاء للعلم، والعبادة، وليس لتأسيس نحلة ضالة تخالف منهاج السلف في الكتاب، والسنة. وقد حاول الشيعة المعتزلة من الزيدية الذين خلطوا بين الاعتزال، والتشيع، نفي ما قاله واصل وعمرو في الصحابة، بلا دليل يصح؛ حيث يقول نشوان الحميري: ""ومن الناس" من يقول سموا معتزلة لاعتزالهم علي بن أبي طالب – ﵇ – في حروبه، وليس كذلك؛ لأن جمهور المعتزلة، وأكثرهم، إلا القليل الشاذ منهم، يقولون: إن عليا كان على الصواب، وإن من حاربه فهو ضال" (٣).
стр. 1334
ولو كان هذا صحيحاً لاهتبله مؤرخو الشيعة، وذكروه؛ ليعززوا مواقفهم التي هي من جنس ما يردده المعتزلة؛ من إلقاء الكلام على عواهنه، بلا دليل إلا التهويش، وجلب الأتباع اعتباطاً، لا حقيقة. ولكن الأكاذيب التي لا تحتمل هي التي أتى بها ابن المرتضى عندما عدد طبقات المعتزلة، ووضع في الطبقة الأولى: الخلفاء الأربعة، وعبدالله بن العباس "ت (٦٨هـ) "، وابن مسعود "ت (٣٢هـ) "، وغيرهم، ثم زعم أن علياً كان يصرح بالعدل؛ أي يقول بالقدر، وكذلك أبو بكر، وابن مسعود، وساق الأخبار الملفقة عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وأبي بن كعب ﵃ (١) وزعم أن هؤلاء أسلاف مذهب المعتزلة، والقدرية؛ لترويج أفكارهم الرديئة، والتي كان يبرأ منها ابن عمر، وابن عباس، وكان التابعون يلعنون القدرية، وانحرافهم، ثم يأتي كاتب مغمور في القرن التاسع الهجري ليكذب هكذا، وكأنه اعتقد أن أهل السنة لم يبق فيهم من يدافع عن السلف – رضوان الله عليهم –، من غير دليل، ولا حجة، عن طريق جمع نصوص مبتورة، لا تمت معانيها إلى الواقع بصلة، وتكون عليها فكرة جديدة، يريدون أن تصبح هي الحقيقة المطلقة، أما ممارسات المعتزلة المشينة، وابتداعاتها الواضحة، فإنها تصبح بطولات، ومناداة بمذهب الإرادة الحرة المزعومة، على حساب عقيدة الأمة، التي توجهت كل السهام للطعن بها، وبعلمائها الأبرار، ووصفهم بأشنع الأوصاف؛ لأنهم عارضوا القدرية، وأبانوا عن عورات المعتزلة، وغيرهم من فرق الابتداع
المصدر: العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص ٦١٧
стр. 1335
المبحث السادس: عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم
لقد أدى ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم عوامل عدة، منها ما يلي:
١ - حل مشاكل الخلاف بين المسلمين: على أثر ركود حركة الفتح واستقرار المسلمين في الأمصار نشأت بينهم مشاكل اجتماعية كثيرة، كان حتما عليهم أن يدرسوها ويجدوا لها حلولا شافية يقبلها الدين الإسلامي، ومن المشاكل التي أثيرت أكثر مما سواها مشكلة مجرمي الأمة أو ما يدعون مرتكبي الكبائر التي ما دون الشرك؛ وذلك أنه كثر إقدام الناس على ارتكاب الكبائر بسبب اختلاف القادة على الخلافة، وما قبله من الفتن التي أدت إلى مصرع عثمان – ﵁ – ونشوء الحرب بين علي وأصحاب الجمل، ثم بين علي ومعاوية، فتفرق المسلمون أحزابا ووقعوا في صراع دموي ذهب بالطيبين من أعلام الصحابة، وراح المسلمون يكفر بعضهم بعضا، وانشغلوا عن أعمال الفتوح بتبادل السباب، يضاف إلى هذا أن المسلمين انتقلوا بعد الفتح من محيط الصحراء الضيق إلى محيط واسع فيه كثير من ضروب اللهو والترف وأسباب الفساد، فحز ذلك في نفوس القوم، ولا سيما أهل العلم والأخبار، وساءهم أن يروا إخوانهم المسلمين يجترئون على المعاصي، ويقتل بعضهم بعضا بلا سبب، فعكفوا على هذه المشكلة يدرسونها، ويصدرون أحكامهم فيها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كل على حسب اجتهاده، فكثرت بسبب ذلك المناظرات، واشتهرت المجادلات واختلاف الرأي (١).وكان أهل السنة والجماعة يرون أن مرتكب الكبيرة التي ما دون الشرك أنه مؤمن، فكبيرته لا تخرجه من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، لبقاء التصديق الذي هو حقيقة الإيمان، ولكنه يعاقب عليها (٢).
ويستدلون بأمور، منها: