← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

المبحث الخامس: إبطال مزاعم الشيعة والمستشرقين حول نسبة المعتزلة إلى الصحابة ومن الشبهات التي أثيرت في العصر الحديث محاولة جملة من المستشرقين الربط بين اعتزال جملة من الصحابة لأحداث الفتنة الأولى، ومسمى المعتزلة الذي ظهر في أول القرن الثاني الهجري، واتخذوا من عبارات المؤرخين دليلاً على قدم مذهب الاعتزال، وأن اعتزال واصل هو امتداد لاعتزال الصحابة للفتنة، ومن هذه النصوص التي اعتمدوا عليها ما ذكره الطبري على لسان المغيرة بن شعبة، عندما سأل عمرو بن العاص، فقال له: "يا أبا عبدالله، أخبرني عما أسالك عنه: كيف ترانا، معشر المعتزلة؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي تبين لكم من هذا القتال، ورأينا أن نتأنى، ونثبت، حتى تجتمع الأمة، قال أراكم، معشر المعتزلة، خلف الأبرار، وأمام الفجار" (١).ولفظ الاعتزال هنا تعني معناها اللغوي المعروف؛ من الكف، وعدم المشاركة في القتال، ولم تكن تشير إلى فئة معينة لها تميز فكري، أو عقدي، ولم يصرح المؤرخون بهذا المعنى: لا الطبري، ولا ابن كثير، ولا غيرهم من مؤرخي أهل السنة، ولكن كتاب المقالات من الشيعة زعموا أن أصل الاعتزال يرجع لاعتزال الصحابة للفتنة؛ فقال القمي "ت (٣٠٢هـ) "، والنوبختي، وعند الذهبي, النوبختي من نفس طبقة القمي، ولم يذكر سنة وفاته (٢)، يقول النوبختي بعد أن يعدد مواقف الصحابة من خلافة علي ﵁: "وفرقة اعتزلت مع سعد بن مالك، وهو سعد بن أبي وقاص "ت (٥٥هـ) "، وعبدالله بن عمر "ت (٧٣هـ) "، ومحمد بن مسلمة الأنصاري "ت (هـ٤٣) "، وأسامة بن زيد "ت (٥٤هـ) "، مولى رسول الله ﷺ ؛ فإن هؤلاء اعتزلوا عن علي ﵁، وامتنعوا عن محاربته، والمحاربة معه، بعد دخولهم في بيعته، والرضاء به؛ فسموا المعتزلة؛ وصاروا أسلاف المعتزلة للأبد، وقالوا: لا يحل قتال علي، ولا القتال معه، وذكر بعض أهل العلم أن الأحنف بن قيس التميمي "ت (هـ٦٧) " اعتزل بعد ذلك في خاصة قومه من بني تميم، لا على التدين بالاعتزال، لكن على طلب السلامة من القتل، وذهاب المال؛ قال لقومه: اعتزلوا الفتنة أصلح لكم" (٣).وقال الناشئ الأكبر "ت (٢٩٢هـ) " أحد مؤرخي الشيعة: "وفرقة اعتزلوا الحرب؛ وهم صنفان: صنف اعتزلوا الحرب، ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل، والمقتول في النار)) (٤)، ومن هؤلاء القوم الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة عبدالله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن سلمة، وأسامة بن زيد، وخلق كثير من الصحابة، والتابعين، ممن رأى القعود عن الحرب فضلاً، وديناً، والدخول فيها فتنة، وهؤلاء هم أصحاب الحديث، وهم الذين يأتمون في كل عصر بمن غلب، والصنف الثاني: فهم الذين اعتزلوا الحرب لأنهم لا يعلمون من في الطائفتين أولى بالحق؛ ومن هؤلاء القوم أبو موسى الأشعري "ت (٤٤هـ) "، وأبو سعيد الخدري "ت (٦٤هـ) "، وأبو مسعود الأنصاري "ت (٤٠هـ) "، والأحنف بن قيس التميمي "ت (٦٧هـ) " في قبائل بني تميم، وقد جاءت الأخبار عنهم بذلك؛ فهذا الصنف الذين اعتزلوا الحرب على هذه الجهة، وكانوا يسمون في ذلك العصر المعتزلة، وإلى قولهم في حرب علي "ت (٤٠هـ) "، وطلحة " ت (٣٦هـ) "، والزبير "ت (٣٦هـ) "، يذهب واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وهما رئيسا المعتزلة" (٥).

стр. 1332

ويذهب الملطي إلى أن هذا الاسم برز بعد مبايعة الحسن بن علي لمعاوية؛ حيث قال: "وهم سموا أنفسهم معتزلة؛ وذلك عندما بايع الحسن بن علي – ﵇ – معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن، ومعاوية، وجميع الناس؛ وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم، ومساجدهم، وقالوا نشتغل بالعلم، والعبادة فسموا بذلك معتزلة" (١).وقد بنى المستشرقون على هذه المزاعم أن ربطوا المعتزلين عن الحروب، والفتن، باعتزال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد؛ ليصلوا إلى هدفهم؛ وهو نسبة هذا الابتداع الضال إلى الصحابة – رضوان الله عليهم -؛ حيث حشد المستشرق نلينلوا مثل هذه النصوص؛ ليخلص إلى القول: "فعندئذ الدليل الحاسم على استعمال لفظ الاعتزال بهذا المعنى السياسي، طوال هذا الزمان الذي عاش فيه مؤسساً مذهب المعتزلة، ونستطيع أن نلاحظ أخيراً في كثير من الاحتمال أن الحديث الموضوع الذي طبقه المعتزلة المتكلمون، من بعد على أنفسهم، كان يشير في الأصل إلى المعتزلة السياسيين، وأعني بهم هؤلاء الذين امتنعوا عن الاشتراك في المنازعات الداخلية في القرن الأول، وأوائل القرن الثاني" (٢)، ثم يعقب الدكتور بدوي بعد النص السابق، فيقول: "من كل هذا الذي سبق يبدو لي أنه ما دامت هذه المسألة قد أخذت حظها من الأهمية؛ بسبب المنازعات السياسية، والحروب الأهلية في القرن الأول، فمن الطبيعي أن يكون اسم المعتزلة قد أخذ عن لغة السياسة في ذلك العصر؛ فكان المعتزلة الجدد، المتكلمون في الأصل، استمراراً في ميدان الفكر، والنظر، للمعتزلة السياسية، أو العملية" (٣).

стр. 1333

وللرد على هذه المزاعم المعروفة الهدف؛ وهو الربط بين معتزلة الابتداع المتأخرين، واعتزال الصحابة للفتنة، وأحداثها، فهذا الربط باطل، ولا صحة له؛ فإن الصحابة المعتزلين لأحداث الفتنة لم يؤثر عنهم أي خوض في مسائل عقدية مشابهة للتي ابتدعها المتأخرون، بل كان اعتزالهم لحقن دماء الأمة فقط، ولم يتعد ذلك إلى أي مقولة فكرية، أو عقدية، تشق صف الأمة، وتخالف ما جاء به الرسول ﷺ . ثم إن المعتزلة المتأخرين، لا يعتبرون معتزلة الحرب سلفاً لهم، بل الذي حملهم هذا هم مؤرخو الشيعة، والمستشرقون، ومن تابعهم، بل الثابت أن موقف واصل، وعمرو بن عبيد، من أحداث الفتنة ليس موقفاً وسطاً؛ كما فعل الصحابة المعتزلون، ولكنه موقف يطعن في المقتتلين؛ حيث قال واصل: "إن فرقة من الفريقين فسقة بأعيانهم، وإنه لا يعرف الفسقة منهما، وأجازوا أن يكون الفسقة في الفريقين علياًّ، وأتباعه؛ كالحسن، والحسين، وابن عباس، وعمار بن ياسر، وأبي أيوب الأنصاري، وسائر من كان مع علي يوم الجمل، وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة، وطلحة، والزبير، وسائر أصحاب الجمل، ثم قال في تحقيق شكه: لو شهد علي وطلحة، أو علي والزبير، أو رجل من أصحاب علي، ورجل من أصحاب الجمل، عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق، لا بعينه" (١).وزاد عمرو بن عبيد على قرينة واصل؛ فقال بفسق كلتا الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل؛ وذلك أن واصلاً إنما رد شهادة رجلين من أصحاب الجمل، والآخر من أصحاب علي ﵁، وقبل شهادة رجلين كلاهما من أحد الفريقين، وزعم عمرو بأن شهادتهما مردودة، وإن كان من فريق واحد؛ لأنه قال بفسق الفريقين جميعاً" (٢). فأين هو الاعتزال الذي قال به الشيعة، والمستشرقون؟ وهل الذي يقول مثل هذا في الصحابة يكون الصحابة المعتزلون للفتنة سلفاً له، وهم الذين كان عندهم عهد من رسول الله ﷺ أن لا يخوضوا في الفتنة؟ لكن واصلاً، وعمراً، انطلقت ألسنتهم العليلة بتفسيق جمهور الصحابة، الذين ﵃، ورضوا عنه. أما ما قاله الملطي "ت (٣٧٧هـ) " عن حدوث هذا الاسم بعد بيعة الحسن لمعاوية، فهذا الرأي يكاد قد ينفرد به وحده، ولم يقل به غيره، ولو صح، لاشتهر هذا الاسم اشتهاراً واسعاً، ثم إن الحقائق تنقضه؛ فإن الناس بعد بيعة الحسن لمعاوية – ﵄ –، قد دخل أغلبهم في بيعة معاوية، وسمي ذلك العام عام الجماعة، فقد بايعه كبار الصحابة، وأعيان الأمصار في كل أرض الخلافة، إلا بقايا من الشيعة السبئية، والخوارج الذين اختاروا سراديب الظلام، وعلى فرض صحة ما قاله الملطي، فإن اعتزال هؤلاء للعلم، والعبادة، وليس لتأسيس نحلة ضالة تخالف منهاج السلف في الكتاب، والسنة. وقد حاول الشيعة المعتزلة من الزيدية الذين خلطوا بين الاعتزال، والتشيع، نفي ما قاله واصل وعمرو في الصحابة، بلا دليل يصح؛ حيث يقول نشوان الحميري: ""ومن الناس" من يقول سموا معتزلة لاعتزالهم علي بن أبي طالب – ﵇ – في حروبه، وليس كذلك؛ لأن جمهور المعتزلة، وأكثرهم، إلا القليل الشاذ منهم، يقولون: إن عليا كان على الصواب، وإن من حاربه فهو ضال" (٣).

стр. 1334

ولو كان هذا صحيحاً لاهتبله مؤرخو الشيعة، وذكروه؛ ليعززوا مواقفهم التي هي من جنس ما يردده المعتزلة؛ من إلقاء الكلام على عواهنه، بلا دليل إلا التهويش، وجلب الأتباع اعتباطاً، لا حقيقة. ولكن الأكاذيب التي لا تحتمل هي التي أتى بها ابن المرتضى عندما عدد طبقات المعتزلة، ووضع في الطبقة الأولى: الخلفاء الأربعة، وعبدالله بن العباس "ت (٦٨هـ) "، وابن مسعود "ت (٣٢هـ) "، وغيرهم، ثم زعم أن علياً كان يصرح بالعدل؛ أي يقول بالقدر، وكذلك أبو بكر، وابن مسعود، وساق الأخبار الملفقة عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وأبي بن كعب ﵃ (١) وزعم أن هؤلاء أسلاف مذهب المعتزلة، والقدرية؛ لترويج أفكارهم الرديئة، والتي كان يبرأ منها ابن عمر، وابن عباس، وكان التابعون يلعنون القدرية، وانحرافهم، ثم يأتي كاتب مغمور في القرن التاسع الهجري ليكذب هكذا، وكأنه اعتقد أن أهل السنة لم يبق فيهم من يدافع عن السلف – رضوان الله عليهم –، من غير دليل، ولا حجة، عن طريق جمع نصوص مبتورة، لا تمت معانيها إلى الواقع بصلة، وتكون عليها فكرة جديدة، يريدون أن تصبح هي الحقيقة المطلقة، أما ممارسات المعتزلة المشينة، وابتداعاتها الواضحة، فإنها تصبح بطولات، ومناداة بمذهب الإرادة الحرة المزعومة، على حساب عقيدة الأمة، التي توجهت كل السهام للطعن بها، وبعلمائها الأبرار، ووصفهم بأشنع الأوصاف؛ لأنهم عارضوا القدرية، وأبانوا عن عورات المعتزلة، وغيرهم من فرق الابتداع المصدر: العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص ٦١٧

стр. 1335

المبحث السادس: عوامل ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم لقد أدى ظهور المعتزلة وانتشار أفكارهم عوامل عدة، منها ما يلي: ١ - حل مشاكل الخلاف بين المسلمين: على أثر ركود حركة الفتح واستقرار المسلمين في الأمصار نشأت بينهم مشاكل اجتماعية كثيرة، كان حتما عليهم أن يدرسوها ويجدوا لها حلولا شافية يقبلها الدين الإسلامي، ومن المشاكل التي أثيرت أكثر مما سواها مشكلة مجرمي الأمة أو ما يدعون مرتكبي الكبائر التي ما دون الشرك؛ وذلك أنه كثر إقدام الناس على ارتكاب الكبائر بسبب اختلاف القادة على الخلافة، وما قبله من الفتن التي أدت إلى مصرع عثمان – ﵁ – ونشوء الحرب بين علي وأصحاب الجمل، ثم بين علي ومعاوية، فتفرق المسلمون أحزابا ووقعوا في صراع دموي ذهب بالطيبين من أعلام الصحابة، وراح المسلمون يكفر بعضهم بعضا، وانشغلوا عن أعمال الفتوح بتبادل السباب، يضاف إلى هذا أن المسلمين انتقلوا بعد الفتح من محيط الصحراء الضيق إلى محيط واسع فيه كثير من ضروب اللهو والترف وأسباب الفساد، فحز ذلك في نفوس القوم، ولا سيما أهل العلم والأخبار، وساءهم أن يروا إخوانهم المسلمين يجترئون على المعاصي، ويقتل بعضهم بعضا بلا سبب، فعكفوا على هذه المشكلة يدرسونها، ويصدرون أحكامهم فيها مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، كل على حسب اجتهاده، فكثرت بسبب ذلك المناظرات، واشتهرت المجادلات واختلاف الرأي (١).وكان أهل السنة والجماعة يرون أن مرتكب الكبيرة التي ما دون الشرك أنه مؤمن، فكبيرته لا تخرجه من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، لبقاء التصديق الذي هو حقيقة الإيمان، ولكنه يعاقب عليها (٢). ويستدلون بأمور، منها:

стр. 1336

الأول: النصوص الناطقة بإطلاق المؤمن على المعاصي، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. . الآية [البقرة: ١٧٨]. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. . الآية [التحريم: ٨]. الثاني: إجماع الأمة من زمن النبي ﷺ إلى وقتهم على الصلاة على من مات من المسلمين من غير توبة، والدعاء له ودفنه في مقابرهم مع علمهم بحاله (١).وقد رفض الخوارج حكم أهل السنة في مرتكب الكبيرة، ووضعوا فيه حكما مخالفا، فقالوا – ما عدا النجدات منهم -: إن مرتكب الذنوب كبيرة كانت أو صغيرة كافر مخلد في النار ذلك لأنهم كانوا لا يعتبرون الإيمان تاما بدون العمل (٢).وكما رد الخوارج حكم أهل السنة، فإن المرجئة اعترضوا على حكم الخوارج، وكونوا في مرتكب الكبيرة رأيا يعتبر بمثابة الرد على الخوارج، فقالوا: نظرا لأن الإيمان هو عمود الدين، وليس العمل داخلا في الإيمان، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فقد قرروا أن مرتكب الكبيرة مؤمن وأرجأوا أمر معصيته إلى الله تعالى يوم القيامة ليحكم فيه ما يشاء (٣).ثم تعاظم الخلاف بين الفرق الإسلامية، واحتدم الجدل، وصارت تعقد في مساجد البصرة وغيرها حلقات المناظرة التي كان أهمها وأشهرها حلقة الحسن البصري. في ذلك الجو ظهر المعتزلة، وقد كانت الحلول المعروضة لمرتكب الكبيرة غير مرضية للجميع؛ وبذلك كان المجال مفتوحا لظهور حلول أخرى، وقد ظن واصل بن عطاء – تلميذ الحسن البصري – أن في مقدوره أن يجيء بحكم خير من الأحكام السابقة، ثم أن واصلا لما كان يعتقد أن العمل جزء من الإيمان (٤)؛ ويرى أن أحكام المؤمنين والكافرين والمنافقين في الكتاب والسنة زائلة عن مرتكب الكبيرة، فإنه قرر أن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر؛ بل في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر (٥).وقد عرفنا – فيما سبق – عند الكلام على نشأة المعتزلة، قصة السائل الذي أتى إلى الحسن البصري في حلقته يسأله عن حكم مرتكب الكبيرة؛ معللا ذلك بوجود الآراء المتضاربة، آراء الخوارج والمرجئة، وقبل أن يجيب الحسن سبقه واصل بن عطاء وقال رأيه في مرتكب الكبيرة، وهو أنه لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل في ناحية من المسجد، وانضم إليه عمرو بن عبيد وأصحابه، فقال الحسن: اعتزلنا واصل؛ وبذلك سمي واصل وأصحابه المعتزلة (٦).ومما يلفت الانتباه أن واصلا – رغم مخالفته للخوارج – وقوله: إن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فإنه وافقهم على تخليده في النار، وفي هذا يقول البغدادي: تناقض بين، إلا أن واصلا استدرك فقال: يخفف عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفار؛ وذلك إذا خرج صاحب الكبيرة من الدنيا عن غير توبة (٧).

стр. 1337

وقد طبق واصل بن عطاء هذا المبدأ على المتنازعين على الخلافة، فقد كان أهل العصر مختلفين في هذه المسألة أيضا، فشيعة علي – ﵁ – يكفرون الذين خرجوا عليه وحاربوه، وحرموه من حقه في الخلافة، وجماعة معاوية يلعنون عليا في المساجد، والخوارج يقولون: إن أصحاب الجمل كفروا بقتالهم عليا، وأن عليا كان على الحق في قتال أصحاب الجمل، وقتال أصحاب صفين إلى وقت التحكيم، ثم كفر بالتحكيم، وأهل السنة يعتقدون صحة إسلام الفريقين في حرب الجمل وصفين، ويرون أن الذين قاتلوا عليا فيهما كانوا عصاة مخطئين، ولكن خطأهم لم يكن كفرا. وأما المرجئة؛ فكانوا يؤمنون بحسن إسلام الفريقين ويرجئون الحكم عليهما إلى يوم القيامة، فلما قام واصل خالف جميع هذه الأقوال، وأدلى بحكمه الخاص في ذلك النزاع، فقال في عثمان وقاتليه وخاذليه: إن أحد الفريقين لا محالة فاسق مخطئ؛ غير أنه لا يستطيع أن يعين أيهما المخطئ؛ فلا يمكنه لذلك أن يقبل شهادتهما، كذلك قال في أصحاب الجمل وصفين: أن أحدهما مخطئ فاسق، وقد يكون الفسقة من الفريقين، ولما كان يشك فيهما كليهما ولا يعرف أيهما الفاسق، رفض شهادتهما، وقد ذهب صاحبه عمرو بن عبيد إلى أبعد من ذلك، فحكم بفسق الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، ولم يقبل شهادتهم جميعا (١). ولم يكتف واصل بالحكم على المتحاربين على الخلافة فحسب؛ بل تعرض لحل ذلك النزاع السياسي من أساسه، فقد كانت آراء الفرق الإسلامية في الخلافة متضاربة، فأهل السنة يقولون: إن الخليفة يجب أن يكون عربيا من قريش، وأن يصل إلى الخلافة بمبايعة الأمة وموافقتها. والشيعة يرون: أن الإمامة محصورة في أولاد علي بن أبي طالب من زوجته فاطمة بنت الرسول – ﷺ – والخوارج يصرون على أن تكون الخلافة بانتخاب الأمة إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وكل مسلم يحق له أن ينتخب لإشغال ذلك المنصب. فحاول واصل أن يوحد هذه الآراء ويكون منهاجا يرضي الجميع، ويجيء وسطا بين تطرف الشيعة والخوارج، فقال: الإمامة باختيار الأمة، وحجته في ذلك: أن الله لم ينص على رجل بعينه، ولا الرسول ﷺ . وفي هذا وافق أهل السنة والخوارج. وقال أيضا: إذا كان مسلما سواء من قريش أو من غيرها، ومن أهل العدالة والإيمان، يجوز أن يقع عليه اختيار الأمة، وكان ذلك منه ترضية ثانية للخوارج وزاد على ما تقدم أن اختيار الإمام واجب على أهل كل عصر، فاقترب بهذا القول من الشيعة الذين يعتقدون بوجوده في كل وقت إن حاضرا أو غائبا. ويتضح مما تقدم أن المسلمين في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الفرقة كانت عندهم بعض المشاكل، وأن المعتزلة قاموا ليحلوا تلك المشاكل ويضعوا فيها أحكاما حسبوا أنها ترضي الجميع، وتحوز قبولهم، وتصلح ذات بينهم (٢)؛ إلا أن المسألة بالعكس؛ إذ أنهم زادوا المشاكل مشاكل، فأحدثوا من البدع والأقوال المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما جعل المسلمين ينشغلون عن حل مشاكلهم بالقضاء على هذه البدع والأقوال المخالفة، والرد عليها؛ لكن على كل حال فإن وجود بعض المشاكل بين المسلمين مما هيأ لظهور هذه الفرقة؛ ومن ثم ساعدها على الاشتهار والانتشار عندما أثبتت آراءها كأي فرقة أخرى من فرق الضلال. ٢ - أثر الديانات الأخرى:

стр. 1338

لقد شهدت جزيرة العرب شروق شمس الإسلام؛ غير أنه لم يبق محصورا في هذه الجزيرة إذ ما لبث المسلمون أن خرجوا منها غازين فأخضعوا لسلطانهم معظم أقطار الشرق الأدنى، وقد وجدوا في البلاد التي فتحوها أقواما يدينون بديانات شتى. ففي الشام ومصر عمت المسيحية واليهودية، وفي العراق وفارس غلبت المجوسية بفرقها المتعددة كالثنوية والزرادشتية والمانوية والمزدكية. . فكان لزاما على المسلمين أن يعيشوا بين أرباب تلك الأديان، وكان لابد لهم من الاتصال المستمر بهم، فتأثروا بآرائهم وأفكارهم، وتسرب إلى الإسلام من عقائدهم نتيجة ذلك الاحتكاك والتأثر المتواصلين ما كان أئمة السلف لا يقرونه، ولا يرضون به. وقد تم ذلك التأثر بطرق مختلفة، منها: ترجمة بعض الكتب القديمة مما أثر على الفرس والهنود واليونان والرومان، وكان في هذه الكتب من العلوم والفلسفات ما أثر على عقائد المسلمين، وجرهم إلى مناظرات كان للمعتزلة النصيب الأكبر منها؛ إذ أن لهم مدخل في علم الكلام. ومنها: دخول أهل الملل الأخرى في الإسلام؛ حيث جاءوا بمعارف مختلفة أثرت على عقائد المسلمين، وقد انقسم هؤلاء الداخلون في الإسلام أقساما، منهم: من دخل في الإسلام وترك معتقداته القديمة، لكنه نقل بعض تلك المعتقدات عن غير عمد، ونشرها بين أهله، فكان لها دورها في التأثير على عقائد المسلمين. ومنهم: من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به، وإنما لغايات في نفوسهم، فعل بعضهم ذلك طمعا في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته، فدئبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطرا عليه كبيرا لأنهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار ما لا تقره العقيدة الإسلامية حبا في تشويه تلك العقيدة، ورغبة في إفسادها، كما أن هناك من تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأن الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شئونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية. ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أمية، ولما لم يكن للعرب قدرة كافية في أمور الإدارة، فإنهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شئون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا من مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين، وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوما بهم، والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال. بعد هذه المقدمة نبين أثر الديانات الأخرى في ظهور الاعتزال.

стр. 1339

معلوم أن أرباب تلك الديانات أثاروا بين المسلمين مسائل إلهية هامة لم تكن لتخطر لهم، غير أن السلف تخوفوا منها وتجنبوها، وحظروا على الناس الخوض فيها؛ لأنهم كانوا يرون في الكتاب والسنة ما يكفيهم في حياتهم، فلا ضرورة لأن ينصرفوا إلى أبحاث دينية أخرى خارجة عنهما؛ إلا أن ترك البحث في تلك المسائل الإلهية لم يدم طويلا، فسرعان ما قام من بين المسلمين رجال كان عندهم شيء من الجرأة، وحب الاستطلاع، فأقبلوا عليها يدرسونها ويقابلونها بتعاليمهم الإسلامية أولئك الرجال هم المعتزلة وأسلافهم القدرية أو الجهمية. قد كان لليهود بلا شك بعض الأثر في ظهور المعتزلة، فهم الذين نشروا المقالة في خلق القرآن، يروي ابن الأثير (١) أن أول من نشرها منهم هو لبيد بن الأعصم – عدو النبي ﷺ – الذي كان يقول بخلق التوراة؛ ثم أخذ ابن أخته طالوت هذه المقالة عنه، وصنف في خلق القرآن، فكان أول من فعل ذلك في الإسلام، وكان طالوت هذا زنديقا فأفشى الزندقة (٢). وذكر الخطيب البغدادي (٣): أن بشرا المريسي (٤) المرجئ المعتزلي أحد كبار الدعاة إلى خلق القرآن، كان أبوه يهوديا، صباغا في الكوفة (٥). لكن الديانة التي كان لها أثرها في ظهور الاعتزال أكبر من غيرها هي المسيحية. والأدلة على تأثر المعتزلة بالمسائل الإلهية التي أثارها المسيحيون كثيرة منها:١ - أن الأمويين قربوهم إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان سرجون بن منصور الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره (٦).وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته، فكان يزيد يستشيره في الملمات ويسأله الرأي (٧) ثم ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي (٨) الذي خدم الأمويين ثم اعتزل العمل سنة (١١٢هـ) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية، ويصنف الكتب (٩).إن احتكاك المسلمين بأولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثرا، فكيف إذا تجاوز الأمر حد التجاوز، واشترك المسلمون والمسيحيون في مناظرات دينية، وطال بينهم الجدل، هؤلاء يؤيدون دينهم، وأولئك يبرهنون على صحة معتقدهم؛ أقول ذلك، لأننا نستدل من كتابات يحيى الدمشقي وأمثاله من المسيحيين، فقد ورد منها نماذج محاورات جرت بين المسلمين والمسيحيين، واشترك فيها يحيى الدمشقي، وكان يبدأوها على هذا النحو: إذا قال لك العربي كذا وكذا فأجبه بكذا. . وأشار المستشرق سكيفورت إلى تلك النماذج، فقال: إن من جملة الكتب التي صنفها يحيى الدمشقي كتاب في الدفاع عن النصرانية وضعه في شكل محاورة بين عربي ومسيحي، والذي يظهر من كل هذا أن الأمويين الأوليين كانوا متسامحين في الدين، فلم يمانعوا في قيام مناقشات من هذا النوع، وقد توقفت تلك المناقشات مدة طويلة، ثم استؤنفت في زمن المأمون الذي كان أكثر من الأمويين تسامحا، بل إنه ليشجعها (١٠) فقد جاء في نفح الطيب أنه حدثت مناظرة بين العتابي (١١)

стр. 1340

وبين أبي قرة أمام المأمون في المسيح ﵇، كذلك جرت لأبي قرة محاورة في حضرة المأمون بينه وبين بعض العلماء من العراق والشام دونها في كتاب خاص (١).٢ - ورد في كتب المؤرخين نصوص تشير إلى أن المسلمين أخذوا عن المسيحيين بعض أقوالهم (٢)، فقد ذكر المقريزي أن أول من تكلم بالقدر في الإسلام هو معبد الجهني (٣) أخذ ذلك عن نصراني من الأساورة يقال له أبو يونس، ويعرف بالأسواري (٤).وروى ابن قتيبة أن غيلان (٥) الدمشقي أكبر داعية إلى القدر بعد الجهني، كان قبطيا، ولذا يدعون غيلان القبطي (٦). وفي ذلك إشارة إلى أصله المسيحي. ٣ - ومن الأدلة أيضا على تأثر المعتزلة بالمسيحيين ما نراه من الشبه بين كثير من عقائدهم وبين أقوال يحيى الدمشقي والمسائل الدينية التي كان يعالجها. . . فلا يعقل أن يكون ذلك الشبه وليد الصدفة أو من قبل توارد الأفكار والخواطر، لأنها لا تقتصر على قول واحد أو فكرة واحدة، بل تظهر جليا في مسائل متعددة منها: ١ - القول بخير الله تعالى: كان يحيى الدمشقي يقول: إن الله خير، ومصدر كل خير، وأن الفضيلة هبة منه تعالى، بها أصبح الإنسان قادرا على فعل الخير، فلولا المعونة الإلهية لما استطاع أحد أن يأتي شيئا من الخير أبدا، والمعتزلة كانوا يذهبون إلى مثل هذا القول في خير الله تعالى، ويرون أن الله لا يفعل الشر، ولا يوصف بالقدرة على فعله. ٢ - القول بالأصلح: ثم إن يحيى الدمشقي كان يرى أن الله تعالى يهيئ لكل شيء في الوجود ما هو أصلح له، وهذا شبيه بعقيدة الأصلح التي لعبت دورا مهما في تاريخ المعتزلة، وخلاصتها: أن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما فيه صلاحهم.

стр. 1341

٣ - نفي الصفات: لقد كان يحيى ينفي الصفات الأزلية، وحجته في ذلك أننا لا نستطيع أن نحدد الله تعالى أو ندرك طبيعته؛ لأن الطبيعة مستحيل عليها أن تفهم ما فوق الطبيعة، ولأنه تعالى لم يمنحنا القدرة على تعرفه وإداركه، والذين يطلقون على الله تعالى بعض الصفات، كالقدم والحياة والسمع والبصر، يخطئون كثيرا، لأن هذه الصفات تقتضي التركيب فيكون تعالى مركبا من عناصر مختلفة؛ وذلك ما لا يجوز في حقه ﵎؛ لأنه عنصر واحد غير مركب، ولو أطلقنا عليه تعالى مثل هذه الصفات، فإن علينا أن نفهم تماما أنها مجرد صفات سلبية، فإذا قلنا أنه تعالى لا أول له، فالمعنى أنه غير مخلوق أو غير قابل للفناء، وإذا قلنا: أنه خير فالمعنى أنه لا يفعل الشر، وهكذا. وإلى هذا القول في تعطيل الصفات ذهب المعتزلة حيث جعلوه أحد أصولهم الخمسة. ٤ - المجاز والتأويل: كذلك تعرض يحيى الدمشقي لمسألة التجسيم والتشبيه، فقال: إنه وردت في الكتاب المقدس كلمات كثيرة تحمل معنى التجسيم والتشبيه، وإن الناس في حديثهم عن الله تعالى يستعملون عبارات تؤدي إليهما، فحيثما وجدنا مثل هذه العبارات التي تتضمن معنى التجسيم والتي تشبه الله بخلقه؛ سواء في الكتاب المقدس أو غيره، وجب أن نعتبرها مجازا أو رموزا, وننظر إليها كأداة تعين الناس على معرفة الله، ويجب أن نعمد لذلك إلى تأويلها، فمثلا: سمعه تعالى: لا يعني إلا استعداده لقبول الدعاء، وعينه تعالى: ليست سوى قدرته على معرفة كل شيء، ومراقبة كل شيء، وهكذا، وقد سار المعتزلة على هذه الخطوة فنفوا الأحاديث وأولوا الآيات التي تتضمن الاستواء والمجيء والنزول إلى الدنيا والسمع والبصر والكلام وغير ذلك (١).

стр. 1342

من هذا العرض اتضح لنا أن للديانات الأخرى أثر في نشأة المعتزلة وخصوصا اليهودية والمسيحية، وأن أثر المسيحيين أكثر من غيره. ومن الضروري أن نذكر في هذا الصدد أن المعتزلة لم يتأثروا في بادئ الأمر بأرباب الديانات الأخرى مباشرة، فقد سبقهم جماعة اطلعوا على عقائد المسيحية واليهودية وأخذوا يدرسونها ويتحدثون عنها، وهم فرقتان: فرقة قالت بخلق القرآن ونفي الأزلية، وأخرى قالت بنفي القدر. وأول رجال الفرقة الأولى: هو الجعد بن درهم (١) الذي أظهر مقالته في زمن هشام بن عبد الملك. وعن الجعد أخذ الجهم بن صفوان أكثر أقواله، وكان الجهم جبريا لا يثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا، وكان فوق ذلك ينفي الصفات، ويقول بخلق القرآن وفناء الجنة والنار، وفناء حركات أهلهما، وإنكار الرؤية السعيدة، وإيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع، فانتشرت مقالته بـ (ترمذ) من أعمال خراسان (٢).أما الطائفة الثانية: فهي القدرية التي كانت تثبت للإنسان قدرة على أفعاله، وحرية في اختيارها، وأول رجالها عمر المقصوص المتوفى سنة (٨٠هـ) الذي ظهر بدمشق، وكان أستاذا للخليفة معاوية بن يزيد بن معاوية، فقتله الأمويون بتهمة إفساد الخليفة (٣). ويأتي بعده معبد الجهني الذي تكلم بالقدر في البصرة، وكان يجالس الحسن البصري فاقتدى به جماعة من المسلمين، منهم عمرو بن عبيد المعتزلي، وقد سلك أهل البصرة مسلكه في نفي القدر حينما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، ولما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان (٤).ومن رجال القدرية غير المقصوص والجهني غيلان الدمشقي الذي أخذ القول بنفي القدر عن معبد الجهني وتمادى فيه فأحضره عمر بن عبد العزيز – الخليفة الأموي العادل تولى الخلافة سنة (٩٩هـ)، وتوفي سنة (١٠١هـ) – ووبخه وبلغه بعد ذلك أن غيلان أسرف في القدر، فاستدعاه إليه، وامتحنه، وكان يود أن يذبحه لو لم يتراجع غيلان ويعلن توبته، فأمر عمر بن عبد العزيز بالكتابة إلى سائر الأعمال بخلاف ذلك، فأمسك غيلان عن الكلام إلى أن مات الخليفة عمر، فسأل في القدر، فجاء به هشام بن عبد الملك، وكان شديدا على القدرية فامتحنه فأقر بنفي القدر، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، فمات وصلب على باب دمشق، ويقال: أن هشاما صلبه حيا (٥).وهكذا فبينما الجعد ومن تبعه يقولون بخلق القرآن ونفي الصفات في الشام والعراق، والجهمية في خراسان، تقول أيضا: بقولهما، والقدرية في البصرة تنفي القدر وتدافع عن حرية الإنسان في اختيار أفعاله، ظهرت المعتزلة في البصرة التي كانت كما وصفها الحافظ الذهبي (٦) (عشر القدر) (٧). تحت تأثير التيارات الفكرية المختلفة التي وجدوها، وكانت تعاليمهم خليطا من أقوال القدرية والجهمية، فإنهم وافقوا القدرية في نفي القدر، ووافقوا الجهمية في جميع أقوالها ما عدا الجبر، فإنهم خالفوها فيه، وتحاملوا عليه، ولا شك في أن المعتزلة كانوا متأثرين بتلك العقائد التي انتهت إليهم تأثرا قويا، مؤمنين بها إيمانا شديدا، وإلا لما كانوا تمسكوا بها، وهم يرون الأمويين يبطشون بأصحابها ويتتبعونهم بالتعذيب والقتل.

стр. 1343

لقد ذهبت الجهمية وانقرضت القدرية، ولكن تعاليمهما بقيت محفوظة في فرقة المعتزلة التي أخذت تلك التعاليم وشرحتها وتوسعت فيها؛ ولهذا يمكننا أن نعتبر المعتزلة ورثة الجهمية والقدرية، وعلى الأخص القدرية، لأن الجهمية كانت مخالفة للمعتزلة في مسألة القدر، ولأنها انحصرت في (نهاوند) وعمرت مدة طويلة بعد قيام المعتزلة، أما القدرية فلم يكن بينها وبين المعتزلة شيء من الخلاف، وقد اندمجت بهم حال ظهورهم، فأصبح القدرية والمعتزلة فرقة واحدة (١). وبهذا يتضح أن المعتزلة قد تأثروا بالديانات الأخرى وخصوصا اليهودية والمسيحية لكن بطريق غير مباشر. والله أعلم. ٣ - مناصرة بني العباس لهم: لقد ظهرت المعتزلة في العصر الأموي، وكانوا قد أدركوا نقطة الضعف في الفرق التي خرجت قبلهم كالقدرية الذين تعرضوا لنقمة الخلفاء الأمويين، وتتبعوا بالقتل والتشريد؛ لذا علموا أنه لا بقاء لهم ما لم يوجدوا قوة كبيرة تساندهم وتشد أزرهم فخطر لهم أن يستعينوا بالسلطة الحاكمة، ويستميلوها إلى جانبهم؛ فبذلك يمكن أن يعيشوا آمنين، ويظهروا آراءهم بلا خوف ولا وجل، فتم لهم ما أرادوا، ولكن بعد جهاد طويل دام ما يقارب قرنا من الزمان؛ لذا راحوا يلقون على الخلفاء شباكهم، فنراهم يلتفون حول اليزيد بن الوليد بن عبد الملك. قال الطبري: إن اليزيد كان قدريا (٢). وروى الحافظ الذهبي: أن اليزيد حين ولي الخلافة دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه (٣). وجاء في مروج الذهب أن اليزيد كان يذهب إلى قول المعتزلة في الأصول الخمسة (٤). كذلك التفوا حول مروان بن محمد – آخر خلفاء بني أمية –؛ يقول ابن الأثير: إن مروان كان يلقب بالجعدي، لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في خلق القرآن، ونفي القدر (٥)، فكان الناس يذمونه بنسبته إلى الجعد. وذكر ابن القيم أن كلام الجعد نفق عند الناس، لأنه كان معلم مروان وشيخه؛ ومع ذلك فإن المعتزلة بقوا كما قال ابن القيم قليلين مذمومين (٦).ولما مضى الأمويون، وابتدأ حكم العباسيين أخذ المعتزلة يرفعون رؤوسهم في حكم أبي جعفر المنصور – ثاني خلفاء بني العباس – ذلك أن عمرو بن عبيد كان صديقا لأبي جعفر المنصور قبل أن يتولى الخلافة، دخل عمرو على المنصور يوما فوعظه فأبكاه، فقال المنصور: فأصنع ماذا؟ ادع لي أصحابك أولهم!،فأجاب عمرو: ادعهم أنت بعمل صالح تحدثه. وهذا يدل على أن لعمرو مكانة عند المنصور. ثم خفت صوت المعتزلة في زمن المهدي ابن المنصور لأنه كان شديدا على الزنادقة والمخالفين، فقد جد سنة (١٦٧هـ) في طلبهم، والبحث عنهم، وعين لذلك موظفا خاصا وقتل منهم جماعة. . ولما بدأ عصر الرشيد بدأوا يرفعون رؤوسهم ثانية، فإنا نجد الرشيد يقرب بعض رجالاتهم، فإنه حين قدم ثمامة بن أشرس (٧) بغداد، اتصل بالرشيد، واتصل به أيضا يحيى بن المبارك (٨) اليزيدي، وكان مؤدبا لولده المأمون. يقول ياقوت الحموي (٩): إن يحيى بن المبارك كان يتهم بالاعتزال. وروى أن محمد بن مناذر (١٠) – أحد النساك – هجا المعتزلة في زمن الرشيد، فنفوه من البصرة إلى الحجاز، فإن صحت هذه الرواية، فإنها تدل على أن للمعتزلة في زمن الرشيد سلطة مكنتهم من القيام بمثل هذه الأعمال، والانتقام من أعدائهم.

стр. 1344

ورغم كل هذا: فإن المعتزلة لم يجسروا على نشر مقالاتهم، والجهر بآرائهم، لأن الرشيد كان شديدا في أمور الدين؛ ومع هذا فإن الدور الذي لعبه المعتزلة في زمن الرشيد كان عظيم الأهمية بالنسبة إلى مستقبلهم، فإنه مهد لهم السبيل إلى قصر الخليفة، وجعل من بعضهم أصدقاء ووعاظا ومؤدبين لأولاده؛ وبذلك شاع ذكرهم، وتوسع نفوذهم. وفي خلافة الأمين؛ انكمش نفوذهم لأنه كان أشد من أبيه في مسائل الدين. يقول ابن القيم: إن الأمين أقصى الجهمية وتتبعهم بالحبس والقتل، فاستمروا مضطهدين إلى أن قتل الأمين وخلفه أخوه المأمون، فابتسم لهم الدهر، وانتهى إليهم الأمر، وبدأ دور عزهم وقوتهم، فقد كان يعتبر نفسه من علماء المعتزلة فشايعهم وقربهم، وجعل منهم حجابه ووزراءه، وكان يعقد المناظرات بينهم وبين الفقهاء لينتهوا إلى رأي متفق، واستمر على ذلك حتى إذا كانت سنة (٢١٨هـ) وهي السنة التي توفي فيها, انتقل من المناظرات العلمية إلى التهديد بالأذى الشديد، بل إنزاله بالفعل؛ وذلك برأي وتدبير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي داود (١) المعتزلي، فقد كانت فيه المحاولة بالقوة لحمل الفقهاء والمحدثين على رأي المعتزلة، وما كانت قوة الحكم لنصر الآراء، وحمل الناس على غير ما يعتقدون. وإذا كان من المحرم الإكراه في الدين، فكيف يحل حمل الناس على عقيدة ليس في مخالفتها انحراف عن الدين؟! بل العكس في متابعتها الانحراف. لقد حاول أن يحمل الفقهاء على القول بأن القرآن مخلوق، فأجابه بعضهم إلى رغبته تقية ورهبة لا عن إيمان واعتقاد واقتناع بما حملوا عليه، وتحمل آخرون العنت والإرهاق والسجن الطويل، ولم يقولوا غير ما يعتقدون، استمرت تلك الفتنة طوال مدة المعتصم والواثق؛ وذلك لوصية المأمون بذلك وزاد الواثق الإكراه على نفي الرؤية، كرأي المعتزلة، ولما جاء المتوكل رفع المحنة وترك الأمور تأخذ سيرها، والآراء تجري مجراها؛ بل إنه اضطهد المعتزلة ولم ينظر إليهم نظرة راضية. وهذا العامل بلا شك أهم العوامل التي ساعدت على بروز المعتزلة وانتشارهم، بل وجعل لهم المكانة في المجتمع، وأصبح مذهبهم معترفا به عند الناس، ونمى آراءهم وشعبها، فبعد أن كانت محصورة في مبادئ قليلة؛ كثرت وتشعبت، وأضيفت إليها زيادات لم تكن موجودة قبل ذلك (٢). ٤ - الدفاع عن الدين الإسلامي:

стр. 1345

معلوم أنه دخل في الإسلام طوائف من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم, ورؤوسهم ممتلئة بكل ما في هذه الأديان من تعاليم جرت في نفوسهم مجرى الدم؛ ومنهم من كان يظهر الإسلام ويبطن غيره؛ إما خوفا ورهبة أو رجاء نفع دنيوي؛ وإما بقصد الإفساد وتضليل المسلمين، وقد أخذ ذلك الفريق ينشر بين المسلمين ما يشككهم في عقائدهم، فظهر ثمار غرسهم في فرق هادمة للإسلام تحمل اسمه ظاهرا وهي معاول هدمه في الحقيقة، وهذا يمكن أن يصدق على الفرس أكثر منه على أهل الكتاب؛ ذلك أن الخطر على الإسلام لم يكن آتيا من أهل الكتاب كغيرهم، فإن القرآن الكريم أمر أن يعاملوا بالحسنى؛ وذلك دليل على ضآلة خطرهم على الدين، ولكن هذا القول يصدق على المسيحيين أكثر منه على اليهود، لأن أكثر المسيحيين في الشام كانوا عربا تجمعهم بالمسلمين الفاتحين روابط الجنس واللغة، ولأن المسيحيين في الشام ومصر لم يكن لهم كيان سياسي يأسفون على ضياعه، بل كانوا يخضعون للحكم البيزنطي الذي أثقل كاهلهم بالضرائب واضطهد المخالفين منهم لعقيدة الكنيسة الملكية. فلما جاء الفتح الإسلامي رحبوا به ونعموا تحت ظل الدولة الإسلامية بحرية الدين والعمل، فلم يكن لديهم ما يحملهم على الحقد على الإسلام والكيد له، وقد قال تعالى فيهم: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى. . الآية [المائدة: ٨٢] أما اليهود فقد حاولوا في أول الأمر أن يقاوموا الإسلام، وبذلوا جهدهم؛ إلا أن الله رد كيدهم في نحورهم، فلم ينالوا شيئا من الإسلام، ولذلك قال فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ. . الآية [المائدة: ٨٢]. فهم بلا شك العدو اللدود للإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان، ولا تنس مؤامراتهم ودسائسهم ضد الرسول ﷺ في المدينة، ولا المقالة في خلق القرآن التي نشرها طالوت اليهودي الزنديق (١)، فكانت سببا في فتنة كبيرة بين المسلمين، ولا نغفل أيضا عن عبد الله بن سبأ (٢) الحميري اليهودي الذي أظهر الإسلام نفاقا ليكيد لأهله، والذي لم يأل جهدا في التفرقة بين المسلمين، فلقد كان أول من أثار الناس على عثمان – ﵁ – ثم أصبح من دعاة التشيع (٣)؛ وغير من ذكرنا كثير، لكن على العموم فإن خطر هؤلاء اليهود على الإسلام بالنسبة إلى الفرس قليل. وأما الفرس؛ فلهم شأن آخر؛ ذلك أنهم كانوا أصحاب مجد قديم وسيادة عريقة، يختلفون عن العرب في العنصر واللغة والدين، ويشعرون أنهم أرفع من العرب شأنا، وأعلى قدرا، فقد كان الكثيرون من عرب الجاهلية في العراق واليمن خاضعين لهم، لذلك كان مقتهم للمسلمين الذين دكوا عرشهم وأفسدوا دينهم شديدا بالغا، فراحوا يكيدون للإسلام بشتى الوسائل، وأخذوا يسعون جاهدين للقضاء على سلطان المسلمين السياسي، وإفساد دين الإسلام (٤). يقول ابن حزم "إنهم رأوا أن الكيد للإسلام والمسلمين بالحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة آل بيت الرسول ﷺ ، واستشناع ظلم علي – ﵁ – وسلكوا بهم مسالك مختلفة حتى أخرجوهم عن الإسلام (٥)؛ فتم لهم ما أرادوا من التفرقة بين المسلمين وإدخال البدع والضلالات المناوئة للدين.

стр. 1346

يقول البغدادي: إن البدع والضلالات في الدين ما ظهرت إلا من أبناء السبايا (١).فنتج عن كل ما ذكرنا ظهور بعض الفرق كالمجسمة والرافضة، وظهور بعض الحركات العقائدية المناوئة للإسلام كالزنادقة (٢) والراوندية (٣). . هذه الحركات التي تستهدف زعزعة العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وتشكيكهم في دينهم، بل وتشويه الإسلام أمام الأمم الأخرى المجاورة للمسلمين. ومن المعلوم أن هذه الفرق والحركات أتت بشبه تقوي بها مزاعمها، ولدحض هذه الشبه؛ لا بد من عقد المناظرات والدخول في علم الكلام الذي تعرفه المعتزلة وخاضوا فيه؛ فهذه المناظرات أمام هذه الحركات مما رفع من شأن المعتزلة وجعل لهم بعض الشهرة والزيوع (٤). وإليك شيء من أعمالهم التي قاموا بها أمام هذه الفرق والحركات المناوئة للإسلام – كما يروونها في كتبهم -. لقد بدأ المعتزلة جهاد هذه الفرق والحركات منذ ظهورهم، فوضعوا كتبا في الرد عليها، ومناظراتهم الكثيرة؛ إنما كان معظمها مع الفرس، لا مع سواهم، وأول من فعل ذلك منهم رئيسهم واصل بن عطاء، ذكرت امرأته أنه كان إذا جنه الليل يصف قدميه يصلي ولوح ودواة موضوعان أمامه، فإذا مرت به آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها، ثم عاد في صلاته (٥)؛ كذلك سار أصحاب واصل وتلاميذه من بعده على هذه الخطة في الرد على المخالفين، فهذا عمرو بن عبيد ناظر جرير بن حازم الأزدي (٦) السمني في البصرة فقطعه (٧). وكذلك أبو الهذيل العلاف كان كسابقيه، فقد أكثر من تأليف الكتب في نقض مذاهب المخالفين، وإبطال حججهم، ولعل أهمها كتاب ميلاس وكان ميلاس مجوسيا فأسلم، وسبب إسلامه: أنه جمع بين أبي الهذيل وبين بعض الثنوية، فقطعهم أبو الهذيل وأظهر باطلهم (٨).كذلك كان النظام لا يألو جهدا في مكافحة المخالفين؛ من ذلك أنه جمع مجلسا بين النظام وبين الحسين بن محمد النجار الجبري، فألزمه النظام الحجة (٩).ومثل هؤلاء الأربعة الأوائل كثير من المعتزلة الآخرين الذين لم يقصروا عنهم في مقاومة المخالفين والدفاع عن الدين، فقد ألف بشر بن المعتمر (١٠) أرجوزة تقع في أربعين ألف بيت رد فيها على المخالفين جميعا (١١).

стр. 1347

ويحسن بنا بعد هذا أن نشير إلى شيئين آخرين: الأول: أن المعتزلة؛ وإن كان أكثر ردهم على المجوسية والجبرية، فقد كانوا لا يتأخرون عن الرد على جميع المخالفين كائنين من كانوا، فهذا الجاحظ (١) وضع الكتب الكثيرة في الرد على النصارى واليهود والزيدية (٢). . كما أنهم قاوموا الخوارج (٣).الثاني: أن المعتزلة كانوا أشداء على خصومهم متمسكين بعقائدهم حتى أنهم لم يتساهلوا مع بعض رجالهم حين جاءوا بأمور مخالفة، وأبدوا آراء شاذة؛ فقد اعترضوا جميعا على بشر بن المعتمر في اللطف، وناظروه فيه حتى رجع عنه (٤)، ونفوا حفص الفرد لما قال بالجبر وحاربوه، وتصدى له أبو الهذيل فناظره حتى غلبه (٥).كذلك فإن المعتزلة لم يكتفوا بالرد على المخالفين وتقطيعهم، بل تعدوا ذلك إلى الدعوة إلى الدين الإسلامي، فقد كانوا يرسلون الوفود من أتباعهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين، فقد أرسل واصل بن عطاء عبد الله بن الحارث (٦) إلى المغرب، وحفص ابن سالم (٧) إلى خراسان، فأجابهما خلق كثير، ودخلوا في الإسلام (٨). يظهر من كل ما ذكر أن المعتزلة بذلوا جهدا في الدفاع عن الدين الإسلامي، والدعوة إليه. ولكن المرء لا يسعه وهو يطالع قصة أعمالهم في الدعوة إلى الدين الإسلامي، والدفاع عنه، إلا أن بداخله بعض الشك في حقيقتها، ويساوره شيء من التردد في قبولها على علاتها، لأنها لا ترد مفصلة إلا في كتب المعتزلة أنفسهم، على حين لا تتعرض لها المصادر الأخرى بشيء إلا إشارة وتلميحا. لكن على العموم إن صحت كلها أو بعضها، فإنها دليل على خوض رجال المعتزلة في المناظرات والمجادلات، ومعلوم أن المجادلات تولد الأفكار وتنمي المبادئ وتنشرها، وتجعل لأصحابها ذيوعا وشهرة ينتج عنهما كثرة الأتباع، وبالتالي انتشار المبادئ والأفكار (٩).

стр. 1348

٥ - دراسة الفلسفة: حين أخذ المعتزلة على أنفسهم مهمة الدفاع عن العقائد الإسلامية، والدعوة إليها، وحين تعرضوا لمخالفيها يجادلونهم؛ تبين لهم أن أولئك القوم أمضى منهم سلاحا، وأقدر على الجدل والمناظرة؛ ذلك لأنهم كانوا أصحاب حضارة قديمة وثقافة عالية، وكان لهم معرفة بالفلسفة والعلوم العقلية واطلاع على كتب الفلاسفة الأقدمين يستوي في ذلك سكان سوريا ومصر وفارس والعراق، فالسوريون والمصريون كانوا تابعين للدولة البيزنطية وريثة الدولة الرومانية في الشرق، لها حضارة مزيج من مدينتي اليونان والرومان؛ لذلك فإنهم تأثروا بتلك الحضارة، واقتبسوا عنها كثيرا من عناصرها، وأسسوا المدارس ليتلقوا فيها الفلسفة والعلم، ويشتغلوا بترجمة الأسفار الإغريقية، فقد كانت لهم مدرسة كبيرة في الإسكندرية؛ وهي وإن كان رجالها قد انصرفوا في الفترة التي سبقت الإسلام إلى الدروس الفلكية والطبية والكيماوية؛ إلا أنها كانت قبل ذلك ميدانا لحركة لاهوتية (١) واسعة. . ترمي إلى دمج الدين اليهودي بالفلسفة، وقد ظهر صدى هذه الحركة في المدارس السورية؛ ولا سيما مدرسة أنطاكية التي لعبت دورا مهما في اللاهوت، والتي نتج عن أبحاثها تكون الفرق المسيحية التي اختلفت حول طبيعة السيد المسيح كالنسطورية (٢) واليعقوبية (٣).وكانت تقوم في شمال شرق سوريا على الحدود بينها وبين العراق أربع مدارس أخرى، اثنتان منها للنساطرة السريان؛ هما: مدرسة نصيبين (٤) الأولى، ومدرسة الرها (٥)، واثنتان لليعاقبة هما: مدرسة رأس العين (٦)، ومدرسة قنسرين (٧)، وتدور الأبحاث فيها كلها في الأمور اللاهوتية والفلسفية. أما الدولة الفارسية؛ فقد قامت فيها مدرستان: الأولى: مدرسة نصيبين الثانية التي أعاد النساطرة فتحها بعد أن أغلقت الحكومة البيزنطية مدرستهم في الرها، فرحب الفرس بها وسمحوا لعلمائها أن يواصلوا أبحاثهم، وأن يشتغلوا باللاهوت والفلسفة، وتغاضوا عن أعمالهم التنصيرية في نواحي آسيا في سبيل الفائدة التي قد تعود على البلاد منهم. والمدرسة الثانية: هي مدرسة جند نيسابور قاعدة خوذ ستارة إحدى مقاطعات فارس فتحها كسرى أنوشروان في القرن السادس الميلادي، وجلب إليها العلماء النساطرة، وعهد إليهم التدريس فيها، وترجمة الكتب من اليونانية إلى الفارسية، فتأثر الفرس بالحضارة الهندية، وأصبحت مدرستها محطة للتفاعل بين الحضارات الثلاث: اليونانية والفارسية والهندية، ومركزا للاحتكاك بين الديانتين المسيحية والمجوسية، وقد عمرت مدرسة جند يسابور طويلا، واستدعى أحد علمائها سنة (١٤٨هـ) ليعالج المنصور، وكانت تمد الخلفاء العباسيين من بعد المنصور بالأطباء (٨).

стр. 1349

لذلك كله استطاع أولئك القوم أن يرتبوا عقائدهم على أصول فلسفية، وأن يوجدوا لأنفسهم كلاما منطقيا مدققا، وأن يتقنوا المجادلة، فلما شمر المعتزلة عن سواعدهم لمناهضتهم وجدوا أنهم لن يتمكنوا من مجاراتهم ولن يتهيأ لهم الغلبة عليهم ما لم يعمدوا مثلهم إلى درس الفلسفة ويستفيدوا منها في دعم حججهم وتقوية أقوالهم؛ لذا أقبل المعتزلة على درس الفلسفة لأجل أن يتأتى لهم محاربة خصوم الدين الإسلامي بنفس سلاحهم، ويخاطبوهم بالأساليب التي درجوا عليها وألفوها. ولعل هذه الحاجة الماسة إلى الفلسفة هي التي دفعت المنصور إلى تشجيع الترجمة. . ولعلها أيضا هي التي حملت الرشيد والمأمون على الاهتمام بنقل الكتب اليونانية إلى العربية (١).يقول المقريزي: إنه ترجم بأمر المأمون في بضعة أعوام من حكمه عدد من الكتب فتلقاها المعتزلة وأقبلوا على تصفحها والنظر فيها (٢)، فاشتد ساعدهم بها وأول معتزلي استفاد من تلك الكتب فائدة ملموسة هو النظام الذي طالع كما يروي الشهرستاني كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة (٣)، ثم اقتدى به غيره فكان المعتزلة أقدم المتكلمين في الإسلام، وهذه هي شهرتهم الأولى في التاريخ. . وإذا كان المعتزلة قد لجأوا إلى درس الفلسفة لا لذاتها؛ وإنما ليستخدموها في الرد على خصوم الدين الإسلامي؛ إلا أنهم منذ بدأوا في ذلك دخلوا في دور جديد من أدوار تاريخهم، فقد أحدثت الفلسفة في حياتهم انقلابا خطيرا وفي تفكيرهم ثورة عنيفة؛ لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران: أولهما: أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى من نظرتنا إليهم اليوم بل ويضعونهم في مرتبة تقرب من مرتبة النبوة حتى إنهم اعتبروا أقوالهم مكملة لتعاليم دينهم، وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينهما، فبدأ عمل المعتزلة الآخر؛ وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية؛ ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين. . الذين قاموا بنصيبهم فيه، وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمسا له. ثانيا: إن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية. . ويزدادون انصرافا إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والوجود والعدم، والجزء الذي لا يتجزأ. إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيرا، ويصيغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز (٤): إن الاعتزال في تطوراته الخيرة كان أكثره متأثرا بالفلسفة اليونانية. وقد ساعدهم ما ذكرنا على الظهور والاشتهار لما يلي: الأول: أن أخذهم من الفلسفات مما نمى آراءهم وأوجد لهم آراء جديدة. الثاني: أن نماء موهبة المناظرة عندهم بسبب اتصالهم بهذه الفلسفات وأخذهم عنها جعلهم أبرز فرقة مسلمة تقف أمام الفلاسفة المعادين للإسلام، وهذا مما يرفع من شأنهم ويزيد في شهرتهم. الثالث: ظهور بعض الفلاسفة المسلمين الذين اشتغلوا بالفلسفة، فورثوا من المعتزلة بعض أقوالهم الفلسفية، وهذا مما يزيد في بقاء أقوالهم وشهرتها (٥). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٣٠

стр. 1350

المبحث السابع: انتشار مذهب المعتزلة انتشر مذهب المعتزلة انتشارا كبيرا، وصار لهم مذهب يعرفون به ويدعون إليه، وأصبحت لهم مدارس متعددة، وتعددت فرقهم حتى وصلت إلى اثنتي عشرة فرقة (١)، بل أوصلها بعضهم إلى ثماني عشرة أو عشرين فرقة (٢). ولكن مع قيام مذهب المعتزلة وغيره من المذاهب المتعددة، فقد بقي مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب جمهور علماء الإسلام في مختلف الأقطار وعلى مر الزمان، يقوم به العلماء ويتبعهم عامة الناس، فصار مذهب السلف أهل السنة والجماعة هو الغالب على معتقد جماهير الناس، وصار علماء أهل السنة هم المعتبرين، وهم الذين يؤخذ بقولهم، وتعتبر فتاويهم، فألفوا الكتب الكثيرة والمطولة في العقيدة، والتفسير وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والرد على الملحدين والمنحرفين، مؤيدين لمذهب السلف شارحين له.

стр. 1351

وإذا تحدثنا عن انتشار مذهب المعتزلة فنحن نقصد مذهبهم في القدر الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة، وصار أصلا من أصولهم المعتبرة، ولقبا لهم يعرفون به؛ إذ هم – كما أسلفنا – يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، ونحن أيضا حينما نفصل القول في كيفية انتشار مذهبهم فإننا نقصد من ذلك أخذ صورة واضحة مفصلة عن مذهب المعتزلة الذي ابتلي به المسلمون، وأن هذا المذهب ما كان لينتشر هذا الانتشار الذي وصل إلى حد أنه له مؤيدين كثيرين في عصرنا الحاضر لولا أساليبهم التي مكنتهم من الوصول إلى مركز القيادات في الأمة، ومن خلال ذلك فرضوا مذهبهم على الناس، وأحياناً أرغموهم على اعتناقه بالقوة. ومن البدهي القول بأن انتشار مذهب المعتزلة في القدر مرتبط بانتشار مذهبهم عموما، وإذا كانت أصولهم الخمسة هي ما أجمعوا عليه في مختلف أعصارهم وطبقاتهم، فإن قولهم بالقدر هو ألصق ما يكون بهم، حتى وصل الأمر إلى أن أصبح لقبا من ألقابهم فهم يسمون "القدرية"، مع ملاحظة أن المعتزلة أنفسهم ينفون عنهم هذا اللقب، ويقولون إنه ينطبق على المجبرة، وأنهم – على زعمهم – أهل السنة، والسبب واضح وهو ورود أحاديث عن النبي ﷺ في ذم القدرية، وأنهم مجوس هذه الأمة، قال ابن قتيبة: "وقد كان فريق منهم يزعمون أن هذا الاسم لا يلزمهم باللغة ولكن يلزم غيرهم، واحتجوا في ذلك أنه يدعي عليهم أنهم يقولون: لا قدر، فكيف ينسبون إلى ما يجحدون، وهذا تمويه من المحتج، وإنما لزمهم لأنهم يضيفون إلى أنفسهم القدر، وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أحرى بأن ينسب إلى ذلك الشيء من جعله لغيره" (١) ويقول الخطابي: "إنما جعلناهم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين، وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية، وكذلك القدرية، يضيفون الخير إلى الله – – والشر إلى غيره، والله – – خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته" (٢).

стр. 1352

أما بالنسبة لانتشار مذهب المعتزلة فإن المقام لا يتسع هنا لشرح تاريخهم الطويل، وتاريخ علمائهم وأقوالهم، وإنما نعرض لبعض أعمالهم ونشاطاتهم، وبعض الأحداث التي كانت سببا في انتشار مذهبهم وذلك من خلال الأمور التالية:١ - كان المعتزلة يبعثون البعوث لنشر مذهبهم والدعاية له، كما فعل واصل بن عطاء الذي يقول عنه ابن المرتضى: "وبلغ من بأسه وعلمه أنه أنفذ أصحابه إلى الآفاق وبث دعاته في البلاد، قال أبو الهذيل: بعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم فدخل ترمذ ولزم المسجد حتى اشتهر، ثم ناظر جهما فقطعه، ورجع إلى قول أهل الحق، فلما عاد حفص إلى البصرة رجع جهم إلى قول الباطل، وبعث القاسم إلى اليمن، وبعث أيوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينيا فقال: يا أبا حذيفة إن رأيت ترسل غيري فأشاطره جميع ما أملك حتى أعطيه فرد نعلي، فقال: أخرج فلعل الله أن ينفعك، فخرج للتجارة فأصاب مئة ألف، وأجابه الخلق" (١)، وهكذا فالمعتزلة نشطوا لنشر مذهبهم، ورحل دعاتهم شرقا وغربا داعين إلى آرائهم، زاعمين أنهم أهل الحق، ولا شك أن هذه الأعمال التي قاموا بها كان لها دور كبير في التعريف بمذهبهم واستجابة فئات من الناس لهم.٢ - زعموا أن مذهبهم هو الحق، وأنه مذهب السلف الصالح القائم على الأدلة من الكتاب والسنة، يقول أحد علمائهم: "يجب أن أملي كتابا في أن مذهب المعتزلة هو الذي يقتضيه العقل والكتاب والسنة، وهو الذي مر عليه السلف والخلف" (٢)، ويقول أيضا: "ليعرف من قرأ كتابنا أن التمسك بالسنة طريقتنا" (٣). وهذا ادعاء غير صحيح، فإن العقل مقدم عندهم على النص، وسيأتي شرح هذا في الباب الثالث إن شاء الله.٣ - نسبة مذهبهم – بالسند كما يزعمون – إلى رسول الله ﷺ ، وإلى كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي بن كعب، وغيرهم (٤)، وقد نسبوا مذهبهم أيضا إلى كبار علماء السلف كالحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وطاووس، ومكحول، ومجاهد، وغيرهم. وغرضهم من نسبة مذهبهم إلى هؤلاء إظهار مذهبهم أنه الحق، وأن هؤلاء الأعلام قالوا به، ومن ثم فهم أهل الإسلام الحقيقيون، ومخالفوهم – وفيهم أهل السنة والجماعة حقا – ليسوا إلا طوائف منحرفة عن خط الإسلام الصحيح – كما يزعمون -، ولا شك أن عامة الناس سينخدعون بمثل هذه الدعاوى فيتمذهبون بمذهبهم حين يدعون إليه، ويدرسون كتبهم ورسائلهم، ويقولون بآرائهم.

стр. 1353

ولسنا هنا بصدد الرد على آرائهم هذه – مادام غرضهم منها واضحا – مع عدم وجود أي دليل على ما يقولون، خاصة أن نسبة مذهبهم إلى رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة – رضوان الله عليهم جميعا – هو ما يعرف بطلانه من له أدنى معرفة بعقيدة أهل السنة والجماعة، التي يخالفون فيها المعتزلة تمام المخالفة في قضايا الإيمان بصفات الله تعالى، ورؤيته في الآخرة، والقدر، والحكم على مرتكب الكبيرة، وكون القرآن منزلا غير مخلوق، وتقديم السمع على العقل، وغيرها. ونسبة مذهبهم إلى بعض التابعين من السلف يذكرها المعتزلة في كتبهم، ولا دليل لهم على ذلك، فما عرف من أحوال هؤلاء، وأقوالهم ومواقفهم، يدل على مخالفتهم للمعتزلة. وليس عند المعتزلة أي دليل على أن التابعين كانوا يوافقونهم إلا ما يزعمون من أن الحسن البصري قد قال بالقدر على مذهبهم، وأنه منهم، فيروون عن داود بن أبي هند أنه قال: سمعت الحسن يقول: "كل شيء بقضاء الله وقدره إلا المعاصي" (١) ويوردون له رسائل أرسلها إلى عبدالملك بن مروان، وفيها قوله بالقدر على مذهب المعتزلة، ويقولون: إن رسائله مشهورة.

стр. 1354

والرد على دعواهم في الحسن البصري ليس تفصيله هنا، وأرجو ألا يكون استطرادا إذا لخصت الرد في النقاط التالية: أ- أن المعتزلة أنفسهم لا يقطعون بنسبة الحسن إليهم، ولذا نرى ابن المرتضى لما ذكر الحسن وقوله في القدر قال: "فإن قلت فقد روى أيوب، أتيت الحسن، فكلمته في القدر فكف عن ذلك، قلت: قد روي أنه خوفه بالسلطان فكف عن الخوض فيه ... " (١)، وهل يخاف الحسن السلطان وهو الرجل الذي يجهر بالحق دائما؟ ب- أما بالنسبة للرسالة المنسوبة إليه فيقول عنها الشهرستاني: "ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبدالملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من القرآن الكريم ودلائل من العقل، ولعلها لواصل بن عطاء, فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله – تعالى–، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم (٢)، وهذه الرسالة لم تصح نسبتها إلى الحسن، والمعتزلة ينسبون إلى الحسن أقوالا بروايات منقطعة، فالمرتضى حين ذكر أهل العدل والتوحيد عد منهم الحسن البصري، وترجم له ترجمة طويلة، ولما أراد أن يثبت أنه من أهل العدل قال: "فمن تصريحه بالعدل، ما رواه علي بن الجعد قال: سمعت الحسن يقول: من زعم أن المعاصي من الله جاء يوم القيامة مسودا وجهه، وقرأ: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ [الزمر: ٦٠] " (٣)، وعلي بن الجعد الذي يقول سمعت الحسن لم يسمع منه ولم يلقه، فهذه رواية منقطعة. ج- وابن قتيبة يذكر عن الحسن البصري أنه تكلم في شيء من القدر ثم رجع عنه، ولكنه يذكر بعد ذلك مباشرة أن عطاء بن يسار ومعبدا الجهني كانا يأتيان الحسن، فيسألانه ويقولان: يا أبا سعيد إن الملوك يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون الأموال، ويفعلون ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله، فقال، كذب أعداء الله (٤)، قال ابن قتيبة: "فتعلق عليه بمثل هذا وأشباهه" (٥)، ويشبه هذا ما يروى عن الحسن أنه قال – وهو محق في قوله – ولكن المعتزلة يفسرون قوله بما يدل سياق كلامهم له على أنه منهم، وذلك ما أورده عبدالجبار الهمذاني في معرض وصمه لأهل السنة بأنهم قدرية، فقد قال "وروي عن الحسن – ﵀ – أنه كان يقول – إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ إلى العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله ويقولون: إن الله سبحانه قد شاء ما نحن فيه، وحملنا عليه وأمرنا به، فقال – –: وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٢٨] " (٦)، فهل كلام الحسن – ﵀ – في الروايتين دل على أنه قدري؟ الجواب: لا يدل.

стр. 1355

د- وهناك روايات تنفي هذا الزعم، فقد روى ابن سعد: "قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي قال، حدثنا عبدالرحمن بن أبي الرجال، عن عمر مولى غفرة قال: كان أهل القدر ينتحلون الحسن بن أبي الحسن، وكان قوله مخالفا لهم، كان يقول: "يا ابن آدم لا ترض أحدا بسخط الله ولا تطيعن أحدا في معصية الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تلومن أحدا فيما لم يؤتك الله، إن الله خلق الخلق والخلائق، فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزيد في أركانه أو بنائه" (١).هـ- ومعلوم أن المعتزلة أجمعوا على أصولهم الخمسة، والحسن البصري يعتبر القول بالمنزلة بين المنزلتين بدعة تخرج صاحبها عن عقيدة الجماعة، ولذلك اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن لما خالفه في هذا الأصل، فكيف مع هذا يعتبر الحسن من علمائهم، المنتسبين إليهم (٢)؟ قد يقال: إن الحسن وافقهم في القدر لا في المنزلة بين المنزلتين، ونقول جوابا لهذا: إن هذا أكبر دليل على أن غرضهم هو التشرف بانتسابه إليهم، وإلا فكيف عدوه منهم ولم يقل بأصولهم كلها؟ والمعتزلة ذكروا مع الحسن غيره، بل وعدوا من الطبقة الأولى من طبقاتهم الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة "وواضح أن إدراج هؤلاء ضمن المعتزلة إنما قصد به بيان أن المعتزلة هي أتقى الفرق وأبرها" (٣).و- وقد اشتهر عن بعض المعتزلة القدرية أنهم يكذبون على الحسن البصري، فقد ذكر عبدالله ابن أحمد في كتاب السنة عدة روايات تدل على ذلك، فمن ذلك ما رواه عن حميد قال: قدم الحسن مكة، فقال فقهاء مكة، الحسن بن مسلم وعبدالله بن عبيد: لو كلمت الحسن فأخلانا يوما، فكلمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد، إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوما، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوما فجاؤوا فاجتمعوا، وتكلم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلا في مسألة، فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان الله، سبحان الله، وهل من خالق غير الله، ثم قال: إن الله خلق الشيطان وخلق الشر والخير، فقال رجل منهم: قاتلهم الله يكذبون على الشيخ" (٤)، وقد قال حميد لمن نقل عن عمرو بن عبيد حديثا رواه عن الحسن: "لا تأخذ عن هذا فإنه يكذب على الحسن" (٥)، وروي عبدالله بن أحمد عن حماد بن زيد قال قيل لأيوب: إن عمرا "أي عمرو بن عبيد" روي عن الحسن أنه قال: لا يجلد السكران من النبيذ، قال: كذب. أنا سمعت الحسن يقول يجلد السكران من النبيذ (٦). فهذه الروايات وغيرها (٧) تدل على أن دعوى أن الحسن البصري – ﵀ – كان قدريا أو كان يقول بقولهم ليست صحيحة. بعد هذا نكمل النقاط حول انتشار مذهب المعتزلة. ٤ - تكونت للمعتزلة مدرستان مشهورتان هما: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد، وهما التياران الرئيسان لمذهب المعتزلة، وكانت تجري بينهما خلافات ومناقشات حادة: أ- فمن أشهر أتباع مدرسة البصرة: ١ - واصل بن عطاء "توفي سنة (١٣١هـ) " وهو مؤسسها.

стр. 1356

٢ - عمرو بن عبيد "ت (١٤٣ – أو ١٤٤هـ) ". ٣ - معمر بن عباد السلمي "ت (٢٢٠هـ) ". ٤ - أبو هذيل العلاف "ت (٢٢٧هـ - وقيل ٢٣٥هـ) ". ٥ - النظام "ت (٢٣١هـ) ". ٦ - الجاحظ "ت (٢٥٦هـ) ". ٧ - أبو علي الجبائي "ت (٣٠٣ هـ) ". ٨ - أبو هاشم الجبائي، "ت (٣٢١هـ) ". وغيرهم. ب- ومن أشهر أتباع مدرسة بغداد: ١ - بشر بن المعتمر "ت (٢١٠هـ) " وهو مؤسسها، وكان قبل ذلك من معتزلة البصرة. ٢ - أحمد بن أبي دؤاد "ت (٢٤٠هـ) ".

стр. 1357

٣ - أبو الحسين الخياط "ت (٢٩٠هـ) ".٤ - أبو القاسم البلخي الكلبي "ت (٣٢٩هـ) " (١).ثم جاء متأخرو المعتزلة كعبدالجبار الهمذاني "ت (٤١٥هـ) " وغيره، ولا شك أن هاتين المدرستين، ومن جاء بعدهما، كل ذلك كان له دور في نشر مذهب المعتزلة، ومنه قولهم في القدر (٢).٥ - جاءت الدولة الأموية فكان موقف الخلفاء من القدرية والمعتزلة هو موقف المخالف، ولذا كانوا يتسترون بأقوالهم وآرائهم، خاصة أن شيوخهم السابقين كمعبد الجهني، وغيلان الدمشقي، قد قتلوا على يد خلفاء بني أمية (٣) إلا أن بعض خلفاء بني أمية قال بالقدر كيزيد بن الوليد بن عبدالملك بن مروان "ت (١٢٦هـ) " الذي نصر المعتزلة بعد أن نصروه، وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع شائعة من المعتزلة وغيرهم على الوليد بن يزيد لما ظهر من فسقه، وشمل الناس من جوره (٤)، ولهذا تجد المعتزلة يفضلون يزيد بن الوليد على عمر بن عبدالعزيز – ﵀ – يقول المسعودي: "والمعتزلة تفضل في الديانة يزيد بن الوليد على عمر بن عبدالعزيز لما ذكرناه من الديانة" (٥)، ولعل عدم ميل المعتزلة لعمر بن عبدالعزيز لأنه سار على منهج السلف الصالح، ولأنه ناقش بعض القدرية، وهم بقتل بعضهم (٦).ويروي بعضهم أن يزيد بن الوليد قد دعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، "قال الشافعي – ﵁ –: ولي يزيد بن الوليد – وكان قدريا – فدعا الناس إلى القدر، وحملهم عليه، وبايع لأخيه إبراهيم بن الوليد بالعهد، ومن بعده لعبدالعزيز بن الحجاج بن عبدالملك، حمله على ذلك أصحابه القدرية لمرض أصابه" (٧)، ويقول الطبري عن الوليد: "وقيل إنه كان قدريا" (٨).٦ - ثم جاءت الخلافة العباسية، فكان من خلفائهم من لم يرض عنه المعتزلة كأبي جعفر المنصور (٩)، وهارون الرشيد الذي منع الجدل في الدين، وحبس أهل علم الكلام (١٠)، والذي كان يكره الاعتزال والمعتزلة (١١).

стр. 1358

ولما تولى المأمون الخلافة سنة (١٩٨هـ) وكان على مثال أبيه الرشيد أو أشد في محبته العلم، وشغفه بالحكمة والحكماء، وصلته الدائمة بالشعراء والأدباء، بل إن المأمون زاد على أبيه كثيرا في ذلك، فطارت شهرته في العلم والفلسفة، وترجمة الكتب اليونانية إلى العربية، وحظي أحمد بن دؤاد – من كبار المعتزلة – بمكانة كبرى عنده، فلم يلبث ابن أبي دؤاد أن أثر على المأمون حتى أشرب رأي المعتزلة، وقال بقولهم، فكانت محنة القول بخلق القرآن المشهورة التي بدأت سنة (٢١٢هـ) (١)، وذلك حين كتب المأمون إلى ولاته في شتى الأقاليم بأمرهم بإلزام الناس – خاصة العلماء والفقهاء منهم – بالقول بخلق القرآن، وعقاب كل من لم يستجب له، ووقعت مناظرات ومناقشات بين أهل السنة والمعتزلة، وقد ادعى المأمون أن ما يقوله ويلزم الناس به هو الحق، وأن ما عليه أهل السنة باطل لا يدل عليه دليل، وذلك من خلال البيان الذي أرسله إلى ولاته (٢)، ونفذ الولاة طلب المأمون، فصارت ردود وأسئلة ومناقشات طويلة مع مجموعة من علماء الإسلام (٣)، منهم أحمد بن حنبل – ﵀ – الذي امتحن طويلاً فأوذي وعذب وسجن، فوقف في وجوههم، وثبت على قوله ثبات الجبال، وأصر على قول الحق، والرد على المبطلين، فأيده الله، ونصره عليهم. ولاشك أن تسلط ابن أبي دؤاد كان له دور كبير في ذلك، فالمأمون الذي كان يحترم العلم والعلماء ما كان ليفرض رأيه على الناس بالقوة، وبهذه الصورة، ولكن نفوذ قاضيه القوي كان هو السبب، يقول محمد أبو زهرة: "إن المأمون قد استوزر أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وجعله كاتبه، وصاحب السلطان في دولته، وكانت له منزلة في نفسه، حتى أوصى أخاه من بعده أن يجعله في منصبه لا يبعده، والكتب التي كتبت واضحة تماما أنها بلغة أحمد بن أبي دؤاد، ففيها إسهاب وطول، ولم يعرف أن الخلفاء إذا كتبوا بأنفسهم يسهبون ذلك الإسهاب، وترى التعبير فيها عن الخليفة بلغة الغائب، ولم يخطئ مرة ويكتبها بلغة المتكلم" (٤)، "وإننا إذا علمنا أن المأمون قد رأى ذلك الرأي – وهو خلق القرآن – منذ تولي الخلافة، بل قبلها، وكان يناقش فيه، ويدعو إليه في مجلس مناظراته، من غير أن يكشف عن القلوب، ويمتحن عن العقول، وينزل البلايا، فلماذا تحول ذلك التحول في آخر حياته؟ لماذا نقل المسألة إلى الابتلاء؟ لا شك أن أحمد بن أبي دؤاد كاتب هذه الكتب هو المحرض. إن العاقل يرد عليه سؤال يحيره: لماذا لم يتخذ المأمون ما اتخذ وهو في بغداد، والعلماء جميعا حوله، ولم يدع إلى الامتحان إلا وهو غائب عن بغداد بالكتب يرسلها، ثم يكون ذلك قريبا من موته؟ إنه سلطان أحمد بن أبي دؤاد الكامل" (٥)، ومع هذا فالمأمون لا تسقط عنه التبعة.

стр. 1359

ولم أرد من هذا الاستطراد إلا بيان نفوذ المعتزلة ذلك النفوذ الذي يكاد يوصف بأنه قيام دولة المعتزلة، وابن أبي دؤاد هذا يقول عنه الإمام أحمد بن حنبل – ﵀ –: "ما كان له معرفة بشيء، إنما كان يعول على هؤلاء المعتزلة، أهل البصرة، برغوث وأصحابه، فأما هو فلا صاحب علم، ولا كلام، ولا نظر، وقد قال لي يوما في تلك الأيام، في شيء ذكره، فقلت له مجيبا له: فهل معك في هذا كتاب أو سنة؟، فقال: وأنت لا تقول إلا بما في الكتاب والسنة؟ فقلت له: وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة، اخترعت رأيا وتأولته تدعو إليه الناس، قال: فأمسك" (١).ومات المأمون، وأوصى قبيل وفاته لأخيه المعتصم قائلا: "وأبو عبدالله بن أبي دؤاد فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع لذلك منك" (٢) وانتقلت الخلافة إلى المعتصم، وأبقى ابن أبي دؤاد في منصبه، واستمرت المحنة على أهل السنة، وهكذا الحال في عهد الواثق، وبقيت للمعتزلة في عهود هؤلاء الدولة والسلطة (٣).ثم بعد ذلك أفضت الخلافة إلى المتوكل، "فأمر سنة (٢٣٤هـ) بترك النظر والمباحثة والجدال، وترك ما عليه الناس في أيام المعتصم والواثق من القول بخلق القرآن ... وأمر الشيوخ المحدثين بإظهار السنة والجماعة" (٤).٧ - وفي القرن الرابع الهجري أصبح الصاحب بن عباد وزير الآل بويه – استمرت دولتهم من (٣٢٠ إلى ٤٤٧هـ) – فدعا إلى مذهب المعتزلة، يقول البغدادي المتوفى سنة (٤٢٩هـ) عند ذكره لأبي هاشم الجبائي: "وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه" (٥).والصاحب بن عباد هذا كان متعصبا للمعتزلة، فكان لا يولي القضاء في دولته الشيعية إلا من كان معروفا بالاعتزال، وعبدالجبار الهمذاني لما بدأ يعرف بأنه إمام المعتزلة في عصره، اتصل به الصاحب واستدعاه إلى الري، وولاه رئاسة القضاء فيها وفي قزوين وغيرهما (٦)، وكان ذلك سببا في انتشار كتب عبدالجبار الهمذاني، وبالتالي انتشار مذهب المعتزلة. هذه لمحة تبين لنا كيف انتشر مذهب المعتزلة في مختلف العصور بشكل لم يعهد لأي فرقة من الفرق إلا فرقة الشيعة (٧). المصدر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن المحمود - ص ١٢٧

стр. 1360

المطلب الأول: دراسة نقدية لشخصية واصل بن عطاء يعتبر واصل بن عطاء الشخصية الأولى التي نسب إليها مذهب الاعتزال، وهو، كغيره من أصحاب المقالات المبتدعة، يحيط بشخصيته قدر كبير من الغموض، ابتداء من هذا الولاء المنسوب لبني ضبة، أو لبني مخزوم، والأهم من هذا ظروف النشأة، وتلقي العلم، والغموض في هذا الجانب يظهر من خلال صلاته الفكرية المتعددة – أيضا –، فهو مرة يظهر من منتابي مجلس الحسن البصري، ومرة يظهر في مجالس الثنوية والمجوس، ومرة يبدو مختلفاً إلى مجموعة من اليهود، الذين اندسوا بين المسلمين في البصرة، ويهمنا أمام هذه الإشكالات محاولة إيضاح الخلفية الفكرية لهذا الرجل، ودوره في فتح باب الابتداع في عقيدة الأمة الإسلامية. ونبدأ أولاً بالتعريف بشخصيته؛ فمن حيث الميلاد، يجمع المؤرخون على أنه ولد في المدينة المنورة سنة " (٨٠هـ) "، وكنيته أبو حذيفة الغزال، مولى ابن مخزوم، وقيل مولى ابن ضبة (١)، فما طبيعة هذا الولاء: هل هو من جهة والديه، أم من جهته هو؟ وهل هذا الولاء يعني العبودية التي ينفيها الدكتور النشار عن واصل، مثلما حاول إلصاق ولائه ببني هاشم، والذي لم يذكره إلا ابن المرتضى (٢)، مخالفاً بذلك جميع من سبقوه؛ حيث يقول الدكتور النشار: "وبالرغم من أنه كان مولى، فقد ولد حراً، مع أن المصادر ساكتة تماما عن أبويه، فلا تذكر منها شيئاً، غير أننا نلحظ أنه لم يذكر عنه أنه كان عبداً، بل إن المصادر تذكر أنه كان غَزَّالاً" (٣).وقول الدكتور النَّشّّار: "ولد حرا"، دعوى لا دليل عليها؛ فالولاء يعني العبودية، ولعله نال حريته مؤخراً، ولا يوجد أي مصدر يتحدث عن هذه العبودية، ومتى انفكت عنه، أما لقبه الغزال، فالمتبادر إلى الذهن – أيضاً – أن يكون غَزَّالاً، ولكن هذه النسبة – أيضاً – نفاها عنه محبوه قديماً، وحديثاً، إلا أن الدكتور النشار يؤيد أن معظم قادة المعتزلة ينتسبون إلى بعض الحرف؛ حيث يقول: "ويلاحظ أن المعتزلة ينتسبون على بعض الصناعات؛ كالغَزّال، والعلاف، والنظام، والفوطي، والإسكافي" (٤)، وقد حاول المبرد "ت (٢٨٥هـ) " أن يأتي لهذا اللقب بالتخريج الآتي؛ فقال: "ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن" (٥)، وقد ردد ابن المرتضى نفس هذا التخريج الذي ذهب إليه المبرد.

стр. 1361

ويؤكد الدكتور طريف الخالدي أن معظم مفكري المعتزلة كانوا ذوي مهن؛ فلماذا تنفى مهنة الغزال عن واصل وحده، ويؤتى لها بذلك التخريج؛ حيث يقول الدكتور الخالدي: "بدأت بدراسة (طبقات المعتزلة) لابن المرتضى، وحصرت البحث في ستة وعشرين متكلماً، إخالهم أشهر أصحاب الاعتزال على الإطلاق من القرن التاسع والعاشر للميلاد أي قرون الاعتزال الذهبية، ووجدت أن ستة عشر منهم كانوا من أصحاب الحرف، أو من طبقة أصحاب الحرف، أو من طبقة التجار الصغار، ولم أتوصل إلى معرفة ما تبقى منهم، وإليكم بعض الأمثلة: عمرو بن عبيد "ت (١٤٤هـ) "، كان أبوه نساجاً، واصل بن عطاء "ت (١٣١هـ) "، ويلقب بالغزال، العلاف "أبوالهذيل ت (٢٣٥هـ) "، وكان يلقب بالعلاف؛ لأن داره بالبصرة كانت في العلافين، النظام "مات في خلافة المعتصم"، كان ينظم الخرز في سوق البصرة؛ لأجل ذلك قيل له النظام، بشر بن المعتمر "ت (٢١٠هـ) "، كان نحاساً في سوق الرقيق، هشام بن عمرو الفوطي، هذه النسبة إلى الفوطة، وهي نوع من الثياب، الجاحظ "ت (٢٥٥هـ) "، كان وراقاً، أبو يعقوب يوسف الشحام، هذه النسبة إلى بيع الشحم، أبو عيسى الوراق، كان وراقاً، جعفر بن مبشر القصبي "ت (٢٣٤هـ) "، كان يبيع القصب، أبو جعفر الإسكافي "ت (٢٤٠هـ) "، كان الإسكافي خياطاً، أبو الحسين الخياط، كان خياطاً، أبو مسلم النقاش، كان نقاشا" (١). فإذا كانت غالبية متكلمي المعتزلة يحترفون هذه المهن، فلماذا ينفي عن واصل أنه كان غزالاً؟ مع أن الذي يفهم من شعر بشار بن برد في واصل أنه كان غزالاً بالفعل؛ حيث يقول: ما لي منيت بغزال له عنق ... كنقنق الدو إن ولي وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... تكفرون رجالاً كفروا رجلاً (٢) فلو كانت التسمية لملازمته لسوق الغزالين، لما كان وصفه بالغزال مناسباً، ولكن الشعراء الذين هجوه وصفوه بالغزال، بينما الشعراء المحبون له كانوا ينعتونه بأبي حذيفة، أو يذكرونه باسمه، وقد هجاه الشاعر إسحاق بن سويد العدوي "ت ١٣١ هـ"؛ فقال: برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب ومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب (٣) وقال معدان الشميطي يهجو الخوارج، والمعتزلة، وغيرهم: لا حروراء لا النواصب تنجو ... لا ولا صحب واصل الغزالي (٤) وكان مادحوه يذكرونه باسمه فقط، كأسباط بن واصل الشيباني؛ حيث قال: وأشهد أن الله سماك واصلاً ... وأنك محمود النقيبة، والشيم (٥) وكان بشار قد مدحه قبل أن يختلف معه، ولم يذكر لقب الغزالي؛ فقال: أبا حذيفة قد أوتيت معجبة ... في خطبة بدهت من غير تقدير (٦)

стр. 1362

ومن هنا، فإن لقب الغزال قد يكون موافقا لحرفته التي يعمل بها، ولا عيب في ذلك، ولكن الذي تعاب به المعتزلة – حقا – أن هذه الظاهرة تبين عدم انتظام علماء المعتزلة في حلقات العلم، ولا يعدون من رواة الحديث، وعندما أطلقوا العنان لعقولهم؛ لتخوض في العقيدة كما تشاء، برزت الانحرافات العقدية، التي انشغل بها علماء الأمة؛ للرد، والتصحيح، فلعل مثل هؤلاء الحرفيين كانوا يخوضون في مسائل الدين على هواهم، وهذا ما حدث – فعلاً –، والله أعلم. وأما صفاته الخلقية، فقد كان طويل العنق جداً؛ بحيث كان يعاب به (١)، وقد عابه لطول عنقه صاحبه عمرو بن عبيد، وقال: "أنى هذا، وله عنق لا يأتي معها بخير" (٢)، ومن صفاته الخلقية – أيضا – أنه كان ألغ في الراء، شديد اللثغة بها؛ حيث يقول المبرد: "وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب؛ وذلك أنه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء" (٣).ويقول الجاحظ عن هذه اللثغة: ولما علم واصل أنه ألثغ، فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل ... رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه" (٤).ومهما حاول أتباعه من المعتزلة الاعتذار عن هذا العيب، فإن واصل بن عطاء روى عنه جرأة على كتاب الله – تعالى –؛ بسبب لثغته؛ حيث يذكر الإمام الذهبي: "أنه كان يمتحن بأشياء في الراء، ويتحيل لها حتى قيل له: اقرأ أول سورة براءة، فقال على البديهة: عهد من الله ونبيه إلى الذين عاهدتهم من الفاسقين فسيحوا في البسيطة هلالين وهلالين"، وكان يجيز القراءة بالمعنى، وهذه جرأة على كتاب الله العزيز" (٥).وقال البغدادي: "وأما لثغه في الراء فمن مثالبه؛ لأنها تمنع من كونه مؤذناً، وإماماً للقارئين؛ لعجزه؛ لقوله: أشهد أن محمد رسول الله، وأن يقول: الله أكبر، وكان لا يصح منه قراءة آية فيها الراء، وكفى المعتزلة خزياً أن يكون زعيمها من لا يصح صلاتهم خلفه، وأما خطبته التي لا راء فيها، فعساه كان في تحبيرها أياماً" (٦). طلبه العلم: سبق لنا القول بأن واصل بن عطاء، ولد سنة " (٨٠هـ) "، وكانت ولادته في المدينة المنورة، ولا نعثر على أي نص يفيدنا عن طبيعة نشأته الأولى، وتلقيه للعلم، أو مدة إقامته في المدينة، وزمن ذهابه إلى البصرة؛ حيث يظهر في مجلس الحسن البصري، والسؤال المتبادر إلى الذهن: هل عاش واصل في المدينة المنورة فترة من الوقت تؤهله للتلقي عن علمائها الذين كانوا من أشد الناس التزاماً بالسنة، وبعداً عن البدعة، أم أنه غادر المدينة في فترة مبكرة من عمره، ولم تتح له فرصة التلقي عن علمائها؟ وهل كانت مهنته "العمل في الغزل" تحول بينه، وبين تلقي العلم، إذا علمنا أنه لم يرو حديثاً واحداً، ولا عده علماء الرجال، والطبقات، من رواة الحديث، أم أنه كان في المدينة يعاني من العبودية، والولاء، فلما ذهب إلى البصرة لازم مجالس الحسن البصري، فبدأ يطرح إشكالاته الفكرية، التي تنم عن ضحالة في العلم الشرعي، والعقدي.

стр. 1363

إن هذه الإشكالات لا نملك عليها إجابة في كتب العلماء الثقات، التي تبنى عليها الحقائق، ولكن كتاب المعتزلة القدماء، ومن ناصرهم من المعاصرين، تداركوا هذا الجانب، وبدءوا بالبحث عن تلمذة لواصل، فنسبوه إلى البيت الهاشمي، وهذا ما سوف نفصله. فقد وضع ابن المرتضى محمد بن الحنفية "ت (٨١هـ) " في الطبقة الثانية من طبقات المعتزلة، ثم قال: "وأما محمد بن الحنفية، فقد مر أن واصلاً أخذ علم الكلام عنه، وصار كالأصل لسنده"، إلى أن قال: "وسئل أبو هاشم عن محمد بن علي؛ عن مبلغ علمه، فقال: إن أردتم معرفة ذلك، فانظروا إلى أثره في واصل بن عطاء، وقال شبيب بن شبة: ما رأيت في غلمان بن الحنفية أكمل من عمرو بن عبيد، فقيل له: متى اختلف عمرو بن عبيد إلى ابن الحنفية، قال: إن عمرا غلام واصل، وواصل غلام محمد" (١).وقال ابن المرتضى "ت (٨٤٠هـ) " – أيضا –: الطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة "منقسمة؛ فمن العترة الطاهر الحسن بن الحسن "ت (٩٩هـ) "، وابنه عبدالله بن الحسن، وأولاده: النفس الزكية، وغيره، ومن أولاد علي أبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، وهو الذي أخذ عنه واصل، وكان معه في المكتب، فأخذ عنه، وعن أبيه" (٢).وقال نشوان الحميري المعتزلي الشيعي "ت (٥٧٣هـ) ": "وكان واصل بن عطاء من أهل المدينة، رباه محمد بن الحنفية، وعلمه، وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتاب، ثم صحبه بعد موت أبيه صحبة طويلة، وحكي عن بعض العلماء أنه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي؟ قال: إذا أردت أن تعلم ذلك، فانظر إلى أثره في واصل" (٣). هذه مزاعم أهل الاعتزال والتشيع، ولكننا لم نجد ما يؤيدهم في هذا الزعم من مصادر أهل السنة المعتبرة، إلا ما ردده "طاش كبرى زاده" نقلاً عن مصادر المعتزلة، والشيعة، وهذا النقل لا يعتد به، إذا تبين لنا بطلان هذه المزاعم، على النحو التالي:

стр. 1364

أولاً: سوف نجري مقارنة زمنية بين حياة واصل، ومحمد بن الحنفية؛ لنرى أن هؤلاء الكتاب، وكأنهم يقولون كلاماً يستغفلون فيه أتباعهم، وكأن كتبهم لن تقع في أيدي غير الأتباع؛ فمن الثابت أن محمد بن الحنفية – ﵀ – توفي سنة " (٨١هـ) "، وواصل بن عطاء، ولد سنة " (٨٠هـ) "؛ فكيف تلقى واصل العلم عن ابن الحنفية، وعمره لم يتجاوز سنة واحدة، وبهذا يسقط ادعاء المعتزلة عن التلمذة، ولا نزيد على هذا شيئاً. ثانياً: يبقى الزعم الثاني بأن واصل بن عطاء قد صحب عبدالله بن محمد بن الحنفية في الكتاب، وهذه من المزاعم الباطلة – أيضاً –، والتي يبررها المستشرق آدم متز؛ فيقول: "إن هذا السند من وضع الشيعة، حملهم على وضعه، ونسبته إلى علي بن أبي طالب، أن عدداً كبيراً منهم دخل في مذهب الاعتزال في القرن الرابع الهجري؛ ولذلك فهو لا يرد مفصلاً إلا في كتاب (أئمة الزيود)، و (الشيعة في اليمن) " (١)، وهذه – فعلاً – إحدى الحقائق، وسوف نبطل هذا السند على النحو التالي؛ فقد ذكر الإمام الذهبي "أن عبدالله بن محمد بن الحنفية أبا هاشم قد مات "كهلاً" سنة ثمان وتسعين هجرية" (٢)، فكيف لرجل كهل يحب طفلاً في الكتاب، ولكن الواقع الذي يمكن تصوره أن واصلاً قد دخل الكتاب سنة " (٨٧ هـ"، أو "٨٨ هـ) "؛ فهو بذلك طفل صغير بجانب هذا الكهل على ما قاله الذهبي، وعندما توفي عبدالله كان عمر واصل ثمانية عشر عاما، ونحن لا ننكر أن يكون واصلاً قد شاهد عبدالله، أو سمعه، مع أننا نميل إلى أن الظروف السياسية في ذلك الوقت ما كانت تسمح لعلماء آل البيت بإلقاء الدروس العلمية، وتجمع الناس حولهم، ثم ما وجه اهتمام عبدالله بن محمد بطفل صغير ليس من بني هاشم، ولا من مواليهم؟ فهذه إذا محاولة التشيع، والاعتزال الالتصاق بآل البيت، وينكر البغدادي هذه الصلة بالبيت الهاشمي من قبل واصل، فيقول: وقد ادعت المعتزلة لواصل كرامات، كذبوا في بعضها، وقلبوا في بعضها، فزعموا أنه صحب محمد بن الحنفية، وعبدالله ابن علي بن أبي طالب، وأخذ عنهما مقالته، وهذه خرافات أمانيهم في الغرور، وقيل: لو كان على رأي محمد، وعبدالله، لما رد شهادة أبيهما" (٣).وزيادة في التمويه والتضليل، فقد اخترع المعتزلة تلمذة زيد بن علي بن الحسين – ﵀ – "ت (١٢٠هـ) " على واصل بن عطاء، وزعموا أنه كان يدين بمذهب الاعتزال؛ حيث يقول ابن المرتضى: "وروي أن واصلاً دخل المدينة، ونزل على إبراهيم بن يحيى، فتسارع إليه زيد بن علي، وابنه يحيى بن زيد، فقال جعفر بن محمد الصادق "ت (١٤٦هـ) " لأصحابه: قوموا بنا إليه، فجاءه، والقوم عنده – أعني زيد بن علي، وأصحابه –، فقال جعفر: أما بعد، فإن الله – تعالى – بعث محمداً بالحق، والبينات، والنذر، والآيات، وأنزل عليه: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب: ٦]، فنحن عترة رسول الله، وأقرب الناس إليه، وإنك يا واصل أتيت بأمر يفرق الكلمة، وتطعن به على الأئمة، وأنا أدعوك إلى التوبة". إلى أن قال ابن المرتضى: "فتكلم زيد بن علي، فأغلظ لجعفر؛ أي أنكر عليه ما قال، وقال: ما منعك من "اتباعه" إلا الحسد لنا، فتفرقوا، قلت "أي ابن المرتضى": روى ذلك الحاكم، وغيره، والله أعلم بحصتها" (٤).

стр. 1365

إن رواية هذه الحادثة على هذه الهيئة هو نوع من الوضع، والكذب الذي اعتادته فرق الابتداع؛ وذلك لأن زيد بن علي – ﵀ – تعالى – يكبر واصل بن عطاء بالعمر سنتين؛ حيث ولد "سنة (٧٨ هـ) " (١)، فلا يعقل أن يكون تلميذاً لواصل، وهو الذي تربي في كنف بيت النبوة من علماء آل البيت، وعلماء السلف، إضافة إلى علمه، وقوته، واستقامته على منهج السلف، ورده على القدرية النفاة، الذين يدين واصل بمعتقدهم؛ فقد روى ابن عساكر "أنه جاء رجل إلى زيد، فقال: يا زيد، أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ فقال له زيد: أفعصي عنوة"؟ فأقبل يخطر بين يديه "أي يركض"" (٢).

стр. 1366

ثم يوحي النص أن مذهب الاعتزال غنيمة كبرى، وأن جعفر الصادق قد حسد واصلاً على اعتناقه، وأن رئاسة هذا المذهب الضال، على رأي كاتب النص، يجب أن تكون لآل البيت، وهذا من الكذب؛ فهل يخفى على جعفر الصادق أن هذا المذهب هو مذهب مبتدع، لا يشرف المرء الانتساب إليه، يضاف إلى ذلك أن ذلك النص يتهم واصلاً بأنه طعن في الأئمة، ولكن واصلاً ينفي ذلك، وهذه القصة لا شك في وضعها؛ بدليل قول ابن المرتضى نفسه: "والله أعلم بصحتها".وقد نفى هذه التلمذة الشيخ محمد أبو زهرة – ﵀ –، ولكن الدكتور النشار يؤكد على هذه التلمذة؛ تبعاً لكتاب المعتزلة، فيقول: "وقد حاول العلامة الكبير، الشيخ محمد أبو زهرة أن يثبت أن الإمام زيدا لم يتتلمذ على واصل بن عطاء، وإنما ذاكره، وزامله فيها، وبخاصة أن واصل بن عطاء إنما أخذ مذهبه عن رجل من أهل البيت، هو أبو هاشم، وسواءً أصحت تلمذة زيد لواصل بن عطاء، أم مذاكرته له في المذهب، فإن آراء المعتزلة كانت هي المرحلة الحاسمة في تفكير الفتى العلوي، ثم يردد الأباطيل؛ فيقول: كما أن اعتناق زيد المذهب القدري أقلق محمداً الباقر" (١).إن من المؤسف – حقاً – أن يلقي الدكتور هذا الكلام على عواهنه؛ تبعاً للمعتزلة، والمستشرقين، وعلى هذا المدار تجد الدكتور النشار يلقي الشبهات؛ وينسب خيار الأمة إلى المذاهب المبتدعة، والخلاصة التي يجب اعتقادها هي بطلان شبهات المعتزلة، ومن تابعهم؛ فإن زيداً، وهو سليل بيت النبوة، ما كان له أن يتلقى العلم عن أحد المبتدعة، الذين لا نصيب لهم من علم الكتاب، والنبوة، وكما قال الدكتور شريف الخطيب: "وعلى فرض صحة لقاء زيد بواصل، فإنه كان لقاء جدال بين مذهب الحق، وهو ما يعتقده زيد، وبين المذهب الباطل الذي يعتقده واصل" (٢).أما تلمذة واصل على الإمام الحسن البصري – ﵀ – تعالى – "ت (١١٠هـ) "، فهي ثابتة بلا شك، ولكنها تلمذة من أحدث البدعة في هذا المجلس، ورد على شيخه بما لا يليق، ولا نعلم متى قدم واصل إلى البصرة، فإذا قلنا إنه أقام في المدينة إلى سنة " (١٠٠هـ) "، فيكون قد جالس الحسن البصري مدة خمس سنوات، وقد بقي أربع سنوات منها صامتاً، لا يتكلم، فسألوا الحسن البصري عن ذلك، فقال: "إما أن يكون أجهل الناس، أو أعلم الناس" (٣)، "وكانوا يظنون به الخرس من طول صمته" (٤)،

стр. 1367

ونريد أن نتساءل: ماذا يعني هذا الصمت الطويل؟ وما دلالاته؟ هل هو صمت السامع المستزيد؟ أم هو صمت من يهيئ بنفسه مقالة مبتدعة، خالف بها ما يقول هذا الإمام العالم، الذي أجمعت الأمة على إمامته، ورسوخه في الدين، أم أنه كان يقارن بين فكر، ومعتقد سابق لديه، وبين ما يلقيه الحسن البصري، أم أن المجالس التي كان يحضرها بعيداً عن حلقة الحسن البصري هي التي أحدثت عنده هذا الانحراف، والابتداع؟ سوف نلقي فيما يلي بعض الضوء على علاقات واصل الفكرية خارج هذه الحلقة، والتي يرجح أنه كان لها الأثر الأكبر في انحرافه، وعدم اعتباره من المحدثين، أو ممن روى الحديث؛ فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني "ت (٣٥٦هـ) ": "أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى "ت (١٦٨هـ) "، وصالح بن عبدالقدوس، وعبدالكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد، قال أبو أحمد جرير بن حازم "ت (١٧٠هـ) ": فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي، ويختصمون عنده، فأما عمرو، وواصل، فصارا إلى الاعتزال، وأما عبدالكريم، وصالح، فصححا التوبة، وأما بشار، فبقي متحيراً مخلطاً، وأما الأزدي، فمال إلى قول السمنية؛ وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه، قال: فكان عبدالكريم يفسد الأحداث، فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده، فتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا، وإلا قمت فيك مقاماً آتي فيه على نفسك، فلحق بالكوفة، فدل عليه محمد بن سليمان "ت (١٧٣هـ) "، فقتله، وصلبه فيها" (١).ونحن مع عدم ثقتنا بهذا المصدر، ومعلوماته، إلا أنه صدق بقوله عن واصل، وعمرو بن عبيد، وأما الشخصيات الباقية، هي شخصيات منحرفة – أيضاً –؛ فبشار بن برد الشاعر كان يميل إلى دين المجوس، ويفضل النار على التراب، ويصوب رأي إبليس في امتناعه عن السجود لآدم – ﵇ –، ورمي بالزندقة عند المهدي الخليفة العباسي؛ فأمر به، فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك، وكان ذلك سنة " (١٦٨هـ) " (٢).وأما صالح بن عبدالقدوس، فهو شاعر زنديق، قتله المهدي على زندقته؛ حيث أبلغ عنه أنه عرض بأبيات لرسول الله ﷺ فقتله لأجل ذلك" (٣).وأما عبدالكريم بن أبي العوجاء، فيقول عنه الإمام الذهبي: "خال معن بن زائدة "ت (١٥٢هـ) "، زنديق معثر، قال ابن عدي: لما أخذ لتضرب عنقه، قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام، قتله محمد بن سليمان الأمير بالبصرة" (٤).

стр. 1368

أما الرجل الأزدي، فلا ندري من هو؛ لعدم التصريح باسمه، وهذه الشخصيات التي كانت تجتمع مع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، لابد أنها أثرت في فكره، ومعتقده، وفي بدعته التي ابتدعها، وإذا أضفنا إليها ما ذكره الأستاذ أنور الجندي عن مجموعة من الباحثين، لم يسمهم: "إن جماعة من اليهود الذين أظهروا الإسلام اندسوا بين المسلمين بالبصرة، وقد تعرف إليهم واصل بن عطاء، وجعل يتردد عليهم، ومن قولهم: إن الخير من الله، والشر من أفعال البشر، وإن القرآن مخلوق محدث، ليس بقديم، وإن الله – تعالى – غير مرئي يوم القيامة، وإن المؤمن إذا ارتكب الذنب، فشرب الخمر، وغيره يكون في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمناً، ولا كافراً، وإن إعجاز القرآن في الصرف عنه، لا أنه معجز؛ أي أن الله لو لم يصرف العرب عن معارضة القرآن، لأتوا بما يعارضه" (١).ونحن نطرح تساؤلات: هل كان لبدعة واصل بن عطاء أبعاد عميقة من خلال هذه الجمهرة الضالة التي كان يجتمع بها، والتي قد تكون دفعته للخروج على منهاج السلف، وعالمهم الكبير الحسن البصري – ﵀ – الذي كان يلمح في شخصية واصل أنه كان يبيت في نفسه مثل هذه الفرقة في الأمة؛ من خلال دعوته للاعتزال، والذي يظهر من بعض الروايات أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، كانا يحضران إلى الحسن البصري عندما كبرت سنه، وزادت على التسعين؛ مما حدا بعلماء السلف باتهامهم بالكذب على الحسن البصري، وكان عمرو بن عبيد ينسب له ما لم يقله؛ فعن حماد بن سلمة قال: "كان حميد من أكفهم عنه "أي عن عمرو بن عبيد"، قال: فجاء ذات يوم إلى حميد، قال: فحدثنا حميد بحديث، قال: فقال عمرو: كان الحسن يقول ... ، قال: فقال لي حميد: لا تأخذ عن هذا شيئاً؛ فإن هذا يكذب على الحسن، كان يأتي الحسن بعدما أسن، فيقول: يا أبا سعيد: أليس تقول كذا، وكذا؟ للشيء الذي ليس من قوله، فيقول الشيخ برأسه هكذا" (٢).ومن خلال هذا النص، يمكننا أن نفترض الفترة الزمنية التي بدأت فيها هذه البدعة، والتي يرجحها بعض المستشرقين في "دائرة المعارف الإسلامية" أنها بدأت في السنة الخامسة بعد المائة (٣)، وهذا الرأي قد يكون قريبا من الصواب، إذا قورن مع التطور الطبيعي لعمر واصل، وعمرو بن عبيد، في ظل ضعف قوى الحسن البصري، وعدم قدرته على الرد على بدعهم؛ لكبر سنه، يضاف إلى ذلك المكر، والدهاء، الذي كان يمتاز بهما واصل، وعمرو، ورغبتهما المبيتة في تأسيس نحلة خاصة بهما، تخالف هذا الجمهور الكبير الذي رباه الحسن البصري على الكتاب، والسنة؛ ليظهر هؤلاء المناوئون لمنهج السلف، ليس في مسألة المنزلة بين المنزلتين فقط، وإنما في مسائل عقدية أخرى، والتي ستمهد الطريق لبروز الجهمية النفاة، وغيرهم من فرق الضلال.

стр. 1369

ولكن الحسن البصري – رحمه الله تعالى – لم يكن راضيا عن عمرو بن عبيد، قرين واصل؛ لمعتقده الضال في القدر، ولا يعلم حقيقة إذا كان مسمى الاعتزال قد ظهر في حياة الحسن البصري، بعد حادثة الطرد المشهورة، والمنسوبة لواصل تارة، ولعمرو بن عبيد تارة أخرى، ولم تكن حلقة الحسن البصري، ولا مجالس الثنوية، والمجوس، هي المصادر الفكرية الوحيدة لواصل بن عطاء؛ فهناك من يرى أن هناك علاقة بين واصل، والجهم بن صفوان "ت (١٢٨هـ) "، وهذا غير مستبعد؛ وذلك لأن الرجلين عاشا في عصر واحد، وكانت، وفاتهما متقاربة – أيضاً –؛ حيث يقول ابن المرتضى: "إن بعض السمنية قالوا لجهم بن صفوان: هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا، قالوا: فحدثنا عن معبودك: هل عرفته بأيها؟ قال: لا، قالوا: فهو إذا مجهول، فسكت، وكتب إلى واصل، فأجاب، وقال: كان يشترط وجه سادس؛ وهو الدليل، فنقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، فاسألهم: هل يفرقون بين الحي والميت، والعاقل والمجنون، فلابد من نعم، وهذا عرف بالدليل، فلما أجابهم جهم بذلك، قالوا: ليس هذا من كلامك، فأخبرهم؛ فخرجوا إلى واصل، وكلموه، وأجابوه إلى الإسلام" (١). ولا ندري مدى صحة هذا الخبر، ولكن لعل ابن المرتضى يهدف إلى رفع قيمة واصل؛ إذ المشهور أن السمنية الذين تحير الجهم بسببهم، ولم يدر من يعبد لمدة أربعين يوماً، وقدحوا الفتنة في قلبه العليل، ثم ذهبوا، هذه الفتنة التي نالت الجهم في عقيدته، وكانت سبباً في انحرافه، يخشى أن تكون قد تمكنت – أيضاً – من قلب واصل بن عطاء فهل كان للسمنية دور في انحراف معتقد واصل في الصفات، والذي تطور، فيما بعد، على يد المعتزلة عموماً، فهؤلاء السمنية، على هذا الاعتبار، نعتبرهم أحد المؤثرات التي أثرت في فكر واصل بن عطاء، كما أسهمت في انحراف الجهم، وحيرته. ثم يضيف ابن المرتضى أن واصلاً قد بث دعاته في الآفاق؛ فيقول: "وبلغ من بأسه، وعلمه، أنه أنفذ أصحابه إلى الآفاق، وبث دعاته في البلاد؛ فبعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل ترمذ، ولزم المسجد، حتى اشتهر، ثم ناظر جهماً، فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق، فلما عاد حفص إلى البصرة، رجع إلى قوله الباطل، وبعث القاسم بن المعدي إلى اليمن، وبعث أيوب بن الأوتر إلى الجزيرة، وبعث الحسين بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية، فقال: يا أبا حذيفة، إن رأيت أن ترسل غيري، فأشاطره جميع ما أملك، حتى أعطيه فرد نعلي، فقال: يا طويل، اخرج، فلعل الله أن ينفعك، فخرج للتجارة، فأصاب مئة ألف، وأجابه الخلق" (٢). ونحن أمام هذا النص نميل لأحد الاحتمالين الآتيين: الأول: أن نصدق بهذه الحملة الشرسة التي شنها المعتزلة على أرجاء العالم الإسلامي، داعين لنفي القدر، والصفات، ونشر البدع العقدية، وبذر بذور الفرقة، والاختلاف، في الأمة؛ عن طريق محاربة منهج السلف في العقيدة.

стр. 1370

الاحتمال الثاني: أنها حملة مزعومة، لا أساس لها من الصحة؛ وذلك لأنني حاولت، بعد جهد طويل، العثور على تراجم هؤلاء المذكورين، فلم أحصل إلا على عثمان الطويل، وما وجدت ما قاله ابن المرتضى عنه في كتب أهل السنة، وهذا – أيضاً – يحتمل أن هذه الشخصيات كانت مغمورة، تدعو لبدعتها في الخفاء، بعيداً عن معرفة علماء السلف بها، حتى تؤسس هذه النحلة المبتدعة، ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة البدعية – أيضاً – أحدثت بين المسلمين جدالاً، وإشكالاً واسعاً، لم ينته إلى وقتنا الحاضر، فكانت من أخطر البدع التي ابتليت بها الأمة، وما خلاف المسلمين في مسائل العقائد إلا أنه نابع من أصول المعتزلة، والجهمية، التي تحدث مع معظم الفرق البدعية، وخاصة في مناطق التشيع، وحتى الخوارج استقوا مباحثهم الكلامية، فيما بعد، من مناهج المعتزلة. وعندما حدثت محنة خلق القرآن، التي كان سببها المعتزلة، فرحت فرق الضلال بالاضطهاد الذي لاقاه علماء السلف؛ وأولهم الإمام أحمد، وأعجبت بما تدعو إليه المعتزلة، فكان التلاقي، والذوبان في مسائل العقيدة بين مختلف الفرق، وخاصة الشيعة؛ ومما عزز اتحاد هذه الفرق مع المعتزلة هزيمة المعتزلة في النهاية، وظهور منهج السلف، وسيادته على الأمة، فعادت هذه الفرقة تبحث في سراديب الظلام عن فتن، ومكائد؛ لضرب هذا المنهج الفطري الذي يدين به جمهور الأمة، فحدثت بعد ذلك انحرافات عقدية، خرج أغلبها من رحم المعتزلة العفن، واليوم تبرز الدعوات من جديد؛ لإحياء هذا الفكر المبتدع، والعقيدة الضالة، ولكن هذه الصحوة المباركة بدأت تتلمس طريقها بالبحث عن منهج السلف، وإحيائه؛ لصد الهجمة الاستشراقية الاعتزالية الجديدة، التي يجب أن يزال الستار عن تخريبها العقدي، وخوضها في ذات الله، وصفاته، وقضائه، وقدره، خوضا باطلاً، لا دليل يسنده إلا اتباع الهوى، والشيطان. هذه نبذة عن حياة واصل بن عطاء، الذي توفي سنة "إحدى وثلاثين ومئة" (١)، وقد ذكر أن له جملة من التصانيف، ولم يصلنا شيء منها؛ مثل: "أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب المنزلة بين المنزلتين، وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء، وكتاب خطب التوحيد، والعدل" (٢)، وسوف ننتقل لنعطي صورة أخرى عن عمرو بن عبيد، الرجل الثاني من رجالات الاعتزال.
следующие страницы →