← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ثم يوحي النص أن مذهب الاعتزال غنيمة كبرى، وأن جعفر الصادق قد حسد واصلاً على اعتناقه، وأن رئاسة هذا المذهب الضال، على رأي كاتب النص، يجب أن تكون لآل البيت، وهذا من الكذب؛ فهل يخفى على جعفر الصادق أن هذا المذهب هو مذهب مبتدع، لا يشرف المرء الانتساب إليه، يضاف إلى ذلك أن ذلك النص يتهم واصلاً بأنه طعن في الأئمة، ولكن واصلاً ينفي ذلك، وهذه القصة لا شك في وضعها؛ بدليل قول ابن المرتضى نفسه: "والله أعلم بصحتها".وقد نفى هذه التلمذة الشيخ محمد أبو زهرة – ﵀ –، ولكن الدكتور النشار يؤكد على هذه التلمذة؛ تبعاً لكتاب المعتزلة، فيقول: "وقد حاول العلامة الكبير، الشيخ محمد أبو زهرة أن يثبت أن الإمام زيدا لم يتتلمذ على واصل بن عطاء، وإنما ذاكره، وزامله فيها، وبخاصة أن واصل بن عطاء إنما أخذ مذهبه عن رجل من أهل البيت، هو أبو هاشم، وسواءً أصحت تلمذة زيد لواصل بن عطاء، أم مذاكرته له في المذهب، فإن آراء المعتزلة كانت هي المرحلة الحاسمة في تفكير الفتى العلوي، ثم يردد الأباطيل؛ فيقول: كما أن اعتناق زيد المذهب القدري أقلق محمداً الباقر" (١).إن من المؤسف – حقاً – أن يلقي الدكتور هذا الكلام على عواهنه؛ تبعاً للمعتزلة، والمستشرقين، وعلى هذا المدار تجد الدكتور النشار يلقي الشبهات؛ وينسب خيار الأمة إلى المذاهب المبتدعة، والخلاصة التي يجب اعتقادها هي بطلان شبهات المعتزلة، ومن تابعهم؛ فإن زيداً، وهو سليل بيت النبوة، ما كان له أن يتلقى العلم عن أحد المبتدعة، الذين لا نصيب لهم من علم الكتاب، والنبوة، وكما قال الدكتور شريف الخطيب: "وعلى فرض صحة لقاء زيد بواصل، فإنه كان لقاء جدال بين مذهب الحق، وهو ما يعتقده زيد، وبين المذهب الباطل الذي يعتقده واصل" (٢).أما تلمذة واصل على الإمام الحسن البصري – ﵀ – تعالى – "ت (١١٠هـ) "، فهي ثابتة بلا شك، ولكنها تلمذة من أحدث البدعة في هذا المجلس، ورد على شيخه بما لا يليق، ولا نعلم متى قدم واصل إلى البصرة، فإذا قلنا إنه أقام في المدينة إلى سنة " (١٠٠هـ) "، فيكون قد جالس الحسن البصري مدة خمس سنوات، وقد بقي أربع سنوات منها صامتاً، لا يتكلم، فسألوا الحسن البصري عن ذلك، فقال: "إما أن يكون أجهل الناس، أو أعلم الناس" (٣)، "وكانوا يظنون به الخرس من طول صمته" (٤)،

стр. 1367

ونريد أن نتساءل: ماذا يعني هذا الصمت الطويل؟ وما دلالاته؟ هل هو صمت السامع المستزيد؟ أم هو صمت من يهيئ بنفسه مقالة مبتدعة، خالف بها ما يقول هذا الإمام العالم، الذي أجمعت الأمة على إمامته، ورسوخه في الدين، أم أنه كان يقارن بين فكر، ومعتقد سابق لديه، وبين ما يلقيه الحسن البصري، أم أن المجالس التي كان يحضرها بعيداً عن حلقة الحسن البصري هي التي أحدثت عنده هذا الانحراف، والابتداع؟ سوف نلقي فيما يلي بعض الضوء على علاقات واصل الفكرية خارج هذه الحلقة، والتي يرجح أنه كان لها الأثر الأكبر في انحرافه، وعدم اعتباره من المحدثين، أو ممن روى الحديث؛ فقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني "ت (٣٥٦هـ) ": "أنه كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى "ت (١٦٨هـ) "، وصالح بن عبدالقدوس، وعبدالكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد، قال أبو أحمد جرير بن حازم "ت (١٧٠هـ) ": فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي، ويختصمون عنده، فأما عمرو، وواصل، فصارا إلى الاعتزال، وأما عبدالكريم، وصالح، فصححا التوبة، وأما بشار، فبقي متحيراً مخلطاً، وأما الأزدي، فمال إلى قول السمنية؛ وهو مذهب من مذاهب الهند، وبقي ظاهره على ما كان عليه، قال: فكان عبدالكريم يفسد الأحداث، فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده، فتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا، وإلا قمت فيك مقاماً آتي فيه على نفسك، فلحق بالكوفة، فدل عليه محمد بن سليمان "ت (١٧٣هـ) "، فقتله، وصلبه فيها" (١).ونحن مع عدم ثقتنا بهذا المصدر، ومعلوماته، إلا أنه صدق بقوله عن واصل، وعمرو بن عبيد، وأما الشخصيات الباقية، هي شخصيات منحرفة – أيضاً –؛ فبشار بن برد الشاعر كان يميل إلى دين المجوس، ويفضل النار على التراب، ويصوب رأي إبليس في امتناعه عن السجود لآدم – ﵇ –، ورمي بالزندقة عند المهدي الخليفة العباسي؛ فأمر به، فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك، وكان ذلك سنة " (١٦٨هـ) " (٢).وأما صالح بن عبدالقدوس، فهو شاعر زنديق، قتله المهدي على زندقته؛ حيث أبلغ عنه أنه عرض بأبيات لرسول الله ﷺ فقتله لأجل ذلك" (٣).وأما عبدالكريم بن أبي العوجاء، فيقول عنه الإمام الذهبي: "خال معن بن زائدة "ت (١٥٢هـ) "، زنديق معثر، قال ابن عدي: لما أخذ لتضرب عنقه، قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلل الحرام، قتله محمد بن سليمان الأمير بالبصرة" (٤).

стр. 1368

أما الرجل الأزدي، فلا ندري من هو؛ لعدم التصريح باسمه، وهذه الشخصيات التي كانت تجتمع مع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، لابد أنها أثرت في فكره، ومعتقده، وفي بدعته التي ابتدعها، وإذا أضفنا إليها ما ذكره الأستاذ أنور الجندي عن مجموعة من الباحثين، لم يسمهم: "إن جماعة من اليهود الذين أظهروا الإسلام اندسوا بين المسلمين بالبصرة، وقد تعرف إليهم واصل بن عطاء، وجعل يتردد عليهم، ومن قولهم: إن الخير من الله، والشر من أفعال البشر، وإن القرآن مخلوق محدث، ليس بقديم، وإن الله – تعالى – غير مرئي يوم القيامة، وإن المؤمن إذا ارتكب الذنب، فشرب الخمر، وغيره يكون في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمناً، ولا كافراً، وإن إعجاز القرآن في الصرف عنه، لا أنه معجز؛ أي أن الله لو لم يصرف العرب عن معارضة القرآن، لأتوا بما يعارضه" (١).ونحن نطرح تساؤلات: هل كان لبدعة واصل بن عطاء أبعاد عميقة من خلال هذه الجمهرة الضالة التي كان يجتمع بها، والتي قد تكون دفعته للخروج على منهاج السلف، وعالمهم الكبير الحسن البصري – ﵀ – الذي كان يلمح في شخصية واصل أنه كان يبيت في نفسه مثل هذه الفرقة في الأمة؛ من خلال دعوته للاعتزال، والذي يظهر من بعض الروايات أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، كانا يحضران إلى الحسن البصري عندما كبرت سنه، وزادت على التسعين؛ مما حدا بعلماء السلف باتهامهم بالكذب على الحسن البصري، وكان عمرو بن عبيد ينسب له ما لم يقله؛ فعن حماد بن سلمة قال: "كان حميد من أكفهم عنه "أي عن عمرو بن عبيد"، قال: فجاء ذات يوم إلى حميد، قال: فحدثنا حميد بحديث، قال: فقال عمرو: كان الحسن يقول ... ، قال: فقال لي حميد: لا تأخذ عن هذا شيئاً؛ فإن هذا يكذب على الحسن، كان يأتي الحسن بعدما أسن، فيقول: يا أبا سعيد: أليس تقول كذا، وكذا؟ للشيء الذي ليس من قوله، فيقول الشيخ برأسه هكذا" (٢).ومن خلال هذا النص، يمكننا أن نفترض الفترة الزمنية التي بدأت فيها هذه البدعة، والتي يرجحها بعض المستشرقين في "دائرة المعارف الإسلامية" أنها بدأت في السنة الخامسة بعد المائة (٣)، وهذا الرأي قد يكون قريبا من الصواب، إذا قورن مع التطور الطبيعي لعمر واصل، وعمرو بن عبيد، في ظل ضعف قوى الحسن البصري، وعدم قدرته على الرد على بدعهم؛ لكبر سنه، يضاف إلى ذلك المكر، والدهاء، الذي كان يمتاز بهما واصل، وعمرو، ورغبتهما المبيتة في تأسيس نحلة خاصة بهما، تخالف هذا الجمهور الكبير الذي رباه الحسن البصري على الكتاب، والسنة؛ ليظهر هؤلاء المناوئون لمنهج السلف، ليس في مسألة المنزلة بين المنزلتين فقط، وإنما في مسائل عقدية أخرى، والتي ستمهد الطريق لبروز الجهمية النفاة، وغيرهم من فرق الضلال.

стр. 1369

ولكن الحسن البصري – رحمه الله تعالى – لم يكن راضيا عن عمرو بن عبيد، قرين واصل؛ لمعتقده الضال في القدر، ولا يعلم حقيقة إذا كان مسمى الاعتزال قد ظهر في حياة الحسن البصري، بعد حادثة الطرد المشهورة، والمنسوبة لواصل تارة، ولعمرو بن عبيد تارة أخرى، ولم تكن حلقة الحسن البصري، ولا مجالس الثنوية، والمجوس، هي المصادر الفكرية الوحيدة لواصل بن عطاء؛ فهناك من يرى أن هناك علاقة بين واصل، والجهم بن صفوان "ت (١٢٨هـ) "، وهذا غير مستبعد؛ وذلك لأن الرجلين عاشا في عصر واحد، وكانت، وفاتهما متقاربة – أيضاً –؛ حيث يقول ابن المرتضى: "إن بعض السمنية قالوا لجهم بن صفوان: هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: لا، قالوا: فحدثنا عن معبودك: هل عرفته بأيها؟ قال: لا، قالوا: فهو إذا مجهول، فسكت، وكتب إلى واصل، فأجاب، وقال: كان يشترط وجه سادس؛ وهو الدليل، فنقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، فاسألهم: هل يفرقون بين الحي والميت، والعاقل والمجنون، فلابد من نعم، وهذا عرف بالدليل، فلما أجابهم جهم بذلك، قالوا: ليس هذا من كلامك، فأخبرهم؛ فخرجوا إلى واصل، وكلموه، وأجابوه إلى الإسلام" (١). ولا ندري مدى صحة هذا الخبر، ولكن لعل ابن المرتضى يهدف إلى رفع قيمة واصل؛ إذ المشهور أن السمنية الذين تحير الجهم بسببهم، ولم يدر من يعبد لمدة أربعين يوماً، وقدحوا الفتنة في قلبه العليل، ثم ذهبوا، هذه الفتنة التي نالت الجهم في عقيدته، وكانت سبباً في انحرافه، يخشى أن تكون قد تمكنت – أيضاً – من قلب واصل بن عطاء فهل كان للسمنية دور في انحراف معتقد واصل في الصفات، والذي تطور، فيما بعد، على يد المعتزلة عموماً، فهؤلاء السمنية، على هذا الاعتبار، نعتبرهم أحد المؤثرات التي أثرت في فكر واصل بن عطاء، كما أسهمت في انحراف الجهم، وحيرته. ثم يضيف ابن المرتضى أن واصلاً قد بث دعاته في الآفاق؛ فيقول: "وبلغ من بأسه، وعلمه، أنه أنفذ أصحابه إلى الآفاق، وبث دعاته في البلاد؛ فبعث عبدالله بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل ترمذ، ولزم المسجد، حتى اشتهر، ثم ناظر جهماً، فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق، فلما عاد حفص إلى البصرة، رجع إلى قوله الباطل، وبعث القاسم بن المعدي إلى اليمن، وبعث أيوب بن الأوتر إلى الجزيرة، وبعث الحسين بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية، فقال: يا أبا حذيفة، إن رأيت أن ترسل غيري، فأشاطره جميع ما أملك، حتى أعطيه فرد نعلي، فقال: يا طويل، اخرج، فلعل الله أن ينفعك، فخرج للتجارة، فأصاب مئة ألف، وأجابه الخلق" (٢). ونحن أمام هذا النص نميل لأحد الاحتمالين الآتيين: الأول: أن نصدق بهذه الحملة الشرسة التي شنها المعتزلة على أرجاء العالم الإسلامي، داعين لنفي القدر، والصفات، ونشر البدع العقدية، وبذر بذور الفرقة، والاختلاف، في الأمة؛ عن طريق محاربة منهج السلف في العقيدة.

стр. 1370

الاحتمال الثاني: أنها حملة مزعومة، لا أساس لها من الصحة؛ وذلك لأنني حاولت، بعد جهد طويل، العثور على تراجم هؤلاء المذكورين، فلم أحصل إلا على عثمان الطويل، وما وجدت ما قاله ابن المرتضى عنه في كتب أهل السنة، وهذا – أيضاً – يحتمل أن هذه الشخصيات كانت مغمورة، تدعو لبدعتها في الخفاء، بعيداً عن معرفة علماء السلف بها، حتى تؤسس هذه النحلة المبتدعة، ومما لا شك فيه أن هذه الدعوة البدعية – أيضاً – أحدثت بين المسلمين جدالاً، وإشكالاً واسعاً، لم ينته إلى وقتنا الحاضر، فكانت من أخطر البدع التي ابتليت بها الأمة، وما خلاف المسلمين في مسائل العقائد إلا أنه نابع من أصول المعتزلة، والجهمية، التي تحدث مع معظم الفرق البدعية، وخاصة في مناطق التشيع، وحتى الخوارج استقوا مباحثهم الكلامية، فيما بعد، من مناهج المعتزلة. وعندما حدثت محنة خلق القرآن، التي كان سببها المعتزلة، فرحت فرق الضلال بالاضطهاد الذي لاقاه علماء السلف؛ وأولهم الإمام أحمد، وأعجبت بما تدعو إليه المعتزلة، فكان التلاقي، والذوبان في مسائل العقيدة بين مختلف الفرق، وخاصة الشيعة؛ ومما عزز اتحاد هذه الفرق مع المعتزلة هزيمة المعتزلة في النهاية، وظهور منهج السلف، وسيادته على الأمة، فعادت هذه الفرقة تبحث في سراديب الظلام عن فتن، ومكائد؛ لضرب هذا المنهج الفطري الذي يدين به جمهور الأمة، فحدثت بعد ذلك انحرافات عقدية، خرج أغلبها من رحم المعتزلة العفن، واليوم تبرز الدعوات من جديد؛ لإحياء هذا الفكر المبتدع، والعقيدة الضالة، ولكن هذه الصحوة المباركة بدأت تتلمس طريقها بالبحث عن منهج السلف، وإحيائه؛ لصد الهجمة الاستشراقية الاعتزالية الجديدة، التي يجب أن يزال الستار عن تخريبها العقدي، وخوضها في ذات الله، وصفاته، وقضائه، وقدره، خوضا باطلاً، لا دليل يسنده إلا اتباع الهوى، والشيطان. هذه نبذة عن حياة واصل بن عطاء، الذي توفي سنة "إحدى وثلاثين ومئة" (١)، وقد ذكر أن له جملة من التصانيف، ولم يصلنا شيء منها؛ مثل: "أصناف المرجئة، وكتاب التوبة، وكتاب المنزلة بين المنزلتين، وكتاب خطبته التي أخرج منها الراء، وكتاب خطب التوحيد، والعدل" (٢)، وسوف ننتقل لنعطي صورة أخرى عن عمرو بن عبيد، الرجل الثاني من رجالات الاعتزال.

стр. 1371

المطلب الثاني: دراسة نقدية لشخصية عمرو بن عبيد بن باب: ولد عمرو بن عبيد سنة (٨٠هـ) (١)، وهو مولى لبني تميم (٢)، وجده "باب، من سبي فارس، مولى لآل عرادة، من بلعدوية، من حنظلة تميم، وعبيد أبو عمرو، كان نساجا، ثم تحول شرطيا للحجاج، وهو من سبي سجستان" (٣)، وقال ابن قتيبة، والفسوي (ت ٢٧٧هـ): "هو عمرو بن عبيد بن باب، مولى لآل عرادة بن يربون بن مالك، ويكنى أبا عثمان، وكان عبيد أبوه يختلف إلى أصحاب الشر "ولعله يقصد الشرط" بالبصرة؛ فكان الناس إذا رأوا عمرا مع أبيه، قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عبيد: صدقتم هذا إبراهيم، وأنا آزر" (٤)، وقال ابن كثير ت (٧٧٤هـ) عند التعريف به: "عمرو بن عبيد بن ثوبان، ويقال ابن كيسان التيمي، مولاهم، أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية، والمعتزلة" (٥).يتضح لنا من هذه النصوص أن عمرو بن عبيد، ووالده، وجده، هم من الموالي، وواضح – أيضا – أن هذا الولاء يعني العبودية؛ لأنهم أخذوا من السبي، والذي يهمنا هو طبيعة النشأة التي عاشها عمرو في ظل والده، ومن الملاحظ أن عمرا في بداية حياته كان مستقيماً؛ لملازمته لمجلس العلم، ولكن والده كان يتوسم فيه شيئاً آخر؛ حيث "قيل لعبيد بن باب أبي عمرو بن عبيد، وكان من حرس السجن: إن ابنك يختلف إلى الحسن، ولعله أن يكون ... قال: وأي خير يكون من ابني، وقد أصبت أمه من غلول، وأنا أبوه؟ " (٦).

стр. 1372

طلبه العلم: ولقد كان عمرو، يختلف إلى مجلس الحسن البصري في سن مبكرة، ولعل هذا المجلس كان له أثره في نشأته العلمية فيما بعد، ولكن عمرو بن عبيد كان يأخذ من مشارب شتى، خلطت عليه ذلك الخير الذي كان يتلقاه في مجلس الحسن البصري؛ حيث كان يصاحب واصلاً إلى مجالس الثنوية والمجوس التي سبق وأشرنا إليها، فلا نعلم إذا كانت هذه المجالس أثرت به؛ حتى أخذ عنهم مقالاته الفاسدة، فيما بعد، وبعكس واصل، فلم يزعم أحداً أن عمرو بن عبيد قد تلقى العلم من آل البيت الهاشمي، إلا ما قاله "طاش كبرى زاده" متابعاً بذلك لابن المرتضى، الذي يقول "على لسان شبيب ابن شبة" ما رأيت من غلمان ابن الحنفية أكمل من عمرو بن عبيد، فقيل له: متى اختلف عمرو بن عبيد إلى ابن الحنفية، فقال: إن عمراً غلام واصل، وواصل غلام محمد" (١)، وقد سبق وبينا تهافت هذا الزعم؛ فابن الحنفية توفي بعد ميلاد واصل بسنة، واحدة، ومحال على طفل رضيع أن يتلقى العلم، ثم إن عمرا قرين واصل في العمر، فكيف يكون غلامه؟! وقد رد الدكتور النشار على "طاش كبرى زاده"، فقال: "وهذا خطأ؛ فإن عمرو بن عبيد لم يتقابل مع أبي هاشم إطلاقاً" (٢)، ولكن من الذي كان له الأثر الأكبر على الآخر: هل هو واصل، أم عمرو بن عبيد؟ لقد كان الاثنان من رواد حلقة الحسن البصري – ﵀ –، وكان واصل يمتاز بالصمت الطويل، حتى نطق ببدعته الممقوتة، في المنزلة بين المنزلتين، ولكن الخطيب البغدادي يرى أن واصلاً كان له الأثر الأكبر على عمرو بن عبيد؛ حيث قال: "كان عمرو يسكن البصرة، وجالس الحسن البصري، وحفظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب السنة، فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن" (٣).ويبدو أن واصل بن عطاء قد أقنع عمرا بالسير في طريق المبتدعة، وتفضيل مجالس الجدال، وكانت مجالس الثنوية ترضي طموحه، ولعل عمرو بن عبيد عندما تمكنت منه شبه واصل، كان يذهب إلى الحسن، ويقول له برأيه، فقد روى العقيلي، قال: "كان لعمرو بن عبيد من الحسن منزلة، فلما بان له ما بان، أتى على الحسن، فكلمه فيما بينه وبينه، فقال الحسن: لا، ثم عاود ثانية، فقال الحسن: لا، ولا كرامة، قال: فلما ولي عمرو، قال الحسن: والله، لا يفلح أبداً" (٤).ولا شك أن عمرا قد اختط طريقا يخالف طريق الحسن البصري – ﵀– وكان الحسن له توسم في الرجال؛ فقد كان يلمح من عمرو رغبة في الإحداث، والابتداع، ولكن، على أي أساس كان هذا؟ هل كان يسأل عن القدر، ويجادل فيه، أم كان يثير من المسائل ما يبدو أنها ستؤسس بدعة ضالة؟ فقد روى الفسوي، قال: "رأى الحسن أيوب السختياني (ت١٣١هـ) "، فقال: هذا سيد شباب أهل البصرة، قال: ورأى عمرو بن عبيد، فقال: هذا من سيدي شباب أهل البصرة، إن لم يحدث" (٥).

стр. 1373

وقد حدث ما توسم به الحسن البصري؛ فكان أن أحدث عمرو، وابتدع بدعته في الاعتزال، وبقي أيوب السختياني على المنهج الحق، وكان من أشد الناس على عمرو، والمعتزلة، ومن نحا نحوهم من فرق الضلال، وتعتمد شهادة الحسن البصري على ما كان عليه عمرو بن عبيد من الورع، والعبادة، في بداية أمره، وقبل الإحداث؛ قال ابن حبان: "كان عمرو بن عبيد من العباد الخشن، وأهل الورع الدقيق، ممن جالس الحسن سنين كثيرة، ثم أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن البصري، ومعه جماعة؛ فسموا المعتزلة، وكان عمرو بن عبيد داعية إلى الاعتزال، ويشتم أصحاب رسول الله ﷺ ، ويكذب، مع ذلك، في الحديث" (١).وفي رسالة لواصل بن عطاء بعث بها إلى عمرو بن عبيد، يذكر فيها شكوى الحسن البصري منه، وتوقعه أن يحدث في دين الله، وفي هذه الرسالة يتضح ارتداد عمرو عن منهج السلف، واختيار منهج الابتداع، والمخالفة، وهذه أجزاء منها؛ حيث يقول واصل: "وقد عرفت ما كان يطعن به عليك، وينسب إليك، ونحن بين ظهراني الحسن بن أبي الحسن – ﵀ –؛ لاستبشاع قبح مذهبك، نحن، ومن قد عرفته من جميع أصحابنا، ولمة إخواننا ... ثم ينقل دعاء الحسن البصري، يقول فيه: "اللهم إني قد بلغت ما بلغني عن رسولك، وفسرت من محكم تأويلك ما قد صدقه حديث نبيك، إلا وإني خائف عمرا، ألا وإني خائف عمرا"، ثم يقول واصل: "وقد بلغني كبر ما حملته نفسك، وقلدته عنقك، من تفسير التنزيل، وعبارة التأويل، ثم نظرت في كتبك، وما أدته إلينا روايتك، من تنقيص المعاني، وتفريق المباني؛ فدلت شكاية الحسن بالتحقيق؛ بظهور ما ابتدعت، وعظيم ما تحملت، وسوف يكون لنا وقفة مع هذه الرسالة فيما بعد، وسنعطي عليها بعض الملاحظات (٢).

стр. 1374

ما قيل عن زهده وورعه: وكان عمرو بن عبيد مشهوراً في زهده، وورعه، ولعل نص ابن حبان "ت (٣٥٤هـ) " الذي سبق يؤكد ذلك، ولكن هذا الزهد، والورع، لم يمنعه من الابتداع، والإحداث في الدين، وقد قام ببناء علاقات طيبة مع أبي جعفر المنصور، وكان لورعه وزهده، الأثر في هذه العلاقة؛ حيث اغتر به المنصور؛ ولهذا السبب غفل عن بدعته في الدين، وروي أنه كان يعظ أبا جعفر المنصور؛ حيث يقول الخطيب البغدادي: "ت (٤٦٣هـ) "، ويقال إنه دخل على أبي جعفر المنصور "ت (١٥٨هـ) "، "فقال: يا أبا عثمان، عظني: فقال: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك، لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك بليلة تمخص بيوم لا ليلة بعده" (١)، وروى إسحاق بن الفضل، قال: "إني لعلى باب المنصور، وإلى جنبي عمارة بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ونجل البساط برجله، وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة، فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق، فما فصل كلامه من فيه، حتى خرج الربيع، وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد، قال: فوالله، ما دل على نفسه، حتى أرشد إليه، فاتكأ بيده، ثم قال: أجب أمير المؤمنين. فمر متوكئا عليه، فالتفت إلى عمارة، فقلت: إن الرجل الذي قد استحمقت قد دعي، وتركنا، فقال: كثير ما يكون مثل هذا" (٢).وقد رد بعض العلماء من أهل السنة على هذه الأخبار؛ حيث يقول عبدالقاهر البغدادي: "وذكر الكعبي في مقالاته أن المنصور مدح عمرا، وقال: نثرت الحب فلقطوا، غير عمرو بن عبيد" (٣)، وهذا من أكاذيب الكعبي، وهو الذي روى أن عمرا كان من الداعين إلى البيعة ليزيد الناقص في ولايته، أفترى المنصور، مع صرامته، وعداوته لبني أمية، يمدح داعيهم، ومن خرج عليهم، مع إبراهيم بن عبيدالله بن الحسن بالبصرة، حتى لحقه شؤم عمرو؛ فقتل في حربه؟ " (٤).

стр. 1375

ونحن نرى أن عمرا ربما لبس على أبي جعفر المنصور، وإن كان قد دعا إلى بيعة يزيد، فمما لا شك فيه أنها إحدى أساليب الفرق المنحرفة؛ وذلك لمناصرة هذا الخليفة القدري؛ ليمكن القدرية من رقاب الأمة، واضطهاد علمائها، وقد اهتم عمرو بن عبيد في تمتين روابطه مع الخلافة الجديدة، ولم تمض فترة من الزمن حتى تمكنت المعتزلة من عدة خلفاء من خلفاء بني العباس، وساموا الأمة العذاب في محنة خلق القرآن. ويؤكد الإمام الذهبي "ت (٧٤٨هـ) "، وابن كثير – رحمهما الله – تعالى -، أن أبا جعفر اغتر بزهد عمرو، وأخفى بدعته، فيقول الذهبي: قد كان أبو جعفر المنصور يعظم عمرو بن عبيد، ويثني عليه، ويقول: "كلكم يمشي رويداً، وكلكم يطلب صيداً، غير عمرو بن عبيد" (١)، وعلق على ذلك، فقال: "اغتر بزهده، وإخلاصه، وأغفل بدعته" (٢)، وقال ابن كثير: "كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا ... ، وقد كان محظياً عند أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يحبه، ويعظمه؛ لأنه كان يفد على المنصور مع القراء، فيعطيهم المنصور، فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئاً، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه، فلا يقبل منه؛ فكان ذلك يغر المنصور، ويروج به عليه حاله؛ لأن المنصور كان بخيلاً، وكان يعجبه ذلك منه، ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمرو بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح؛ فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو، ولا كثير من المسلمين في زمانه" (٣).هذه صورة موجزة عن حياة عمرو بن عبيد، الذي توفي سنة " (١٤٤هـ) " (٤)، وسوف نرى خطورة بدعته، وآرائه الضالة، عند حديثنا عن الآراء التي جاء بها عمرو مع واصل بن عطاء، أو منفرداً عنه، بإذن الله. ٣ - طبيعة العلاقة بين واصل، وعمرو بن عبيد: أما عن طبيعة العلاقة التي ربطت بين واصل، وعمرو بن عبيد، وكيف اتحدت جهودهما للدعوة لهذه البدعة الجديدة، فمن المعلوم أن واصلاً كان في المدينة المنورة، وقد سبق أن عرضنا لرسالة ذكرها صاحب (العقد الفريد)، وفيها يذكر واصل شكوى الحسن البصري من عمرو بن عبيد، ومخافته من الإحداث، والابتداع في الدين؛ فهذه الرسالة تبين وجود علاقة قوية بين واصل، وعمرو بن عبيد، ولكن هل يعني هذا أن واصلاً لم يقابل عمرو بن عبيد من قبل، فما طبيعة هذه العلاقة إذن؟ أم أن واصلاً قد قابله، ثم رجع إلى المدينة، وقابل الحسن البصري عند زيارته لها؟ ولكننا نريد أن نضع بعض الملاحظات على هذه الرسالة، كما سبق وقلت؛ فهل كان عمرو بن عبيد يغلو في آرائه، وفي تأويلاته أكثر من واصل؟ وهل لاحظ واصل أن عمرا قد تسرع في الإفصاح عن مذهبهما القبيح؛ كما جاء في نص الرسالة؟ وهل كان هذا المذهب يخوض في القدر، والأسماء، والصفات، وغيرها من مسائل الاعتقاد؟. ولكن هذه الرسالة لا نجد فيها أي أثر يذكر للخلاف المذكور فيما بين واصل، وعمرو بن عبيد؛ مما يجعلنا نضعها تحت اعتبارين:

стр. 1376

الاعتبار الأول: هو أن يكون هناك خلاف حقيقي في الإفصاح عن هذه البدعة مبكراً، ولعل رأي واصل هو التأني في طرح البدعة التي تحيك في صدريهما، والاعتبار الثاني: هو أن يكون خلافاً صورياً، يعرض فيه واصل أمام الناس اتباعه لمذهب الحسن البصري، وأن المخالف هو عمرو بن عبيد، ومهما يكن من الاعتبارات السابقة، إلا أن أرباب البدع يجعلون من مثل هذه المراسلات، والنصوص، سبيلاً لدفع الشبه المثارة حولهم، مع بقاء بدعتهم قائمة، لم ينقصوها بشيء، بل عن سبيل البدعة، وازدياد انحرافها، فاق التصور. ولكن طبيعة العلاقة بين الرجلين يبدو فيها بعض الجدال، والمحاورة، حتى استقامت، ووضعت في إطارها الموحد؛ فقد قيل إن هناك جدالاً بين واصل، وعمرو بن عبيد، في مسألة الفاسق، وهذه المحاورة لا ندري مدى صحتها، ولكننا سنثبتها؛ فقد ساقها ابن المرتضى على النحو التالي: "قال واصل لعمرو: ألست تزعم أن الفاسق يعرف الله - تعالى -، خرجت المعرفة من قلبه عند قذفه، فإن قلت: لم يزل يعرف الله، فما حجتك، وأنت لم تسمه منافقا قبل القذف؟ وإن زعمت أن المعرفة خرجت من قلبه عند قذفه، قلنا لك: فلم لا أدخلها في القلب بتركه القذف، كما أخرجها بالقذف، وقال له: أليس الناس يعرفون الله بالأدلة، ويجهلونه بدخول الشبهة، فأي شبهة دخلت على القاذف، فرأى عمرو لزوم هذا الكلام، فقال: ليس بيني، وبين الحق عداوة، فقبله، وانصرف، ويده في يد واصل" (١). وبغض النظر عن صحة هذا النص، فالعبرة في أن عمراً قد وضع يده في يد واصل، وقال له: ليس بيني وبين الحق عداوة؛ فأي حق يعبر عنه عمرو، إذا كان يرى أن ما عليه من بدعة هو الحق، ولكنهم اتخذوا الباطل، ومعاداة الحق وأهله، منهجا لهم، ولو صحت هذه المناظرة، وكانت أمام جمع من الناس، فهي عبارة عن استعراض متفق عليه لإعلان الوحدة بين الرجلين، لتكثير سواد المبتدعة، الذين بدأ نجمهم يبرز مع قدوم واصل إلى البصرة، ووضع يده بيد عمرو بن عبيد. ومنذ قدوم واصل إلى البصرة، بدا نشاط المعتزلة يأخذ طابع التنظيم، والتنسيق، وذلك بالإعلان عن خطب لواصل يقدمه فيها، ويعقب عليها عمرو بن عبيد نفسه، فقد روى الخطيب البغدادي عن أبي عوانه "ت (١٧٠هـ) " قال: "شهدت عمرو بن عبيد، وأتاه واصل الغزال، قال: وكان خطيب القوم "يعني المعتزلة"، فقال عمرو: تكلم يا أبا حذيفة، فخطب، فأبلغن قال: ثم سكت، فقال عمرو: ترون لو أن ملكاً من الملائكة، أو نبيا من الأنبياء، كان يزيد على هذا؟! " (٢).ويقيني أن هذا التعقيب من عمرو بن عبيد قد قيل لقوم استسلمت عقولهم، وجوارحهم، لهذا الهراء الاعتزالي، والذي لم يجد من يرد عليه في ذلك المجلس، ولكن هذه الدعاية المقصود منها الرفع من قيمة المبتدعة، في وسط هؤلاء الأغرار، الذين يتوهمون أن كل ما يقال في هذه المجالس إنما هو لنصرة هذا الدين، وحتى عمرو بن عبيد، كان يمتدح نفسه بمثل المديح السابق، فهذا أبو عوانة يقول – أيضا -: "ما رأيت عمرو بن عبيد قط، ولا جالسته إلا مرة واحدة، فتكلم، وطول، ثم قال: لو نزل ملك من السماء ما زادكم على هذا" (٣).وتتوثق العلاقة بين عمرو، وواصل، عندما يزوج عمرو أخته لواصل، قال ابن علية: "أول من تكلم في الاعتزال واصل بن عطاء الغزال، فدخل معه في ذلك عمرو بن عبيد، فأعجب به، وزوجه أخته، وقال لها: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة" (٤)، وبهذه المصاهرة أصبحت المعتزلة تنمو بصورة علنية، وتؤسس البدع، وتنشرها في أوساط المسلمين، وهذا ما ينقلنا إلى استجلاء مقالات المعتزلة التي ابتدعوها، وخالفوا فيها عقيدة السلف. المصدر: العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص ٦٢٣

стр. 1377

المطلب الثالث: بعض الأقوال التي انفرد فيها عمرو بن عبيد لقد انفرد عمرو بن عبيد في مبتدعات كثيرة، زاد بها على واصل، ونريد أن نثبتها محاولين تقريب الصورة الحقيقية لعمرو بن عبيد الذي امتدت حياته حتى سنة (١٤٤هـ)، والذي أسهم في تأسيس مدرسة الاعتزال، بانحرافاتها العقدية والمعروفة. فقد نسب بعض علماء السلف عمرو بن عبيد إلى الخوارج، وكأنه كان يرى رأيهم، ويدعو إلى حمل السيف على خلفاء الأمة؛ فقد روى الفسوي "ت (٢٧٧ هـ) " عن سلام بن أبي مطيع "ت (١٧٣هـ) " قال: قال رجل لأيوب السختياني "ت (١٣١هـ) ": يا أبا بكر، إن عمرو بن عبيد قد رجع عن رأيه، قال: إنه لم يرجع، قال: بلى، يا أبا بكر، إنه قد رجع، قال أيوب: إنه لم يرجع "ثلاث مرات"؛ أما سمعت إلى قوله ﷺ : ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) (١) (٢).وهناك من الإشارات القوية ما يؤيد ما ذهب إليه الإمام السختياني – ﵀ –، فقد روى العقيلي "ت (٣٢٢هـ) "، عن حميد بن إبراهيم، قال: "سألت عمرو بن عبيد عن هذه الآية: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:٤٧]، قال: قلت هم أهل الشام؟ قال: نعم" (٣).وعن معاذ بن معاذ قال: "شهدت عمرو بن عبيد، وذكر له أن أهل السجون يركبون الفواحش، وذكر أموراً قبيحة، فقال عمرو: لو بدأنا بهؤلاء "يعني السلطان"، يخرج عليهم بالسيف" (٤).وكانت لعمرو بن عبيد صلات مشبوهة؛ حيث قال حميد بن إبراهيم: "كان عمرو بن عبيد يأتينا السوق أصحاب البصري، إلى دكان عبدالأعلى بن أبي حاضر، فكان إذا قام أتبعه أتعلم من هيئته، وسمته، حتى إذا كان ذات يوم قام فاتبعته، حتى إذا دخل مسجده، فقعد فيه، وقفاه إلي، فأتاه رجلان غريبان من أهل الجبال، فدنوا إليه، فقالا له: يا أبا عثمان، ما ترى فيما يوطأ في بلادنا من الظلم، قال: موتوا كراماً، قال: ثم التفت إلي، فقال: لا تزال تغمنا" (٥).ومن آراء عمرو بن عبيد الشاذة رؤيته عدم جواز صلاة الجمعة بعد مقتل عثمان ﵁، وهذا فيه تعطيل لفرائض الإسلام، وعدم اعتراف بكل الخلفاء الذين جاءوا بعد عثمان ﵁ فقد روى ابن عدي "ت (٣٦٥هـ) " عن هارون بن موسى قال: "كان عند يونس بن عبيد "ت (١٣٩هـ) "، فجاء عباد بن كثير، فقلت: من أين؟ قال: من عند عمرو بن عبيد، أخبرني بشيء، واستكتمني، قلت؛ وما هو: قال: لا جمعة بعد عثمان بن عفان" (٦).وكان علماء السلف يتهمونه أنه من الدهرية؛ قال ابن حبان "ت (٣٥٤هـ) " عن يحيى بن معين "ت (٢٣٣ هـ) "، قال: "كان عمرو بن عبيد رجل سوء من الدهرية، قلت: وما الدهرية؟ قال: الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع، وكان يرى السيف" (٧).وقال سلام بن أبي مطيع: "لأنا أرجى للحجاج بن يوسف مني لعمرو بن عبيد، إن الحجاج بن يوسف إنما قتل الناس على الدنيا، وإن عمرو بن عبيد أحدث بدعة؛ فقتل الناس بعضهم بعضا" (٨). المصدر: العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص ٦٥٩

стр. 1378

المبحث التاسع: فرق المعتزلة لابد من الإشارة إلى أن هذه الفرق يجمعها مبادئ وتختلف في مبادئ أخرى: أولا: ما تتفق فيه: إن المعتزلة بفرقها المتعددة تجمع على أمور يسمونها الأصول الخمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الخياط (١) – في كتابه (الانتصار) –: "فلسنا ندفع أن يكون بشر كثير يوافقونا في التوحيد، ويقولون بالجبر، وبشر كثير يوافقونا في التوحيد والعدل، ويخالفونا في الوعد والأسماء والأحكام، لكن ليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس، فهو معتزلي (٢). ثانيا: ما تختلف فيه: إن المعتزلة كغيرها من الفرق – عند نشوئها – قد بدأت محدودة مقتصرة على الأصول الخمسة التي سبق ذكرها آنفا. ولكن سرعان ما تعمق المعتزلة في بحث تلك الأصول، وتوسعوا في شرحها، فنشأ لذلك مسائل فرعية من هذه الأصول ومن غيرها، وأسباب ذلك كثيرة، منها: أولا – المبالغة في الاعتماد على العقل، وعدم التقيد بالنصوص من الكتاب والسنة، مما كان له الأثر العظيم في نشوء الخلافات بينهم. ثانيا: انغماسهم في الفلسفة اليونانية التي أخذوا يدرسونها ويستمدون منها بعض الأفكار ويمزجونها بعقيدة المسلمين. بسبب ذلك دب الخلاف بينهم، وتشعبت آراؤهم واشتد بينهم الحوار والجدل، فانقسموا إلى اثنتين وعشرين فرقة لكل واحدة منها أفكارها وآراؤها الخاصة، وتتبع كل فرقة أحد رؤوس الاعتزال البارزين. الفرقة الأولى: الواصلية: أتباع أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال مولى بني ضبة، ولد سنة (٨٠هـ)، ونشأ على الرق، وتتلمذ على الحسن البصري، ولم يفارقه إلى أن أظهر مقالته في المنزلة بين المنزلتين، وهو مؤسس فرقة الاعتزال، وتوفي سنة (١٣١هـ) (٣). وهو الذي وضع الأصول الخمسة التي يرتكز عليها الاعتزال. يقول الشهرستاني: إن اعتزال هذه الفرقة يدور على أربع قواعد، وهي: القاعدة الأولى: القول بنفي الصفات الثابتة لله في الكتاب والسنة، والحجة في ذلك أنه يستحيل وجود إلهين قديمين أزليين، ومن أثبت معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين (٤).القاعدة الثانية: القول بالقدر، وهو أن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك، لأنه تعالى حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من عباده خلاف ما يأمر. ويحتم عليها شيئا ثم يجازيهم عليه ويستحيل أن يخاطب العبد بأفعال وهو لا يمكنه أن يفعل (٥).القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين، وهو أن صاحب الكبيرة في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، لا مؤمن ولا كافر، وحجته أن الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت سمي صاحبها مؤمنا، والفاسق مرتكب الكبيرة لم تجتمع فيه. لذا لا يسمى مؤمنا. وهذا القول هو أول أقواله التي جهر بها، وبسببه فارق الحسن البصري (٦).القاعدة الرابعة: قوله في الفريقين من أصحاب الجمل، وأصحاب صفين أن أحدهما فاسق لا بعينه (٧).

стр. 1379

الفرقة الثانية: العمروية: أتباع عمرو بن عبيد بن باب، مولى بني تميم، ولد سنة (٨٠هـ)، وتوفي سنة (١٤٤هـ)، كان جده من سبي كابل (١). عاش في البصرة، وعاصر واصل بن عطاء، وكان تربا له، فلما قام واصل بحركته انضم إليه وآزره، فأعجب واصل به، وزوجه أخته وقال: زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون خليفة، كذلك كان عمرو معجبا بأستاذه، وقد أصبح شيخ المعتزلة بعد واصل (٢)، وشاركه في جميع أقواله وزاد عليه بما يلي:١ - قوله بفسق كلا الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، وأنهم خالدون في النار، بخلاف واصل، فإنه يفسق أحد الفريقين لا بعينه، وقد ترتب على هذا: عدم قبول عمرو شهادة رجلين من أحد الفريقين (٣).٢ - خالف عمرو واصلا في رده الأحاديث النبوية (٤). الفرقة الثالثة: الهذلية: أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله البصري العلاف، ولد سنة (١٣٥هـ)، وتوفي سنة (٢٢٦، وقيل: سنة ٢٣٥، وقيل: سنة ٢٣٧هـ) في خلافة المتوكل عن مائة سنة، مولى عبد القيس، وشيخ المعتزلة البصريين، أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل أحد أصحاب واصل بن عطاء (٥). وقد اطلع على الفلسفة اليونانية فجاءت أقواله متأثرة بها (٦).

стр. 1380

وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها: الأولى: قوله: إن علم الله هو الله وقدرته هي هو (١).الثانية: أنه أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري تعالى مريدا بها، وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون من المعتزلة (٢).الثالثة: قوله في كلام الباري تعالى أن بعضه لا في محل، وهو قول "كن" وبعضه في محل كالأمر والنهي، والخير والاستخبار، وكأن أمر التكوين عنده غير أمر التكليف (٣).الرابعة: قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه؛ إلا أنه قدري الأولى جبري الآخرة، فإن مذهبه في حركات الخالدين في الآخرة أنها كانت ضرورية، لا قدرة للعباد فيها، وكلها مخلوقة للباري تعالى؛ إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها (٤).الخامسة: قوله في حركات أهل الخلدين، أنها تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار، ومذهبه هذا قريب من مذهب جهم؛ إذ حكم بفناء الجنة والنار، وقد التزم أبو الهذيل هذا المذهب؛ لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم، أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها؛ إذ كل واحدة لا تتناهى. قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما يلزمه بالحركة لا يلزمه بالسكون (٥).السادسة: قوله في الاستطاعة أنها عرض من الأعراض غير السلامة والصحة، وفرق بين أفعال القلوب، وأفعال الجوارح، فقال: لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة عليها، ولا مع موته، وجوز وجود أفعال الجوارح من الفاعل مع عدم قدرته عليها إن كان حيا وبعد موته، وزعم أن الميت والعاجز يجوز أن يكونا فاعلين لأفعال الجوارح بالقدرة التي كانت موجودة فيهما قبل الموت والعجز (٦).السابعة: قوله في المكلف قبل ورود السمع؛ أنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا، ويعلم أيضا حسن الحسن، وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور (٧). الثامنة: قوله في الآجال والأرزاق: إن الرجل إذا لم يقتل مات في ذلك الوقت، ولا يزداد في العمر أو ينقص، والأرزاق على وجهين: أحدهما: ما خلقه الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال: خلقها رزقا للعباد. ثانيهما: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد، فما أحل منها فهو رزقه، وما حرم فليس رزقا، أي: ليس مأمورا بتناوله (٨).التاسعة: حكي عنه أنه قال: إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلقه هي خلقه له، وخلق الشيء عنده غير الشيء، بل الخلق عنده قول لا في محل. وقال: إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر، وكذلك لم يزل غفورا رحيما محسنا خالقا رازقا مثيبا معاقبا مواليا معاديا آمرا ناهيا بمعنى أن ذلك سيكون منه (٩). العاشرة: قوله في الحجة في الأخبار: قال: إن الحجة في الأخبار الماضية الغائبة عن الحواس لا تثبت بأقل من عشرين رجلا فيهم واحد أو أكثر من أهل الجنة.

стр. 1381

وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكما، وخبر ما فوق الأربعة إلى العشرين يصح وقوع العلم به، وقد لا يصح؛ ذلك أن الحجة لا تجب بأخبار الفاسقين والكافرين، فلا بد من معصومين لا يجوز عليهم الكذب والزلل في شيء من الأفعال تجب الحجة بأخبارهم في كل زمان، وأهل الجنة هم أولياء الله المعصومون عن الخطايا، فلا يكذبون ولا يرتكبون الكبائر، والأمة في كل عصر لا تخلو من عشرين منهم واحد من أهل الجنة على أقل تقدير. ويرى البغدادي أن أبا الهذيل أراد بهذا القول تعطيل الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية عن فوائدها؛ لأن نقلة الأخبار ينبغي أن يكون فيهم واحد من أهل الجنة، أي: واحد على رأيه في الاعتزال، لأن من لم يكن كذلك لا يكون عنده مؤمنا ولا من أهل الجنة (١). الفرقة الرابعة: النظامية: أتباع أبي إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ المعروف بالنظام، سمي بهذا الاسم لأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة، ولد سنة (١٨٥هـ)، وتوفي سنة (٢٣١هـ)، عاشر في شبابه قوما من الثانوية والسمنية القائلين بتكافؤ الأدلة، وخالط بعد كبره قوما من ملحدة الفلاسفة، ثم اتصل بـ هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عنه وعن ملحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة التي لم يسبق إليها، وأخذ عن الثنوية قوله: بأن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والظلم. وأخذ أيضا عن هشام قوله: إن الألوان والروائح أجسام، وبنى على هذا قوله بتداخل الأجسام في حيز واحد. وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات؛ ولذلك أنكر إعجاز القرآن وما روي من معجزات الرسول ﷺ ليتوصل بذلك إلى إنكار نبوته ﷺ ، ثم إنه استثقل أحكام الشريعة، فأبطل الطرق الدالة عليها، ومن ثم أبطل حجية الإجماع والقياس في الفروع، وأنكر الحجة من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري، وطعن في فتاوى الصحابة، وجميع فرق الأمة من فريقي الرأي والحديث مع الخوارج والشيعة، والنجارية، وأكثر المعتزلة متفقون على تكفير النظام، ولم يتبعه في ضلالته إلا شرذمة قليلة من القدرية كالأسواري، وابن حائط والجاحظ مع مخالفة كل واحد منهم له في بعض ضلالاته. وممن قال بتكفيره من شيوخ المعتزلة أبو الهذيل والجبائي والأسكافي، وجعفر بن حرب وكتب أهل السنة في تكفيره تكاد لا تحصى (٢). وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها:

стр. 1382

الأولى: قوله في القدر، قال: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هي مقدورة له خلافا لأصحابه، فإنهم قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها؛ لأنها قبيحة، وقال أيضا: إن الله لا يقدر أن يفعل بعباده إلا ما فيه صلاحهم هذا فيما يتعلق بقدرته في أمور الدنيا. وأما أمور الآخرة، فقال: لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، ولا على أن ينقص منه شيئا، وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة أو يخرج أحدا من أهلها، وليس ذلك مقدورا له (١).الثانية: قوله في الإرادة، إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة، فإذا وصف بها شرعا في أفعاله، فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشئها حسب ما علم، وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد، فالمعنى أنه آمر بها وناه عنها (٢).الثالثة: زعم أن لا عرض في الدنيا إلا الحركة، وأن السكون حركة اعتماد، والعلوم والإرادات من جملة الحركات؛ لأنها حركات النفس، وكان يقول: إن الإنسان لا يقدر إلا على الأعراض، وبما أنه قال: لا عرض في الدنيا إلا الحركة، لذا فإنه ينتج عن ذلك أن أفعال الإنسان، وسائر الحيوان جنس واحد، وأنها كلها حركات (٣).الرابعة: قال: إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت، ووافق هشام بن الحكم، في قوله: إن الألوان والطعوم والروائح أجسام، فتارة يقضي بكون الأجسام أعراضا، وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير (٤).الخامسة: قوله في الإجماع: إنه ليس بحجة في الشرع، وكذلك القياس في الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة، وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم (٥).السادسة: قوله في إعجاز القرآن: إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا، حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما (٦).السابعة: قوله في الكمون: وهو أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادنا ونباتا، وحيوانا وإنسانا، ولم يتقدم خلق آدم ﵇ على خلق أولاده، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر، إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها، وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة، وأكثر ميله إلى تقرير مذهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين (٧).الثامنة: حكى الكعبي (٨) عنه أنه قال: إن كل ما جاوز الحديث القدرة من الفعل، فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا، وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه طبعا (٩).التاسعة: الإنسان في الحقيقة ليس البدن، وإنما هو الروح أو النفس، والبدن آلتها، ومال إلى قوة الفلاسفة الطبيعيين، وهو أن الروح جسم لطيف مشابك للبدن، مداخل للقالب بأجزائه، مداخلة المائية في الورد، وقال: إن الروح هي التي لها قوة واستطاعة وحياة ومشيئة (١٠).

стр. 1383

وهي الحاسة المدركة، ولذلك كان يقول: إن النفس هي التي تدرك المحسوسات من هذه الخروق التي هي الأذن والأنف والفم والعين لا أن للإنسان سمعا أو بصرا هو غيره (١).العاشرة: قوله في الفكر قبل ورود السمع أنه إذا كان عاقلا متمكنا من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال، وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله، وقال: لابد من خاطرين: أحدهما: يأمر بالإقدام، والآخر: بالكف ليصح الاختيار (٢).الحادية عشر: وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ، وقال بأن الجزء يمكن تجزئته إلى ما لا نهاية، فلا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وفي قوله هذا إنكار أن يكون تعالى محيطا بآخر العالم عالما به (٣)؛ وذلك في قوله تعالى وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨].الثانية عشر: قوله بالطفرة: إن قول النظام بنفي الجزء الذي لا يتجزأ جره إلى القول بالطفرة، وهي دعواه أن الجسم قد يكون في المكان الأول ثم يصير منه إلى المكان العاشر من غير المرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصير معدوما في الأول، ومعادا في العاشر (٤).ويرى ابن حزم أن هذا القول لا ينطبق إلا على حاسة البصر، فإذا أطبق الإنسان بصره ثم فتح لاقى المرئيات من غير أن يمر بالمسافة التي بين العين وبين المبصر (٥). وابن حزم معذور في هذا، لأنه يجهل ما اكتشفه العلم الحديث من أن النور يقطع المسافة في زمن، وأن سرعته عظيمة بحيث إذا أطبق الإنسان بصره ثم فتحه لاقى الأجرام السماوية في مدة قصيرة، فينخدع الرائي ويظن أن البصر لم يقطع بمسافة، ولم يمض زمن (٦).الثالثة عشر: تكلم في مسائل الوعد والوعيد، فزعم أن من خان في مائة وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم (٧).وقد اعترض البغدادي على هذا القول، فقال: إن كان النظام بنى قوله هذا على ما تقطع به اليد في السرقة، فإنه لم يجعل أحد نصاب القطع في السرقة مائتي درهم، بل قال قوم في نصاب القطع أنه ربع دينار أو قيمته، وبه قال الشافعي وأصحابه، وقال مالك: بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال أبو حنيفة: بوجوب القطع في عشرة دراهم فصاعدا، واعتبره قوم بأربعين درهما أو قيمتها. . وما اعتبر أحد نصاب القطع مائتي درهم، ولو كان التفسيق معتبرا بنصاب القطع لما فسق الغاصب لألوف الدنانير؛ لأنه لا قطع على الغاصب المجاهر، ولوجب أن لا يفسق من سرق الألوف من غير حرز أو من الإبل، لأنه لا قطع في هذين الوجهين، وإن كان إنما بنى تحديد المائتين في الفسق على أنها نصاب الزكاة، لزمه تفسيق من سرق أربعين شاة لوجوب الزكاة فيها، وإن كانت قيمتها دون المائتي درهم، وإذا لم يكن للقياس في تحديده مجال ولم يدل عليه نص من القرآن والسنة الصحيحة لم يكن مأخوذا إلا من وسوسة شيطانه الذي دعاه إلى ضلالته (٨).

стр. 1384

الرابعة عشر: ميله إلى الرفض ووقيعته في كبار الصحابة، قال: لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا، وقد نص النبي على علي – ﵁ – إلا أن عمر كتم ذلك، وتولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية حين سأل الرسول ﷺ ، فقال: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟. . وقال: إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وأنه كان يصيح: أحرقوا دارها، ولم يكن في الدار إلا علي والحسن والحسين. وعاب عليه أيضا تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة وأمره بالتراويح ونهيه عن متعة الحج. ثم أوقع في عثمان – ﵁ – وذكر أحداثه من رده الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد الرسول ﷺ ونفيه أبا ذر إلى الربذة، وهو صديق الرسول ﷺ ، وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة، وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف، وعلى القول الذي شاقه فيه. ثم عاب عليا وابن مسعود لقولهما في بعض المسائل. أقول فيها برأيي: وكذب ابن مسعود في روايته "انشقاق القمر". . وفي روايته"الجن ليلة الجن" إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في كبار الصحابة (١) – ﵃ – الذين قال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨]. ومن غضب على من ﵃ فهو المغضوب عليه دونهم. الخامسة عشر: قوله في باب المعاد، قال: إن العقارب والحيات والخنافس والذباب والجعلان والكلاب والخنازير وسائر السباع والحشرات تحشر إلى الجنة، وزعم أن كل من تفضل الله عليه بالجنة لا يكون لبعضهم على بعض درجة في التفضيل. . وزعم أنه لا يتفضل على الأنبياء ﵈ إلا بمثل ما يتفضل به على البهائم؛ لأن باب التفضيل عنده لا يختلف فيه العالمون وغيرهم، وإنما يختلفون في الثواب والجزاء لاختلاف مراتبهم في الأعمال (٢).السادسة عشر: قوله في المتضادات والمستحيل: يرى النظام في قهر المتضادات على الاجتماع دليل على وجود الخالق ؛ قال: وجدت الحر مضادا للبرد، ووجدت أن الضدين لا يجتمعان من ذات أنفسهما، فعلمت بوجودي لهما مجتمعين أن لهما جامعا جمعهما، وقاهرا قهرهما على خلاف شأنهما، وما جرى عليه القهر ضعيف، وضعفه دليل على حدوثه، وعلى أن له محدثا أحدثه لا يشبهه، وليس الإنسان هو الذي جمعهما؛ لأنه ضعف مثلهما يجري عليه القهر الذي يجري عليهما، فيكون الذي أوجدهما وقهرهما على الاجتماع، وأوجد الإنسان هو الله تعالى الذي لا يشبهه شيء (٣).ويروى أنه كان يحيل أن يكون الله قادرا على فعل المستحيل، كأن يجعل المبرد مسخنا أو العكس، لأن الجوهر محال أن يعمل ما ليس في طباعه، ولكن الخياط ينكر أن يكون النظام قال ذلك (٤).السابعة عشر: الجسم والعرض: الجسم: هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه (٥). وكل شيء في هذا العالم سوى الحركة فإنه جسم؛ لأنه لا يثبت عرضا إلا الحركة (٦).

стр. 1385

وللأعراض صفات منها ما يلي: ١ - الأعراض فانية، لأنه لا بقاء للأجسام (١).٢ - الأعراض لا ترى بالعين، لأن الإنسان محال أن يرى منها إلا الألوان والألوان عند النظام أجسام لطاف (٢). كذلك محال أن تدرك الأعراض بالحواس الباقية؛ لأنها حركات، والحركات ليست أجساما، ولا يدرك بالحواس إلا الأجسام (٣).٣ - سميت الأعراض أعراضا، لأنها تعترض في الأجسام وتقوم فيها، وأنكر أن يكون العرض لا في مكان أو أن يحدث عرض لا في جسم (٤).٤ - الأعراض لا تتضاد، وإنما التضاد يكون بين الأجسام كالحرارة والبرودة (٥).٥ - الأعراض جنس واحد؛ لأنها جميعا حركات (٦).٦ - يجوز أن يقدر الله عباده على فعل الأعراض، فأما الألوان والحرارة والبرودة والأصوات، فإنه أحال أن يقدر عباده عليها، لأنها أجسام عنده، وليس بجائز أن يقدر الله الخلق إلا على الحركات (٧). الفرقة الخامسة: الثمامية: أتباع أبي معن ثمامة بن أشرس النميري، وكان من مواليهم لا من نسبهم، وهو زعيم القدرية في أيام المأمون والمعتصم والواثق، توفي سنة (٢١٣هـ)، وذكره ابن المرتضي في أوائل من ذكر من رجال الطبقة السابعة. يقول الأسفراييني: إن هذا المبتدع يظهر البدعة ويخفي الإلحاد (٨). وقد انفرد عن أصحابه بأمور، منها: الأولى: بالغ في الوعيد، فجعل من مات من المسلمين مصرا على كبيرة واحدة مخلدا في النار مع فرعون وأبي لهب، وكان المعتزلة قبله يرون أنه يخفف عنه العذاب (٩). الثانية: لا فعل للإنسان إلا الإرادة، وما عداها فهو حدث لا محدث له، وحكي عنه أنه قال: العالم فعل الله تعالى بطبعه، أي أن الكون نتيجة قوة طبيعة كامنة في الله ، وليس نتيجة مشيئته واختياره. ويرى الشهرستاني: أن ثمامة أراد بذلك ما أرادته الفلاسفة الطبيعيون من الإيجاد بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة (١٠).الثالثة: أن من لم يعرف الله ضرورة ليس عليه أمر ولا نهي، وأن الله خلقه للسخرة والاعتبار، لا التكليف كما خلق البهائم لذلك، ثم ركب على هذا فقال: عوام الدهرية والزنادقة في الآخرة لا يكونون في جنة ولا نار، بل إن الله يجعلهم ترابا (١١).الرابعة: قوله: إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها. وهذا يؤدي إلى القول بنفي الصانع، إذ لو جاز أن يكون فعل بلا فاعل لجاز أن يكون كل فعل بلا فاعل كما لو جاز أن تكون كتابة بلا كاتب جاز أن تكون كل كتابة بلا كاتب (١٢).الخامسة: قوله: إن دار الإسلام دار شرك، ويحرم السبي لأن المسبي – عنده – ما عصى ربه إذ لم يعرفه، وإنما العاصي – عنده – من عرف ربه بالضرورة ثم جحده أو عصاه (١٣). الفرقة السادسة:

стр. 1386

المعمرية: أتباع معمر بن عباد السلمي، كان رأسا من رؤوس الضلال، ومن أعظم القدرية فرية في تدقيق القول بنفي الصفات، ونفي القدر خيره وشره عن الله تعالى، وهو من طبقة أبي الهذيل، توفي سنة (٢٢٠هـ)، وانفرد عن أصحابه بمسائل، منها: الأولى: قوله: إن الله لم يخلق شيئا من الأعراض، وإنما خلق الأجسام فقط، والأعراض من خلق الأجسام، إما طباعا كالنار التي تحدث الإحراق، والشمس التي تحدث الحرارة، وإما اختيارا كالحيوان الذي يحدث الحركة والسكون، وقوله هذا يخالف قوله : قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦] (١).الثانية: إنكاره أن يقال: إن الله تعالى قديم، لأنه يشعر بالتقادم الزمني، ووجود الباري ليس بزماني (٢).الثالثة: قوله: إن الإنسان ليس الصورة التي نشاهدها، وإنما هو شيء في هذه الصورة يتصف بالعلم والحياة والقدرة والإرادة، ثم لا متحرك ولا ساكن، ولا يحل موضعا دون موضع، ولا يحصره زمان، ومع ذلك فهو المدبر للجسد، وإذا فعلاقته بالجسد علاقة تدبير وتصريف، وليست علاقة حلول وتمكن (٣).ويلزم على هذا القول أن لا يكون إنسان رأى إنسانا قط، وهذا لا يقوله عاقل (٤).الرابعة: قوله في المعجزات: إنها ليست من فعل الله، لأنها أعراض، والله سبحانه على رأيه لا يخلق الأعراض، وإنما تخلقها الأجسام. ويرى البغدادي: أن في قول معمر هذا إبطال للشريعة، لأنه يؤدي إلى القول بأن القرآن ليس من عند الله (٥). الفرقة السابعة: البشرية: أتباع بشر بن المعتمر الهلالي من أهل بغداد، وقيل: من أهل الكوفة. ولعله كان كوفيا ثم انتقل إلى بغداد، وهو رئيس معتزلة بغداد ومن تلامذة ثمامة بن الأشرس، توفي في حدود سنة (٢١٠هـ) (٦). من أقواله التي انفرد بها عن أصحابه، ما يلي: الأولى: إفراطه في باب التولد حتى قال: إن الإنسان يخلق اللون والرائحة والسمع والبصر، وجميع الإدراكات على سبيل التولد، وكذلك يخلق الحرارة والبرودة، وهو في هذا القول مخالف لإجماع المسلمين، لأن أهل السنة لا يقولون بالتولد أصلا، والمعتزلة الذين يقولون بالتولد، لا يفرطون فيه، بل يقصرون التولد على الحركات والاعتمادات (٧).الثانية: أن حركة الجسم توجد في المكان الأول، لا في مكان ثان، ولا واسطة بينهما، وإذا لم يكن بين المكانين واسطة لم يكن هذا الكلام الذي يقوله معقولا، ولم يكن له حقيقة بحال (٨).الثالثة: قال: من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى، وقوله هذا مخالف لإجماع المسلمين، لأن المعتزلة، وإن قالوا: أن الفاسق يخلد في النار، فإنهم لا يقولون: إنه يعاقب في النار على ما تاب منه من الذنوب (٩).الرابعة: قوله: إن الله قادر على لطف لو فعله في الكافر، لآمن طوعا، وهذا القول تكفره فيه القدرية، لكن الأمر بالعكس، فإنه مصيب في هذا القول، وهم الكفرة دونه (١٠).

стр. 1387

الفرقة الثامنة: الهشامية: أتباع هشام بن عمرو الشيباني الفوطي، توفي سنة (٢٢٦هـ)، ذكره ابن المرتضي في آخر من ذكر من الطبقة السادسة (١). كان مبالغا في القدر أشد من مبالغة أصحابه، وكان يمتنع من إضافة أفعال إلى الباري مثل: نفي إضافة الختم على قلوب الكفار إلى الله، وقد قال تعالى: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ [البقرة: ٧] (٢). من أقواله التي اشتهر بها: الأولى: قوله: إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، والله يقول: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:٦٣] (٣). الثانية: قوله: إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين، ولا يزينه في قلوبهم، والله سبحانه يقول: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:٧] (٤).الثالثة: الموافاة: من كان مؤمنا إلا أنه في علم الله يموت كافرا، فهو الآن عند الله كافر، وكذلك العكس، فمن كان كافرا إلا أنه في علم الله يموت مؤمنا فهو الآن مؤمن (٥).الرابعة: قوله: أن الأعراض لا تدل على كون الباري خالقا، ولا تصلح دلالات بل الأجسام هي التي تدل على كونه خالقا (٦).الخامسة: قوله: إن الإمامة لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس، وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة، وقصد بهذا: الطعن في إمامة علي – ﵁ – إذ كانت بيعته في أيام الفتنة من غير اتفاق جميع الصحابة، إذ بقي في كل طرف طائفة على خلافه (٧).السادسة: قوله: إن الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما جميعا خاليتان مما ينتفع أو يتضرر به، ويكفر من قال: إنهما مخلوقتان الآن، وقوله هذا زيادة على مذهب المعتزلة في الجنة والنار، إذ أنهم لا يكفرون من قال بذلك، بل يقتصرون على القول الأول فقط (٨). ومن أصحابه: عباد بن سليمان الضمري، وقد وافقه على ضلالاته، وزاد فقال: أنه لا يقال: إن الله خلق الكافر، لأن الكافر اسم لشيئين: الإنسان وكفره، وهو غير خالق لكفره، ويلزمه على هذا القياس أن لا يقال: إن أحدا قتل كافرا لأن الكافر اسم للإنسان وكفره، والكفر لا يكون مقتولا. وخالف بعض النصوص القرآنية كقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ. . الآية [المجادلة: ٧]، فأنكر أن يقال: إن الله رابع كل ثلاثة، أو سادس كل خمسة (٩).الفرقة التاسعة: المردارية: أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى والملقب بالمردار، أخذ الاعتزال عن بشر بن المعتمر، توفي في حدود سنة (٢٢٦هـ)، ويسمى راهب المعتزلة، وهو تلميذ الجعفرين، ومن معتزلة بغداد (١٠).

стр. 1388

وقد انفرد عن أصحابه بمسائل، منها ما يلي: الأولى: قوله في القدر: إن الله قادر على أن يكذب ويظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما – تعالى الله عن قوله علوا كبيرا– (١).الثانية: قوله في التولد: مثل قول أستاذه بشر بن المعتمر، وزاد عليه بأن جوَّز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد (٢).الثالثة: قوله في القرآن: إن الناس على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة، وبالغ في القول بخلق القرآن فكفر من قال بقدمه بحجة أنه أثبت قديمين، وكفر أيضا من لابس السلطان، وزعم أنه لا يرث ولا يورث، وكفر أيضا من قال: إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، ومن قال أنه يرى بالأبصار (٣).الرابعة: قال في عثمان وقاتليه: إنهم جميعا في النار، لأن عثمان كان قد فسق، وكذلك قاتلوه؛ لأن فسقه لا يستوجب قتله، فاستحقوا جميعا بفسقهم الخلود في النار (٤) ... وقد كفر أكثر شيوخه كأبي الهذيل، والنظام وبشر بن المعتمر، وقالوا هم بتكفيره، وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه (٥). الفرقة العاشرة: الجعفرية: أتباع جعفر بن مبشر الثقفي المتوفى سنة (٢٣٤هـ)، وجعفر بن حرب الهمذاني المتوفى سنة (٢٣٦هـ)، وكلاهما من معتزلة بغداد (٦). أتيا بمسائل، منها ما يلي: الأولى: قالا: إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، فلا يجوز أن ينتقل منه؛ لأنه يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في آن واحد، وعلى ذلك، فإن الناس لم يسمعوا القرآن على الحقيقة، والقرآن الذي في المصاحف ليس بكلام الله إلا على المجاز، أي هو: عبارة عن حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ (٧).الثانية: قال جعفر بن مبشر: إن فساق هذه الأمة هم شر من اليهود والمجوس والزنادقة؛ مع أنه يرى أن الفاسق موحد، وليس بمؤمن ولا كافر، فجعل الموحد شرا من الكافر الثانوي (٨).الثالثة: كان لجعفر بن مبشر تطرف في بعض المسائل الفقهية، فمثلا: قال: من سرق حبة واحدة وهو ذاكر لتحريمها فهو منسلخ من الإيمان والإسلام مخلد في النار، فخالف بذلك أسلافه الذين قالوا بغفران الصغائر عند اجتناب الكبائر (٩). وزعم أيضا: أن تأييد المذنبين في النار من موجبات العقل، فخالف بذلك أسلافه الذين قالوا: إن ذلك معلوم بالشرع دون العقل (١٠). الفرقة الحادية عشرة: الأسوارية: أتباع علي الأسواري، توفي سنة (٢٤٠هـ)، وكان من أتباع النظام، موافقا له في جميع ضلالاته، وزاد عليه بقوله: إن ما علم الله أنه لا يكون لم يكن مقدورا له تعالى، وهذا القول منه يوجب أن تكون قدرته تعالى متناهية، ومن كانت قدرته متناهية كانت ذاته متناهية، والقول به كفر، فما يؤدي إليه مثله (١١). الفرقة الثانية عشر: الإسكافية: أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي، ذكره ابن المرتضي في رجال الطبقة السابعة، تتلمذ على جعفر بن حرب، وتوفي سنة (٢٤٠هـ) (١٢).

стр. 1389

أتى بمسائل انفرد بها، منها ما يلي: الأولى: في الجسم. قال: معنى الجسم أنه مؤتلف، وأقل الأجسام جزآن، والجزء الواحد يحتمل جميع الأعراض إلا التركيب (١).الثانية: في الصفات. قال: لا يجوز أن نقول أن الله يتكلم مع العباد، بل نسميه تعالى (مكلما) لأن المتكلم يقتضي قيام الكلام به، كما أن المتحرك يقتضي قيام الحركة به؛ أما إذا قلنا: مكلما، فلا يقتضي ذلك (٢).الثالثة: قال: إن الله تعالى قادر على ظلم الأطفال والمجانين، وليس بقادر على ظلم العقلاء البالغين (٣). الفرقة الثالثة عشر: الخابطية والحدثية: أتباع أحمد بن خابط، توفي سنة (٢٣٢هـ)، وفضل الحدثي المتوفى سنة (٢٥٧هـ)، وهما فرقة واحدة، تطرفت في أقوالها؛ لذلك اعتبرها البغدادي من فرق الغلاة، ففصلها عن سائر فرق المعتزلة (٤). واعتبرها من الفرق المنتسبة إلى الإسلام وليست منه (٥).يقول الخياط: إن هذه الفرقة كانت من جملة فرق المعتزلة، ولكنها حينما تطرفت في أقوالها نفاها المعتزلة وتبرأوا من رئيسها (٦). وقد سماها بعض الكتاب المعاصرين كزهدي جار الله الحائطية، ولعل الصحيح ما ذكرناه، وهو أنها الخابطية (٧).ويقول الشهرستاني: أن ابن خابط والحدثي كانا من أصحاب النظام، وطالعا كتب الفلسفة أيضا، وضما إلى مذهب النظام مسائل (٨)، منها ما يلي: الأولى: زعما أن للخلق ربين وخالقين: الأول: قديم وهو الله؛ والآخر: حديث. وهو المسيح ﵇؛ وبذلك فقد أثبتا حكما من أحكام الإلهية في المسيح موافقة للنصارى على اعتقادهم أنه هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة. . وقالا أيضا: إن المسيح تدرع جسدا، ونزل إلى الدنيا، وكان قبل التدرع عقلا. والشهرستاني – كما بينا – يرى: أنهما قالا هذا القول موافقة للنصارى؛ أما البغدادي فيرى: أنهما قالاه موافقة للثنوية في إثبات خالقين (٩). الثانية: القول بالتناسخ: زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، وخلق فيهم معرفته، والعلم به، وأسبغ عليهم نعمه، ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا، وابتدأهم بتكليف شكره، فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به وعصاه بعضهم في جميع ذلك، وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض، فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها، ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض دون البعض أخرجه إلى دار الدنيا، ويسميها دار الابتلاء، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة وابتلاه بالبأساء والضراء والشدة والرخاء والآلام واللذات على صور مختلفة من صور الإنسان والحيوان على قدر ذنوبهم، فمن كانت طاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل، ومن كانت ذنوبه أكثر، كانت صورته أقبح وآلامه أكثر، ثم لا يزال يموت ويرجع ما دامت معه ذنوبه وطاعاته حتى يمتلئ المكيالان، مكيال الخير، ومكيال الشر، فإذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا، فينقل إلى الجنة، وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية، والعاصي شريرا، فينقل إلى النار، ولأجل ذلك زعم أن جميع أنواع الحيوان أمم وأن لها رسل، لأنها ممسوخة عن الإنسان العاصي في دار النعيم التي خلق فيها.

стр. 1390

الفرقة الرابعة عشر: المويسية: أتباع مويس المتوفى سنة (٢٤٦هـ)، يكاد لا يرد عن هذه الفرقة في كتب العقائد شيء، ولم تشر كتب التاريخ إلى رئيسها، لذا أكتفي بذكر اسمها (١). الفرقة الخامسة عشر: الصالحية: أتباع صالح قبة، المتوفى سنة (٢٤٦هـ) (٢)، يقول أبو الحسن الأشعري (٣): إن صالح قبة كان ممن يثبتون الجزء الذي لا يتجزأ، وأنه جوز أن يحل الجزء وهو منفرد جميع الأعراض، إلا التركيب (٤). كذلك يرى أن الرؤيا حق، وأن ما يراه النائم في نومه صحيح، كما أن ما يراه اليقظان في يقظته صحيح (٥).ويقول أيضا: أن ما يراه الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله تعالى في المرآة (٦).

стр. 1391

الفرقة السادسة عشر: الجاحظية: أصحاب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم، وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته البليغة، وله منزلة سامية عند أهل الأدب على زيغه، يثق ابن حزم بنقله، ويقول عنه أبو الحسين الملطي أنه كان صاحب تصانيف، ولم يكن صاحب جدل، أخذ عن ثمامة بن الأشرس وعن أبي إسحاق النظام، وتوفي سنة (٢٥٠هـ، وقيل سنة ٢٥٥هـ، وقيل سنة ٢٥٦هـ)، وله من العمر ما يقارب تسعين سنة (١). وقد اشتهر بمسائل، منها ما يلي: الأولى: قال: الجوهر يستحيل أن ينعدم أو يفنى، لذلك فالأجسام المؤلفة من الجواهر يستحيل أيضا أن تنعدم أو تفنى، ولا يقدر الله على إفنائها، ولكنه يقدر على تفريق أجزائها، وإعادة تركيبها فقط، فالأجسام إذا ثابتة لا تفنى، وإنما يمكن أن تتغير من حال إلى حال. وهو بقوله هذا: متأثر بالفلاسفة اليونانيين الطبيعيين الذين يذهبون إلى القول بقدم العالم واستحالة فناء المادة، ويرون أن الخلق عبارة عن تجمع أجزاء المادة في أجسام منتظمة، وأن الفناء هو تفرق أجزاء تلك الأجسام (٢).الثانية: أثبتت الطبائع للأجسام، وأوجب لها أفعالا مخصوصة، فقال: إن العباد ليس لهم فعل إلا الإرادة، أما سائر الأفعال، فتقع طباعا لا اختيارا. وبسبب إثباته الطبائع للأجسام قال: إن الله لا يدخل النار أحدا، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها بطبيعتها، ثم تمسكهم فيها خالدين. وقد اعترض الأسفراييني على هذا فقال: وأما قوله: إن العبد لا يفعل إلا الإرادة فيوجب أن لا يكون العبد فعل صلاة ولا حجا، وأن لا يكون فعل شيئا من موجبات الحدود كالزنا والسرقة، ثم قال: وأما قوله: إن الله لا يدخل أحدا النار، وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها، قال: إنه يلزمه على هذا القول أن يقول في الجنة أنها تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها، وأن الله لا يدخل أحدا الجنة، فإن قال بذلك قطع الرغبة إلى الله في الثواب، وأبطل فائدة الدعاء، وإن قال: إن الله تعالى هو يدخل أهل الجنة الجنة لزمه القول بأن الله يدخل في النار أهلها (٣).الثالثة: قوله في عصمة الأنبياء: لما كان الجاحظ يرى أن المعارف ضرورية فلا يعصي الله أحد إلا بعد العلم بما نهاه عنه؛ فقد قال: إن الأنبياء اعتمدوا المعاصي مع العلم بأن الله قد نهى عنها، ومعنى ذلك؛ أنه نفى العصمة عن الأنبياء فخالف أكثر المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يجوز على الأنبياء أن يفعلوا قصدا ما علموا أنه ذنب (٤).الرابعة: حكي عنه أنه قال في القرآن الكريم أنه جسم يجوز أن ينقلب مرة رجلا ومرة حيوانا (٥).يقول زهدي جار الله: إنه لا يعقل أن يقول الجاحظ هذا القول؛ بل الأرجح أن يكون ابن الراوندي (٦) نسبه إليه للحط من قدره، وإن كان قاله فعلا فإنه إما أن يدل على الدرجة البعيدة في السخف التي وصلت إليها المحاجات الفلسفية في زمنه، وإما أن يكون الجاحظ – كما قال ماكدونالد قصد بهذا القول التهكم على المجادلين في وقته (٧).

стр. 1392

الفرقة السابعة عشر: الشحامية: أتباع أبي يعقوب يوسف بن عبد الله بن إسحاق الشحام من صغار أصحاب أبي الهذيل، وهو أستاذ الجبائي، ورئيس معتزلة البصرة في عصره، توفي سنة (٢٦٧هـ)، وقد جوز هو والعلاف مقدورا بين قادرين، ويكون كل واحد منهما منفردا بخلقه، فخالف بذلك أهل السنة وأهل القدر (١). الفرقة الثامنة عشر: الخياطية: أتباع أبي الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط من أصحاب جعفر بن مبشر، توفي حوالي سنة (٢٩٠هـ)، وهو أستاذ الكعبي في ضلالاته، وشارك أكثر القدرية في ضلالاتها، وانفرد عنها بقول لم يسبق إليه في المعدوم مخالفا فيه جميع المعتزلة وسائر فرق الأمة، فزعم أن الجسم في حال عدمه يكون جسما؛ لأنه يجوز أن يكون في حال حدوثه جسما ولم يجز أن يكون المعدوم متحركا؛ لأن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون متحركا عنده، فقال: كل وصف يجوز ثبوته في حال الحدوث فهو ثابت له في حال عدمه. ويلزمه على هذا الاعتلال أن يكون الإنسان قبل حدوثه إنسانا، لأن الله تعالى لو أحدثه على صورة الإنسان بكمالها من غير نقل له في الأصلاب والأرحام ومن غير تغيير له من صورة إلى صورة أخرى يصح ذلك. وقد لقبت هذه الفرقة بالمعدومية لإفراطهم في وصفهم المعدوم بأكثر أوصاف الموجودات، وقد نقض الجبائي على الخياط قوله: بأن الجسم جسم قبل حدوثه في كتاب مفرد. وذكر أن قوله بذلك يؤدي إلى القول بقدم الأجسام. كذلك كان الخياط ينكر الحجة في أخبار الآحاد. يقول البغدادي: وما أراد بقوله هذا إلا إنكار أكثر الأحكام الشرعية؛ وذلك لأن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار الآحاد (٢). الفرقة التاسعة عشر: الجبائية: أتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي نسبة إلى جبي، وهي بلد من أعمال خورستان في طرف من البصرة والأهواز، وهو شيخ المعتزلة في البصرة، تلقى الاعتزال عن أبي يعقوب الشحام، وكان مع حداثة سنه معروفا بقوة الجدل، توفي سنة (٣٠٣هـ) (٣).

стр. 1393

انفرد بأقوال، منها ما يلي: الأول: قال: إن حقيقة الطاعة هي موافقة الإرادة، وقد قيل له إن قولك هذا يوجب أن يكون الله مطيعا لعبده إذا أعطاه مراده، فقال: نعم. يكون مطيعا له، فخالف بذلك الإجماع؛ لأن المسلمين قبله أجمعوا على أن من قال: إن الباري مطيع لعبده كان موصوفا بالكفر. وأيضا: لو جاز أن يقال: أنه لعبده مطيع لجاز أن يكون له خاضعا وهذا غير جائز، فدل على بطلان هذا القول (١).الثاني: قال في الصفات: إن الله لم يزل سميعا بصيرا، ويمتنع من أن يقال: لم يزل سامعا مبصرا، فالله عنده في الأزل سميعا، ولم يكن سامعا إلا عند وجود المسموع، ولم يكن مبصرا إلا عند وجود المرئي؛ وذلك لأن سامعا ومبصرا متعديان بخلاف سميعا وبصيرا، فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمرئيات لم تزل موجودات لم يجز أن يكون سامعا ومبصرا (٢). وقال في أسماء الله تعالى: إنها يجوز أن تؤخذ قياسا، ويجوز أن يشتق من أفعاله اسم لم يرد به السمع، ولم يأذن به الشرع (٣).الثالث: قوله: إن العرض الواحد يجوز أن يكون في محال كثيرة، ويعلل ذلك بقوله: إن الكلام يكتب في محل، فيكون عرضا موجودا فيه، ثم يكتب في محل ثاني فيصير أيضا موجودا فيه من غير أن ينتقل من المحل الأول أو يعدم فيه (٤).الرابع: قوله: إن الله ليس بقادر أن يفني شيئا من أجسام العالم بانفراده، ولكنه إن شاء أفنى العالم بفناء يخلقه لا في محل، فيفنى به جميع العالم (٥).الخامس: اعتقاده استحالة بعث الأجسام بعد تفرقها بالموت، ولذلك فإنه يتأول الآيتين الكريمتين، وهما قوله تعالى: يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى. . الآية [البقرة: ٧٣] وقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج: ٧]. على معنى أن الله يحيي أرواح الموتى، ويبعث أرواح من في القبور (٦). الفرقة العشرون: الكعبية: أتباع عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي تلميذ الخياط وأحد المعتزلة البغداديين، توفي سنة (٣١٩هـ)، أخذ من كل علم بطرف (٧). وقد خالف قدرية البصرة في أشياء منها: أولا: قوله: إن الله تعالى لا يرى نفسه، ولا يراه غيره (٨).ثانيا: قوله: إن الله لا يسمع ولا يبصر، وكان يزعم أن معنى وصفه بالسميع والبصير بمعنى أنه عالم بالمسموع والمرئي (٩).ثالثا: نفي الإرادة عن الله ، وقال: إن الله سبحانه إذا أراد شيئا من فعله فالمقصود أنه فعله، وإذا قيل: أنه أراد من عنده فعلا أنه أمر به، وقال: إن وصفه بالإرادة على الوجهين مجاز (١٠). كما أن وصف الجدار بالإرادة مجاز في قوله تعالى: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف: ٧٧].رابعا: أنه كان يقول بإيجاب الأصلح للعبد على الله تعالى، والإيجاب على الله تعالى محال لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئا (١١).خامسا: زعم أن المقتول ليس بميت، فخالف قوله : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ٥٧] (١٢).سادسا: قال: إن الاستطاعة ليست غير الصحة والسلامة (١٣).

стр. 1394

الفرقة الواحدة والعشرون: البهشمية: هم أتباع أبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي رئيس معتزلة البصرة بعد أبيه قدم ابن المرتضي ذكره على جميع رجال الطبقة التاسعة لزعمه أنه متقدم عليهم في العلم، وقد خالف أباه في جملة من المسائل، وتوفي في بغداد في شهر شعبان من سنة (٣٢١هـ) (١). من أقواله التي اشتهر بها ما يلي: الأول: قوله في التوبة: لقد ذكر عدة حالات لا تصح فيها التوبة، منها: التوبة عن الذنب عند العجز عن مثله، فإنها لا تصح، فمثلا: لا تقبل توبة الكاذب بعد خرس لسانه عن الكذب. ومنها التوبة عن الذنب مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه الإنسان أو يعتقده قبيحا، وإن كان في الحديث ذاته حسنا، ويعلل قوله هذا، بقوله: إنما وجب عليه ترك القبيح لقبحه، فإذا أصر على قبح آخر لم يكن تاركا للقبيح المتروك من أجل قبحه (٢). الثاني: قوله في الإرادة المشروطة، وهو أنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه آخر، بل يجب أن يكون مرادا من جميع الوجوه، فلا يكره من وجه من وجوهه. ويرى البغدادي أن في هذا القول هدما لأصول المعتزلة في الحسن والقبح؛ لأنه يلزمه أن يكون من القبائح ما لا يكرهه الله، فمثلا: يريد تعالى السجود له عبادة، فعلى هذا الأصل لا يجوز أن يكره السجود للصنم عبادة (٣).الثالث: قوله بنفي جملة من الأعراض التي أثبتها أكثر مثبتي الأعراض كالبقاء والإدراك والألم والشك، وقد زعم أن الألم الذي يلحق الإنسان عند المصيبة ليس بمعنى أكثر من إدراك ما ينفر عنه الطبع، والإدراك ليس بمعنى عنده، وكذلك اللذات عنده ليست بمعنى، ولا هي أكثر من إدراك المشتهى، والإدراك ليس بمعنى. وقال في الألم الذي يحدث عند الوباء أنه معنى كالألم الذي يحدث عن الضرب، لأنه واقع تحت الحس (٤).الرابع: الثواب والعقاب: قال أبو هاشم باستحقاق الشكر والذم على فعل الغير، فلو أن زيدا أمر عمرا بفعل طاعة استحق زيد شكرين: شكر على الأمر الذي هو فعله، وشكر على فعل الطاعة التي هي فعل عمرو فخالف الأمة بذلك، وكذلك لو أمره بمعصية؛ استحق ذميين على الأمر وعلى فعل عمرو (٥).وكذلك قال: باستحقاق الذم والعقاب لا على فعل، فالإنسان القادر المكلف إذا مات ولم يرتكب معصية، ولكنه لم يفعل بقدرته طاعة لله تعالى استحق الذم والعقاب الدائم لا على فعل، بل من أجل أنه لم يفعل ما أمر به مع قدرته عليه، وارتفاع الموانع عنه؛ ولذلك اعتبر من لم يفعل ما أمر به عاصيا، وإن لم يفعل معصية، ولم يعد طائعا إلا من فعل طاعة فحتى يكون الإنسان مطيعا فيتخلص من العقاب، ويستحق الثواب يجب عليه ليس أن يمتنع عن فعل ما نهي عنه فحسب، بل أن يفعل أيضا ما أمر به (٦). الفرقة الثانية والعشرون: الحمارية: هم قوم من معتزلة عسكر مكرم اختاروا من بدع أصناف القدرية ضلالات مخصوصة، ولم يذكر لهم رئيس بعينه، فأخذوا من ابن خابط قوله بتناسخ الأرواح في الأجساد والقوالب، وأخذوا عن الجعد بن درهم قوله: بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلا لا فاعل لها، وقالوا أيضا: أن الخمر ليست من فعل الله وإنما من فعل الخمار، لأن الله لا يفعل ما يكون سببه المعصية. وزعموا أن الإنسان قد يخلق بعض الحيوانات كالديدان من اللحم إذا وضعه في الشمس (٧). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٥١

стр. 1395

المبحث العاشر: أبرز ملامح الاعتزال ١ - تأثرهم بالفلسفة اليونانية: المعتزلة قوم فتنوا بالفلسفة اليونانية، وبالمنطق اليوناني، وبما نقل عن الفلسفة الهندية والأدب الفارسي، وقد كانوا – كلهم أو جمهورهم – ممن يمتون إلى الأصل الفارسي، فأولوا القرآن، لينسجم مع تلك الفلسفة، وكذبوا الأحاديث التي تتعارض مع هذه العقلية اليونانية الوثنية (١).لقد شاعت الفلسفة اليونانية في القرن الخامس الهجري، شيوعاً كاد أن يهز النفوس، وأصبح أذكياء الأمة، يقبلون على الفلسفة ومباحثها، من غير تمييز للنافع عن الضار ... وأدى هذا الموقف الانهزامي الذي تردى فيه هؤلاء، إلى أنهم حاولوا إخضاع الدين، إلى نظريات الفلسفة وفرضياتها، تحت شعار التوفيق بين الدين والفلسفة، وكان الأحرى بهم أن يخضعوا الفلسفة للدين (٢). وقد بين الشيخ محمد أبو زهرة، الأسباب التي أدت إلى وقوع المعتزلة في أحضان الفلسفة فقال: "وقد دفعهم إلى دراسة الفلسفة أمران: أحدهما: أنهم وجدوا فيها مراناً عقلياً، جعلهم يلحنون بالحجة في قوة. وثانيهما: أن الفلاسفة وغيرهم، لما هجموا بعض المبادئ الإسلامية تصدى هؤلاء للرد عليهم، واستخدموا بعض طرقهم في النظر والجدل، وتعلموا كثيراً منها، ليستطيعوا أن ينالوا الفوز عليهم" (٣).٢ - ينبوع المعرفة عند المعتزلة (٤): يتلخص في تقديم العقل على الأدلة الشرعية، وجعل العقل حاكماً لا محكوماً. وقد اشتمل هذا المنهج العقلي على خطوتين. الأولى: قصدوا بها تطهير الفكر، وضرورة تجرده عن الإلف والعادة ... وفي هذا هدم لنظرية التقليد. الثانية: تحكيم العقل تحكيماً مطلقاً، إذ آمن المعتزلة بالعقل ورفعوا شأنه .. وجعلوه الحكم الذي يحكم في كل شيء والنور الذي يجلو كل ظلمة، حكموه في إيمانهم، وفي جميع شؤونهم العامة والخاصة (٥).لقد حكموا العقل أكثر من تحكيمهم للشرع، بل جعلوا الأدلة العقلية مقدمة على الأدلة الشرعية، فكذبوا ما لا يوافق العقل، من الحديث الشريف – وإن صح – وأولوا ما لا يوافقه من الآيات وإن صحت، بل حاولوا إخضاع عبارات القرآن لآرائهم وتفسيرهم لها تفسيراً يتفق مع مبادئهم (٦).

стр. 1396

فقد كانوا يطرحون المسألة، ثم يعرضونها على العقل – عقل الواحد منهم بالطبع – فيستجمع لها الأدلة كما تتراءى له، لإثباتها على وجه من الوجوه، وحين يصل إلى نتيجة "ما"، يعمد إلى الأدلة السمعية فيؤول منها ما لا يوافق نتيجته، إن كان من آيات الكتاب، أو يرد الحديث بدعوى تناقضه مع العقل، أو أنه مبني على الظن ... وبسبب أنهم كانوا يتحاكمون إلى عقل الواحد منهم، لذلك اختلفت مناهجهم اختلافاً كبيراً، في كافة جزئيات مذهبهم، وتناطحوا وكفر بعضهم بعضاً (١).وقد اتخذوا الجدل والمراء وسيلة للبحث في الدين، ذلك أن منهج علم الكلام أصلاً قد بني على "إن قالوا ... قلنا" وذلك لازم مذهبهم وعليه بنيت أصولهم، ولا شك أن هذا مخالف للشرع المحمدي الذي جاء بحسم أسلوب الجدل والمراء، وأخبر بهلاك الأمم إذا أوتيت الجدل (٢).عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨])) (٣).وقال الإمام الأوزاعي: "إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم العمل" (٤). وقد أدى بهم منهجهم هذا إلى أن شطحوا بعقولهم، ووضعوا الرسل تحت مجهر العقل ناقدين لهم لأنهم بشر. ٣ - التطاول على أصحاب رسول الله: ﵃، بما تقشعر منهم جلود المؤمنين، وذلك لأنهم بشر، وأن أحاديثهم قد تناقض أصول المعتزلة، فهذا عمرو بن عبيد، أحد كبرائهم يقول: "والله لو أن علياً وعثمان وطلحة والزبير، شهدوا عندي على شراك نعل ما أجزته" وقال عن سمرة بن جندب ﵁: "ما تصنع بسمرة قبح الله سمرة" (٥). رضي الله عن صحابة رسول الله الذين حفظوا دينه، ونشروا سنة نبيه، رغم أنف ابن عبيد وأمثاله من أهل البدع. لقد طعن كبراء المعتزلة بالصحابة ﵃، وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، ونسبوا إليهم التناقض. فقد رمى إبراهيم النظام – وهو شيخ المعتزلة المتقدم – أبا بكر ﵁ بالتناقض، وطعن بمثل ذلك في علي بن أبي طالب ﵁ وعبدالله بن مسعود ﵃ أجمعين. وشددوا الحملة على الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ (٦). مما فتح الباب على مصراعيه أمام تشكيك الحاقدين أمثال المستشرقين ومن شايعهم، مما سنذكره في الفصول القادمة: ومن ثم فقد ولغ بعض ضالي المعتزلة في أعراض الصحابة خلال فتنة الجمل وصفين. إذ زعم كل من واصل بن عطاء وعمر بن عبيد: "أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة، ولا تقبل شهادتهم" (٧). رغم اتفاق العلماء على عدالة جميع الصحابة، أما ما شجر بينهم: فإن أهل السنة لا يخوضون فيه، بل يعتقدون أن كلهم مجتهد، مأجور يبتغي ثواب الآخرة. ويلخص أبو منصور البغدادي موقف المعتزلة من الصحابة بقوله: "المعتزلة ما بين شاك بعدالة الصحابة منذ عهد الفتنة، كواصل بن عطاء، وما بين موقن بفسقهم، كعمرو بن عبيد، وما بين طاعن في أعلامهم، متهم لهم بالكذب والجهل والنفاق كالنظام، وذلك يوجب ردهم للأحاديث التي جاءت عن طريق هؤلاء الصحابة، وأن النظام كان ينكر حجية الإجماع والقياس، وقطعية التواتر" (٨).وقد أدى ذلك إلى أن فتح رؤساء المعتزلة ثغرات في مكانة الصحابة، استطاع أن يلج المتعصبون من المستشرقين حمى أولئك الذادة الميامين من صحابة رسول الله، وأن يتجرءوا على رميهم بالكذب والتلاعب في دين الله، مستندين إلى ما افتراه النظام وأمثاله عليهم، وقد تبع المستشرقين في هذا بعض الكتاب المسلمين، كأحمد أمين، ومحمود أبو رية. وقد ارتكبوا إثماً عظيماً وكبيرة لا نظير لها نتيجة هذا الطعن (٩). المصدر: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص ١٤

стр. 1397

المبحث الأول: التوحيد عند المعتزلة هذا هو الأصل الأول من أصول المعتزلة الخمسة, وهو عندهم يدور حول ما يثبت لله وما ينفي عنه من الصفات. ويدل على ذلك تعريفهم له. يقول القاضي عبد الجبار, وهو يعرف التوحيد لغة واصطلاحا: "والأصل فيه أن التوحيد في أصل اللغة عبارة عما يصير به الشيء واحدا, كما أن التحريك عبارة عما به يصير الشيء متحركا, والتسويد, عبارة عما به يصير الشيء أسودا, ثم يستعمل في الخير عن كون الشيء واحدا لما لم يكن الخبر صادقا إلا وهو واحدا, فصار ذلك كالإثبات فإنه في أصل اللغة عبارة عن الإيجاب ... " (١) التوحيد في اصطلاح المتكلمين: يقول القاضي: "فأما في اصطلاح المتكلمين, فهو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيا وإثباتا على الحد الذي يستحقه, والإقرار به. ولا بد من اعتبار هذين الشرطين: العلم والإقرار جميعا, لأنه لو علم ولم يقر أو أقر ولم يعلم لم يكن موحدا" (٢). وعلى ذلك فهذا الأصل يبحث في مذهب المعتزلة في صفات الباري تعالى وما يثبت له, وما ينفي عنه. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٨١

стр. 1398

المبحث الثاني: موقف المعتزلة من الصفات عامة • المطلب الأول: تقسيم المعتزلة للصفات. • المطلب الثاني: رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها. • المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب. • المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها. • المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات.

стр. 1399

المطلب الأول: تقسيم المعتزلة للصفات ذكر المعتزلة تقسيما خاصا بهم للصفات؛ لكن الملاحظ أن هذا التقسيم لا أثر له على حقيقة مذهبهم؛ لأنه وكما سيتبين في المطلب القادم - بإذن الله - أن المعتزلة تنفي قيام جميع الصفات بالله على الحقيقة. فقد ذكر القاضي عبد الجبار أن صفات الله ثلاثة أقسام: ١ - صفات يختص بها على وجه لا يشاركه فيه غيره، مثل كونه قديرا وغنيا. ٢ - صفات يشاركه فيها غيره في نفسها، ويخالفه في كيفية استحقاقه لها (١)، نحو كونه قادرا، عالما، حيا، موجودا.٣ - صفات يشاركه فيها غيره في نفس الصفة وفي جهة الاستحقاق، نحو كونه مدركا، ومريدا، وكارها، فإن الله مدرك لكونه حيا بشرط وجود المدرك، كذلك الواحد منا، وكذلك هو مريد وكاره بالإرادة والكراهية، وكذلك الواحد منا، إلا أن ثم فرقا هو القديم تعالى حي لذاته فلا يحتاج إلى حاسة، ومريد وكاره بإرادة وكراهة موجودتين لا في محل، بينما الواحد منا مريد وكاره لمعنيين محدثين في قلبه (٢). وكما قلت: فإن هذا التقسيم لا أثر له في حقيقة مذهبهم في الصفات؛ لأنهم لا يثبتون الصفات حقيقة في الذات، وهذا الأمر سيتضح أكثر عند الكلام على منهجهم في النفي في باب الصفات. منهج المعتزلة في النفي في باب الصفات المصدر: النفي في باب صفات الله بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني - ص ٥٥٦

стр. 1400

المطلب الثاني: رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها عرفنا أن القول بنفي الصفات قد بدأ قبل ظهور المعتزلة على يد الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان الذي اشتهر بنشره لهذا المذهب، وإليه نسبت فرقة الجهمية (١)، ثم أنه لما ظهرت المعتزلة أخذت في جملة ما أخذته من الجهمية القول بنفي الصفات، ودليل ذلك: أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (٢) كان ينفي الصفات معتقدا أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء؛ وذلك شرك، ولذا كان يقول: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (٣).ويرى الشهرستاني: أن القول بنفي الصفات كما بدأه واصل كان غير ناضج؛ لأنه شرع فيه على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين (٤).أما المعتزلة الذين خلفوه؛ فإنهم عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية والكتب الفارسية إلى العربية التي تشتمل على الفلسفة وبعض الأمور الدينية؛ وخصوصا كتب الفلاسفة (٥).وكان الفلاسفة يرون أن الله تعالى واجب الوجود بذاته، وأنه واحد من كل وجه (٦)؛ فنفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات، وقالوا: أنه تعالى عالم بالذات لا يعلم زائد على ذاته (٧).فهذا أفلوطين (٨) وهو الذي تأثر به المسلمون أكثر من تأثرهم بغيره من فلاسفة اليونان، يتحدث عن تعالية الله تعالى، ويمنع أن نطلق عليه صفة من الصفات؛ لأننا بذلك نشبهه تعالى بالأفراد، فلا نقول أن لله تعالى علما لأنه هو العلم. . وليس يحتاج تعالى إلى بصر؛ لأنه ذاته النور الذي يبصر به الناس (٩). وقد تأثر المعتزلة بهؤلاء الفلاسفة، فاقتبسوا منهم قولهم في الصفات. يقول الغزالي والشهرستاني: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (١٠). ولذا فإن المعتزلة الذين جاؤوا بعد واصل أخذوا بتأثير الفلسفة يفسرون قوله، ويضيفون إليه بعض التعديلات التي لا تؤثر على الجوهر، ويؤيدون ذلك بشبهات عقلية، فقالوا: إن الله عالم بذاته، قادر بذاته لا يعلم وقدرة هي صفات قديمة ومعان قديمة ومعان قائمة به. وقد ذكر ابن المرتضي المعتزلي إجماعهم على ذلك، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا لا لمعان .. " (١١). وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات، منها ما يلي: الشبهة الأولى: يقول أبو الحسن الخياط (١٢): "أن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا، لأنه لو كان كذلك يكون قد أحدثه الله إما في نفسه أو في غيره أو لا في محل؛ فإن كان أحدثه الله في نفسه أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث، وهذا محال، وإذا أحدثه في غيره، كان ذلك الغير عالما بما حله من دونه، كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره، ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل؛ لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم، فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" (١٣). المناقشة:

стр. 1401

يقال لهم: أما قولكم أن الله تعالى لو كان عالما بعلم؛ فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا. فهذا نوافقكم عليه، فإنه لا ثالث لهذين القسمين. وأما قولكم "ولا يمكن أن يكون علما محدثا. . "؛ فهذا نوافقكم عليه أيضا، فإن الصفة ليست حادثة بل هي قديمة بقدم موصوفها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. بقي الآن قولكم "ولا يمكن أن يكون علما قديما؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ". ونقول: "إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علما قديما" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم. وإن أردتم بقولكم "قديما" بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها: فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلها، وصفة الإنسان إنسانا (١)، وبطلان هذا لا شك فيه عند من له شيء من العقل، وما يؤدي إلى الباطل فهو باطل؛ وبذلك يبطل تعدد القدماء الذي تزعمونه من إثبات الصفات، وعليه فإن شبهتكم هذه تنتقض ببطلان أحد مقدماتها، وهو قولكم "ولا يمكن أن يكون قديما. . ". والله أعلم. الشبهة الثانية: يقول يحيى بن الحسين (٢) – وهو من أئمة الزيدية -: ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال: إن الله أحدث العلم، فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لا شك ثابت، وهو الجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإن رجع هذا القائل الضال إلى الحق من المقال. . فقال: إنه العالم بنفسه. . وأنه لا علم ولا عالم سواء. . " (٣). المناقشة: والجواب عن هذه الشبهة من وجوه منها: الأول: أما قولكم أن يقال الصفة عين الذات، كالعلم يقال فيه عين العالم، فإنه يوجب الكثرة في الذات؛ وذلك لما يلي: أ- أن هناك فرقا بين قولنا: ذاته ذاته، وبين قولنا: ذاته علمه، فإن هذا يوجب التغاير، ومن ثم يوجب الكثرة في الذات. ب- أن حقيقة العلم مغاير لحقيقة القدرة ولحقيقة الحياة والإرادة، فلو كان الكل عبارة عن حقيقة ذاته لزم القول بأن الحقائق الثلاثة حقيقة واحدة، وذلك باطل. وأيضا فإنه يوجب الكثرة في الذات (٤)، وهو باطل فما يؤدي إليه مثله، وبذلك يبطل الجزء الأول من الشبهة. الثاني: أما قولكم "أو غيرها" أي: الذات. نقول: لفظ الغير مجمل إن أريد به ما هو مباين له تعالى، فلا يدخل علمه وسائر صفاته في لفظ الغير، كما يدخل في قول النبي ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (٥). وقد ثبت في السنة جواز الحلف بصفاته تعالى كعزته وعظمته، فعلم أنها لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق. وإذا أريد بالغير أنه ليس هو إياه، فلا ريب أن العلم ليس هو العالم (٦) كما بيناه في الرد على الجزء الأول من الشبهة.

стр. 1402

وعلى ذلك فلا نقول الصفة عين الذات – كما تزعمون – لما فيه من اللوازم الفاسدة التي سبق عرض بعضها؛ وليست الصفة غير الذات بمعنى مباينة لها بل هي صفة الذات بمعنى أنها ليست هي الذات، ولا يلزم من كون الصفة ليست هي الموصوف لا يلزم من ذلك أن يكون مع الله سواه، لأن الصفة تابعة للموصوف غير مستقلة عنه، كما أنها تتبعه قدما وحدوثا، وبما أن الله قديم فإن صفاته قديمة بقدمه، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الثالثة: يروي الشهرستاني عن المعتزلة أنهم قالوا: "لو قامت الحوادث بذات الباري تعالى لا تصف بها بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث؛ إذ لابد من مغيره" (١). المناقشة: نقول: شبهتكم هذه تتبنى على إلزامكم بأن الصفات حادثة، وهو إلزام باطل لما يلي: أولا: أن القول بحدوث الصفة يشير إلى أن الله تعالى كان جاهلا حتى أحدث العلم، وعاجزا حتى أحدث القدرة، ووصف الله بالجهل أو العجز كفر بلا خلاف؛ لأنه وصف له بصفة نقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فما يؤدي إليه مثله. ثانيا: أنا لم نقل: أن الصفات حادثة، بل قلنا: إنها تابعة لموصوفها بالقدم من غير أن تكون مستقلة عنه على التفصيل الذي سبق ذكره في كلمة القديم عند الرد على الشبهة الأولى، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الرابعة: يقول الرازي (٢) – وهو يحكي شبهات المعتزلة في نفي الصفات: "والشبهة السادسة: أن الله تعالى إنما كفر النصارى في قوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [المائدة: ٧٣]. فلا يخلو إما أن يقال أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة بأنفسها، أو لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، والأول باطل؛ لأن النصارى لا يثبتون ذواتا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها، ولما لم يقولوا بذلك استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك، ولما بطل القسم الأول ثبت القسم الثاني، وهو أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، فمن أثبت الذات مع الصفات فقد أثبت أكثر من ثلاثة، وكان كفره أعظم من كفر النصارى؛ لأنه أثبت أكثر مما أثبتوا. . " (٣). المناقشة: يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية باطل؛ وذلك أن الله تعالى إنما كفر النصارى لأنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، هي في الحقيقة ذوات بدليل اعتبارهم إياها آلهة، ومن أثبت كثرة في الآلهة فلا شك في كفره (٤)؛ ويدل على أنهم يعتبرونها آلهة قوله تعالى في آخر الآية: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة: ٧٣]. فحصره الألوهية في واحد بعد تكفيره من قال: إن الله ثالث ثلاثة؛ دليل على أن المراد من ثلاثة ثلاثة آلهة. وبدليل قوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ [النساء: ١٧١].يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية –: "المعنى: ثلاثة آلهة" (٥).ويقول الرازي – في معرض رده على هذه الشبهة –: ". . ألا ترى أنهم – أي: النصارى – جوزوا انتقال أقنوم الكلمة من ذات الله إلى بدن عيسى – ﵇ – والشيء الذي يكون مستقلا بالانتقال من ذات إلى ذات أخرى، يكون مستقلا بنفسه قائما بذاته؛ فهم وإن سموها صفات؛ إلا أنهم قائلين في الحقيقة بكونها ذوات، ومن أثبت كثرة في الذوات المستقلة، فلا شك في كفره" (٦).

стр. 1403

وعلى ذلك: فإن تكفير الله للنصارى ليس لأنهم أثبتوا ثلاث صفات بل لأنهم أثبتوا ثلاثة آلهة. وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الخامسة: يقول ابن تيمية: (ادعت المعتزلة أن صفات الباري تعالى ليست زائدة على ذاته؛ لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه. أو لا. إن كان لا يقوم وجوده إلا بها؛ فقد تعلق بها وصار مركباً من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول. وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معمول (١)، وهما على الله محال فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب) (٢). المناقشة: لقد أجاب ابن تيمية –﵀ عن هذه الشبهة فقال: الذي عليه الكتاب والسنة أن الله له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة. . . وساق النصوص على ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال. . . وأما الجواب على شبهتي العرض والتركيب، فهو كما يلي:-أولا: أنهم- أي: المعتزلة- يثبتونه تعالى عالماً وقادراً ويثبتونه واجباً بنفسه فاعلاً لغيره، ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالماً، غير مفهوم الفعل بغيره، فإذا كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية؛ لزم الافتقار الذي ادعوه، وإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني باستلزامها ثبوت التركيب المستلزم نفي الوجوب، وهذا محال (٣).ثانيا: أنا لا نسلم أن هناك تركيبا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة، فثبوت التركيب وعدمه فرع تصوره، وتصوره هنا منتف (٤). ثالثا: أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا، فليس هذا مستلزما للإمكان، ولا للحدوث؛ وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين. وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته، وأنه أحد صمد، غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما، فهل يقال في ذلك أنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (٥). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٨٤ إن التعرف على بطلان مذهب المعتزلة في الصفات من الأمور التي لا تحتاج إلى تبحر في العلم ودقة في الفهم، بقدر ما تحتاج إلى تصور صحيح إلى الشبهات التي أقام عليها هذا المذهب تعطيله لصفات الباري ، فإن التصور الصحيح لهذا المذهب وأمثاله من مذاهب المعطلة كاف في بيان بطلانها وتهافتها.

стр. 1404

المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب أول من عرف عنه الإشارة إلى هذه الشبهة من المعتزلة واصل بن عطاء، فإنه كان ينفي الصفات بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وكان يقول في ذلك: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (١). ثم جاء من بعده وخاض فيها أكثر، فمن ذلك: قول أبي الهذيل العلاف: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (٢).ويقول الشهرستاني إن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (٣).وقول أبي الحسين الخياط السابق: "إن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد" (٤). ويقول القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الواحد قد يستعمل في الشيء ويراد به أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، على مثل ما نقوله في الجزء المنفرد أنه جزء واحد، وفي جزء من السواد والبياض أنه واحد. وقد يستعمل ويراد به أن يختص بصفة لا يشاركه فيها غيره، كما يقال: فلان واحد زمانه. وغرضنا إذا وصفنا الله تعالى بأنه واحد: إنما هو القسم الثاني؛ لأن مقصودنا مدح الله تعالى بذلك، ولا مدح في أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، وإن كان كذلك؛ لأن غيره يشاركه فيه. إذا ثبت هذا، فالمخالف في المسألة لا يخلو، إما أن يقول: إن مع الله قديما ثانيا يشاركه في صفاته، ولا قائل بهذا. . " (٥).ومنها قول يحيى بن الحسين (٦): ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه، ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا. . " (٧)، لأنه على مقتضى قوله لا يمكن أن يكونا قديمين معا؛ فإن هذا تعدد للقدماء. وغير ذلك من أقوالهم ونصوصهم الدالة على مذهبهم هذا. شبهة التركيب عند المعتزلة مأخوذة من الفلاسفة: وإن مما لا شك فيه أن المعتزلة قد استقوا هذه الشبهة من الفلاسفة، ولقد أشار العديد من أهل العلم إلى أن مصدر المعتزلة في هذه الشبهة إنما هم الفلاسفة، ومن أولئك: الأشعري في المقالات حين حكى مذهب أبي الهذيل العلاف – وهو من أئمة المعتزلة - في الصفات: "قوله إن علم الله هو الله، وإن قدرته هي هو؛ لأنه إذا كان علمه هو هو، وقدرته هي هو، فواجب أن يكون علمه هو قدرته، وإلا لزم التناقض، كما لزم أصحاب الاثنين. وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه: إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو" (٨). وهذا المذهب بني على شبهة نفي التعدد والتركيب. ومنهم أبو حامد الغزالي، فبعد أن فصل القول في حجة التركيب التي احتج بها الفلاسفة وبين حقيقة مذهبهم في الصفات قال: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (٩).ونفس العبارة أطلقها الشهرستاني في نهاية الإقدام (١٠)، وقال في الملل والنحل في مذهب أبي الهذيل العلاف أنه يقول: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (١١).وعقب عليه بأن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (١٢).

стр. 1405

المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها ..... المعتزلة لم يشاركوا الفلاسفة إلا في القول بنوع واحد من أنواع التركيب الخمسة التي قالوا بها، ورتبوا عليه نفس النتيجة التي رتبها عليه الفلاسفة وهي تعطيل الله عن صفاته جميعا. وهذا النوع من التركيب المنفي عن الله هو: تركيب الموجود في الذات والصفات. ولقد بني المعتزلة هذه الشبهة على أن أخص وصف لله هو: القدم، وهو إجماع عندهم. يقول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد، القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته" (١).وقال شيخ الإسلام ﵀: "ومقصود المعتزلة من قولهم: إن أخص وصف الرب القدم: أن لا يثبتوا له صفة قديمة؛ لامتناع المشاركة في أخص وصفه" (٢). ونفي هذا النوع من التركيب في نظر المعتزلة من جهة أنه يوجب كثرة في القديم، وهذا يتنافى مع أخص وصف لله : وهو: القدم. وإثبات صفة قديمة، يجعل القديم أكثر من واحد، أي: يكون مركبا؛ فـ: "لو كان موصوفا بصفات قائمة بذاته؛ لكانت حقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات والصفات" (٣).فإن الصفات لو شاركته في القدم الذي هو أخص وصفه جل وعلا، لشاركته في الإلهية، ولكانت آلهة مثله بزعمهم (٤).والتركيب يستلزم الافتقار، في نظر المعتزلة، كما أنه يدل على الحدوث بزعمهم (٥). وقد رد عليهم شيخ الإسلام هذا الزعم الباطل بجواب كاف شاف، من جهة التغاير في الصفات ضرورة، فإن الصفة الواحدة ليست هي عين الصفة الأخرى، وهذا مما لا يمكن رده. فقال ﵀: "وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب. . فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبا ممتنعا. وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى كونه قادرا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا، فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة" (٦)، وفساد مثل هذا القول معلوم بالضرورة (٧).فإن العقل الصريح يعلم أن كل صفة ليست هي الأخرى، ولا هي نفس الموصوف (٨). ويلزم من قول المعتزلة أن الصفة هي عين الصفة الأخرى أو هي عين الذات يلزم منه أمران: الأول: التناقض، فإن واجب الوجود لا بد أن يتميز عن غيره، والتميز لا يكون إلا بالصفات الثبوتية، مثل كونه حيا، عليما، قديرا. . ونحو ذلك، ويمتنع أن يكون كل معنى هو الآخر، أو أن تكون تلك المعاني هي الذات.
следующие страницы →