← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

يقال لهم: أما قولكم أن الله تعالى لو كان عالما بعلم؛ فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا. فهذا نوافقكم عليه، فإنه لا ثالث لهذين القسمين. وأما قولكم "ولا يمكن أن يكون علما محدثا. . "؛ فهذا نوافقكم عليه أيضا، فإن الصفة ليست حادثة بل هي قديمة بقدم موصوفها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. بقي الآن قولكم "ولا يمكن أن يكون علما قديما؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ". ونقول: "إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علما قديما" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم. وإن أردتم بقولكم "قديما" بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها: فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلها، وصفة الإنسان إنسانا (١)، وبطلان هذا لا شك فيه عند من له شيء من العقل، وما يؤدي إلى الباطل فهو باطل؛ وبذلك يبطل تعدد القدماء الذي تزعمونه من إثبات الصفات، وعليه فإن شبهتكم هذه تنتقض ببطلان أحد مقدماتها، وهو قولكم "ولا يمكن أن يكون قديما. . ". والله أعلم. الشبهة الثانية: يقول يحيى بن الحسين (٢) – وهو من أئمة الزيدية -: ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال: إن الله أحدث العلم، فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لا شك ثابت، وهو الجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإن رجع هذا القائل الضال إلى الحق من المقال. . فقال: إنه العالم بنفسه. . وأنه لا علم ولا عالم سواء. . " (٣). المناقشة: والجواب عن هذه الشبهة من وجوه منها: الأول: أما قولكم أن يقال الصفة عين الذات، كالعلم يقال فيه عين العالم، فإنه يوجب الكثرة في الذات؛ وذلك لما يلي: أ- أن هناك فرقا بين قولنا: ذاته ذاته، وبين قولنا: ذاته علمه، فإن هذا يوجب التغاير، ومن ثم يوجب الكثرة في الذات. ب- أن حقيقة العلم مغاير لحقيقة القدرة ولحقيقة الحياة والإرادة، فلو كان الكل عبارة عن حقيقة ذاته لزم القول بأن الحقائق الثلاثة حقيقة واحدة، وذلك باطل. وأيضا فإنه يوجب الكثرة في الذات (٤)، وهو باطل فما يؤدي إليه مثله، وبذلك يبطل الجزء الأول من الشبهة. الثاني: أما قولكم "أو غيرها" أي: الذات. نقول: لفظ الغير مجمل إن أريد به ما هو مباين له تعالى، فلا يدخل علمه وسائر صفاته في لفظ الغير، كما يدخل في قول النبي ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (٥). وقد ثبت في السنة جواز الحلف بصفاته تعالى كعزته وعظمته، فعلم أنها لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق. وإذا أريد بالغير أنه ليس هو إياه، فلا ريب أن العلم ليس هو العالم (٦) كما بيناه في الرد على الجزء الأول من الشبهة.

стр. 1402

وعلى ذلك فلا نقول الصفة عين الذات – كما تزعمون – لما فيه من اللوازم الفاسدة التي سبق عرض بعضها؛ وليست الصفة غير الذات بمعنى مباينة لها بل هي صفة الذات بمعنى أنها ليست هي الذات، ولا يلزم من كون الصفة ليست هي الموصوف لا يلزم من ذلك أن يكون مع الله سواه، لأن الصفة تابعة للموصوف غير مستقلة عنه، كما أنها تتبعه قدما وحدوثا، وبما أن الله قديم فإن صفاته قديمة بقدمه، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الثالثة: يروي الشهرستاني عن المعتزلة أنهم قالوا: "لو قامت الحوادث بذات الباري تعالى لا تصف بها بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث؛ إذ لابد من مغيره" (١). المناقشة: نقول: شبهتكم هذه تتبنى على إلزامكم بأن الصفات حادثة، وهو إلزام باطل لما يلي: أولا: أن القول بحدوث الصفة يشير إلى أن الله تعالى كان جاهلا حتى أحدث العلم، وعاجزا حتى أحدث القدرة، ووصف الله بالجهل أو العجز كفر بلا خلاف؛ لأنه وصف له بصفة نقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فما يؤدي إليه مثله. ثانيا: أنا لم نقل: أن الصفات حادثة، بل قلنا: إنها تابعة لموصوفها بالقدم من غير أن تكون مستقلة عنه على التفصيل الذي سبق ذكره في كلمة القديم عند الرد على الشبهة الأولى، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الرابعة: يقول الرازي (٢) – وهو يحكي شبهات المعتزلة في نفي الصفات: "والشبهة السادسة: أن الله تعالى إنما كفر النصارى في قوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ [المائدة: ٧٣]. فلا يخلو إما أن يقال أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة بأنفسها، أو لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، والأول باطل؛ لأن النصارى لا يثبتون ذواتا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها، ولما لم يقولوا بذلك استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك، ولما بطل القسم الأول ثبت القسم الثاني، وهو أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، فمن أثبت الذات مع الصفات فقد أثبت أكثر من ثلاثة، وكان كفره أعظم من كفر النصارى؛ لأنه أثبت أكثر مما أثبتوا. . " (٣). المناقشة: يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية باطل؛ وذلك أن الله تعالى إنما كفر النصارى لأنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، هي في الحقيقة ذوات بدليل اعتبارهم إياها آلهة، ومن أثبت كثرة في الآلهة فلا شك في كفره (٤)؛ ويدل على أنهم يعتبرونها آلهة قوله تعالى في آخر الآية: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة: ٧٣]. فحصره الألوهية في واحد بعد تكفيره من قال: إن الله ثالث ثلاثة؛ دليل على أن المراد من ثلاثة ثلاثة آلهة. وبدليل قوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ [النساء: ١٧١].يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية –: "المعنى: ثلاثة آلهة" (٥).ويقول الرازي – في معرض رده على هذه الشبهة –: ". . ألا ترى أنهم – أي: النصارى – جوزوا انتقال أقنوم الكلمة من ذات الله إلى بدن عيسى – ﵇ – والشيء الذي يكون مستقلا بالانتقال من ذات إلى ذات أخرى، يكون مستقلا بنفسه قائما بذاته؛ فهم وإن سموها صفات؛ إلا أنهم قائلين في الحقيقة بكونها ذوات، ومن أثبت كثرة في الذوات المستقلة، فلا شك في كفره" (٦).

стр. 1403

وعلى ذلك: فإن تكفير الله للنصارى ليس لأنهم أثبتوا ثلاث صفات بل لأنهم أثبتوا ثلاثة آلهة. وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الخامسة: يقول ابن تيمية: (ادعت المعتزلة أن صفات الباري تعالى ليست زائدة على ذاته؛ لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه. أو لا. إن كان لا يقوم وجوده إلا بها؛ فقد تعلق بها وصار مركباً من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول. وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معمول (١)، وهما على الله محال فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب) (٢). المناقشة: لقد أجاب ابن تيمية –﵀ عن هذه الشبهة فقال: الذي عليه الكتاب والسنة أن الله له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة. . . وساق النصوص على ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال. . . وأما الجواب على شبهتي العرض والتركيب، فهو كما يلي:-أولا: أنهم- أي: المعتزلة- يثبتونه تعالى عالماً وقادراً ويثبتونه واجباً بنفسه فاعلاً لغيره، ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالماً، غير مفهوم الفعل بغيره، فإذا كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية؛ لزم الافتقار الذي ادعوه، وإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني باستلزامها ثبوت التركيب المستلزم نفي الوجوب، وهذا محال (٣).ثانيا: أنا لا نسلم أن هناك تركيبا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة، فثبوت التركيب وعدمه فرع تصوره، وتصوره هنا منتف (٤). ثالثا: أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا، فليس هذا مستلزما للإمكان، ولا للحدوث؛ وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين. وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته، وأنه أحد صمد، غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما، فهل يقال في ذلك أنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (٥). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص ٨٤ إن التعرف على بطلان مذهب المعتزلة في الصفات من الأمور التي لا تحتاج إلى تبحر في العلم ودقة في الفهم، بقدر ما تحتاج إلى تصور صحيح إلى الشبهات التي أقام عليها هذا المذهب تعطيله لصفات الباري ، فإن التصور الصحيح لهذا المذهب وأمثاله من مذاهب المعطلة كاف في بيان بطلانها وتهافتها.

стр. 1404

المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب أول من عرف عنه الإشارة إلى هذه الشبهة من المعتزلة واصل بن عطاء، فإنه كان ينفي الصفات بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وكان يقول في ذلك: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (١). ثم جاء من بعده وخاض فيها أكثر، فمن ذلك: قول أبي الهذيل العلاف: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (٢).ويقول الشهرستاني إن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (٣).وقول أبي الحسين الخياط السابق: "إن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد" (٤). ويقول القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الواحد قد يستعمل في الشيء ويراد به أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، على مثل ما نقوله في الجزء المنفرد أنه جزء واحد، وفي جزء من السواد والبياض أنه واحد. وقد يستعمل ويراد به أن يختص بصفة لا يشاركه فيها غيره، كما يقال: فلان واحد زمانه. وغرضنا إذا وصفنا الله تعالى بأنه واحد: إنما هو القسم الثاني؛ لأن مقصودنا مدح الله تعالى بذلك، ولا مدح في أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، وإن كان كذلك؛ لأن غيره يشاركه فيه. إذا ثبت هذا، فالمخالف في المسألة لا يخلو، إما أن يقول: إن مع الله قديما ثانيا يشاركه في صفاته، ولا قائل بهذا. . " (٥).ومنها قول يحيى بن الحسين (٦): ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه، ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا. . " (٧)، لأنه على مقتضى قوله لا يمكن أن يكونا قديمين معا؛ فإن هذا تعدد للقدماء. وغير ذلك من أقوالهم ونصوصهم الدالة على مذهبهم هذا. شبهة التركيب عند المعتزلة مأخوذة من الفلاسفة: وإن مما لا شك فيه أن المعتزلة قد استقوا هذه الشبهة من الفلاسفة، ولقد أشار العديد من أهل العلم إلى أن مصدر المعتزلة في هذه الشبهة إنما هم الفلاسفة، ومن أولئك: الأشعري في المقالات حين حكى مذهب أبي الهذيل العلاف – وهو من أئمة المعتزلة - في الصفات: "قوله إن علم الله هو الله، وإن قدرته هي هو؛ لأنه إذا كان علمه هو هو، وقدرته هي هو، فواجب أن يكون علمه هو قدرته، وإلا لزم التناقض، كما لزم أصحاب الاثنين. وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه: إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو" (٨). وهذا المذهب بني على شبهة نفي التعدد والتركيب. ومنهم أبو حامد الغزالي، فبعد أن فصل القول في حجة التركيب التي احتج بها الفلاسفة وبين حقيقة مذهبهم في الصفات قال: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (٩).ونفس العبارة أطلقها الشهرستاني في نهاية الإقدام (١٠)، وقال في الملل والنحل في مذهب أبي الهذيل العلاف أنه يقول: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (١١).وعقب عليه بأن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (١٢).

стр. 1405

المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها ..... المعتزلة لم يشاركوا الفلاسفة إلا في القول بنوع واحد من أنواع التركيب الخمسة التي قالوا بها، ورتبوا عليه نفس النتيجة التي رتبها عليه الفلاسفة وهي تعطيل الله عن صفاته جميعا. وهذا النوع من التركيب المنفي عن الله هو: تركيب الموجود في الذات والصفات. ولقد بني المعتزلة هذه الشبهة على أن أخص وصف لله هو: القدم، وهو إجماع عندهم. يقول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد، القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته" (١).وقال شيخ الإسلام ﵀: "ومقصود المعتزلة من قولهم: إن أخص وصف الرب القدم: أن لا يثبتوا له صفة قديمة؛ لامتناع المشاركة في أخص وصفه" (٢). ونفي هذا النوع من التركيب في نظر المعتزلة من جهة أنه يوجب كثرة في القديم، وهذا يتنافى مع أخص وصف لله : وهو: القدم. وإثبات صفة قديمة، يجعل القديم أكثر من واحد، أي: يكون مركبا؛ فـ: "لو كان موصوفا بصفات قائمة بذاته؛ لكانت حقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات والصفات" (٣).فإن الصفات لو شاركته في القدم الذي هو أخص وصفه جل وعلا، لشاركته في الإلهية، ولكانت آلهة مثله بزعمهم (٤).والتركيب يستلزم الافتقار، في نظر المعتزلة، كما أنه يدل على الحدوث بزعمهم (٥). وقد رد عليهم شيخ الإسلام هذا الزعم الباطل بجواب كاف شاف، من جهة التغاير في الصفات ضرورة، فإن الصفة الواحدة ليست هي عين الصفة الأخرى، وهذا مما لا يمكن رده. فقال ﵀: "وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب. . فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبا ممتنعا. وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى كونه قادرا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا، فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة" (٦)، وفساد مثل هذا القول معلوم بالضرورة (٧).فإن العقل الصريح يعلم أن كل صفة ليست هي الأخرى، ولا هي نفس الموصوف (٨). ويلزم من قول المعتزلة أن الصفة هي عين الصفة الأخرى أو هي عين الذات يلزم منه أمران: الأول: التناقض، فإن واجب الوجود لا بد أن يتميز عن غيره، والتميز لا يكون إلا بالصفات الثبوتية، مثل كونه حيا، عليما، قديرا. . ونحو ذلك، ويمتنع أن يكون كل معنى هو الآخر، أو أن تكون تلك المعاني هي الذات.

стр. 1406

وإذا نفينا هذه المعاني نكون بذلك نفينا واجب الوجود. وهذا هو وجه التناقض في قولهم: فإن المعتزلة ومن تبعهم إنما ينفون هذه المعاني لإثبات واجب الوجود، مع أن نفيها عنه نفي لواجب الوجود، وهذا هو التناقض الصريح (١). كما رد عليهم أيضا من وجه آخر، وهو: أن الواجب بنفسه إذا كان لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فهذا يستلزم لا محالة أن لا يوجد واجب بنفسه. فقال ﵀: "فإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال، وذلك أنهم إنما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب المستلزم لنفي الوجوب، وهذا تناقض فإن نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب، فكيف ينفونها لثبوته؟ وذلك أن الواجب بنفسه حق موجود عالم قادر فاعل، والممكن قد يكون موجودا عالما قادرا فاعلا، وليست المشاركة في مجرد اللفظ؛ بل في معان معقولة معلومة بالاضطرار" (٢). الثاني: اللوازم الباطلة لهذا القول: فقد لفت شيخ الإسلام ﵀ إلى اللوازم الباطلة التي تلزم من هذا القول. فإن في قول المعتزلة أن الصفة هي الموصوف يلزم منه شيء خطير وهو القول بوحدة الوجود. فإن "من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة، فقول هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهى الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (٣). وقد تم بحمد الله الإشارة إلى هذا القول والرد عليه وبيان بطلانه. وأود أن أشير هنا إلى أن ابن تيمية ﵀ لم يكن الوحيد الذي تقطن لتلبيسات هؤلاء المبتدعة ورد عليهم بل سبقه إلى ذلك أئمة كثيرون من أئمة السلف، والذي حملني على الاقتصار على أقواله في الرد التفصيلي على أقوال المبتدعة غالبا هو دقته ﵀ في نقل أقوالهم، ويسر عبارته، وتفصيلاته الدقيقة التي تجعل الرد عليهم شاملا لجميع جوانب الشبهة. وأورد هنا نموذجا واحدا من كلام الأئمة المتقدمين الذي فيه رد على شبهة التعدد والتركيب التي يدعيها المعتزلة، وهو كلام الإمام أحمد ﵀. حيث قال: "فقال الجهمي لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته. قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدر ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونوا موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء؛ ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علما فعلم، والذي لا يعلم هو جاهل؛ ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَّمْدُودًا [المدثر:١١] وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدا، له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته، فكذلك الله – وله المثل الأعلى – هو بجميع صفاته إله واحد" (٤). المصدر: النفي في باب صفات الله بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني – ص ٥٦٢

стр. 1407

المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات من الطرق التي رد بها أئمة أهل السنة والجماعة على المعتزلة مذهبهم الباطل، بيان تناقضهم حيث أنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات وقد سبق النقل عن ابن المرتضى المعتزلي إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا، قديما، قادرا، عالما، حيا، لا لمعان. ." (١). ولهم في نفي المعاني القائمة بالأسماء مسلكان: الأول: من قال: العليم والقدير ونحو ذلك أعلام محضة مترادفة، وليست دالة على أوصاف أو معاني قائمة بالله تعالى، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة يزيد، ومحمد، وعلي، فهذه أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (٢).الثاني: من قال: إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما، وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن كل اسم لا يدل على صفة عندهم، فالعليم لا يدل على صفة العلم، والقدير لا يدل على صفة القدرة، وهكذا. .، فهو في الحقيقة مرادف للقول الأول (٣).وقد كشف أبو الحسن الأشعري – وهو الخبير بهم – حقيقة قولهم هذا فقال: "وزعمت الجهمية – يعني المعتزلة – أن الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم قادر حي سميع بصير؛ فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر" (٤).وقد بين أهل العلم وجه تناقضهم في مذهبهم هذا، فقال شيخ الإسلام ﵀: "والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، استعظموا ذلك، وأقروا بالأسماء، ولما رأوا هذه الطريق توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإن إثبات حي، عليم، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر، مكابرة للعقل؛ كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة، كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها" (٥).وقال الإمام ابن القيم ﵀: "إن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى، فإن العليم والقدير، والسميع، والبصير، أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها، فاستعمالها لغير من وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له، فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها، فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات، فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة والسمع والبصر، انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة، فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا، فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء الحقيقية تستلزم الصفات، ثم ينفون الصفات ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة كما قالوا في المتكلم والمريد" (٦). وهناك أوجه أخرى للرد عليهم ذكرها أهل العلم، أذكر منها ما يلي:

стр. 1408

-"وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة. قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات؛ فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما؛ لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه: حي عليم قدير، إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم، فانف الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم. فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى فما كان جوابا لذلك، كان جوابا لمثبتي الصفات" (١).- "أن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى، وأمرنا بدعائه بها، فقال: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]، وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة، تكون وسيلة لنا في دعائنا، ولا يصح خلوها عنها، ولو كانت أعلاما محضة، لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلا عن أن تكون حسنى ووسيلة في الدعاء" (٢).-"أن القول بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط: قول باطل. . ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد، كقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:٢٣]، فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفا محضا؛ لكان ذكرها مجتمعة لغوا من القول عديم الفائدة (٣). المصدر: النفي في باب صفات الله بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني – ص ٥٧٩

стр. 1409

المطلب الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة بنى المبتدعة مذهبهم في صفات الله تعالى على مقدمات وأقيسة عقلية جعلوها أصولا لدينهم. وعند تأمل هذه الأصول: نجد أنها خالية عن البرهان، معطلة عن الدليل، قائمة على آراء وأهواء وفهوم أصحابها المستمدة من عقولهم القاصرة، دون اعتماد على كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ، أو أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. . وقد ادعى هؤلاء أن هذه الأصول عارضت مدلول السمع؛ فأوجبوا تقديمها عليه. . ومن تلك الأصول: ما أطلق عليه اسم (دليل الأعراض وحدوث الأجسام): فإن أصحاب هذا الدليل أرادوا أن يثبتوا وجود الله ﵎ وخلقه للمخلوقات؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (إثبات الصانع)، فادعوا أن ذلك لا يحصل إلا بالنظر (١) .. . والنظر المقصود: هو النظر العقلي في الأعراض، وملازمتها للأجسام دون اعتماد على الوحي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هؤلاء، وعن طريقتهم في إثبات وجود الله ﵎: "جعلوا ذلك نظرا مخصوصا؛ وهو النظر في الأعراض، وأنها لازمة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها" (٢).وقد أوجبوا هذا النظر، أو القصد إلى النظر، والاستدلال العقلي على كل أحد، ليتمكن من إثبات الصانع، بل جعلوه أول واجب على المكلف (٣).يقول عبد الرحمن النيسابوري (٤): "أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث العالم، وإثبات العلم بالصانع. والدليل عليه: إجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى: وعلمنا عقلا أنه لا يعلم حدوث العالم، ولا الصانع إلا بالنظر، والتأمل. وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، فهو واجب" (٥).ثم استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام (٦). ولما كان الاستدلال العقلي – الذي أوجبوه -، والنظر المخصوص – الذي ألزموا به – من الأمور التي لا يتأتى لكل أحد معرفتها بديهة، ألزموا كل مسلم بتعلم علم المنطق، حتى يستطيع إقامة البراهين على وجود الله. فمن لم يتسن له تحصيل المنطق يكون عاجزا عن إثبات وجود ربه، وتصحيح عقيدته. . لذلك قالوا: إن علم المنطق هو معيار العلم، وقانون الإسلام (٧). فلابد – عندهم – من سلوك هذا الطريق المعتاص في إثبات الصانع ومعرفته – جل وعلا -؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (دليل حدوث العالم بحدوث الأجسام)، و (دليل الأعراض)، و (دليل حدوث الأجسام)، و (دليل حدوث الجواهر والأعراض)، وكلها أسماء لدليل واحد وطريقة واحدة.

стр. 1410

وقد ابتدعت الجهمية، والمعتزلة هذا الدليل. ثم تبعهم على ذلك: الكلابية، والأشعرية، والماتريدية، والمشبهة تأثرا بهم (١) ... وجعلوه كلهم – باستثناء شيخي الكلابية والأشعرية؛ ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري -: أصل دين المسلمين، وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان، وأس اليقين، فلا يحصل إيمان ولا دين ولا علم، ولا يمكن معرفة الله، وتصديق رسوله ﷺ ، إلا بسلوك هذه الطريق؛ طريق الاستدلال بحدوث العالم على حدوث الأجسام والأعراض. بل ويعتقدون أن من خالفها فقد خالف دين الإسلام، وصار من الملحدين (٢). فقد جعله الماتريدي الأصل الوحيد لمعرفة الله، فلا يعرف الله إلا من طريق دلالة العالم عليه .. يقول في بيان: "والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه، بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه، أو شهادة السمع، .. "الخ (٣). فلا تمكن معرفة الله – حتى ولا عن طريق الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية – بل لا بد من سلوك دليل الأعراض وحدوث الأجسام أولا – على حد زعمه – ليوصل سالكه إلى معرفة ربه. وكذا عبد الجبار المعتزلي: جعله أول الأصول التي يجب على المكلف معرفتها ليستقيم توحيده، فقال: "مسألة: فإن قال: فبينوا لي جمل ما يلزمه في (التوحيد) أن يعرفه، قيل له: يدور ذلك على أصول خمسة: أولها: إثبات حدوث العالم .. " (٤). والغزالي أيضا حصر معرفة الله تعالى بهذا الدليل، وقصرها عليه، فلا اعتقاد في الصانع لمن لا يعتقد دليل حدوث الأجسام .. يقول في معرض رده على قول الفلاسفة بقدم العالم – تحت قوله مسألة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة -: "فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا" (٥).ونقل أحد علماء الأشعرية المتأخرين قول علماء طائفته في الدليل: " قال العلماء: اعلم أن حدوث العالم أصل عظيم لسائر العقائد، وأساس كبير لما يأتي من الفوائد .. " (٦). لذلك نجد هؤلاء يبدؤون مؤلفاتهم - في العقيدة – بالنظر والعقليات وعلم الكلام، وتقرير أصولهم العقلية، وقواعدهم المنطقية - على حد زعمهم -؛ كدليل حدوث الأجسام، وغيره. ويهملون توحيد القصد والطلب، مع شدة الحاجة إليه. وقد زعموا كلهم: ١ - أن إثبات الصانع لا يعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته. ٢ - ويعد النظر تبين لهم أن العلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم؛ إذ الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وإذا ثبت أن العالم حادث، فلابد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود. ٣ - وقالوا: إن إثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام. . ٤ - وحدوث الأجسام يعلم: بلزومها للأعراض؛ التي هي الصفات.

стр. 1411

أو لبعضها؛ كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وهي التي تعرف بالأكوان. . وتقرير هذا – عندهم – يحتاج إلى أربع مقدمات: أ- إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا. أو إثبات بعضها؛ كالأكوان؛ التي هي: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق. ب- إثبات حدوث الأعراض ثانيا. وذلك: بإبطال ظهورها بعد الكمون. . وإبطال انتقالها من محل إلى محل. ج- إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا. إما عن كل جنس من أجناس الأعراض؛ بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده. . وإما عن الأكوان؛ بمعنى أنها لا تنفك عن الأعراض أو بعضها. د - إثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا. وإثبات حدوث الأجسام بامتناع حوادث لا أول لها مبني على مقدمتين أساسيتين: ١ - المقدمة الأولى: امتناع خلو الجسم من الأعراض التي هي الصفات. . حيث زعموا أن الأجسام لا تخلو عن أعراض حادثة وصفات وأفعال تعتق عليها. ٢ - المقدمة الثانية: ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض – أو ما لا ينفك عن الصفات، أو ما لا يسبقها – فهو حادث؛ لأن الصفات – التي هي الأعراض – لا تكون إلا محدثة – بزعمهم. وقد زعموا أن الأجسام لا تخلوا عن كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها (١). إذا: لقد استدل هؤلاء على إثبات الصانع بحدوث الأجسام: التي يلزم من حدوثها حدوث العالم؛ لأنه أجسام وأعراض. . فيلزم من حدوث العالم إثبات الصانع؛ لأن المحدث لا بد له من محدث (٢). . وقد بنوا ذلك على مقدمتين أساسيتين كما تقدم. . وقد اتفق المبتدعة - في باب الصفات – كلهم على دليل الأعراض وحدوث الأجسام من حيث الجملة، ولكن اختلفت فهو مهم في هاتين المقدمتين. فتنوعت طرقهم في الأولى منهما: إذ اختلفوا فيما بينهم على الأصل الذي يستدل به على حدوث الأجسام: هل يستدل على ذلك بملازمتها للأعراض جميعها، أو لبعضها كالأكوان الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، أو لبعض الأكوان: كالحركة مثلا؟. وقد تبنت كل فرقة من فرق المبتدعة أصلا من هذه الأصول رأت أنه دليل واضح - في نظرها - على حدوث الأجسام. ثم بنت على هذا الأصل تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته أو بعضها، أو تشبيه صفاته – جل وعلا – بصفات خلقه. . وهذا سيتضح لاحقا – إن شاء الله.

стр. 1412

وتنوعت عباراتهم في الثانية: - فتارة يقولون: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (١).- وتارة يقولون: كل ما لم يسبق الحوادث فهو حادث (٢).- وتارة يقولون: ما قامت به الحوادث فهو حادث (٣).- وتارة: ما حلت به الحوادث فهو حادث (٤). - وتارة: ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث. إلى غير ذلك من العبارات المتنوعة الألفاظ، المتقاربة المعنى. وقد نفى المعطلة أن يكون الله تعالى جسما تقوم به الأعراض والحوادث، ونفوا بالتالي أن يكون محلا للحوادث؛ لأن من كان محلا للحوادث، فلا بد أن يكون حادثا؛ إذ الحوادث - على حد قولهم – لا تحل إلا بحادث مثلها؛ لوجوب أن يكون لها أول - في نظرهم – وهو المراد من أصلهم: (امتناع حوادث لا أول لها). فسمَّت الجهمية والمعتزلة الصفات أعراضا. وقالوا: لو قلنا: إن الصفات تقوم به، للزم أن يكون جسما، والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، ولا تخلو عنها، وما لا يسبق الحوادث، ولا يخلو عنها، فهو حادث. وأطلقت الكلابية والأشعرية والماتريدية على أفعال الله تعالى اسم: حوادث. وقالوا: لو قلنا: إن الله تقوم به الصفات والكلام، للزم قيام الحوادث به؛ لأن هذه الصفات حادثة؛ حدثت بعد أن لم تكن، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. فعطلت هذه الفرق المبتدعة الله جل وعلا عن كل صفاته، أو بعضها، مستندة إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام. ولكل فرقة من هذه الفرق توجيه خاص بها لهذا الدليل يوضح مذهبهم في الصفات، مع اتفاقهم على فحواه من حيث الجملة. وقد أطلق شيخ الإسلام ﵀ على (دليل الأعراض وحدوث الأجسام) الذي هو أشهر دليل عند المبتدعة: أصل أصول المبتدعة في نفي الصفات (٥). المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ١/ ٣١٧

стр. 1413

المطلب الثاني: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند المعتزلة هذا الدليل هو المسلك المشهور للمعتزلة، وهو عندهم أشهر من دليل التركيب (١).وقد تلقوه عن أسلافهم الجهمية؛ إذ هم في الصفات مخانيث الجهمية (٢).وهم وأسلافهم من الجهمية أئمة هذه الطريق، والشبهة كلها أصلا جهمية معتزلية محضة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام ﵀ (٣). والمعتزلة يرون أن الدلالة المعتبرة في إثبات وجود الله هي (حدوث العالم). فإذا كان القدم صفة ذات لله وحده يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، كان العالم – بكل ما فيه من أجسام - محدثا (٤).فضلا عن أن الحدوث يتضمن الخلق؛ فإذا كان العالم مخلوقا لله، فهو بالضرورة – بكل ما فيه من أجسام - محدث (٥). وقد استدلوا على حدوث العالم بحدوث الأجسام والأعراض. ويستند مذهبهم إلى: ١ - مقدمة كبرى مفادها: (أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث). ٢ - مقدمات ثانوية هي: أ- الأجسام لا تنفك عن الأعراض. ب- الأعراض لازمة للأجسام؛ (فكما أن الأجسام لا توجد معراة عن الأعراض، كذلك الأعراض تفتقر إلى الأجسام). ج - الأعراض حادثة. ٣ - نتيجة مفادها أن: الأجسام حادثة. وأول من سلك هذه الطريقة – من المعتزلة –، واستدل بها على حدوث الأجسام: أبو الهذيل العلاف (٦)، فزعم "أن الأجسام لم تنفك من الحوادث، ولم تتقدمها، وما لم يخل من المحدث، ولم يتقدمه يجب أن يكون محدثا مثله" (٧). وطريقته هذه مبنية على دعاوى أربع: ١ - الأولى: الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأكوان؛ (الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون). ٢ - الثانية: الأعراض زائلة. والأكوان متغيرة. وما كان زائلا، أو متغيرا فهو حادث.

стр. 1414

٣ - الثالثة: كل ما لا ينفك عن الحوادث، ولا يتقدمها فهو حادث. ٤ - الرابعة: الأجسام حادثة؛ لأنها لم تنفك عن الحوادث، ولم تتقدمها (١).وهذه الدعاوى مرتبة – كما ذكر القاضي عبد الجبار–، "فالأولى يجب أن تكون متقدمة، والأخيرة يجب أن تكون متأخرة، والدعويان اللتان في الوسط لا ترتيب فيهما. وإنما قلنا إن الأولى يجب تقديمها؛ لأنها كلام في إثبات هذه المعاني، وما لم نعلمها لا يمكننا وصفها لا بالحدوث ولا بالقدم، كما أنا إذا لم نعلم زيدا، لا يمكننا وصفه بأنه طويل، ولا بأنه أسود. وأما الأخيرة: فإنما وجب تأخيرها؛ لأنها كلام في أن الجسم إذا لم ينفك من المحدث ولم يتقدمه وجب حدوثه مثله. وما لم تثبت الدعاوى الثلاث من قبل لا معنى لهذا الكلام. وأما اللتان هما في الأوسط: فلا ترتيب فيهما؛ لأنهما كلام في أوصاف هذه المعاني، ومتى عرفناها إن شئنا وصفناها أولا بالحدوث، وإن شئنا وصفناها بأن الجسم لم يخل منها" (٢). فالدعوى الأولى هي الأساس في هذه المسألة، وعليها بنيت الدعويان اللاحقتان، وأما الأخيرة، فهي نتيجة مترتبة على الدعاوى السابقة. وقد حرر القاضي عبد الجبار هذه الدعاوى، وحاول أن يثبت صحة كل واحدة منها (٣). ١ - ففي الدعوى الأولى: وهي أن الأجسام لا تنفك عن الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون: بين أن الجسم حصل مجتمعا في حال، وكان يجوز أن يبقى مفترقا، فلا بد له من أمر ثان خصص كونه مجتمعا، وإلا لم يكن حصوله مجتمعا بأولى من حصوله مفترقا (٤).وتصور اعتراضا مفاده: لم لا يجوز أن يكون الجسم مجتمعا لذاته، من غير أمر ثان مخصص، ورد عليه بقوله: (قلنا: لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون مجتمعا أبدا، ولا يكون مفترقا أصلا، ولأنه لو كان كذلك، لوجب أن يكون كل جزء فيه مجتمعا؛ لأن صفة الذات ترجع إلى الآحاد والأفراد دون الجمل. ولأنه لو كان كذلك، لوجب إذا افترق أن يكون مفترقا لذاته، وأيضا فكان يؤدي إلى أن يكون مجتمعا على قصدنا مفترقا دفعة واحدة، وذلك محال. ولأنه لو كان كذلك، لكان يجب ألا يقف كونه مجتمعا على قصدنا ودواعينا، والمعلوم خلافه. ولأنه لو كان كذلك لوجب في الأجسام كلها أن تكون مجتمعة لأنها متماثلة، والاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات" (٥).ثم تصور عبد الجبار اعتراضات أخرى يمكن أن تثار ضد هذه الدعوى، ورد عليها ردودا عديدة، وانتهى من هذا التفنيد الطويل المتشعب إلى إثبات الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (٦). ٢ - وفي الدعوى الثانية: وهي إثبات حدوث الأعراض: استدل عبد الجبار على دعواه "حدوث الأعراض": بأن العرض يجوز عليه العدم، بينما القديم لا يجوز أن يعدم. والعرض لا يجوز أن يكون قديما، وإذا لم يكن قديما، وجب أن يكون محدثا؛ لأن الموجود يتردد بين هذين الوصفين، فإذا لم يكن على أحدهما، كان على الآخر لا محالة (٧). وقد بنى كلامه هذا على أصلين: ١ - أحدهما: أن العرض يجوز عليه العدم. ٢ - والثاني: أن القديم لا يجوز عليه العدم. ويريد أن يدلل بهذين الأصلين على حدوث العرض؛ لجواز العدم عليه، وانتفاء العدم عن القديم. وقد برهن على هذين الأصلين، بما يلي:

стр. 1415

١ - أما الأصل الأول: وهو قوله: (العرض يجوز عليه العدم): فالدليل عليه – كما ذكر عبد الجبار – أن: الجسم المجتمع إذا افترق، فما كان فيه من الاجتماع لا يخلو: إما أن يكون باقيا فيه كما كان. أو زائلا عنه. ومحال أن يكون باقيا فيه كما كان، لحصول الافتراق، فبحصوله زال الاجتماع، وإذا كان زائلا فلا يخلو: إما أن يكون زائلا بطريقة الانتقال. وإما أن يكون زائلا بطريقة العدم. ولا يجوز أن يكون زائلا بطريقة الانتقال؛ لأن الانتقال محال على الأعراض؛ فالعرض يفارق الجوهر تماما، لا ينتقل منه إلى آخر. فلم يبق إلا أن يكون زائلا بطريقة العدم (١). ٢ - وأما الأصل الثاني الذي ذكره عبد الجبار: وهو قوله (القديم لا يجوز عليه العدم): فالدليل عليه – كما زعم -: أن "القديم قديم لنفسه، والموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال. وهذه الدلالة مبنية على أصلين: أحدهما: أن القديم قديم لنفسه. والثاني: أن الموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال" (٢). أولا: القديم قديم لنفسه؛ لأنه لو لم يكن كذلك - على حد قول عبد الجبار، لكان: ١ - إما قديما بالفاعل، وهذا محال؛ لأن من حق الفاعل أن يكون متقدما على فعله، وما تقدمه غيره لا يجوز أن يكون قديما؛ لأن القديم هو ما لا أول لوجوده. ٢ - أو قديما بالمعنى، وهو محال أيضا؛ لأن المعنى لا يخلو؛ إما أن يكون قديما، أو محدثا. ولا يجوز أن يكون محدثا؛ لأن العلة لا تتراخى عن المعلول. ولو كان المعنى قديما لشاركت العلة معلولها، فلم تتميز عنه. ومن شأن العلة أن تتميز عن المعلل، وعدم تميزها يدل على فسادها. فاستحال أن يكون المعنى قديما. وانتفى بذلك أن يكون القديم قديما بالمعنى، فلم يبق إلا أن يقال: إنه قديم لنفسه (٣). ثانيا: الموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال: لأن الذات، أو النفس – كما ذكر عبد الجبار – لما اختصت بصفة صارت ذاتا معلومة، فلو خرجت عن هذه الصفة لخرجت عن أن تكون ذاتا معلومة أصلا، ومن هنا لم يجز على الموصوف بصفة من صفات الذات خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال؛ إذ صفة الذات مع الذات تجرى مجرى صفة العلة مع العلة؛ فكما أن صفة العلة تجب ما دامت العلة، فكذلك صفة الذات تجب ما دامت الذات (٤).وغاية مراد القاضي عبد الجبار من كل هذا الكلام أن يدلل على حدوث الأعراض، وينفي قدمها؛ لأن القدم باق، والباقي لا ينتفي إلا بضد، أو ما يجري مجرى الضد، فيجب ألا ينقضي القديم أصلا؛ لأنه لا ضد له، ولا ما يرجي مجرى الضد (٥). وكذا الأعراض تشتمل على نسب التخالف، والتماثل والتضاد؛ إذ يمكن اجتماع المتخالفين، ويمكن ارتفاعهما، مع اتحاد المكان والزمان. ويمكن ارتفاع المتضادين معا، لكن لا يمكن اجتماعهما مع التحاد الزمان والمكان (٦).وهذه من صفات المحدثات، والقديم لا يجوز عليه ذلك (٧). وأما الدعوى الثالثة: وهي أن الأجسام لا يجوز خلوها من الأكوان؛ التي هي: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون: فقد دلل عليها عبد الجبار بما يلي:

стр. 1416

١ - الجسم لو جاز خلوه عن هذه المعاني، لجاز أن يخلو عنها الآن، بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو. "ألا ترى أن الجسم لما صح أن يكون مجتمعا أو مفترقا الآن، صح أن يكون مجتمعا أو مفترقا في كل وقت وفي كل زمان. ولما استحال أن يكون مجتمعا مفترقا دفعة الآن، استحال أن يكون في كل وقت وفي كل زمان، ولما وجب كونه مجتمعا أو مفترقا الآن وجب ذلك في كل زمن وفي كل مكان. فوجب لو جاز خلوه عنها في كل حال من الأحوال، أن يجوز خلوه عنها الآن بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو، وهذا يوجب لو أخبرنا مخبر بأن في أقصى بلاد العالم جسما ليس بمجتمع ولا مفترق ولا متحرك ولا ساكن أن نصدقه، والعلوم خلافه، فثبت بهذا أن الجسم لا يخلو عن الأكوان في وقت من الأوقات" (١).٢ - كل جسمين، إما أن يكون بينهما بون ومسافة أو لا يكون. فإن كان بينهما بون ومسافة؛ كانا مفترقين. وإن لم يكن بينهما بون ولا مسافة: فهما مجتمعان. فصح أن الجسم لم ينفك عن هذه المعاني (٢). ٣ - لو خلا الجسم عن الاجتماع والافتراق، فالسابق إليه لا يخلو: إما أن يكون الاجتماع، أو الافتراق. فلو قيل: إن الذي سبق إليه هو الاجتماع، لقلنا: كيف يصح تجميع ما لم يكن مفترقا من قبل؟ وإن قيل: إن السابق إليه هو الافتراق؛ نقول: كيف يصح تفريق ما لم يكن مجتمعا؟ (٣). فدل ذلك على أن الجسم لا ينفك عن هذه المعاني. وأما الدعوى الرابعة: وهي قوله: الجسم إذا لم ينفك عن هذه الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون: وجب أن يكون محدثا مثلها: فقد دلل عبد الجبار عليها: بأن "الجسم إذا لم يخل من هذه الحوادث ولم يتقدمها: وجب أن يكون حظه في الوجود كحظها، وحظ هذه المعاني في الوجود أن تكون حادثة وكائنة بعد أن لم تكن. فوجب في الجسم أن يكون محدثا أيضا وكائنا بعد أن لم يكن؛ كالتوأمين إذا ولدا معا، وكان لأحدهما عشر سنين، فإنه يجب أن يكون للآخر أيضا عشر سنين" (٤). وهذا الدليل الذي ساقه عبد الجبار المعتزلي، والدعاوى الأربع التي قام عليها أول من قال بها: أبو الهذيل العلاف؛ أول من سلك هذا المسلك من المعتزلة – كما تقدم. وعلى مسلكه هذا سار المعتزلة كلهم (٥). فهذا الحاكم الجشمي (٦): قد بنى قضية حدوث الأجسام على أربع دعاوى: أولهما: أن ههنا أعراضا غير الأجسام. وثانيها: أنها محدثة. وثالثها: أن الجسم لا يخلو منها. ورابعها: أن الجسم إذا لم يسبقها، فإنه يجب أن يكون محدثا مثلها؛ لقد وجد في حال وجودها، فحظه في الوجود كحظها" (٧).

стр. 1417

وهو في ذلك موافق لأبي الهذيل على مسلكه. ودليله على حدوث الأجسام: "أنها لم تخل من أعراض المحدثات، ولم يتقدم الجسم عليها، فوجب أن يكون حكمه في الوجود كحكمها" (١).وينحو قول الحاكم الجشمي هذا قول ابن المرتضى (٢).وقال محمد بن الحسن الطوسي (٣) – ذاكرا الدعاوى الأربع التي سبقه إلى بيانها أسلافه من المعتزلة:"الأول: أن في الأجسام معاني غيرها" (٤): أي أنها لا تنفك عن الأعراض والأكوان الأربعة؛ الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (٥)."الثاني: أن نبين أن تلك المعاني محدثة" (٦): إذ الأعراض زائلة، والأكوان متغيرة، وما كان كذلك كان حادثا (٧)."الثالث: أن نبين أن الجسم لم يسبقها في الوجود" (٨): فهو لم يتقدمها، وحاله أنه لا ينفك عنها، ولا يخلو منها (٩)."الرابع: أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا" (١٠)، فالأجسام لم تسبق المعاني المحدثة، فحكمها في الحدوث كحكمها، فالأجسام حادثة (١١). وهذا رجع صدى لأقوال أسلافه من المعتزلة. وقال عبد الكافي (١٢) الأباضي (١٣) مدللا على حدوث الأجسام: "نظرنا في هذا العالم، فوجدناه صنفين لا ثالث لهما: إما جسم، أو عرض صفة له. ثم نظرنا في العرض، فإذا هو صفات متضادة، متعاقبة في الجسم، فقلنا: لا تخلو هذه الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة، فبطل أن تكون قديمة؛ لكونها متعاقبة في الجسم، آتية وذاهبة، وليس في إتيان الآتي منها أكثر من حدوثه، ولا في ذهاب الذاهب أكثر من بطلانه وفنائه. وبطل أن تكون هذه الأشياء مجتمعة مع تضادها في الجسم بحال واحدة؛ لبطلان الوصف له بها في حال واحدة. ولو كان الأمر كذلك؛ فجاز أن يسمى الجسم مجتمعا متفرقا، ومتحركا ساكنا، مع سائر تلك الصفات في حال واحدة، فثبت أن بطلان ما بطل منها لم يبطل إلا بحدوث ضده، وأن ما حدث منها لم يحدث إلا بفناء ضده وبطلانه. فلما كان الأمر هكذا، علمنا أن تلك الأشياء بجميعها محدثة كائنة بعد أن لم تكن" (١٤).

стр. 1418

ويلاحظ أن البراهين التي أوردها على دعاويه تكاد تكون مستقاة من كتب القاضي عبد الجبار. إذ حاله كحال سلفه من المعتزلة: يريد أن يثبت أربع دعاوى، فذكر اثنتان منها: ١ - ذكر أن في الجسام معاني؛ من أعراض وأكوان. ٢ - أثبت حدوث هذه المعاني. ثم تعرض للباقيتين: فقال: "نظرنا في الجسم، فوجدناه لا يخلو من هذه الأشياء المحدثات، ولا ينفك عنها، ولا يوجد قبلها، ولا بعدها، ولا يوجد إلا وهي معه". . . – إلى أن قال: -"لما كان الجسم غير عار من هذه الأعراض، ولا منك عنها في حال من أحواله، ولم يوجد إلا وهي به، ولا يتقدمها بحال واحدة، ولا يجوز أن يتأخر بعدها حالا واحدة، وهي بجميعها محدثة – كما وصفنا – قضينا على الجسم بالحدوث، كما قضينا على العرض بالحدوث؛ إذ لم يسبقها، ولم يكن قبلها. ولو كان الجسم قبل هذا العرض المحدث موجودا منفكا منه، لكان ينبغي أن يكون قديما لوجوده قبل المحدث. فلما بطل عن الجسم أن يوجد قبل هذا العرض المحدث – كما وصفنا، بطل عنه عند ذلك الوصف بالقدم، وثبت أنه محدث؛ إذ لم يسبق العرض المحدث، ولم يكن قبله" (١). فالأجسام - على حد قول عبد الكافي – لم تسبق الحوادث ولم تتقدمها، وما لم يسبق الحوادث ولم يتقدمها فهو حادث. وقوله موافق لأقوال المعتزلة الآخرين، وهو مثلهم يركز على قضايا أربع: الأولى: الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأكوان: (الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون). الثانية: الأعراض حادثة؛ لزوالها، أو تغيرها. الثالثة: كل ما لا ينفك عن الحوادث، ولا يتقدمها فهو حادث. الرابعة: الأجسام حادثة؛ لأنها لم تنفك عن الحوادث، ولم تتقدمها. المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – ١/ ٣٤٧

стр. 1419

المطلب الثالث: وجه استدلال المعتزلة بدليل الأعراض وحدوث الأجسام على مذهبهم في الصفات جميع المعتزلة متفقون على نفي صفات الباري جل وعلا. وحقيقة قولهم جميعا: أن ليس لله تعالى علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، وأنه لم يكن في الأزل كلام، ولا إرادة، ولم يكن له في الأول اسم، ولا صفة (١).وهم متفقون على أن الله تعالى لا يرى، ولا يرى نفسه (٢).بل الذي يقول: إن الله يرى بالأبصار، على أي وجه قاله: فهو مشبه لله بخلقه - عند أبي الحسين الخياط المعتزلي (٣). (٤) -، والمشبه - عنده - كافر بالله، والشاك في كفره كافر كذلك، وكذا الشاك في الشاك لا إلى غاية (٥). على أن هذا التكفير ليس محل إجماع من المعتزلة، فهذا القاضي عبد الجبار المعتزلي. يصرح بأنه لا يكفر المخالف في هذه المسألة - أي من يثبت الرؤية معللا ذلك بقوله: "لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلا بذاته ولا بشيء من صفاته" (٦). والمعتزلة متفقون - أيضا - على نفي صفتي السمع والبصر عن الله تعالى؛ فلا الصفتان قديمتان - عندهم -، ولا حادثتان (٧). ويقولون - معللين زعمهم استحالة كون الله سميعا بصيرا -: "وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلا للحوادث، وهو محال. وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما، وكيف يرى العالم في الأزل، والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى" (٨). والمعتزلة متفقون - أيضا - على أن كلام الله تعالى مخلوق له، خلقه في جسم من الأجسام، فكان فيه متكلما، وأنه لم يكن متكلما قبل أن يخلق لنفسه كلاما (٩).والقرآن الكريم - عندهم - محدث، ومخلوق، وعلى هذا إجماع المعتزلة كلهم (١٠).

стр. 1420

فحقيقة قولهم - إذا كما أسلفت -: تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته العلا كلها، وجمهورهم يقولون: إن الله عالم، قادر، حي بذاته، لا بعلم، ولا قدرة، ولا حياة (١).واعتبر بعضهم تلك الصفات عين الذات، فادعى أنه - تعالى - عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو (٢).والفرق بين القولين: أن الأول ينفي الصفات كلها، والثاني يثبت الصفة على أنها بعينها ذات، ويثبت الذات على أنها بعينها صفة (٣)، وهو نفي للصفة في الحقيقة، بل ونفي للذات أيضا. وللمعتزلة حجتان بنوا عليهما نفي الصفات: أولاهما: حجة التركيب: وملخصها عند المعتزلة: أن إثبات صفات أزلية قديمة لله تعالى، زائدة على ذاته، يجعل الصفة تشارك الذات في القدم الذي هو أخص أوصاف الذات - عندهم -. فيقتضي تعدد القدماء، وهو تركيب ينافي التوحيد - بزعمهم-.وأول من عرف عنه الأخذ بهذه الحجة - من المعتزلة -: واصل بن عطاء (٤)، فقد كان ينفي الصفات، زاعما أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، ويدعي أن ذلك شرك خلاف التوحيد، وكان يقول: "من أثبت معنى، وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (٥). وثانيهما: حجة الأعراض: وعنها سيكون الحديث في هذا المطلب - بعون الله. والمعتزلة يأخذون بكلتا الحجتين، ويبنون عليهما تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته. وقد جمع أبو الحسين الخياط المعتزلي بين هاتين الحجتين، فقال في تحليلهما: "إن الله لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما، أو يكون محدثا. ولا يمكن أن يكون قديما: لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا: لأنه لو كان كذلك، يكون قد أحدثه الله؛ إما في نفسه، أو في غيره، أو لا في محل. فإن كان أحدثه في نفسه: أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث. وهذا محال. وإذا أحدثه في غيره: كان ذلك الغير عالما بما حله منه دونه؛ كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره. ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل: لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم. فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" (٦). أما حجة الأعراض: فقد تقدم شرح الدليل عند المعتزلة آنفا، واتضح قولهم: بـ "حدوث الأجسام" لملازمتها للأعراض، أو بعضها؛ كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق.

стр. 1421

والمعتزلة يعتبرون الصفات والكلام أعراضا وحوادث، لو قامت بالله تعالى، للزم قيام الأعراض والحوادث به، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وما كان محلا للحوادث فهو حادث. ولذلك أنكروا قيام الصفات بذاته تعالى (١).والله تعالى ليس بجسم - عند المعتزلة -، وقد نقل أبو الحسن الأشعري، وأحمد بن يحيى بن المرتضى المعتزلي إجماعهم على ذلك (٢).وقد أجمعوا على أن الله خالق الأجسام والأعراض (٣).والصفات الخبرية - من الاستواء، والنزول، والمجيء، واليد، والعينين، والوجه، وغير ذلك - داخلة في عموم الصفات المنفية عن الله تعالى - عند المعتزلة -، وهم يدعون أيضا أن إثبات قيامها بذات الله تعالى: يوم التجسيم، والله تعالى ليس جسما (٤).والمعتزلة يقولون أيضا: لو أن الله تعالى كان عالما بعلم، حيا بحياة، قادرا بقدرة، زائدة على ذاته، قائمة به سبحانه: لكان جسما؛ لأن العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة تحتاج إلى محل مخصوص، والمحل المخصوص لابد أن يكون جسما، والله سبحانه ليس بجسم، ولا يصح أن يكون جسما، وإلا لكان محدثا؛ لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث (٥).يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "وجملة القول في ذلك: هو أنه تعالى لو كان حيا بحياة، والحياة لا يصح الإدراك بها إلا بعد استعمال محلها في الإدراك ضربا من الاستعمال، لوجب أن يكون القديم تعالى جسما، وذلك محال. وكذلك الكلام في القدرة؛ لأن القدرة لا يصح الفعل بها، إلا بعد استعمال محلها في الفعل، او في سببه ضربا من الاستعمال، فيجب أن يكون الله تعالى جسما محلا للأعراض، وذلك يجوز" (٦). فالله - تعالى - عند عبد الجبار: حي لا بحياة، قادر لا بقدرة، عالم لا بعلم، مريد لا بإرادة،. . . وهكذا في سائر صفاته العلا - تعالى وتقدس. يقول - عبد الجبار - في موضع آخر: "كل ما كان مما لا يجوز إلا على الأجسام: يجب نفيه عن الله تعالى، وإذا ورد في القرآن آيات تقتضي بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال" (٧).وهذا مراده وطائفته من تنزيه الله - بزعمهم - عن الأجسام، والجواهر، والأعراض، والمكان: تعطيله - جل وعلا - عن الاتصاف بصفاته العلا؛ من العلم، والقدرة، والحياة، والكلام، والاستواء، وغير ذلك من الصفات التي يسميها هؤلاء أعراضا، ويدعون أنها لا تقوم إلا بجسم (٨).

стр. 1422

وهذا التنزيه - بزعمهم - مجمع عليه عند المعتزلة. وقد نقل أبو الحسن الأشعري إجماعهم على ذلك في كلام طويل أذكر منه: "ليس بجسم، ولا شبح، ولا صورة،. .، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض،. .، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات،. . " (١). والمعتزلة أيضا - يقولون بأن الله لا تحله الحوادث. وحقيقة قولهم: أن ليس لله تعالى فعل اختياري يقوم به، "ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء، أو نزول، أو إتيان، أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلا، بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك" (٢).والملاحظ أن حجتهم على نفي قيام الأفعال به - تعالى - من جنس حجتهم على نفي قيام الصفات كلها به - جلا وعلا؛ فهم - كالجهمية - يسوون في النفي بين هذا وهذا، وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث (٣). ومن ينفي قيام الصفات بالله - جل وعلا - بحجة ما - ينفي قيام الفعل به - تعالى - بتلك الحجة من باب أولى. وهذه الحجة هي دليل الأعراض وحدوث الأجسام - كما تقدم بيان ذلك -: أ- إذ الصفات كلها أعراض وأفعال حادثة - عند المعتزلة. ب- وهي لا تقوم إلا بجسم. ج - والأجسام محدثة. د - فلو قامت به - تعالى - الصفات لكان جسما. هـ - ولو قامت به - وهي حوادث بزعمهم - لم يخل منها. ووما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (٤).لذلك قالوا: لا تقوم بالله الأعراض ولا الحوادث؛ لأنها لو قامت به، لوجب أن يكون - تعالى - جسما، والله ليس بجسم، فأظهروا في الإسلام نفي الصفات والأفعال، وسموا ذلك تقديسا لله عن الأعراض، وتنزيها له عن حلول الحوادث بذاته (٥).فلا يقوم بالله تعالى شيء من الصفات الفعلية ولا غيرها - عند المعتزلة -، بل كل ما يضاف إليه جل وعلا - عندهم - فإنما يعود معناه إلى أمر مخلوق منفصل عنه (٦). إذ هم يجعلون مقتضى الصفة - التي أضافوها إلى الله - مفعولا منفصلا عن الله، لا يقوم بذاته جل وعلا. ويتضح ذلك في صفة "الخلق": فقد فروا من إثبات قيامها بالله، لئلا يكون الله محلا للحوادث، أو جسما - بزعمهم، وقالوا: إن الخلق هو المخلوق (٧).

стр. 1423

وقد خالفهم في ذلك من المعتزلة - والخلاف لفظي؛ إذ الكل ينفي قيام هذه الصفة بالله تعالى: أ- معمر بن عباد السلمي (١)؛ الذي قال بأن الخلق غير المخلوق، وجعل الخلق معنى قائما بالمخلوق؛ أو معاني متسلسلة، ولم يجعله قائما بالخالق جل وعلا فرارا منه عن قيام الحوادث بالله تعالى (٢) - بزعمه. ب- أبو الهذيل العلاف (٣)؛ الذي جعل الخلق لا في محل؛ فقال: إن قول الله تعالى: "كُنْ" لا في محل. وهذا فرار منه عن قيام الحوادث بالله (٤) - بزعمه. وعند التأمل يبدو أن الخلاف بين المعتزلة في هذه المسألة خلاف لفظي، إذ الكل ينفي قيام هذه الصفة بالله تعالى. وقد تأثر ابن كلاب بجمهور المعتزلة، فقال مثلهم بأن الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول، وجعل مقتضى الصفة مفعولا منفصلا عن الله، لا يقوم بذاته جل وعلا. أما في صفة "الكلام": فقد نفت المعتزلة قيام الكلام بالله تعالى مطلقا؛ قديم النوع منه، وحادث الآحاد، وقد بنوا ذلك على قولهم: (الرب لا تقوم به صفة)؛ لأن ذلك يستلزم التجسيم - بزعمهم -؛ إذ الصفة عرض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، والجسم لا يخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (٥).والحوادث: هي جملة من الصفات التي يسمونها: الأعراض، فلو قام به - جل وعلا - كلام متعلق بمشيئته وقدرته، لقامت به الحوادث، التي هي جملة من الأعراض، فيكون جسما محلا للحوادث - على حد زعمهم - ويبطل الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم (٦).لذلك فسروا تكليم الله ﵎ لموسى ﵇ بأنه خلق كلاما في غيره، ليس هو صفة قائمة به (٧)؛ فتكلم بدلا عنه، فقالوا بحدوث كلامه - تقدس عن قولهم وتعالى علوا كبيرا. يقول عبد الجبار المعتزلي: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له: أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروفا منظومة، وأصواتا مقطعة، وقد ثبت فيما هذه حاله أنه محدث؛ لجواز العدم عليه، على ما بيناه في حدوث الأعراض" (٨). ولما كان كلامه - جل وعلا - مخلوقا - عندهم - لزم أن يكون القرآن الكريم مخلوقا؛ لأنه من كلامه - تبارك وتقدس. فلزمهم - إذا - أن يقولوا: "إن القرآن أو غيره من كلام الله مخلوق منفصل بائن عنه؛ فإنه لو كان له كلام قديم، أو كلام غير مخلوق، لزم قدم العالم على الأصل الذي أصلوه؛ لأن الكلام قد عرف العقلاء أنه إنما يكون بقدرة المتكلم ومشيئته" (٩). الخلاصة: ويتضح مما تقدم: أن شبه المعتزلة في تعطيل الباري - جل وعلا - عن صفاته العلا - بالإستناد إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام - تنحصر في أمرين - كأسلافهم من الجهمية -: أولهما: قولهم: إن الله - تعالى - ليس بجسم؛ لأن الأجسام متماثلة، وهي محدثة - على حد زعمهم. ثانيهما: قولهم: لا تقوم بالله - تعالى - الصفات ولا الأفعال؛ لأن المعقول من الصفات والأفعال أعراض حادثة قائمة بجسم، فلو قامت به الصفات لكان جسما - والله ليس بجسم كما قالوا ولو قامت به الصفات - وهي حوادث بزعمهم - لكان محلا لها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. المصدر: الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا - ١/ ٣١٧

стр. 1424

المطلب الأول: رأي العلاف في الصفات ومناقشته ذكرنا في الكلام على رأي الجمهور؛ أن جمهور المعتزلة يرون أن الله عالم بذاته، لا يعلم زائد على ذاته، وهكذا في سائر الصفات. إلا أن أبا الهذيل خالفهم وأتى برأي آخر فقد قال: "إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته. . " (١).ويقول في موضع آخر: "الله عالم بعلم هو هو، وقادر بقدرة هي هو، وحي بحياة هي هو، وكذلك في سائر الصفات. . " (٢).ويقول الخياط: "أن أبا الهذيل (٣) كان يقول: إن الله هو الله. . " (٤).من هذه الأقوال الثلاثة نستطيع أن نعرف مذهب أبي الهذيل في الصفات؛ وهو أنه أثبت صفات هي بعينها ذات، والفرق بين هذا الرأي ورأي جمهور المعتزلة بينه الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) فقال: "إن الذين قالوا إن الله عالم بذاته لا يعلم قد نفوا الصفة، أما أبو الهذيل فإنه أثبت صفة هي بعينها ذات" (٥).والذي يظهر أن هذا الفرق إنما هو فرق في الطريقة لإثبات غاية واحدة وهي نفي الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وهو ما يتفق فيه أبو الهذيل مع الجمهور (٦). إذا فالاختلاف إنما هو في الطريقة لإثبات غاية واحدة. والله أعلم. مصدر رأي أبي الهذيل: يقول الأشعري: "إن أبا الهذيل أخذ قوله في الصفات من أرسطاليس (٧)، وذلك أن أرسطاليس قال في بعض كتبه: "إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ من عند نفسه وقال: علمه هو هو وقدرته هي هو" (٨).ويقول الشهرستاني: "إن أبا الهذيل إنما اقتبس رأيه في الصفات من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بها، بل هي ذاته. . " (٩). من هذين القولين: يظهر لنا أن أبا الهذيل إنما اقتبس رأيه في الصفات من الفلاسفة وخصوصا أرسطاليس. المناقشة: لقد أنكر عباد بن سليمان (١٠) - وهو من مشائخ المعتزلة - على أبي الهذيل قوله هذا في الصفات (١١).ورد عليه القاضي عبد الجبار - وهو من مشائخ المعتزلة المتأخرين - فقال: إن في قول أبي الهذيل تناقضا كيف يكون تعالى عالما بعلم ثم يكون علم ذاته؟! (١٢).وقد انتصر جلال موسى لأبي الهذيل فقال: "إن أبا الهذيل يساير سائر المعتزلة في قوله: إن الله عالم بعلم يسايرهم في أن العلم صفة ذاتية، وإذا لم يقل أنه عالم بذاته فقد قال: إن علمه هو ذاته، ولا فرق بين القولين حتى يقول القاضي عبد الجبار: إن في قول أبي الهذيل نوع من التناقض وإنما ينشأ التناقض إذا كانت الصفات شيئا غير الذات" (١٣).ونقول: إن وافق أبو الهذيل جمهور المعتزلة، فقد لزمه ما لزمهم من رد، وقد سبق الرد عليهم عند إبطال شبههم، وإن لم يوافقهم فقد لزمه رد القاضي عبد الجبار، وكذلك رد البغدادي حيث قال - رادا على أبي الهذيل - "إذا كان علم الله هو الله وقدرته هي هو، كان الله علما وقدرة، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون عالما قادرا، لأن العلم لا يكون عالما، والقدرة لا تكون قادرة، ثم يلزم أن يكون علم الله هو قدرته وبالعكس، وعند ذلك يكون المعلوم لله تعالى مقدورا له أيضا، وهذا يوجب كون ذاته مقدورا له كما كانت معلوما له، فانقطع أبو الهذيل في هذا الإلزام" (١٤). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٩١

стр. 1425

المطلب الثاني: معاني معمر ومناقشتها يقول معمر (١): "كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام به. . . فالحركة مثلا إنما خالفت السكون، لا بذاتها؛ بل بمعنى أوجب المخالفة، وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته، وتضاد الضد الضد؛ كل ذلك عنده بمعنى" (٢).وكان يرى أن كل نوع من الأعراض في كل جسم لا يتناهى أبدا في العدد (٣)، ولذا قال: "إذا كان المتحرك متحركا بحركة قامت به، فتلك الحركة اختصت بمحلها لمعنى سواها؛ وذلك المعنى أيضا يختص بمحله لمعنى سواه. . وهكذا إلى ما لا نهاية" (٤).ويقول الخياط - وهو يشرح رأي معمر هذا -: "لما وجد معمر جسمين ساكنين أحدهما يلي الآخر، ثم وجد أحدهما قد تحرك دون صاحبه كان لا بد عنده من معنى حله دون صاحبه من أجله تحرك؛ وإلا لم يكن بالتحرك أولى من صاحبه، فإذا كان هذا حكما صحيحا، فلا بد أيضا من معنى حدث له حلت من أجله الحركة في أحدهما دون صاحبه؛ وإلا لم يكن حلولها في أحدهما أولى من حلولها في الآخر، وكذلك إن سئل عن ذلك المعنى لم كان علة لحلول الحركة في أحدهما دون صاحبه؟ قال لمعنى آخر، وكذلك أيضا إن سئل عن ذلك المعنى الآخر، كان جوابه فيه كجوابه فيما قبله" (٥).وضرب زهدي جار الله مثلا يوضح رأي معمر هنا، فقال: "إذا نظرنا إلى طاولة فوجدناها حمراء اللون كان ذلك لمعنى خاص، فإذا كانت سوداء كان ذلك لمعنى آخر، وكذلك إذا كانت كبيرة أو صغيرة يابسة أو لينة حديدية أو خشبية؛ كان كل ذلك لمعان خاصة حلت بها، ثم يقول: ويؤخذ من هذا أن الأساس في الطاولة هو ذاتها، لا ما يتعلق بها من الصفات، فالطاولتان لا تختلفان عن بعضهما بالذات؛ لأن ذاتهما واحدة، بل تختلفان فيما يتعلق بهما من الصفات كالحركة والسكون، واللون والحجم، وغير ذلك وهي أمور عرضية لا أهمية لها، وقد فضل معمر أن يدعوها معاني بدل الصفات؛ لأنه ظن أن في هذا ما يخفف من جوهرية الصفات، ويقلل من أهميتها" (٦).ولذا دعي هو وأتباعه أصحاب المعاني (٧).وعلى هذا الأساس بنى معمر قوله في صفات الباري ، فقال: "إن الله عالم يعلم وأن علمه كان لمعنى والمعنى كان لمعنى، لا إلى غاية، وكذلك في سائر الصفات" (٨). أي: أنه جعل ذات الله تعالى واحدة قديمة، وأراد أن يثبت أن الصفات ما هي إلا معان ثانوية لا أهمية لها، فكان بذلك مشتركا في الغاية مع المعتزلة الذين نفوا الصفات وقالوا: إن الله عالم قادر بالذات ومع أبي الهذيل الذي يثبت الصفات، ولكنه يقول إنها هي الذات. غير أن معمرا، وإن اتفق معهم في الغاية، فقد خالفهم في الطريقة لإثبات تلك الغاية، فاهتدى إلى المعاني (٩). مناقشة معمر ومن معه من مثبتي المعاني:

стр. 1426

أولا: يقال لهم أخبرونا عن المعاني التي تدعونها في حركة واحدة أيما أكثر هي أم المعاني التي تدعونها في حركتين؟ فإن أثبتوا قلة وكثرة؛ تركوا مذهبهم وأوجبوا النهاية في المعاني التي نفوا النهاية عنها، وإن قالوا: لا قلة ولا كثرة ههنا، كابروا وأتوا بالمحال الناقض لأقوالهم؛ لأنهم إذا أوجبوا للحركة معنى أوجبوا للحركتين معنيين، وهكذا أبدا فوجبت الكثرة والقلة ضرورة لا محيد عنها. وقد اعترض بعضهم فقال: أخبرونا أليس الله تعالى قادر على أن يخلق في جسم واحد حركات لا نهاية لها، فكان جواب أهل الإسلام لهم بـ "نعم" فتمادوا في السؤال، فقالوا: أخبرونا أيما أكثر ما يقدر الله تعالى عليه من خلق الحركات في جسمين أو ما يقدر عليه من خلق الحركات في جسم واحد؟ فأجاب أهل الحق على ذلك بأنه لا يقع عدد على معدوم، وإنما يقع العدد على الموجود المعدود، والذي يقدر الله تعالى عليه ولم يفعله فليس هو بعد شيئا، ولا له عدد، ولا هو معود، ولا نهاية لقدرة الله تعالى. وأما ما يقدر عليه تعالى ولم يفعله، فلا يقال فيه أن له نهاية، ولا أنه لا نهاية له، وأما كل ما خلق الله تعالى، فله نهاية، وكذا كل ما يخلق إذا خلقه حدثت له نهاية؛ حينئذ لا قبل ذلك، وأما المعاني التي تدعونها فإنكم تدعون أنها موجودة قائمة فوجب أن يكون لها نهاية، فإن نفيتم النهاية عنها لحقتم بأهل الدهر، وكلمناكم بما كلمناهم به. . " (١). وإذا ثبت لها نهاية ثبت لها بداية فأصبحت حوادث والله منزه عن حلول الحوادث فيه، فبطل قولكم. والله أعلم. ثانيا: يقول البغدادي - بعد أن عرض رأي معمر في المعاني -: "وفي هذا القول إلحاد من وجهين: أحدهما: قوله بحوادث لا نهاية لها، وهذا يوجب وجود حوادث لا يحصيها الله تعالى؛ وذلك عناد لقوله تعالى: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨]. ثانيهما: أن قوله بحدوث أعراض لا نهاية لها يؤديه إلى القول بأن الجسم أقدر من الله تعالى، لأن الله عنده ما خلق غير الأجسام، وهي محصورة عندنا وعنده، والجسم إذا فعل عرضا: فقد فعل معه ما لا نهاية له من الأعراض، ومن خلق ما لا نهاية له ينبغي أن يكون أقدر ممن لا يخلق إلا متناهيا في العدد. ثم قال: وقد اعتذر الكعبي (٢) عنه بأن قال: أن معمرا كان يقول: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأما سائر الأعراض، فهي أفعال الأجسام بالطباع. يقول البغدادي: فإن صحت هذه الرواية عنه؛ لزمه أن يكون الطبع الذي نسب إليه فعل الأعراض أقوى من الله ؛ لأن أفعال الله أجسام محصورة، وأفعال الطباع أصناف من الأعراض، كل صنف منها غير محصور العدد. . " (٣). والقول بأن شيئا من مخلوقاته تعالى أقدر منه كفر فما يؤدي إليه أو ينبني عليه مثله. وقد سبق أن بينا أن رأيهم في صفات الباري إنما بنوه على قولهم فيما سواها من الأعراض الموجودة في الأجسام، وقد بطل الأصل وببطلانه يبطل الفرع، والله أعلم. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٩٤

стр. 1427

المطلب الثالث: أحوال أبي هاشملقد تخلص أبو هاشم كسابقه من استعمال لفظة الصفات ودعاها أحوالا فقال: إذا قلنا: إن الله عالم أثبتنا لله حالة خاصة هي العلم، وهي وراء كونه ذاتا، وإذا قلنا: إن الله قادر أثبتنا لله حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتا، وهكذا في سائر الصفات، وتأتي فوق هذه الأحوال حال أخرى عامة توجبها كلها (١).ويقول في موضع آخر: "إن العالم له في كل معلوم حال لا يقال فيها أنها حالة مع المعلوم الآخر، ولأجل هذا زعم أن أحوال الباري في معلوماته لا نهاية لها، وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها، كما أن مقدوراته لا نهاية لها" (٢).ويرى أبو هاشم - أيضا - أن هذه الأحوال لا تعرف على انفراد، فهي على حيالها لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة ولا قديمة ولا محدثة، ولكنها توجد مع الذات وتعرف بعلاقتها بها فقط، فقد يعلم الشيء مع غيره، ولا يعلم على حياله كالجوهر الفرد لا يعلم فيه تأليف ولا مماسة ما لم ينضم إليه جوهر آخر (٣). وتعليل كونها لا موجودة ولا معدومة أن أبا هاشم كان يرى أن المعدوم شيء، فإذا قال: إن الأحوال موجودة أو معدومة أثبتها أشياء أو ذواتا. وتعليل كونها لا معلومة ولا مجهولة: أن أبا هاشم لو قال ذلك للزمه أن يثبتها أشياء أيضا، لأن من رأيه أنه لا يعلم إلا ما يكون شيئا، ولا قال إنها متغايرة؛ لأن التغير لا يقع إلا على الأشياء والذوات (٤)؛ أما تعليل كونها لا قديمة ولا محدثة، أنها لو كانت قديمة لشاركت الذات الإلهية في القدم، ولو كانت محدثة، لكان الله تعالى محلا للحوادث (٥).ويقول البغدادي: "إنما ألجأ أبا هاشم إلى القول بالأحوال سؤال ورد من قدماء المعتزلة عن العالم منا هل فارق الجاهل بما علمه لنفسه أو لعله؟، وأبطلوا مفارقته إياه لنفسه مع كونهما من جنس واحد وبطل أن تكون مفارقته إياه لا لنفسه ولا لعلة؛ لأنه لا يكون حينئذ بمفارقته له أولى من آخر سواء فثبت أنه إنما فارقه في كونه عالما لمعنى ما، ووجب أيضا أن يكون لله تعالى في مفارقة الجاهل معنى أو صفة فارقة بها فزعم أنه إنما فارقه لحال كان عليها (٦).ويتضح من عرضنا لأحوال أبي هاشم أن غايته كغاية معمر وسائر المعتزلة، وهي التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها، ولذلك رفض استعمال لفظ الصفات واستعاض عنها بالأحوال. فقال: إن الصفات على حيالها ليست أشياء وذواتا وأنها لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة، وأنها لا توجد إلا إذا تعلقت بالذات ظانا أنه بذلك يخفف من جوهرية الصفات ويقلل من أهميتها، فجاءت أحواله شبيهة من وجوه عديدة بمعاني معمر، وكانت محاولته مماثلة لمحاولة معمر (٧).المناقشة: لقد رفض أهل السنة والجماعة أحوال أبي هاشم لذلك رد عليه كثير من العلماء كابن حزم والباقلاني (٨) والشهرستاني والبغدادي ونشير إلى بعض ردودهم عليه، فنقول وبالله التوفيق. أولا: يقول ابن حزم ﵀ في جملة رده على مثبتي الأحوال: "أخبرونا عن هذه الأحوال، هل هي معان ومسميات. . محدودة، أم ليست معاني. .؟ ".

стр. 1428

إن قالوا ليست معانيا ولا محدودة ومتميز بعضها عن بعض، ولا لها مسميات؛ قيل لهم: فهذا هو معنى العدم حقا، فلم قلتم أنها ليست معدومة؟!، فإن قالوا: هي معان. . ولها مسميات محدودة متميز بعضها عن بعض: قيل لهم: هذه صفة الموجود، فلم قلتم أنها ليست موجودة؟! وبذلك يبطل قولهم: إنها ليست موجودة ولا معدومة، ويقال لها أيضا: هذه الأحوال أتقولون أنها معقولة أم لا؟. إن قالوا: إنها معقولة كانوا قد أثبتوا لها معاني وحقائق من أجلها عقلت؛ فهي موجودة لأن المعدوم ليس معقولا، ويقال لهم: هل الأحوال في اللغة وفي المعقول إلا صفات لدى حال؟ وهل الحال في اللغة إلا بمعنى التحول من صفة إلى أخرى؟ يقال: هذه حال فلان اليوم، وكيف كانت حالك بالأمس، فإذا كان الأمر هكذا ولا بد فهذه الأحوال موجودة حقا مخلوقة ولا بد، فظهر فساد قولهم أنها غير مخلوقة، ثم قال: ونقول لهم: قلتم: أنها لا حق ولا باطل، وكل ذي حس سليم يعلم أن كل ما لم يكن حقا فهو باطل، وما لم يكن باطلا فهو حق، هذا الذي لا يعقل غيره. قوله تعالى: فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣٢]. وقوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [الأنفال: ٨]. وقوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر: ٩]. وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢]. فقد قطع الله تعالى أنه ليس إلا حق أو باطل، وليس إلا علم أو جهل، وهو عدم العلم، وليس إلا وجود أو عدم، وليس إلا شيء مخلوق أو الخالق أو لفظة العدم التي لا تقع على شيء. . فقد أكذبهم الله في دعواهم ولا يشك ذو حس سليم أن ما لم يكن باطلا فهو حق، وما لم يكن حقا فهو باطل، وما لم يكن معلوما فهو مجهول، وما لم يكن مجهولا فهو معلوم، وما لم يكن شيئا فهو لا شيء، والعكس كذلك وما لم يكن موجودا فهو معدوم، وما لم يكن معدوما فهو موجود. . هذا كله معلوم بالضرورة ولا يعقل غيره. . ثم قال: ولا فرق بين ما قالوه في هذه القضية، وبين القول اللازم لهم ضرورة، وهو أن تلك الأحوال معدومة موجودة معا معلومة مجهولة معا. وهذا هو نفس قولهم ومقتضاه؛ لأنهم إذا قالوا: ليست حقا فقد أوجبوا أنها باطل، وإذا قالوا: ولا هي باطل فقد أوجبوا أنها حق، وهكذا في سائر ما قالوا. . " (١). واجتماع المتضادين معلوم بالضرورة بطلانه فما يؤدي إليه مثله. ثانيا: يقال لهم: هذه الأحوال لا تخلو إما أن تكون غير معلومة أو معلومة. إن كانت غير معلومة فلا سبيل إلى معرفتها والدلالة عليها، والعلم بأنها لزيد دون عمرو؛ لأن ما ليس بمعلوم لا يصح قيام دليل عليه، ولا أن يعلم اضطرارا، ولا أن يعلم أنه لزيد دون عمرو؛ لأن العلم بأن الحال حال لفلان فرع عن العلم بالحال. وكذلك العلم بأنها معلومة بالاستدلال دون الاضطرار فرع للعلم بها جملة، فإذا استحال العلم بها جملة، استحال العلم بأنها لفلان دون فلان، وأنها معلومة بالاستدلال دون الاضطرار. ومما يدل على فساد قولكم أنها غير معلومة، أنه لا يخلو العلم بأن النفس على الحال من أن يكون علما بالنفس فقط دون الحال أو علما بالحال فقط دون النفس أو علم بهما جميعا أو علما لا بالنفس ولا بالحال.

стр. 1429

فإذا كان علما لا بالنفس ولا بالحال فذلك محال من قولنا وقولكم جميعا. وإن كان علما بالنفس دون الحال فذلك محال وموجب لأن يكون العلم بالنفس أنها نفس علما بالحال وأن يكون كل من علم ذات من له الحال ووجوده، علم اختصاصه بتلك الحال؛ وذلك محال. وإن كان العلم بأن النفس على الحال علما بالحال فقط فقد ثبت أن الحال معلومة وإن كان العلم بذلك علما بالنفس والحال، فقد وجب أن يكونا معلومين جميعا، وأن تكون الحال معلومة كما أن النفس معلومة وهذا يبطل قولكم أن الحال غير معلومة. وإن كانت هذه الحال معلومة وجب أن تكون إما موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة استحال أن توجب حكما وأن تتعلق بزيد دون عمرو وبالقديم دون المحدث، وإن كانت موجودة، وجب أن تكون شيئا وصفة متعلقة بالعالم، وهذا قولنا الذي نذهب إليه، وإنما يحصل الخلاف في العبارة، وفي تسمية هذا الشيء علما أو حالا، وليس هذا بخلاف في المعنى فوجب صحة ما نذهب إليه من إثبات الصفات، وبطلان قولكم أنها أحوال (١).ومما يدل على بطلان هذه الأحوال التي تزعمونها أن كل حال يحتاج إلى حال أخرى، وهكذا فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية وهو باطل فما يؤدي إليه مثله (٢). وبذلك تبطل أحوال أبي هاشم. والله أعلم. ويحسن قبل أن نختم الكلام على موقف المعتزلة من الصفات أن نشير إلى أن أهم ما ظهر لنا من ذلك أن المعتزلة سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات، فأغلبيتهم وعلى رأسهم النظام نفاها فقال: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات. وبعضهم أثبتها اسما ونفاها فعلا فقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وهكذا في بقية الصفات، فكان مجتمعا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات والمقصود بنفي الصفات نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها (٣). وذلك أنهم - كما ذكرنا - يجعلونها عين الذات، فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته، ثم قلنا: أنه خرج لهم بعد ذلك آراء أخرى أهمها معاني معمر وأحوال أبي هاشم، وهذان الرأيان يجتمعان في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات، ومتميزة عنها. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٩٧

стр. 1430

المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإرادة ومناقشتهم لقد اختلف المعتزلة في موقفهم من الإرادة، وأهم آراءهم في ذلك؛ رأيان: أحدهما: رأي البصريين ومن تبعهم من المعتزلة، ويتلخص هذا الرأي في أن الله تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل (١). ثانيهما: للنظام والكعبي، ومن تبعهما: وهؤلاء ينفون الإرادة عن الله أصلاً. وسنعرض - إن شاء الله - هذين الرأيين من أقوالهم، أو أقوال من نقل عنهم، ثم نرد عليهم، فنقول وبالله التوفيق: الرأي الأول: رأي البصريين ومن تبعهم: يقول القاضي عبدالجبار: "وقال شيخنا أبو علي، وأبو هاشم - رحمهما الله - ومن تبعهما أنه تعالى مريد في الحقيقة، وأنه يحصل مريداً بعد ما لم يكن إذا فعل الإرادة، وأنه يريد بإرادة محدثة، ولا يصح أن يريد لنفسه ولا بإرادة قديمة، وأن إرادته توجد لا في محل" (٢).ويقول في موضع آخر: " ... واعلم أنه تعالى مريد عندنا بإرادة محدثة موجودة لا في محل" (٣).ويروي البغدادي رأي المعتزلة البصريين في الإرادة، فيقول: "إن البصريين من المعتزلة قالوا: إن إرادة الله تعالى ليست قديمة بل محدثة لا في محل، بها يخصص الله الأشياء بالوجود دون العدم" (٤). من هذه النقول نستطيع أن نعرف رأي البصريين ومن تبعهم من المعتزلة في الإرادة، وهو أن الله تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل. المناقشة: علمنا من عرضنا لرأي البصريين من المعتزلة في الإرادة: أن رأيهم يتلخص في أن الله مريدا بإرادة حادثة لا في محل. إذاً الرد عليهم سيتضمن - إن شاء الله - الرد على قولهم الله مريد بإرادة حادثة، ثم على قولهم لا في محل. أ- الرد على قول البصريين "الله مريدا بإرادة حادثة ... ":إن قول البصريين بحدوث إرادة الله تعالى باطل؛ وذلك أنه قد ثبت أن إحداث المحدثات موقوف على الإرادة، فلو كانت الإرادة محدثة لافتقر إحداثها إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، والقول بالتسلسل باطل فما يؤدي إليه مثله من القول بحدوث الإرادة (٥).وأيضاً: فإن الإرادة صفة، والصفة قديمة بقدم موصوفها (٦)، كما بيناه في مقام سابق عند الرد على رأي جمهور المعتزلة في الصفات عامة. ب- الرد على قول المعتزلة "الله مريد بإرادة ... لا في محل". إن قول المعتزلة "الله مريد بإرادة ... لا في محل" باطل من وجوه منها: الأول: أن وجود عرض لا في محل بعيد عن العقول، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز وجود سواد لا في محل وبياض لا في محل؟، وكذا القول في سائر الأعراض (٧) ... يقول الشهرستاني - في معرض رده على من قال بهذا القول-: "ويستحيل كون الإرادة لا في محل، فإن الإرادة من جملة الأعراض، واحتياج الأعراض إلى المحل صفة ذاتية لها، ومن المحال ثبوتها دون الوصف الذاتي ... " (٨).

стр. 1431

وإذا كانت الأعراض تستلزم محلاً تقوم به، فإن الإرادة تستلزم محلاً تقوم به كسائر الأعراض، وعليه فإن القول بأن الله مريد بإرادة لا في محل باطل. الثاني: أن ذوات الحيوانات تصلح عليها صفة المريدية، فلو جوزت إرادة لا في محل لكانت نسبة تلك الإرادة إلى ذات الله تعالى كنسبتها إلى سائر الذوات فوجب: أن توجب صفة المريدية لكل من يصلح أن يكون مريداً لعدم الاختصاص، فيلزم أن يكون كل ما يريده الله تعالى يريده كل الأحياء وذلك باطل فما يؤدي إليه مثله من القول بحدوث الإرادة لا في محل (١). الثالث: يلزم على قولكم "الله مريد بإرادة لا في محل "أن يكون الله تعالى مريداً بإرادة قائمة لا في ذاته، ولو جاز أن يكون تعالى مريد بإرادة قائمة لا في ذاته لجاز أن يكون عالماً بعلم قائم لا في ذاته، وقادر بقدرة قائمة لا في ذاته إلى غير ذلك من الصفات، وهذا لا تقولون به، ولجاز أيضاً أن يكون الواحد منا علاماً وقادراً بعلم قائم لا في ذاته وقدرة قائمة لا في ذاته، وهذا مما لا تقولون به أيضاً والتحكم بالفرق من غير دليل مما لا سبيل إليه. وهذه اللوازم معلوم بطلانها بالضرورة؛ بل أنتم لا توافقون عليها، وإذا كانت هذه اللوازم باطلة بطل ما يؤدي إليها من القول بأن الله مريد بإرادة ... لا في محل (٢).الرابع: يقال لهم من رأيكم أن المتماثلين يجب اشتراكهما في الواجبات والجائزات وما يستحيل، ثم أوجبتم لإرادتنا القيام بالمحال، فلماذا لم تلتزموا ذلك في إرادة الباري تعالى (٣)؟!.ثم أنه لو لم تكن الإرادة قائمة به تعالى فقول القائل مريد بها هجر من الكلام كقوله: مريد بإرادة قائمة في غيره (٤)!. وبما ذكرنا يظهر بطلان قول المعتزلة "الله مريد بإرادة حادثة لا في محل" ويتبين أن إرادته تعالى أزلية قائمة في ذاته تعالى. والله أعلم. الرأي الثاني: رأي النظام والكعبي ومن تبعهما في الإرادة: ذكرنا أن البصريين من المعتزلة يرون: أن الله مريد بإرادة حادثة لا في محل، إلا أنه وجد من المعتزلة من ينفي الإرادة عن الله أصلاً، وذلك كالنظام والكعبي اللذين قالا: إن الله تعالى غير مريد على الحقيقة وأنه لا يوصف بها إلا مجازاً، فإذا قلنا أن الله تعالى مريد في الأزل، فمعناه أنه عالم قادر غير مكره على فعله، ولا كاره له، وإذا قلنا: أنه مريد لأفعاله؛ فالمراد أنه خالقها ومنشئها على وفق علمه، وإذا قلنا أنه مريد لأفعال عباده، فالمعنى أنه آمر بها (٥).يقول القاضي عبدالجبار: "وقال إبراهيم النظام: إن إرادة الله تعالى إنما هي فعله أو أمره أو حكمه" (٦).يقول في موضع آخر: "والمحكي عن شيخنا أبي الهذيل ﵀ أن إرادة الله غير المراد، فإرادته لما خلقه هي خلقه له ... وإرادته لطاعات العباد؛ هي أمرهم بها" (٧).وقال في موضع ثالث: "وقال الجاحظ: إنه تعالى مريد بمعنى أن السهو منه في أفعاله، والجهل بها لا يجوز عليه ... " (٨). المناقشة: أولاً: يقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله الكفر والعصيان، وهو لا يريدها، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان، لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه تعالى - عندكم - أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه؛ وعلى هذا فأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لم يشأ لا يكون (٩).ثانياً: يلزم على قولكم بنفي الإرادة أن تكون الأفعال غير اختيارية شبيهة بالأفعال الطبيعية عند أهل الطبائع، وهذا باطل فما يؤدي إليه مثله (١٠). ثالثاً: يلزم من نفي الإرادة عن الله تعالى وصفه بالعجز، وهو صفة نقص تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ووصف الله بالنقص باطل، فما يؤدي إليه مثله. رابعاً: يلزمكم مع كل ما ذكرنا ما لزم نفاة الصفات من الردود، وقد سبق بيان ذلك عند الرد على المعتزلة في موقفهم من الصفات عامة. والله أعلم، وهو ولي التوفيق. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٠٣

стр. 1432

المطلب الثاني: رأي المعتزلة في صفتي السمع والبصر ومناقشتهم لقد اختلف المعتزلة في المقصود بهاتين الصفتين بعد أن اتفقوا عموماً على نفيهما، فلا هما قديمان، ولا حادثان (١).يقول الشهرستاني: "واتفقت المعتزلة على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته تعالى؛ لكن اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها ... " (٢). إذاً المعتزلة قد اتفقت على أن السمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته تعالى، لكنهم اختلفوا في وجوه وجودها، ومحامل معانيها على أقوال، أهمها ما يلي: القول الأول: قول الجبائي وابنه، ومن تابعهما من البصريين: ويتلخص رأيهم في أن الله سميع بصير، بمعنى أنه حي لا آفة به تمنعه من إدراك المسموع والمرئي إذا وجدا؛ ذلك أنهم ... يرون أن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة، سمي سميعاً بصيراً. يقول ابن منتويه: "والذي يبين أن الحياة غير متعلقة ... إلى أن قال: فإذا صح أن لا متعلق لهذه الصفة، كان أخص ما يذكر في توابعها كونه سميعاً بصيراً، لأنه من حكم كونه حياً، ألا ترى أن معناه أنه حي لا آفة به ... " (٣).ويقول البغدادي - وهو يحكي مذاهب المخالفين له في صفتي السمع والبصر - فيقول: "والفرقة الرابعة قدرية البصرة، قالوا: إن الله تعالى لم يزل سميعاً بصيراً على معنى أنه كان حياً لا آفة به تمنعه من إدراك المسموع إذا وجد" (٤).ويقول في موضع آخر: "وزعم الجبائي وابنه: أن الله لم يزل سميعاً؛ بمعنى أنه كان حياً لا آفة به تمنعه من إدراك المسموع إذا وجد ... " (٥).ويحكي الشهرستاني آراء المعتزلة في معنى كونه تعالى سميعاً بصيراً، فيقول: " ... ومن قال من المعتزلة أن المعني بكونه سميعاً بصيراً، أنه حي، لا آفة به، فمذهبه بخلاف مذهب الكعبي، وهو الذي صار إليه الجبائي وابنه ... " (٦).ويروي الشهرستاني في موضع آخر: أن الجبائي قال: "إن الحي إذا سلمت نفسه عن الآفة سمي سميعاً بصيراً ... " (٧). هذا هو رأي الجبائي وابنه، ومن تابعهما من البصريين في معنى وصف الله بالسمع والبصر. القول الثاني: رأي النظام والكعبي، ومن تابعهما من البغداديين في معنى السميع والبصير: ويتلخص رأيهم في أن الله تعالى لا يسمع، ولا يبصر شيئاً على الحقيقة، وتأولوا وصفه بالسميع والبصير، على معنى العلم بالمسموعات والمرئيات. يقول الشهرستاني: "وذهب الكعبي، ومن تابعه من البغداديين إلى أن معنى كونه تعالى سميعاً بصيراً؛ أنه عالم بالمسموعات والمبصرات ... " (٨).ويقول البغدادي: "وزعم الكعبي أن الله تعالى لا يرى نفسه ولا غيره؛ إلا على معنى علمه بنفسه، وبغيره، وتبع النظام في قوله: إن الله تعالى لا يرى شيئاً في الحقيقة ... " (٩).ويقول في موضع آخر: "وزعم الكعبي، والبغداديون من المعتزلة؛ أن الله تعالى لا يسمع شيئاً على معنى الإدراك المسمى بالسمع، وتأولوا وصفه بالسميع والبصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التي يسمعها غيره، والمرئيات التي يراها غيره ... " (١٠).ويقول في موضع ثالث: "وزعم الكعبي والنظام أن كون الإله سامعاً؛ إنما يفيد كونه عالماً بالمسموع ... " (١١).

стр. 1433

من هذه الأقوال؛ يظهر أن النظام والكعبي، ومن تابعهما من البغداديين يظهر أنهم يرون أن الله لا يسمع، ولا يبصر شيئاً على الحقيقة، ويؤولون وصفه بالسميع والبصير على معنى العلم بالمسموعات والمرئيات. ولذا يقول الكعبي - وهو يشرح هذا الرأي -: "إن الذي يجده الإنسان من نفسه إدراكه للمسموع والمبصر بقلبه وعقله، فهو لا يحس بصره بالمبصر؛ بل يحس المبصر، ويسمع المسموع؛ وذلك هو العلم حقيقة، ولما كان ذلك العلم لا يحصل إلا بوسائط سمعه وبصره؛ سمي كل من السمع والبصر حاسة، وإلا فالمدرك هو العالم، وإدراكه ليس زائداً على علمه، والدليل على ذلك: أن من علم شيئاً بالخبر ثم رآه بالبصر، وجد أن شعور النفس بهما في الحالتين واحدة، فهو لا يجد فرقاً إلا في الجملة والتفصيل والعموم والخصوص، وليس فرق جنس وجنس، أو نوع ونوع" (١). من عرضنا لرأي المعتزلة في صفتي السمع والبصر، نستخلص أنهم قد اتفقوا على نفيهما قائمتين بذاته تعالى حقيقة، ولذا فإنهم أولوا ما ورد في الكتاب والسنة من إشارة إلى هاتين الصفتين، بأن المقصود بهما حياته، كما يراها البصريون أو العلم، كما يراها البغداديون .... الرد على المعتزلة في نفيهم لصفتي السمع والبصر: إن قول المعتزلة بنفي صفتي السمع والبصر عن الله تعالى باطل، وبيان ذلك أن النقل والعقل قد دلا على ثبوت صفتي السمع والبصر له تعالى، فالقول بنفيهما مخالفة للنقل الصريح من الكتاب والسنة ومخالفة للعقل الصحيح، وما خالفهما باطل بالاتفاق. فمن النقل: قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشوري: ١١]. ففي هذه الآية دلالة صريحة على وصف الله تعالى بالسمع والبصر. وقال تعالى حاكياً ما قاله إبراهيم ﵇ لأبيه-: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]. وجه الدلالة: يقول ابن خزيمة: "أفليس من المحال أن يقول خليل الرحمن لأبيه: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]. فيعيبه بعباده ما لا يسمع، ولا يبصر، ثم يدعوه إلى عبادة ما لا يسمع ولا يبصر كالأصنام التي هي من الموتى لا من الحيوان ... " (٢). فدل ذلك على ثبوت صفتي السمع والبصر له تعالى على ما يليق بجلاله. وقال تعالى: أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٣٤ - ٤٤]. وجه الدلالة: يقول ابن خزيمة: "إن الله تعالى أخبر بهذه الآية أن، من لا يسمع، ولا يعقل كالأنعام، فدل على ثبوت صفتي السمع والبصر له ؛ وإلا لزم اتصافه تعالى بصفة النقص التي أثبتها لمن لا يسمع ... تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" (٣).وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا، فقال ﷺ : ((أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً ... الحديث)) (٤).

стр. 1434

ففي هذا الحديث كالآيات دلالة على اتصافه تعالى بصفتي السمع والبصر قائمتين بذاته تعالى حقيقة. يقول البيهقي - في كتابه (الأسماء والصفات) -: "السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير: من له بصر يدرك به المرئيات، ولكل منهما في حق الباري تعالى صفة قائمة بذاته تعالى (١).ومن العقل ما يقوله الباقلاني: حيث قال: "والدليل على أنه تعالى سميع بصير .... أنه قد ثبت أنه تعالى حي، والحي يصح أن يكون سميعاً بصيراً ... ومن عرى من هذه الأوصاف مع صحة وصفه بها، فلابد من أن يكون موصوفاً بأضدادها ... من العمى والصمم، وهذه الأمور آفات قد اتفق على أنها تدل على حدوث الموصوف بها، فلم يجز وصف القديم بشيء منها، فوجب أن يكون سميعاً بصيراً ... " (٢). وإذا ثبت بالنقل والعقل، أنه تعالى سميع بصير، بطل ما يزعمه النفاة؛ من أنه تعالى ليس بسميع، ولا بصير بسمع وبصر قائمين في ذاته تعالى على ما يليق بجلاله. إضافة إلى هذا: فإنه سبق أن عرضت لشبهات المعتزلة في نفي الصفات في مبحث موقف المعتزلة من الصفات عامة، ورددت عليها، وعلى ذلك فإنه يبطل رأي المعتزلة في نفي صفتي السمع والبصر ببطلان رأيهم في نفي سائر الصفات، لأن شبهاتهم التي نفوا بسببها الصفات: عامة لجميع الصفات، وليست خاصة بصفات بعينها. والله أعلم، وهو ولي التوفيق. ثانياً: الرد على الجبائي وابنه، ومن تابعهما من البصريين في تأويلهم السميع، والبصير بالحي الذي لا آفة به: عرفنا - فيما سبق - عند عرضنا لرأي الجبائي وابنه، ومن تابعهما أنهم يرون: أن الله سميع بصير بمعنى أنه حي لا آفة به: وهذا التأويل مما يظهر بطلانه، وإليك شيئاً من الردود التي وجهت لأصحاب هذا الرأي. أولاً: يقال لهم أطلقتم القول بنفي الآفة، وهو ليس بشرط بالاتفاق، فإن السميع والبصير قد يكون ذا آفة، وذا آفات كثيرة (٣). فإن قيل: ليس السميع هو من سلبت عنه الآفة مطلقاً؛ بل من سلبت عنه الآفة في محل السمع ... قيل لهم: هذا القول باطل أيضاً، فإن من قال: السمع: هو نفي الآفة في محل السمع، فكأنه قال: السميع: هو من له السمع في محل السمع، ولو قال: السميع هو من له السمع؛ لكان ذلك كافياً عن ذكر المحل، وإذا كان كافياً، فكأنه قال: السميع: هو الذي لا آفة به، وإذ ذاك فإنه يرجع الكلام الأول بعينه (٤). وإذا كان لا يلزم من نفي الآفة وجود السمع والبصر، ولا ينتفي بوجودها، فإن تفسير السمع والبصر بنفي الآفة باطل. ثانياً: إن الذي يحسه الإنسان من نفسه معنى موجود لا نفي محض، وقولهم: لا آفة به نفي محض، فلا يتصور الإحساس به، ويستحيل أن ترجع التفرقة بين حالتي الإدراك وعدم الإدراك إلى عدم محض؛ فحينئذ تنعدم التفرقة، فإن التفرقة بالعدم، وعدم التفرقة سواء ... (٥).

стр. 1435

ثالثاً: يقول الشهرستاني - وهو يرد على الجبائي ومن معه -: "نحن ندرك تفرقة ضرورية بين كون الإنسان سميعاً، وبين كونه بصيراً، وهما متفقان في أن معنى كل واحد منهما أنه حي لا آفة به، فهذه التفرقة ترجع إلى ماذا؟ فلابد من أمرين زائدين على كونه حياً لا آفة به حتى يكون بأحدهما سميعاً، وبالثاني بصيراً، وإلا فتبطل التفرقة الضرورية فالذي انفصل به السمع عن البصر وراء كونه حياً لا آفه به، فكذلك الذي انفصل به السمع والبصر عن العلم وسائر الصفات وراء كونه حياً لا آفه به. ثم قال - أي: الشهرستاني-: ولئن ألزم الجبائي بأن يقال معنى كونه عالماً قادراً أنه حي لا آفة به حتى يرد الصفات كلها إلى كونه حياً لا آفه به لم يجد عن هذا الإلزام مخلصاً (١).رابعاً: ويقول الآمدي - في معرض رده على الجبائي ومن معه من البصريين -: "إن العقل السليم يقضي بفساد قول من فسر السمع والبصر بنفي الآفة دون العلم والقدرة وغيرها من الصفات، مع أنه لو سئل عن الفرق لم يجد عنه مخلصاً، بل كل ما تخيل من منع تفسير العلم والقدرة بانتفاء الآفة فهو بعينه في الإدراك حجة لنا" (٢). من مجموع هذه الردود يتضح بطلان رأي الجبائي ومن معه من البصريين في تفسيرهم "السميع البصير" بالحي الذي لا آفة به. والله أعلم. ثالثا: الرد على البغداديين في تأويلهم صفتي السمع والبصر بالعلم: عرفنا - فيما سبق - أن النظام، والكعبي، ومن تابعهما من البغداديين أنهم يرون؛ أن المراد بوصف الله بالسمع والبصر؛ إنما المراد به العلم، فقولنا: الله سميع بصير، أي: عليم. وهذا القول ظاهر البطلان لما يلي:-١ - أن في هذا التأويل نفي لصفتي السمع والبصر قائمتين بذاته حقيقة، وتأويل لهما بالعلم، مع أنه روى أبو هريرة ﵁ ((أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] فوضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينيه)) (٣).ويقول ابن القيم ﵀: "وإنما فعل ذلك ﷺ رفعاً لتوهم متوهم أن السمع والبصر غير العينين المعلومتين ... " (٤).ويقول البيهقي - بعد أن أورد هذا الحديث للدلالة على ثبوت صفتي السمع والبصر لله تعالى - قال: "والمراد بالإشارة المروية في هذا الخبر تحقيق الوصف لله بالسمع والبصر، فأشار إلى محلي السمع والبصر منا؛ لإثبات صفة السمع والبصر لله تعالى، كما يقال: قبض فلان على مال لفلان، ويشار باليد على معنى أنه حاز ماله، وأفاد هذا الخبر أنه سميع بصير له سمع وبصر حقيقيان، لا على معنى أنه عليم؛ إذ لو كان بمعنى العلم، لأشار في تحقيقه إلى القلب، لأنه محل العلوم منا، وليس في الخبر إثبات الجارحة تعالى الله عن شبه المخلوقين علواً كبيراً ... " (٥). فدل هذا الحديث على ثبوت صفتي السمع والبصر لله تعالى حقيقة، وبطلان تأويلهما بالعلم. ٢ - إن ألفاظ الشرع؛ إنما تصرف عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع، ولا استحالة في كونه سميعاً بصيراً، بل يجب أن يكون كذلك، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن.

стр. 1436

فإن قيل وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلاً للحوادث، وهو محال، وإن كانا قديمين، فكيف يسمع صوتاً معدوماً؟ وكيف يرى العالم في الأزل؟ والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى. فالجواب: أن يقال أنتم معشر المعتزلة تسلمون أن الله تعالى يعلم الحادثات، فهو يعلم الآن أن العالم كان موجودا قبل هذا الوقت، لكن كيف علم في الأزل أنه كان موجوداً، وهو بعد لم يكن موجوداً؟ فإن جاز إثبات صفة في الأزل تكون عند وجود العالم، علماً بأنه كائن، وقبله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وهو لا يتغير، عبر عن هذه الصفة بالعلم والعالمية، جاز ذلك في السمع، والسمعية، والبصر والبصرية (١). ٣ - يلزم من تأويل صفتي السمع والبصر بالعلم، تسوية الله تعالى بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في السماء أصواتاً، ولا يسمعها، ولا شك أن في تسوية الله تعالى بالأعمى والأصم تنقص له تعالى، وهو باطل، فما يؤدي إليه مثله من تأويل لهاتين الصفتين بالعلم.٤ - كذلك رد الأشعري على من أول السمع والبصر بالعلم، فقال: "وزعمت المعتزلة أن قوله تعالى: سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:١٣٤] أن معناه عليم ... قيل لهم: فإذا قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. فمعنى ذلك - عندكم - علم. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم" (٢). وهذا باطل، فما يؤدي إليه من تأويل السمع والبصر بالعلم مثله. ويقول في موضع آخر: " .... فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى "سميع بصير" عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟ ... فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدوراً. قيل لهم: ولو كان معنى سَمِيعًا بَصِيرًا معنى عالم؛ لكان كل معلوم مسموعاً، وإذا لم يجز ذلك، بطل قولكم" (٣).٥ - يقول البغدادي: "وزعم النظام والكعبي أن كون الإله سامعاً؛ إنما يفيد كونه عالماً بالمسموع .... وهذا باطل، لأن الواحد منا يسمع الصوت فيكون عالماً به في حال السماع، ثم يكون عالماً به في الحال الثانية، ولا يكون سامعاً فصح بهذا أن السمع للشيء غير العلم به ... " (٤). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٠٧

стр. 1437

المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم حقيقة الكلام عند المعتزلة: هو الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، شاهداً وغائباً (١).وقد انتقد القاضي عبدالجبار هذا التعريف قائلاً: إن فيه إخراج لما يتألف من حرفين من أن يكون كلاماً، وفيه ضرب من التكرار؛ لأن الأصوات المقطعة هي الحروف المنظومة، ولذلك فقد عرفه بتعريف آخر، فقال: "هو ما انتظم من حرفين فصاعداً، أو ماله نظام من الحروف مخصوص" (٢). ثانياً: خلاف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، وهل هو مخلوق؟: لقد اختلف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، على أقوال، أهمها ما يلي: القول الأول: قول بعضهم؛ أن كلام الله جسم وأنه مخلوق، وأنه لا شيء إلا جسم. القول الثاني: رأي النظام وأصحابه: وهو أن كلام الخلق عرض؛ وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه، وإنما يفعل الإنسان القراءة؛ والقراءة الحركة، وهي غير القرآن. القول الثالث: رأي أبي الهذيل، وجعفر بن حرب ومعمر، والأسكافي ومن تبعهم؛ وهو أن الكلام عرض مخلوق (٣). من هذا العرض لخلافهم؛ يتضح أن المعتزلة قد اختلفوا في الكلام هل هو جسم أم لا؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه مخلوق. يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له؛ أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروف منظومة، وأصواتاً مقطعة، وقد ثبت - فيما هذه حاله - أنه محدث؛ لجواز العدم عليه على ما بيناه في حدوث الأعراض" (٤). وإذا كان كلام الله مخلوقاً؛ فالقرآن - أيضاً - مخلوق، لأنه كلامه. يقول القاضي عبدالجبار - وهو يتكلم عن مذاهب الناس في القرآن -: "وأما مذهبنا، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث .... " (٥).ويقول ابن منتويه: "وقد أطلق مشايخنا كلهم في القرآن أنه مخلوق" (٦).ويقول المقبلي - وهو يعرض اختلاف الناس في الكلام -: "والمتكلمون نظروا في كيفيته فاختلفوا ... ورتبت المعتزلة على ذلك إطلاق المخلوق على القرآن" (٧). من هذا العرض يتضح لنا عقيدة المعتزلة في القرآن، وهو أنه مخلوق. وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي: الشبهة الأولى: قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... [الرعد: ١٦]. وجه الدلالة: يقول القاضي - بعد أن أورد هذه الآية-: "الآية تدل بعمومها على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه ... ولا دلالة توجب إخراج القرآن من العموم، فيجب دخوله فيه" (٨). المناقشة:

стр. 1438

يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على زعم أن القرآن شيء فيكون داخلاً في عموم كل، فيكون مخلوقاً لمن أعجب العجب!؛ وذلك أن أفعال العباد كلها عندكم غير مخلوق لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله، فأخرجتموها من عموم "كل"، وأدخلتم كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة؛ إذ بأمره تكون المخلوقات. قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ .... [الأعراف: ٥٤]. ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقاً، للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل؛ وهو باطل. وطرد باطلكم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة، وغيرهما؛ وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء ... فيدخل ذلك في عموم "كل"، فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تعالى الله عما تقولون علواً كبيراً. وأيضاً كيف يصح أن يكون الله متكلماً بكلام يقوم بغيره، ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك - أيضا - ما خلقه في الحيوانات؛ وألا يفرق بين نطق وأنطق ... بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً كان أو كذباً - تعالى الله عن ذلك -. ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير أعمى والعكس؛ ولصح أن يوصف تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان غيرها. أما تمسككم بعموم "كل" فإن عمومها في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، ألم ترى ... قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥]. ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟؛ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وما يستحق التدمير. وكذلك قوله تعالى - حكاية عن بلقيس-: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ... [النمل: ٢٣]. والمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام. وعلى ذلك؛ فالمراد من قوله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... [الرعد: ١٦]. أي: كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله، فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته، لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه (١) ... وبما أن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى صفة من صفاته. إذاً القرآن ليس داخلاً في عموم الآية، فهو ليس مخلوقاً؛ وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الثانية: قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا .... [الزخرف: ٣]. وجه الدلالة: يقول القاضي: "وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] يوجب حدوثه، لأن الجعل والفعل سواء في الحقيقة ... فدل ذلك على حدوث القرآن" (٢).ويقول الزمخشري: " ... إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: خلقناه عربياً غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا لولا فصلت آياته ... " (٣). الجواب عن هذه الشبهة: إن استدلال المعتزلة بهذه الآية باطل. من وجوه، منها:-

стр. 1439

أولاً: أن "جعل" تكون بمعنى: خلق إذا تعدت إلى مفعول واحد. كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ... الآية [الأنعام: ١]. وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: ٣٠].أما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، قال تعالى: وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ... الآية [النحل: ٩١]. وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ .... [البقرة: ٢٢٤]. والآية التي استدلوا بها: "جعل" فيها قد تعدت إلى مفعولين، فهي ليست بمعنى خلق (١). ثانياً: أن معنى "جعل" هنا "صرف" فيكون معنى الآية: إنا صرفناه من لغة إلى لغة؛ أي: صرفه الله إلى اللغة العربية؛ وذلك أن كلام الله واحد وهو محيط بجميع اللغات، فهو إن شاء جعل كلامه عبرياً، وإن شاء جعله عربياً. يقول الطبري - عند تفسير هذه الآية -: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: "أنزلناه بلسان عربي" (٢). فإذا كانت "جعل" ليست بمعنى خلق؛ بل بمعنى صرف، بطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: .... نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] يوجب حدوث النداء؛ لأنه جعل الشجرة ابتداء غايته، وهذا يوجب حدوثه فيها" (٣).ويروى الرازي استدلال المعتزلة بهذه الآية، فيقول: "احتجت المعتزلة على قولهم: إن الله تعالى تكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ، فإن هذا صريح في أن موسى ﵇ سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله ، وهو تعالى منزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم" (٤). الجواب عن هذه الشبهة:

стр. 1440

يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة، فسمعه موسى منها باطل؛ ودليل ذلك أول الآية وآخرها. فأما أولها: فقوله تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ ... الآية [القصص: ٣٠]. والنداء: هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي؛ ثم قال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة [القصص: ٣٠] أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت ابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ومثل ذلك قوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ ... الآية لابتداء الغاية؛ لا أن الشجرة هي المتكلمة. وأما آخر الآية: فقوله تعالى: .... يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. فإنه لو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة، لكانت هي القائلة لهذا الكلام، وهو باطل، وما يؤدي إلى الباطل مثله، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله لكان قول فرعون: ... أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]. صدقاً؛ إذ كل من الكلامين - عندكم - مخلوق قد قاله غير الله!، وقد فرقتم بين الكلامين على أصولكم الفاسدة: فزعمتم أن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفتم وبدلتم، واعتقدتم خالقاً غير الله (١).وأيضاً: فإنه لو سمع موسى ﵇ كلام الله تعالى من غير الله، لما كان له ﵇ فضل علينا؛ لأننا نسمع كلام الله من غيره (٢) .... وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم. الشبهة الرابعة: قال تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢]. وجه الدلالة: يقول القاضي: "الآية تدل على حدوث القرآن، لأنه تعالى نص على أن الذكر محدث، وبين بغير آية أن الذكر هو القرآن، كقوله تعالى: ... إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: ٦٩]. وقوله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ .... الآية [الأنبياء: ٥٠]. فإذا صح أنه ذكر وثبت بهذه الآية حدوث الذكر، فقد وجب القول بحدوث القرآن" (٣).ويروي الرازي احتجاج المعتزلة بهذه الآية، فيقول - بعد إيراده الآية -: "احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث؛ فالقرآن محدث ... " (٤).
следующие страницы →