فإن قيل وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلاً للحوادث، وهو محال، وإن كانا قديمين، فكيف يسمع صوتاً معدوماً؟ وكيف يرى العالم في الأزل؟ والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى. فالجواب: أن يقال أنتم معشر المعتزلة تسلمون أن الله تعالى يعلم الحادثات، فهو يعلم الآن أن العالم كان موجودا قبل هذا الوقت، لكن كيف علم في الأزل أنه كان موجوداً، وهو بعد لم يكن موجوداً؟ فإن جاز إثبات صفة في الأزل تكون عند وجود العالم، علماً بأنه كائن، وقبله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وهو لا يتغير، عبر عن هذه الصفة بالعلم والعالمية، جاز ذلك في السمع، والسمعية، والبصر والبصرية (١).
٣ - يلزم من تأويل صفتي السمع والبصر بالعلم، تسوية الله تعالى بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في السماء أصواتاً، ولا يسمعها، ولا شك أن في تسوية الله تعالى بالأعمى والأصم تنقص له تعالى، وهو باطل، فما يؤدي إليه مثله من تأويل لهاتين الصفتين بالعلم.٤ - كذلك رد الأشعري على من أول السمع والبصر بالعلم، فقال: "وزعمت المعتزلة أن قوله تعالى: سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:١٣٤] أن معناه عليم ... قيل لهم: فإذا قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. فمعنى ذلك - عندكم - علم. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم" (٢). وهذا باطل، فما يؤدي إليه من تأويل السمع والبصر بالعلم مثله. ويقول في موضع آخر: " .... فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى "سميع بصير" عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟ ... فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدوراً. قيل لهم: ولو كان معنى سَمِيعًا بَصِيرًا معنى عالم؛ لكان كل معلوم مسموعاً، وإذا لم يجز ذلك، بطل قولكم" (٣).٥ - يقول البغدادي: "وزعم النظام والكعبي أن كون الإله سامعاً؛ إنما يفيد كونه عالماً بالمسموع .... وهذا باطل، لأن الواحد منا يسمع الصوت فيكون عالماً به في حال السماع، ثم يكون عالماً به في الحال الثانية، ولا يكون سامعاً فصح بهذا أن السمع للشيء غير العلم به ... " (٤).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٠٧
стр. 1437
المبحث السادس: رأي المعتزلة في القرآن ومناقشتهم
حقيقة الكلام عند المعتزلة: هو الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، شاهداً وغائباً (١).وقد انتقد القاضي عبدالجبار هذا التعريف قائلاً: إن فيه إخراج لما يتألف من حرفين من أن يكون كلاماً، وفيه ضرب من التكرار؛ لأن الأصوات المقطعة هي الحروف المنظومة، ولذلك فقد عرفه بتعريف آخر، فقال: "هو ما انتظم من حرفين فصاعداً، أو ماله نظام من الحروف مخصوص" (٢).
ثانياً: خلاف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، وهل هو مخلوق؟:
لقد اختلف المعتزلة في الكلام، هل هو جسم أم عرض، على أقوال، أهمها ما يلي:
القول الأول: قول بعضهم؛ أن كلام الله جسم وأنه مخلوق، وأنه لا شيء إلا جسم.
القول الثاني: رأي النظام وأصحابه: وهو أن كلام الخلق عرض؛ وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت مقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه، وإنما يفعل الإنسان القراءة؛ والقراءة الحركة، وهي غير القرآن. القول الثالث: رأي أبي الهذيل، وجعفر بن حرب ومعمر، والأسكافي ومن تبعهم؛ وهو أن الكلام عرض مخلوق (٣).
من هذا العرض لخلافهم؛ يتضح أن المعتزلة قد اختلفوا في الكلام هل هو جسم أم لا؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه مخلوق. يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على حدوث كلامه الذي ثبت أنه كلام له؛ أن الكلام على ما قدمناه لا يكون إلا حروف منظومة، وأصواتاً مقطعة، وقد ثبت - فيما هذه حاله - أنه محدث؛ لجواز العدم عليه على ما بيناه في حدوث الأعراض" (٤).
وإذا كان كلام الله مخلوقاً؛ فالقرآن - أيضاً - مخلوق، لأنه كلامه. يقول القاضي عبدالجبار - وهو يتكلم عن مذاهب الناس في القرآن -: "وأما مذهبنا، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث .... " (٥).ويقول ابن منتويه: "وقد أطلق مشايخنا كلهم في القرآن أنه مخلوق" (٦).ويقول المقبلي - وهو يعرض اختلاف الناس في الكلام -: "والمتكلمون نظروا في كيفيته فاختلفوا ... ورتبت المعتزلة على ذلك إطلاق المخلوق على القرآن" (٧).
من هذا العرض يتضح لنا عقيدة المعتزلة في القرآن، وهو أنه مخلوق.
وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:
الشبهة الأولى:
قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... [الرعد: ١٦].
وجه الدلالة: يقول القاضي - بعد أن أورد هذه الآية-: "الآية تدل بعمومها على حدوث القرآن، وأنه تعالى خلقه ... ولا دلالة توجب إخراج القرآن من العموم، فيجب دخوله فيه" (٨).
المناقشة:
стр. 1438
يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على زعم أن القرآن شيء فيكون داخلاً في عموم كل، فيكون مخلوقاً لمن أعجب العجب!؛ وذلك أن أفعال العباد كلها عندكم غير مخلوق لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله، فأخرجتموها من عموم "كل"، وأدخلتم كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة؛ إذ بأمره تكون المخلوقات. قال تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ .... [الأعراف: ٥٤]. ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقاً، للزم أن يكون مخلوقاً بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل؛ وهو باطل. وطرد باطلكم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة، وغيرهما؛ وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء ... فيدخل ذلك في عموم "كل"، فيكون مخلوقاً بعد أن لم يكن، تعالى الله عما تقولون علواً كبيراً.
وأيضاً كيف يصح أن يكون الله متكلماً بكلام يقوم بغيره، ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك - أيضا - ما خلقه في الحيوانات؛ وألا يفرق بين نطق وأنطق ... بل يلزم أن يكون متكلماً بكل كلام خلقه في غيره زوراً كان أو كذباً - تعالى الله عن ذلك -. ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير أعمى والعكس؛ ولصح أن يوصف تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان غيرها.
أما تمسككم بعموم "كل" فإن عمومها في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن، ألم ترى ... قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥]. ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟؛ وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وما يستحق التدمير. وكذلك قوله تعالى - حكاية عن بلقيس-: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ... [النمل: ٢٣]. والمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام. وعلى ذلك؛ فالمراد من قوله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ... [الرعد: ١٦]. أي: كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله، فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتماً، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته، لأنه هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه (١) ...
وبما أن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى صفة من صفاته. إذاً القرآن ليس داخلاً في عموم الآية، فهو ليس مخلوقاً؛ وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا .... [الزخرف: ٣].
وجه الدلالة: يقول القاضي: "وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] يوجب حدوثه، لأن الجعل والفعل سواء في الحقيقة ... فدل ذلك على حدوث القرآن" (٢).ويقول الزمخشري: " ... إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: خلقناه عربياً غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا لولا فصلت آياته ... " (٣).
الجواب عن هذه الشبهة: إن استدلال المعتزلة بهذه الآية باطل. من وجوه، منها:-
стр. 1439
أولاً: أن "جعل" تكون بمعنى: خلق إذا تعدت إلى مفعول واحد. كقوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ... الآية [الأنعام: ١]. وقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء: ٣٠].أما إذا تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى خلق، قال تعالى: وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ... الآية [النحل: ٩١]. وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ .... [البقرة: ٢٢٤]. والآية التي استدلوا بها: "جعل" فيها قد تعدت إلى مفعولين، فهي ليست بمعنى خلق (١).
ثانياً: أن معنى "جعل" هنا "صرف" فيكون معنى الآية: إنا صرفناه من لغة إلى لغة؛ أي: صرفه الله إلى اللغة العربية؛ وذلك أن كلام الله واحد وهو محيط بجميع اللغات، فهو إن شاء جعل كلامه عبرياً، وإن شاء جعله عربياً. يقول الطبري - عند تفسير هذه الآية -: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: "أنزلناه بلسان عربي" (٢).
فإذا كانت "جعل" ليست بمعنى خلق؛ بل بمعنى صرف، بطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبد الجبار: "وقوله تعالى: .... نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] يوجب حدوث النداء؛ لأنه جعل الشجرة ابتداء غايته، وهذا يوجب حدوثه فيها" (٣).ويروى الرازي استدلال المعتزلة بهذه الآية، فيقول: "احتجت المعتزلة على قولهم: إن الله تعالى تكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ، فإن هذا صريح في أن موسى ﵇ سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله ، وهو تعالى منزه أن يكون في جسم، فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم" (٤).
الجواب عن هذه الشبهة:
стр. 1440
يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة، فسمعه موسى منها باطل؛ ودليل ذلك أول الآية وآخرها. فأما أولها: فقوله تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ ... الآية [القصص: ٣٠]. والنداء: هو الكلام من بعد، فسمع موسى ﵇ النداء من حافة الوادي؛ ثم قال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة [القصص: ٣٠] أي: أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما تقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت ابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم، ومثل ذلك قوله تعالى: ... مِنَ الشَّجَرَةِ ... الآية لابتداء الغاية؛ لا أن الشجرة هي المتكلمة. وأما آخر الآية: فقوله تعالى: .... يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. فإنه لو كان الكلام مخلوقاً في الشجرة، لكانت هي القائلة لهذا الكلام، وهو باطل، وما يؤدي إلى الباطل مثله، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله لكان قول فرعون: ... أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]. صدقاً؛ إذ كل من الكلامين - عندكم - مخلوق قد قاله غير الله!، وقد فرقتم بين الكلامين على أصولكم الفاسدة: فزعمتم أن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفتم وبدلتم، واعتقدتم خالقاً غير الله (١).وأيضاً: فإنه لو سمع موسى ﵇ كلام الله تعالى من غير الله، لما كان له ﵇ فضل علينا؛ لأننا نسمع كلام الله من غيره (٢) ....
وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢].
وجه الدلالة: يقول القاضي: "الآية تدل على حدوث القرآن، لأنه تعالى نص على أن الذكر محدث، وبين بغير آية أن الذكر هو القرآن، كقوله تعالى: ... إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: ٦٩]. وقوله تعالى: وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ .... الآية [الأنبياء: ٥٠]. فإذا صح أنه ذكر وثبت بهذه الآية حدوث الذكر، فقد وجب القول بحدوث القرآن" (٣).ويروي الرازي احتجاج المعتزلة بهذه الآية، فيقول - بعد إيراده الآية -: "احتجت المعتزلة على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر، والذكر محدث؛ فالقرآن محدث ... " (٤).
стр. 1441
الجواب عن هذه الشبهة: يقال لهم: إن تمسككم بهذه الآية على أن القرآن مخلوق باطل. وذلك أن دلالة الآية على نقيض قولكم أقوى منها على قولكم؛ فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولكم؛ ثم إن الحدوث في لغة العرب العام ليس هو الحدوث في اصطلاحكم، فإن العرب يسمون ما تجدد حادثاً، وما تقدم على غيره قديماً؛ وإن كان بعد أن لم يكن كقوله تعالى: ... كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩]. ولما كان الرسول ﷺ لا يعلمه ثم علمه الله إياه كان بالنسبة إليه محدثاً وكذلك من سوى الرسول ﷺ من أمته يعتبر محدثاً إليهم فهو كقول القائل: حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أن الضيف كان موجوداً قبل ذلك، فالحدوث في الآية؛ إنما هو إشارة إلى أن القرآن محدث الإتيان، لا محدث العين (١).يقول القرطبي - عن تفسير الآية-: " مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ... الآية [الأنبياء: ٢] المراد به في النزول وتلاوة جبريل على النبي ﷺ فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق" (٢). وإذا كان الحدوث في الآية المراد به حدوث الإتيان، بطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الخامسة: يقول القاضي: "لو كان الله تعالى متكلماً لذاته؛ لكان يجب أن يكون قائلاً فيما لم يزل إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ .... الآية [نوح: ١]؛ وإن لم يكن قد أرسل وأهلك عادا وثمودا وإن لم يكن قد أهلك ... " (٣).ويروي الرازي هذه الشبهة فيقول: "والشبهة الثانية: أنه أخبر بلفظ الماضي في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا ... [نوح: ١] ... فلو كان الإخبار قديما كان هذا الإخبار قديماً أزلياً، لكان قد أخبر في الأزل عن شيء مضى قبله، وهذا يقتضي أن يكون الأزل مسبوقاً بغيره، وأن يكون كلام الله تعالى كذباً، ولما كان كل واحد منهما محاولاً علمنا أن هذا الإخبار يمتنع كونه أزلياً" (٤).
الجواب عن هذه الشبهة: يقال لهم: أولاً: معلوم أنه تعالى كان عالماً في الأزل بأنه سيخلق العالم، ثم لما خلقه صار العلم متعلقاً بأنه قد خلقه في الماضي، ولما لم يقتضي هذا حدوث العلم وتغيره، فكذلك الخبر (٥). وبهذا يتبين: بطلان هذه الشبهة.
ثانيا: على فرض صحة هذه الشبهة، فإنها تلزمنا لو قلنا: أن كلام الله قديم الآحاد، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد. وبذلك يتبين فساد شبهتكم؛ وعلى فرض صحتها؛ فإنها لا تلزمنا. والله أعلم.
الشبهة السادسة: يقول القاضي: "إن العدم مستحيل على القديم تعالى، فلو كان الكلام قديماً؛ لما جاز أن يعدم ... " (٦).ويقول الرازي - وهو يروي هذه الشبهة -: "إن كلام الله تعالى لو كان قديماً أزلياً لكان باقياً أبدياً، لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه، فيكون قوله تعالى لزيد صل صلاة الصبح باقياً بعد أن صلى زيد صلاة الصبح وبعد أن مات، وبعد أن قامت القيامة، وهكذا يكون باقياً أبد الآباد ... ومعلوم أن ذلك على خلاف المعقول، فإنه تعالى إذا أمر عبده بفعل من الأفعال أتى ذلك العبد بذلك الفعل لم يبق ذلك الأمر متوجهاً إليه، وإذا ثبت أن ذلك الأمر قد زال ثبت أنه كان محدثاً لا قديماً" (٧).
الجواب عن هذه الشبهة: لقد أجاب الرازي على هذه الشبهة فقال: "والجواب عن هذه الشبهة؛ هو أن قدرته تعالى كانت متعلقة من الأزل إلى الأبد بإيجاد العالم، فلما أوجد العالم لم يبق ذلك التعلق، لأن إيجاد الموجود محال، فقد زال هذا التعلق، فلما لم يقتض ذلك حدوث قدرة الله تعالى، فكذلك القول في الكلام" (٨).
وبهذا يتبين بطلان هذه الشبهة.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١١٦
стр. 1442
المبحث السابع: رأي المعتزلة في الرؤية مع ذكر أدلتهم ومناقشتها وذكر أدلة أهل السنة على جواز الرؤية
• المطلب الأول: المذاهب في رؤية الله تعالى.
• المطلب الثاني: نفاة الرؤية، وأدلتهم ومناقشتها.
• المطلب الثالث: الأدلة العقلية للمعتزلة.
• المطلب الرابع: أدلة أهل السنة على جواز الرؤية.
стр. 1443
المطلب الأول: المذاهب في رؤية الله تعالى
يحسن بنا قبل أن نبدأ الكلام في رؤية الله تعالى، أن نذكر آراء العلماء في هذه المسألة،
لقد اختلف العلماء المسلمون في رؤية الله تعالى، هل هي جائزة واقعة أم لا؟ على رأيين:
١ - فذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الله تعالى يجوز أن يرى، وأن المؤمنين سيرونه في الجنة رؤية بصرية، منزها عن صفات المخلوقين.
٢ - وذهب المعتزلة ومن تبعهم إلى أن رؤية الله تعالى بالعين الإنسانية مستحيلة وممتنعة.
المصدر: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد - ص٢٤
стр. 1444
المطلب الثاني: نفاة الرؤية، وأدلتهم ومناقشتها ذهب المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة (١) إلى نفي رؤية الله تعالى عيانا في الدنيا والآخرة، وقالوا: باستحالة ذلك عقلا؛ لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، أي ما هو مادي والله تعالى ذات غير مادية، فمن المستحيل إذن أن يقع عليه البصر، فالقول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه وتشويه لذات الله وتشبيه له حيث إن الرؤية لا تحصل إلا بانطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم ولا تحده جهة من الجهات ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن. فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة. قال ابن رشد: "ومن كانت هذه مبادئه فلا يتوقع منه غير هذا إذا كان محترما لها يستنبط منها النتائج المنطقية" (٢).
واستدلوا على هذا بالسمع والعقل:
فمن جهة السمع: أولا قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]، ووجه الدلالة من الآية كما قال عبد الجبار: هو أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، وإذا كان إذا أطلق فقد يستعمل بمعنى اللحوق، فيقال أدرك الغلام إذا بلغ وأدركت الثمرة إذا نضجت، وأدرك فلان فلان إذا لحقه، وقال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [يونس:٩٠] يعني لحقه الغرق، وقال سبحانه: فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] يعني لملحوقون، وقد يقال عند الإطلاق أدركت الحرارة والبرودة وأدركت الصوت، وكل ذلك إنما يصح إذا لم يقرن بالبصر، ومتى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، فإذا صح ذلك فيجب أن يكون لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] في باب الدلالة على أنه لا يرى، بمنزلة قوله لو قال: "لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات (٣).
стр. 1445
ومما يؤيد العموم أن عائشة ﵂ لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة ما ذهبت إليه بهذه الآية ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال، ولا شك أنها من أكثر الناس علما بلغة العرب، فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب. وأيضا "إن الباري تعالى تمدح بكونه لا يرى، حيث إن قوله: " لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وقعت في أثناء المدائح فإن ما قبلها مشتمل على المدح والثناء، وقوله بعدها وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] أيضا مدح وثناء، فيجب أن يكون قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] مدحا وثناء، وذلك يوجب الركاكة، وهي غير لائقة بكلام الله تعالى وتقدس، وحينئذ نقول: إن كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حق الله تعالى، والنقص على الله تعالى محال، لقوله لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] وقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] وقوله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص: ٣] إلى غير ذلك، فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيا محال (١).
وقد أطال القاضي عبد الجبار في تقرير هذا الدليل وفرض الاعتراضات والرد عليها فقال بعد تقرير وجه الدلالة:
فإن قيل: ولو قلتم إن الإدراك إذا اقترن بالبصر لم يحتمل إلا الرؤية؟
قلنا: لأن الرائي ليس بكونه رائيا حالة زائدة على كونه مدركا، لأنه لو كان أمرا زائدا عليه لصح انفصال أحدهما عن الآخر، إذ لا علاقة بينهما من وجه معقول والمعلوم خلافه. . يبين ما ذكرناه أنه لا فرق بين قولهم: أدركت ببصري هذا الشخص، وبين قولهم رأيت ببصري هذا الشخص، أو أبصرت ببصري هذا الشخص، حتى لو قال أدركت ببصري وما رأيت، أو رأيت وما أدركت لعد مناقضا. .
فإن قيل: ولم قلتم إن هذه الآية وردت مورد التمدح؟
قلنا: لأن سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك ما قبلها وما بعدها، لأن جميعه في مدائح الله تعالى، وغير جائز من الحكيم أن يأتي بجملة مشتملة على المدح ثم يخلطها بما ليس بمدح البتة، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحدنا:
فلان ورع تقي نقي الجيب مرضي الطريقة أسود يأكل الخبز يصلي بالليل ويصوم بالنهار، لما لم يكن لكونه أسود يأكل الخبز تأثير في المدح.
يبين ذلك: أنه تعالى لما بين تميزه عما عداه من الأجناس بنفي الصاحبة والولد، بين أن تميزه عن غيره من الذوات بأن لا يرى ويرى. وبعد فإن الأمة اتفقوا على أن الآية واردة مورد التمدح فلا كلام في ذلك.
فإن قيل: وأي مدح في أنه لا يرى القديم تعالى وقد شاركه فيه المعدومات وكثير من الموجودات؟
قلنا: لم يقع التمدح بمجرد أن لا يرى، وإنما يقع التمدح بكونه رائيا ولا يرى، ولا يمتنع في الشيء أن لا يكون مدحا ثم بانضمام شيء آخر إليه يعتبر مدحا وهكذا فلا مدح في نفي الصاحبة والولد مجردا، ثم إذا انضم إليه كونه حيا لا آفة به صار مدحا، وهكذا فلا مدح في أنه لا أول له، فإن المعدومات تشاركه في ذلك، ثم يصير مدحا بانضمام شيء آخر إليه، وهو كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موجودا، كذلك في مسألتنا.
فإن قيل: إن ما ليس بمدح إذا انضم إليه ما هو مدح كيف يصير مدحا لا مانع من ذلك فمعلوم أن قوله لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] بمجرده ليس بمدح ثم صار مدحا لانضمامه إلى قوله اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 1446
فإن قيل: فلو جاز فيما ليس بمدح أن يصير مدحا بانضمامه إلى غيره لكان لا يمتنع أن يصير الجهل مدحا بانضمامه إلى الشجاعة وقوة القلب، حتى يحسن أن يمدح الواحد غيره بأنه جاهل قوي القلب شجاع؟
قيل له: إن ما وضع للنقص من الأوصاف نحو قولنا، جاهل وعاجز وما شاكلها. لا تختلف فائدته ولا تتغير حاله لا بالانضمام ولا عدم الانضمام، بل يفيد النقص بكل حال، سواء ضم إلى غيره أو لم يضم، وليس كذلك سبيل ما ليس بمدح ولا نقص فإن ذلك مما لا يمتنع أن يصير مدحا بغيره على ما ذكرناه.
فإن قيل: فجوزوا أن يصير قولنا أسود مدحا بأن ينضم إليه قولنا عالم ومعلوم أن ذلك لا يصير مدحا لما لم يكن مدحا في نفسه، فإذا لم يجز أن يصير مدحا فكذلك لا يجوز في قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] أن يصير مدحا بأن ينضم إليه قوله تعالى: وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ.
قيل له: إنا لم نقل إن ما ليس بمدح، إذا انضم إليه ما هو مدح صار مدحا على كل حال، بل قلنا: إن ما ليس بمدح إذا انضم إليه ما هو مدح وحصل بمجموعهما البينونة صار مدحا، ولم تحصل البينونة بانضمام قولنا أسود إلى قولنا عالم، بخلاف مسألتنا لأنه حصل ههنا بينونة على الوجه الذي ذكرناه.
فإن قيل: وما وجه البينونة؟
قلنا: وجه البينونة هو أنه يرى ولا يرى.
فإن قيل: هلا جاز أن تكون جهة التمدح هو كونه قادرا على أن يمنعنا من رؤيته؟
قلنا: هذا تأويل بخلاف تأويل سائر المفسدين، وما هذا سبيله من التأويلات يكون فاسدا، وبعد: فإن هذا حمل خطاب الله تعالى على غير ما تقتضيه حقيقة اللغة ومجازها فلا يجوز.
فإن قيل: ولم قلتم إن هذا المدح يرجع إلى الذات؟
قلنا: لأن المدح على قسمين أحدهما يرجع إلى الذات، والآخر يرجع إلى الفعل، وما يرجع إلى الذات فعلى قسمين:
أحدهما: يرجع إلى الإثبات نحو قولنا قادر عالم حي عليم بصير.
والثاني: يرجع إلى النفي وذلك نحو قولنا لا يحتاج ولا يتحرك ولا يسكن.
وأما ما يرجع إلى الفعل فعلى ضربين أيضا:
أحدهما: يرجع إلى الإثبات نحو قولنا رازق محسن ومتفضل.
والثاني: يرجع إلى النفي وذلك نحو قولنا لا يظلم ولا يكذب.
إذا ثبت هذا فالواجب أن ننظر في قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] من أي القبيلين هو. لا يجوز أن يكون هذا من قبيل ما يرجع إلى الفعل لأنه تعالى لم يفعل فعلا حتى لا يرى وليس يجب في الشيء إذا لم ير أن يحصل منه فعل حتى لا يرى فإن كثيرا من الأشياء لا ترى وإن لم تفعل أمرا من الأمور كالمعدومات وككثير من الأعراض. . ولاشيء إذا لم ير فإنما لم ير لما هو عليه في ذاته لا لأنه يفعل أمرا من الأمور وإذا كان الأمر كذلك صح أن هذا التمدح راجع إلى ذاته على ما نقوله.
فإن قيل: ولم قلتم إن ما كان نفيه مدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا.
قيل له: لأنه لو لم يكن إثباته نقصا لم يكن نفيه مدحا إلا أن نفي السنة والنوم لما كان مدحا كان إثباته نقصا حتى لو قال أحدنا: إنه تعالى ينام. كان هذا أيضا نقصا. وبعد فإنه تعالى إذا لم ير فإنما لم ير بما هو عليه في ذاته فلو رئي وجب أن يكون قد خرج عما هو عليه في ذاته فكان نقصا.
فإن قيل: وأي نقص في أن يرى القديم تعالى وما وجه النقص في ذلك؟
قلنا: لا يلزمنا أن نعلم ذلك مفصلا بل إذا علمنا على الجملة أنه تعالى تمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا راجعا إلى ذاته، وعلمنا أن ما كان نفيه مدحا يرجع إلى الذات كان إثباته نقصا، وهذا كاف. فإذا أردت التفصيل فلأن في انقلابه وخروجه عما هو عليه في ذاته.
فإن قيل: وما أنكرتم أن المراد بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] أي لا تحيط به الأبصار؟ فنحن هكذا نقول.
стр. 1447
قلنا الإحاطة ليس هي بمعنى الإدراك لا في حقيقة اللغة ولا في مجازها ألا ترى أنهم يقولون: السور أحاط بالمدينة، ولا يقولون: أدركها أو أدرك بها، وكذلك يقولون: عين الميت أحاطت بالكافور ولا يقولون أدركته.
وبعد: فإن قبل هذا تأويل بخلاف تأويل المفسرين فلا يقبل، على أنه كما لا تحيط به الأبصار لا يحيط هو بالأبصار لأن المانع عن ذلك في الموضعين واحد فلا يجوز حمل الإدراك المذكور في الآية على الإحاطة لهذه الوجوه.
فإن قيل: لا تعلق لكم بالظاهر، لأن الذي يقتضيه الظاهر هو أن الأبصار لا تراه ونحن كذلك نقول.
قيل له: إنه تعالى تمدح بنفي الرؤية عن نفسه فلابد من أن يحمل على وجه يقع به البينونة بينه وبين غيره من الذوات بهذا الذي قد ذكرتموه لأن الأبصار كما لا تراه فكذلك لا ترى غيره.
فإن قيل: لو كان المراد بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] المبصرون، لوجب مثله في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] أن يكون المبصرين ليكون النفي مطابقا للإثبات، وهذا يقتضي أن يرى القديم نفسه لأنه من المبصرين وكل من قال إنه تعالى يرى نفسه قال إنه يراه غيره.
قيل له: إنه تعالى وإن كان مبصرا فإنما يرى ما تصح رؤيته، ونفسه يستحيل أن ترى، لما قد بينا أن تمدح بنفي الرؤية مدحا يرجع إلى ذاته، وما كان نفيه راجعا إلى ذاته فإن إثباته نقص والنقص لا يجوز على الله تعالى.
وبعد: فإن المراد بقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] المبصرون بالأبصار فكذلك في قوله وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فيجب أن يكون هذا هو المراد ليكون النفي مطابقا للإثبات والله تعالى ليس من المبصرين بالأبصار فلا يلزم ما ذكرتموه.
فإن قيل: قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] عام في دار الدنيا ودار الآخرة وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] خاص في دار الآخرة ومن حق العام أن يحمل على الخاص كما أن من حق المطلق أن يحمل على المقيد. وربما يستدل بهذه الآية ابتداء على أنه تعالى يرى في دار الآخرة.
وجوابنا أن العام إنما يبنى على الخاص إذا أمكن تخصيصه، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص لأنه تعالى يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا يرجع إلى ذاته وما كان نفيه مدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا، والنقص لا يجوز على الله تعالى على وجه. وبعد فإن هذه الآية إنما تخصص تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يرى في حال من الحالات وليس في الآية ما يقتضي ذلك لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية، هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه (١).وزاد الإمامية على ذلك أيضا أوهام القلوب لا تدركه فكيف بأبصار العيون فقالوا في قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ: (أي إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ليس يعني بصر العيون فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ليس يعني من البصر بعينه وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا [الأنعام: ١٠٤] ليس يعني عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب. والله أعظم من أن يرى بالعين (٢).
стр. 1448
وبعد استعراضنا لغالب هذه الافتراضات المعارضة وردهم عليها والمحاولات الجادة لكي يسلم لهم الدليل على نفي رؤية الله تعالى نقول: لسنا بحاجة إلى تتبع كل هذه الافتراضات ومناقشتها لأنها مبنية على وجهة استدلال خاطئة وسنبين إن شاء الله الخطأ في وجه الدلالة وهذا كاف لإزاحة الدليل عن مرادهم، فقد بنوا استدلالهم بالآية على وجهين:
الأول: على أن الإدراك المقرون بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية وقد نفي والنفي عام في جميع الأوقات والأزمان.
الثاني: أن الله تمدح بكونه لا يرى - على فهمهم – وما كان عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله عنه.
والجواب على الوجه الأول بأوجه:
الوجه الأول: أن هذا افتراء على اللغة وأنه مجرد دعوى لا دليل عليها وقد رد على هذه الدعوى ابن حزم في الفصل. قال: (واحتجت المعتزلة بقوله : لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ (قال أبو محمد) هذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية وهو معنى الإحاطة ليس هذا المعنى في النظر والرؤية فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة، برهان ذلك قول الله : فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦١] وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل ونفى الله الإدراك بقول موسى ﵇ لهم: قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦١] فأخبر تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى غير الذي أثبته فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا هو الله تعالى (١).
قال ابن القيم: (فلم ينف موسى ﵇ الرؤية ولم يريدوا بقولهم إِنَّا لَمُدْرَكُونَ إنا لمرئيون فإن موسى ﵇ نفى إدراكهم إياهم بقوله كَلا وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما لا يعلم ولا يحاط به وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من بعدهم من الآية. قال ابن عباس ﵄: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ لا تحيط به الأبصار، وقال قتادة هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال ابن عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم (٢).الوجه الثاني: أن تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ موجبة كلية، وقد دخل عليها النفي فرفعها ورفع الموجبة الكلية سالبة جزئية، وبالجملة فيحتمل إسناد النفي إلى الكل ومع احتمال الثاني فلم يبق فيه حجة لكم علينا، لأن أبصار الكفار لا تدركه، هذا على تقدير أن اللام في الجمع للعموم والاستغراق وإلا عكسنا القضية، وقلنا لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ سالبة مهملة في قوة الجزئية فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار، وتخصيص البعض بالنفي يدل بالمفهوم على الإثبات للبعض، فالآية حجة لنا (٣).
стр. 1449
الوجه الثالث: أن قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] الآية، وإن عمت في الأشخاص باستغراق اللام، فإنها لا تعم في الأزمان، لأنها سالبة مطلقة لا دائمة. ونحن نقول بموجبه حيث لا يرى في الدنيا (١).
الوجه الرابع: ويقال لهم على دعوى العموم في لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ كما قال أبو الحسن الأشعري: (إذا كان قول الله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ في العموم كقوله وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:١٠٣] لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من الوجوه؟ فإن قالوا: نعم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ في العموم كقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ (٢).
الوجه الخامس: قال الألوسي: (قد يقال إن قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ المراد نفي الرؤية وقد عدم إذن الله تعالى للأبصار بالإدراك. والدليل على صحة إرادة هذا القيد هو أن العباد لا يقدرون على شيء من المقدورات إلا بإذن الله تعالى ومشيئته وتمكينه فلا تدركه الأبصار إلا بإذنه وهو المطلوب. ويؤيد هذا البيان ويشيد أركانه أنه لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] وقع بعد قوله سبحانه وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ووجه التأييد أن الله تعالى أخبر بأنه على كل شيء وكيل الإيمان متول لأموره ومعلوم أن الأبصار من الأشياء وأن إدراكها من أمورها فهو متوليها ومتصرف فيها على حسب مشيئته فيفيض عليها الإدراك ويأذن لها إذا شاء كيف شاء وعلى الحد الذي شاء ويقبض عنها الإدراك قبضا كليا أو جزئيا في الإيمان وقوله تعالى: شاء كيف شاء ولا يخفى على هذا أنه غاية التمدح بالعزة والقهر والغلبة فإن من هو على كل شيء وكيل إذا لم تدركه الأبصار إلا بإذنه مع كونه يدرك الأبصار ولا تخفى عليه خافية كان ذلك غاية في عزته وقهره وكونه غالبا على أمره (٣).
الوجه السادس: قال الرازي: (هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات الرؤية لله تعالى خاصة والخاص مقدم على العام (٤).
стр. 1450
وذلك مثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وغيرها فإن هذا خاص بالمؤمنين، ويأتي إن شاء الله بيان أن النظر هو الرؤية البصرية قطعا، وبيان أن إلى حرف جر لا بمعنى النعمة على مدعاكم، وأن المنفي في الآية تمدحا غير الرؤية التي يثبتها أهل السنة وهو الإدراك على وجه الإحاطة. وعلى ذلك يمكن التخصيص. أما الجواب عن الوجه الثاني وهو قولهم: "إن الله تمدح بأن لا يرى. . الخ". نقول هذا الكلام مجرد دعوى فأين الدليل عليها؟ وثبوت المدح في سياق الكلام ليس لكم فيه دليل على امتناع الرؤية، بل لنا فيه الحجة على صحة الرؤية، لأنه يمتنع حصول التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته بل إنما يحصل التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته، قال ابن القيم: (فالنفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء، لأن المدح لا يكون إلا بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يمدح الرب ﵎ بالعدم إلا إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم، المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فلو كان المراد بقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب ﷻ يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله: وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ [يونس:٦١] أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨] أنه كامل القدرة، وفي قوله: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩] وفي قوله: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] أنه كامل القيومية، فقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما مر (١).
ثانيا: من أدلة المعتزلة على نفي الرؤية قوله تعالى: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣] فقد استدلوا بالآية على عدم الرؤية من وجوه:
الوجه الأول:
стр. 1451
قال تعالى: لَن تَرَانِي ولَن موضوعة للتأبيد وإذا لم يره موسى أبدا لم يره غيره إجماعا، قال الزمخشري في معنى لَن: (إنها لتأكيد النفي الذي تعطيه لا وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول: لا أفعل غدا فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدا، والمعنى أن فعله ينافي حالي كقوله تعالى: لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] فقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] نفي للرؤية فيما يستقبل ولَن تَرَانِي تأكيد وبيان لأن النفي مناف لصفاته.
فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه، ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يزحف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم كيف أفعل به، وكيف أفعله، وكان بسبب طلبك الرؤية لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من علم أثره كأنه عز وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم: ٩٠] (١).
قال عبد الجبار بن أحمد: (فإن قالوا: أليس أنه تعالى قال حاكيا عن اليهود: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ [البقرة: ٩٥] أي لا يتمنون الموت ثم قال حاكيا عنهم: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] فكيف يقال إن لَن موضوعة للتأبيد؟ قلنا: إن لَن موضوعة للتأبيد ثم ليس يجب أن لا يصح استعمالها إلا حقيقة بل لا يمتنع أن تستعمل مجازا وصار الحال فيها كالحال في قولهم أسد وخنزير وحمار فكما أن موضعها وحقيقتها لحيوانات مخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها كذلك ههنا) (٢).
стр. 1452
هذا ما قالوا في وجه الدلالة بالنسبة للنفي ب لَن وفي أبديتها له، ومحاولات الرد على ما يرد عليه من اعتراضات ولكن هيهات فقد أسفر الصبح لذي عينين فالحق أبلج لا يمازجه ريب إلا عند ذي رين فقولهم: (إن لن موضوعة للتأبيد هذا افتراء على اللغة وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ولا نقل صحيح قال الشيخ جمال الدين بن مالك ﵀: ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله أردد وخلافه أعضدا (١).قال صاحب النحو الوافي: (لَن وهو حرف يفيد النفي بغير دوام ولا تأبيد إلا بقرينة خارجة عنه فإذا دخل على المضارع نفى معناه في الزمن المستقبل المحض غالبا نفيا مؤقتا يقصر ويطول من غير أن يدوم ويستمر فمن يقول: لن أسافر، أو لن أشرب، أو لن أقرأ غدا أو نحو هذا فإنما يريد نفي السفر أو غيره في قابل الأزمنة مدة معينة يعود بعدها إلى السفر ونحوه إن شاء ولا يريد النفي الدائم المستمر في المستقبل إلا إن وجدت قرينة مع الحرف لَن تدل على الدوام والاستمرار (٢) ويؤيد هذا قوله تعالى حكاية عن مريم: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم: ٢٦] إذ لو كانت لَن هنا تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينها وبين كلمة الْيَوْمَ في الآية؛ لأن اليوم محدد معين، وهي غير محددة ولا معينة، ولوقع التكرار في قوله تعالى فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة: ٩٥] فما فائدة كلمة أبدا التي تدل على التأبيد إن كانت لَن تدل عليه ثم مع تقييدها بالتأبيد إن كانت لَن تدل عليه ثم مع تقييدها بالتأبيد هنا لم تدل عليه قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] فكيف إذا أطلقت. ومما يؤيد عدم كونها للتأبيد المطلق تحديد الفعل بعدها قال تعالى على لسان ابن يعقوب فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف: ٨٠] وقال ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ في ذكر الدجال: ((تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت)) (٣) فهذه الشواهد دليل على عدم اقتضاء لَن النفي المؤبد.
стр. 1453
فإن قيل: كيف دلت لَن على التأبيد في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]. قلنا: لم تدل لَن على التأبيد هنا إلا بسبب قرينة "خارجية" هي العلم القاطع المستمد من المشاهدة الصادقة الدائمة وليس من ذات دلالة لَن والله أعلم (١).قال الغزالي: (وأما قوله سبحانه لَن تَرَانِي فهو دفع لما التمسه وإنما التمس في الدنيا فلو قال أرني أنظر إليك في الآخرة فقال: لَن تَرَانِي لكان ذلك دليلا على نفي الرؤية ولكن في حق موسى صلوات الله سبحانه وسلامه عليه على الخصوص لا على العموم، وما كان أيضا دليلا على الاستحالة فكيف وهو جواب على السؤال في الحال (٢).فالحاصل: أن لَن هنا لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال فكان قوله لَن تَرَانِي نفيا لذلك المطلوب، فأما أن تفيد النفي الدائم فلا، وأما عن استشهاد الزمخشري على أن لَن تشعر باستحالة المنفي بها عقلا فمردود بكثير من الآيات كقوله تعالى فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا [التوبة: ٨٣] وقوله تعالى: لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦]، وقوله تعالى: لَّن تَتَّبِعُونَا [الفتح: ١٥]. فإن الأخبار الواردة في هذه الآيات كلها جائزات عقلا لولا أن الخبر منع من وقوعها، فالرؤية كذلك، فدعوى الاستحالة العقلية على هذا باطلة لهذه الآيات وغيرها (٣).
أما دعوى عبد الجبار بن أحمد المجاز في قوله تعالى: وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ [البقرة: ٩٥] فمردودة بأن المجاز خلاف الأصل، فإن الأصل الحقيقة، وهذه دعوى لا تقف عند حد، وسهلة يسيرة على كل من كان الدليل ضده، ومخالفا لرأيه، فيرده بدعوى المجاز وأن الحقيقة ما يدعيها، وتنزلا نقول: أين القرينة الدالة على أن المراد خلاف الحقيقة؟ ولا قرينة ههنا فالآية على حقيقتها. ولَن لا تقتضي النفي الأبدي وإن اقتضت فليس يدل على منع الجواز بل على منع وقوع الجائز.
стр. 1454
الثاني من أوجه دلالة الآية على استحالة الرؤية عند المعتزلة: قوله تعالى: وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:١٤٣] ووجه الدلالة كما قال عبد الجبار: (هو أنه علق الرؤية باستقرار الجبل فلا يخلو: إما أن يكون علقها باستقراره بعد تحركه وتدكدكه، أو علقها به حال تحركه لا يجوز أن تكون الرؤية علقها باستقرار الجبل، لأن الجبل قد استقر ولم ير موسى ربه، فيجب أن يكون قد علق ذلك باستقرار الجبل بحال تحركه دالا بذلك على أن الرؤية مستحيلة عليه، كاستحالة استقرار الجبل حال تحركه، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف: ٤٠] (١). والجواب: أنه علقها باستقرار الجبل من حيث هو من غير قيد بحال الحركة أو السكون، وإلا لزم الاحتمال في الكلام، واستقرار الجبل من حيث هو ممكن قطعا، فلو فرض وقوعه لما لزم منه محال لذاته، واستقراره عند حركته ليس بمحال، إذ قد يحصل الاستقرار بدل الحركة ولا محذور فيه، إذ المحال الاستقرار مع الحركة في آن واحد، لا وقوع شيء منهما في وقوله تعالى: آخر بدل صاحبه (٢).
الثالث من أوجه دلالة الآية على استحالة الرؤية عند المعتزلة: قوله تعالى: وَخَرَّ موسَى صَعِقًا [الأعراف:١٤٣] ولو كانت الرؤية جائزة فلم خر موسى عند سؤالها؟ قال الزمخشري: وَخَرَّ موسَى صَعِقًا من هول ما رأى. . ومعناه خر مغشيا عليه غشية كالموت، وروي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة (٣).
بناء على هذا حكموا بامتناع الرؤية على الله تعالى.
والحق أنه ليس فيها دلالة على المنع بل إن دلالتها على الجواز أقرب، فإن الصعق لم يحدث لموسى ﵇ إلا عندما رأى الجبل يتدكدك لما تجلى له الرب ﵎ ظهورا، أو على القول أن موسى رأى الله - على ضعفه – فصعق، وهذا يدل على الجواز وإنما كان الصعق نتيجة عدم تحمل موسى رؤية الله تعالى في هذه الدار الفانية. أما ما أورد الزمخشري من مرور الملائكة على موسى وهو صعق. . الخ. فقد علق عليها الإسكندري قائلا: (فهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونا وظهرا على المعتقد الفاسد. والوجه التورك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة ﵈ من إهانة موسى صفي الله وكليمه بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب (٤).
وهل مثل هذه الرواية يحتج بها على عدم الرؤية؟ أو يستشهد بها وأنتم تردون الأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ ؟ والمنقولة نقلا صحيحا بحجة أنها آحاد، فما أكثر تناقض من يسلك غير سبيل المؤمنين ويتخذ إلهه هواه.
стр. 1455
الرابع من أوجه دلالة الآية على استحالة الرؤية عند المعتزلة: قوله تعالى: حكاية عن موسى ﵇: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ [الأعراف:١٤٣] أي أنزهك مما لا يجوز عليك. قال الرازي عند حكايته للأوجه التي استدل بها المعتزلة على نفي الرؤية من الآية: قوله سُبْحَانَكَ الكلمة للتنزيه فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى. فكان قوله سُبْحَانَكَ تنزيها له عن الرؤية، فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه لله تعالى، وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات وذلك على الله محال فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة) (١).
هكذا قالوا في تأويلها، وصحيح أن المراد هو تنزيه الله تعالى وتعظيمه وإجلاله عن أن يتحمل رؤيته من كتب عليه الفناء حتى لا يتعارض مع ما ورد من إثبات الرؤية عن الله وعن رسوله ﷺ في دار الآخرة، والرؤية ليست من النقائص على ما يدعيه نفاتها فهي ليست نقصا في المخلوق بل هي كمال وكل كمال اتصف به المخلوق، وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى به، وقد أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وطلبها موسى ﵇، فكيف يصح أن ندعي أنها من النقائص ومن أين لنا القول في هذا؟ إلا إذا كان فروخ اليونان أعرف بما يجوز على الله ويمتنع من نفسه، وأعرف من رسله عليهم الصلاة والسلام تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
الخامس من أوجه دلالة الآية على استحالة الرؤية عند المعتزلة:
قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ لما أفاق أنه قال: تُبْتُ إِلَيْكَ ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قال الزمخشري: تُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئي ولا تدرك بشيء من الحواس.
قال: فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية لقومه على ما قلت فمم تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة – وإن كان لغرض صحيح - على لسانه من غير إذن فيه من الله تعالى (٢).
قال الباقلاني: (ويقال لهم في قوله تعالى: تُبْتُ إِلَيْكَ أنه لم يقل جل اسمه أنه تاب من مسألته إياه الرؤية فيمكن أن يكون ذكر ذنوبا له قد قدم التوبة منها، فجدد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة ويجددونها عند مشاهدة الهول والآيات، ويحتمل أن يكون المعنى في قوله: تُبْتُ إِلَيْكَ من ترك استئذاني لك في هذه المسألة العظيمة، ومثلها ما لا يكون معه تكليف لمعرفتك والعلم بك. ويحتمل أن يكون أراد بقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ أن أسألك الرؤية لهول ما أصابني لا لأنها مستحيلة عليك، ولا لأني عاص في سؤالي، كما يقول القائل: تبت من كلام فلان ومعاملته وركوب البحر ومن الحج ماشيا، إذا ناله في ذلك تعب ونصب وشدة وإن كان ذلك مباحا حسنا جائزا، والتوبة هي الرجوع عن الشيء، ومن ذلك سمي الإقلاع عن الذنوب والعود إلى طاعة الله تعالى توبة منها قوله تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨] أي رجع بهم إلى الفضل والامتثال ليرجعوا عما كانوا عليه، فقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ أي رجعت عن سؤالي إياك الرؤية، وهذا هو أصل التوبة وليس الرجوع عن الشيء يقتضي كونه عصيانا فبطل تعلقهم بالآية (٣).
стр. 1456
قال القرطبي: (قال مجاهد في قوله تُبْتُ إِلَيْكَ من مسألة الرؤية في الدنيا. . وقيل قاله على جهة الإنابة والخشوع له عند ظهور الآيات – كما مر -. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية) (١).
قال الرازي: قوله تعالى: وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ يعني أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا. أو يقال: وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك (٢).
وسيأتي إن شاء الله تعالى للبحث زيادة عند الاستدلال بهذه الآية عند أهل السنة.
ثالثا: مما استدلوا به على نفي قولهم: إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية في موضع من كتابه إلا واستعظمه، وورد ذكر ذلك في ثلاث آيات:
الأولى:
قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا [الفرقان: ٢١].
وطالب الممكن لا يكون عاتيا مستكبرا بل يكون بمنزلة طلب سائر المعجزات.
الثانية: قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥].
ولو أمكنت الرؤية لما عاقبهم بسؤالها في الحال.
الثالثة: قوله تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا [النساء: ١٥٣]. فقد سمى الله تعالى ذلك السؤال ظلما وجازاهم به في الحال بأخذ الصاعقة، ولو جاز كونه مرئيا لكان سؤالهم هذا سؤالا لمعجزة زائدة، ولم يكن ظلما ولا سببا للعقاب (٣).
والجواب عن هذا: أن الاستعظام إنما كان لطلبهم الرؤية تعنتا وعنادا. قال أبو الحسن الأشعري: (إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله عن طريق الإنكار لنبوة موسى، وترك الإيمان به حتى يروا الله، لأنهم قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فلما سألوه الرؤية عن طريق ترك الإيمان بموسى ﵇ حتى يريهم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه، كما استعظم الله سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا) (٤).
كما أنكر قول من قال: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا إلى قوله أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء:٩٣] لأنه إنما كان على وجه الاستخفاف بالرسل والتمرد لا على طلب الزيادة في العلم، ولو كان طلب الرؤية ممتنعا في ذاته لمنعهم موسى ﵇ عن ذلك، كما منعهم حين طلبوا أمرا ممتنعا، وهو أن يجعل لهم صنما إلها يعبدونه كما يفعل غيرهم إذ قال لهم: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٣٩].
стр. 1457
ولا يتصور سكوت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن بيان الحق لأممهم وخاصة فيما يتعلق بالذات الإلهية مما يجوز ويمتنع فلما لم يحصل من موسى ﵇ إنكار على من طلب الرؤية دل ذلك على جوازها.
رابعا: من أدلتهم السمعية قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١].
ووجه الدلالة: أن الله ﵎ نفى كلامه لأحد من البشر إلا من هذه الطرق الثلاثة:
١ - الوحي:
وهو القذف في الروع، أي أن الله ﵎ يقذف في قلب النبي شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله ، وهو مثل ما حصل لأم موسى. أو يكون رؤيا منام ورؤيا الأنبياء وحي.
٢ - الكلام بلا وساطة ومن وراء حجاب:
وذلك مثل كلام اله ﵎ لمحمد ﷺ عندما عرج به إلى السماء، وكما كلم موسى ﵇، وقد سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها.
٣ - إرسال الرسل:
وهو الملك الذي ينزل بالوحي كما ينزل جبريل ﵇ أو غيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإذا لم يره من يكلمه في وقت الكلام لم يره في غيره إجماعا، وإذا لم يره هو أصلا لم يره غيره أيضا إذ لا قائل بالفرق (١)، يؤيد هذا ما جاء في حديث مسروق قال: (كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن، قالت: من زعم أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: ٢٣]، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم: ١٣]، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه فقال: ((إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض))، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١] .... الحديث (٢).والجواب: كما قال صاحب المواقف (أن التكليم وحيا وقد يكون حال الرؤية فإن الوحي كلام يسمع بسرعة وماذا فيه من الدليل على نفي الرؤية) (٣).
واستدلال عائشة ﵂ بالآية على نفي الرؤية للنبي ﷺ لربه، هذا حق، لأن النفي منصب على وقوع الرؤية في الدنيا – ولم تقع لأحد على الصحيح – وليس لنفي جواز الرؤية مطلقا كما يستدل به النفاة من الجهمية والمعتزلة والإمامية وغيرهم وجمهور أهل السنة على أن الرؤية في الدنيا وإن كانت جائزة إلا أنها لم تقع فيها.
المصدر: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد – ص٢٦
стр. 1458
المطلب الثالث: الأدلة العقلية للمعتزلة
من جهة العقل: استدلوا على نفي رؤية الله تعالى بما يأتي:
أولا: دليل المقابلة: وتحريره كما قال عبد الجبار: (إن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلا، ولا حالا في المقال، ولا في حكم المقابل، وهذه الدلالة مبنية على أصول:
أحدها: أن الواحد منا راء بالحاسة، وإذا كانت صحيحة والموانع مرتفعة والمدرك موجود يجب أن يرى، ومتى لم يكن كذلك فيجب أن يكون لصحة الحاسة في ذلك تأثير لأنه بهذه الطريقة يعلم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط.
الثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا، أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل، وإذا كان كذلك وجب أن يرى، وإذا لم يكن مقابلا ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل لم ير، فيجب أن تكون المقابلة أو ما في حكمها شرطا في الرؤية لأنه بهذه الطريقة يعلم تأثير الشروط.
الثالث: أن القديم تعالى لا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل، لأن المقابلة والحلول إنما تصح على الأجسام والأعراض والله تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا يجوز أن يكون مقابلا ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل.
ويمكن إيراد هذه الدلالة على وجه آخر حتى لا يرد عليها بعض الاعتراضات التي يمكن ورودها على الأول، فيقال: إن أحدنا إنما يرى الشيء عند حصول شرطين:
أحدهما: يرجع إلى الرائي، والآخر يرجع إلى المرئي. فما يرجع إلى الرائي فهو صحة الحاسة، وما يرجع إلى المرئي فهو أن يكون للمرئي مع الرائي حكم وذلك الحكم هو أن يكون مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل (١).
هذا تصوير لدليل المقابلة العقلي الذي أقامه المعتزلة على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار كما استدلوا به.
ثم أورد عبد الجبار بعد تحرير الدليل ما يمكن الاعتراض به عليه وأجاب عنه فقال:
(فإن قيل: كيف يصح قولكم إن الواحد منا لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل مع أنه يرى وجهه في المرآة مع أنه ليس بمقابل ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل؟
قلنا: إن وجهه في حكم المقابل لأن الشعاع ينفصل من نقطته ويتصل بالمرآة فيصير كالعين، ثم ينعكس لرأى قفاه، لأن الشعاع ينفصل من نقطة ويتصل بالمرآة المستقبلة، ثم ينعكس إلى المستديرة فيصير كالعين فترى قفاه.
فإن قيل: أليس الله تعالى يرى الواحد منا، وإن لم يكن مقابلا له ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل، فهلا جاز في الواحد منا أن يرى الشيء وإن لم يكن مقابلا له ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل؟
قيل له: إنما وجبت هذه القضية – أي وقعت - في القديم تعالى لأنه لا يجوز أن يكون رائيا بالحاسة، والواحد منا راء بالحاسة، فلا يعلم أن يرى إلا كذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم من أن أحدنا إنما لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا له أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل، لأنه تعالى أجرى العادة بذلك فلا يمتنع أن يختلف الحال فيه فيرى القديم جل وعز في دار الآخرة.
قيل له: إن ما يكون بمجرى العادة يجوز اختلاف الحال فيه، ألا ترى أن الحر والبرد يجب مثله في مسألتنا لو كان ذلك بالعادة، فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا وإن لم توجد الشروط في بعض الحالات لاختلاف العادة، بل كان يجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف ومعلوم خلافه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن ذلك من باب ما تستمر العادة فيه كما في حصول الولد من ذكر وأنثى.
стр. 1459
وجوابنا: أنا لم نوجب فيما طريقه العادة أن يختلف الحال على كل وجه بل إذا اختلف من وجه واحد كفى، وما من شيء إلا والحال فيه مختلف على وجه، ألا ترى أن الولد قد يحصل لا من ذكر وأنثى فكان يجب مثله في مسألتنا حتى يصدق من أخبرنا أنه شاهد ما ليس بمقابل له ولا حال في المقابل ولا في حكم المقابل، أو شاهد أقواما يشاهدون الأشياء من دون أن تكون على هذا الوجه أو ما يجري مجراه وقد علم خلافه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن الواحد منا إنما لا يرى إلا ما كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل لأمر يرجع إلى المرئي لا إلى الرائي؟
قيل له: هذا الذي ذكرته لا يصح لأنه كان يجب في القديم تعالى أن لا يرى هذه المرئيات لفقد هذا الحكم فيه والمعلوم خلافه.
فإن قيل: إنا نرى القديم تعالى بلا كيف كما نعلمه بلا كيف ولا يحتاج إلى أن يكون مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل.
قيل له: إن هذا فيه قياس الرؤية على العلم من دون علة تجمعهما فلا يصح، فإن للعلم أصلا في الشاهد وللرؤية أصلا فيجب أن يرد كل واحد منها إلى أصله، فالعلم من حقه أن يتعلق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلق بالموجود والمعدوم والمحدث والقديم، فإن كان معدوما علم معدوما، وإن كان موجودا علم موجودا، وغيره، وليس كذلك الرؤية، فإنها لا تتعلق إلا بالموجود. ولهذا لا يصح في المعدوم أن يرى.
فإن قيل: هلا جاز أن نرى القديم تعالى بحاسة سادسة فلا تجوز معها شروط الرؤية لأنها بخلاف هذه الحواس؟ قلنا: مخالفة تلك الحاسة لهذه الحواس ليس بأكبر من مخالفة هذه الحواس بعضها لبعض، فإن فيها سهلا وزرقا وملحا، ومعلوم أن هذه الحواس مع اختلافها واختلاف بناها متفقة في أن لا يرى الشيء بها إلا إذا كان مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل، على أنه لا دلالة تدل على تلك الحاسة فلا يصح إثباتها. وبعد: فلو جاز أن نرى القديم تعالى بحاسة سادسة لجاز أن يذاق بحاسة سابعة وأن يلمس بحاسة ثامنة وأن يشم بحاسة تاسعة ويسمع بحاسة عاشرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (١).
والجواب على هذا الدليل كما قال الرازي: من وجهين:
الأول: تعيين محل النزاع، وهو أن الموجود المنزه عن المكان والجهة هل تجوز رؤيته أم لا؟ فإن ادعيتم أن العلم بامتناع رؤيته ضروري فذلك باطل ويدل عليه وجوه:
الأول: أن البدهي متفق عليه بين العقلاء، وهذا غير متفق عليه فلا يكون بدهيا.
الثاني: أنا إذا عرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الاثنين لم نجد القضية الأولى في قوة هذه الثانية.
الثالث: أن حكم الوهم والخيال في معرفة الله تعالى إما أن يكون مقبولا أو لا يكون مقبولا، فإن كان مقبولا لا يمتنع إثبات ذات منزه عن الكمية والكيفية والجهة، والمعتزلي يسلم أن ذلك باطل، وإن لم يكن مقبولا لم يكن حكم الوهم بأن ما كان منزها عن الجهة كان غير مرئي واجب القبول، لأن الوهم والخيال لما صار كل واحد منهما مردود الحكم في بعض الأحكام لم يبق الاعتماد عليهما في شيء من المواضع.
стр. 1460
وبالجملة إن كان حكم الوهم حقا كان الحق مع المجسم، وإن كان مردودا كان الحق معنا، أما المعتزلي فإنه يرد حكمه في إثبات الجسم والجهة، ويقبل حكمه في مسألة الرؤية، وكان كلامه متناقضا، فثبت بما ذكرناه أن من نفى الرؤية بالوجه الذي ذكرناه لا بد وأن يعول في نفيها على الدليل لا على ادعاء الضرورة. وإن ادعيتم أن هذا العلم استدلالي فلا بد فيه من دليل. قولكم: فإن كل مرئي فلا بد وأن يكون مقابلا بقرب من أنه إعادة الدعوى، لأن المقابل هو الذي يكون مختصا بجهة قدام الرائي فكما أنكم قلتم الدليل على أن ما لا يكون في الجهة لا يكون مرئيا هو أن كل ما كان مرئيا يكون في الجهة. والمنطقيون يسمون هذه القضية الثانية عكس نقيض القضية الأولى، وفي الحقيقة لا فرق بين القضيتين في الظهور والخفاء، فلم يجز جعل أحدهما حجة في صحة الأخرى بل يقرب هذا من أن يكون إعادة المطلوب بعبارة أخرى.
والثاني:
ثبت أن المقابلة شرط للرؤية في الشاهد فلم قلتم: إنه في الغائب كذلك، وتحقيقه هو أن ذات الله تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبا في الغالب عند حضورها، ومما يدل عليه أن الإدراك في الشاهد مشروط بشرائط ثمانية هي:
سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث أن يكون جائز الرؤية، وأن لا يكون في غاية البعد، وأن لا يكون في غاية القرب، وأن يكون مقابلا للرائي أو في حكم المقابل، وأن لا يكون في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب، وأن لا يكون في غاية الصغر، وفي الغالب نقطع بأنه لا يمكن اعتباره. وتمام الكشف والتحقيق أن المراد من الرؤية أن يحصل لنا انكشاف بالنسبة إلى ذاته المخصوصة وهو يجرى مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار الألوان والأضواء، وإذا كان الأمر كذلك فهذا الانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف، فإن كان المكشوف مخصوصا بالجهة والحيز وجب أن يكون الانكشاف كذلك، وإن كان المكشوف منزها عن الجهة وجب أن يكون انكشافه منزها عن الحيز والجهة (١).
والحق أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن الله تعالى لا يستقيم حيث إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة. ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر، قال ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. .)) الحديث (٢). وهما في جهة، وقد شبه ﷺ الرؤية بالرؤية. ثم قوله ﷺ في الحديث الآخر: ((إنكم سترون ربكم عيانا)) (٣). إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة.
ثم أن إثبات صفة العلو لله ﵎ ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له ﵎ ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال.
أما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص، فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ.
ثانيا: من أدلة المعتزلة دليل الموانع:
وقبل تقرير هذا الدليل لا بد لنا من ذكر مقدمة نوضح فيها المراد فنقول:
إن ما يجب حصول الإبصار عنده في الشاهد ثمانية شروط:
الأول: سلامة الحاسة.
стр. 1461
الثاني: كون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية.
الثالث: أن لا يكون في غاية البعد.
الرابع: أن لا يكون في غاية القرب.
الخامس: أن يكون مقابلا للرائي أو في حكم المقابل.
السادس: أن لا يكون في غاية اللطافة.
السابع: أن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب.
الثامن: أن لا يكون في غاية الصغر.
فعند توفر هذه الشروط الثمانية يجب الإبصار، إذ لو لم يجب لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة، وأصوات هائلة ونحن لا نراها ولا نسمعها، وذلك يقتضي دخول الإنسان في الجهالات.
وقالوا: إن الشروط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلا في رؤية الأجسام، والله ليس بجسم، فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته. ولو صحت لوجب أن لا يشترط لحصولها إلا سلامة الحاسة، وكونه بحيث أن يكون جائز الرؤية ولكنها لا تصح. قال عبد الجبار: لأن القديم تعالى لو جاز أن يرى في حال من الأحوال لوجب أن نراه الآن، ومعلوم أنا لا نراه الآن. وهذه الدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها. الثاني: أن القديم تعالى حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، أما الذي يدل على أن القديم تعالى حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها هو أن الشيء إنما يرى على أخص ما تقتضيه صفة الذات، والقديم تعالى على هذه الصفة بلا خلاف بيننا وبين من خالفنا في هذه المسألة، لأنه تعالى حاصل على ما هو عليه في ذاته وموجود، ونحن نقول: إن الشيء إنما يرى لما هو عليه في ذاته، وهم يقولون إنما يرى لوجوده والقديم تعالى حاصل على كل واحدة من هاتين الصفتين، فإذن لا شك أنه تعالى حاصل على الصفة التي لو رؤي لما رؤي إلا لكونه عليها، ولا تتجدد له صفة في الآخرة يرى عليها، فثبت ما قلناه، وأما الذي يدل على أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها، هو أنه إنما يرى الشيء لكونه حيا، بشرط صحة الحاسة وارتفاع الموانع، وقد علمنا أن الموانع المعتبرة عن رؤية المرئيات هي القرب المفرط، والبعد المفرط، والحجاب، واللطافة، والرقة، وأن يكون المرئي في غير جهة محاذاة الرائي، أو أن يكون حالا فيما هذا سبيله. فما كان هذه صفته امتنعت رؤيته، وما خلا عن ذلك وهو مرئي في نفسه وجبت رؤيته إذا كان الرائي يرى بالحاسة فقط، أما إذا كانت الرؤية بالمرآة فلا يمنع كونه في غير جهة محاذاة، لأنه يرى وجهه وما خلفه وما عن يمينه وما عن يساره، لأن المرآة أصبحت في الحكم كأنها عينه، فما قابلها بمنزلة ما قابل عينه، فلذلك اختلف حال ما يراه بالمرآة لما يراه بالحاسة من غير وساطة، فلا تمتنع رؤية الشيء بوساطة على الوجه الذي تمتنع رؤيته بالحاسة على جهة الابتداء (١).
ثم ساق عبد الجبار كثيرا من الاعتراضات مما يرد على هذا الدليل وأجاب عنها فقال:
فإن قيل: ولم قلتم ذلك؟
قلنا: لأنه متى كان على هذه الصفة وجب أن يرى، ومتى لم يكن كذلك استحال أن يرى، فيجب أن تكون رؤيته لما يراه لكونه حيا بشرط صحة الحاسة على ما نقوله، لأنه بهذه الطريقة يعلم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط.
فإن قيل: نحن لا نسلم ذلك. بل نقول إن الحي منا إذا كان صحيح الحاسة إنما يرى الشيء لرؤية خلقها الله في بصره وإدراك بخلقه.
قلنا: الإدراك ليس بمعنى، وليس لأمر زائد على كونه حيا مع صحة الحاسة.
فإن قيل: ومن أين لكم أن الإدراك ليس بمعنى؟
стр. 1462
قلنا: لو كان معنى لوجب من الواحد منا مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع ووجود المدرك أن لا يرى ما بين يديه في بعض الحالات، بأن لا يخلق الله له الإدراك، وهذا يقتضي أن يكون بين أيدينا أجسام عظيمة كالفيلة والبعران ونحوها ونحن لا نراها، لفقد الإدراك وهذا يرفع الثقة بالمشاهدات، ويلحق البصراء بالعميان وذلك محال، وما أدى إليه وجب أن يكون محالا.
فإن قيل: إنا نقطع على أنه ليس بحضرتنا أجسام عظيمة فكيف يجوز أن تكون ولا نراها؟
قلنا: إن العلم بأنه ليس بحضرتنا شيء يستند إلى طريق وهو العلم بأنه لو كان لرأيناه، وقد سددتم هذه الطريقة على أنفسكم لتجويزكم أن يكون ولا ترونه، فلا يمكنكم القطع على أنه ليس بحضرتنا شيء، فيلزم ما ألزمناكم يبين ذلك أن الأعمى لما فقد هذه الطريق، وهو العلم بأنه لو كان رآه لم يمكنه القطع على أنه ليس بحضرته شيء من طريق الإدراك، وكذلك إذا جوزتم أن يكون ولا ترونه وجب أن يكون حالكم حال الأعمى.
فإن قيل: أليس الأعمى مع تجويزه أن يكون ولا يرى يمكنه القطع على أنه ليس بحضرته شيء بأن يلمس فيجد ذلك الموضع خاليا.
قلنا: كلامنا في علمين يستند أحدهما إلى الآخر وكان الأول طريقا إلى الثاني، وهذا الذي ذكرتموه ليس كذلك فلا يصح، وهكذا الجواب إذا قيل: ليس يمكنه القطع على أنه ليس بحضرته شيء من طريق الخبر لأن كلامنا في العلم الذي يستند إلى الإدراك.
فإن قيل: ألستم جوزتم أن يقلب الله صورة زيد إلى صورة أخرى ثم قطعتم على أنه لم يفعل فهلا جاز مثله في مسألتنا.
قلنا: إن بين الموضعين فرقا لأن كلامنا في علمين أحدهما طريق إلى الآخر فمن أفسد على نفسه تلك الطريقة لا يحصل له العلم الذي يحصل من ذلك الطريق، والعلم بأن زيدا هو الذي شاهدناه من قبل لا يستند إلى طريقة قد أفسدناها على أنفسنا فجاز أن نقطع على أنه هو.
فإن قيل: إن العلم بذلك يستند إلى طريق وهو الإدراك، وقد أفسدتم بتجويزكم على أنفسكم أن يقلب الله صورته فلا يمكنكم القطع على أنه هو.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننته لأن هذا العلم لا يستند إلى الإدراك، إذ لو كان كذلك لوجب فيمن أدرك زيدا ثم شاهده بعد ذلك أن يثبته لا محالة، والمعلوم خلافه، فإن في الناس من يشاهد شخصا مرة ثم إذا رآه ثانية تبينه وتعرفه، وفيهم من يشاهده مرارا ثم إذا رآه بعد ذلك لم يتبينه ولم يعرفه، وما ذلك إلا؛ لأن هذا العلم غير مستند إلى الإدراك فصح ما قلناه.
فإن قيل: إن العلم بأنه ليس بحضرتنا شيء علم يخلقه الله تعالى فينا ابتداء لا أنه يستند إلى طريق قد أفسدناه.
قلنا: ليس الأمر على ما ظننته، بل العلم بأنه ليس بحضرتنا شيء يستند إلى أنه لو كان لرأيناه، وعلى هذا فإن الأعمى لما فقد هذه الطريق لم يمكنه القطع على أنه ليس بحضرته شيء، فعلمنا أن أحد العلمين يستند إلى الآخر، والأول طريق إلى الثاني، فمن أفسد على نفسه العلم الأول لا يحصل له العلم الثاني فقد صح بهذه الجملة ووضح أن الإدراك ليس بمعنى، وأن أحدنا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها، والقديم تعالى حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، والموانع معقولة مرتفعة.
فإن قيل: ولم قلتم إن الموانع المعقولة مرتفعة؟
قلنا: لأن الموانع المعقولة التي سبق ذكرها لا يجوز شيء منها على الله تعالى بحال من الأحوال.
فإن قيل: ما أنكرتم أنا إنما لا نرى القديم تعالى لمانع غير معقول؟
قلنا: لأن إثبات ما لا يعقل يفتح باب الجهالات ويلزم عليه جواز أن يكون بحضرتنا أجسام عظيمة ونحن لا نراها لمانع غير معقول ويلزم مثل ذلك في المعدوم ومعلوم خلافه.
стр. 1463
فإن قيل: ما أنكرتم أن المانع من رؤية الله تعالى هو أنه تعالى لم يشأ أن يرينا نفسه ولو شاء لرأيناه.
قلنا: المشيئة إنما تدخل فيما يصح دون ما يستحيل، وقد بينا أن الرؤية تستحيل عليه تعالى فلا يعلم ما ذكرتموه، وبعد فلو جاز ذلك في القديم تعالى لجاز مثله في المعدوم، فيقال إن المعدوم إنما لا يرى لأنه تعالى لا يشاء أن نراه ولو شاء لرأيناه فكما أن ذلك خلف من الكلام كذلك ههنا.
فإن قال: ما أنكرتم أن هذه الأمور التي عددتموها ليست بموانع؟
قلنا: إن كان الأمر على ما ذكرته فقد ارتفع غرضنا لأن غرضنا بيان أن الموانع عن الرؤية مرتفعة، وأنه تعالى لو كان مرئيا في نفسه لوجب أن نراه الآن، وهذا قد تم بما ذكرتموه، على أنا قد بينا أن هذه الأمور موانع بما لا يمكن دفعه.
فإن قيل: ما أنكرتم أنا نرى القديم تعالى الآن؟
قلنا: لو رأيناه لعلمناه ضرورة لأن الرؤية طريق إلى العلم، وهذا يوجب أن نجد كوننا عالمين به من أنفسنا وقد عرف خلافه.
فإن قيل: أليس أنه تعالى حاصل على الصفة التي لو علم لما علم إلا لكونه عليها والواحد منا حاصل على الصفة التي لو علم ما علم إلا لكونه عليها، والموانع المعقولة عن العلم مرتفعة ثم لا يجب في كل عاقل أن يعلم القديم تعالى فهلا جاز مثله في مسألتنا أن يكون القديم حاصلا على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، والواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى لما رأى إلا لكونه عليها، ثم لا يجب أن نراه الآن. قلنا: إن بين الموضعين فرقا لأن المصحح في كونه عالما غير الموجب له إذ المصحح له إنما هو كونه حيا والموجب له إنما هو العلم وليس كذلك في كونه مدركا لأن المصحح له هو كونه حيا وهو الموجب له أيضا ففارق أحدهما الآخر (١).
هذا سياق دلالة الموانع باعتراضاتها وردودها كما قررها عبد الجبار بن أحمد المعتزلي وللرد على هذه الدلالة نقول كما قال الرازي: لا نسلم عند عدم الموانع – التي ذكرتم – من الرؤية وجوب الإبصار، ولا امتناعه عند توفرها.
ويؤيد هذا ما يأتي:
أولا: رؤية الجسم الكبير من البعد صغيرا فإن كانت الرؤية لجميع أجزائه، وجب ألا يرى صغيرا. وإن لم ير شيئا من أجزائه وجب إلا يرى. وإن رئي بعض أجزائه دون بعض مع أن جميع الأجزاء بالنسبة إلى الموانع أو عدمها سواء لزم عدم الوجوب أو الامتناع.
ولا يقال: إنا إذا أبصرنا شيئا اتصل بطرفيه من العين خطان شعاعيان كساقي المثلث وصار عرض المرئي كالخط الثالث، أي قاعدة المثلث ثم يخرج من نقطة الناظر خط آخر إلى وسط المرئي قائم عليه يقسم المثلث الأول إلى مثلثين، وكل واحد منهما مثلث قائم الزاوية، وهذا يصلح أن يكون وترا لكل واحد من الزاويتين الحادتين الواقعتين على طرفي المثلث الأول الكبير، والخطان الطرفيان كل واحد منهما وتر للزاويتين القائمتين، ووتر القائمة أعظم من وتر الحادة بلا شك، فالخطان الطرفيان كل واحد منهما أطول من الخط الأوسط، فلم تكن أجزاء المرئي بالنسبة إلى الرائي متساوية في القرب والبعد، لأنا نقول لنفرض أن هذا التفاوت واقع بمقدار شبر فلو كان المانع من الرؤية هذا القدر من التفاوت في البعد لكنا إذا جعلنا المرئي أبعد مما كان عليه وقوله تعالى: النظر بمقدار شبر وجب أن لا نراه البتة، وليس كذلك فعلمنا أنه ليس السبب في عدم رؤية بعض الأجزاء ذلك القدر من التفاوت في البعد.
стр. 1464
فإن قيل: لا يلزم من رؤيتنا جميع أجزائه أن نراه كبيرا؛ لأن اختلاف الرؤية بالنسبة إلى الصغر والكبر ناتج عن ضيق الزاوية الحاصلة في الناظر من الخطين المتصلين منه بطرفي المرئي وسعتها، ولهذا إذا قرب المرئي في الغاية أو بعد كذلك صارت الزاوية لسعتها في الغاية حال القرب، أو لضيقها في الغاية حال البعد كالمعدوم فانعدمت الرؤية حينئذ لعدم انطباع الصورة، وهذا الافتراض مبني على القول بأن الرؤية تحصل بانطباع صورة المرئي أو شبحه في جزء من الرطوبة الجليدية في العين.
قلنا: هذا ضعيف بناء على تركب الأجزاء التي تتجزأ إذ على هذا التقدير إن رأى الأجزاء كلها وجب أن يرى الجسم كما هو في الواقع سواء كان قريبا أو بعيدا لأن رؤية كل منها أو بعضها أصغر مما هو عليه توجب الانقسام فيما لا يتجزأ لثبوت ما هو أصغر منه ورؤية كل من الأجزاء أكبر مما هو عليه بمثل أو بأزيد منه توجب ألا يرى إلا ضعفا أو أكبر من ذلك، وهو باطل قطعا، ورؤيته أكبر بأقل من مثل توجب الانقسام، ورؤية بعضها على ما هو عليه بعضها أكبر بمثل توجب ترجيحا بلا مرجح فوجب أن يرى الكل على حاله، فلا تفاوت حينئذ بالصغر والكبر، فتعين أن يكون التفاوت بحسب رؤية بعض دون بعض.
ثانيا: إن من نظر إلى مجموع من التراب يراه وهو عبارة عن مجموع تلك الذوات والأجزاء الصغيرة وإدراك كل واحد من تلك الذوات والأجزاء إما أن يكون مشروطا بإدراك الآخر أو لا؟ فإن كان مشروطا فيلزم عليه الدور، وإن لم يكن مشروطا فحينئذ يكون إدراك كل واحد من تلك الذوات والأجزاء حالتي الاجتماع والانفراد على السوية وليس كذلك، لأنها لا ترى حال الانفراد، وحينئذ لا يكون الإدراك واجب الحصول عند حصول تلك الشرائط، وإما أن يكون إدراك بعضه مشروطا بإدراك الباقي ولا ينعكس، فهذا محال، ومع أنه محال فالمقصود حاصل، أما أنه محال فلأن الأجزاء متساوية فيكون هذا مفتقرا إلى ذلك مع أن ذلك غني عن هذا ترجيح من غير مرجح وهو محال، وأما أن المقصود حاصل، فلأن إدراك أحد تلك الأجزاء إذا كان غنيا عن إدراك الآخر كان حاله عند الاجتماع وعند الانفراد في صحة الإدراك على السوية، وحينئذ يعود المحذور، فهذان برهانان قويان في بيان أنه عند حصول هذه الشرائط فالإدراك غير واجب الحصول.
وقولهم: لو لم يجب الإدراك لجاز أن يكون بحضرتنا حملات وبوقات ونحن لا نراها ولا نسمعها.
стр. 1465
قلنا: هذا معارض بجملة العاديات، ثم إن كان مأخذ الجزم بعدم الحملات والبوقات ما ذكرتم من وجوب الرؤية عند اجتماع شرائطها لوجب ألا نجزم به إلا بعد العلم بهذا، واللازم باطل، لأنه لا يجزم به من لا يخطر بباله هذه المسألة ولأنه ينجر إلى أن يكون ذلك الجزم نظريا مع اتفاق الكل على كونه ضروريا. سلمنا أنه عند تحقق الشرائط في الشاهد يكون الإدراك واجب الحصول فلم قلتم: إنه في حق الله تعالى يجب أن يكون كذلك، مع أن ذات الله مخالفة في الحقيقة والماهية لهذه الحوادث، والمختلفات لا يجب استواؤهما في اللوازم، فلم يلزم من كون الإدراك واجبا في الشاهد عند حضور هذه الشرائط كونه واجبا في الغائب عند حضورها. فلا يمتنع أن يكون الإدراك في الشاهد واجب الحصول وفي الغائب لا يجب ذلك، وسبق تقرير هذا الكلام في الرد على الدليل السابق (١). لذا صح بطلان دليل الموانع ورد الرازي على الدليل في غاية القوة حيث أنه أثبت معنوية الإدراك وكان اعتمادهم في الاستدلال على نفي المعنوية عن الإدراك، فبين عدم وجوبه مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع، والله أعلم. ثالثا: من أدلة المعتزلة على نفي الرؤيا الانطباع: وتقريره كما ذكر الرازي: (أن كل ما يكون مرئيا فلا بد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، والله تعالى يتنزه عن الصورة والمثال، فوجب أن تمتنع رؤيته) (٢).رابعا: إن كل ما كان مرئيا فلا بد له من لون وشكل، ودليله الاستقراء والله تعالى منزه عن ذلك فوجب ألا يرى (٣).
والجواب عن الدليلين: هو: منع كون الرؤية بالانطباع، ومنع كون المرئي ذا لون وشكل، إما مطلقا أو في الغائب لعدم تماثل الرؤيتين، فرؤية الخالق ليس كرؤية المخلوق، فلا يجب هذا في حق الله تعالى حيث إن ذات الله مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم (٤).
والحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا ترى إلا كذلك. ثم قالوا لو صح أن يرى الله فلا يرى إلا كذلك وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكم محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعا لأنه قياس مع الفارق، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه. قال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]، وقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١].
المصدر: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد – ص٥٥
стр. 1466
المطلب الرابع: أدلة أهل السنة على جواز الرؤية
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن رؤية الله تعالى جائزة عقلا وواقعة فعلا في الآخرة، واستدلوا على ذلك بالنقل والعقل:
أولا: من جهة النقل استدلوا بأدلة كثيرة منها:
أولا: قوله تعالى: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣].
والاستدلال بالآية من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن موسى ﵇ سأل الرؤية ولو امتنع كونه تعالى مرئيا لما سأل، لأنه حينئذ إما أن يعلم امتناعها أو يجهله، فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال الممتنع لأنه عبث ينزه الأنبياء عنه، وإن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله ويمتنع لا يكون نبيا كليما، وقد وصفه الله تعالى بذلك. قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٤] فالمقصود من البعثة والرسالة هو الدعوة إلى العقائد الحقة، والأعمال الصالحة الموافقة لدين الله وشرعه، فالسؤال دل على عدم الامتناع وكونه رسولا مصطفى مختارا يمنع عليه الجهل بمن أرسله واصطفاه (١).
واعترضت المعتزلة على هذا الدليل بوجوه:
فعلى الوجه الأول: أولا: قال الكعبي: إن موسى ﵇ لم يطلب الرؤية وإنما طلب العلم، وعبر بها عن لازمها الذي هو العلم الضروري وإطلاق اسم الملزوم على اللازم شائع، فكأنه قال: اجعلني عالما بك علما ضروريا، وهذا أيضا تأويل أبي الهذيل العلاف ووافقه الجبائي وأكثر البصريين (٢).
وقد أجيب على هذا الوجه من طريقين: ١ - قال القاضي عبد الجبار: (وقد أجاب شيخنا أبو الهذيل عن هذا؛ بأن الرؤية ههنا بمعنى العلم، ولا اعتماد عليه لأن الرؤية إنما تكون بمعنى العلم متى تجردت فأما إذا قارنها النظر فلا تكون بمعنى العلم) (٣).
٢ - كما أجاب أهل السنة فقالوا: إن الرؤية المقرونة بالنظر الموصول بإلى نص في الرؤية، فلو كانت الرؤية المطلوبة في أَرِنِي بمعنى العلم لكان النظر المترتب عليه بمعناه أيضا، وإن كان استعمال النظر بمعنى العلم جائزا إلا أنه في حال وصله بإلى يكون بعيدا مخالفا للظاهر ولا تجوز مخالفة الظاهر إلا بدليل، ولا دليل فوجب حمله على الرؤية بالعيان، ويمتنع حمل الرؤية على العلم الضروري ههنا أيضا، لأنه يلزم أن لا يكون موسى عالما بربه ضرورة مع أنه يكلمه من غير وساطة وإنما طلب الرؤية شوقا إليها بعد سماع الكلام، فدعوى عدم العلم غير معقولة حيث إن المخاطب في حكم الحاضر المشاهد وما هو معلوم بالنظر ليس كذلك. ولأنه تعالى أجاب موسى بقوله لَن تَرَانِي، وهذا نفي للرؤية لا للعلم الضروري. وعلى هذا الإجماع منا ومنهم، والجواب ينبغي أن يطابق السؤال ولو حمل سؤال موسى على طلب العلم لم يكن هذا جوابه (٤).
الاعتراض الثاني من المعتزلة على الوجه الأول من دليل الجواز:
стр. 1467
أن موسى ﵇ لم يسأل الله أن يريه ذاته وإنما سأله أن يريه علما من علومه ويكون تقدير الكلام (أرني أنظر إلى علمك) فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فقال: أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:١٤٣] فتكون الرؤية المطلوبة متعلقة بالعلم ويكون المعنى أرني علما من علومك أنظر إلى علمك. هذا تصوير الاعتراض. وقد أجاب الباقلاني عن هذا الاعتراض فقال: (إن هذا غير جائز في اللغة لأن القائل لا يجوز أن يقول لمن يسمع كلامه ويعرفه ولا يشك فيه أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ وهو يريد "عرفني نفسك" أو "أرني فعلا من أفعالك" هذا غير مستعمل في اللسان، ولأن النظر إذا أطلق فليس معناه إلا رؤية العين وإن أريد به العلم فبدليل، ولأن النظر الذي في الآية معدى بقوله: "إليك" والنظر المعدى بـ "إلى" لا يجوز في كلام العرب أن يراد به إلا نظر العين) (١).
وقال الجرجاني في شرحه للمواقف في الجواب عن هذا الاعتراض: إنه خلاف الظاهر فلا يرتكب إلا لدليل ومع ذلك لا يستقيم:
أما أولا: فلقوله لَن تَرَانِي فإنه نفي لرؤيته تعالى لا لرؤية علم من أعلامه بإجماعهم فلا يطابق الجواب السؤال حينئذ. وأما ثانيا: فلأن تدكدك الجبل الذي شاهده موسى ﵇ من أعظم الأعلام فلا يناسب قوله وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ المنع من رؤية العلامة المستفادة من قوله لَن تَرَانِي على هذا التأويل بل يناسب رؤيتها، وأيضا قوله فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ لا يلائم رؤيتها لأن الآية في تدكدك الجبل لا في استقراره (٢).
الاعتراض الثالث من المعتزلة على الوجه الأول من دليل الجواز:
ما قاله أبو علي وأبو هاشم (إن السؤال لم يكن سؤال موسى وإنما كان سؤالا عن قومه، والذي يدل عليه قوله لمحمد ﷺ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا [النساء: ١٥٣] وقوله : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥] فصرح تعالى بأن القوم هم الذين حملوه على هذا السؤال. ويدل عليه أيضا قوله حاكيا عن موسى ﵇: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء [الأعراف: ١٥٥] فبين أن السؤال سؤال عن قومه وأن الذنب ذنبهم) (٣).
قال الزمخشري: (فما طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا وتبرأ من فعلهم وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في إلحاحهم وقالوا لا بد ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأرادوا أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك وهو قوله لَن تَرَانِي ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبه فلذلك قال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:١٤٣].
стр. 1468
فإن قلت: فهلا، قال: أرهم ينظرون إليك. قلت: لأن الله سبحانه إنما كلم موسى ﵇ وهم يسمعون، فلما سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه كما أسمعه كلامه فسمعوه معه إرادة مبنية على قياس فاسد، فلذلك قال موسى أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ولأنه إذا زجر عما طلب وأنكر عليه في نبوته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له لن يكون ذلك كان غيره أولى بالإنكار، ولأن الرسول إمام أمته فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعا إليهم وقوله أَنظُرْ إِلَيْكَ وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم دليل على أنه ترجمة عن مقترحاتهم وحكاية لقولهم (١).وعلى هذا التأويل الجاحظ وأكثر المعتزلة فهم يقولون إن الطلب ليس من موسى ﵇ لنفسه وإنما لقومه على ما مر (٢).
الجواب الأول عن الاعتراض الثالث:
يقول الرازي: (إن هذا تأويل فاسد ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: (أرهم ينظروا إليك) ولقال تعالى: (لن يروني)، فلما لم يكن كذلك بطل هذا التأويل.
الثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨] منعهم عنه بقوله إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨].
الثالث: أنه لو كان: يجب على موسى ﵇ إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال فأما أن لا يذكر شيئا من تلك الدلائل البتة مع أن ذكرها كان فرضا مضيفا كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى ﵇، وأنه لا يجوز. الرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى ﵇ أو لا؛ فإن كان الأول كفاهم في الاقتناع عن ذلك السؤال الباطل مجرد قول موسى ﵇ فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى ﵇، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له: لا نسلم أن الله منع من الرؤية بل هذا قول افتريته على الله تعالى فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى ﵇ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ (٣).
الجواب الثاني عن الاعتراض الثالث:
стр. 1469
أنهم لما طلبوا من موسى أن يريهم الله جهرة زجرهم الله تعالى وردعهم عن سؤالهم بأخذ الصاعقة من غير ما طلب من موسى إلى زجرهم بطلب الرؤية وإضافتها إلى نفسه. فإن قيل: إن أخذ الصاعقة لهم لا يدل على أن الرؤية ممنوعة فالصاعقة أخذتهم عقيب السؤال، ولا يدل على امتناع ما طلبوه لجواز أن يكون الأخذ بالصاعقة لأنهم قصدوا إعجاز موسى ﵇ من الإتيان بما طلبوه مع كونه ممكنا، فأنكر الله ذلك عليهم وعاقبهم كما أنكر تعالى قول أهل مكة لمحمد ﷺ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا [الإسراء: ٩٠]. وقول أهل الكتاب له ﷺ : أنزل علينا كتابا من السماء قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء [النساء: ١٥٣]. وما ذلك إلا بسبب التعنت، وإن كان المسؤول أمرا ممكنا في نفسه، فأظهر الله لهم ما يدل على صدقه معجزا ورادعا لهم عن التعنت (١).أما استدلالهم بقوله تعالى: أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء [الأعراف: ١٥٥] على أنه سؤال عن قومه، وتعقيب الزمخشري على ذلك فلا نسلمه لهم. قال صاحب الانتصاف: (فإن الذي كان الإهلاك بسببه إنما هو عبادة العجل في قول أكثر المفسرين، ثم وإن كان السبب طلبهم للرؤية فليس لأنها غير جائزة على الله ولكن الله تعالى أخبر أنها لا تقع في دار الدنيا، والخبر صدق. وذلك بعد سؤال موسى للرؤية فلما سألوه وقد سمعوا الخبر بعدم وقوعها كان طلبهم خلاف المعلوم تكذيبا للخبر، فمن ثم سفههم موسى ﵇ وتبرأ من طلب ما أخبر الله أنه لا يقع، ثم ولو كان سؤالهم الرؤية قبل إخبار الله تعالى بعدم وقوعها فإنما سفههم موسى ﵇ لاقتراحهم على الله هذه الآية الخاصة وتوقيفهم الإيمان عليها حيث قالوا: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: ٥٥]. ألا ترى أن قول أهل مكة لمحمد ﷺ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا [الإسراء:٩٠]. إنما سألوا منه جائزا، ومع ذلك قرعوا لاقتراحهم على الله ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه) (٢).
الاعتراض الرابع من المعتزلة على الأول من دليل الجواز: أن موسى ﵇ ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفا بربه وبعدله وتوحيده فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفا على السمع. وهذا قول بعض المعتزلة كالحسن وغيره (٣).
قال الرازي في الجواب عن هذا: (قال أصحابنا أما هذا الوجه فضعيف ويدل عليه وجوه:
الأول: إجماع العقلاء على أن موسى ﵇ ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وفرضنا أن موسى ﵇ لم يعرف ذلك كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة، وذلك باطل بإجماع المسلمين.
стр. 1470
الثاني: أن المعتزلة بدعوة العلم الضروري بأن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون مقابلا، أو في حكم المقابل، فإما أن يقال: إن موسى ﵇ حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم، فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئيا يوجب تجويز كونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة فيلزم كون موسى ﵇ كافرا وذلك لا يقوله عاقل. وإن كان الثاني فنقول لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل علما بديهيا ضروريا، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلا لموسى ﵇ لزم أن يقال: إن موسى ﵇ لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية، ومن كان كذلك فهو مجنون فيلزمهم الحكم بأنه ﵇ ما كان كامل العقل بل كان مجنونا وذلك كفر بإجماع الأمة، فثبت أن القول بأن موسى ﵇ ما كان عالما بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين فكان القول به باطلا، والله أعلم) (١).
ويتصور اعتراض المعتزلة على الوجه الأول من وجهي الرد بأن هذه العقيدة سمعية، ففي الوقت الذي سأل موسى ربه الرؤية لم يكن جاءه وحي بامتناعها بخلاف المعتزلة فإنهم علموا ذلك من الوحي الذي نزل على محمد ﷺ أنها ممتنعة، وهذا لا يوجب أفضلية المعتزلة على موسى ﵇ لأن المسألة راجعة إلى السمع والوحي، هذا ما يمكن أن يعترض به المعتزلة على هذا الجواب.
فيقال إن عقيدة الرؤية ليست سمعية بل هي عقيدة عقلية باعترافكم أنفسكم، فإنكم حين أردتم الاستدلال على دعواكم امتناع الرؤية قسمتم الأدلة إلى عقلية ونقلية فإذا هذه عقيدة يمكن الاستدلال عليها بالعقل، فما يقوله أهل السنة في الرد على اعتراضكم قول صحيح حاسم لأنه يلزم أن تكونوا أقوى عقلا من موسى حيث علمتم بعقولكم امتناع الرؤية مع أن موسى ﵇ كان جاهلا بامتناعها وهذا من أبعد المحال.
الاعتراض الخامس من المعتزلة على الوجه الأول من دليل الجواز:
قال أبو الهذيل العلاف: إنه مع علم موسى باستحالتها عقلا طلبها ليؤكد لديه دليل العقل بدليل السمع حتى يقوى علمه بهذه الاستحالة لأن تعدد الأدلة وإن كان من جنس واحد يفيد زيادة العلم بالمدلول، فكيف إذا كانت من جنسين، وقد فعل مثل هذا قبله إبراهيم ﵇ حين طلب الطمأنينة فيما يعتقده ويعلمه بانضمام المشاهدة إلى الدليل حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
والجواب:
استبعاد هذا لأن العلم لا يقبل التفاوت، فهو صفة توجب تمييزا لا يحتمل متعلقه النقيض بوجه من الوجوه، ولأنه لو كان المقصود إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه؛ لوجب أن يطلب ذلك صريحا من الله بما يقوي امتناع رؤيته تعالى بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل، وحيث لم يطلب ذلك بل طلب الرؤية علم فساد مدعاهم. أما مقارنة ذلك بطلب إبراهيم ﵇ فالفارق ظاهر بين طلب إبراهيم وموسى على قولهم، لأن إبراهيم طلب أن يرى الكيفية مشاهدة ظاهرة جلية مع تصديقه، أما طلب موسى على مدعاهم فهو يطلب دليلا سمعيا يقوي به العقل مع علمه بالاستحالة فما طلبه موسى هو عين ما يعلم، والعلم لا يقبل التفاوت كما مر (٢).
стр. 1471
الوجه الثاني من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن الله لم ينهه ولا أيأسه لما طلب الرؤية، ولو كانت محالة لأنكر عليه، فقد أنكر جل وعلا على نوح لما سأله نجاة ابنه حيث قال: إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود: ٤٧]. وحينما قال الخليل ﵇: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]. لم ينكر عليه سؤاله، ولما قال عيسى ﵇ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:١١٤] لم ينكر عليه سؤاله. ففي إنكاره جل وعلا على نوح ﵇ دليل عدم جواز ما طلب وعدم الإنكار على الخليل وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم دليل الجواز وعدم الاستحالة (١).
الوجه الثالث من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن الله تعالى أجابه بقوله لَن تَرَانِي وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: لا تراني، أو لست بمرئي، أو لا تجوز رؤيتي، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر مثلا فقال له آخر أعطني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكله، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، ففي قوله في الجواب لَن تَرَانِي دليل على أنه يرى ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤية العلي العظيم (٢).قال أبو سعيد الدارمي في قوله تعالى: لَن تَرَانِي أي (في الدنيا؛ لأن بصر موسى من الأبصار التي كتب الله عليها الفناء في الدنيا فلا تحتمل النظر إلى نور البقاء، فإذا كانت يوم القيامة ركبت الأبصار والأسماع للبقاء فاحتملت النظر إلى الله بما يطوقها الله، ألا ترى أنه يقول: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ولو قد شاء لاستقر الجبل ورآه موسى، ولكن سبقت منه الكلمة أن لا يراه أحد في الدنيا، فلذلك قال لَن تَرَانِي فأما في الآخرة فإن الله تعالى ينشئ خلقه فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء فيراه أولياؤه جهرا كما قال رسول الله ﷺ (٣).
الوجه الرابع من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز: أنه تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة، قال الرازي: (إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرا جائز الوجود، لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، أنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية وذلك باطل (٤).
وللمعتزلة على هذا الوجه اعتراضان:
الاعتراض الأول:
стр. 1472
أنه علق الرؤية على استقرار الجبل ولا يخلو إما أن يكون علقها باستقراره بعد تحركه وتدكدكه أو علقها به حال تحركه، ولا يجوز أن يكون بالاستقرار بعد التحرك لأنه لم يره فصح أن التعليق كان حال الحركة، وذلك دليل على استحالة الرؤية كاستحالة استقرار الجبل حال حركته، والمعلوم أنه لا يستقر وهذه طريقة العرب إذا أرادوا تأكيد اليأس من الشيء علقوه بأمر يبعد حصوله، فلما جعله تعالى دكا وظهر بعد استقراره لذلك في النفوس حل محل الأمور التي يبعد بها الشيء إذا علق بها في الكلام، لأن استقراره وقد جعله دكا يستحيل لما فيه من اجتماع الضدين فما علق به يجب أن يكون بمنزلته.
الاعتراض الثاني: أنه لم يقصد من التعليق المذكور في الآية بيان إمكان الرؤية أو امتناعها بل بيان عدم وقوعها لعدم المعلق به وهو الاستقرار بغض النظر عن كونه ممكنا أو ممتنعا (١).
هذا تصوير ما اعترضوا به على هذا الدليل. والأول هو أحد أوجه استدلالهم بالآية على منع الرؤية وقدمنا الجواب على الدليل هناك، ونعيد الجواب من وجه آخر يناسب الاعتراض قال الرازي: (إن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث إنه متحرك أو ساكن، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة أو السكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث إنه متحرك أو ساكن، ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم، فلو أخذته من حيث هو مع قطع النظر عن كونه موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود فكذا ههنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز الحصول وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه (٢).
وقد سبق في دفع الاعتراض وجهة واضحة وهو أنه إذا علق الله تعالى رؤية موسى على استقرار الجبل فليس المراد بالاستقرار أن يحصل مع الاندكاك كما زعم المعتزلة، بل المراد أن يحصل الاستقرار بدل الاندكاك. ولا شك أن هذا أمر ممكن، وهذا هو المعروف في أساليب الكلام فإنك لو قلت لشخص وهو جالس إن قمت أعطيتك جائزة مثلا، لم يكن المراد أن يقوم وهو جالس بل المراد أن يقوم بدل جلوسه وهذا ظاهر.
والجواب عن الاعتراض الثاني على الوجه الرابع، وهو:
قولهم إن المقصود من التعليق بيان عدم المعلق لعدم المعلق به. أجاب صاحب المواقف عن هذا الاعتراض فقال: (إنه قد لا يقصد الشيء في الكلام قصدا بالذات ويلزم منه لزوما قطعيا، والحال ههنا كذلك، فإنه إذا فرض وقوع الشرط الذي هو ممكن في نفسه فإما أن يقع المشروط فيكون ممكنا، وإلا فلا معنى للتعليق وإيراد الشرط والمشروط، لأنه حينئذ منتف على تقديري وجود الشرط وعدمه، لا يقال فائدة التعليق ربط العدم بالعدم مع السكوت عن ربط الوجود بالوجود لأنا نقول إن المتبادر في اللغة من مثل قولنا إن ضربتني ضربتك هو الربط في جانبي الوجود والعدم معا لا في جانب العدم فقط كما هو المعتبر في الشرط المصطلح) (٣).
стр. 1473
الوجه الخامس من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: تجلي الله تعالى للجبل وهذا التجلي هو الظهور، قال القرطبي: (تجلى أي ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها، وجلوت السيف أبرزته من الصدأ جلاء فيهما وتجلى الشيء انكشف) (١) والمقصود إعلام نبي الله موسى ﵇ أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى حيث إن الجبل مع قوته وصلابته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه فبدا مسوى بالأرض مدكوكا، وحيث جاز تجلي الله للجبل ورؤيته له وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه إن ذلك بعيد. فإذا قال المعتزلة إن المراد بقوله فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهر من آياته وقدرته ما أوجب أن يصير دكا فيجب أن يحمل على إظهار القدرة، يبين ذلك أنه تعالى علق جعله الجبل دكا بالتجلي، ولو أراد به تجلي ذاته لم يكن لذلك معنى لأنه لو كان يجب أن يصير الجبل دكا، أو أراد تجلى بمعنى المقابلة لوجب أن لا يستقر له مكان بل كان يجب في العرض أن يصير دكا وأن يكون بهذه الصفة أحق (٢).
стр. 1474
فإنه يقال لهم: القول بأن التجلي إظهار القدرة هذا تأويل بخلاف تأويل جمهور المفسرين ثم إن معنى التجلي في اللغة الظهور الحقيقي والعدول عنه عدول عن الحق، ثم القول (إنه تعالى علق جعله الجبل دكا بالتجلي ولو أراد به تجلي ذاته لم يكن لذلك معنى) هذا بعيد عن الصواب إذ لا يعدم المعنى إلا فيما إذا أريد بالتجلي غير ذاته فموسى طلب رؤية الذات لا القدرة وقد سبق هذا رؤية الكثير من قدرته تعالى لموسى كالمعجزات التي أيده الله بها وكل ذلك رؤية لآثار القدرة، فالحمل على أن التجلي تجلي القدرة لهذا بعيد جدا وقد سبقت الإشارة إليه. ثم القول (بأنه لو كان المراد بالتجلي المقابلة لوجب أن لا يستقر له مكان، وهذا في العرش يكون أولى). قول في غاية الضعف، فالعرش قد خلقه الله تعالى لهذا الشأن وجعل فيه الصمود والتحمل لما خلقه له، والكرسي والحجاب كذلك وما خلقه لغير ذلك لا يحتمل ظهور ذاته في الدنيا فـ "حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١) أي لاحترقت السموات والأرض ومن فيهن، وقالوا: (لو كان في الحقيقة تجلى للجبل بمعنى أنه ظهر وزال الحجب لكان من على الجبل يراه أيضا فكان لا يصح مع ذلك قوله لَن تَرَانِي وكان لا يصح أن يعلق نفي الرؤية بأن لا يستقر الجبل والمعلوم أنه لا يستقر بأن ينكشف ويرى لأن ذلك في حكم أن يجعل الشرط في أن لا يرى ما يوجب أن يرى وذلك متناقض) (٢).ونجيب على هذا بجوابهم على من اعترض عليهم بقوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ [الأنفال: ٤٤] وجهه أنه إذا جاز أن يقلل الكثير في العين الصحيحة جاز مع صحتها وارتفاع الموانع أن نراه . حيث أجابوا بأن الظاهر يقتضي أنه قلل العدد في أعين المؤمنين وليس فيه أنه فعل ذلك من غير مانع، ومن قولنا: إن ذلك يجوز للموانع وإنما أنكرنا القول بأن المرئي لا نراه بالعين الصحيحة مع ارتفاع جميع الموانع (٣). فيحق لنا القول بحصول التجلي للذات ووجود مانع من الرؤية لما سوى الجبل أوجده الله تعالى حيث قضى بأنه لا يرى في الدنيا، وأن الخلق لا تتحمل النظر إليه ولا تناقض على ما يدعون حيث إن الشرط في الرؤية وعدمها استقرار الجبل وعدمه لا الانكشاف، وهذا ظاهر.
فإن قيل: إن الجبل جماد فكيف يتصور أن يرى الله تعالى؟! قلنا: لا يمتنع أن يخلق الله تعالى في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم وسائر ما يتصف به الحي، ثم يخلق فيه رؤية متعلقة بذاته تعالى حين تجلى له ويؤيد هذا أنه تعالى قال يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ: ١٠]، وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل، ونحتج لهذا بتسبيح الحصى بيد الرسول ﷺ وسلام الحجر عليه (٤)، وغير ذلك وهو ليس بغريب، والله أعلم.
الوجه السادس من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن من جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير وساطة فرؤيته أولى بالجواز، وكليم الله وأعرف الناس به في زمانه لما سمع كلامه ومناجاته له من غير وساطة اشتاقت نفسه إلى رؤيته لعلمه عدم التفريق بين الرؤية والكلام، لهذا فلا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم (٥).
стр. 1475
ثانيا: من أدلة النقل على جواز رؤية الله تعالى:
استنبط بعض العلماء دليلا على جواز رؤية الله تعالى مطلقا من قوله لموسى ﵊ بعدما منعه الرؤية قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف:١٤٤]. فقال إسماعيل البروسوي عند تفسير الآية: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ يعني ما ركبت فيك استعداده، واصطفيتك به من الرسالة والمكالمة وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يستدعي الزيادة لقوله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:٧] والزيادة هي الرؤية لقوله تعالى لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] وقال ﵊ الزيادة هي الرؤية والحسنى هي الجنة") (١).
وقال الرازي: (اعلم أن موسى ﵇ لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بذكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها. والمقصود تسلية موسى ﵇ عن منع الرؤية، وهذا أيضا أحد ما يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة) (٢).
وأرى أن الاستدلال بهذه الآية على الجواز قوي، لأن الله تعالى عدد لموسى ﵇ هذه النعم التي أنعم بها عليه لما منعه من حصول جائز طلبه منه فذكر ما ذكر تسلية له، ولو منعه من ممتنع لكان بخطاب آخر، وذلك مثل خطابه تعالى لنوح ﵇ حين قال:
رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦].
وقوله تعالى لإبراهيم ﵇ حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].
والفرق بين خطاب الله تعالى لموسى ﵇، وبين خطابه لنوح وإبراهيم ﵉ ظاهر.
ثالثا: من أدلة أهل السنة والجماعة النقلية على جواز الرؤية: