← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الوجه الثاني من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن الله لم ينهه ولا أيأسه لما طلب الرؤية، ولو كانت محالة لأنكر عليه، فقد أنكر جل وعلا على نوح لما سأله نجاة ابنه حيث قال: إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ [هود: ٤٧]. وحينما قال الخليل ﵇: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]. لم ينكر عليه سؤاله، ولما قال عيسى ﵇ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:١١٤] لم ينكر عليه سؤاله. ففي إنكاره جل وعلا على نوح ﵇ دليل عدم جواز ما طلب وعدم الإنكار على الخليل وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم دليل الجواز وعدم الاستحالة (١). الوجه الثالث من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن الله تعالى أجابه بقوله لَن تَرَانِي وهذا دليل على الجواز، فلو كانت الرؤية مستحيلة عليه لقال: لا تراني، أو لست بمرئي، أو لا تجوز رؤيتي، ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر مثلا فقال له آخر أعطني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكله، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة لقال له لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ولكنك لا تأكله، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، ففي قوله في الجواب لَن تَرَانِي دليل على أنه يرى ولكن موسى ﵇ لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤية العلي العظيم (٢).قال أبو سعيد الدارمي في قوله تعالى: لَن تَرَانِي أي (في الدنيا؛ لأن بصر موسى من الأبصار التي كتب الله عليها الفناء في الدنيا فلا تحتمل النظر إلى نور البقاء، فإذا كانت يوم القيامة ركبت الأبصار والأسماع للبقاء فاحتملت النظر إلى الله بما يطوقها الله، ألا ترى أنه يقول: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ولو قد شاء لاستقر الجبل ورآه موسى، ولكن سبقت منه الكلمة أن لا يراه أحد في الدنيا، فلذلك قال لَن تَرَانِي فأما في الآخرة فإن الله تعالى ينشئ خلقه فيركب أسماعهم وأبصارهم للبقاء فيراه أولياؤه جهرا كما قال رسول الله ﷺ (٣). الوجه الرابع من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز: أنه تعالى علق الرؤية على أمر جائز، وهو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة، قال الرازي: (إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمرا جائز الوجود، لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، أنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية وذلك باطل (٤). وللمعتزلة على هذا الوجه اعتراضان: الاعتراض الأول:

стр. 1472

أنه علق الرؤية على استقرار الجبل ولا يخلو إما أن يكون علقها باستقراره بعد تحركه وتدكدكه أو علقها به حال تحركه، ولا يجوز أن يكون بالاستقرار بعد التحرك لأنه لم يره فصح أن التعليق كان حال الحركة، وذلك دليل على استحالة الرؤية كاستحالة استقرار الجبل حال حركته، والمعلوم أنه لا يستقر وهذه طريقة العرب إذا أرادوا تأكيد اليأس من الشيء علقوه بأمر يبعد حصوله، فلما جعله تعالى دكا وظهر بعد استقراره لذلك في النفوس حل محل الأمور التي يبعد بها الشيء إذا علق بها في الكلام، لأن استقراره وقد جعله دكا يستحيل لما فيه من اجتماع الضدين فما علق به يجب أن يكون بمنزلته. الاعتراض الثاني: أنه لم يقصد من التعليق المذكور في الآية بيان إمكان الرؤية أو امتناعها بل بيان عدم وقوعها لعدم المعلق به وهو الاستقرار بغض النظر عن كونه ممكنا أو ممتنعا (١). هذا تصوير ما اعترضوا به على هذا الدليل. والأول هو أحد أوجه استدلالهم بالآية على منع الرؤية وقدمنا الجواب على الدليل هناك، ونعيد الجواب من وجه آخر يناسب الاعتراض قال الرازي: (إن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث إنه متحرك أو ساكن، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة أو السكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث إنه متحرك أو ساكن، ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا كان واجب الوجود، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم، فلو أخذته من حيث هو مع قطع النظر عن كونه موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود فكذا ههنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز الحصول وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه (٢). وقد سبق في دفع الاعتراض وجهة واضحة وهو أنه إذا علق الله تعالى رؤية موسى على استقرار الجبل فليس المراد بالاستقرار أن يحصل مع الاندكاك كما زعم المعتزلة، بل المراد أن يحصل الاستقرار بدل الاندكاك. ولا شك أن هذا أمر ممكن، وهذا هو المعروف في أساليب الكلام فإنك لو قلت لشخص وهو جالس إن قمت أعطيتك جائزة مثلا، لم يكن المراد أن يقوم وهو جالس بل المراد أن يقوم بدل جلوسه وهذا ظاهر. والجواب عن الاعتراض الثاني على الوجه الرابع، وهو: قولهم إن المقصود من التعليق بيان عدم المعلق لعدم المعلق به. أجاب صاحب المواقف عن هذا الاعتراض فقال: (إنه قد لا يقصد الشيء في الكلام قصدا بالذات ويلزم منه لزوما قطعيا، والحال ههنا كذلك، فإنه إذا فرض وقوع الشرط الذي هو ممكن في نفسه فإما أن يقع المشروط فيكون ممكنا، وإلا فلا معنى للتعليق وإيراد الشرط والمشروط، لأنه حينئذ منتف على تقديري وجود الشرط وعدمه، لا يقال فائدة التعليق ربط العدم بالعدم مع السكوت عن ربط الوجود بالوجود لأنا نقول إن المتبادر في اللغة من مثل قولنا إن ضربتني ضربتك هو الربط في جانبي الوجود والعدم معا لا في جانب العدم فقط كما هو المعتبر في الشرط المصطلح) (٣).

стр. 1473

الوجه الخامس من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: تجلي الله تعالى للجبل وهذا التجلي هو الظهور، قال القرطبي: (تجلى أي ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها، وجلوت السيف أبرزته من الصدأ جلاء فيهما وتجلى الشيء انكشف) (١) والمقصود إعلام نبي الله موسى ﵇ أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى حيث إن الجبل مع قوته وصلابته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه فبدا مسوى بالأرض مدكوكا، وحيث جاز تجلي الله للجبل ورؤيته له وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه إن ذلك بعيد. فإذا قال المعتزلة إن المراد بقوله فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهر من آياته وقدرته ما أوجب أن يصير دكا فيجب أن يحمل على إظهار القدرة، يبين ذلك أنه تعالى علق جعله الجبل دكا بالتجلي، ولو أراد به تجلي ذاته لم يكن لذلك معنى لأنه لو كان يجب أن يصير الجبل دكا، أو أراد تجلى بمعنى المقابلة لوجب أن لا يستقر له مكان بل كان يجب في العرض أن يصير دكا وأن يكون بهذه الصفة أحق (٢).

стр. 1474

فإنه يقال لهم: القول بأن التجلي إظهار القدرة هذا تأويل بخلاف تأويل جمهور المفسرين ثم إن معنى التجلي في اللغة الظهور الحقيقي والعدول عنه عدول عن الحق، ثم القول (إنه تعالى علق جعله الجبل دكا بالتجلي ولو أراد به تجلي ذاته لم يكن لذلك معنى) هذا بعيد عن الصواب إذ لا يعدم المعنى إلا فيما إذا أريد بالتجلي غير ذاته فموسى طلب رؤية الذات لا القدرة وقد سبق هذا رؤية الكثير من قدرته تعالى لموسى كالمعجزات التي أيده الله بها وكل ذلك رؤية لآثار القدرة، فالحمل على أن التجلي تجلي القدرة لهذا بعيد جدا وقد سبقت الإشارة إليه. ثم القول (بأنه لو كان المراد بالتجلي المقابلة لوجب أن لا يستقر له مكان، وهذا في العرش يكون أولى). قول في غاية الضعف، فالعرش قد خلقه الله تعالى لهذا الشأن وجعل فيه الصمود والتحمل لما خلقه له، والكرسي والحجاب كذلك وما خلقه لغير ذلك لا يحتمل ظهور ذاته في الدنيا فـ "حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١) أي لاحترقت السموات والأرض ومن فيهن، وقالوا: (لو كان في الحقيقة تجلى للجبل بمعنى أنه ظهر وزال الحجب لكان من على الجبل يراه أيضا فكان لا يصح مع ذلك قوله لَن تَرَانِي وكان لا يصح أن يعلق نفي الرؤية بأن لا يستقر الجبل والمعلوم أنه لا يستقر بأن ينكشف ويرى لأن ذلك في حكم أن يجعل الشرط في أن لا يرى ما يوجب أن يرى وذلك متناقض) (٢).ونجيب على هذا بجوابهم على من اعترض عليهم بقوله تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ [الأنفال: ٤٤] وجهه أنه إذا جاز أن يقلل الكثير في العين الصحيحة جاز مع صحتها وارتفاع الموانع أن نراه . حيث أجابوا بأن الظاهر يقتضي أنه قلل العدد في أعين المؤمنين وليس فيه أنه فعل ذلك من غير مانع، ومن قولنا: إن ذلك يجوز للموانع وإنما أنكرنا القول بأن المرئي لا نراه بالعين الصحيحة مع ارتفاع جميع الموانع (٣). فيحق لنا القول بحصول التجلي للذات ووجود مانع من الرؤية لما سوى الجبل أوجده الله تعالى حيث قضى بأنه لا يرى في الدنيا، وأن الخلق لا تتحمل النظر إليه ولا تناقض على ما يدعون حيث إن الشرط في الرؤية وعدمها استقرار الجبل وعدمه لا الانكشاف، وهذا ظاهر. فإن قيل: إن الجبل جماد فكيف يتصور أن يرى الله تعالى؟! قلنا: لا يمتنع أن يخلق الله تعالى في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم وسائر ما يتصف به الحي، ثم يخلق فيه رؤية متعلقة بذاته تعالى حين تجلى له ويؤيد هذا أنه تعالى قال يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ: ١٠]، وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل، ونحتج لهذا بتسبيح الحصى بيد الرسول ﷺ وسلام الحجر عليه (٤)، وغير ذلك وهو ليس بغريب، والله أعلم. الوجه السادس من أوجه الاستدلال بالآية على الجواز هو: أن من جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير وساطة فرؤيته أولى بالجواز، وكليم الله وأعرف الناس به في زمانه لما سمع كلامه ومناجاته له من غير وساطة اشتاقت نفسه إلى رؤيته لعلمه عدم التفريق بين الرؤية والكلام، لهذا فلا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم (٥).

стр. 1475

ثانيا: من أدلة النقل على جواز رؤية الله تعالى: استنبط بعض العلماء دليلا على جواز رؤية الله تعالى مطلقا من قوله لموسى ﵊ بعدما منعه الرؤية قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف:١٤٤]. فقال إسماعيل البروسوي عند تفسير الآية: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ يعني ما ركبت فيك استعداده، واصطفيتك به من الرسالة والمكالمة وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يستدعي الزيادة لقوله تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:٧] والزيادة هي الرؤية لقوله تعالى لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] وقال ﵊ الزيادة هي الرؤية والحسنى هي الجنة") (١). وقال الرازي: (اعلم أن موسى ﵇ لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بذكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها. والمقصود تسلية موسى ﵇ عن منع الرؤية، وهذا أيضا أحد ما يدل على أن الرؤية جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة) (٢). وأرى أن الاستدلال بهذه الآية على الجواز قوي، لأن الله تعالى عدد لموسى ﵇ هذه النعم التي أنعم بها عليه لما منعه من حصول جائز طلبه منه فذكر ما ذكر تسلية له، ولو منعه من ممتنع لكان بخطاب آخر، وذلك مثل خطابه تعالى لنوح ﵇ حين قال: رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦]. وقوله تعالى لإبراهيم ﵇ حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]. والفرق بين خطاب الله تعالى لموسى ﵇، وبين خطابه لنوح وإبراهيم ﵉ ظاهر. ثالثا: من أدلة أهل السنة والجماعة النقلية على جواز الرؤية:

стр. 1476

قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]. قال الألوسي: (الأبصار جمع بصر يطلق كما قال الراغب على الجارحة الناظرة وعلى القوة التي فيها، وعلى البصيرة وهو قوة القلب المدركة وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إلى غايته والإحاطة به، وأكثر المتكلمين على حمل البصر هنا على الجارحة من حيث إنها محل القوة، وقيل هو إشارة إلى ذلك وإلى الأوهام والأفهام، كما قال أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه: التوحيد أن لا تتوهمه، وقال أيضا كل ما أدركته فهو غيره. ونقل الراغب عن بعضهم أنه حمل ذلك على البصيرة، وذكر أنه قد نبه به على ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ في قوله: "يا من غاية معرفته القصور عن معرفته إذا كانت معرفته تعالى أن تعرف الأشياء فتعلم أنه ليس بمثل لشيء منها بل موجد كل ما أدركته") (١). هذا ما قيل في معنى الإبصار والإدراك الواردين في الآية. وقال الرازي في تقرير وجه الدلالة على المدح: (لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته والعلوم والقدرة والإرادة، والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ يفيد المدح وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدل على أن قوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية، وتمام التحقيق فيه: أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته) (٢).

стр. 1477

قال ابن القيم: (والاستدلال بهذه الآية على جواز الرؤية أعجب فإنها من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال بها أحسن تقرير وألطفه، وقال أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يمدح الرب ﵎ بالعدم، إلا إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمنة كمال القيومية. . فقوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك، بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١]. . وقد سبق تقرير هذا فلا داعي لإعادته. وقال ابن عطية ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم فذلك قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عيانا ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها لا تحيط به إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئا يحيط به وهو بكل شيء محيط، وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وكذا يعلم الخلق ما علمهم وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة: ٢٥٥] ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] وهذا من أعظم الأدلة، على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مثل فيها وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه. . فقوله: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارجا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه، فيراهم وينقذهم بصره ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا، وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى بين قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفى عليه، فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته العالي في قربه، والقريب في علوه الذي كمثله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]. لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] (١). وقد مر أكثر من هذا في أثناء الرد على المعتزلة عن استدلالهم بالآية على المنع من الرؤية.

стр. 1478

فنقول: إن الله تعالى نفى إدراك الأبصار له وهو أن تحيط به فهذا النفي ورد على مقيد وهي الرؤية المحيطة، فإذا المنفي هو قيد الإحاطة، وهذا يشهد بأن الرؤية جائزة، لأنها لو كانت ممتنعة لنفى أصل الرؤية لا الرؤية المحيطة، نظير ذلك أنه إذا كان هناك شخصان أحدهما لم يجئ إليك والثاني جاء غير راكب فإنك تقول في الثاني ما جاء راكبا تريد نفي الركوب لا نفي المجيء ولا تقول في الأول ما جاء راكبا بل تقول ما جاء، وهذا معنى قولهم في القواعد العامة: إذا ورد النفي على مقيد بقيد، كان النفي منصبا على القيد لا المقيد، والنفي في الآية الكريمة ورد على الرؤية المحيطة فيكون المراد نفي الإحاطة، وهذا بدوره يقتضي ثبوت أصل الرؤية، والله أعلم. رابعا: من أدلة أهل السنة على الجواز: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ في محاجة قومه في النجوم فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٦ - ٧٨]. وجه الدلالة أن الخليل ﵇ حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل وتغيب، في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربا يرى، ولكن حاجهم بأن لا يحب ربا يأفل وهذا هو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله ﵎ أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (١).

стр. 1479

خامسا: روى البخاري في صحيحه قال: حدثنا عمرو بن عوف حدثنا خالد وهشيم عن إسماعيل بن قيس عن جرير قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل صلاة الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) (١). سادسا: روى البخاري قال: (حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي حدثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : ((إنكم سترون ربكم عيانا)) (٢). سابعا: من الأحاديث الواردة في إثبات الرؤية قول الرسول ﷺ للأنصار وقد جمعهم في قبة ((اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض)) (٣). قال ابن القيم (وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصارى، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلى، وجابر بن عبد الله الأنصارى، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى. فهناك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم، وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق الطعن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين) (٤) ثم ذكر بعد ذلك سياق الأحاديث بكاملها وقد مر ذكر بعضها ويأتي بعض باقيها إن شاء الله تعالى. ثامنا: من أدلة الجواز ما حصل من الخلاف بين الصحابة ﵃ في شأن رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، فقال ابن عباس وجماعة بأن الرسول ﷺ رأى ربه، ونفى هذا آخرون وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة ﵂، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب، ولم ينسبه إلى البدعة والضلالة وهذا يدل على أنهم كانوا مجتمعين على عدم امتناع رؤية الله تعالى عقلا في الدنيا وقد أجمعوا على أنها ستحصل للمؤمنين في الآخرة. ثم لو أن الرؤية ممتنعة صح أن يقول أحد من الصحابة بوقوعها فقول فريق منهم بالوقوع يشهد بأنها جائزة قطعا (٥). تاسعا: قال الرازي في الاستدلال على جواز الرؤية: (إن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على أكمل الوجوه، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية، فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ [فصلت: ٣١] (٦).

стр. 1480

وهناك أدلة سمعية كثيرة تدل على وقوع الرؤية: قال الغزالي: (ومهما دل الشرع على وقوعه فقد دل على جوازه) (١) وقد وردت في إثباتها للمؤمنين في الجنة، أو الحث على طلبها بالعمل الصالح والوعد بها، أو نفيها عن الكفار فأذكرها وأبين وجه دلالتها على الجواز وأؤجل الكلام على كيفية الاستدلال بها ومناقشتها في مواضعها إن شاء الله تعالى:١ - قوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:٢٦] فقد فسرت الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، قال القرطبي: (وقد ورد هذا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في راوية وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية وهو قول جماعة من التابعين وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم . وفي رواية ثم تلا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (٢))) (٣). ٢ - قوله تعالى: ولدينا مزيد لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] فقد فسر المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى كالآية السابقة، قال ابن كثير: (إن المزيد الذي يتفضل الله به على عباده فوق ما يشاءون هو ظهوره تعالى لهم) (٤) وبهذا فسر الآية ابن جرير الطبري والقرطبي وغيرهما ودلالتها عن الرؤية كالآية السابقة.٣ - قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان: ٢٠] قال الرازي: (فإن إحدى القراءات في هذه الآية في مُلْكًا بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى، وعندي أن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها (٥). وقال الألوسي عند تفسيرها: (وقيل هو النظر إلى الله وقيل غير ذلك (٦). فعلى القراءة المذكورة دلالة الآية على جواز الرؤية ظاهرة.٤ - قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وجه الاستدلال بالآية على الجواز ما نقل أن نَاظِرَةٌ أي رائية رؤية بصرية يوم القيامة كما قال أهل السنة والجماعة. قال الباقلاني: (لأن النظر في كلام العرب يحتمل وجوها منها نظر الانتظار ومنها الفكر والاعتبار ومنها الرحمة والتعطف ومنها الإدراك بالأبصار وإذا قرن النظر بذكر الوجه وعدى بحرف الجر ولم يضف الوجه إلى قبيلة أو عشيرة كان الوجه الجارحة التي توصف بالنضارة التي تختص بالوجه الذي فيه العينان، فمعناه رؤية الأبصار (٧) خلافا للمحرفين للنصوص عن مواضعها، قال أبو الحسن الأشعري: قال الله وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢ يعني مشرقة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] القيامة: ٢٣ يعنى رائية. . ولا يجوز أن يكون بمعنى نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار الاعتبار، ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه (٨).

стр. 1481

وروى عبد الله بن عمر قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢ قال: من البهاء والحسن إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] القيامة: ٢٣ قال في وجه الله ) (١). ٥ - قوله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ [الكهف: ١١٠]. ٦ - قوله تعالى: وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ [البقرة: ٢٢٣]. ٧ - قوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٤٤]. ٨ - قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللهِ [البقرة: ٢٤٩]. وغير هذه الآيات مما ذكر فيها اللقاء منسوبا إلى الله تعالى. ووجه الدلالة على الرؤية هو أن اللقاء عند كثير من السلف يتضمن المشاهدة والمعاينة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. قال الآجري: (واعلم رحمك الله. . أن عند أهل العلم باللغة أن اللقاء ههنا لا يكون إلا بمعاينة يراهم الله ويرونه ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه (٢)، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [التوبة: ٧٧] فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة (٣)، ويأتي للبحث زيادة إن شاء الله تعالى.٩ - قوله تعالى: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]، وجه الاستدلال بها أنه جعل أعظم عقوبة للكفار كونهم محجوبين عن رؤيته. قال الألوسي: (لا يرونه تعالى وهو حاضر ناظر لهم بخلاف المؤمنين فالحجاب مجاز عن عدم الرؤية، لأن المحجوب لا يرى ما حجب، أو الحجب المنع والكلام على حذف مضاف أي عن رؤية ربهم لممنوعون فلا يرونه سبحانه، واحتج بالآية مالك على رؤية المؤمنين له تعالى من جهة دليل الخطاب، وإلا فلو حجب الكل لما أغنى هذا التخصيص، وقال الشافعي لما حجب سبحانه قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا، وقال أنس بن مالك لما حجب أعداءه سبحانه فلم يروه تجلى جل شأنه لأوليائه حتى رأوه (٤) فهذه الأدلة السابقة كلها أدلة على وقوع الرؤية لله تعالى وهي أيضا أدلة على الجواز حيث إن غير الجائز لا يقع والله أعلم. ثانيا: الأدلة العقلية على جواز الرؤية: ١ - استدل الأشاعرة على جواز الرؤية عقلا بدليل الوجود: قال أبو الحسن الأشعري: (ومما يدل على رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله موجودا مثبتا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه (٥).

стр. 1482

وتعرض بعض العلماء لبيان المقدمة الثانية – أن كل موجود يصح أن يرى – فقالوا: إنا نرى الأعراض كالألوان والأضواء والحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهذا ظاهر، ونرى الجوهر لأنا نرى الطول والعرض في الجسم ولهذا نميز الطويل من العريض والطويل من الأطول فقد ثبت أن صحة الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض، وهذه الصحة لها علة لتحققها عند الوجود، وانتفائها عند العدم، فإن الأجسام والأعراض لو كانت معدومة لاستحال كونها مرئية بالضرورة والاتفاق، ولولا تحقق أمر مصحح حال الوجود غير متحقق حال العدم لكان ذلك أي اختصاص الصحة بحال الوجود ترجيحا بلا مرجح. وهذه العلة المصححة للرؤية لا بد من أن تكون مشتركة بين الجوهر والعرض، وإلا لزم تعليل الأمر الواحد وهو صحة كون الشيء مرئيا بعلل مختلفة وهو غير جائز، ثم نقول هذه العلة المشتركة إما الوجود أو الحدوث، إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما، فإن الأجسام لا توافق الألوان في صفة عامة يتوهم كونها مصححة سوى هذين، والحدوث لا يصلح أن يكون علة للصحة فهو عبارة عن الوجود مع اعتبار عدم سابق، والعدم لا يصلح أن يكون جزءا للعلة لأن التأثير صفة إثبات فلا يتصف به العدم، ولا ما هو مركب منه، فإذا سقط عن درجة الاعتبار لم يبق إلا الوجود فهو العلة المشتركة، فعلة صحة الرؤية متحققة في حق الله تعالى فيتحقق صحة الرؤية وهو المطلوب (١). ويلتزم أبو الحسن الأشعري كل لازم لهذا الدليل من جواز صحة رؤية كل موجود كالأصوات، والروائح، والملموسات، والطعوم، ويقول لا يلزم من جواز صحة الرؤية لشيء تحقق الرؤية له، وعدم رؤيتنا لهذا اللازم ليس لامتناعه بل لعدم جريان العادة من الله تعالى بخلق رؤيته فينا، ولا يمتنع أن يخلق رؤيتها فينا كما خلق رؤية غيرها، وقد نشأ هذا من أنه جعل الرؤية علما مخصوصا فكما يتعلق العلم بالموجودات كذلك الرؤية إلا أن العلم المطلق أعم (٢). وبعد أن ذكر صاحب المواقف هذا الدليل العقلي، كما تقدم أورد عليه بعض الاعتراضات ثم أجاب عنها فقال: الاعتراض الأول: لا نسلم أنا نرى العرض والجوهر بل المرئي هو الأعراض فقط. وقولك إنا نرى الطول والعرض وهما جوهران. قلنا: الحكم برؤيتهما صحيح ولكن المرجع بهما إلى المقدار فإنه عرض قائم بالجسم، ووجود المقدار الذي هو عرض مبني على نفي الجزء وتركب الجسم من الهيولي والصورة وهذا غير مسلم، بل نقول ببطلانه، ولإبطال وجود المقدار العرضي: أنا لو فرضنا تألف الأجزاء من السماء إلى الأرض فإنا نعلم بالضرورة كونها طويلة جدا وإن لم يخطر ببالنا شيء من الأعراض فعلم أنه لا حاجة في الطول إلى شيء سوى الأجزاء فالمرئي هو تلك الأجزاء لا عرض قائم بها، أيضا فالامتداد الحاصل فيما بين الأجزاء شرط لقيام العرض الواحد الذي هو المقدار بها، وإلا لقام المقدار بها أي بتلك الأجزاء وإن كانت متناثرة متفاصلة وهو ضروري البطلان، وإذا كان الامتداد شرطا لقيام المقدار العرضي بالأجزاء فلا يكون الامتداد عرضا قائما بها، وإلا لزم اشتراط الشيء بنفسه، فمرجع الطول إلى الأجزاء المتألفة في سمت مخصوص فرؤيته رؤية تلك الأجزاء المتحيزة وهو المطلوب. الاعتراض الثاني: لا نسلم احتياج صحة الرؤية إلى علة لأنها الإمكان والإمكان عدمي والعدمي لا حاجة به إلى علة.

стр. 1483

والجواب: جدلا: المعارضة على كون الإمكان عدميا فالأدلة تدل على أنه وجودي. والجواب: تحقيقا: إن المراد بعلة صحة الرؤية ما يمكن أن تتعلق به الرؤية لا ما يؤثر في الصحة، واحتياج الصحة سوءا كانت وجودية أو عدمية إلى العلة بمعنى متعلق الرؤية ضروري، ونعلم أيضا بالضرورة أنه أمر وجودي لأن المعدوم لا تصح رؤيته قطعا. الاعتراض الثالث: لا نسلم أن علة صحة الرؤية يجب أن تكون مشتركة. أما أولا: فلأن صحة الرؤية ليست أمرا واحدا بل صحة رؤية الأعراض لا تماثل صحة رؤية الجوهر إذ المتماثلان ما يسد كل منهما مسد الآخر ورؤية الجسم لا تقوم مقام رؤية العرض ولا بالعكس. وأما ثانيا: فلجواز تعليل الواحد بالنوع بالعلل المختلفة فعلى تقدير تماثل الصحتين جاز تعليلهما بعلتين مختلفتين. والجواب: أن المراد بعلة صحة الرؤية متعلقها، والمدعي أن متعلقها ليس خصوصية الجوهر والعرض فإنا نرى الشبح من بعيد، ولا ندرك منه إلا أنه هوية ما من الهويات، وأما خصوصية تلك الهوية وجوهريتها وعرضيتها فلا ندركها فضلا عن إدراك أنها جوهر أو عرض، وإذا رأينا زيدا فإنا نراه رؤية واحدة متعلقة بهويته ولسنا نرى أعراضه من اللون والضوء كما تقول الفلاسفة بل نرى هويته، ثم ربما نفصله إلى جواهر وأعراض تقوم بها، وربما نغفل عن ذلك التفصيل حتى لو سئلنا عن كثير منها لم نعلمها ولم نكن قد أبصرناها إذ كنا أبصرنا الهوية ولو لم يكن متعلق الرؤية هو الهوية التي بها الاشتراك بين خصوصيات الهويات بل كان متعلق الرؤية الأمر الذي به الافتراق بينها لما كان الحال كذلك؛ لأن رؤية الهوية المخصوصة الممتازة تستلزم الاطلاع على خصوصيات جواهرها وأعراضها فلا تكون مجهولة لنا، فتحقق أن متعلق الرؤية هو الهوية العامة المشتركة بين الجواهر والأعراض وبين الباري فتصح رؤيته. الاعتراض الرابع: لا نسلم أن المشترك بين الجوهر والعرض ليس إلا الوجود والحدوث فإن الإمكان مشترك بينها، وكذا المذكورية والمعلومية وسائر المفهومات العامة. والجواب: أن متعلق الرؤية الذي فسرنا به علة الصحة هو ما يختص بالموجود وإلا لصح رؤية المعدوم، والإمكان ليس كذلك لشمول الموجود والمعدوم وكذا سائر المفهومات الشاملة لهما فلا يصح شيء منهما متعلقا للرؤية. الاعتراض الخامس لا نسلم أن الحدوث لا يصلح سببا لصحة الرؤية فإن صحة الرؤية عدمية فجاز كون سببها كذلك. والجواب: ما سبق من أن المراد بسبب الصحة متعلق الرؤية لا المؤثر فيها ولا شك في أن العدم لا يصلح متعلقا للرؤية. وإن قيل: ليس الحدوث هو العدم السابق كما ذكرتم بل مسبوقية الوجود بالعدم فلا يكون عدميا. قلنا: وكون الوجود مسبوقا بالعدم أمر اعتباري لا يرى ضرورة، وإلا لم يحتج حدوث الأجسام إلى دليل لكونه محسوسا. الاعتراض السادس: لا نسلم أن الوجود مشترك بين الواجب. والممكن كيف وقد جزيتم القول بأن وجود كل شيء نفس حقيقته، وكيف تكون حقائق الأشياء مشتركة حتى تكون حقيقة القديم مثل حقيقة الحادث، وحقيقة الفرس مثل حقيقة الإنسان. بل تكون جميع الموجودات مشتركة في حقيقة واحدة هي تمام ماهية كل واحد منها وذلك مما لا يقول به عاقل فوجب أن يكون الاشتراك في الوجود عندكم لفظيا لا معنويا. والجواب:

стр. 1484

أنه لا معنى للوجود إلا كون الشيء له هوية يمتاز بها وهو مشترك بين الموجودات بأسرها ضرورة، وما ذكرتم مما به الافتراق كالإنسانية والفرسية وغيرهما، وألزمتم الاشتراك فيها على مذهبنا فخصوصيات الأشياء التي يمتاز بها بعضها عن بعض هيئات وخصوصيات للهويات المتمايزة بذواتها، وإن عاقلا لا يقول بالاشتراك فيها ولا بما يستلزم هذا الاشتراك استلزاما مكشوفا لا سترة به فما ذكره الشيخ من أن وجود كل شيء عين حقيقته لم يرد به أن مفهوم كون الشيء ذا هوية هو بعينه مفهوم ذلك الشيء حتى يلزم من الاشتراك في الأول الاشتراك في الثاني بل أراد أن الوجود ومعروضه ليس لهما هويتان متمايزتان تقوم إحداهما بالأخرى كالسواد بالجسم وقد عرفت أن هذا هو الحق الصريح، فالاتحاد الذي ادعاه الشيخ إنما هو اعتبار ما صدقا عليه، وذلك لا ينافي اشتراك مفهوم الموجود فلا منافاة بين كون الوجود عين الماهية بالمعنى الذي صورناه، وبين اشتراكه بين الخصوصيات المتمايزة بذواتها، والأكثرون توهموا أن ما نقل عنه من أن الوجود عين الماهية ينافي دعوى اشتراكه بين الموجودات إذ يلزم منهما معا كون الأشياء كلها متماثلة متفقة الحقيقة وهو باطل فلذلك قال: واعلم أن هذا المقام مزلة للأقدام مضلة للأفهام وهذا غاية ما يمكن فيه من التقدير والتحرير لم نأل فيه جهدا ولم ندخر نصحا وعليك بإعادة التفكير وإمعان التدبر والثبات عند البوارق، وعدم الركون إلى أول عارض. الاعتراض السابع: لا نسلم أن علة صحة الرؤية ثابتة فيه لجواز أن تكون خصوصية الأصل شرطا أو خصوصية الفرع مانعا. والجواب: هو بيان أن المراد بعلة صحة الرؤية متعلقها وأن متعلقها هو الوجود مطلقا، أعني كون الشيء ذا هوية (ما) لا خصوصيات الهويات والوجودات كما في الشبح المرئي من بعيد بلا إدراك لخصوصيته وإذا كان متعلقها مطلق الهوية المشتركة لم يتصور هناك اشتراط بشرط معين ولا تقييد بارتفاع مانع (١). هذا غاية القول في تحرير هذا الدليل العقلي على رؤية الله ﵎ والاعتراضات الواردة عليه والإجابة عنها، وأود بعد هذا العرض للدليل، أن أورد كلام الخصوم عليه ثم أبين عدم اقتناع المستدلين به أنفسهم، وعدم اطمئنانهم الاطمئنان الكامل، وبيان أنه مسلك لا يقوى. فقد قال القاضي عبد الجبار بعد ذكر الصفة التي يكون المرئي عليها حتى يصح أن يرى: (وقد ذهب بعض من لا علم له بهذا الشأن من المتأخرين إلى أن كل موجود يصح أن نراه، وأن صحة الرؤية موقوفة على وجود المرئي فقط. وزعم أن سائر ما لا نراه من الموجودات الآن إنما لا نراه لأن الله تعالى لم يخلق في عيننا رؤيته أو خلق في عيننا آفة مانعة من رؤيته ولو تغير حالها لصح أن نرى جميعه وهو موصوف بالقدرة على أن يرينا جميعه. وزعم أن المرئي لو رؤي لمعنى فيه لاستحال رؤية الأعراض، ولو رؤي لنفسه لوجب أن تتجانس الأشياء بوقوع الرؤية عليها، ولوجب أن تقضي على الجنس الواحد أنه لا يصح أن يرى سواه، فثبت أنه إنما يرى لوجوده، ولأنه نفس وعين فتجب صحة الرؤية في كل موجود. ومما يصح التعلق به في نصرة قوله: إن الجوهر واللون يستحيل أن نراهما إذا عدما، ويصح أن نراهما عند الوجود وإن كانا في حال عدمهما على ما يختصان به لنفسهما فثبت أن الذي صحح رؤيتهما هو الوجود دون ما هما عليه في النفس فيجب صحة رؤية كل موجود (٢).

стр. 1485

ثم أخذ في إبطال هذه الحجة فقال: ويبطل هذا القول أن الرائي منا متى حصل بالصفة التي لكونه عليها يرى المرئي وحصل المرئي بالصفة التي لكونه عليها يراه الرائي، وارتفعت الموانع المعقولة فيجب أن يراه ومتى فقد بعض ما ذكرناه استحال أن يراه، فليس له إلا حالان: أحدهما: يصح معها أن يرى ويجب أن يرى. والثانية: يستحيل معها أن يرى. وهذا كما نعلمه من حال الجوهر أنه وإن وجد يجب كونه متحيزا ومحتملا للأعراض وإن عدم استحال ذلك عليه، وليس له حال ثالثة تتوسط هذين، ويفارق ذلك صحة كون الواحد منا عالما لأنه قد يكون على حال معها يصح أن يعلم ويريد وإن لم يجب ذلك فيه وكذلك سائر الصفات الراجعة إلى الجملة أو الجمل إذا استحقت العلة (١).وقال أيضا في إبطالها: (إن الإدراك ليس بمعنى وليس بأمر زائد على الرؤية لأن الإدراك لو كان معنى لوجب في الواحد منا مع صحة الحاسة وارتفاع الموانع ووجود المدرك أن لا يرى ما بين يديه في بعض الحالات، بأن لا يخلق الله له الإدراك، وهذا يقتضي أن يكون بين أيدينا أجسام عظيمة كالفيلة والبعران ونحوها ونحن لا نراها لفقد الإدراك وهذا يرفع الثقة بالمشاهدات ويلحق البصراء بالعميان وذلك محال وما أدى إليه وجب أن يكون محالا (٢) وقد سبق. وقال ومما يبطله أن الرائي يرى الجوهر واللون فننظر الوجه الذي لكونهما عليه تصح رؤيتهما وقد علمنا أنا نفصل بالرؤية بين الألوان المختلفة وبين أحوال الأجسام في العظم والصغر فيجب أن تكون الرؤية متعلقة بهما على ما يختصان به في جنسهما فلو كنا ندركهما لوجودهما لم نفصل بين المختلف من الألوان، ولا صح التوصل بالإدراك إلى تماثل المتماثل واختلاف المختلف منها، وفي ذلك دلالة على أنا ندركها لما هي عليه في نفسها، ولذلك يحصل لنا عند الإدراك العلم بما عليه الجوهر من التحيز والألوان من الهيئة المخصوصة ويكون العلم بذلك أجلى من العلم بسائر أحواله، وإنما العلم بوجود الجواهر والألوان عند العلم بما هما عليه من الصفة التي يتناولها الإدراك، لأن الإدراك يتعلق بهما لوجودهما، لأنه لو تعلق بهما لاختصاصهما بالوجود لوجب أن نرى كل ما شاركهما في الوجود، ألا ترى أنا لما رأينا الجوهر من حيث كان جوهرا، والسواد من حيث كان سوادا رأينا كل ما شاركهما في هذه الصفة؟ لأن من حق الإدراك أن يشيع في كل ما يختص بالصفة التي يتناولها الإدراك، فكان يجب لو رأينا الجوهر من حيث كان موجودا أن نرى كل موجود فكان يجب أن ندرك الأشياء كلها بالحاسة الواحدة لاشتراكهما أجمع في الوجود. وقد بينا من قبل أن القول بأنها تدرك، من حيث كانت موجودة فقط لا يصح، لأن ما أوجب إدراكها من حيث كانت موجودة يوجب إدراكها من حيث كانت متميزة، لأنه ليس للوجود في هذا الباب من الاختصاص ما ليس للتحيز، وللتحيز من الاختصاص ما ليس للوجود، وبينا أن القول بأنها تدرك من حيث كانت موجودة لا يصح (٣). ونكتفي بهذا القدر من معارضة المعتزلة للدليل، وإلا فقد قالوا أكثر من هذا مع أن هذا القول ليس هو الوحيد لإبطال الدليل ولو كان لسهل الرد عليه ولكن الدليل في حد ذاته لا يقوى من وجوه غير التي ذكرها المعتزلة ولم تسلم دلالته – مع ثبوتها – فلا فائدة في مناقشة معارضتهم والرد عليها.

стр. 1486

ولكننا سنذكر اعتراضات أصحاب الدليل عليه وهم الأشاعرة فقد تكون أبلغ في إضعافه وعدم الوثوق به وهي: أولا: قال الجرجاني في شرح المواقف بعد تقرير الدليل بشرحه واعتراضاته: (ولقد بالغ المصنف في ترويج المسلك العقلي لإثبات صحة رؤيته تعالى، لكن لا يلتبس عن الفطن المنصف أن مفهوم الهوية المطلقة المشتركة بين خصوصيات الهويات أمر اعتباري، كمفهوم الماهية والحقيقة فلا تتعلق بها الرؤية أصلا، وأن المدرك من الشبح البعيد هو خصوصيته الموجودة، إلا أن إدراكها إجمالي لا يتمكن به على تفصيلها فإن مراتب الإجمال متفاوتة قوة وضعفا كما لا يخفى على ذي بصيرة، فليس يجب أن يكون كل إجمال وسيلة إلى تفصيل أجزاء المدرك وما يتعلق به من الأحوال، ألا ترى إلى قولك كل شيء فهو كذا، وفي هذا الترويح تكلفات أخر يطلعك عليها أدنى تأمل، فإن الأولى ما قد قيل من أن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذر، فلنذهب إلى ما اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي من التمسك بالظواهر النقلية (١).

стр. 1487

ثانيا: قال سيف الدين الآمدي بعد تقريره لدليل الوجود: (ومن نظر بعين التحقيق علم أن المتعلق به منحرف عن سواء الطريق، وذلك أنه وإن سلم جواز تعلق الرؤية بالجواهر والأعراض مع إمكان النزاع فيه فهو لا محالة إما أن يكون من المعترف بالأحوال أو قائلا بنفيها: فإذا كان من القائل بها فالوجود الذي هو متعلق الرؤية حينئذ لا بد وأن يكون هو نفس الموجود وليس بزائد على الذات فلا بد من بيان الاشتراك بين الذوات الموجودة شاهدا وغائبا، وإلا فلا يلزم من جواز تعلق الرؤية بأحد المختلفين جواز تعلقها بالآخر، ولا يخفى أن ذلك مما لا سبيل إليه وإلا كان الباري ممكنا لمشاركته الممكنات بذواتها في حقائقها وهو متعذر. ثم ولو قيل: ليس متعلق الإدراك هو نفس الموجود بل ما وقع به الافتراق والاختلاف بين الذوات كما ذهب إليه بعض الخصوم من المعتزلة لم يجد في دفع ذلك مستندا غير الاستناد إلى محض الدعوى، وليس من الصحيح ما قيل في دفعه من أن الإدراك أخص من العلم والعلم عند الخصم مما لا يصح تعلقه بالأحوال على حيالها فيمتنع دعوى تعلق ما هو الأخص بها فإنه لا يلزم من انتفاء تعلق العلم بشيء على حياله وإن كان أعم، انتفاء تعلق الأخص به، اللهم إلا أن يكون الأعم جزءا من معنى الأخص ويكون تعلق الأخص به من جهة ما اشتمل عليه من حقيقة ما تخصص به من المعنى العام، إذ هو نفس حقيقة ما منع من تعلقه، وهو تناقض، أما إن كان الأعم كالعرض العام، للأخص أو هو داخل في معناه لكن تعلق المتعلق ليس إلا من جهة خصوصه لا من جهة ما يتضمنه من المعنى العام فلا مانع من أن يكون تعلقه بالشيء على حياله، وإن كان تعلق المعنى العام به لا على حياله، ثم لو قدرنا امتناع تعلق الأخص بالشيء على حياله لضرورة امتناع تعلق الأعم به على حياله فحاصله إنما هو راجع إلى مناقضة الخصم في مذهبه وهو غير كاف فيما يرجع إلى الاستقلال بتحصيل المطلوب لضرورة تخطئة الخصم فيما ذهب إليه لم يك ما قيل مثمرا للمطلوب، ولا لازما عليه، كيف وأن ذلك وإن كان مناقضا لبعض الخصوم كالجبائي ومن تابعه لضرورة منعه من تعلق العلم بما وقع به الاتفاق والافتراق على حياله فهو غير لازم في حق غيره اللهم إلا أن يكون قائلا بمقالته، وذلك مما لا سبيل إلى دعوى عمومه، وإن كان من القائلين بنفي الأحوال، فما وقع به الاختلاف بين الذوات حينئذ لا مانع من أن يكون من جملة المصحح للرؤية لكونه ذاتا، وإذ ذاك فلا يلزم منه جواز تعلق الرؤية بواجب الوجود إلا أن يبين أن ما كان مصححا للرؤية في باقي الذوات متحقق في حق واجب الوجود وهو متعذر) (١).ثالثا: قال الرازي في حكاية ما قيل في هذه المسألة من الدلائل العقلية: (اعلم أن جمهور الأصحاب عولوا في إثبات أنه تعالى يصح أن يرى على دليل الوجود، وأما نحن فعاجزون عن تمشيه ونحن نذكر ذلك الدليل ثم نوجه عليه ما عندنا من الاعتراضات (٢). ثم بعد أن ساق الدليل أورد عليه اثني عشر اعتراضا في صيغة الأسئلة ثم قال: (فهذا ما عندي من الأسئلة على أن هذا الدليل وأنا غير قادر على الأجوبة عنها فمن أجاب عنها أمكنه أن يتمسك بهذا الدليل. ولنختم هذا الفصل بخاتمة، وهي أنا نقول: اعلم أن الدليل العقلي المعول عليه في هذه المسألة التي أوردناها، وأوردنا عليه هذه الأسئلة واعترفنا بالعجز عن الجواب عنها.

стр. 1488

إذا عرفت هذا فنقول: مذهبنا في هذه المسألة ما اختاره الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي، وهو أنا لا نثبت صحة رؤية الله تعالى بالدليل العقلي، بل نتمسك في هذه المسألة بظواهر القرآن والأحاديث، فإن أراد الخصم تعليل هذه الأدلة وصرفها عن ظاهرها بوجوه عقلية يتمسك بها في نفي الرؤية اعترضنا على دلائلهم وبينا ضعفها ومنعناهم من تأويل هذه الظواهر (١).وسلك الشهرستاني في الاستدلال العقلي على الرؤية طريقة أخرى حينما رأى بعدها عن الصواب فقال: (الموجودات اشتركت في قضايا واختلفت في قضايا والرؤية قد تعلقت بالمختلفات منها والمتفقات ولا يجوز أن يكون المصحح للرؤية ما يختلف فيه فإنه يوجب أن يكون لحكم واحد علتان مختلفتان، وهذا غير جائز في المعقولات، أو يلزم أن يكون لحكم عام علة خاصة هي أخص من معلولها، وما يتفق فيه الجوهر والعرض إما الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يجوز أن يكون مصححا للرؤية فإن الحدوث هو وجود مسبق بعدم. والعدم لا تأثير له في الحكم فبقي الوجود مصححا بالضرورة، وهذا تقسيم قاصر فإن الرؤية بالاتفاق تعلقت بالجوهر والعرض وهما قد اختلفا من كل وجه سوى الوجود والحدوث، وقد بطل الحدوث فتعين الوجود، ولا يلزم على هذه الطريقة انتشار الأقسام كما لزم على طريق الأصحاب غير استبعاد محض للمعتزلة في قولهم لو كان كل موجود مرئيا لكان العلم والقدرة والطعم والرائحة وما سوى اللون والمتلون مرئيا ولكان نفس الرؤية مرئية بالرؤية وهذا محال (٢).ولكن هذا المسلك الذي سلكه الشهرستاني هو تقرير لدليل الوجود بصورة أخرى. يلزمها كل لازم له فلا فرق بينهما والحالة هذه إذ إنه هو الآخر ترد عليه اعتراضات الخصوم والأصحاب وتساؤلاتهم، فنكتفي بالإشارة إلى عدم الاطمئنان إلى الطريقة التي أوردها الشهرستاني حين لم يرتض الطريقة الأولى، والتي فضلها على سائر الطرق. إذ رد عليها الآمدي وبين عدم استقامتها، وأن تطويل الشهرستاني في تقريرها لا يشفي غليلا (٣)، ثم إن الشهرستاني نفسه يذكر في نهاية كلامه على الرؤية عدم اطمئنانه إلى الطريقة العقلية إذ يقول: (واعلم أن هذه المسألة سمعية أما وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية، وأما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه، وقد وردت عليه تلك الإشكالات ولم تسكن النفس في جوابها كل السكون ولا تحركت الأفكار العقلية إلى التقصي عنها كل الحركة فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضا مسألة سمعية (٤).

стр. 1489

وبعد هذه الاعتراضات على الدليل العقلي، والشبه التي أوردها أصحابه عليه وهم الأشاعرة، يتضح عدم قوة الدليل ذاته، ويظهر أن المتمسك به لا يستطيع تشميه. ولا الدفاع عنه. لذلك نراهم عادوا إلى التمسك بالنصوص الواردة في الرؤية. ٢ - من أدلة العقل على الجواز قول أبي الحسن الأشعري: (ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه، وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئا؛ فلما كان الله عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فلذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء، فلما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها، وقد قال الله تعالى: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] فأخبر أنه سمع كلامهما ورآهما، ومن زعم أن الله لا يجوز أن يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله رائيا ولا عالما ولا قادرا لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى) (١). وقال الشهرستاني بعد تقرير دليل الوجود: (وإن سلكنا طريقة العلم فهو أسهل فإن العلم من حيث هو علم نوع واحد وحقيقة واحدة وإذا جوز تعلق العلم به فقد جوز تعلق الرؤية به. وقد سلك الأستاذ أبو إسحاق طريقة قريبة من هذا فقال الرؤية معنى لا تؤثر في المرئي ولا تتأثر منه فإن حكمة حكم العلم بخلاف سائر الحواس، فإنها تؤثر وتتأثر، وإنما يلزم الاستحالة فيه أن لو تأثرت الرؤية من المرئي أو تأثير المرئي من الرؤية وكل ما هذا سبيله فهو جائز التعلق بالقديم والحادث، وكل مؤثر ومتأثر فهو مستحيل عندنا كما هو مستحيل عندك ولا كلفة في هذه الطريقة إلا إثبات معنى في البصر لا يؤثر ولا يتأثر (٢).وقال الآمدي عن هذا الدليل: (واعلم أن هذه الطريقة مع احتياجها إلى تقرير معنى التأثير وحصر الموانع بأسرها ونفيها مما لا حاصل له وذلك أنه لا يخفى أن تعلق الشيء بغيره ليس مما يتم بانتفاء التأثير وزوال المانع بل لا بد من بيان الصلاحية للتعلق بين المتعلقين، ولو انتفى كل ما يقدر من الموانع وعند العود إلى بيان الصلاحية، والقبولية يرجع الكلام إلى الوجود وتصحيحه للتعلق (٣). أما المعتزلة فإنهم- بناء على نفيهم الرؤية – خالفوا هذا الدليل وناقشوه، وقالوا لنا في هذه المسألة طريقان: (الأول: أنا نقول أنا لا نسلم أنه راء لذاته بل القديم تعالى إنما يرى الشيء لكونه حيا بشرط وجود المدرك وكونه حيا من مقتضى صفة الذات، وكونه مدركا من مقتضى صفة الذات فكيف يصح أن يقال إنه راء لذاته؟ الثاني: هو أن نقول هب أن الله تعالى راء لذاته أليس أنه لا يجب أن يرى المعدومات مع كونه رائيا لذاته؟ فإن قالوا: إنما لا يجب أن يرى المعدومات لأن الرؤية مستحيلة على المعدومات.

стр. 1490

قلنا: وكذلك القديم تعالى تستحيل عليه الرؤية فلا يجب أن يرى نفسه فيما لم يزل. . وبعد فإن هذا قياس الرائي على المرئي، وأحدهما مباين للآخر لأن الرائي إنما يصح أن يرى الشيء لكونه حيا بشرط صحة الحاسة، والمرئي إنما يرى لكونه مرئيا في نفسه بشرط أن يكون موجودا في الحال وليس كذلك القديم تعالى فلا يصح ما أوردتموه وهل هذا إلا كأن يقال إن من كان حيا كما يجب أن يكون رائيا للشيء يجب أن يكون مرئيا فكما أن هذا خلف من الكلام كذلك هنا لأن المعلوم أن الشيء لا يرى لكونه حيا، وإنما يرى لكونه على الصفة التي يتعلق بها الإدراك والرائي إنما يرى الشيء لكونه حيا، وبعد فما أنكرتم أن الواحد منا إنما يصح أن يرى نفسه مما تصح رؤيته وليس كذلك القديم تعالى لأن الرؤية مستحيلة عليه ففارق أحدهما الآخر (١). والدليل كما قرره الشيخ أبو الحسن الأشعري تظهر فيه الدلالة على الجواز، وإن كان لا يقوى أن يعتمد عليه كل الاعتماد في الدلالة العقلية، لكن من يتصف بأنه يرى الأشياء ويعلمها، فلا يمتنع عليه أن يعلم ويرى لعدم الفرق بين الأمرين. ورد المعتزلة على الدليل لا يبطله فهذا الإفراط في النفي منهم جعلهم يعطلون الله تعالى عن أن يرى نفسه أو يراه غيره، وإن كان بعضهم أثبت أنه يرى غيره ولا يرى نفسه، فهو خروج عن المعقول إذ كيف يوصف من لا يرى نفسه بأنه يرى غيره فهذا ظاهر البطلان، فمن لا يتصف بأنه يَرى ويُرى فماذا يكون؟! فغلوهم هذا في تنزيه الله تعالى - على زعمهم – عن التشبيه أدى بهم إلى التعطيل، ثم هو تشبيه لله تعالى بالمعدوم. وأما دعواهم القياس للرائي على المرئي مع المباينة وشروط المرئي التي قالوها، وأن القديم ليس كذلك. فنقول: إن الشروط تجب عند الرؤية. ولم نقل في الرؤية الآن، ولا في دار الدنيا حيث إن من ركبت جوارحه للفناء لا تستطيع أن تصمد لمشاهدة الحي الدائم، وهذا ظاهر. ٣ - دليل عقلي ثالث على جواز الرؤية: هناك مسلك عقلي آخر سلكه الغزالي في الاستدلال على الرؤية بعد دليل الوجود، قال عنه إنه الكشف البالغ وتلخيصه: أن الخصم لم ينكر علينا القول بالرؤية إلا لعدم فهمه ما نريد بها لأنه ظن أنا نريد بها حالة تساوي الحالة التي يدركها الرائي عند النظر إلى الأجسام والألوان، وهيهات، فنحن نقول: باستحالة ذلك في حق الله تعالى، ولكن ينبغي أن نحصل معنى الرؤية في الموضع المتفق ونسبكه ونحذف منه ما يستحيل في حق الله ، فإن بقى من معانيه معنى لم يستحل في حق الله تعالى وأمكن أن يسمى ذلك المعنى رؤية حقيقية أثبتناه وقلنا إنه مرئي حقيقة، وإن لم يمكن إطلاق اسم الرؤية عليه إلا بالمجاز أطلقنا اللفظ عليه بإذن الشرع واعتقدنا أن المعنى كما دل عليه العقل. وقال تحصيله أن الرؤية تدل على معنى له محل وهو العين ومتعلق وهو اللون والقدر والجسم وكل المرئيات، ولنتأمل أيها ركن في إطلاق هذا الاسم فنقول: أما المحل فليس بركن في صحة هذه التسمية فإن الحالة التي ندركها بالعين من المرئي لو أدركناها بالقلب، أو بالجبهة مثلا لكنا نقول قد رأينا الشيء وأبصرناه وصدق كلامنا. فإن العين محل وآلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة فحيث حلت الحالة تمت الحقيقة وصح الاسم فالركن الذي الاسم مطلق عليه وهو الأمر الثالث وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ومتعلقه فلنبحث عن الحقيقة ما هي ولا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد كشف بالإضافة إلى التخيل (٢). . الخ.

стр. 1491

وهذا قول جمهور المتأخرين من الأشاعرة إذ إن مذهبهم إثبات الرؤية لله تعالى لورود النصوص القطعية بذلك، ولكنهم مع هذا سلموا للمعتزلة قولهم بنفي الجهة عن الله تعالى ويلزم من نفي الجهة نفي الرؤية، فلم يستطيعوا التظاهر بنفي ما ثبت بالنصوص لانتسابهم إلى أهل السنة فأثبتوا الرؤية ونفوا لازمها وهي الجهة، فأخذ المعتزلة يشنعون عليهم هذا التناقض المخالف للعقول ولما رأوا ذلك سلكوا هذا المسلك الذي قالوا عنه إنه الكشف البالغ الإيمان أن الرؤية ليست بصرية وإنما هي زيادة انكشاف الرب تعالى لهم وتمام معرفتهم به حتى كأنهم يرونه بأعينهم وعلى هذا لا يكون خلافهم مع المعتزلة أكثر من الخلاف اللفظي. ٤ - من أدلة العقل على الجواز: استدل السلف على جواز الرؤية عقلا بطريقة غير طريقة الوجود المجرد حيث لزم عليها لوازم فاسدة فلا تصلح مصححا للرؤية. لذلك جعلوا المصحح للرؤية أمورا وجودية لا أن كل موجود تتضح رؤيته، قال ابن تيمية في تقرير الدليل: (فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم، ومعلوم أنها أمر وجودي محض لا يسيطر فيها أمر عدمي كالذوق الذي يتضمن استحالة المأكول والمشروب ودخوله في مواضع من الآكل والشارب وذلك لا يكون إلا عن استحالة وخلق، وإذا كانت أمرا وجوديا محضا، ولا تتعلق إلا بالموجود فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته: إما أن يكون وجودا محضا، أو متضمنا أمرا عدميا. والثاني باطل لأن العدم لا يكون له تأثير في الوجود المحض فلا يكون سببا له، ولا يكون أيضا شرطا أو جزءا من السبب إلا أن يتضمن وجودا فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود ويكون ذلك العدم دليلا عليه ومستلزما له ونحو ذلك، وهذا من الأمور البينة عند التأمل. ومن قال من العلماء: إن العدم يكون علة للأمر الثبوتي أو جزء علة، أو شرط علة، فإنما يقولون ذلك في قياس الدلالة، ونحوه مما يستدل فيه بالوصف على الحكم، لا يقول أحد إن نفس العدم هو المقتضي للوجود. ولا يقول: إن الوصف المركب، من وجود وعدم هما جميعا مقتضيان للوجود المحض. وشروط العلة هي من جملة أجزاء العلة التامة. وإذا كان المقتضى لجواز الرؤية، والمصحح للرؤية، والفارق بينما تجوز رؤيته وبينما لا تجوز: إما أن يكون وجودا محضا فلا حاجة بنا إلى تعيينه، سواء قيل هو مطلق الوجود أو القيام بالنفس، أو بالعين بشرط المقابلة والمحاذاة، أو غير ذلك مما يقال إنه مع وجوده تصح الرؤية ومع عدمه تمتنع، لكن المقصود أنه أمور وجودية، وإذا كان كذلك فقد علم أن الله تعالى هو أحق بالوجود، وكماله من كل موجود، إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده، وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله – وله المثل الأعلى – أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه. كما قد لا يستطاع سماع الأصوات العظيمة جدا، لا لكونها لا تسمع، بل لضعف الس

стр. 1492

المبحث الثامن: رأي المعتزلة في بعض مسائل التشبيه والتجسيم رأي المعتزلة في الجسمية بالنسبة لله، ومناقشتهم: قبل بيان رأي المعتزلة في الجسمية؛ لابد أن نعرف ما هو الجسم عند المعتزلة. حقيقة الجسم: عرف القاضي الجسم، فقال: "اعلم أن الجسم هو ما يكون عريضاً عميقاً، ولا يحصل فيه الطول والعرض والعمق؛ إلا إذا تركب من ثمانية أجزاء، بأن يحصل جزءان في قبالة الناظر، ويسمى طولاً وخطاً، ويحصل جزءان آخران عن يمينه ويساره منضمان إليهما، فيحصل العرض، ويسمى سطحاً أو صفحة، ثم يحصل فوقها أربعة أجزاء مثلها، فيحصل العمق، وتسمى الثمانية أجزاء المركبة على هذا الوجه جسماً" (١).ويعللون عدم صحة إطلاق لفظ الجسم على الله "أنه تعالى لو كان جسماً، لكان محدثاً، وقد ثبت قدمه، لأن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون؛ وما لا ينفك عن المحدث يجب حدوثه لا محالة" (٢). المناقشة: نقول: يا معشر المعتزلة، ما مقصودكم من نفي الجسم عن الله، هل هو التقيد بكتاب الله، وسنة رسوله، فتنفون الجسم لأن النقل ورد بنفيهما، أم تقصدون تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات؟!.إن كان الأول؛ فإنه لم يرد في الكتاب والسنة ما يشير إلى لفظ الجسم بنفي أو إثبات؛ وعلى ذلك يجب عليكم السكوت عما سكت عنه النقل. يقول ابن القيم: "واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتاً، فيكون له الإثبات، ولا نفياً، فيكون له النفي" (٣). وإن كان مقصودكم من نفي الجسم تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فنحن نوافقكم على أنه يجب تنزيه الله عن مشابهة ما سواه، لكن شريطة التقيد بالكتاب والسنة؛ وبما أنهما لم يردا بنفي الجسم ولا إثباته، فإنه يجب السكوت عما سكتا عنه. والله أعلم. الفرع الثاني: تأويل المعتزلة للاستواء والمجيء والوجه واليد والعين والساق، ومناقشتهم: لقد رتب المعتزلة على نفي الجسمية عن الله تعالى نفي كل ما يرونه يتضمنها، وأولوا ما ورد في ذلك من نصوص؛ وذلك كالاستواء والمجيء والوجه واليد والعين والساق. وسنعرض – إن شاء الله – تأويلهم لهم ثم نرد عليهم، فنقول وبالله التوفيق: أولاً: الاستواء: ورد في القرآن الكريم آيات تؤكد أن الله تعالى مستو على عرشه، كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]. وقد رفض المعتزلة هذا المعنى الظاهر الذي تشير إليه الآية؛ لذا أولوا: الاستواء بالاستيلاء والقهر والغلبة. يقول القاضي – بعد سياقه الآية -: "والاستواء ههنا بمعنى الاستيلاء والقهر والغلبة؛ وذلك مشهور في اللغة. قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق ... " (٤) المناقشة: إن تأويل المعتزلة للاستواء بالاستيلاء باطل من وجوه، منها: الأول: أن هذا التأويل يوجب أن يكون تعالى لم يكن مستولياً على العرش قبل استوائه عليه؛ وهذا باطل، فما يؤدي إليه مثله. الثاني: أن هذا التأويل لو كان صحيحاً، لما كان العرش أولى بالاستيلاء من سائر المخلوقات، ولجاز لنا أن نقول: الرحمن على الأرض استوى؛ لأنه تعالى مستول عليها، وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقبله أحد؛ فدل على بطلانه (٥). الثالث: وأما استشهادكم بقول الشاعر: "قد استوى بشر على العراق .. ".

стр. 1493

فنقول: البيت محرف، ولو لم يكن محرفاً، فإنه دليل عليكم لا لكم. يقول ابن القيم – في جملة رده على من فسر الاستواء بالاستيلاء -: "إن هذا البيت محرف، وإنما هو هكذا: بشر قد استولى على العراق ... ثم قال: ولو صح هذا البيت، وصح أنه غير محرف؛ لم يكن فيه حجة؛ بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشراً هذا كان أخا عبدالملك بن مروان، وكان أميراً على العراق، فاستوى على سريرها، كما هو عادة الملوك ونوابهم أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة، كقوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ... الآية [الزخرف: ١٣] وقوله تعالى: ... وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: ٤٤] ... " (١).وأيضاً، فإنه لو كان استوى في البيت بمعنى استولى كان المفروض أن يقال: استوى عبدالملك لا بشر؛ لأنه هو الذي له الملك، وإنما بشر أخوه والٍ عنه (٢). فدل ما ذكرنا على بطلان تأويل المعتزلة للاستواء بالاستيلاء. والله أعلم. ثانياً: المجيء: كذلك ورد في القرآن الكريم آيات تدل على المجيء لله تعالى، كقوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]. وقد رفض المعتزلة ما تدل عليه الآية من المجيء، لذا أولوها، فقالوا: "وجاء أمر بك ... ".يقول القاضي: "الآية لا تدل على صحة ما يتعلق به المشبهة في أنه تعالى كالواحد منا ... يجيء ويذهب، ولو كان كذلك، لكان محدثاً ... والمراد بالآية: وجاء أمر ربك" (٣). المناقشة: إن نفي المعتزلة المجيء، وتأويلهم للآية الدالة على ذلك باطل، ويدل بطلان هذا التأويل ما يلي: أ- إن في سياق الآية ما يبطله، وهو عطف مجيء الملك على مجيء الرب تعالى؛ مما يدل على تغاير المجيئين، وأن مجيئه تعالى حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة؛ بل إن مجيئه تعالى أولى بأن يكون حقيقة من مجيء الملك. ب- اطراد نسبة المجيء إليه تعالى دليل على الحقيقة، وقد صرحتم بأن من علامات الحقيقة الاطراد، فكيف كان هذا المطرد مجازاً؟! ج- إن إضمار ما لا يدل اللفظ عليه أو ادعاء حذف ما لا دليل عليه، يرفع الوثوق بالخطاب، ويفتح الباب لكل مبطل في ادعاء إضمار ما يصحح باطله. د- إن صحة اللفظ واستقامة التركيب لا تتوقف على هذا المحذوف؛ بل الكلام مستقيم بدونه، فإضماره خلاف الأصل، فلا يجوز (٤).

стр. 1494

ثالثاً: مسألة الوجه: لقد وردت آيات قرآنية تشير إلى أن لله تعالى وجهاً مثل قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]. وقوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]. وقد رفض المعتزلة أن يكون لله وجه هو جزء منه؛ لذا أولوا الوجه الوارد في الآيتين، فقالوا: إن المراد بالوجه، هو الذات. يقول القاضي عبدالجبار: "المراد بالوجه في قوله تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] أي: ذاته، والوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة، يقال: وجه هذا الثوب جيد، أي: ذاته جيدة ... " (١).وقال بعضهم: إن كلمة "الوجه" في الآية زائدة، والتقدير، ويبقى ربك (٢).وذهب البعض الآخر منهم إلى أن: وجه الله تعالى هو قبلته أو ثوابه أو جزاؤه (٣).المناقشة: أولاً: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بهذه التأويلات حمل للحقيقة على المجاز، والمجاز لا يمتنع نفيه؛ فعلى هذا لا يمتنع أن يقال: ليس لله وجه، ولا حقيقة لوجهه، وهذا تكذيب صريح لما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله – ﷺ ، وما يؤدي إلى هذا، فإنه لا شك في بطلانه (٤).ثانيا: يلزم من حملكم وجه الله على المجاز أن يكون سمع الله وبصره وقدرته وحياته وسائر صفاته؛ مجازاً، لا حقيقة؛ وهذا باطل، فما يؤدي إليه مثله (٥).ثالثا: يقال لهم: إن تأويلكم الوجه بمعنى الذات لم يعرف في لغة من لغات الأمم، وغاية ما تمسكتم به أن قلتم: وجه الرب بمعنى ذاته، لأنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، ونقول: أما قولكم أنه اشتهر في اللغة أن الوجه بمعنى الذات، فهذا مردود، فإن الوجه في اللغة هو مستقبل كل شيء وليس ذاته (٦). ثم هو بحسب المضاف إليه، فإن كان جماداً محسوساً؛ فهو أحد جانبيه، وإن كان معنوياً كالنهار فوجهه أوله. يقول ابن عباس: "وجه النهار أوله". وإن أضيف إلى من ليس كمثله شيء كان وجهه كذلك (٧) لا يماثله شيء. فلا يلزمنا تشبيه كما تدعون؛ لأنا لم نقل إن وجهه تعالى يماثل شيئا، ولا يلزمنا تعطيل كما لزمكم عندما أولتم الوجه بمعنى الذات. رابعاً: أما زعم من زعم أن الوجه صلة والتقدير ويبقى ربك؛ فجوابه: أن يقال هذا كذب على الله، وعلى رسوله – ﷺ ، وعلى اللغة، فإن هذه الكلمة ليست مما عهد زيادتها، ولو قيل: إنها زائدة؛ لساغ لمعطل آخر أن يدعي الزيادة في قوله: أعوذ بعزة الله وقدرته، ويكون التقدير: أعوذ بالله، ويدعي معطل ثالث: الزيادة في سمع الله وبصره وقدرته وعلمه، وغير ذلك مما يريد نفيه (٨).

стр. 1495

ومعلوم بطلان هذا، فما يؤدي إليه مثله. خامساً: أما تأويل بعضكم الوجه بمعنى الثواب؛ فإنه من أبطل الباطل؛ إذ أن اللغة لا تحتمل ذلك، ولم يعرف أن الجزاء يسمى وجهاً للمجازي، ثم إن الثواب مخلوق، فقد صح عن النبي – ﷺ أنه استعاذ بوجه الله. عن جابر بن عبدالله – ﵁ – قال: ((لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ... الآية [الأنعام: ٦٥] قال النبي – ﷺ : أعوذ بوجهك. فقال: أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فقال ﷺ : أعوذ بوجهك ... الحديث)) (١). ولا يظن برسول الله – ﷺ – أن يستعيذ بمخلوق (٢). سادساً: أن الوجه ورد مضافاً إلى الذات في جميع موارده، والمضاف إلى الرب نوعان: الأول: أعيان قائمة بنفسها كبيت الله. الثاني: صفات لا تقوم بنفسها كعلم الله وحياته وقدرته وعزته وسائر صفاته، فهذه إذا وردت مضافة إليه تعالى؛ فهي إضافة صفة إلى الموصوف بها. إذا عرف ذلك؛ فوجهه الكريم إذا أضيف إليه وجب أن تكون إضافته إليه إضافة وصف لا إضافة خلق (٣). سابعاً: إن تفسير وجه الله بقبلة الله، وإن قاله بعض السلف، فإنما قالوه في موضع واحد، وهو قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ... الآية [البقرة: ١١٥]. ولو فرض صحته هنا: فإنه لا يصح في سائر المواضع. إضافة على ذلك: أنه لا يتعين حمله على القبلة والجهة في قوله تعالى: .... فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ..... [البقرة: ١١٥] ولا يمتنع حمله على وجه الرب حقيقة. وأيضاً: فإنه لا يعرف في اللغة الوجه بمعنى القبلة؛ بل للقبلة اسم يخصها، للوجه اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما في الآخر، ولا يستعار اسمه له. ثم إنه لو كان المراد بوجه الله قبلة الله، لكان قد أضاف إليه نفسه القبل كلها (٤). وهو باطل فما يؤدي إليه مثله. رابعاً: اليد: ورد في القرآن الكريم آيات تدل على أن لله يداً، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ... الآية [الفتح: ١٠]. وقوله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... [ص: ٧٥]. وقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ... الآية [المائدة: ٦٤].وقد رفض المعتزلة ما تدل عليه الآيات من إثبات اليد لله تعالى؛ لذلك أولوها بالقدرة أو القوة أو النعمة (٥).يقول القاضي: "إن اليد في قوله تعالى: .... لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... [ص: ٧٥] بمعنى القوة؛ وذلك ظاهر في اللغة، يقال: ما لي في هذا الأمر "يد" أي: قوة .... " (٦).ويقول في موضع آخر: "إن اليد في قوله تعالى: ... بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ... [المائدة: ٦٤]. بمعنى النعمة ... " (٧). المناقشة: إن تأويل المعتزلة لليد بالنعمة أو القدرة باطل، وبيان ذلك: أن الله تعالى قال: .... بِيَدَيَّ ... ، وهذا يقتضي إثبات يدين، هما: صفة له، فلو كان المراد القدرة، لوجب أن يكون له تعالى قدرتان، وأنتم تقولون: إن للباري – – قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له تعالى قدرتين؟!.

стр. 1496

وأيضاً: فقد أجمع المسلمون على أنه لا يقال: إن لله تعالى قدرتين، فبطل ما قلتم. وأما تأويلكم لليد بالنعمة، فإنه يؤدي إلى أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين، وهذا لا يجوز، لأن نعم الله على آدم وغيره لا تحصى، ولأنه لا يقال في اللغة: رفعت الشيء بيدي، وهو يعني نعمته. ومما يدل على فساد تأويلكم: أنه لو كانت اليد المراد بها القدرة أو النعمة لما غفل عن ذلك إبليس أن يقول: وأي فضل لآدم علي يقتضي أن أسجد له، وأنا قد خلقتني بيدك: التي هي قدرتك أو نعمتك، ومعلوم أن الله تعالى فضل آدم عليه بخلقه بيديه: فلابد أن تكون اليدان شيئاً غير القدرة أو النعمة، ليكون للتفضيل وجه؛ وذلك يدل على فساد تأويلكم (١). خامساً: العين: ورد في القرآن الكريم آيات تثبت العين لله تعالى، كقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي طه: ٣٩.وقد أولها المعتزلة بالعلم، لأن إثبات العين – في اعتقادهم – يؤدي إلى التجسيم. يقول القاضي عبدالجبار: و"المراد بقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي أي: لتقع على الصنعة على علمي" (٢). المناقشة: يقال لهم إن تأويل العين بمعنى العلم باطل لما يلي: ١ - أن الأصل في الكلام الحقيقة، وصرفه عن الحقيقة إلى المجاز يحتاج على دليل، ولا دليل لديكم إذا يبقى المعنى الظاهر فيلزم إثباته بلا تكييف، وهو أن لله عيناً على ما يليق بجلاله. ٢ - إن إثبات العين لله تعالى صفة كمال، ونفيها عنه صفة نقص، ولما كان هو الأحق بالكمال المنزه عن النقائص، وجب إثبات هذه الصفة كما وردت.٣ - ورد في الكتاب والسنة اطراد هذه الصفة، ومن علامات الحقيقة عندكم الإطراد، فيلزم إثباتها (٣).٤ - ورد عن الرسول – ﷺ – في الحديث المروي عنه أنه قال: (( ... وإن ربكم ليس بأعور ... الحديث)) (٤). فنفى – ﷺ – عن ربه صفة العور، وهذا يدل على ثبوت العينين له تعالى حقيقة (٥). ٥ - ثم إنه لا يلزمنا من إثبات العين لله تعالى حقيقة: تجسيم، أو تشبيه؛ لأنا لم نقل كعين المخلوق؛ بل نقول إن له تعالى عيناً على ما يليق بجلاله. وأيضاً فإنا وإياكم اتفقنا على أن لله تعالى قدرة ولم يستلزم ذلك تجسيماً، ولا تمثيلاً، فكذلك إثبات صفة العين لله تعالى على ما يليق بجلاله لا يستلزم تجسيماً. وبذلك يظهر بطلان تأويلكم العين لله تعالى بمعنى العلم. والله أعلم. سادسا: الساق: ورد في القرآن الكريم آيات تشير إلى أن لله ساقاً كقوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ... الآية [القلم: ٤٢]. وقد أول المعتزلة الساق: بالشدة. يقول القاضي عبدالجبار: "المراد بالساق في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ... الآية [القلم: ٤٢] الشدة، يبين ذلك أنه تعالى يصف هول يوم القيامة وشدته جرياً على عادة العرب، فهو بمنزلة قولهم: قامت العرب على ساقها" (٦). المناقشة: إن تأويل المعتزلة للساق بمعنى الشدة باطل، لأن الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز، وقد قال تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ... الآية [القلم: ٤٢]. فتبين من هذا: أن الله يكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، وهي على ما يليق بجلاله، وليست كساق المخلوقين، فلا يلزمنا التشبيه كما تزعمون، ولا يلزمنا التحريف كما لزمكم (٧). المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٣٨

стр. 1497

الفصل الثالث: الأصل الثاني العدل • المبحث الأول: رأي المعتزلة في أفعال الله ومناقشتهم. • المبحث الثاني: بم يدرك حسن الأفعال وقبحها والثواب عليها والعقاب عند المعتزلة؟. • المبحث الثالث: رأي المعتزلة في أفعال العباد. • المبحث الرابع: أفعال التولد. • المبحث الخامس: رأي المعتزلة في اللطف والصلاح والأصلح ومناقشتهم. • المبحث السادس: رأي المعتزلة في بعثة الرسل.

стр. 1498

المبحث الأول: رأي المعتزلة في أفعال الله ومناقشتهم الفعل عند المعتزلة: تعريفه: يقول القاضي عبدالجبار: "إن الفعل هو: ما وجد من جهة من كان قادراً عليه" (١). أحكام الفعل: يقول القاضي: "اعلم أن الفعل ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما لا صفة له زائدة على وجوده، وهذا لا يوصف بقبح، ولا حسن عند شيوخنا" (٢). ويعلل ذلك بأن الحسن والقبيح لابد من أن يكون لهما حكم زائد على الوجود، لأنه لو لم يحصل لهما ذلك، لم يكن أحدهما بأن يكون حسناً أولى من صاحبه ولا الآخر بأن يكون قبيحاً أولى منه، لأن الوجود حصل لهما على السواء .... ولأنه لو كان قبح القبيح منهما لوجوده فقط؛ لوجب قبح كل فعل، ولو كان حسن الحسن لوجوده فقط، لوجب حسن كل فعل؛ وذلك يوجب كون الفعل حسناً قبيحاً، وهذا معلوم فساده .. ثم قال: فيجب إذاً فيما لا صفة له زائدة على وجوده أن نحكم بأنه ليس بحسن ولا قبيح (٣). وعلى ذلك؛ فهذا النوع من الأفعال لا يوصف بالحسن والقبح، فلا يصح وقوعه في أفعال الله تعالى، لأنه لابد من كون فعله حسناً (٤).الثاني: ما له صفة زائدة على وجوده: يقول القاضي - وهو يتكلم عن هذا النوع من الأفعال-: " ... وهذا النوع إما أن يقع ممن هو عالم به أو يقع ممن لا يعلمه. إذا كان الفعل قد وقع ممن لا يعلمه ولا يتمكن من ذلك مثل: حركات النائم والساهي، فهذا لا حكم له، ولا يدخل في أفعال الله تعالى، لأن الله عالم لذاته، فلا يصح وقوع شيء منه من غير أن يعلمه (٥).أما إذا وقع ممن هو عالم به: فإما أن يقع ولا إلجاء ولا إكراه، أو يقع وهناك إلجاء وإكراه. إن وقع وهناك إلجاء وإكراه: فهذا لا حكم له ... وإن وصف بأنه حسن أو قبيح، ولكن حكم القبيح والحسن لا يثبت فيه (٦)؛ لأنه لا يدخل في حيز ما يستحق به الذم أو المدح (٧).وهذا النوع - أيضاً - لا يدخل في أفعال الله تعالى، لأنه يستحق المدح في أفعاله، وتفارق حاله حال الملجأ (٨) من حيث لا تصح المنافع والمضار عليه (٩). وإن وقع ممن هو عالم به أو متمكن من ذلك، ولا إلجاء، ولا ضرورة؛ فهذا النوع لا يخلو من أمرين: الأول: إما أن لا يكون له فعله وهو القبيح (١٠) ... وهو الذي إذا وقع على وجه من حق العالم بوقوعه كذلك من جهته المخلى بينه وبينه أن يستحق الذم إذا لم يمنع منه مانع (١١). وذلك كالظلم والكذب. وهذا لا يقع في أفعال الله تعالى؛ لأنه لا يفعل القبيح ولا يختاره (١٢). الثاني: أن يكون له فعله؛ وهو الحسن: وهو ما لفاعله أن يفعله ولا يستحق عليه ذماً. ثم إن الحسن ينقسم إلى قسمين: الأول: ما يكون له صفة زائدة على حسنه.

стр. 1499

الثاني: ما لا يكون له صفة زائدة على حسنه: وهذا لا يستحق بفعله المدح، ويسمى مباحاً، وحده: ما عرف فاعله حسنه أو دل عليه. وأفعال القديم تعالى لا توصف بالمباح، وإن وجد منها ما صورته صورة المباح كالعقاب (١)؛ لأن من حق المباح أن يكون فعل الفاعل له، وأن لا يفعله بمنزلة واحدة في أنه لا يستحق به ذماً، ولا مدحاً؛ وذلك مما لا يتأتى في أفعاله ؛ لأنه يستحق على أفعاله كلها المدح والشكر (٢). وأما الأول: وهو الفعل الحسن الذي له صفة زائدة على حسنه، فإنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يستحق بفعله المدح، ولا يستحق الذم إذا لم يفعل؛ وذلك كالنوافل وغيرها. ثانيهما: أن يستحق بفعله المدح، والذم إذا لم يفعل؛ وذلك كالواجبات (٣). فأما الأول: وهو ما يستحق بفعله المدح، ولا يستحق الذم إذا لم يفعل، فهذا هو المندوب، وينقسم إلى قسمين: أ- ما يكون مقصوراً على فاعله، وإنما يسمى بأنه ندب ونفل وما شاكله. ب- ما يتعداه إلى غيره، ويسمى إحساناً وتفضلاً وما شاكله (٤).فأما الأول: فلا يقع في أفعال الله تعالى، لأنه يقتضي أن يكون هناك نادباً ندبه إليه، ثم يقول القاضي: وذلك يصح في العقلاء منا دون الله تعالى (٥).وأما الثاني: وهو التفضل؛ فإنه يقع في فعل الله تعالى كابتداء الخلق والإحياء والأقدار وغير ذلك (٦). القسم الثاني من أقسام الفعل الحسن الذي له صفة زائدة على حسنه: وهو ما يستحق المدح لفعله والذم إذا لم يفعل، وهو الواجب؛ وذلك نحو الإنصاف وشكر المنعم ... (٧)، وهذا لا يثبت في فعله تعالى ابتداء؛ وإنما يكون عند سبب يفعله؛ وذلك كالتكليف الذي به يلتزم الأقدار واللطف والإثابة والتعويض ... (٨)، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: الذي إذا لم يفعله بعينه يستحق الذم، فوصف بأنه واجب مضيق فيه؛ وذلك كالتفرقة بين المحسن والمسيء، وشكر المنعم في أوقات مخصوصة، ونحو ذلك (٩). وهذا ثابت في أفعال الله. يقول ابن منتويه - وهو يتكلم عن الواجب بالنسبة لله -: "وما يتعين في فعله تعالى، وهو كإعادة من يستحق الثواب أو العروض، فإن غير تلك الأجزاء لا تقوم مقامها أصلاً؛ بل يجب إعادتها بأعيانها ... " (١٠).ثانيهما: وهو الذي إذا لم يفعله، ولم يفعل ما يقوم مقامه، يستحق الذم، فوصف بأنه واجب مخير فيه ... وذلك كالكفارات الشرعية التي خير فيها (١١). وهذا أيضاً ثابت في أفعال الله. يقول ابن منتويه: "وأما ما كان من فعله تعالى على طريقة الوجوب المخير فيه، فهو أنه تعالى إذا علم من حال نفسين أنهما يصلحان للبعثة، فهو في حكم المخير، إن شاء بعث هذا، وإن شاء بعث ذاك، وكذلك لو علم أن اللذة تقوم مقام الألم في الصلاح لكان في حكم المخير فيهما" (١٢).

стр. 1500

من هذا العرض نخلص إلى أن الأحكام التي يصح ثبوتها في أفعال الله - عند المعتزلة - هي التفضل والواجب بقسميه المخير والمضيق، وما عدا ذلك من الأحكام فلا يصح ثبوتها في أفعال الله تعالى. وبناء على هذا؛ فالله لا يفعل القبيح بوجه من الوجوه، وكما أنه لا يفعله، فكذلك لا يريده (١). وقد دلل القاضي على الأمرين، فمن أدلته على أن الله لا يفعل القبيح ما يلي: يقول القاضي: وتحرير الدلالة على ذلك، هو: أنه تعالى عالم بقبح القبيح، ومستغن عنه، عالم باستغنائه عنه، ومن كان هذه حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه. ثم قال: وهذه الدلالة تنبي على أن الله تعالى عالم بقبح القبيح وأنه مستغن عنه، وعالم باستغنائه عنه، وأن من هذه حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه. أما الذي يدل على أنه تعالى عالم بقبح القبيح ... فلأنه تعالى عالم لذاته، ومن حق العالم لذاته أن يعلم جميع المعلومات على الوجوه التي يصح أن تعلم عليها، ومن الوجوه التي يصح أن يعلم المعلوم عليه قبح القبائح، فيجب أن يكون القديم تعالى عالماً به. وأما الذي يدل على أنه تعالى مستغن عن القبيح .. فلأنه تعالى غني لا تجوز عليه الحاجة أصلاً.

стр. 1501

وأما الذي يدل على أنه تعالى عالم باستغنائه عن القبيح، فهو داخل في الدلالة الأولى التي تنبني على أنه تعالى عالم لذاته. وأما الذي يدل على أن من كان هذا حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه، هو أنا نعلم ضرورة في الشاهد أن أحدنا إذ كان عالماً بقبح القبيح مستغنياً عنه عالماً باستغنائه عنه، فإنه لا يختار القبيح البتة، وإنما لا يختاره لعلمه بقبحه ولغناه عنه ... يبين ما ذكر ويوضحه أن أحدنا لو خير بين الصدق والكذب، وكان النفع في أحدهما كالنفع في الآخر، وقيل له: إن كذبت أعطيناك درهماً، وإن صدقت أعطيناك درهماً، وهو عالم بقبح الكذب مستغن عنه عالم باستغنائه عنه، فإنه لا يختار الكذب على الصدق ... لعلمه بقبحه، وبغناه عنه. وهذه العلة بعينها قائمة في حق القديم تعالى، فيجب أن لا يختاره البتة، لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً (١).أما الأدلة على أنه تعالى لا يريد القبيح، فمنها ما هو نقلي. يقول القاضي عبدالجبار: "إن كتاب الله المحكم يوافق ما ذكرناه من القول بالتوحيد والعدل" (٢). ثم يورد القاضي بعض الآيات مستدلاً بها على أن الله لا يريد القبيح، كقوله تعالى: وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥]. وقوله تعالى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ .... الآية [الزمر: ٧]. ثم يقول: "هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يريد الفساد، ولا يحبه، سواء كان من جهته أو من جهة غيره ... " (٣).ومن الآيات التي استدل بها القاضي - أيضاً - على أن الله لا يريد القبيح قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر: ٣١]. ويعلق القاضي على هذه الآية فيقول: إن قوله ظُلْمًا نكرة، والنكرة في النفي تعم، فظاهر الآية يقتضي أنه تعالى لا يريد شيئاً مما وقع عليه اسم الظلم (٤).ومنها؛ ما هو عقلي: يقول القاضي: "إن إرادة القبيح قبيحة"؛ ويعلل ذلك بقوله: "وإن إرادة القبيح إنما تقبح لكونها إرادة للقبيح بدليل أنها متى عرف كونها على هذه الصفة عرف قبحها" (٥).ويقول في موضع آخر: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريداً للمعاصي، هو أنه تعالى لو كان مريداً لها لوجب أن يكون حاصلاً على صفة من صفات النقص؛ وذلك لا يجوز على الله تعالى، وبهذه الطريقة نفينا الجهل عن الله تعالى" (٦). ويؤيد القاضي هذه الدلالة بقياس الغائب على الشاهد، فيقول: "فإن قيل: ولم قلتم إذا كان مريداً للمعاصي، وجب أن يكون حاصلاً على صفة من صفات النقص؟ قلنا: الدليل على ذلك الشاهد، فإن أحدنا متى كان كذلك، كان حاصلاً على صفة من صفات النقص، وإنما وجب ذلك لكونه مريداً للقبيح، فيجب مثله من الله تعالى" (٧). والمعتزلة - كما رأينا - تقرر أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يريده، وأن أفعاله كلها لابد أن تكون حسنة، وأنه لا يخل بما هو واجب عليه؛ وعلى ذلك فكل فعل يفعله إنما هو حسن. يقول ابن منتويه: "يجب إذا عرفنا في فعل من الأفعال أنه فعله أن تقضي بحسنه، ونعرف أن فيه وجهاً من وجوه الحسن، إما على جملة أو تفصيل، وإذا انتهينا إلى فعل قبيح، فيجب أن نقتضى بأنه ليس من جهته" (٨).وقد ترتب على مبالغة المعتزلة في نفي القبيح عن الله أن نفوا أن يكون خالقاً لأفعال العباد (٩). هذا هو رأي المعتزلة في أفعال الله. المناقشة:

стр. 1502

عرفنا - فيما سبق - عند عرضنا لرأي المعتزلة في أفعال الله، أنهم يرون أن الله تعالى لا يفعل القبيح، كالظلم؛ بل أفعاله كلها حسنة، وأنه لا يخل بما هو واجب عليه، وأنهم يرتبون على قولهم: إن الله لا يفعل القبيح: القول؛ بأن العبد هو الخالق لأفعاله، لأن منها ما هو الحسن، ومنها القبيح، فلو كان الله خالقها، لكان فاعلاً للقبيح. ونقول: أما قولكم: أن الله لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة، فهذا نوافقكم عليه. يقول ابن القيم: " ... وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره وخير كله، ولهذا نزه سبحانه نفسه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه ... فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها؛ وذلك خير كله، والشر: وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شراً، فعلم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك، فإن منها: القدوس ... والقدوس: هو المنزه عن كل شر ونقص وعيب، كما قاله أهل التفسير ... وهو قول أهل اللغة ... " (١).ومما يدل على أنه تعالى لا يفعل القبيح أنه نزه نفسه عن الظلم. قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]. والظلم هنا: أن يحمل عليه من سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته. وقال تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]. ففي هذه الآية نفي الظلم عن نفسه؛ مما يدل على أنه لا يفعل القبيح، بل أفعاله كلها حسنة (٢). اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ .... [الرعد: ١٦]. وقال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]. وسيأتي الكلام على هذه المسألة - إن شاء الله - عند الكلام على رأي المعتزلة في أفعال العباد، ومناقشتهم. وأما قولكم: وأنه تعالى لا يخل بما واجب عليه، فنقول: ما مقصودكم بهذا الواجب على الله؟ هل هو إيجاب من العباد على الله؟ أم إيجاب من الله على نفسه؟؛ إن كان الأول: فهذا لا نوافقكم عليه، لأن العباد لا يوجبون على الله شيئاً؛ إذ أنه يلزم أن يكون هناك موجباً فوق الله أوجب عليه شيئاً، ولا موجب عليه (٣). وأيضاً: فإنه يلزم من القول بأن العباد يوجبون على الله يلزم منه أن لا يكون فاعلاً مختاراً، وهو باطل بالأدلة الدالة على أن له تعالى التصرف المطلق فيما شاء من عباده. المختار بقدرته ومشيئته في أفعاله الحميدة، فثبوت حمده دليل على أنه مختار في أفعاله وأيضاً فإنه ثبوت ربوبيته تعالى يقتضي فعله بمشيئته واختياره ... وأيضاً: فإن ثبوت ملكه: دليل على أنه فاعل مختار؛ إذ أن حصول ملك لمن لا اختيار له ولا فعل له ولا مشيئة غير معقول. وأيضاً: فإنه كونه تعالى مستعاناً: دليل على اختياره، لأن الاستعانة بمن لا اختيار له محال (٤)، وعلى ذلك: فالله فاعل مختار، وإذا كان كذلك بطل قولكم: إن العباد يوجبون عليه تعالى. وإن كان مقصودكم بالوجوب أنه واجب عليه بحكم ما أوجبه على نفسه، فهذا نوافقكم فيه، لكن لا يلزم منه أن لا يكون تعالى مختاراً لما ذكرناه آنفاً من اللوازم الباطلة، ولأن من أوجب على نفسه شيئاً يعتبر متفضلاً بما أوجب، والمتفضل مختار بما تفضل به. يقول ابن القيم ﵀: "فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي افترقت فيه الفرق، والناس فيه ثلاث فرق: فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقاً، فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، وأنكرت وجوب ما أوجبه الله على نفسه. وفرقة رأت: أنه سبحانه أوجب على نفسه أموراً لعبده، فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله .. والفرقة الثالثة: أهل الهدى والصواب: قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحاً، ولا يدخل أحداً عمله الجنة أبداً .. والله تعالى بفضله وكرمه أكد إحسانه وجوده بأن أوجب لعبده عليه حقاً بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب، ولو بعسي ولعل، ولهذا قال ابن عباس ﵁: عسى من الله واجب (٥) .. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٥٣

стр. 1503

المبحث الثاني: بم يدرك حسن الأفعال وقبحها والثواب عليها والعقاب عند المعتزلة ؟ رأي المعتزلة في إدراك حسن الأفعال والثواب عليها، وقبحها والعقاب عليها، هل هو ثابت بالعقل أم بالشرع؟.إن الحسن والقبيح قد يعني بهما كون الشيء ملائماً للطبع أو منافراً له، وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين. وقد يراد بهما كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص، كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، ولا نزاع – أيضاً – في كونهما عقليين (١).إذا ما هو محل النزاع؟ يجيبنا على ذلك الرازي، فيقول: "وإنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلاً وعقابه آجلاً، وفي كون الفعل متعلق المدح عاجلاً، والثواب آجلاً، هل يثبت بالشرع أو بالعقل؟ ... " (٢).إن ظاهر قول المعتزلة في هذا هو أن العقل هو الحاكم بالحسن والقبح، والفعل حسن أو قبيح في نفسه؛ إما لذاته كما يقوله البغداديون، أو لصفة حقيقية توجب ذلك، كما يقوه بعضهم أو لوجوه واعتبارات هو عليها، كما يقوله القاضي ومعظم البصريين ... فالمعتزلة قد نسبوا إلى العقل الحكم والكشف (٣) ... فالعقل يعلم العلم الكامل بحسن الفعل وقبحه؛ ومن ثم يحكم عليه. يقول أبو الهذيل: "يجب على المكلف قبل ورود السمع ... أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة؛ استوجب العقوبة أبداً، ويعلم أيضاً حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والفجور" (٤).ويقول النظام: "إن المكلف – قبل ورود السمع – إذا كان عاقلاً متمكناً من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال" (٥).وقال – أيضاً -: "بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعاله ... " (٦).ويقول القاضي عبدالجبار: "وكل عاقل يعلم بكمال عقله قبح كثير من الآلام كالظلم الصريح وغيره، وحسن كثير منها كذم المستحق للذم وما يجري مجراه" (٧).ويقول الغزالي: "ذهب المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل، كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم، ومعرفة حسن الصدق وقبح الكفران ... ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي فيه نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة وسائر العبادات، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه ... " (٨). من هذه الأقوال؛ يظهر أن الأفعال عند المعتزلة قد ثبت قبحها والعقاب عليها عقلاً، كما ثبت حسنها والثواب عليها عقلاً ما عدا العبادات. هذا هو موجز رأي المعتزلة في هذه المسألة. ثانياً: المناقشة: عرفنا – آنفاً – أن المعتزلة ترى أن قبح الأشياء وحسنها والعقاب عليها والثواب ثابت عقلاً، فهم يرون أن هناك تلازم بين إدراك قبحها، وبين العقاب عليها ... ويقال لهم: إنه لا تلازم بين هذين الأمرين، فالأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، لكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحاً موجباً للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فمثلاً: الكذب والزنا: كلها قبيحة في ذاتها، لكن العقاب عليها مشروط بالشرع ...

стр. 1504

وقد دل القرآن على أنه لا تلازم بين الأمرين، وأنه تعالى لا يعاقب إلا بإرسال الرسل، وأن الفعل نفسه حسن وقبيح ... قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥]. ففي هذه الآية إشارة إلى أن العذاب لا يكون إلا بعد بعثة الرسل؛ وذلك دليل على أن العقاب لا يثبت إلا بالشرع. وقال تعالى: ... كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: ٨ - ٩]. ففي هذه الآية كسابقتها دليل على أن العقاب لا يثبت إلا بالشرع؛ بدليل أن الخزنة لم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل، بل للنذر؛ وبذلك دخلوا النار؛ وهذا مما يبطل قول المعتزلة أن العقاب على القبائح ثابت بالعقل قبل ورود الشرع. ومن الآيات الدالة على الأمرين قوله تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١]. وعلى أحد القولين في معنى الآية، وهو أن يكون المعنى لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل تكون الآية دالة على الأمرين: أن أفعالهم وشركهم ظلم وقبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد إرسال الرسل. وهذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير قوله تعالى: وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص: ٤٧]. فهذه الآية تدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم. ولولا قبحه لم يكن سبباً، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتقاء شرطها؛ وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمنذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم سيئات ما عملوا، وعوقبوا بالأول والآخر.

стр. 1505

ومن الآيات الدالة على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح، قوله تعالى: وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٢٨] إلى قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣١ - ٣٣]. فقد أخبر أن فعلهم فاحشة قبل نهيهم عنه، وأمر باجتنابه بأخذ الزينة، والفاحشة هنا: طوافهم بالبيت عراة، ثم قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء ... الآية الأعراف: ٢٨. أي: لا يأمر بما هو فاحش في العقول والفطر. ولو كان إنما علم كونه فاحشة بالنهي، وأنه لا معنى لكونه فاحشة إلا لتعلق النهي به لصار معنى الكلام: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وهذا لا يتكلم به آحاد الناس فضلاً عن الله ؛ ثم أي فائدة في قوله "إن الله لا يأمر بما ينهي عنه"؟ فإنه ليس لمعنى كونه "فاحشة" عندهم إلا أنه منهي عنه، لا أن العقول تستفحشه. ثم قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... الآية [الأعراف: ٣٢]. فقد دلت الآية على أنه طيب قبل التحريم، وأن وصف الطيب فيه مانع من تحريمه مناف للحكمة. ثم قال : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... [الأعراف:٣٣]. ولو كان كونها فواحش، إنما هو لتعلق التحريم بها وليست فواحش قبل ذلك، لكان حاصل الكلام قل إنما حرم ربي ما حرم وذلك تحريم الإثم والبغي فكون ذلك فاحشة وإثماً وبغياً بمنزلة كون الشرك شركاً، فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده، فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركاً بعد النهي، وليس شركاً قبل ذلك، ومعلوم أن هذا مكابرة صريحة للعقل والفطرة. فالظلم ظلم في نفسه قبل النهي وبعده، والقبيح قبيح في نفسه قبل النهي وبعده، والفاحشة كذلك، وكذلك الشرك، لا أن هذه الحقائق صارت بالشرع كذلك، فعلى هذا: فالأشياء قبيحة في ذاتها وازدادت قبحاً عن العقل بنهي الرب عنها. كما أن العدل والصدق: حسن في نفسه وازداد حسناً إلى حسنه بأمر الرب به ثنائه على فاعله، وإخباره بمحبته ومحبة فاعله (١). وبهذا يظهر بطلان قول المعتزلة: إن الأفعال، إنما يدرك حسنها والثواب عليها، وقبحها والعقاب عليها بالعقل. المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٦٣

стр. 1506

المبحث الثالث: رأي المعتزلة في أفعال العباد رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة (١): ليتضح رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة؛ لابد من سياق شيء من أقوالهم التي قالوها بهذا الصدد، والتي تؤكد صحة ما ننسبه إليهم، فنقول بالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار – وهو يتكلم عن خلق الأفعال -: " .... والغرض به الكلام في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنهم المحدثون لها" (٢).ويقول في موضع آخر: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها، ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها، فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين" (٣). من هذين النصين، يظهر ما يلي: أولاً: اتفاق أهل العدل على أن الله غير خالق لأفعال العباد، ما عدا ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، فقد وافق أهل السنة والجماعة على أن أفعال العباد مخلوقة فيهم لله تعالى. يقول ابن حزم: "وذهب أهل السنة كلهم ... إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة خلقها الله في الفاعلين لها، ووافقهم على هذا موافقة صحيحة من المعتزلة ضرار بن عمرو، وحفص الفرد ... " (٤).ثانياً: اتفاق أهل العدل أيضاً على أن العباد خالقون أفعالهم، وأن الله أقدرهم على ذلك. وشذ عن هذا الإجماع ضرار بن عمرو، وحفص الفرد كما ذكرنا آنفاً أنهما يوافقان أهل السنة على أنها مخلوقة لله، كما شذ أيضاً معمر والجاحظ، فقد قالا: إن أفعال العباد من فعل الطبيعة، أي: اضطرارية؛ كفعل النار للإحراق، والثلج للتبريد، وهي إنما نسبت إلى فاعليها مجازاً لظهورها منهم، وأن العباد ليس لهم إلا الإرادة (٥).إذا كان المعتزلة ينكرون أن يكون الله تعالى خالق أفعال العباد، فهل ينكرون علمه الأزلي بها؟ يقول الخياط: "إن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي، فالله تعالى عندهم لم يزل عالماً بكل ما يكون من أفعال خلقه، لا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالماً من يؤمن ومن يكفر أو يعصي" (٦). كذلك لم تنكر المعتزلة أن القدرة التي يعمل بها الإنسان من الله. يقول القاضي: " ... وأن الله – – أقدرهم على ذلك ... " (٧).ويقول واصل بن عطاء: " .... العبد فاعل للخير والشر ... والرب تعالى أقدره على ذلك كله ... " (٨). وإذاً فأفعال العباد المباشرة باتفاق أهل العدل مخلوقة للعباد بقدرة من الله، ما عدا ضرار بن عمرو وحفص الفرد، فقد وافقا أهل السنة في أنها من فعل الله، وكذلك معمر والجاحظ اللذين قالا: إنها من فعل الطبيعة. والآن وبعد أن عرفنا رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة، لنعرف ما تمسكوا به من شبهات. الفرع الثاني: شبهات المعتزلة النقلية والعقلية التي يتمسكون بها في قولهم: إن أفعال العباد المباشرة مخلوقة لهم، ومناقشتها: لقد تمسك المعتزلة في قولهم: إن العباد يخلقون أفعالهم بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:- أولاً: الشبهات النقلية: الشبهة الأولى: يقول القاضي عبدالجبار: "ومما يستدل به من جهة السمع، قوله تعالى: مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ... الآية [الملك: ٣].

стр. 1507

وجه الاستدلال: إن الله نفى التفاوت عن خلقه. فلا يخلو: إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخلقة أو من جهة الحكمة، ولا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة؛ لأن في خلقه المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحكمة على ما قلناه، وإذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة الله تعالى لاشتمالها على التفاوت وغيره" (١). مناقشة الشبهة: يقال لهم: إن استدلالكم بالآية ناتج عن سوء فهم؛ وذلك لأن المقصود بالتفاوت في الآية التفاوت في الخلقة. يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية -: والمراد "بخلق الرحمن": السماوات، خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً فيقع الخلل لقلة استوائها يدل عليه قول ابن عباس "من تفرق" (٢).ويقول ابن جزي: "قوله من "تفاوت" أي: من قلة تناسب وخروج عن الإتقان، والمعنى أن خلق السماوات في غاية الإتقان، وتخصيص الآية بخلق السماوات لورودها بعد قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا .... الآية [الملك: ٣] " (٣). وإذا ثبت أن المقصود بالتفاوت في الآية، التفاوت من جهة الخلقة؛ بطل قولكم "ولا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة". وعليه فيبطل استدلالكم بالآية. وأيضاً: فإن أول الآية حجة عليكم، وهو قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ... [الملك: ٢]، وبين الموت والحياة تفاوت؛ وهو خالق الجميع، لا خالق لذلك غيره؛ فكذلك كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، وإن كان بينهما تفاوت في الحكم، فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع، وإحكام الخلق، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم" (٤). وبهذا يظهر بطلان استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم. الشبهة الثانية: قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ... الآية [النمل: ٨٨]. وجه الاستدلال بالآية: يقول القاضي عبدالجبار – بعد أن أورد هذه الآية للاستدلال على أن العباد يخلقون افعالهم: " ... إن الله – – بين أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام والحسن جميعاً، حتى لو كان محكماً، ولا يكون حسناً لكان لا يوصف بالإتقان، ألا ترى أن أحدنا لو تكلم بكلام فصيح يشتمل على الفحش والخنا، فإنه وإن وصف بالإحكام لا يوصف بالإتقان؛ ثم قال: إذا ثبت هذا ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس وليس شيئاً من ذلك متقناً؛ فلا يجوز أن يكون الله تعالى خالقاً لها" (٥). مناقشة الشبهة: إن هذه الشبهة باطلة، لما يلي: أولاً: أن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات، فيمتنع وصف الأعراض بها (٦). وإذا لم توصف الأعراض بالإتقان؛ بطل الاستدلال بالآية، لأن الاستدلال بها ينبني على أن الإتقان يكون في الأعراض. ثانياً: يقول ابن حزم: "إن هذه الآية حجة عليهم، لا لهم؛ لأن الله تعالى أخبر أنه بصنعه أتقن كل شيء، وهذا على عمومه وظاهره، فالله تعالى صانع كل شيء، وإتقانه له أن خلقه جوهراً أو عرضاً جاريين على رتبة واحدة أبداً، وهذا عين الإتقان" (٧). وبهذا يظهر بطلان الاستدلال بهذه الآية، على أن العباد هم الخالقون لأفعالهم والله أعلم.

стр. 1508

الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبدالجبار: "ومن الأدلة على أن العباد خالقون أفعالهم قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ... الآية [ص: ٢٧]. ثم قال: فقد نفى الله تعالى أن يكون في خلقه باطل، فلولا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنا؛ وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلاً كاذباً – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً" (١). مناقشة الشبهة: إن معنى الآية أن الله – – ما خلق السماوات والأرض وما بينهما – عبثاً ولعباً – على ما يتوهمه من زعم أنه لا حشر، ولا نشر، ولا ثواب، ولا عقاب، بل خلقهما بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما؛ ومن ثم إثابة المتقين الطائعين، ومجازاة المذنبين والكافرين. ولذا قال تعالى – بعدها -: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧] يعني من إنكارهم الثواب والجزاء والعقاب (٢) .... وعلى ذلك فقولهم: إن معنى الآية "نفي أن يكون في خلقه باطل غير صحيح"، وإذا كان غير صحيح؛ بطل استدلالهم بالآية. والله أعلم. الشبهة الرابعة: قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... الآية [السجدة: ٧]. وجه الاستدلال: يقول القاضي عبدالجبار: "لا تخلو الآية؛ إما أن يكون المراد بها أن جميع ما فعله الله فهو إحسان أو المراد بها أن جميعه حسن. ولما كان لا يجوز أن يكون المراد بها الإحسان؛ لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون إحساناً كالعقاب، فليس إلا أن المراد بها الحسن؛ لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون إحساناً كالعقاب، فليس إلا أن المراد بها الحسن على ما نقول. إذا ثبت هذا ومعلوم أن أفعال العباد تشتمل على الحسن والقبيح، فلا يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى" (٣). مناقشة الشبهة: يقال لهم: ليس "أحسن" من معنى "حسن"؛ وإنما معناها أنه يحسن ويعلم كيف يخلق، كما يقال: فلان يحسن الظلم، ويحسن السفه، ويحسن فعل الخير والجميل، أي: يعلم كيف يفعل ذلك (٤).يقول ابن الجوزي: "قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... الآية [السجدة: ٧]. أي: لم يتعلمه من أحد كما يقال: فلان يحسن كذا، إذا علمه، قاله مقاتل والسدي" (٥). وعلى ذلك؛ فقولهم: إن أحسن من معنى حسن باطل؛ وعليه فيبطل استدلالهم بالآية. والله أعلم. ثانياً: الشبهات العقلية: من الشبهات العقلية التي تمسك بها المعتزلة في قولهم: إن العباد يخلقون أفعالهم، ما يلي:

стр. 1509

الشبهة الأولى: قالت المعتزلة: الدليل على أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقاً لله تعالى، وأن العباد لا فعل لهم؛ أنه لو كان الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها، وإثابته على الحسن والجميل منها، وذمه وعقابه على القبيح من جملتها (١).يقول القاضي عبدالجبار: "لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم؛ لوجب أن لا يستحقوا الذم على قبيحه، والمدح على حسنه؛ لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح" (٢).ويقول ثمامة بن الأشرس: "لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إما كلها من الله ولا فعل لهم فلم يستحقوا ثواباً ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذماً، أو تكون منهم ومن الله، فيجب المدح والذم لهم جميعاً، أو منهم فقط فكان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم" (٣).

стр. 1510

مناقشة الشبهة: أولاً: هذه الشبهة تنبني على أن العباد لا فعل لهم، بمعنى أنهم مجبورون على ما يكون منهم من تصرفات، وهذا باطل لا نقول به. يقول ابن تيمية: أفعال العباد خلقاً لله وكسباً للعباد بمنزلة الأسباب للمسببات، فالعباد لهم قدرة ومشيئة وإرادة، ولكنها تحت قدرة الله ومشيئته. قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩]. وكذلك نطق القرآن بإثبات الفعل للعباد. قال تعالى: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: ٢٤]. وأمثال هذه الآية كثير مما يدل دلالتها .. إلى أن قال: ولا يلزم قولنا هذا شركاً وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركاً. وقد قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ... الآية [التوبة: ١٤] فبين أنه المعذب، وأن أيدينا أسباباً وآلات ... وفي وصول العذاب إليهم (١) ... كما لا يلزم قولنا هذا أن يكون العبد مجبوراً على أعماله، فإن الجبر الذي أنكره سلف الأمة ... هو أن يكون الفعل صادراً عن الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار مثل: هبوب حركة الأشجار ... ولذلك انقسمت الأفعال إلى اختياري واضطراري، واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي ... (٢)؛ وعلى هذا فإنه يبطل قولهم: إن العباد لا فعل لهم. وإذا بطل الأصل، بطل الفرع. ثانياً: أنا لا نقول: إن الله تعالى آمر لأحد من خلقه بخلق شيء من الأفعال، ولا ناه له عن ذلك ... لأن الخلق مستحيل من العبد، وإنما نقول: إن الله تعالى إنما أمر باكتساب ما خلقه ونهى عن ذلك (٣). وإذا كان الأمر والنهي متوجهاً إلى جهة الاكتساب، فلا منافاة بين الخلق والأمر. ثالثا: أنا لا نقول: إن المدح والثواب ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا حتى يوجب ذلك كونه خلقاً له واختراعاً، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى، ويجب ويستحق بحكمه ... ألا ترى بالإجماع منا ومنكم ومن جميع المسلمين، أن الدابة تجب على العاقلة بقتل غيرها خطأ، وإن لم تفعل العاقلة شيئاً يستحق به إيجاب ذلك عليها، وأن ذلك الذي فعلته ليس خلقاً لها، بل هو خلق لغيرها، وهو الله تعالى عند المسلمين، وخلق للقاتل على زعمكم، فصح أن الوجوب حصل بإيجاب الله تعالى وحكمه لا بخلق العاقلة وفعلها، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إنما تجب بإيجاب الله تعالى وإرادته لا بكونها خلقاً للفاعل. ومثل ذلك: الأكل في الصيام إذا كان العبد ناسياً، يعتبر فعلاً للعبد كما هو فعل له عند تعمده، لكن الله تعالى حكم بأن أحدهما مفطر ومبطل للصوم، ويذم ويعاقب عليه، والآخر بالضد من ذلك، وإن كان الجميع فعلا للعبد؛ مما يدل أن ذلك إنما يكون بحكم الله تعالى، لا بكونه خلقاً للفاعل (٤).فإذا كان الثواب والعقاب يحصل بحكم الله تعالى، لم يلزم منافاة بين خلق الله تعالى لأفعال العباد وإثابتهم أو عقابهم عليها؛ إضافة إلى هذا: فإن الإثابة والعقاب على الاكتساب لا على الخلق (٥). وإذا كان لا منافاة بين خلق الله لأفعال العباد وأمرهم ونهيهم وإثابتهم وعقابهم عليها؛ بطلت هذه الشبهة. والله أعلم. وأما قول ثمامة: إن أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما كلها من الله ولا فعل لهم، ولم يستحقوا ثواباً ولا عقاباً أو منهم فقط كان لهم الثواب والعقاب، أو منهم ومن الله، وجب المدح والذم لهم جميعاً.
следующие страницы →