المبحث الثالث: رأي المعتزلة في أفعال العباد رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة (١):
ليتضح رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة؛ لابد من سياق شيء من أقوالهم التي قالوها بهذا الصدد، والتي تؤكد صحة ما ننسبه إليهم، فنقول بالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار – وهو يتكلم عن خلق الأفعال -: " .... والغرض به الكلام في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنهم المحدثون لها" (٢).ويقول في موضع آخر: "اتفق كل أهل العدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها، ولا محدث سواهم، وأن من قال أن الله سبحانه خالقها ومحدثها، فقد عظم خطؤه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين" (٣).
من هذين النصين، يظهر ما يلي:
أولاً: اتفاق أهل العدل على أن الله غير خالق لأفعال العباد، ما عدا ضرار بن عمرو، وحفص الفرد، فقد وافق أهل السنة والجماعة على أن أفعال العباد مخلوقة فيهم لله تعالى. يقول ابن حزم: "وذهب أهل السنة كلهم ... إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة خلقها الله في الفاعلين لها، ووافقهم على هذا موافقة صحيحة من المعتزلة ضرار بن عمرو، وحفص الفرد ... " (٤).ثانياً: اتفاق أهل العدل أيضاً على أن العباد خالقون أفعالهم، وأن الله أقدرهم على ذلك. وشذ عن هذا الإجماع ضرار بن عمرو، وحفص الفرد كما ذكرنا آنفاً أنهما يوافقان أهل السنة على أنها مخلوقة لله، كما شذ أيضاً معمر والجاحظ، فقد قالا: إن أفعال العباد من فعل الطبيعة، أي: اضطرارية؛ كفعل النار للإحراق، والثلج للتبريد، وهي إنما نسبت إلى فاعليها مجازاً لظهورها منهم، وأن العباد ليس لهم إلا الإرادة (٥).إذا كان المعتزلة ينكرون أن يكون الله تعالى خالق أفعال العباد، فهل ينكرون علمه الأزلي بها؟ يقول الخياط: "إن المعتزلة لم ينكروا العلم الأزلي، فالله تعالى عندهم لم يزل عالماً بكل ما يكون من أفعال خلقه، لا تخفى عليه خافية، ولم يزل عالماً من يؤمن ومن يكفر أو يعصي" (٦). كذلك لم تنكر المعتزلة أن القدرة التي يعمل بها الإنسان من الله. يقول القاضي: " ... وأن الله – – أقدرهم على ذلك ... " (٧).ويقول واصل بن عطاء: " .... العبد فاعل للخير والشر ... والرب تعالى أقدره على ذلك كله ... " (٨).
وإذاً فأفعال العباد المباشرة باتفاق أهل العدل مخلوقة للعباد بقدرة من الله، ما عدا ضرار بن عمرو وحفص الفرد، فقد وافقا أهل السنة في أنها من فعل الله، وكذلك معمر والجاحظ اللذين قالا: إنها من فعل الطبيعة.
والآن وبعد أن عرفنا رأي المعتزلة في أفعال العباد المباشرة، لنعرف ما تمسكوا به من شبهات.
الفرع الثاني: شبهات المعتزلة النقلية والعقلية التي يتمسكون بها في قولهم: إن أفعال العباد المباشرة مخلوقة لهم، ومناقشتها:
لقد تمسك المعتزلة في قولهم: إن العباد يخلقون أفعالهم بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:-
أولاً: الشبهات النقلية:
الشبهة الأولى:
يقول القاضي عبدالجبار: "ومما يستدل به من جهة السمع، قوله تعالى: مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ ... الآية [الملك: ٣].
стр. 1507
وجه الاستدلال: إن الله نفى التفاوت عن خلقه. فلا يخلو: إما أن يكون المراد بالتفاوت من جهة الخلقة أو من جهة الحكمة، ولا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة؛ لأن في خلقه المخلوقات من التفاوت ما لا يخفى، فليس إلا أن المراد به التفاوت من جهة الحكمة على ما قلناه، وإذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة الله تعالى لاشتمالها على التفاوت وغيره" (١).
مناقشة الشبهة:
يقال لهم: إن استدلالكم بالآية ناتج عن سوء فهم؛ وذلك لأن المقصود بالتفاوت في الآية التفاوت في الخلقة. يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية -: والمراد "بخلق الرحمن": السماوات، خاصة، أي: ما ترى في خلق السماوات من عيب، وأصله من الفوت، وهو أن يفوت شيء شيئاً فيقع الخلل لقلة استوائها يدل عليه قول ابن عباس "من تفرق" (٢).ويقول ابن جزي: "قوله من "تفاوت" أي: من قلة تناسب وخروج عن الإتقان، والمعنى أن خلق السماوات في غاية الإتقان، وتخصيص الآية بخلق السماوات لورودها بعد قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا .... الآية [الملك: ٣] " (٣).
وإذا ثبت أن المقصود بالتفاوت في الآية، التفاوت من جهة الخلقة؛ بطل قولكم "ولا يجوز أن يكون المراد به التفاوت من جهة الخلقة". وعليه فيبطل استدلالكم بالآية. وأيضاً: فإن أول الآية حجة عليكم، وهو قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ... [الملك: ٢]، وبين الموت والحياة تفاوت؛ وهو خالق الجميع، لا خالق لذلك غيره؛ فكذلك كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، وإن كان بينهما تفاوت في الحكم، فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع، وإحكام الخلق، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم" (٤). وبهذا يظهر بطلان استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ... الآية [النمل: ٨٨].
وجه الاستدلال بالآية: يقول القاضي عبدالجبار – بعد أن أورد هذه الآية للاستدلال على أن العباد يخلقون افعالهم: " ... إن الله – – بين أن أفعاله كلها متقنة، والإتقان يتضمن الإحكام والحسن جميعاً، حتى لو كان محكماً، ولا يكون حسناً لكان لا يوصف بالإتقان، ألا ترى أن أحدنا لو تكلم بكلام فصيح يشتمل على الفحش والخنا، فإنه وإن وصف بالإحكام لا يوصف بالإتقان؛ ثم قال: إذا ثبت هذا ومعلوم أن في أفعال العباد ما يشتمل على التهود والتنصر والتمجس وليس شيئاً من ذلك متقناً؛ فلا يجوز أن يكون الله تعالى خالقاً لها" (٥).
مناقشة الشبهة:
إن هذه الشبهة باطلة، لما يلي: أولاً: أن الإتقان لا يحصل إلا في المركبات، فيمتنع وصف الأعراض بها (٦). وإذا لم توصف الأعراض بالإتقان؛ بطل الاستدلال بالآية، لأن الاستدلال بها ينبني على أن الإتقان يكون في الأعراض. ثانياً: يقول ابن حزم: "إن هذه الآية حجة عليهم، لا لهم؛ لأن الله تعالى أخبر أنه بصنعه أتقن كل شيء، وهذا على عمومه وظاهره، فالله تعالى صانع كل شيء، وإتقانه له أن خلقه جوهراً أو عرضاً جاريين على رتبة واحدة أبداً، وهذا عين الإتقان" (٧).
وبهذا يظهر بطلان الاستدلال بهذه الآية، على أن العباد هم الخالقون لأفعالهم والله أعلم.
стр. 1508
الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبدالجبار: "ومن الأدلة على أن العباد خالقون أفعالهم قوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ... الآية [ص: ٢٧]. ثم قال: فقد نفى الله تعالى أن يكون في خلقه باطل، فلولا أن هذه القبائح وغيرها من التصرفات من جهتنا ومتعلقة بنا؛ وإلا كان يجب أن تكون الأباطيل كلها من قبله، فيكون مبطلاً كاذباً – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً" (١).
مناقشة الشبهة: إن معنى الآية أن الله – – ما خلق السماوات والأرض وما بينهما – عبثاً ولعباً – على ما يتوهمه من زعم أنه لا حشر، ولا نشر، ولا ثواب، ولا عقاب، بل خلقهما بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما؛ ومن ثم إثابة المتقين الطائعين، ومجازاة المذنبين والكافرين. ولذا قال تعالى – بعدها -: ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧] يعني من إنكارهم الثواب والجزاء والعقاب (٢) ....
وعلى ذلك فقولهم: إن معنى الآية "نفي أن يكون في خلقه باطل غير صحيح"، وإذا كان غير صحيح؛ بطل استدلالهم بالآية. والله أعلم.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... الآية [السجدة: ٧].
وجه الاستدلال: يقول القاضي عبدالجبار: "لا تخلو الآية؛ إما أن يكون المراد بها أن جميع ما فعله الله فهو إحسان أو المراد بها أن جميعه حسن. ولما كان لا يجوز أن يكون المراد بها الإحسان؛ لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون إحساناً كالعقاب، فليس إلا أن المراد بها الحسن؛ لأن في أفعاله تعالى ما لا يكون إحساناً كالعقاب، فليس إلا أن المراد بها الحسن على ما نقول. إذا ثبت هذا ومعلوم أن أفعال العباد تشتمل على الحسن والقبيح، فلا يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى" (٣).
مناقشة الشبهة: يقال لهم: ليس "أحسن" من معنى "حسن"؛ وإنما معناها أنه يحسن ويعلم كيف يخلق، كما يقال: فلان يحسن الظلم، ويحسن السفه، ويحسن فعل الخير والجميل، أي: يعلم كيف يفعل ذلك (٤).يقول ابن الجوزي: "قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... الآية [السجدة: ٧]. أي: لم يتعلمه من أحد كما يقال: فلان يحسن كذا، إذا علمه، قاله مقاتل والسدي" (٥). وعلى ذلك؛ فقولهم: إن أحسن من معنى حسن باطل؛ وعليه فيبطل استدلالهم بالآية. والله أعلم.
ثانياً: الشبهات العقلية:
من الشبهات العقلية التي تمسك بها المعتزلة في قولهم: إن العباد يخلقون أفعالهم، ما يلي:
стр. 1509
الشبهة الأولى: قالت المعتزلة: الدليل على أنه لا يجوز أن تكون أفعالنا خلقاً لله تعالى، وأن العباد لا فعل لهم؛ أنه لو كان الخالق لها لم يصح أمره بها ونهيه عن بعضها، وإثابته على الحسن والجميل منها، وذمه وعقابه على القبيح من جملتها (١).يقول القاضي عبدالجبار: "لو كان تعالى هو الخالق لفعلهم؛ لوجب أن لا يستحقوا الذم على قبيحه، والمدح على حسنه؛ لأن استحقاق الذم والمدح على فعل الغير لا يصح" (٢).ويقول ثمامة بن الأشرس: "لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه: إما كلها من الله ولا فعل لهم فلم يستحقوا ثواباً ولا عقاباً ولا مدحاً ولا ذماً، أو تكون منهم ومن الله، فيجب المدح والذم لهم جميعاً، أو منهم فقط فكان لهم الثواب والعقاب والمدح والذم" (٣).
стр. 1510
مناقشة الشبهة: أولاً: هذه الشبهة تنبني على أن العباد لا فعل لهم، بمعنى أنهم مجبورون على ما يكون منهم من تصرفات، وهذا باطل لا نقول به. يقول ابن تيمية: أفعال العباد خلقاً لله وكسباً للعباد بمنزلة الأسباب للمسببات، فالعباد لهم قدرة ومشيئة وإرادة، ولكنها تحت قدرة الله ومشيئته. قال تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٩]. وكذلك نطق القرآن بإثبات الفعل للعباد. قال تعالى: جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: ٢٤]. وأمثال هذه الآية كثير مما يدل دلالتها .. إلى أن قال: ولا يلزم قولنا هذا شركاً وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركاً. وقد قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ... الآية [التوبة: ١٤] فبين أنه المعذب، وأن أيدينا أسباباً وآلات ... وفي وصول العذاب إليهم (١) ... كما لا يلزم قولنا هذا أن يكون العبد مجبوراً على أعماله، فإن الجبر الذي أنكره سلف الأمة ... هو أن يكون الفعل صادراً عن الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار مثل: هبوب حركة الأشجار ... ولذلك انقسمت الأفعال إلى اختياري واضطراري، واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي ... (٢)؛ وعلى هذا فإنه يبطل قولهم: إن العباد لا فعل لهم. وإذا بطل الأصل، بطل الفرع. ثانياً: أنا لا نقول: إن الله تعالى آمر لأحد من خلقه بخلق شيء من الأفعال، ولا ناه له عن ذلك ... لأن الخلق مستحيل من العبد، وإنما نقول: إن الله تعالى إنما أمر باكتساب ما خلقه ونهى عن ذلك (٣). وإذا كان الأمر والنهي متوجهاً إلى جهة الاكتساب، فلا منافاة بين الخلق والأمر. ثالثا: أنا لا نقول: إن المدح والثواب ولا الذم والعقاب يحصل بفعل الفاعل منا حتى يوجب ذلك كونه خلقاً له واختراعاً، بل نقول: إن ذلك يحصل بحكم الله تعالى، ويجب ويستحق بحكمه ... ألا ترى بالإجماع منا ومنكم ومن جميع المسلمين، أن الدابة تجب على العاقلة بقتل غيرها خطأ، وإن لم تفعل العاقلة شيئاً يستحق به إيجاب ذلك عليها، وأن ذلك الذي فعلته ليس خلقاً لها، بل هو خلق لغيرها، وهو الله تعالى عند المسلمين، وخلق للقاتل على زعمكم، فصح أن الوجوب حصل بإيجاب الله تعالى وحكمه لا بخلق العاقلة وفعلها، وكذلك جميع الأحكام في الدنيا والآخرة، إنما تجب بإيجاب الله تعالى وإرادته لا بكونها خلقاً للفاعل. ومثل ذلك: الأكل في الصيام إذا كان العبد ناسياً، يعتبر فعلاً للعبد كما هو فعل له عند تعمده، لكن الله تعالى حكم بأن أحدهما مفطر ومبطل للصوم، ويذم ويعاقب عليه، والآخر بالضد من ذلك، وإن كان الجميع فعلا للعبد؛ مما يدل أن ذلك إنما يكون بحكم الله تعالى، لا بكونه خلقاً للفاعل (٤).فإذا كان الثواب والعقاب يحصل بحكم الله تعالى، لم يلزم منافاة بين خلق الله تعالى لأفعال العباد وإثابتهم أو عقابهم عليها؛ إضافة إلى هذا: فإن الإثابة والعقاب على الاكتساب لا على الخلق (٥).
وإذا كان لا منافاة بين خلق الله لأفعال العباد وأمرهم ونهيهم وإثابتهم وعقابهم عليها؛ بطلت هذه الشبهة. والله أعلم.
وأما قول ثمامة: إن أفعال العباد لا تخلو من ثلاثة أوجه: إما كلها من الله ولا فعل لهم، ولم يستحقوا ثواباً ولا عقاباً أو منهم فقط كان لهم الثواب والعقاب، أو منهم ومن الله، وجب المدح والذم لهم جميعاً.
стр. 1511
فنقول: إن قول ثمامة باطل، وقد بينا بطلان الوجهين الأولين من قوله، وهما قوله: "إما كلها من الله ولم يستحقوا ثواباً ولا عقاباً، أو كلها من الخلق ... ".
بينا بطلان هذين الوجهين بقولنا أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد. فالوجه المتعلق بالعباد والذي عليه الثواب والعقاب؛ غير الوجه المتعلق بالله، فمن الله خلقها، ويثابون ويعاقبون على كسبها. أما الوجه الثالث من قول ثمامة: وهو قوله: "أو تكون من الخلق ومن الله؛ فحينئذ يستحقون الثواب والعقاب جميعاً". هذا القول أيضاً باطل؛ إذ يستلزم الشركة بين الله وخلقه، ولا يلزمنا؛ بل إن قولكم هذا عائد عليكم لأنكم تقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم، وهي بعض الأعراض، وأن الله تعالى يفعل سائر الأعراض، فهذا عين الشرك تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وأما نحن فلا يلزمنا إيجاب الشركة لله تعالى فيما قلنا، لأن الاشتراك لا يجب بين المشتركين إلا باتفاقهما فيما اشتركا فيه. وبرهان ذلك: أن أموالنا ملك لنا وملك لله بإجماع منا ومنكم، وليس ذلك بموجب أن نكون شركاءه فيها لاختلاف جهات الملك؛ لأن الله تعالى إنما هو المالك لها لأنها مخلوقة له تعالى ... وهي ملك لنا لأنها كسب لنا، وملزمون بأحكامها، ومثل ذلك أفعالنا، فهي مخلوقة لله وكسب لنا، فلسنا شركاء له .... (١).
وبهذا يظهر بطلان الوجه الثالث من قول ثمامة. والله أعلم.
الشبهة الثانية: قالت المعتزلة: وجدنا أفعالنا واقعة على حسب قصدنا، فوجب أن تكون خلقاً لنا، وفعلاً لنا؛ قالوا: وبيان ذلك؛ أن الواحد منا إذا أراد أن يقوم قام، وإذا أراد أن يقعد قعد، وإذا أراد أن يتحرك تحرك، وإذا أراد أن يسكن سكن، وغير ذلك. فإذا حصلت أفعاله على حسب قصده ومقتضى إرادته، دل على أن أفعاله خلق له وفعل له (٢).يقول القاضي عبدالجبار: " ... طريقة أخرى في أن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وأنهم المحدثون لها. وتحريرها: هو أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصرفنا، مع سلامة الأحوال؛ إما محققاً أو مقدراً، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا؛ وإلا لما وجب ذلك فيها" (٣).ويقول ابن منتويه – وهو يسوق الدلالة على أن الواحد منا فاعل على الحقيقة -: " ... إن العلم بوقوع تصرفنا بحسب دواعينا وقصودنا وغير ذلك من أحوالنا حاصل على وجه لا يمكن دفعه عن النفس، ومعلوم استمرار ذلك ... فكل ما نقض هذه الجملة يجب بطلانه ... " (٤).
مناقشة هذه الشبهة:
إن هذه الشبهة باطلة، وبيان ذلك من وجوه، منها: أولاً: قولكم "إن أفعال العباد تحصل بحسب قصودهم .. " غير صحيح على إطلاقه، فإنا نرى من يريد شيئاً ويقصده، ولا يحصل له ما يريده وما يقصده، فإنه ربما أراد أن ينطق بصواب فيخطئ، وربما أراد أكلا لقوة وصحة، فيضعف ويمرض؛ وربما ابتاع سلعة ليربح فيخسر، وربما أراد القيام فيعرض له ما يمنعه منه إلى غير ذلك، فبطل ما ذكرتموه، وصح أن فعله خلق لغيره يجري على حسب مشيئة الخالق تعالى، وإنما يظهر كسبه لذلك الفعل بعد تقدم المشيئة والخلق من الخالق (٥).
стр. 1512
ثانيا: إن وقوع الكسب من الخلق على حسب القصد منهم، لا يدل على أنه خلق لهم ... ودليل ذلك: أن مشي الفرس مثلاً ... يحصل على قصد الراكب وإرادته من عدو وتقريب ... ووقوف إلى غير ذلك. ولا يقول عاقل: إن الراكب خلق جري الفرس ولا سرعتها ولا غير ذلك من أفعالها، فبطل أن يكون حصول الفعل على قصد الفاعل دليلاً على أنه خلقه. ومثل ذلك السفن يحصل سيرها وتوجهها في السير يميناً وشمالاً على حسب قصد الملاح، ولا يدل ذلك على أن الملاح خلق سير السفن ولا توجهها. فإن كابروا الحقائق وقالوا: نقول: إن ذلك خلقه الملاح والفارس، فقد خرجوا عن الدين وسووا بين الخالق والعباد في أن قدرة كل واحد منهما تتعلق بمقدورات، وهذا كفر صراح. وإن قالوا: حركات السفن تقع على حسب قصد الملاح، وليست بخلق له قلنا: فكذلك أفعال أحدنا قد تقع – ولا نقول: إنها تقع في كل حال – على حسب قصده، ولا يدل ذلك على أن خلقها ... يؤكد ذلك – أيضاً – أن نمو الزرع يحصل على حسب قصد الزارع وقيامه عليه بسقيه، وغير ذلك، ولا يقول أحد أن نمو الزرع خلقه الزارع .. وإن كان حاصلاً على حسب إرادة القائم عليه وقصده؛ وكذلك فيما يحصل من الواحد منا إذا أراد الله تعالى حصوله على حسب قصده لا يدل على أنه هو خلقه، بل الخالق له هو الله تعالى (١).
ثالثا: نحن لا نقول: إن العبد مجبور على أفعاله حتى يلزمنا ما ذكرتم بل نقول: إن العبد له قدرة ومشيئة لكنها تحت قدرة الله ومشيئته، كما بيناه عند الرد على الشبهة الأولى.
وإذا كان العبد غير مجبور على أفعاله، وأن له قدرة ومشيئة، فإن ما يحصل منه من تصرفات قد تقع على حسب قصده لا يمنع أن تكون بهذه القدرة التي أعطاه الله إياها، والتي لا تخرج عن قدرة الله الشاملة. وعلى ذلك فكون العبد يحصل له بعض التصرفات على حسب قصده لا يدل على أنه هو الخالق لأفعاله، وعليه فتبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الثالثة: نفي الظلم عن الله تعالى:
ترى المعتزلة أن في القول بأن الله تعالى خالق أفعال العباد تجويراً له تعالى من وجوه، منها: أولاً: يقول القاضي عبدالجبار: "وأحد ما يدل على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأفعال العباد؛ هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور، فلو كان تعالى خالقاً لها؛ لوجب أن يكون ظالماً جائراً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" (٢).ثانيا: يروي شارح الطحاوية أن المعتزلة قالوا: " ... كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه فيهم؟! ... " (٣).
المناقشة:
أولاً: الرد على القسم الأول من الشبهة:
стр. 1513
وهو قولهم "إن في أفعال العباد ما هو ظلم وكذب ... فلو كان الله خالقاً لها لنسبت إليه".أ- هذا الإلزام غير صحيح؛ لأن كون الباري تعالى خالقاً لا يوجب أن يتصف بما خلق من ظلم وكذب وطاعة ومعصية؛ لأن هذه الصفات؛ إنما هي لمن قامت به، فالظلم خلق من ظلم وكذب وطاعة ومعصية؛ لأن هذه الصفات؛ إنما هي لمن قامت به، فالظلم مثلاً: صفة للظالم ... ألا ترى أن الأسود صفة لمن قام به السواد، ولا يكون صفة لله تعالى، وإن كان تعالى هو خالق السواد، فكذلك الظلم والكذب والطاعة والمعصية كلها صفات لمن حلت به ولا يوجب ذلك وصف خالقها بها (١) ... ب- هذه الصفات من ظلم وكذب وجور ومعصية وطاعة ... إنما خلقها لمن حلت فيه، فالظلم خلقه تعالى للظالم به، وخلق الجور للجائر به، وكذلك الكذب والمعصية ... كما أنه خلق الظلمة للمظلم بها، وخلق الضوء للمستضيء به ... فكما أنه تعالى خلق الظلمة لليل، والضياء للنهار ... ولم يوجب ذلك كونه ظلمة ولا ضياء، فكذلك خلق الطاعة للطائع بها، والكذب كذباً للكاذب به، والجور جوراً للجائر به؛ ولم يوجب ذلك كونه جائراً ولا ظالماً ولا كاذباً ... فصح أن خلقه تعالى لهذه الصفات لا يلزم وصفه بها (٢).ج- أن الظلم والجور والكذب لا يكون ظلماً ولا جوراً ولا كذباً إلا إذا خالف الأمر ... وهذا كله يصح الوصف به لمن فوقه آمر أمره وناه نهاه وهم الخلق ... وأما الخالق فليس فوقه آمر ولا ناه، فلا يصح وصفه بشيء من هذا (٣) ...
فإذا كان لا يلزم من كونه تعالى خالقاً للجور والظلم وصفه بشيء منها إضافة إلى أنه لا يصح وصفه بهذه الصفات، لأنها تستلزم أن يكون فوقه تعالى آمر، والله يتنزه عن ذلك. إذا كان الأمر كذلك؛ بطل قولكم "إن في أفعال العباد ما هو ظلم وكذب ... فلو كان الله خالقاً لها لنسبت إليه"، وبذلك يبطل الجزء الأول من الشبهة. والله أعلم.
ثانيا: الرد على القسم الثاني من الشبهة:
وهو قولهم: كيف يعذب الله المكلفين على ذنوبهم وهو خلقهم فيهم، فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه فيهم؟ ... ".
стр. 1514
لقد رد شارح الطحاوية على هذا فقال: "إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقاً لله تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاً. بقي أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب. يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ... الآية [الروم: ٣٠]. فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر قال تعالى: ... كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤] ... وأما إذا صادف قلباً فارغاً تمكن منه بحسب فراغه فيكون جعله مذنباً مسيئاً في هذا الحال عقوبة له على عدم الإخلاص، وهو محض العدل. فإن قيل: فذلك العدم من خلقه فيه؟ فالجواب: هذا سؤال فاسد. فإن العدم كاسمه لا يفتقر إلى التكوين والإحداث، فعدم الفعل ليس أمراً وجودياً حتى يضاف إلى الفاعل (١) ...
وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الرابعة: تبرير إرسال الرسل: إذا كان الله خالق أفعال العباد، وكان العباد لا فعل لهم فأي فائدة في إرسال الرسل (٢)؟! يقول هشام الفوطي: "إذا كان الله لم يزل عالماً بكفر الكافرين، فما معنى إرسال الرسل إليهم؟ وما معنى الاحتجاج عليهم؟ وما معنى تعويضهم لما قد علم أنهم لا يتعرضون له؟ هل يكون حكيماً من دعا من يعلم أنه لا يستوجب له ومن لا يرجو إجابته؟ " (٣).
مناقشة هذه الشبهة:
والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الأول: هذه الشبهة تنبني على أن العباد لا فعل لهم بمعنى أنهم مجبورون على ما يكون منهم من تصرفات، وقد سبق بيان ما هو في هذا القول من لبس وإبطاله عند الرد على الشبهة الأولى، فإذا بطل الأصل، بطل الفرع (٤).
стр. 1515
الثاني: أن في قول هشام ما يشير إلى أن الله غير عالم بمن سيؤمن من عباده قبل إرسال الرسل، وفي هذا إضافة نقص إلى الله تعالى، وأنه سبحانه غير عالم بما سيكون، وإضافة النقص إلى الله كفر، فما يؤدي إليه مثله. الثالث: يقول ابن تيمية: القدر يؤمن به ولا يحتج به، فمن لم يؤمن بالقدر ضارع المجوس، حيث أثبت خالقاً مع الله، ومن احتج بالقدر ضارع المشركين. قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النحل: ٣٥] ... ومن أقر بالأمر والقدر وطعن في عدل الله وحكمته كان شبيهاً بإبليس، فإن الله ذكر عنه أنه طعن في حكمته وعارضه برأيه، وأنه قال: بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٣٩]. وإذا كان الاحتجاج بالقدر باطلاً، فهذه الشبهة باطلة من باب أولى؛ لأن فيها احتجاج بالقدر على إرسال الرسل (١).رابعاً: معلوم أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لتصدق الرسل فيما أخبرت، وتطاع فيما أمرت. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ... الآية [النساء: ٦٤]. والإيمان بالقدر من تمام ذلك؛ إذ هو من جملة ما أمرت به الرسل (٢). فمن نفى القدر – على زعم أنه يعارض إرسال الرسل – فقد كذب الرسل في بعض ما أمرت به، ومعلوم أن تكذيب الرسل كفر، فما يؤدي إليه مثله. خامساً: أن الرسل إنما بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فإن ما أتوا به من أمر لا يعارض القدر، إنما هو تفصيل له كاشف له، وحاكم عليه، فالقدر أصل للأمر ومنفذ له، وشاهد ومصدق له، فلولا القدر؛ لما وجد الأمر ولا تحقق، ولا قام على ساقه، ولولا الأمر، لما تميز القدر ولا تبينت مراتبه وتصاريفه، فالقدر مظهر للأمر، والأمر تفصيل له، والله له الخلق والأمر، أمره تصريف لقدره، وقدره منفذ لأمره، والقدح في القدر إبطال للأمر، وكمال التوحيد إثباته؛ وبذلك يتبين سر إرسال الرسل، وأنه لا يتعارض مع القدر؛ بل كل منهما يصدق الآخر (٣).
وبذلك تبطل هذه الشبهة.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٦٩
стр. 1516
المبحث الرابع: أفعال التولد
تعريف المعتزلة لأفعال التولد، وبعض الأمثلة التي توضحها:
تعريف أفعال التولد: يقول الإسكافي: "أفعال التولد هي كل فعل يتهيأ وقوعه على الخطأ دون القصد إليه أو الإرادة له، فهو متولد، وكل فعل لا يتهيأ وقوعه إلا بقصد، ويحتاج كل جزء منه إلى تجدد عزم وإرادة له، فهو خارج من حد التولد داخل في حد المباشر" (١).
ثانياً: الأمثلة: والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: الألم الحادث عند الضرب، والألوان الحادثة عند الضربة، ومثل انحدار الحجر الحادث عن طرحه، والإدراك الحادث عن فتح البصر (٢)، وما أشبهها من المسببات غير المقصودة.
الفرع الثاني: خلاف المعتزلة في أفعال التولد:
لقد اختلف المعتزلة في أفعال التولد على أقوال، أهمها ما يلي:
القول الأول: قول من قال: إن المتولدات أفعال لا محدث لها، وممن قال بهذا القول: ثمامة بن الأشرس (٣). يقول القاضي عبدالجبار – وهو يتكلم عن الخلاف حول المتولدات -: " ... فأما ثمامة بن الأشرس، فإنه جعل هذه الحوادث ما عدا الإرادة حدثاً لا محدث له" (٤).
شبهة ثمامة: يروي الشهرستاني رأي ثمامة في الفعل المتولد وشبهته فيقول: " ... وانفرد ثمامة عن أصحابه بمسائل، منها: قوله إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ إذ لم يمكنه إضافتها إلى فاعل أسبابها، لأنه يلزم أن يضيف الفعل إلى ميت مثلما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد بعده، ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى، لأنه يؤدي إلى فعل القبيح وذلك محال، فتحير فيه وقال: المتولدات أفعال لا فاعل لها ... " (٥).
المناقشة: يقال لثمامة إنك حصرت أفعال التولد بين أن تكون فعلاً لله، أو فعلاً للعباد، أو فعلاً لا فاعل له ثم أبطلت أن تكون فعلاً لله أو فعلاً للعباد، ليثبت لك رأيك الباطل، وهو أنها فعل لا فاعل له، ونقول: إن قولك أفعال التولد فعل لا فاعل له باطل، وذلك أنه يلزم من هذا القول إجازة حدوث كل فعل لا من فاعل، لأنه لا فرق بين بعضها وبين البعض الآخر في الاحتياج إلى محدث وفاعل (٦). وإجازة حدوث كل فعل لا من فاعل كفر، لأنه يؤدي إلى إبطال الصانع، وما يؤدي إلى الكفر مثله. يقول الجويني – وهو يرد على أصحاب التولد – "وإذا جاز ثبوت فعل لا فاعل له جاز – أيضاً – المصير إلى أن ما نعلمه من جواهر العالم وأعراضه ليست فعلاً لله، ولكنها واقعة عن سبب مقدور موجب لما عداه، وذلك خروج عن الدين وانسلال عن مذهب المسلمين" (٧).
وأيضا: فإن قولكم هذا: مناف للعقل الصحيح؛ إذ أنه ليس هناك إلا خالق أو مخلوق أو صفة للخالق، وهذه المتولدات ليست خالقة ولا صفة للخالق، فإذا هي مخلوقة، وإذا كانت كذلك؛ بطل قولكم: إنها فعل لا فاعل له، وإذاً فالقول بأن المتولدات فعل لا فاعل له باطل، فلم يبق إلا أن تكون فعلاً لله أو للعباد، وقد أقررت بأن المتولدات ليست من أفعال العباد، وهو ما نوافقك عليه، وإذا بطل أن تكون المتولدات فعلاً لا فاعل له ولم تكن من أفعال العباد، لم يبق إلا أنها من فعل الله تعالى، وهو القول الحق – إن شاء الله – بل إن في القول بأنها ليست من صنع الله منافاة لصريح القرآن. قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ .... [الزمر: ٦٢].
стр. 1517
القول الثاني: قول من نسبها إلى طبع الإنسان كالجاحظ أو فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة كالنظام ومعمر. يقول القاضي عبدالجبار: "وأما المتولدات ففيها نوع من الاختلاف ... ففي الناس من علقها بالطبع على ما قاله أبو عثمان الجاحظ في أفعال الجوارح والمعروفة، ولم يجعل الواقع عند الاختيار سوى الإرادة دون الحركات وما شاكلها. وفيهم من قال: إن هذه الحوادث التي تحدث في الجمادات، إنها تحصل فيها بطبع المحل، وهو النظام، وإليه ذهب معمر" (١).ويقول النظام: "إن كل ما جاوز حد القدرة، فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة، بمعنى أن الله طبع الحجر إذا دفعته اندفع" (٢).
المناقشة:
ستتضمن المناقشة – إن شاء الله – الرد على الجاحظ، ثم الرد على النظام ومعمر، فنقول وبالله التوفيق.
أولاً: الرد على الجاحظ:
لقد رد القاضي عبدالجبار على الجاحظ قوله: إن المتولدات تحصل بطبع الإنسان، وإليك بعض ردوده كما يرويها عبدالكريم عثمان ملخصة.١ - إن حال المتولدات لا يختلف عن حال المباشرة، لأن الفعل المتولد يقع عند حصول السبب وزوال الموانع، والفعل المباشر يحصل عند تكامل البواعث إلى الفعل، وإذا ما حصلت سبباً للفعلين، فهي سبب مباشر للفعل المبتدئ، وسبب بالواسطة للفعل المتولد، فأين الفرق بينهما وكلاهما يحصل من الفاعل؟ وكيف يحصل المراد بالطبع والإرادة باختيار الفاعل مع أن الحالة فيهما سواء، فإما أن يعلقا جميعاً بالطبع، أو يضافا إلى الفاعل.، أما أن يجعل أحدهما بالطبع، والآخر باختيار الفاعل فلا (٣).٢ - إن تعليق الجاحظ للمتولد بالطبع يوجب أن يضاف الفعل إلى المحل الذي حصل له الفعل لا إلينا، فيسمى المحل فاعلاً (٤)، ويستحق الذم والمدح، وهذا محال فما يؤدي إليه مثله.٣ - إذا كان الإنسان يفعل هذه المتولدات طباعاً عند الإرادة، فما هي الحاجة إلى وجود القدرة؟ إن مثل هذا القول يجوز أن يقع الفعل دون القدرة عليه (٥).٤ - ما دام الفعل يقع حتماً بطبع الإنسان إذا وجدت الإرادة والدواعي إليه، فإنه يجوز أن يوجد داع وإرادة أخرى معارضة للإرادة الأولى والداعي الأول، فيقع فعل أيضاً، وهكذا يجتمع فعلان متناقضان في وقت واحد، واجتماع المتناقضين مستحيل، فما يؤدي إليه مثله (٦).
وإذاً فقول الجاحظ: إن الفعل المتولد يقع بطبع الإنسان باطل، وإذا بطل أن تكون الأفعال المتولدة طباعاً؛ فإما أن تكون من الله أو من الإنسان؛ إن كانت من الإنسان، فتكون كالأفعال الاختيارية، ويشملها ما يشمل الأفعال الاختيارية من رد، وقد سبق الرد عليها عند الرد على شبهات المعتزلة في أفعال العباد الاختيارية. وإن كانت من الله فقد سلموا وأذعنوا للحق. والله أعلم.
ثانياً: الرد على النظام ومعمر:
стр. 1518
ذكرت عند عرضي لرأي النظام ومعمر أنهما يذهبان إلى أن المتولدات من أفعال الله تعالى بإيجاب الخلقة: ونقول: إن هذا الرأي يشتمل على حق وباطل؛ فأما قولهم: إن المتولدات من أفعال الله تعالى، فهو حق. وأما قولهم: بإيجاب الخلقة؛ فإنه باطل، ولذلك خطأهم البغدادي حيث قال: "وزعم النظام منهم أن المتولدات كلها من أفعال الله تعالى بإيجاب الخلقة ... ثم قال: وهذا القائل عندنا مصيب في قوله: إن الله خالق المتولدات ومخطئ في دعواه إيجاب الخلقة على معنى أن الله طبع الحجر على أن لا يقف في الهواء، لأن وقوفه جائز عندنا ... " (١).كذلك رد القاضي على النظام ومن معه، ونختار من ردوده ما يتناسب والجزء المرفوض لدينا من قول النظام، وهو قوله " ... بإيجاب الخلقة". أي: أن الله طبع الحجر طبعا على أن يذهب إذا دفعه دافع، وينزل إذا رماه رام (٢). فنقول وبالله التوفيق:١ - يرى القاضي أنه بناء على هذا القول: يلزم العبد أن لا يفعل شيئاً من الأعراض أو الأفعال أصلاً على وجه يتعلق به الاختيار، ويستحق المدح والذم عليه، لأنها كلها تحصل له بطبع المحل أو إيجاب الخلق (٣)، وهو باطل فما يؤدي إليه مثله.٢ - يرى القاضي أيضاً أن موقف من يقول بالطبع والطبيعة أسوأ من موقف الدهرية، فإن هؤلاء نفوا وجود الصانع، فأمكن لهم أن يعلقوا الفعل بالطبع، أما أولئك المعتزلة فقد أثبتوا الله، فكيف يصح لهم أن ينفوا تعلق الأشياء به (٤)؟! ٣ - أن قول النظام ومعمر المتولدات تحصل بإيجاب الخلقة يوجب عليهم أن لا تقع الثقة بالنبوات لتجويزهم حصول المعجزات بطبع المحل (٥). ومعلوم بطلان هذا، فما يؤدي إليه مثله.
وإذاً فقول النظام ومعمر والمتولدات تحصل بطبع المحل باطل، وإذا بطل هذا الجزء، بقي الجزء الأول من قولهم، وهو أن المتولدات من فعل الله، وهو القول بالحق – إن شاء الله – والله أعلم.
القول الثالث:
وهو قول أكثر المعتزلة: وقد قسموا أفعال التولد إلى قسمين:
القسم الأول: ما تولد من غير الحي، كحرق النار، وتبريد الثلج، وقد اختلفوا فيه فقال بعضهم: فعل الله ، وقال آخرون: فعل الطبيعة، وقال فريق ثالث: أفعال الله لا فاعل لها. القسم الثاني: ما تولد من الإنسان أو الحي: قالوا: هذا من فعل الإنسان، وممن قال بهذا القول بشر بن المعتمر منشئ القول بالتولد (٦).
المناقشة:
ذكرت أن القسم الأول من أفعال التولد وهو ما تولد من غير الحي، ذكرت أنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه من فعل الله – – وهذا القول يوافق القول بحق – إن شاء الله -، وقال البعض الآخر: إنه من فعل الطبيعة، وهؤلاء يتفق قولهم وقول النظام، وقد سبق الرد عليه، وقال الفريق الثالث: إنها أفعال لا فاعل لها، وهذا القول يتفق مع رأي ثمامة، وقد سبق الرد عليه.
إذاً لم يبق إلا القسم الثاني: وهو ما تولد من فعل الإنسان أو الحي، قالوا: إنه من فعل الإنسان أو الحي.
стр. 1519
والرد على هذا القسم كالآتي: أولاً: لقد رد على هذا القول ابن حزم – ﵀ – فقال: إن كل ما في العالم من جسم أو عرض في جسم أو أثر في جسم، فهو فعل الله – – بمعنى أنه خلقه؛ وكل ذلك مضاف بنص القرآن، وبحكم اللغة إلى ما ظهر منه من حي أو جماد. قال تعالى: فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥]. فقد نسب الله الاهتزاز والإنبات والربو إلى الأرض؛ مع أنه هو الفاعل لذلك؛ مما يدل على أن النسبة إليها لكونه ظهر منها ... وقال تعالى: وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ... الآية [النساء: ٩٢]. فسمى تعالى المخطئ قائلاً، وأوجب عليه حكماً، وهو لم يقصد قتله، لكنه تولد عن فعله ... إلى أن قال: ولم تختلف أمة، ولا لغة في صحة قول القائل: مات فلان، وسقط الحائط. فقد نسب الله تعالى وجميع خلقه الموت إلى الميت، والسقوط إلى الحائط. لظهور كل ذلك منها. فصح بكل ما ذكرنا أن إضافة كل أثر في العالم إلى الله تعالى، هي غير إضافته إلى ما ظهر منه أو تولد عنه، فلظهوره منه، اتباعاً للقرآن والسنة، وما يفسرهما من اللغة الفصحى، لأنه لا فرق بين ما ظهر من حي مختار أو غير حي مختار في أن كل ذلك ظاهر مما ظهر منه، وأنه مخلوق لله تعالى، إلا أن الله خلق في الحي اختياراً لما ظهر منه، ولم يخلق الاختيار فيما ليس حياً ولا مريداً. فما تولد عن فعل فاعل، فهو فعل الله – – بمعنى أنه خلقه، وهو فعل ما ظهر منه بمعنى أنه ظهر منه، قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى .... الآية [الأنفال: ١٧]. وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]. فقد نسب الله – – الرمي إلى نبيه – ﷺ – ولنفسه؛ مما يدل على أن نسبته للرسول – ﷺ – لظهوره منه، ونسبته إلى الله لكونه الفاعل (١).
كذلك رد البغدادي على أصحاب التولد، فقال: إن أفعال التولد من فعل الله – – ولا يصح أن يكون الإنسان فاعلاً في غير محل قدرته؛ لأنه يجوز أن يمد الإنسان وتر قوسه، ويرسل السهم من يده، فلا يخلق الله تعالى في السهم ذهاباً، ويجوز أن يقع السهم على ما أرسله إليه، ولا يؤثر فيه. ولأن الإنسان ليس مكتسباً لهذا الفعل حتى يضاف إليه، وإنما يصح من الإنسان اكتساب فعله من محل قدرته (٢) ...
وأيضا: فإن قولكم هذا، يؤدي إلى إثبات صانع مع الله، وهو باطل باتفاق منا ومنكم، فما يؤدي إليه مثله. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٨٤
المطلب الأول: مسالة اللطف
يحسن قبل البدء في الكلام على هذه المسألة أن نعرف ما هي حقيقة اللطف؟ يجيبنا على هذا السؤال: القاضي عبدالجبار فيقول: "اعلم أن اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب، ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح" (١).
شرح التعريف:
يرى القاضي أن اللطف هو كل ما يحمل الإنسان إلى اختيار الواجبات، وترك المنهيات، أو يكون بسببه أقرب إلى اختيار المأمورات، أو ترك المنهيات.
الفرع الأول: رأي المعتزلة في اللطف:
لمعرفة رأي المعتزلة هنا؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم التي قالوها في هذا الصدد. يقول القاضي عبدالجبار: "اعلم أن شيوخنا المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف إطلاقاً، ولا وجه لذلك، بل يجب أن يقسم الكلام فيه ويفصل؛ فنقول: إن اللطف؛ إما أن يكون متقدماً للتكليف، أو مقارناً له، أو متأخراً عنه. فإن كان متقدماً؛ فلا شك في أنه لا يجب؛ لأنه ... لا يجب إلا لتضمنه إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك حتى يجب هذا اللطف ... ، وأيضاً فإنه ... جرى مجرى التمكين، ومعلوم أن التمكين قبل التكليف لا يجب؛ فكذلك اللطف. وإن كان مقارناً له؛ فلا شبهة أيضاً في أنه لا يجب؛ لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب؛ بل القديم تعالى متفضل به مبتدئاً فلأن لا يجب ما هو تابع له أولى ... ثم لا يفترق الحال بين ما إذا كان لطفاً في الواجبات، وبين ما إذا كان لطفاً في النوافل، فإنه تعالى كما كلفنا الواجبات، فقد كلفنا النوافل أيضاً، فكان يجب عليه اللطف، سواء كان لطفاً في فريضة أو في نافلة خلاف الواحد منا ... " (٢).ويقول في موضع آخر: " ... وقد بينا أن ما وجد مع التكليف ... لا يكون واجباً .. وإنما يجب ما يتأخر عن حال التكليف من التمكين والألطاف، وما لا يصحان إلا به ... " (٣).ويقول في موضع ثالث - وهو يتكلم عن رأي المعتزلة في اللطف -: "ومنهم من يقول: إنه يجب على الله أن يفعل بالمكلف الألطاف، وهو الذي يذهب إليه أهل العدل حتى منعوا أن يكون خلاف هذا قولاً لأحد من مشايخهم. فذكروا أن بشر بن المعتمر رجع إلى هذه المقالة، حكاه عنه أبو الحسين الخياط، وغيره. وقد كان جعفر بن حرب ... يذهب إلى أن المكلف إذا كان ما يفعله من الإيمان مع عدم اللطف ... أعظم ثواباً، فاللطف غير واجب؛ ومتى لم تكن الحال هذه، فاللطف واجب. وقد حكي عنه الرجوع عن هذا المذهب" (٤).
من كلام القاضي: يظهر لنا أن شيوخه المتقدمين كانوا يطلقون القول بوجوب الألطاف، وأنه يرى أنه لا وجه لذلك؛ بل لابد من تقسيم اللطف إلى ثلاثة أقسام:-
الأول: أن يكون اللطف متقدماً على التكليف، وهذا القسم لا يجب، ويعلل ذلك؛ بأن اللطف يتضمن إزاحة علة المكلف، ولا تكليف هناك، ولأن اللطف يجري مجرى التمكين، والتمكين قبل التكليف لا يجب، فكذلك اللطف.
стр. 1522
الثاني: أن يكون اللطف مقارناً للتكليف؛ وهذا القسم أيضاً لا يجب، لأن أصل التكليف إذا كان لا يجب والله متفضل به ابتداء، فما هو تابع له أولى. الثالث: أن يكون اللطف متأخراً عن التكليف، وهذا القسم واجب، سواء كان لطفاً في فريضة أو نافلة خلاف الواحد منا؛ وعلى ذلك فالذي يجب من أقسام اللطف القسم الثالث؛ وهو ما إذا كان اللطف متأخراً عن التكليف؛ سواء كان لطفاً في فريضة أو نافلة، أما إذا كان سابقاً للتكليف أو مقارناً له، فلا يجب. كما نستنتج أن هذا الرأي لم يختلف فيه المعتزلة؛ إذ أن من كان من مشايخهم له رأي خاص كبشر بن المعتمر الذي يرى: عدم وجوب اللطف (١)، وجعفر بن حرب الذي يرى: وجوبه في حالة، وعدم وجوبه في أخرى. قد رجعوا عن أقوالهم إلى قول عامة المعتزلة. وإذاً فالقول بوجوب اللطف قد اتفقت عليه المعتزلة، وقيده القاضي باللطف المتأخر عن التكليف (٢).
الفرع الثاني: شبهة المعتزلة التي يتمسكون بها في قولهم بوجوب اللطف على الله، ومناقشتها:
عرفنا آنفاً أن المعتزلة ترى وجوب اللطف على الله، والآن لنعرف ما هي شبهتهم التي يتمسكون بها مع المناقشة.
الشبهة: يقول القاضي: "والدليل على صحة ما اخترناه من المذهب هو أنه تعالى إذا كلف المكلف وكان غرضه بذلك تعريضه إلى درجة الثواب، وعلم أن في مقدوره ما لو فعله به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح، فلابد من أن يفعل به ذلك الفعل، وإلا عاد بالنقض، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيبه إلى طعام قد اتخذه وعلم من حاله أنه لا يجيبه إلا إذا بعث إليه بعض أعزته من ولد أو غيره، فإنه يجب عليه أن يبعث إليه، حتى إذا لم يفعل عاد بالنقض على غرضه، كذا هنا" (٣).
المناقشة:
يقال لهم: ما مرادكم بهذا اللطف الذي إذا فعله الله بالعبد اختار عنده الإيمان على الكفر؟ "إن كنتم تريدون به البيان العام والهدى العام والتمكين من الطاعة وتهيئة أسبابها، فهذا حاصل لكل كافر بلغته الحجة، وتمكن من الإيمان (٤)؛ لكنه لم يلزم منه إيمانهم؛ بل وجدناهم قد بلغتهم الحجة، ومع ذلك لم يؤمنوا. فعلى هذا: تفسيركم اللطف بهذا المعنى لا يلزم منه الإيمان حتى يقال بوجوبه أو عدم وجوبه. وإن كنتم تريدون باللطف الذي إذا فعله بعبده أصبح مؤمناً، وإذا لم يفعله لم يكن مؤمناً؛ وهو التوفيق إلى فعل ما يرضيه؛ وذلك بأن يجعله مريداً له محباً له مؤثراً له على غيره، ويجعله مبغضاً كل ما يسخطه وكاره له (٥)، كما قال تعالى: ... وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧]. فهذا اللطف قد فعله الله بمن شاء من عباده تفضلاً لا واجباً، بدليل قوله تعالى: وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: ٨٣]. وبدليل قوله تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا .... [النور: ٢١]. ولأنه لو كان واجباً لاستلزم أن يكون الناس كلهم مؤمنين فلما لم يكن ذلك دل على أنه ليس بواجب. ولأن الواجب على الله محال؛ لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئاً (٦)، ثم إن قياسكم الغائب على الشاهد مع الفارق، لأن المخلوق يجوز في حقه الوجوب بعكس الخالق؛ فلا. وإذا فالقياس باطل؛ وبذلك يبطل قولكم أنه يجب على الله أن يفعل بعبده اللطف الذي يختار عنده الإيمان على الكفر؛ وعليه فتبطل شبهتكم من أساسها. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ١٩٣
стр. 1523
المطلب الثاني: مسألة الصلاح والأصلح
يحسن قبل البدء في الكلام عن الصلاح والأصلح أن نعرفهما: الصلاح: ضد الفساد، وكل ما عرى من الفساد؛ فهو صلاح؛ وهو الفعل المتوجه إلى الخير من قوام العالم وبقاء النوع في العاجلة، والمؤدي إلى السعادة السرمدية في الآخرة. أما الأصلح: فهو ما إذا كان هناك صلاحان وخيران، وكان أحدهما أقرب إلى الخير المطلق، فإنه يكون الأصلح (١).
الفرع الأول: رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح:
لمعرفة رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم أو أقوال من نقل عنهم، فنقول وبالله التوفيق. يقول النظام: "إن الله لا يقدر على أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة، لأن نعيمهم صلاح لهم، ونقصان ما فيه صلاحهم ظلم" (٢).ويقول الشهرستاني – وهو يبين رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح-: "واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح ... ففي وجوبه خلاف عندهم" (٣).ويقول في موضع آخر: "وقالت المعتزلة: الحكيم لا يفعل فعلاً إلا لحكمة وغرض، والفعل من غير غرض سفه وعبث، والحكيم من يفعل لأحد أمرين؛ إما أن ينتفع أو ينتفع غيره، ولما تقدس الرب تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع غيره، فلا يخلو فعل من أفعاله من صلاح، ثم الأصلح هل تجب رعايته، قال بعضهم: تجب كرعاية الصلاح، وقال بعضهم: لا تجب؛ إذا الأصلح لا نهاية له، فلا أصلح إلا وقوفه ما هو أصلح منه ... " (٤).ويقول في موضع ثالث – وهو يحكي رأي جمهور المعتزلة في الأصلح -: "وقال جمهور المعتزلة ... إن الله لا يفعل بالعباد كلهم إلا ما هو أصلح لهم في دينهم وأدعى لهم إلى العمل بما أمرهم به، وأنه لا يدخر عنهم شيئاً يعلم أنهم يحتاجون إليه في أداء ما كلفهم به ... ثم يقول: وقالوا في الجواب عن مسألة من سألهم "هل يقدر الله تعالى أن يفعل بعباده أصلح مما فعله بهم؟ ". قالوا: إن أردت أنه يقدر على أمثال الذي هو أصلح، فالله يقدر على أمثاله إلى ما لا غاية له ولا نهاية، وإن أردت يقدر على شيء أصلح من هذا، أي: يفوقه في الصلاح قد ادخره عن عباده، فلم يفعله بهم؛ مع علمه بحاجتهم إليه في أداء ما كلفهم به، فإن أصلح الأشياء هو الغاية، ولا شيء يتوهم وراء الغاية فيقدر عليه أو يعجز عنه" (٥).
من هذه النصوص؛ يظهر لنا أن المعتزلة قد اتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير؛ بل ويجب عليه ذلك.
وأما الأصلح: فقد اختلفوا فيه. فجمهورهم: يرون وجوبه على الله لأن أصلح الأشياء – عندهم – هو الغاية، وقد فعله الله بعباده، ولا شيء يتوهم وراء الغاية، فيجب أو لا يجب. وبعضهم: ذهب إلى أنه لا يجب على الله رعاية الأصلح لعباده، كبشر ابن المعتمر (٦)، لأن الأصلح لا غاية ولا نهاية له (٧).
والخلاصة: أن المعتزلة يقولون بوجوب الصلاح والأصلح؛ ما عدا بشر بن المعتمر ومن تابعه، فإنهم خالفوا في وجوب الأصلح فقط.
الفرع الثاني: مناقشة رأي المعتزلة في الصلاح والأصلح:
стр. 1524
ذكرت عند عرضي لرأي المعتزلة في الصلاح والأصلح؛ أن المعتزلة يرون وجوب الصلاح والأصلح على الله لعباده. ونقول: إن الله تعالى أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأنه تعالى يفعل بالعباد ما فيه (١) صلاحهم؛ لكن لا على سبيل الوجوب، وذلك لأن الوجوب منفي عن الله تعالى؛ إذ المفهوم منه ما ينال تاركه ضرر عاجلاً أو آجلاً أو ما يكون نقيضه محال. وهذا كلها يتنزه الله عنها، فإنه تعالى لا ينتفع بعمل ولا يتضرر بتركه، ولا يلزم من ذلك محال (٢). بل إن الواجب على الله محال، لاستحالة موجب فوقه، يوجب عليه شيئاً. يقول ابن تيمية – ﵀ – في معرض درء على من يقول بالوجوب على الله: "وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول، وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً؛ ولهذا كان من قال أهل السنة بالوجوب قال: إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق. فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم بالإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة، ونحوهم: أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على المستأجر، فهو جاهل في ذلك. وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده: هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك" (٣).
من كلام ابن تيمية وما قبله يظهر أنه لا واجب على الله، فكل نعمة من الله على خلقه تعتبر من باب التفضل حتى ما أوجبه على نفسه من باب التفضل؛ لأنه لم يوجبه أحد عليه. وبذلك يبطل الوجوب على الله؛ وإذا بطل الوجوب عليه ؛ بطل قول المعتزلة بوجوب الصلاح والأصلح على الله لعباده. كذلك رد الغزالي على المعتزلة قولهم: وجوب الصلاح والأصلح على الله، فقال: "ومما يدل على بطلان قول المعتزلة بوجوب الصلاح والأصلح المشاهدة والوجود، ثم قال: فإننا نريهم من أفعال الله تعالى ما يلزمهم الاعتراف بأنه لا صلاح فيها للعبد؛ فإنا نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم وهو مسلم في الصبا، وبلغ الآخر وأسلم ومات مسلماً بالغاً، وبلغ الثالث كافراً ومات على الكفر، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ في النار، وأن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فإذا قال الصبي: يا رب: لم حططت رتبتي عن رتبته؟ فيقول: لأنه بلغ فأطاعني، وأنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ، فيقول: يا رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال رتبته، فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين وكنت قادراً على أن تؤهلني لها؟ فلا يكون له جواباً إلا أن يقول: علمت أنك لو بلغت لعصيت، وما أطعت وتعرضت لعقابي وسخطي، فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك وأصلح لك من العقوبة، فينادي الكافر البالغ من الهاوية، ويقول: يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت كفرت؟ فلو أمتني في الصبا وأنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان أحب إلي من التخليد في النار وأصلح لي، فلم أحييتني؟ ... ثم قال ومعلوم أن هذه الأقسام موجودة وبها يظهر على القطع لأن الأصلح ليس بواجب (٤).كذلك رد عليهم الإسفراييني فقال – في جملة رده-: " ... وكل عاقل يعلم أن الكافر لا صلاح له في كفره ولا ما يحل به من تبعات فعله، فعلى هذا يجب أن تكون حجة الله منقطعة حتى لا يكون له على عبيده حجة، ويصور ذلك في ثلاثة ولدوا دفعة واحدة أمات الله أحدهم في حال الطفولة وبلغ الاثنان، أسلم أحدهما، وبقي الآخر كافراً .. " (٥). ثم أتى برد الغزالي. وبما ذكرت يتضح بطلان قول المعتزلة يجب على الله أن يفعل بالعباد ما فيه صلاحهم. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها- عواد المعتق ص ١٩٧
стр. 1525
المبحث السادس: رأي المعتزلة في بعثة الرسل
وجه اتصال بعثة الرسل بأصل العدل: يقول القاضي عبد الجبار: "ووجه اتصال بعثة الرسل بباب العدل: هو أن الكلام في أنه تعالى إذا علم أن صلاحنا يتعلق بهذه الشرعيات, فلا بد أن يعرفناها, لكي لا يكون مخلا بما هو واجب عليه, ومن العدل أن لا يخل بما هو واجب عليه" (١)
رأي المعتزلة في بعثة الرسل
لمعرفة رأي المعتزلة في بعثة الرسل لابد أن نسوق شيئا من أقوالهم أو أقوال من نقل عنهم، فنقول وبالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن البعثة متى حسنت وجبت على معنى أنها متى لم تجب قبحت لا محالة ... " (٢).ويقول في موضع آخر: "اعلم أنه إذا صح أن الذي يبعث له الرسول، تعالى هو ما ذكرناه من تعريف المصالح ... فلا شبهة في أن ذلك واجب كما أنه إذا كلف المكلف فلابد من أنه يجب التمكين وإزاحة العلل ... " (٣).ويقول في موضع ثالث: " ... يجب على كل حال بعثة الرسل؛ لأنه لا فرق بين أن يحتاج إليها في الشروط التي لا تتم العبادات إلا بها، أو في نفس العبادات ... " (٤).ويقول الغزالي – وهو يحكي رأي المعتزلة في بعثة الرسل-: "وقالت المعتزلة أن بعثة الأنبياء واجبة" (٥).
من هذه الأقوال: يظهر أن المعتزلة ترى وجوب بعثة الرسل على الله؛ لأنها من مقتضيات عدله؛ إذ أن فيها صلاحنا، وقد علم الله ذلك، فلو لم يبعث رسولاً لأخل بما هو واجب عليه. والله يتنزه عن ذلك.
مناقشة رأي المعتزلة في بعثة الرسل
عرفنا آنفاً – عند عرض رأي المعتزلة في بعثة الرسل – أن المعتزلة يرون وجوب بعثة الرسل على الله، ولو لم يفعل؛ لأخل بما هو واجب عليه. ويقال لهم: ما مرادكم بالواجب هنا؟ إن كنتم تريدون واجباً على الله أوجبه الغير عليه، فهذا باطل؛ لأنه يستحيل موجب يوجب على الله شيئاً (٦)، لمنافاته مشيئة الله واختياره المطلق في مخلوقاته، ولأن في ترك هذا النوع من الواجب: إما حصول مضرة أو فوات منفعة أو لزوم محال. والله تعالى يتنزه عن ذلك كله، فإنه لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يتضرر بترك إرسالهم، ولا يلزم من عدم إرسالهم محال بالنسبة له تعالى (٧).
وإذاً فالقول بوجوب بعثة الرسل من هذا الوجه باطل.
بقي الواجب الذي أوجبه على نفسه بمقتضى وعده وعدله وحكمته؛ وهو أنه تعالى لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل قال تعالى: ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥]. وقال تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١]. وقال تعالى: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥]. وإذا كان مرادكم بوجوب بعثة الرسل من هذا الوجه؛ فنحن نوافقكم عليه. يقول ابن القيم: "إن تعذيب الله لمن يريد تعذيبه، لا يكون إلا بعد إرسال الرسل؛ أما قبل ذلك، فإنه لا يريد هلاكهم؛ لأنهم معذورون بغفلتهم وعدم بلوغ الرسالة إليهم. قال تعالى: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١] ... " (٨).
ثم إن هذا الواجب من باب التفضل لأن الله تعالى تفضل به ولم يوجبه أحد عليه، ولا يلزم منه أن الله تعالى لو لم يفعله لأخل بما هو واجب عليه؛ وإلا انتفت مشيئة الله واختياره المطلق.
وإذاً فإرسال الرسل منة من الله وفضل، وليس من قبيل الواجب الذي أوجبه الغير عليه بحيث لو لم يفعله لأخل بما هو واجب عليه.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٠٤
стр. 1526
الفصل الرابع: الأصل الثالث الوعد والوعيد
• المبحث الأول: رأي المعتزلة في الوعد.
• المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوعيد.
• المبحث الثالث: حقيقة الشفاعة ورأي المعتزلة فيها.
• المبحث الرابع: الإحباط والتكفير عند المعتزلة ومناقشتهم.
стр. 1527
المبحث الأول: رأي المعتزلة في الوعد
• المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الوعد مع المناقشة.
стр. 1528
المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الوعد مع المناقشة
لقد أيد المعتزلة رأيهم في الوعد بشبهات، منها ما يلي:
الشبهة الأولى:
قال تعالى: ... وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١٠٠].
وجه الدلالة: يقول الزمخشري: ""فقد وقع أجره على الله" فقد وجب ثوابه عليه؛ إذ أن حقيقة الوجوب: هو الوقوع والسقوط. قال تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ... الآية [الحج: ٣٦]. أي: سقطت، ويقال: وجبت الشمس: سقط قرصها .. والمعنى: فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه" (١).
ويقول الرازي: "قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله؛ لأنه تعالى قال: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ [النساء:١٠٠]. ثم قالوا: وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه.
الأول: أنه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي: الوقوع والسقوط. قال تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا .... الآية [الحج: ٣٦] أي: سقطت.
الثاني: ذكر لفظ الأجر والأجر: عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقاً، فذلك لا يسمى أجراً؛ بل هبة. الثالث: قوله عَلَى اللهِ وكلمة "على" للوجوب. قال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ... الآية [آل عمران: ٩٧] (٢).
المناقشة: إنا لا ننازع في دلالة الآية على الوجوب، لكن بحكم الوعد والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق (٣). وذلك لما يلي:
١ - أن الإنعام يوجب على المنعم عليه الاشتغال بالشكر والخدمة، ونعم الله تعالى على عباده لا تحصى، كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا ... الآية [إبراهيم: ٣٤]. وإذا كان كذلك؛ فتلك النعم السالفة توجب على العبد الاشتغال بالطاعة والشكر، وأداء الواجب لا يكون سبباً لاستحقاق شيء آخر، فوجب أن لا يكون اشتغال العبد بالطاعة علة لاستحقاق الثواب على الله.٢ - لو كان العمل علة لوجوب الثواب لكان إما أن يمتنع من الله تعالى أن لا يثيب، أو يصح. فإن امتنع أن لا يثيب؛ فحينئذ يكون الصانع علة موجبة لذلك الثواب لا فاعلاً مختاراً. وإن صح: فبتقدير أن لا يثيب: إن لم يصر مستحقاً للذم لم يتحقق معنى الوجوب، وإن صار مستحقاً للذم لزم أن يكون ناقصاً لذاته مستكملاً بذلك الفعل الذي يفعله، وذلك محال (٤).
стр. 1529
٣ - أن العبد لا يدخل الجنة بعمله، وإنما يدخلها بفضل الله ورحمته بسبب عمله. قال تعالى: الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ ... الآية [فاطر: ٣٥].وعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: (( ... سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) (١).فإذا كان العبد لا يدخله الجنة عمله لم يستحق بعمله على الله شيئاً. ثم إن كون العبد لا يستحق بعمله على الله شيئاً لا يتنافى مع الحق الذي أوجبه الله على نفسه. قال ﷺ : ((يا معاذ بن جبل: ... هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ... ثم قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: أن لا يعذبهم)) (٢). لأن هذا الحق أوجبه الباري على نفسه ولم يوجبه العبد عليه بعمله.
إضافة إلى ما ذكرنا؛ فإن الوجوب على الله بمعنى: أن يوجب أحد عليه شيئاً باطل، وقد سبق أن بينا وجه بطلانه في موضع سابق. وإذاً فإذا كان المراد بالوجوب في الآية بحكم ما أوجبه الغير عليه، فهذا باطل؛ إذ لا سلطان فوق سلطانه تعالى، وإن كان بحكم ما أوجبه على نفسه، فهذا حق وله تعالى أن يوجب على نفسه ما يشاء (٣)، وإذا أرادوا هذا الوجه من الوجوب سقط استدلالهم بالآية، والله أعلم.
الشبهة الثانية: يقول القاضي عبدالجبار: "اعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة، فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله؛ بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حداً لا يجوز الابتداء بمثله، ولا التفضل به ... وإنما قلنا: إن هذا هكذا؛ لأنه لو لم يكن في مقابلة هذه الأفعال الشاقة ما ذكرناه، كان يكون القديم تعالى ظالماً ... " (٤).
المناقشة:
أولاً: هذه الشبهة تنبني على أن الإنسان إنما يدخل الجنة مستحقاً بعمله، وقد بينا في الرد على الشبهة الأولى بطلان هذا القول؛ وهو أن الإنسان لا يستوجب بعلمه على الله شيئا. وإذا لم يستوجب بعمله على الله شيئاً لم يتصور ظلم من الله لعبده عندما لا يثيبه على عمله؛ لأن الظلم لا يكون إلا في منع واجب مستحق للغير، والله لا يستحق عبده عليه شيئاً.
وكونه أوجب على نفسه ثواباً لعبده لا يتعارض مع هذا، لأنه لو منع ما أوجب لم يعد ظالماً كما لو أوجب إنسان لإنسان آخر مبلغاً من المال ثم بدا له أن لا يعطيه إياه، لم يعتبر عدم إعطائه إياه ظلماً، فكذلك الأمر بالنسبة لله تعالى. ثانيا: أن التكليف تصرف في عبيده ومماليكه، والمالك إذا لم يعط مملوكه أجراً مقابل خدمته لم يعد ظالماً؛ فكذلك الأمر بالنسبة لله تعالى فإن له المشيئة المطلقة إن شاء أثابهم بمقتضى فضله ورحمته، وإن شاء عاقبهم بمقتضى عدله ولا يمنعه من ذلك مانع، ولا يقدح في إلهيته (٥).
وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢١٣
стр. 1530
المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوعيد
• المطلب الأول: شبهات المعتزلة التي أيدوا بها رأيهم في الوعيد مع المناقشة:.
стр. 1531
المطلب الأول: شبهات المعتزلة التي أيدوا بها رأيهم في الوعيد مع المناقشة:
لقد أيد المعتزلة رأيهم في الوعيد بشبهات نقلية وعقلية، وسنعرض - إن شاء الله - ما تيسر منها، مع المناقشة.
الشبهة الأولى:
بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٨١].
وجه الدلالة: يقول القاضي: "دلت الآية على أن من غلبت كبائره على طاعاته - لأن هذا هو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا؛ إذ أن ما سواه من الإحاطة التي تستعمل في الأجسام مستحيل فيها - هو من أهل النار مخلد فيها" (١).
المناقشة: يقول ابن كثير: الآية رد على بني إسرائيل الذين زعموا أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة بأن الأمر ليس كما زعموا؛ بل إن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهو من أهل النار. قال ابن عباس: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ... الآية [البقرة: ٨١] أي: عمل مثل عملكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة" (٢).ويقول القرطبي: "السيئة: الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء: وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ... الآية [النمل: ٩٠] ... " (٣).ومما يؤيد قول القرطبي: في أن المراد بالسيئة هنا: الشرك قوله تعالى: ... وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ .... الآية [البقرة: ٨١]، أي: أحاطت بعاملها فلم تدع له منفذاً، وهذا لا يكون إلا في الشرك، فإن من معه من الإيمان شيء لا تحيط به خطيئته (٤).
وعلى هذا: فلا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة في النار؛ لأن الإحاطة - كما ذكرنا - إنما تصح في شأن الكافر؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه، فلم تحط به خطيئته، لكون قلبه ولسانه منزهاً عن الخطيئة. وبهذا يظهر بطلان استدلال المعتزلة بالآية. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف: ٧٤].
стр. 1532
وجه الاستدلال: يقول القاضي عبدالجبار: "إن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعاً، فيجب أن يكونا مرادين بالآية معنيين بالنار؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على أنه أرادهما جميعاً. ثم قال: والكلام في أن اسم المجرم يتناول الكافر والفاسق جميعاً ظاهر في اللغة والشرع جميعاً. أما من جهة اللغة؛ فلأنهم لا يفرقون بين قولهم: مذنب، وبين قولهم مجرم، فكما أن المذنب شامل لهما جميعاً، فكذلك المجرم. وأما من جهة الشرع: فلأن أهل الشرع لا يفرقون بين قولهم مجرم لزناه، وبين قولهم: فاسق لزناه ... " (١).ويقول في موضع آخر - بعد سياق هذه الآية -: "الآية تدل على أن الوعيد بالخلود لأنه لم يخص مجرماً من مجرم، وبين أنهم خالدون في النار، والخلود هو الدوام الذي لا انقطاع له" (٢).أولاً: المقصود بالمجرمين هنا: الكافرين: يقول ابن جرير - عند تفسير هذه الآية-: " ... إِنَّ الْمُجْرِمِينَ وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر بالله .. " (٣). ويؤيد كونها في الكافر: ما ذكره الرازي في معرض الرد على استدلال المعتزلة بهذه الآية حيث قال: "إن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن المراد بالمجرمين الكافرين. أما ما قبل هذه الآية: فقوله تعالى: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف: ٦٨ - ٦٩]. فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين، فإنهم يدخلون تحت قوله تعالى: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨]. والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلا تحت ذلك الوعد ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد. وأما ما بعد هذه الآية، فقوله تعالى: لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٨]. والمراد بالحق ههنا؛ إما الإسلام؛ وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام، ولا القرآن ... " (٤) فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن المراد من المجرمين: الكفار. والكافر ليس محل نزاع في أنه من أهل النار مخلداً فيها؛ وبذلك يبطل استدلالهم بالآية على خلود صاحب الكبيرة في النار.
ثانياً: على التسليم بعموم الآية، وأنها ليست خاصة بالكفار، فإنها مخصصة بنصوص العفو والتوبة، والنصوص الدالة على خروج الموحدين من النار، كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥]. وكقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].وروي عنه ﷺ أنه قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة .. ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ... الحديث)) (٥).
стр. 1533
ومعارضة بنصوص الوعد، كقوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧]. وكقوله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأنعام: ١٦٠].وترجيح عمومات الوعد أولى؛ لأنها أدخل في باب الكرم من عمومات الوعيد. ولأنه اشتهر أن رحمة الله سابقة على غضبه، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى (١).
وبهذا يتبين بطلان استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثالثة:
قال تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار: ١٤ - ١٦].
وجه الاستدلال: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن الفاجر وإن كان من أهل الصلاة فهو من أهل الوعيد ومن أهل النار، وأنه إذا لم يتب ومات على ذلك فهو في الجحيم لا يغيب عنها، وذلك يدل على الخلود؛ لأنهم إذا لم يغيبوا عنها ولا لحقهم موت وقتاً فليس إلا العذاب الدائم ... " (٢).
المناقشة: أولاً: المراد بالفجار: هم الكفار. يقول الطبري ﵀ عند تفسير هذه الآية: "المراد بالفجار: الذين كفروا بربهم ... " (٣).ويقول ابن الجوزي: "قوله تعالى: وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ يدل على تخليد الكفار ... " (٤).ومما يدل على أن المراد بالفجار: هم الكفار لا غيرهم قوله تعالى - في حق الكفار-: أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: ٤٢]. يقول الرازي: لا يخلو إما أن يكون المراد أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ وهم الفجرة. والأول: باطل؛ لأن كل كافر هو فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر الذي يكون من جنس الفجرة عبث. وإذا بطل هذا القسم، بقي القسم الثاني؛ وذلك يفيد الحصر، وهو أن الفجرة هم الكفرة فقط. وإذا دلت الآية على أن الفجرة هم الكفرة لا غيرهم؛ ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق (٥)؛ وعلى ذلك فليس في الآية دلالة على خلود صاحب الكبيرة في النار، لأنها في الكافر. والله أعلم.
ثانياً: لو سلمنا أن الفاجر يدخل تحته الكافر والمسلم، لكن قوله تعالى: وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [الانفطار: ١٦]. معناه: أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين، ونحن نقول بموجبه، فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون، وإذا كان كذلك؛ ثبت صدق قولنا وهو: أن الفجار بأسرهم لا يغيبون، ويكفي فيه ألا يغيب الكفار، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون.
وأيضاً: فإن الآية معارضة بالنصوص الدالة على العفو مثل قوله تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... [النساء: ٤٨] وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥]. والترجيح معنا؛ لأن دليلهم لابد أن يتناول جميع الفجار في جميع الأوقات؛ وإلا لم يحصل مقصودهم، فهو عام.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: ١٠].
стр. 1534
وجه الاستدلال: يقول القاضي عبدالجبار: "الآية تدل على أن الفاسق من أهل الصلاة متوعد بالنار، وأنه سيصلاها لا محالة ما لم يتب، لأن الذي يأكل أموال اليتامى ليس هو الكافر فلا يصح حمله عليه، ويجب كونه عاماً في كل من هذا حاله، والأغلب ممن يوصف بذلك أن يكون من أهل الصلاة وأقل أحواله أن يدخل الجميع فيه، فيجب أن يقال بعمومه ... " (١).
المناقشة: لقد رد القرطبي استدلال المعتزلة بهذه الآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار فقال - عند تفسير هذه الآية -: "ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب، والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت، بخلاف أهل الشقاء؛ فإنهم لا يموتون ولا يحيون. لما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال ﷺ : (( ... أما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماته حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)) (٢).ساقط بالمشيئة عن بعضهم لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. فالآية تدل على أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده ... " (٣).
من رد القرطبي يتبين أن صاحب الكبيرة إما أن يعذب مدة ثم يخرج من النار ويدخل الجنة كما يدل الحديث، أو يعفى عنه بمشيئة الله، كما تدل الآية. وعلى ذلك فإنه لا يخلد في كلام الحالتين. وبهذا يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الخامسة:
قال تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣].يقول القاضي عبدالجبار: "ووجه الاستدلال هو أنه تعالى بين أن من قتل مؤمناً عمداً جازاه الله جهنم خالداً فيها وعاقبه وغضب عليه ولعنه ... وفي ذلك ما قلناه" (٤).
ويقول في موضع آخر: "وقوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا ... الآية [النساء: ٩٣]، يدل على أن قتل المؤمن على وجه التعمد يستحق به الخلود في النار ... إلى أن قال: ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر إذا قتل متعمداً من وجهين:
الأول: أنه عام؛ لأن لفظة "من" إذا وقعت في المجازاة كانت شائعة في كل عاقل. الثاني: أنه تعالى جعل ذلك جزاء لهذا الفعل المخصوص، ولا يعتبر بحال الفاعلين، بل يجب متى وقع من أي فاعل كان أن يكون هذا الجزاء لازماً له ... " (٥).
стр. 1535
المناقشة: أولاً: أن الخلود في الآية لمستحل القتل، وهو كافر إجماعاً، والكافر مخلد. يقول الطبري - عند تفسير هذه الآية -: " ... قوله متعمداً ... أي مستحلاً قتله" (١).ويقول القرطبي - حاكياً ما روي عن ابن عباس في معنى قوله متعمداً -: "أنه قال متعمداً أي مستحلاً لقتله، فهذا يؤول إلى الكفر إجماعاً والكافر مخلد ... " (٢).ويقول أبو السعود - بعد عرضه للآية: " ... ولا دليل في الآية للمعتزلة في قولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار لما قيل أنها في حق المستحل كما هو رأي عكرمة وأضرابه، بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد ... " (٣).
وعلى هذا: فالآية لا تتناول صاحب الكبيرة، لأنها في الكافر، وصاحب الكبيرة لم يخرج من الإيمان إلى الكفر.
ثانياً: الجزاء في الآية ليس المقصود به وقوعه، وإنما الأخبار به. يقول الطبري: "وقوله تعالى: فَجَزَآؤُهُ أي: يستحق ما ذكره الله من العقاب إن شاء أن يجازيه" (٤). وقال أبو السعود بمثل هذا ... واستدل بما روي عن ابن عباس عند تفسير هذه الآية حيث قال: " فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ... الآية أي: هي جزاؤه، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" ... (٥) ثم قال: "والتحقيق أن ما ورد في الآية إنما هو إخبار منه تعالى بأن جزاؤه ذلك، لا بأنه يجزيه بذلك، كيف لا؟! وقد قال تعالى: وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ... الآية [الشورى: ٤٠]. ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله تعالى: ... وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ .... الآية [المائدة: ١٥] ... " (٦).وإذا كان الجزاء في الآية ليس المقصود، وإنما الإخبار به، بطل قولهم: "أنه تعالى جعل ذلك جزاء لهذا الفعل المخصوص، فمتى وقع الفعل، وقع الجزاء" (٧).
стр. 1536
ثالثاً: على التسليم بأن الآية ليست خاصة في الكافر، والجزاء فيها المقصود به وقوعه، فإنها مخصصة بالنصوص الدالة على العفو بمشيئته تعالى، والتوبة، وأحاديث الشفاعة الدالة على خروج الموحدين من النار. يقول القرطبي: "الآية مخصوصة بآيات وأحاديث، فمن الآيات، قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... الآية [هود: ١١٤]. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: ٢٥]. وقوله تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. وتوضيح ذلك؛ أنه ليس الأخذ بظاهر هذه الآية أولى من الأخذ بظاهر هذه الآيات، والأخذ بالظاهرين متناقض، فلابد من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية الفرقان، وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وبين هذه الآية ممكن، فلا نسخ ولا تعارض؛ وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب. وأما الأخبار المخصصة لعموم الآية فكثيرة منها: حديث عبادة بن الصامت، أنه ﷺ : قال: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه)) (١).وكحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الرجل الذي قتل مائة نفس .... (٢). ثم أنهم - المعتزلة - أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل، ويأتي السلطان فيقيم عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير نافذ عليه الوعيد في الآخرة إجماعاً على مقتضى حديث عبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا ... الآية [النساء: ٩٣]. ودخله التخصيص بما ذكر". انتهى كلام القرطبي بتصرف.
من كلام القرطبي؛ يظهر أن الآية مخصوصة بالنصوص الدالة على العفو والتوبة؛ وعليه فيبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار. والله أعلم.
стр. 1537
الشبهة السادسة: يروي عبدالرحمن الإيجي أن المعتزلة قالوا: "إن الله أوعد بالعقاب وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره، وهو محال" (١).يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن الله توعد العصاة بالعقاب ... وأنه يفعل ما توعد عليه، ولا يجوز عليه الخلف والكذب" (٢).ويستدل (٣) على عدم جواز الخلف في الوعيد بقوله تعالى: قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٨ - ٢٩]. ثم يقول: "الآية تدل على أن الوعيد الوارد عن الله تعالى لا يتبدل ولا يتغير ... وأنه لا يجوز فيه الخلف، لأن ذلك يقتضي التبديل، وقد أبى الله تعالى ذلك في وعيده ... " (٤). كما يستدل القاضي - أيضاً - على عدم جواز الخلف في الوعيد "بأنه لو جاز الخلف في الوعد، لأن الطريقة في الموضعين واحدة" (٥).
المناقشة:
يقال لهم: الوعيد إما أن يتوج للكافر والمشرك أو العاصي؛ فأما الوعيد الذي توعد الله به الكافرين: فإنهم سينالونه حتماً إذا ماتوا على كفرهم، كما دل على ذلك القرآن الكريم من مثل قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ... الآية [النساء: ٤٨].
وأما الوعيد الذي توعد الله به العصاة: فإما أن يتوبوا أو لا. إن تابوا تاب الله عليهم وغفر لهم؛ وبذلك يسقط الوعي عنهم، كما قال تعالى: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ... الآية [الفرقان: ٧٠].أما إذا مات العاصي وهو لم يتب؛ فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه على قدر ذنبه بمقتضى عدله ثم أدخله الجنة، فلا يخلد في النار؛ بدليل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ... الحديث)) (٦).
ففي هذا الحديث دلالة على أن من معه إيمان لا يبقى في النار خالداً؛ بل يخرج منها، وصاحب الكبيرة معه إيمان. وإن شاء عفى عنه بمقتضى عفوه ورحمته (٧)، قال تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. ففي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى يمكن أن يخلف وعيده في حق الموحد العاصي الذي مات وهو مرتكب للكبائر من غير توبة. ومثل هذه الآية حديث عبادة بن الصامت: "أن رسول الله ﷺ قال - وحوله عصابة من أصحابه-: ((بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ... إلى أن قال: ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ... الحديث)) (٨).يقول المازني: "وفي الحديث رد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن النبي ﷺ أخبر أنه تحت المشيئة ولم يقل: لابد من تعذيبه" (٩).
стр. 1538
من كلام المازني؛ يظهر أن الحديث كالآية يدل على أن الوعيد المتوجه إلى العصاة ليس بحتمي؛ بل قد يخلقه الله؛ بأن يغفر لهم. ثم إن خلف الوعيد لا يعتبر كذباً ولا قبيحاً، بدليل المناظرة التي جرت بين أبي عمرو بن العلاء، وعمرو بن عبيد؛ حيث قال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو: لا يخلف الله وعيده، وقد قال : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا ... الآية [النساء: ٩٣]. فقال له أبو عمرو: ويحك يا أبا عثمان من العجمة أتيت!؛ إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذماً، بل جوداً وكرماً. فقال عمرو بن عبيد: فأوجدني هذا. فقال: نعم. أما سمعت قول الشاعر:
وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلفُ إيعادي ومنجز موعدي (١)
لما يلي:-
أولاً: أن الوعيد مشروط بشرائط مثل عدم العفو، فلا يلزم منه الكذب، فمحصل آيات الوعيد أنا نعذبهم إن لم نعف عنهم، ولكن عفونا عنهم، فما نعذبهم، وليس في هذا خلف وعيد حتى يلزم منه الكذب. ثانيا: أن معنى آيات الوعيد: إنشاء الوعيد؛ لا إخبار به، فهي لا تتصف بالصدق والكذب، لأنهما من صفات الخبر دون الإنشاء، فلا يلزم الكذب في إخلاف الوعيد (٢).
وأما الاستدلال القاضي ومن معه بقوله تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]. على أن الله لا يخلف وعيده. فالجواب: إن الآية تدل على أن الله لا يخلف وعيده في الكافر؛ بدليل الآيات التي قبلها. وبدليل النصوص الدالة على أن الله قد يغفر لمن يشاء من العصاة. قال تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. وذلك جمعاً بين الآيات. وأما قولهم: " ... أنه لو جاز الخلف في الوعيد؛ لجاز في الوعد ... " (٣). فقول فاسد؛ لأن الخلف في الوعد بخل ولؤم، والله أكرم الأكرمين، والخلف في الوعيد كرم وجود، وهو من صفاته جل وعلا (٤).
وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة السابعة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... العاصي لا يخلو حاله من أحد أمرين؛ إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه. فإن لم يعف عنه؛ فقد بقي في النار خالداً، وهو الذي نقوله. وإن عفي عنه، فلا يخلو؛ إما أن يدخل الجنة أو لا. فإن لم يدخل الجنة لم يصح، لأنه لا دار بين الجنة والنار، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو: إما أن يدخلها مثاباً أو متفضلاً عليه، لا يجوز أن يدخل الجنة متفضلاً عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلابد من أن يكون حاله متميزاً عن حال الولدان المخلدين، وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الجنة مثاباً، لأنه غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح ... لذا يجب أن يكون معاقباً على ما نقوله" (٥).
стр. 1539
المناقشة: هذه الشبهة باطلة، ولا تدل على تخليد الفاسق في النار، وبيان ذلك: أن الفاسق في حال العفو عنه يدخل الجنة تفضلاً من الله ، بدليل قوله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر: ٣٥] ولما روي في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : ((لن ينجي أحداً منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمته)). (١) ففي هذه الآية والحديث: دلالة على أن الله يدخل من شاء من عباده الجنة بفضله ، وعليه فإنه يبطل قولكم " ... ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلاً عليه ... " (٢).
وإذاً فالفاسق في حالة العفو عنه يدخل الجنة بفضل الله ورحمته.
أما في حال عدم العفو عنه: فإن الله يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار؛ بدليل قوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧]، واحتمال رؤية العامل مثقال ذرة من خير ما عمله قبل دخوله النار، أي: بأن يدخل الجنة جزاء لما عمله من الخير ثم يخرج منها ويدخل النار عقاباً لما عمله من الشر يبطله قوله تعالى في شأن أهل الجنة: لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨]. فلم يبق لرؤيته موضع إلا بعد الخروج من النار. ومما يدل على أن استيفاء الأجر بالنسبة لمن يدخل النار لا يكون إلا بعد الخروج منها ما في البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل وإيمان ... الحديث)) (٣). ففي هذا الحديث دلالة على أن من عمل خيراً يخرجه الله بعد دخوله النار، لأجل ما عمله من خير، والعاصي معه إيمان وخير كثير بدليل قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ... الآية [الحجرات: ٩]. فقد سمى الله الطائفتين المتقاتلتين مؤمنتين؛ مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان. فعلى هذا: فإن الله يعذب العاصي في النار لأجل معصيته، ثم يخرجه إلى الجنة لأجل ما عمله من خير، وأهل الجنة لا يخرجون منها بدلالة الآية: ... وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨] (٤). وعليه: فإنه يبطل قولكم "إن الفاسق في حال عدم العفو عنه يخلد في النار" (٥).
وعليه فتبطل هذه الشبهة.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢١٩
стр. 1540
المبحث الثالث: حقيقة الشفاعة ورأي المعتزلة فيها
• المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الشفاعة مع المناقشة.
стр. 1541
المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الشفاعة مع المناقشة
لقد أيد المعتزلة رأيهم في الشفاعة بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:
أولاً: الشبهات النقلية:
الشبهة الأولى:
قال تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: ٤٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: "الآية تدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي ﷺ له، ولا ينصره؛ لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب، وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضاً، ولو كان النبي ﷺ يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى، فكان لا يصح أن يقول تعالى: ... لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية، ولما صح أن يقول: .... وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية. وقد قبلت شفاعته ﷺ فيهم. ولما صح أن يقول: ... وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ... ؛ لأن قبول الشفاعة وإسقاط العقاب ... أعظم من كل فداء يسقط به ما قد استحقوه من المضرة، بل كان يجب أن تكون الشفاعة فداء لهم عما قد استحقوه .. ولما صح أن يقول: ... وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ، وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة. فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه" (١).
المناقشة:
إن استدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر باطل؛ وذلك لأن الشفاعة المنفية في الآية الشفاعة للكافرين، ويدل على ذلك ما يلي:
أولاً: إجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية. النفس الكافرة، لا كل نفس، فهي من العام الذي أريد به الخاص. يقول القرطبي: "أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية. النفس الكافرة، لا كل نفس ... " (٢).ويقول الطبري: "قوله تعالى: وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ .. الآية إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله " (٣).ويقول ابن الجوزي: "قوله تعالى: ... لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية قالوا: المراد بالنفس ههنا: النفس الكافرة، لا كل نفس؛ فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص ... " (٤).ويقول ابن كثير: "قوله تعالى: ... وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية يعني من الكافرين، كما قال تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]. وقوله تعالى: ... وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ... الآية [البقرة: ٤٨] أي: فدية كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ... الآية [آل عمران: ٩١]. ثم قال: فقد أخبر الله تعالى أنهم لما لم يؤمنوا برسوله ﷺ ويتابعون على ما بعثه الله به ووافوا الله يوم القيامة فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة شافع، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ... " (٥).
стр. 1542
فإذا كان المراد بالنفس في الآية النفس الكافرة، فالشفاعة المنفية في الآية الشفاعة للكفار، لا للعصاة؛ وإذاً فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر. ثانياً: تظاهر الأخبار عن الرسول ﷺ أنه قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (١). وأنه ﷺ قال: ((ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة - إن شاء الله - منهم من لم يشرك بالله شيئا)) (٢).وإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر؛ فلابد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية؛ إنما هي الشفاعة للكفار جمعاً بين الآية والحديث (٣).ثالثا: ويؤيد أن الآية في الكافرين - أيضاً - أن الخطاب فيها مع قوم كافرين، وهم اليهود الذين كانوا يعتقدون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، فنزلت هذه الآية لرد هذا الاعتقاد، وبيان أنه لا ينفعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماماً لكل من كان على مثل منهاجهم؛ لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمته (٤).
وإذاً فالشفاعة المنفية في الآية: إنما هي الشفاعة للكافرين لما ذكرت من إجماع المفسرين على أن الآية خاصة بالكافر، ولأن الخطاب فيها مع قوم كافرين، وهي سنة لمن سلك نهجهم، ولتظاهر النصوص المثبتة للشفاعة لأهل الكبائر. وعليه فيبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: ... مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: "إن الله تعالى بين في هذه الآية أن الظالم لا يشفع له النبي ﷺ ، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل لهم مزية في التفضل وزيادة في الدرجات مع ما يحصل له ﷺ من التعظيم والإكرام" (٥).
المناقشة:
стр. 1543
يقال لهم: أولاً: المراد بالظالمين في الآية: الكاملون في الظلم؛ وهم الكافرون (١)، لقوله تعالى: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. يقول ابن الجوزي: " مَا لِلظَّالِمِينَ يعني الكافرين" (٢). وقد قال بمثل هذا القول كل من ابن جرير (٣)، وابن جزي الكلبي (٤).كذلك قال الباقلاني بمثل ما قال به (٥) ابن الجوزي، واستدل بالآية: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. ثم قال: ( .... ولهذا نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ... الآية [الأنعام: ٨٢]. حزن الصحابة ﵃ حتى قالوا: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال ﷺ : ((ليس هو كما تظنون، إنما هو من قول لقمان لابنه ... يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣])) (٦). فدل أن لا شفاعة تنفع الكافر والمؤمن بخلاف ذلك، وإن كانت له سيئات ... " (٧). انتهى كلام الباقلاني بتصرف.
من هذا العرض يظهر لنا أن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، فعلى ذلك فالشفاعة المنفية هنا إنما هي منفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، فيبطل الاستدلال بالآية. والله أعلم.
ثانياً: أن لفظ الظالمين؛ إما أن يفيد الاستغراق، وإما ألا يفيد. فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم، ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع، لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع؛ فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع. وإن لم يفد الاستغراق؛ كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع، وهم الكافرون؛ وإذاً فعلى كلا الاحتمالين فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة لأصحاب الكبائر (٨).ثالثا: أن الله تعالى نفى في الآية شفيعاً يطاع، وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت: ما عندي كتاب يباع، لا يلزم منه نفي الكتاب. ثم إن الآية تدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله تعالى؛ لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال: إن الله يطيعه (٩). وإذا فنفي الشفيع المطاع لا يقتضي نفي الشفاعة، وعليه فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر؛ وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثالثة:
قال تعالى: ... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ... الآية [الأنبياء: ٢٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها" (١٠).
стр. 1544
المناقشة: يقال لهم: إن معنى الآية: ولا يشفعون إلا لمن رضي الله أن يشفعوا له وأذن فيه (١)، ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون. يقول ابن عباس والضحاك: إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى أي: لمن قال: لا إله إلا الله (٢). ويدل على أن الآية في الموحدين قوله تعالى: لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٨٧]. يقول المفسرون: إلا من قال لا إله إلا الله.
فإن قالوا: المرتضى: هو التائب الذي اتخذ عنه الله عهداً بالإنابة إليه؛ بدليل أن الملائكة استغفروا لهم. قال تعالى: ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. وكذا شفاعة الأنبياء ﵈ إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر. قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة، فإذا قبل الله توبة المذنب، فلا يحتاج إلى الشفاعة، ولا إلى الاستغفار. وأيضاً: فقد أجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله تعالى: ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا ... الآية من الشرك ... وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ... الآية [غافر: ٧] سبيل المؤمنين سألوا الله أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم، كما قال تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨].
وعلى ذلك؛ فالآية ليس فيها نفي للشفاعة، وإنما حصر لها الموحدين، وصاحب الكبيرة مما سوى الشرك موحد، وعليه فيبطل استدلالكم بالآية. والله أعلم.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ [الزمر: ١٩].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن من أخبر الله تعالى أنه يعذبه لا يخرج من النار، فإذا صح أنه أخبر بذلك في الفجار والفساق، فيجب ذلك فيهم ... ويدل أيضاً: على أنه ﷺ لا يشفع لهم؛ لأنه لو شفع لهم لوجب أن يكون منقذاَ من النار، وقد نفى الله تعالى عنه ذلك" (٣).
المناقشة: يقال لهم: إن الآية في أهل الكفر والضلال، وليست في أهل التوحيد والإيمان. يقول الطبري: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ... الآية [الزمر:١٩]. أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره ... " (٤). وكلمة العذاب: هي قوله تعالى لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥].فإذا كانت الآية في الكافر، فلا دلالة فيها على نفي الشفاعة عن صاحب الكبيرة، لأنه ليس ممن حقت عليه كلمة العذاب، وكيف يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب مع قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. وقوله تعالى: ... إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]. وقوله ﷺ : ((من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥)(٦). وغيرها من النصوص الدالة على الوعد بالمغفرة لمن مات لا يشرك بالله شيئاً.
وصاحب الكبيرة ليس بمشرك. فإذاً فالآية ليست في صاحب الكبيرة، وعليه فيبطل الاستدلال بها على نفي الشفاعة لصاحب الكبيرة.
стр. 1545
وعلى التسليم بأن هذه الآية في أهل الكبائر، فإن الرسول ﷺ لا ينقذ أحداً بنفسه، وبدون مشيئة الله وإذنه؛ بل لا يشفع إلا لمن ارتضى الله وأذن بالشفاعة له، وصاحب الكبيرة ممن ارتضى الله أن يشفع له؛ لأنه موحد كما بينا في مقام سابق. والله أعلم.
ثانياً: الشبهات العقلية:
من الشبهات العقلية التي تمسك بها المعتزلة في إنكار الشفاعة لأهل الكبائر ما يلي:
الشبهة الأولى: يقول القاضي عبدالجبار: "لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تستحق على طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول ﷺ والحال ما تقدم؟! " (١).
المناقشة:
هذه الشبهة باطلة لما يلي: أولاً: أن الأدلة الدالة على دوام العقوبة عامة، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصة، والخاص مقدم على العام، فوجب القطع بأن النصوص الدالة على الشفاعة مقدمة على العمومات الدالة على دوام العقوبة (٢)، وبهذا يزول الإشكال وتبطل هذه الشبهة.
ثانياً: هذه الشبهة تنبني على القول بتخليد الفاسق في النار، وقد سبق عرض شيء من الشبهات الواردة حول هذا عند الكلام على رأي المعتزلة في الوعيد، وإبطالها، فإذا بطل الأصل بطل الفرع، والله أعلم.
الشبهة الثانية: يقول الرازي: "واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه ... إلى أن قال: وسابعها: أن الأمة مجمعة على أن ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته ﵇، ويقولون في جملة أدعيتهم: "واجعلنا من أهل شفاعته" فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر؛ لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر" (٣).ويقول القاضي عبدالجبار: " ... أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق، وذلك خلف" (٤).
المناقشة: يقول القرطبي - في معرض الرد على هذه الشبهة -: "إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ﷺ ، ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب، ولا قائم بكل ما افترض الله عليه، بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة. قال ﷺ : ((سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) (٥)(٦).ويقول الرازي: "أما قول المسلمين: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد ﷺ فالجواب عنه: إن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب، وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق، ودفع المضار المستحقة على المعاصي؛ وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً، فاندفع السؤال" (٧).
من رد القرطبي والرازي، يظهر ما يلي:-
أولاً: أن طلب المسلمين الشفاعة لاعتقادهم عدم السلام من الذنوب.
ثانياً: أنه لا يزم من طلب المسلم الشفاعة الدعاء بالختم للإنسان مصراً على الكبائر؛ لأن تأثير الشفاعة إنما هو في جلب أمر مطلوب، وهو القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي، وبهذا يزول الإشكال، وتبطل الشبهة.