المطلب الأول: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة التي يؤيدون بها رأيهم في الشفاعة مع المناقشة
لقد أيد المعتزلة رأيهم في الشفاعة بشبهات نقلية وعقلية، منها ما يلي:
أولاً: الشبهات النقلية:
الشبهة الأولى:
قال تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: ٤٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: "الآية تدل على أن من استحق العقاب لا يشفع النبي ﷺ له، ولا ينصره؛ لأن الآية وردت في صفة اليوم ولا تخصيص فيها، فلا يمكن صرفها إلى الكفار دون أهل الثواب، وهي واردة فيمن يستحق العذاب في ذلك اليوم، لأن هذا الخطاب لا يليق إلا بهم، فليس لأحد أن يطعن على ما قلناه بأن يمنع الشفاعة للمؤمنين أيضاً، ولو كان النبي ﷺ يشفع لهم لكان قد أغنى عنهم وأجزى، فكان لا يصح أن يقول تعالى: ... لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية، ولما صح أن يقول: .... وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية. وقد قبلت شفاعته ﷺ فيهم. ولما صح أن يقول: ... وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ... ؛ لأن قبول الشفاعة وإسقاط العقاب ... أعظم من كل فداء يسقط به ما قد استحقوه من المضرة، بل كان يجب أن تكون الشفاعة فداء لهم عما قد استحقوه .. ولما صح أن يقول: ... وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ، وأعظم النصرة تخليصهم من العذاب الدائم بالشفاعة. فالآية دالة على ما نقوله من جميع هذه الوجوه" (١).
المناقشة:
إن استدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر باطل؛ وذلك لأن الشفاعة المنفية في الآية الشفاعة للكافرين، ويدل على ذلك ما يلي:
أولاً: إجماع المفسرين على أن المراد بالنفس في قوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية. النفس الكافرة، لا كل نفس، فهي من العام الذي أريد به الخاص. يقول القرطبي: "أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية. النفس الكافرة، لا كل نفس ... " (٢).ويقول الطبري: "قوله تعالى: وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ .. الآية إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله " (٣).ويقول ابن الجوزي: "قوله تعالى: ... لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... الآية قالوا: المراد بالنفس ههنا: النفس الكافرة، لا كل نفس؛ فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص ... " (٤).ويقول ابن كثير: "قوله تعالى: ... وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ... الآية يعني من الكافرين، كما قال تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]. وقوله تعالى: ... وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ... الآية [البقرة: ٤٨] أي: فدية كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ... الآية [آل عمران: ٩١]. ثم قال: فقد أخبر الله تعالى أنهم لما لم يؤمنوا برسوله ﷺ ويتابعون على ما بعثه الله به ووافوا الله يوم القيامة فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة شافع، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ... " (٥).
стр. 1542
فإذا كان المراد بالنفس في الآية النفس الكافرة، فالشفاعة المنفية في الآية الشفاعة للكفار، لا للعصاة؛ وإذاً فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر. ثانياً: تظاهر الأخبار عن الرسول ﷺ أنه قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (١). وأنه ﷺ قال: ((ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة - إن شاء الله - منهم من لم يشرك بالله شيئا)) (٢).وإذا ثبتت الشفاعة لأهل الكبائر؛ فلابد من أن تكون الشفاعة المنفية في الآية؛ إنما هي الشفاعة للكفار جمعاً بين الآية والحديث (٣).ثالثا: ويؤيد أن الآية في الكافرين - أيضاً - أن الخطاب فيها مع قوم كافرين، وهم اليهود الذين كانوا يعتقدون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، فنزلت هذه الآية لرد هذا الاعتقاد، وبيان أنه لا ينفعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماماً لكل من كان على مثل منهاجهم؛ لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمته (٤).
وإذاً فالشفاعة المنفية في الآية: إنما هي الشفاعة للكافرين لما ذكرت من إجماع المفسرين على أن الآية خاصة بالكافر، ولأن الخطاب فيها مع قوم كافرين، وهي سنة لمن سلك نهجهم، ولتظاهر النصوص المثبتة للشفاعة لأهل الكبائر. وعليه فيبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
قال تعالى: ... مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: "إن الله تعالى بين في هذه الآية أن الظالم لا يشفع له النبي ﷺ ، وأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين لتحصل لهم مزية في التفضل وزيادة في الدرجات مع ما يحصل له ﷺ من التعظيم والإكرام" (٥).
المناقشة:
стр. 1543
يقال لهم: أولاً: المراد بالظالمين في الآية: الكاملون في الظلم؛ وهم الكافرون (١)، لقوله تعالى: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. يقول ابن الجوزي: " مَا لِلظَّالِمِينَ يعني الكافرين" (٢). وقد قال بمثل هذا القول كل من ابن جرير (٣)، وابن جزي الكلبي (٤).كذلك قال الباقلاني بمثل ما قال به (٥) ابن الجوزي، واستدل بالآية: ... إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. ثم قال: ( .... ولهذا نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ... الآية [الأنعام: ٨٢]. حزن الصحابة ﵃ حتى قالوا: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال ﷺ : ((ليس هو كما تظنون، إنما هو من قول لقمان لابنه ... يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣])) (٦). فدل أن لا شفاعة تنفع الكافر والمؤمن بخلاف ذلك، وإن كانت له سيئات ... " (٧). انتهى كلام الباقلاني بتصرف.
من هذا العرض يظهر لنا أن المراد بالظالمين في الآية هم الكافرون، فعلى ذلك فالشفاعة المنفية هنا إنما هي منفية عن الكفار، وصاحب الكبيرة ليس بكافر، فيبطل الاستدلال بالآية. والله أعلم.
ثانياً: أن لفظ الظالمين؛ إما أن يفيد الاستغراق، وإما ألا يفيد. فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم، ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع، لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع؛ فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع. وإن لم يفد الاستغراق؛ كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع، وهم الكافرون؛ وإذاً فعلى كلا الاحتمالين فليس في الآية دلالة على نفي الشفاعة لأصحاب الكبائر (٨).ثالثا: أن الله تعالى نفى في الآية شفيعاً يطاع، وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت: ما عندي كتاب يباع، لا يلزم منه نفي الكتاب. ثم إن الآية تدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله تعالى؛ لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال: إن الله يطيعه (٩). وإذا فنفي الشفيع المطاع لا يقتضي نفي الشفاعة، وعليه فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر؛ وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثالثة:
قال تعالى: ... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ... الآية [الأنبياء: ٢٨].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن الشفاعة لا تكون إلا لمن كانت طرائقه مرضية، وأن الكافر والفاسق ليسا من أهلها" (١٠).
стр. 1544
المناقشة: يقال لهم: إن معنى الآية: ولا يشفعون إلا لمن رضي الله أن يشفعوا له وأذن فيه (١)، ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون. يقول ابن عباس والضحاك: إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى أي: لمن قال: لا إله إلا الله (٢). ويدل على أن الآية في الموحدين قوله تعالى: لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم: ٨٧]. يقول المفسرون: إلا من قال لا إله إلا الله.
فإن قالوا: المرتضى: هو التائب الذي اتخذ عنه الله عهداً بالإنابة إليه؛ بدليل أن الملائكة استغفروا لهم. قال تعالى: ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. وكذا شفاعة الأنبياء ﵈ إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر. قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة، فإذا قبل الله توبة المذنب، فلا يحتاج إلى الشفاعة، ولا إلى الاستغفار. وأيضاً: فقد أجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله تعالى: ... فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا ... الآية من الشرك ... وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ... الآية [غافر: ٧] سبيل المؤمنين سألوا الله أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم، كما قال تعالى: ... وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨].
وعلى ذلك؛ فالآية ليس فيها نفي للشفاعة، وإنما حصر لها الموحدين، وصاحب الكبيرة مما سوى الشرك موحد، وعليه فيبطل استدلالكم بالآية. والله أعلم.
الشبهة الرابعة:
قال تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ [الزمر: ١٩].
وجه الدلالة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... الآية تدل على أن من أخبر الله تعالى أنه يعذبه لا يخرج من النار، فإذا صح أنه أخبر بذلك في الفجار والفساق، فيجب ذلك فيهم ... ويدل أيضاً: على أنه ﷺ لا يشفع لهم؛ لأنه لو شفع لهم لوجب أن يكون منقذاَ من النار، وقد نفى الله تعالى عنه ذلك" (٣).
المناقشة: يقال لهم: إن الآية في أهل الكفر والضلال، وليست في أهل التوحيد والإيمان. يقول الطبري: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ... الآية [الزمر:١٩]. أفمن وجبت عليه كلمة العذاب في سابق علم ربك يا محمد بكفره ... " (٤). وكلمة العذاب: هي قوله تعالى لإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥].فإذا كانت الآية في الكافر، فلا دلالة فيها على نفي الشفاعة عن صاحب الكبيرة، لأنه ليس ممن حقت عليه كلمة العذاب، وكيف يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب مع قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. وقوله تعالى: ... إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]. وقوله ﷺ : ((من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار)) (٥)(٦). وغيرها من النصوص الدالة على الوعد بالمغفرة لمن مات لا يشرك بالله شيئاً.
وصاحب الكبيرة ليس بمشرك. فإذاً فالآية ليست في صاحب الكبيرة، وعليه فيبطل الاستدلال بها على نفي الشفاعة لصاحب الكبيرة.
стр. 1545
وعلى التسليم بأن هذه الآية في أهل الكبائر، فإن الرسول ﷺ لا ينقذ أحداً بنفسه، وبدون مشيئة الله وإذنه؛ بل لا يشفع إلا لمن ارتضى الله وأذن بالشفاعة له، وصاحب الكبيرة ممن ارتضى الله أن يشفع له؛ لأنه موحد كما بينا في مقام سابق. والله أعلم.
ثانياً: الشبهات العقلية:
من الشبهات العقلية التي تمسك بها المعتزلة في إنكار الشفاعة لأهل الكبائر ما يلي:
الشبهة الأولى: يقول القاضي عبدالجبار: "لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تستحق على طريق الدوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول ﷺ والحال ما تقدم؟! " (١).
المناقشة:
هذه الشبهة باطلة لما يلي: أولاً: أن الأدلة الدالة على دوام العقوبة عامة، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصة، والخاص مقدم على العام، فوجب القطع بأن النصوص الدالة على الشفاعة مقدمة على العمومات الدالة على دوام العقوبة (٢)، وبهذا يزول الإشكال وتبطل هذه الشبهة.
ثانياً: هذه الشبهة تنبني على القول بتخليد الفاسق في النار، وقد سبق عرض شيء من الشبهات الواردة حول هذا عند الكلام على رأي المعتزلة في الوعيد، وإبطالها، فإذا بطل الأصل بطل الفرع، والله أعلم.
الشبهة الثانية: يقول الرازي: "واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه ... إلى أن قال: وسابعها: أن الأمة مجمعة على أن ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته ﵇، ويقولون في جملة أدعيتهم: "واجعلنا من أهل شفاعته" فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر؛ لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر" (٣).ويقول القاضي عبدالجبار: " ... أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء دعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق، وذلك خلف" (٤).
المناقشة: يقول القرطبي - في معرض الرد على هذه الشبهة -: "إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ﷺ ، ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب، ولا قائم بكل ما افترض الله عليه، بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة. قال ﷺ : ((سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)) (٥)(٦).ويقول الرازي: "أما قول المسلمين: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد ﷺ فالجواب عنه: إن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب، وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق، ودفع المضار المستحقة على المعاصي؛ وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً، فاندفع السؤال" (٧).
من رد القرطبي والرازي، يظهر ما يلي:-
أولاً: أن طلب المسلمين الشفاعة لاعتقادهم عدم السلام من الذنوب.
ثانياً: أنه لا يزم من طلب المسلم الشفاعة الدعاء بالختم للإنسان مصراً على الكبائر؛ لأن تأثير الشفاعة إنما هو في جلب أمر مطلوب، وهو القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي، وبهذا يزول الإشكال، وتبطل الشبهة.
стр. 1546
الشبهة الثالثة: يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن الرسول ﷺ إذا شفع لصاحب الكبيرة، فإما أن يشفع أو لا. إن لم يشفع لم يجز؛ لأنه يقدح بإكرامه. وإن شفع فيه لم يجز أيضاً؛ لأنا قد دللنا على أن إثابة من لا يستحق الثواب قبيح، وأن المكلف لا يدخل الجنة تفضلاً" (١).
المناقشة:
قولكم: "وإن شفع فيه لم يجز ... " ينبني على أن المكلف لا يدخل الجنة بفضل الله ورحمته، وإنما يدخلها بعمله، وأنه متى عمل عملاً صالحاً وجب على الله إدخاله الجنة، وإذا لم يعمل لم يجز أن يدخله الله إياها، وهذا القول باطل لما يلي: أولاً: أما كون الإنسان لا يدخل الجنة بفضل الله ورحمته، فيبطله قوله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ ... الآية [فاطر: ٣٥]. وقوله ﷺ : ((لن ينجي أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)). (٢) فإذا دخول الإنسان الجنة بفضل الله ورحمته (٣)، وإنما العمل سبب في تفضل الله على عبده بإدخاله الجنة. وأما بطلان الوجوب على الله، فلاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئاً.
وإذا ثبت أن الإنسان يدخل الجنة بفضل الله ورحمته، وأنه سبحانه الفعال لما يريد، فلا يوجب عليه أحد شيئاً، فلا مانع أن يشفع الله نبيه في من شاء من عباده من أهل التوحيد المرتكبين للكبائر لتظاهر الأحاديث بثبوت الشفاعة لهم، كما بيناه في مقام سابق.
وإذا ثبت أن الله يشفع نبيه فيهم؛ بطل قولكم، "وإن لم يشفع فيه لم يجز ... " لأن الشفاعة قد ثبتت، فلا مكان لهذا الاحتمال. وعليه فتبطل شبهتكم هذه. والله أعلم.
الشبهة الرابعة: يقول القاضي عبدالجبار: "ما قولكم فيمن حلف ليفعل ما يستحق به الشفاعة؟ أليس يلزمه أن يرتكب الكبيرة ويصير من أهل الفسوق والعصيان" (٤).
المناقشة:
يقول الباقلاني: والجواب على هذه الشبهة من وجهين:
أحدهما: أنا نأمره بالتمسك والإيمان دون فعل الذنوب؛ لأن الشفاعة لا تنال بالذنوب، وإنما تنال بالإيمان دون الذنوب، وهذا مثل أن يشفعوا زيداً في ذنب صديقه في دار الدنيا إلى من ملك إسقاط ذلك، لا يقال: إنه نال ذلك بالذنب الذي أذنب، وإنما ناله بالصداقة المتقدمة لا نفس الذنب. ونأمره أيضاً بالطاعة حتى ينال بذلك شفاعة الرسول ﷺ في الزيادة له من البر والنعيم، ونحو ذلك.
الثاني: أنا نعارضكم بمثل قولكم، فنقول لكم ما تقولون فيمن سمع قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]. فحلف ليفعلن فعلاً يجب عليه فيه التوبة والاستغفار ... فإن قالوا: نأمره بالطاعة وفعل الخير، قلنا لهم: هذا لا يصح، لأن الإنسان لا يجب عليه التوبة والاستغفار من فعل الخير بإجماع المسلمين.
وإن قلتم: نأمره بفعل المعاصي والذنوب حتى تجب عليه التوبة والاستغفار، فيتوب ويستغفر حتى يتخلص من يمينه، فقد استحللتم ما حرم الله وأمرتم بما لا يجوز لمسلم أن يأمر به. وإن قلتم: لا نأمره بفعل المعصية، ولكن إن ابتلي بشيء من ذلك قلنا له: قد فعلت ما وجب به عليك التوبة والاستغفار وزوال حكم اليمين. قلنا لكم: نحن أيضاً نقول: لمن حلف ليفعلن فعلاً يجوز أن يشفع له فيما يستحق عليه من العقاب شفاعة الرسول ﷺ . نقول له: تمسك بالطاعة والإيمان، فإن ابتليت بشيء من المعاصي، فقد خرجت من اليمين، ويجوز أن يشفع لك الرسول ﷺ ، لا أن نأمره بالمعصية بوجه من الوجوه (٥). انتهى كلام الباقلاني بتصرف. وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها - ص ٢٣٦
стр. 1547
المبحث الرابع: الإحباط والتكفير عند المعتزلة ومناقشتهم
• المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإحباط.
стр. 1548
المطلب الأول: رأي المعتزلة في الإحباط
لقد اختلف المعتزلة في الإحباط على أقوال أهمها ما يلي: الأول: رأي الجمهور منهم الذين يرون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ثم ارتكب كبيرة من الكبائر، فإنها تبطل جميع أعماله السابقة (١).يقول القاضي عبدالجبار: " ... إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته ... " (٢).
الثاني: رأي أبي علي الجبائي - من متأخري المعتزلة - الذي يرى أن الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمثلاً من أطاع عشرين مرة، وعصى عشر مرات، يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته، فإنها تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه. الثالث: رأي أبي هاشم - الذي ذهب إلى أن الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحيط الطاعات المعاصي؛ كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمثلاً: من أطاع عشراً وعصى عشرين، فإنه تذهب طاعاته بما يقابلها من المعاصي، ولا يبقى عليه سوى الزائد من معاصيه (٣).
يقول القاضي عبدالجبار: " ... لو أتى المكلف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءاً من العقاب. فمن مذهب أبي علي أنه يحسن من الله تعالى أن يفعل به في كل وقت عشرين جزءاً من العقاب، ولا يثبت لما كان قد استحقه على الطاعة التي أتى بها تأثير بعدما ازداد عقابه عليه. وقال أبو هاشم: لا. بل يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلا عشرة أجزاء، فأما العشرة الأخرى، فإنها تسقط بالثواب الذي قد استحقه على ما أتى به من الطاعة، وهذا هو الصحيح من المذهب، ولعمري إنه القول اللائق بالله تعالى دون ما يقوله أبو علي ... " (٤).من هذا النص؛ يظهر أن القاضي يميل إلى رأي أبي هاشم؛ ولذلك فإنه قام بعرض شبهات أبي علي الجبائي وتفنيدها (٥).
إذاً ليس أمامنا الآن إلا رأي الجمهور القاضي بأن الكبيرة تبطل جميع الأعمال السابقة لها. ورأي أبي هاشم: الذي يتلخص في أن الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبط الطاعات المعاصي؛ كذلك تحبط المعاصي الطاعات. هذا هو رأي المعتزلة في الإحباط.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٤٩
المطلب الثاني: مناقشة رأي المعتزلة في الإحباط
إن قول المعتزلة بالإحباط باطل، سواء على القول بأن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب الطاعات أو على القول بالموازنة كما يرى أبو هاشم ومن معه؛ ولذا فإنهم تعرضوا لردود كثيرة، منها:-أولاً: إن قولهم الذنب الواحد يحبط جميع الطاعات خلاف قوله تعالى: ... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]. وقوله تعالى: ... مَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧]. فقد أخبر الله تعالى أن إحباط الحسنات؛ إنما يكون بالموت على الكفر، فوجب من هذا أن ما سواه من السيئات تذهبه الحسنات ... (٦).ثانياً: إن الطاعات ثابتة حقائقها صحيح أداؤها، والإصرار على الكبائر لو كان يدرأ ثواب الطاعات، لكان ينافي صحتها؛ كالردة ومفارقة الملة؛ فإنها لما كانت محبطة كانت منافية لصحة العبادات (٧). فدل ذلك على بطلان قولهم: إن الكبيرة الواحدة تحبط جميع الأعمال.
стр. 1549
ثالثاً: قولهم هذا ينبني على زعمهم أن مرتكب الكبيرة يستحق النار مخلد فيها، وقد أبطلناه، فإذا بطل الأصل؛ بطل الفرع. رابعاً: أما قول أبي هاشم "إن الحسنات تبطل السيئات إذا زادت عليها والعكس ... " (١).
فنقول: أما قوله: إن الحسنات تبطل السيئات، فهذا نسلم به لقوله تعالى: ... إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... الآية [هود: ١١٤].
وأما قوله: إن السيئات إذا زادت على الحسنات، فإنها تبطلها إن أراد إبطالها لبعض الحسنات، فهو مسلم به، وإن أراد إبطالها جميع الحسنات، فلا؛ لأنه لا يبطل جميع الحسنات إلا الردة، كما بيناه في مقام سابق.
خامساً: إن قول أبي هاشم ينبني على أنه لا يمكن أن يستحق المكلف الثواب والعقاب معاً، وهو باطل، لأنه لا يمتنع أن يستحقهما جميعاً فيعاقبه الله على قدر ذنبه ثم يثيبه وقد سبق بيان ذلك، فإذا بطل الأصل بطل الفرع. سادساً: يقال لأبي هاشم: يلزم على قولك هذا أنه لو كانت الطاعات بعدد المعاصي؛ للزم القول بسقوطهما معاً. وعليه فإن سقط أحدهما قبل الآخر لم يسقط المتأخر بالمتقدم عليه، لأنه بعد سقوطه لا يبقى له تأثير في إسقاط الآخر، وإن تقارن سقوطهما لزم وجودهما معاً قبل سقوطهما مع أن وجود كل منهما ينفي وجود الآخر ويمانعه؛ وذلك يدل على بطلان قول أبي هاشم في الإحباط (٢).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٥٠
стр. 1550
الفصل الخامس: الأصل الرابع المنزلة بين المنزلتين
إن هذا الأصل هو نقطة البدء في نشأة المعتزلة، وقد سبق أن أشرت عند الحديث عن نشأة المعتزلة، وسبب تسميتهم أن هذا الأصل هو سبب الاختلاف بين واصل والحسن حيث أتى واصل برأي خاص في مرتكب الكبيرة، وعلى إثره طرده الحسن البصري، فاعتزل في سارية من سواري مسجد البصرة يقرر هذا الرأي على من انضم إليه واستحسن رأيه، فسماهم الناس من ذلك الحين المعتزلة، وبدأ مذهبهم يظهر إلى الوجود بصفة مستقلة. يقول الشهرستاني: "دخل رجل على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان ... وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا اعتقاداً؟ ففكر الحسن وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول أن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل في ناحية من المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزلنا واصل. فسموا من ذلك الحين المعتزلة ... " (١).
وقد كان من العوامل التي دعت إلى إثارة هذا النقاش حول مرتكب الكبيرة أن الحروب السياسية من مقتل عثمان ووقعة الجمل وصفين جعلت الناس يتساءلون من المحق، ومن المخطئ؟ ثم انتقلوا من ذلك إلى القول: بأن المخطئ كافر أو مؤمن، فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكبي الذنوب، والمرجئة تقول: إنهم مؤمنون كاملو الإيمان، وأهل السنة يقولون: إنهم مؤمنون ناقصوا الإيمان، قد نقص إيمانهم بقدر ما ارتكبوا من الكبائر، فقال واصل: إنهم فاسقون في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان.
بعد هذا التقديم ننتقل إلى معرفة ما هو المقصود بالمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، ثم عرض ما تيسر من شبهاتهم، ومناقشتهم، ثم بيان مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، فنقول وبالله التوفيق.
أولاً: ما المقصود بالمنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة؟
стр. 1551
لمعرفة مراد المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم في ذلك، فنقول: يقول القاضي عبدالجبار: "والأصل في ذلك أن هذه العبارة إنما تستعمل في شيء بين شيئين ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه، هذا في أصل اللغة. وأما في اصطلاح المتكلمين، فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين ... " (١).ويشرح القاضي هذا التعريف، فيقول: "إن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً. وكذلك صاحب الكبيرة له حكم بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر ولا منزلة المؤمن؛ بل له منزلة بينهما" (٢).ويقول ابن المرتضي – وهو يسوق ما أجمعت عليه المعتزلة -: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعت ... على المنزلة بين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمناً ولا كافراً ... " (٣).ويقول الإسفراييني: " ... ومما اتفقت عليه المعتزلة من فضائحهم قولهم: إن حال الفاسق الملي يكون في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر، وإن هو خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون مخلداً في النار، ولا يجوز لله تعالى أن يغفر له أو يرحمه، أي أن مرتكب الكبيرة بكونه يشبه المؤمن في عقده، ولا يشبهه في عمله. ويشبه الكافر في عمله، ولا يشبهه في عقده أصبح وسطاً بين الاثنين، وتبعاً لهذا يكون عذابه أقل من عذاب الكافر" (٤).
من هذه الأقوال: يظهر مقصود المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين؛ وهو أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً، ولا كافراً، لا في الاسم ولا في الحكم؛ بل في منزلة بين المنزلتين، فلا يسمى مؤمناً، ولا كافراً، وإنما يسمى فاسقاً.
وحكمه كذلك بين الحكمين، فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، وإنما له حكم بينهما. هذا في الدنيا. وأما في الآخرة؛ فإنه يخلد في النار، لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر.
وقد حملهم على قولهم هذا: شبهات منها، ما يلي:
ثانياً: عرض ما تيسر من شبهات المعتزلة في القول بالمنزلة بين المنزلتين، مع المناقشة:
لقد تمسك المعتزلة في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين بشبهات، منها ما يلي:
الشبهة الأولى:
يقول واصل بن عطاء: "وجدت أحكام الكفار المجمع عليها المنصوصة في القرآن كلها زائلة عن صاحب الكبيرة، فوجب زوال اسم الكفر عنه بزوال حكمه، لأن الحكم يتبع الاسم، كما أن الاسم يتبع الفعل، وأحكام الكفر المجموع عليها ... على ضربين ...
الأول: حكم أهل الكتاب: قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]. فهذا حكم الله في أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة.
стр. 1552
الثاني: حكم الله في مشركي العرب: قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا .... الآية [محمد: ٤]. فهذا حكم الله في مشركي العرب وفي كل كافر سوى أهل الكتاب، وهو زائل عن صاحب الكبيرة؛ ثم قد جاء في السنة المجمع عليها أن أهل الكفر لا يتوارثون، ولا يدفنون في مقابر أهل القبلة، وليس يفعل ذلك بصاحب الكبيرة. وحكم الله في المنافق: أنه إن ستر نفاقه وكان ظاهره الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. وإن ظهر كفره استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا الحكم زائل عن صاحب الكبيرة. وحكم الله في المؤمن الولاية والمحبة والوعد بالجنة. قال تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ ... الآية [البقرة: ٢٥٧]. وقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧]. وقال تعالى: وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ... الآية [التوبة: ٧٢]. وحكم الله في صاحب الكبيرة أن لعنه وأعد له عذاباً أليماً. قال تعالى: ... أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]. وقال تعالى: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: ١٤]. وما أشبه ذلك من القرآن، فوجب أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن لزوال أحكام المؤمن عنه في كتاب الله، ووجب أنه ليس بكافر، لزوال أحكام الكفار عنه، ووجب أنه ليس بمنافق لزوال أحكام المنافقين عنه في سنة رسول الله ﷺ ، ووجب أنه فاسق فاجر لتسمية الله له بذلك. لذا فهو فاسق مخلد في النار لتوعد الله له بذلك، ولكنه في عذاب أخف من عذاب الكافر. انتهى كلام واصل بن عطاء بتصرف (١).ويقول في موضع آخر: "إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي المرء مؤمناً وهو اسم مدح، والفاسق لم يستكمل خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمناً، وليس هو بكافر أيضاً؛ لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة؛ فهو من أهل النار خالداً فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ ولكنه تخفف عنه النار ... " (٢).
المناقشة:
نقول لهم: أما قولكم أنه ليس بكافر، فهذا نوافقكم عليه؛ وأما قولكم أنه ليس بمنافق فكذلك هو ليس بمنافق؛ لأن كبيرته لا توجب استتابته، فإن تاب وإلا قتل كما يعمل مع المنافق إذا ظهر نفاقة، أما إذا لم يظهر لم يعلم هل هو منافق أم لا، لذا يعامل معاملة المسلمين.
وأما قولكم: إنه ليس بمؤمن، فهذا على إطلاقه لا نوافقكم عليه؛ بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يكون له الاسم مطلقاً، ولا يسلب منه مطلق الإيمان.
ومما يدل على أن الفاسق لم تخرجه كبيرته من الإيمان ما يلي:
стр. 1553
١ - الآيات والأحاديث الناطقة بإطلاق لفظ الإيمان على العاصي كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ... الآية [البقرة: ١٧٨]. فقد سمى الله القاتل أخاً للمقتول وهي الأخوة الإيمانية، مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجه من الإيمان، وقبل ذلك فقد خاطبهم جميعاً بلفظ الإيمان؛ مع أن فيهم قتلة؛ مما يدل على أن الكبيرة لا تخرج من الإيمان. وكقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]. فقد أطلق اسم الإيمان على الطائفتين المتقاتلتين من المؤمنين؛ مما يدل على أن كبيرة القتل لم تخرجهما من الإيمان، وكذلك كبيرة البغي ... (١).ومن الأحاديث الدالة على أن الفاسق معه إيمان قوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية أبي ذر أنه ﷺ قال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال ﷺ : وإن زنى وإن سرق ... على رغم أنف أبي ذر ... )) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قال: لا إله إلا الله، وإن ارتكب شيئاً من الكبائر، فإنه يدخل الجنة؛ مما يدل على أن كبيرته لم تخرجه من الإيمان. ثانيا: إجماع الأمة من عصر الرسول – ﷺ – إلى يومنا هذا على الصلاة على من مات من أهل القبلة من غير توبة، والدعاء والاستغفار لهم مع العلم بارتكابهم للكبائر بعد الاتفاق على أن ذلك لا يجوز لغير المؤمن (٣)؛ مما يدل على أنهم لم يخرجوا من الإيمان.
стр. 1554
ثالثاً: قولكم: إن الفاسق قد أخرجه فسقه من الإيمان ينبني على أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ لأنهم يقولون: إن من عمل كبيرة لم يبق معه من الإيمان شيء وهو باطل. يقول ابن تيمية – في معرض الرد على من قال بهذا القول -: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه، ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان. فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار. وقالت المرجئة – على اختلاف فرقهم -: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئاً من الإيمان؛ إذ لو ذهب شيء منه، لم يبق منه شيء، فيكون شيئاً واحداً يستوي فيه البر والفاجر، ونصوص الرسول ﷺ وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه، كقوله ﷺ : (( ... أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) (١). ولهذا كان أهل السنة والحديث على أنه يتفاضل وجمهورهم يقولون: يزيد وينقص ... وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم يعرف فيهم مخالف ... فمن ذلك ما روي من وجوه كثيرة عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جدة عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (الإيمان يزيد وينقص. قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته؛ وإذا غفلنا ونسينا؛ فذلك نقصانه. وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: "الإيمان يزيد وينقص" وروى إسماعيل بن عياش عن أبي هريرة مثل ذلك .. وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأصحابه: هلموا نزداد إيماناً فيذكرون الله ...
وأيضاً: فإن الزيادة قد نطق بها القرآن في عدة آيات، كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢].يقول ابن تيمية: وهذه الزيادة وقت تلاوة الآية، وليس هو تصديقهم بها عند النزول ... وكقوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣]. فهذه الزيادة عند تخويفهم العدو لم تكن عند آية نزلت، فازدادوا يقيناً وتوكلا على الله، وثباتاً على الجهاد (٢).
стр. 1555
ومثل هذه الآيات كثير، فإذا ثبت أن الإيمان يذهب بعضه ويبقى بعضه وأنه يزيد وينقص بطل قولهم: إن الفسق يخرج من الإيمان؛ وعلى ذلك فالفاسق مؤمن ناقص الإيمان وليس في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان كما تدعون. ونقول أيضاً: ما دام مرتكب الكبيرة معه من الإيمان شيء، ولو إيماناً ناقصاً، فإنه لا يخلد في النار؛ بل يعذب على قدر ذنبه ثم يخرج من النار ويدخل الجنة لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ... الآية [النساء: ٤٨]. ولقوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧]. ولقوله ﷺ : (( ... يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ... الحديث)) (١).
وقد سبق عرض شيء من شبهات المعتزلة في قولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار مع مناقشتها عند الكلام على أصل الوعد والوعيد. فإذا قولهم بتخليد صاحب الكبيرة في النار باطل، وعليه فتبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الثانية:
يقول الخياط: "إن واصل بن عطاء لم يحدث قولاً لم تكن الأمة تقول به؛ إذ أنه وجد الأمة مجمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم، فأخذ بما أجمعوا عليه ... وتفسير ذلك: أن الخوارج وأصحاب الحسن كلهم مجمعون والمرجئة على أن صاحب الكبيرة فاسق فاجر،، ثم تفردت الخوارج فقالت: هو مع فسقه وفجوره كافر، وقالت المرجئة ... هو مع فسقه وفجوره مؤمن، وقال الحسن ومن تابعه: هو مع فسقه وفجوره منافق. فقال لهم واصل بن عطاء: قد أجمعتم على أن سيتم صاحب الكبيرة بالفسق والفجور، فهو اسم له صحيح بإجماعكم وقد نطق القرآن به في آية القاذف وغيرها من القرآن، فوجب تسميته بذلك وما تفرد به كل فريق منكم من الأسماء، فدعوى لا تقبل منه إلا بينة من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ " (٢).
المناقشة:
والجواب على هذه الشبهة كما يلي:١ - أن مرتكب الكبيرة مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته كما بيناه عند الرد على الشبهة الأولى. ثم إن إيمانه متفق عليه بين السلف، فإذا قولهم أن إيمانه مختلف فيه باطل (٣).٢ - أن في قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ترك للمتفق عليه بين السلف – ومنهم الحسن -؛ لأن النفاق كفر إن أظهره صاحبه، وإن لم يظهره، فيعامل معاملة المسلمين، إضافة إلى ذلك: أنه نقل عنه الرجوع عن هذا القول إلى المذهب الحق والمتفق عليه: وهو أن المكلف إما مؤمن أو كافر، ولا واسطة بينهما وأخذ بما لم يقل به أحد فضلاً عن الاتفاق؛ فإذاً قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إحداث للقول المخالف لما أجمع عليه السلف (٤)؛ فيكون باطلاً، وبذلك تبطل هذه الشبهة والله أعلم.
ثالثا: مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة:
لمعرفة مذهب أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوال أئمة السلف في ذلك، فنقول وبالله التوفيق. يقول ابن تيمية – ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن فساق أهل الملة ليسوا مخلدين في النار، كما قالت الخوارج والمعتزلة، وليسوا كاملين في الدين والإيمان والطاعة؛ بل لهم حسنات وسيئات، ويستحقون بهذا العقاب وبهذا الثواب ... " (٥).
стр. 1556
ويقول شارح الطحاوية: "إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة؛ لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... [البقرة: ١٧٨] إلى أن قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ... الآية [البقرة: ١٧٨]. فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: ٩] إلى أن قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ... الآية [الحجرات: ١٠].ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقي في النار)) (١). فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه ... " (٢)؛ مما يدل على أن الكبيرة لا تخرج من الإيمان. يقول النووي – وهو يروي مذهب أهل السنة في الموحدين -: "واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال ... " (٣).
من هذه الأقوال يتبين أن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة ليس بكافر كما تقول الخوارج، وليس بكامل الإيمان كما تقول المرجئة، وليس في منزلة بين المنزلتين كما تزعمه المعتزلة، بل إن مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية. وفي الآخرة لا يخلد في النار، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على قدر ذنبه، ثم أخرجه من النار، قال تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨].
وعلى ذلك، فقول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين باطل لا يقره أهل السنة والجماعة. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٥٥
стр. 1557
المعتزلة كغيرهم من الطوائف الإسلامية، يرون أن المعاصي تنقسم إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة، نظرا لما ورد في بيان ذلك من نصوص شرعية، فقد وردت آيات كريمات مشتملة على ذكر الصغيرة والكبيرة، كقوله تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا [الكهف: ٤٩] وقوله سبحانه: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣] وقال: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧]، فرتب المعاصي هذا الترتيب حيث بدأ بالكفر الذي هو أعظم الذنوب، وثناه بالفسق، وختم بالعصيان، فلا بد من أن يكون قد أراد به الصغائر، وقد صرح بذكر الكفر والفسق قبله، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وهذا قدر متفق عليه بين الفرق كما ذكرت عند بيان مذهب السلف، ما عدا الخوارج.
أما تحديد معنى كل من الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة فقد وقع بينهم خلاف في ذلك. فقد ذهب القاضي عبد الجبار إلى أن الكبيرة في عرف الشرع هو ما يكون فاعله أكثر من ثوابه إما محققا وإما مقدرا. وأما الصغيرة فهو ما يكون ثواب فاعله أكثر من عقابه إما محققا وإما مقدرا. ثم قال: واحترزنا في الموضعين بقولنا إما محققا وإما مقدرا عن الكفار ومن لم يطع البتة، فإنه قد وقع في أفعال الصغيرة والكبيرة، على معنى أنه لو كان له ثواب لكان يكون محبطا بما ارتكبه من المعصية، أو يكون عقاب ما أتى به من الصغيرة مكفرا في جنب ما يستحقه من الثواب (١).ومن تعريفات الصغيرة والكبيرة عند المعتزلة ما ذكره الأشعري عن جعفر بن حرب وذكره القاضي عبد الجبار على سبيل النقد فقد ذكر عنه قوله: إن كل عمد كبيرة. وقال بعد ذلك: وأظن أن ذلك مذهب لبعض السلف من أصحابنا (٢).
فجعفر بن حرب هذا يرى أن الكبيرة هي القبيح الذي يقترن بعمد الإنسان وإصراره أي أنه يميل إلى وصف الجريمة بحال الفاعل لا بموضوع القبيح.
وأنكر القاضي ذلك من وجهين:
الأول: إن العمد لا تأثير له في كون الفعل كبيرا أو صغيرا، لأن للقبيح موضوعا أو بمعنى آخر: أن للجريمة صفة موضوعية إذا ما وقعت من أي إنسان كانت كبيرة أو صغيرة. الثاني: إن الطريق إلى تحديد الكبائر وتعيينها هو الدلالة الشرعية وقد حدد الشرع أن القتل والزنا والقذف وغيرهما كبائر، وهذا لا يتفق مع القول بالعمد (٣).
ولا خلاف بين المعتزلة في وجود الصغيرة والكبيرة بين القبائح إلا أن الخلاف – بينهم كان حول طريق الدلالة على ذلك فذهب البعض وهم الأكثر – إلى أن الشرع هو الذي يعرفنا باشتمال المعاصي على صغير وكبير، ولو ترك للعقل لحكم بأن جميع المعاصي كبائر، لأن من المعلوم أن أقل القليل منها يستحق جزءا من العقاب كما أن أقل القليل من الطاعات يستحق جزءا من الثواب. ومن هؤلاء أبو علي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، وقد استدلوا بما تقدم من أدلة شرعية.
أما الآخرون فذهبوا إلى أن العقل بمفرده يستطيع أن يميز بين الصغيرة والكبيرة فسرقة درهم ليست كسرقة عشرة دراهم وإلى هذا الرأي كان يذهب أبو هاشم ومال إليه جعفر بن حرب كما هو واضح من رأيه المتقدم في تحديد الفرق بين الصغيرة والكبيرة.
стр. 1558
وقد تختلف آراء المعتزلة في تحديد معنى الصغيرة والكبيرة، وتتسع مسافة الخلاف بينهم، لكن ما تبنوه من آراء هو موضع نظرنا، إذ أنها لا تحدد لنا تحديدا واضحا الفرق بين الأمرين، لا سيما ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار – وإن كان هو الأكثر انسجاما مع مذهب القوم – لأن الثواب والعقاب مما لا يعلم مقداره إلا الله ، فاختلافه قلة وكثرة من شخص لآخر أمر خفي، لا يمكننا إدراكه، على أن الضابط الذي ذكره القاضي عبد الجبار على أنه تحقيق للمذهب، مناقض لما هو مشهور من مذهب المعتزلة الذي سيأتي بعد من أن ثواب الطاعات محبط لا وزن له مع ارتكاب الإنسان للكبيرة، لأن صاحبها مخلد في النار، فأين الثواب الذي يمكن أن يقاس مع العقاب ويحدد بموجبه كل من الصغيرة والكبيرة؟
غير أن الأهم من ذلك كله أن المعتزلة مهما اختلفوا في تحديد الضابط مقرون بانقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فما حكم كل منهما عندهم؟
أما الصغائر فقد ذكر أبو الحسن الأشعري أنهم لم يتفقوا أيضا على قول واحد بشأنها بل دار بينهم الخلاف في ذلك على أقوال ثلاثة:
١ - أن الله سبحانه يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر تفضلا.
٢ - يغفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر باستحقاق. ٣ - أن الله لا يغفر الصغائر إلا بالتوبة (١).
فهذه أقوال ثلاثة عند المعتزلة، اثنان منها قالت بالغفران، والخلاف بينهما في الاستحقاق والتفضل، والاستحقاق كما هو واضح فيه تحكم على الله سبحانه – وذلك غير لائق بحال. ولكن من مبادئ المعتزلة المشهورة عنهم قولهم بوجوب الصلاح والأصلح، ولا يخفى ما في هذا المبدأ من جسارة وعدم تأدب مع الله . أما القول الثالث فإنه يجعل الصغيرة بمنزلة الكبيرة في عدم الغفران إلا بالتوبة وهذا لم يقل به أحد، ومخالف أيضا لما عليه المعتزلة أنفسهم من الفرق بين الصغيرة والكبيرة من حيث المعنى والاعتبار.
وعلى كل حال فالأهم من ذلك كله هو مرتكب الذنب الكبير، فماذا يقول القوم في حكمه؟
هذه المسألة تسمى عند مؤرخي الفرق والمعتزلة بالأسماء والأحكام، لأنها تبحث في صفة مرتكب الكبيرة وحكمه. يقول الدكتور عبد الكريم عثمان في الكلام على هذه المسألة: وقد أثار تحديد مكان مرتكب الكبيرة وحكمه خلافا شديدا بين المسلمين، وجعله بعض مؤرخي الفرق سببا مباشرا لظهور مذهب الاعتزال. فقد قالت الخوارج إن صاحب الكبيرة كافر، وذهب المرجئة إلى أنه مؤمن، وقرر الحسن البصري أنه منافق، أما واصل فقد أعلن أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا ولا كافرا، ولا منافقا، بل هو فاسق، أو في منزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر، ومن هنا أطلق على هذا الأصل عند المعتزلة اسم المنزلة بين المنزلتين، أو الأسماء والأحكام (٢).فالمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة، لا مؤمن ولا كافر، بل له اسم بين الاسمين وحكم بين الحكمين، فلا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقا وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث وهذا الحكم هو ما يسمى بالمنزلة بين المنزلتين. فإن صاحب الكبيرة عندهم له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن، بل له منزلة بينهما (٣).
стр. 1559
والمراد من هذا بيان الحكم الدنيوي لمرتكب الكبيرة، ففيه أن مرتكبها يسلب منه اسم الإيمان بالكلية، لأنه بارتكابها يزول ما معه من إيمان، فلم يعد مؤمنا غير أنهم في هذا الحكم الدنيوي لم يبلغوا به درجة الكافر فلم يجوزوا تسميته كافرا، كما لم يجوزوا تسميته مؤمنا، بل جعلوا له منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان وهي الفسق. وقد برزت هذه المقالة أول ما برزت على يد واصل بن عطاء الغزال أحد زعماء المعتزلة، بل زعيمهم الأول والذي كان تلميذا للحسن البصري، المشتهر بقوله بأن مرتكب الكبيرة منافق. وقد بينها الشهرستاني في (الملل والنحل) بقوله: ووجه تقريره لهذه المسألة أنه – الإيمان واصل بن عطاء – قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير، إذا اجتمعت سمي المرء مؤمنا، وهو اسم مدح، والفاسق لم يستمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمنا، وليس هو بكافر مطلقا أيضا، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها (١).
وكل هذا ليس إلا بحثا في التسمية والمعاملة الدنيوية إذ أنهم ذهبوا هذا المذهب ليؤدي لهم غرضين في آن واحد.
الغرض الأول: هو القول بأن مرتكب الكبيرة يعامل في الدنيا كما يعامل بقية المسلمين فتجوز مناكحته، وموارثته، ودفنه في مقابر المسلمين، وغير ذلك من الأحكام الجارية عليه في الدنيا.
الغرض الثاني: هو القول بالتأبيد في النار - على ما سيأتي بعد – فإنهم لم يوصلوه في الوصف الدنيوي إلى درجة الكفر، حتى تجري عليه تلك الأحكام الدنيوية، وعز عليهم أن يعطوه اسم الإيمان، لأنه في نظرهم لا بد وأن يدخل النار ليجازى بما عمل من السيئات، وداخل النار عندهم لا يخرج منها، والمؤمن لا يمكن أن يدخل النار في نظرهم. ويزيد المسألة وضوحا ما ذكره القاضي عبد الجبار من استدلال على هذا المعتقد حيث قال ما معناه: والذي يدل على الفصل الأول، وهو الكلام في أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنا، هو ما قد ثبت من أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة، فإذ قد ثبت هذان الأصلان، فلا إشكال في أن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يسمى مؤمنا (٢). ثم ذكر بعد ذلك الأدلة على أن اسم المؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١] وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢]. إلى غير ذلك من الآيات. أما الدليل على أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافرا فهو أنه جعل الكافر في الشرع اسما لمن يستحق العقاب العظيم، ويختص بأحكام مخصوصة نحو المنع من المناكحة والموارثة، والدفن في مقابر المسلمين، إذا ثبت هذا ومعلوم أن صاحب الكبيرة ممن لا يستحق العقاب العظيم ولا تجري عليه هذه الأحكام، فلم يجز أن يسمى كافرا (٣). ومن أدلة المعتزلة أيضا على قولهم بالمنزلة بين المنزلتين ما ذكره عضد الدين الأيجي في المواقف حيث ذكر احتجاجهم على ذلك بوجهين:
стр. 1560
أحدهما: ما تقدم من أن الإيمان عبارة عن الطاعات، وأن الفاسق يعامل في الدنيا معاملة سائر المسلمين. أما الوجه الثاني: فهو ما قاله واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد، فرجع عمرو إلى مذهبه وهو أن فسقه معلوم وفاقا، وإيمانه مختلف فيه، لأن الأمة مجمعة على أن صاحب الكبيرة فاسق واختلفوا في كونه مؤمنا أو كافرا فنترك المختلف فيه ونأخذ بالمتفق عليه (١).وهذا هو الدليل الأساسي الذي يستدل به القوم، ويوضحه القاسم الرسي بقوله:. . والأمة مجمعة على أن من أتى كبيرة، أو ترك طاعة فريضة كالصلاة والزكاة والصيام من أهل الملة فهو فاسق، وهي مختلفة في غير ذلك من أسمائه. قال بعضهم: هو مشرك فاسق منافق، فكلهم قد أقر بأنه فاسق كافر، وقال بعضهم: فاسق منافق فكلهم قد أقر بأنه فاسق، واختلفوا في غير ذلك من أسمائه. فالحق ما أجمعوا عليه من تسميتهم إياه بالفسق، والباطل ما اختلفوا فيه، ففي إجماعهم الحجة والبرهان (٢).وهذا كله – كما سبق وأن قلت – لا يعدو كونه كلاما في حكم دنيوي وهو القدر الذي يختلفون فيه مع الخوارج، حيث قالوا بكفره ابتداء، وخروجه من ملة الإسلام – أما الحكم الأخروي لمرتكب الكبيرة عند المعتزلة: فعندهم أن من استوعب عمرا في طاعة الله ، ثم قارف كبيرة واحدة، ولم يوفق للتوبة عنها، وما على هذه الحال، فهو مخلد في النار مع المشركين الذين لم يؤمنوا ولم يأتوا بحسنة قط (٣). وهذا هو بعينه رأي الزيدية الذين تبنوا أصول الاعتزال، وعنهم يقول الشهرستاني: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة، ويعظمون أئمة الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت (٤).
فعند هؤلاء جميعا أن الإنسان مهما عمل من الخيرات، ومهما جاهد في سبيل إرضاء ربه، من فعل للواجبات، واجتناب للمحرمات، وكبح لجماح النفس وصد لشهواتها، فإن جميع طاعاته هذه تذهب هباء عندما يزل في يوم من الأيام فيرتكب كبيرة، لأن هذه المعصية تحبط جميع تلك الأعمال الخيرة، فلا يبقى لها وزن، ولا يعود لها اعتبار، لأن مرتكب الكبيرة إذا لم يقلع عنها بتوبة جازمة نصوح لا عودة بعدها، فلا بد وأن يدخل النار خالدا مخلدا فيها، لأن داخل النار عندهم لا يخرج منها أبد الآبدين. وهذا المذهب في مرتكب الكبيرة تذكره كتب الفرق على أنه أصل من أصول المعتزلة التي يجمعون عليها، إلا أن إمام الحرمين الجويني ذكر أن معتزلة البصرة، وبعض البغداديين واقفية في وعيد مرتكب الكبيرة، إذ قالوا بأن من مات من المؤمنين على إصراره على المعاصي، لا يقطع عليه بعقاب، بل أمره مفوض إلى ربه تعالى، فإن عاقبه فذلك بعدله، وإن تجاوز عنه فذلك بفضله ورحمته، فلا يستنكر ذلك عقلا وشرعا (٥).
وعلى كل حال، فهذا أصل من أصول المعتزلة سواء أجمعوا عليه أم لم يجمعوا فهو المذهب المشهور عنهم، وأي خلاف فيه من قبلهم فإنه لا ينقض المذهب، لا سيما وأنهم قد اشتهروا بتبنيه والاستدلال له. ومن رجع منهم عن القول به فإنما كان ذلك منه لأنه في نظري ناشد للحقيقة غير متبع ولا مقلد، فلا يستغرب ذلك، إلا أنه كما قلت هو المذهب المقترن باسم المعتزلة عند ذكرهم دائما.
أما أدلتهم على قولهم بخلود مرتكب الكبيرة في النار، فقد استدلوا بأدلة عقلية ونقلية:
فأما الأدلة العقلية:
стр. 1561
فمنها ما ذكره القاسم الرسي من أن أحدا لا يقدر أن يؤدي كل ما استحق الله ﵎ من عباده، من شكر نعمته وإحسانه، بالكمال والتمام، حتى لا يبقى مما يحق لله جل ثناؤه شيئا إلا أداه، هيهات فكيف وهو يقول ﵎: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١٨] فكيف يؤدي شكر ما لا يحصى؟! ولم يفترض على خلقه ذلك، ولا سأل كل ما له عليهم مما يستحق لديهم، لعلمه بضعفهم وأن في بعض ذلك استفراغ جهدهم، وما تعجز عنه أنفسهم وأنهم لا يقدرون على ذلك ويقصرون عن بلوغ ذلك. . وغفر لهم صغير ذنوبهم كله إذا اجتنبوا كبيرة رحمة بهم، ونظرا لهم، فأما من رجا الرحمة وهو مقيم على الكبيرة فقد وضع الرجاء في غير موضعه، واغتر بربه واستهزأ بنفسه، وخدعه وغره من لا دين له، إلا أن يتوب فيغفر له بالتوبة، فأما الإقامة على الكبائر فلا. . وذلك أن للجنة والنار طريقان فطريق الجنة طاعته المجردة عن الكبائر من معاصي الله، وطريق النار معصية الله، وإن لم تكن مجردة من بعض طاعات الله، لأننا قد نجد العبد يؤمن بكتاب الله كله، ويكفر ببعضه فلا يكون مؤمنا، ولا بما آمن به من النار ناجيا. يصدق ذلك قول الله : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٨٥] فلم يسموا بما آمنوا به مؤمنين، بل سموا بما كفروا به منه- لا كله- كافرين. وعلى هذه الطريق فيمن لم يكفر من الفاسقين أهل الكبائر العاصين، فمن كان على المعصية الكبيرة مقيما فهو على طريق النار، فكيف يرجو البلوغ إلى الجنة وهو يسلك ذلك الطريق، كرجل توجه إلى طريق خراسان فسلكه وهو يقول: أنا أرجو أن أبلغ الشام، فهذا من وضع الرجاء في غير موضعه (١).
وملخص الدليل العقلي السابق أن الله ﵎ له نعم على عباده لا تحصى ومهما عمل الإنسان لا يستطيع الوفاء بشكرها، إذ أن ذلك يتطلب منه استيفاء كل حق لله عليه. وقد علم الله من عباده عجزهم وضعفهم عن الوفاء بجميع ذلك، لذلك اكتفي منهم بالقليل بعد أن أعطاهم الكثير، بل وعفا عن صغائر ذنوبهم، وهذه منة عظيمة أخرى منه – ﵎ – فعلى الإنسان إذا الإتيان بهذا القليل الذي كلف به دون تفريط، وإذا قصر فيه بارتكاب الكبائر فعلا لمحرم، أو تركا لواجب فهو من أهل النار لا محالة، لأن الله تجاوز له عن الكثير لم يكلفه به، فإذا قصر في ذلك القليل المطلوب منه فهو ممن سلك طريق النار، والطريق إلى الشيء المعين توصل إليه لا إلى ما يوجد في جهة معاكسة، وطريق النار المعصية وهذه لا يمكن أن يصل عن طريقها إلى الجنة، كما أن طريق الجنة الطاعة، وهذه أيضا لا يمكن أن توصل بصاحبها إلى النار، وضرب مثلا بسالك طريق خراسان، وهو يقصد الوصول إلى الشام. فهذا دليل عقلي على أن الفاسق مصيره إلى النار، وأنه يفعل به ما يستحقه. وهناك دليل عقلي آخر ذكره القاضي عبد الجبار وهذا الدليل هو أن الله أمر ونهى، أي كلف الإنسان، ووعده وتوعده، وكل خلف بالوعد أو الوعيد نوع من الكذب لا يجوز على الله. ولو ثبت أنه يخلف وعيده ولا يعاقب الفاسقين لكان في ذلك إغراء له على فعل القبيح، إذ أن للمكلف أن يعصي ويتجاوز حدود الله، وهو مطمئن إلى أنه سيغفر له (٢).
أما الأدلة السمعية:
стр. 1562
فقد استدلوا بعموم الآيات الواردة في الوعيد، ومن هذه الآيات التي هي مناط استدلالهم قوله تعالى: وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء: ١٤]. ووجه الاستدلال: أن الله ﵎ أخبر أن العصاة يعذبون بالنار ويخلدون فيها، والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر جميعا، فيجب حمله عليهما، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على ما ذكرناه (١). ومن ذلك قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]. ووجه الاستدلال: هو أنه تعالى يبين أن من يقتل مؤمنا عمدا جازاه وعاقبه وغضب عليه ولعنه، وفي ذلك ما قلناه (٢)، أي أن ذلك يكون على سبيل الدوام كما هو مصرح بذكر الخلود في الآية. ومما استدل به المعتزلة أيضا قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف: ٧٤]. ووجه الاستدلال: أن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعا فيجب أن يكونا مرادين بالآية، معنيين بالنار، لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دل على أنه أرادهما جميعا (٣).هذه بعض أدلة المعتزلة من القرآن الكريم على قولهم بتخليد مرتكب الكبيرة في النار. يقول القاضي عبد الجبار بعد ذكره لهذه الآية: فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يخلد، إذ ما من آية من هذه الآيات التي مرت إلا وفيها ذكر الخلود والتأبيد، أو ما يجري مجراهما (٤).ثم ذكر بعد ذلك طريقة أخرى للاستدلال على هذا المعتقد حيث قال: وهنا طريقة أخرى مركبة من السمع، وتحريرها: هو أن العاصي لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه، فإن لم يعف عنه فقد بقي في النار خالدا، وهو الذي نقوله. وإن عفي عنه فلا يخلو، إما أن يدخل الجنة أو لا، فإن لم يدخل الجنة لم يصح، لأنه لا دار بين الجنة والنار، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو إما أن يدخلها مثابا أو متفضلا عليه ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلا عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلا بد أن يكون حاله متميزا عن حال الولدين المخلدين وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الجنة مثابا، لأنه غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح (٥).
وغرضه من هذا الكلام هو القول بأن الفاسق لا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه ويدخله الجنة، لأن دخوله الجنة لا يكون إلا عن ثواب لا عن تفضل من الله سبحانه، فالجنة عوض لازم للإنسان عن أعمال الخير إذا لم يشبها كبائر، والفاسق لا ثواب له، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح على الله تعالى، والحسن والقبح كما هو معروف أحد أصول المعتزلة التي يسيرون عليها في معتقداتهم، وإذا ثبت هذا فلا بد من دخول الفاسق النار خالدا، ولا يجوز على الله تعالى أن يعفو عنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأرى لزاما علي قبل أن أختم الكلام عن مذهب المعتزلة بشأن مرتكب الكبيرة أن أنبه هنا إلى أن الدكتور عبد الكريم عثمان قد ذكر في كتابه نظرية التكليف أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد وافق المعتزلة على رأيهم في وجوب إنفاذ الوعد والوعيد وتخليد مرتكب الكبيرة في النار (٦).وهذا الكلام فيه مكابرة للواقع ومخالفة للحقيقة الظاهرة الواضحة التي قد يكون الاستدلال عليها من العبث بمكان فموقف ابن تيمية – ﵀ – واضح جلي لا غموض فيه ولا شبهة وهو من هو بالنسبة لمذهب السلف الصحيح فقد قرره ودافع عنه وانتصر له وهو المذهب الغني عن الإعادة والبيان ولم يقل أحد سوى الدكتور عبد الكريم عثمان أن ابن تيمية، قال بأنه يجب على الله إثابة المطيع، بل ابن تيمية يقول عن الله يثيب المطيع تفضلا منه ونحن لم نوجب ذلك عليه بل أوجبه سبحانه على نفسه. أما عقاب العصاة فإن الله أوعدهم بالعقاب ورحمته وسعت كل شيء فقد يتخلف الوعيد بعفوه سبحانه أما إذا عاقب فإنه لا يخلد لأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (٧). هذا هو بعينه مذهب السلف، والقدح في ابن تيمية الذي نذر نفسه للدفاع عن الحق الذي يسنده الدليل، يعتبر قدحا في أهل الحق من السنة والجماعة وقد تقدم إيضاح مذهبهم في هذه المسألة.
المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي – ص ١٣٣
стр. 1563
الفصل السادس: الأصل الخامس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
• المبحث الأول: رأي المعتزلة في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقسامه.
• المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم، وهل يفرقون بين قتال الكافر والفاسق؟.
• المبحث الثالث: مناقشة رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع بيان رأي أهل السنة:.
стр. 1564
المبحث الأول: رأي المعتزلة في حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقسامه
• المطلب الأول: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة وأقسامه:.
стр. 1565
المطلب الأول: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة وأقسامه:
أولاً: حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة:
لمعرفة حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة؛ لابد أن نسوق شيئاً من أقوالهم في ذلك، فنقول وبالله التوفيق. يقول القاضي عبدالجبار: "اعلم أنه لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... " (١).ويقول في موضع آخر: " ... واعلم أن المقصود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو: أن لا يضيع المعروف ولا يقع المنكر، فإذا ارتفع هذا الغرض ببعض المكلفين سقط عن الباقين، فلهذا: قلنا أنه من فروض الكفايات ... " (٢).ويقول الزمخشري: " ... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات ... " (٣).
من هذه الأقوال؛ يتضح حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة، وهو أنه واجب كفائي.
أدلة المعتزلة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه كفائي:
أ- أدلة المعتزلة على وجوبه:
يقول القاضي عبدالجبار: "والذي يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ... الآية [آل عمران: ١١٠]. يقول القاضي: فالله تعالى مدحنا على ذلك، فلولا أنها من الحسنات الواجبات وإلا لم يفعل ذلك.
وأما السنة: فقوله ﷺ : ((ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل ... )) الحديث. أما الإجماع: يقول القاضي: وأما الإجماع، فلا إشكال فيه، لأنهم اتفقوا عليه" (٤).
ب- أدلة المعتزلة على أن الأمر بالمعروف ... كفائي:
وأدلة المعتزلة في هذا كثيرة، منها:
من الكتاب: قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٤].يقول الزمخشري: " ... إن من في قوله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ للتبعيض؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات" (٥).ومن السنة: قوله ﷺ ((وقد سئل وهو على المنبر من خير الناس؟ - فقال ﷺ : آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم)) (٦). ففي هذا الحديث دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب وجوب عين؛ إذ أن الأمر فيه للترغيب، ولو كان واجباً وجوب عين لما كان كذلك (٧).
ثانياً: أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة:
لقد قسم المعتزلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باعتبارين:
الأول: باعتبار الحكم:
يرى القاضي عبدالجبار: أن مشايخه أطلقوا القول في وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والواجب أن يفصل القول فيه، فيقال: المعروف ينقسم إلى:
أ- ما يجب والأمر بهذا القسم واجب. ب- المندوب إليه: والأمر بهذا القسم غير واجب؛ لأن حال وجوب النهي عنها، لأن النهي إنما يجب لقبحها والقبح ثابت في الجميع (٨).
الثاني: أقسام الأمر بالمعروف ... باعتبار القائمين به:
لقد قسم القاضي عبدالجبار الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، باعتبار القائمين به إلى قسمين:
أحدهما: ما لا يقوم به إلا الأئمة؛ وذلك كإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، وسد الثغور، وتنفيذ الجيوش وما أشبه ذلك. ثانيهما: ما يقوم به غير الأئمة من كافة الناس؛ وذلك مثل: النهي عن شرب الخمور، والزنا، والسرقة، وما أشبه ذلك، ولكن إذا كان هناك إمام مفترض الطاعة، فالرجوع إليه أولى (٩).
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٦٧
стр. 1566
المبحث الثاني: رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم، وهل يفرقون بين قتال الكافر والفاسق ؟
رأي المعتزلة في:
أولا: الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيا: حكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم.
ثالثا: هل يفرقون بين قتال الكافر والفاسق؟
إليك بعض النصوص التي قالها المعتزلة أو نقلت عنهم والتي يمكن أن نأخذ منها رأيهم في هذه المسائل. يقول القاضي: "واعلم أن المقصود بالأمر بالمعروف إيقاع المعروف، وبالنهي عن المنكر زوال المنكر، فإذا ارتفع الغرض بالأمر السهل لم يجز العدول عنه إلى الأمر الصعب" (١).ويقول الزمخشري – وهو يتكلم عن رأي المعتزلة في الأمر بالمعروف ... -:" ... وعليه أن يباشر الإنكار بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب، لأن الغرض هو إزالة المنكر" (٢).ويقول الأشعري: " ... أجمعت المعتزلة إلا الأصم، على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك؟ " (٣).ويقول في موضع آخر: " ... إن المعتزلة قالوا: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد، وفي قولنا بالقدر، وإلا قتلناهم ... وأوجبوا الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه ... " (٤).ويقول المسعودي – وهو يحكي رأي المعتزلة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -: "وأما القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الأصل الخامس، فهو أن ما ذكر على سائر المؤمنين واجب على حسب استطاعتهم في ذلك بالسيف فما دونه، وإن كان كالجهاد، ولا فرق بين مجاهدة الكافر والفاسق" (٥).
من هذه الأقوال؛ يتبين أن المعتزلة يرون أن الوسيلة في الأمر بالمعروف أن يبدأ بالحسنى، فإن لم يفد انتقلنا إلى اللسان، فإن لم يفد انتقلنا إلى اليد، فإن لم يفد انتقلنا إلى السيف، فهم إذاً يبدؤون من الأسهل إلى ما هو أكبر منه، ولو أحوج الأمر على السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بأس في ذلك. ثم هم بناء على استعمال السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرون قتال المخالف لهم؛ سواء كان سلطاناً أو غيره من عامة الناس إذا كانوا جماعة وفي مقدورهم ذلك، ولذا قالوا: بوجوب الخروج على السلطان الجائر وقتال المخالفين لهم. كما يتبين أنهم لا يفرقون بين قتال الكافر والفاسق، وقد تعلقوا في قولهم الوسيلة في الأمر بالمعروف أن يبدأ بالحسنى ... حتى السيف بشبهات منها: قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... الآية [الحجرات: ٩]. قالوا: إن الله تعالى أمر بإصلاح ذات البين أولاً ثم انتقل منه إلى المقاتلة؛ مما يدل على ما قلناه من أن الوسيلة تبدأ بالأسهل إلى الأكبر، وأن المقاتلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٦). هذا مجمل قول المعتزلة في هذه المسائل الثلاث. والله أعلم
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٧٣
стр. 1567
المبحث الثالث: مناقشة رأي المعتزلة في الوسيلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع بيان رأي أهل السنة:
عرفنا – عند بيان رأي المعتزلة في هذا – أنهم يرون أن الوسيلة في ذلك أن يبدأ بالأسهل إلى الأصعب، من الحسنى إلى اليد إلى السيف. وقد تعلقوا بشبهات منها، قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ... الآية [الحجرات: ٩].
وجه الدلالة: يقول القاضي: "إن الله تعالى أمر بإصلاح ذات البين أولاً؛ ثم بعد ذلك بما يليه إلى أن انتهى إلى المقاتلة ... " (١).
المناقشة:
يقال لهم: إن الترتيب الذي ورد في الآية، إنما هو بخصوص فئتين متقاتلتين، ولا يمكن أن يكون أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إلا بمحاولة الصلح أولاً، ثم بقتال من لم يقبل ذلك ثانياً، لأن الحال الذي عليه كل من الفئتين يقتضي ذلك. أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عموماً، فهو مرتب بترتيب الرسول – ﷺ – وهو باليد أولاً؛ وذلك بمحاولة منع ارتكاب المعاصي التي حرمها الله، وليس بقتال من يرتكبها، وإذا لم يستطع المسلم أن يغير المنكر بيده فليكن نهيه عن المنكر وأمره بالمعروف بلسانه، فإذا كان فعل اللسان، سيترتب عليه ضرراً لا يستطيع معه الأمر والنهي فلينكر المنكر بقلبه. قال ﷺ – في حديث أبي سعيد الخدري -: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٢).وهذا هو الترتيب الذي سار عليه السلف (٣). وعلى ذلك: فاستدلال المعتزلة بالآية على أن الترتيب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ من الأسهل إلى الأصعب باطل. من هذا العرض؛ تبين لنا أن المعتزلة قد خالفوا أهل السنة في ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالمعتزلة يبدؤون من الأسهل إلى الأصعب من الحسنى إلى اليد إلى السيف؛ أما أهل السنة: فعلى النقيض من ذلك يبدؤون باليد من دون قتال، ثم اللسان ثم القلب (٤)؛ استناداً إلى حديث أبي سعيد الخدري: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ... ".كما أن المعتزلة يستعملون السيف في الأمر بالمعروف ... بخلاف أهل السنة، فلا يستعملونه استناداً إلى الحديث المذكور حيث قصر الإنكار على اليد ثم اللسان ثم القلب، ولم يشر إلى السيف، وإلى الأحاديث الناهية عن حمل السلاح على المسلمين والقتال بينهم مثل قوله: ﷺ : ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (٥). وقوله ﷺ – فيما يرويه ابن عمر – ﵁: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٦).واستناداً إلى القاعدة العامة إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح، وبما أن إنكار المنكر بالسيف قد يؤدي إلى مفسدة أكبر من المنكر الموجود لما فيه من إثارة الفتن وسفك الدماء؛ لذا كان تركه أولى (٧).
ثانياً: مناقشة رأي المعتزلة في حكم الخروج على السلطان وقتال المخالف لهم مع بيان رأي أهل السنة:
стр. 1568
عرفنا – عند عرضنا لرأي المعتزلة في هذا – أنهم يرون وجوب الخروج على السلطان الجائر وقتال المخالف لهم في أصولهم.
ونقول لهم: ما الذي تقصدونه بوجوب الخروج على السلطان؟ هل هو الخروج على السلطان الكافر والمرتد عن الإسلام؟ أم الخروج على السلطان الجائر والمخالف لكم في أصولكم؟.إن كان الأول؛ فهذا نتفق معكم فيه، فإن من ارتد عن الإسلام يجب قتاله حتى يعود إلى الإسلام أو يزول بموت أو غيره، لما روي عن أم المؤمنين أم سلمة – ﵂ – أن النبي ﷺ قال: (( .... إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. فقالوا: يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: لا. ما أقاموا فيكم الصلاة)) (١). فمفهوم الحديث أنهم يقاتلون إذا ارتدوا عن دين الإسلام، ومثله حديث عبادة بن الصامت – ﵁ – حيث قال: ((بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)) (٢). ففي هذا الحديث إشارة على أنه في حالة كفر الإمام للرعية منازعته الأمر.
ويؤيد ما ذكرنا – أيضاً – عمل أبي بكر مع أهل الردة.
وإن كان الثاني: وهو وجوب الخروج على السلطان الجائر والمخالف لكم في أصولكم. فهذا القول مردود لتضافر الأدلة من الكتاب والسنة بالأمر بطاعة الأئمة حتى ولو كانوا جائرين، والنهي عن قتالهم ما لم يكفروا. من ذلك، قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ... الآية [النساء: ٥٩]. ومن ذلك حديث أم سلمة السابق الذكر والذي فيه قول الصحابة للرسول ﷺ (( ... ألا نقاتلهم؟ فقال ﷺ : لا. ما أقاموا فيكم الصلاة)) (٣). فقد نهى ﷺ عن قتال الأئمة ولو كانوا جائرين ما داموا يقيمون الصلاة. ومن ذلك – أيضا – حديث عبادة بن الصامت: ((بايعنا رسول الله على السمع والطاعة ... وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً ... الحديث)) (٤). فقد نهى ﷺ في هذا الحديث عن منازعة الأئمة الأمر ما لم يكفروا، ومثل ذلك أيضاً: حديث سلمة بن يزيد الجعفي عندما سأل الرسول ﷺ فقال: ((يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ﷺ ، ثم سأله الثانية أو الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، فقال ﷺ : اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) (٥). ففي هذا الحديث أمر بالسمع والطاعة للإمام حتى ولو كان جائراً. ولأن في الخروج على الأئمة من المفاسد أكثر من المصالح التي يراد تحصيلها؛ إذ أن الخروج عليهم قد يؤدي إلى سفك الدماء واستحلال الحرام، والقاعدة العامة إذا تعارضت المصالح والمفاسد قدم الراجح (٦).
стр. 1569
وبما أن تركهم وما هم عليه من جوار أهون من سفك الدماء؛ لذا كان أولى. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... ولهذا أمر ﷺ بالصبر على جور الأئمة ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة ((أدوا إليهم حقوقهم واسألوا حقوقكم)) (١) ... ثم قال: إن من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة ... " (٢).
ما ذكرنا إنما هو بالنسبة للإمام.
أما ما سوى الإمام من عامة الناس، فنقول: إن كانت المعتزلة ترى قتالهم لكفرهم وارتدادهم عن دين الإسلام، فنحن نوافقهم على ذلك، بدليل عمل أبي بكر – ﵁ – مع أهل الردة.
وإن كانوا يرون قتالهم؛ لأنهم خالفوا أصولهم أو لأنهم ارتكبوا الكبائر، فنقول: أما مخالفتهم لأصولكم، فلا يعتبر كفراً يوجب قتالهم؛ بل هو سلامة من البدعة ودخول في السنة.
وأما ارتكاب الكبائر: فكذلك لا يوجب قتالهم؛ وذلك لأن بعض الكبائر لهم حدود، فيقام الحد على مرتكبيها إذا بلغ أمرهم السلطان وثبتت الكبيرة بإقرار أو شهود، وإذا لم يبلغ السلطان أمرهم فعلى المسلم لأخيه المسلم النصيحة، ومحاولة منعه ارتكاب المحرمات بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. ثم إن منع المنكر باليد لا يعني القتال بالسيف – كما بيناه – عند الرد على شبهة المعتزلة في ترتيب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وعلى ذلك؛ فإن صاحب الكبيرة لا يقاتل لما بينا أن له حدود، ولأن القتال لا يجب إلا للكفار والمرتدين، وهو ليس كذلك. ونقول لهم أيضاً: لو أوجبتم قتال صاحب الكبيرة لناقضتم قولكم في المنزلة بين المنزلتين، فإنكم ترون أن صاحب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا كافر ولا مؤمن، وعللتم (٣) عدم إطلاق الكفر عليه؛ لأنه يعامل معاملة المسلم، ومن معاملته أنه لا يقتل كما يقتل الكافر.
وعلى ذلك؛ فصاحب الكبيرة لا يقاتل باتفاق منا ومنكم.
منا: لأنه مؤمن، وله حدود.
ومنكم: لأنه ليس بكافر. والله أعلم.
ثالثاً: مناقشة المعتزلة في قولهم: إنه لا فرق بين قتال الكافر والفاسق مع بيان رأي أهل السنة.
عرفنا – عند عرضنا لرأي المعتزلة في هذا – أنهم لا يفرقون بين قتال الكافر والفاسق؛ لأنهم يرون قتال كل مخالف لهم.
ونقول لهم: إن قولكم أنه لا فرق بين قتال الكافر والفاسق على إطلاقه مردود؛ لأن الفسق ليس كله كفراً.
стр. 1570
يقول ابن القيم – ﵀ – مبيناً أن الفسوق منه ما هو كفر يخرج عن الإسلام، ومنه ما لا يخرج عن الإسلام ( ... وأما الفسوق: فهو في كتاب الله نوعان: مفرد مطلق ومقرون بالعصيان، والمفرد: نوعان أيضاً: فسوق كفر يخرج عن الإسلام، وفسوق لا يخرج عن الإسلام، فالمقرون كقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧]. والمفرد: الذي هو فسوق كفر، كقوله تعالى: ... يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦] وقوله : وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ [البقرة: ٩٩]. وقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ٢٠].وأما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام، فكقوله تعالى: ... وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]. وكقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: ٦] ... (١).
من كلام ابن القيم؛ يتضح أن مرتكب الكبيرة فاسق؛ إلا أنه ليس بكافر، وأنتم معشر المعتزلة تقولون: إن مرتكب الكبيرة ليس كافراً لما معه من الإيمان بالله ورسوله؛ بل في منزلة بين منزلتين، فكيف تجعلون قتاله مثل قتال الكافر؟! ومما يدل على أن مرتكب الكبيرة لا يقاتل أنه مؤمن فاسق، وقد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن قال: لا إله إلا الله لا يحل قتاله، لما روي ((أنه ﷺ بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وأن رجلاً من المسلمين قصد غفلته. قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي ﷺ فأخبره حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: أقتلته؟ قال: يا رسول الله أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً، وسمى له نفراً، وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله. قال ﷺ : أقتلته؟ قال: نعم. قال ﷺ : فكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاء يوم القيامة؟ قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟)) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قال "لا إله إلا الله" لا يقاتل، وصاحب الكبيرة قد قال لا إله إلا الله، فدل على أنه لا يقاتل. والله أعلم.
المصدر: المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق - ص ٢٧٥
стр. 1571
المبحث الأول: حقيقة الإيمان عند المعتزلة
يرى المعتزلة أن الإيمان الشرعي المعتبر مركب من أجزاء ثلاثة: اعتقاد بالقلب، وتصديق باللسان، وعمل بالجوارح. وهم بهذا يوافقون السلف الذين قالوا بهذا القول، واستدلوا له من الكتاب والسنة، وإنما الخلاف بين الفريقين يكمن في حكم العصاة من المؤمنين وليس هذا موضع إيضاح لجوهر هذا الخلاف فلذلك موضعه، غير أننا هنا نكتفي ببيان مذهب المعتزلة على حقيقته فنقول: إن الألفاظ المعبرة عن هذا المذهب قد اختلف من باحث لآخر. وقبل بيان المراد من جميع ما أورده العلماء من تعريفات للإيمان على مذهب هذه الفرقة أبدا بسرد بعض ما ورد من تلك الألفاظ. فهذا أبو أحمد ابن حزم الأندلسي يحكي عن المعتزلة وغيرهم قولهم: إن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين، والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح، وإن كل طاعة وعمل خير فرضا كان أو نافلة فهي إيمان (١). وحكى البغدادي عنهم قولهم برجوع الإيمان إلى جميع الفرائض مع ترك الكبائر (٢). أما ابن تيمية فحكى عنهم قولهم: إن الإيمان جماع الطاعات (٣). إلى غير ذلك من المصادر التي تحكي عنهم قولا واحدا، نأتي بعد ذلك إلى أبي الحسن الأشعري حيث ذكر عنهم أقوالا ستة، فقال:
واختلف المعتزلة في الإيمان ما هو على ستة أقاويل:
١ - فقال قائلون: الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها. وإن المعاصي ضربان: منها ما هو صغائر، ومنها ما هو كبائر. وإن الكبائر على ضربين، منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر. . الخ. والقائل بهذا القول هم أصحاب أبي الهذيل، وإلى هذا القول كان يذهب أبو الهذيل.
٢ - وقال هشام الفوطي: الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، والإيمان على ضربين، إيمان بالله، وإيمان لله، ولا يقال إنه إيمان بالله.
٣ - وقال عباد بن سليمان: (الإيمان هو جميع ما أمر الله سبحانه به من الفرض وما رغب فيه من النفل، والإيمان على وجهين: إيمان بالله وهو ما كان تاركه أو تارك شيء منه كافرا كالملة، والتوحيد، والإيمان لله إذا تركه تارك لم يكفر) اهـ.
٤ - وقال إبراهيم النظام: الإيمان اجتناب الكبائر.
٥ - وقال آخرون: الإيمان اجتناب ما فيه الوعيد عندنا وعند الله. ٦ - وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي يزعم أن الإيمان لله هو جميع ما افترضه الله سبحانه - على عباده، وأن النوافل ليست بإيمان وأن كل خصلة من الخصال التي افترضها الله سبحانه فهي بعض إيمان لله (٤). اهـ.
وهكذا فإن أغلب مؤرخي الفرق يحكي عن المعتزلة اتفاقهم على قول واحد، أما أبو الحسن الأشعري فجعل آراءهم ستة. وبعد إمعان النظر في ذلك كله وجدت أن جميع الآراء التي ذكرها الأشعري بالإضافة إلى ما تقدم، ترجع في جملتها إلى رأيين اثنين لا ثالث لهما.
والخلاف في تعدد الآراء إنما يرجع إلى اللفظ لا إلى الحقيقة، وهذان الرأيان هما:
стр. 1572
١ - إن الإيمان هو جميع الطاعات فرضها ونفلها، واجتناب الكبائر. ٢ - إن الإيمان هو جميع الطاعات الفرض منها دون النفل، واجتناب الكبائر وقد ذكر هذين الرأيين القاضي عبد الجبار حيث قال: الإيمان عند أبي علي وأبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات الفرائض دون النوافل، واجتناب المقبحات. وعند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبحات. قال المعلق: وهو الصحيح من المذهب الذي اختاره قاضي القضاة (١).ورأي المعتزلة الذي تتفق عليه والذي يبدو واضحا من التعريفين السالفين هو جعل الطاعات المفروضة من الإيمان وهذا هو بعينه مذهب الزيدية الذين يوافقونهم في هذا الباب (٢). والخلاف كما هو واضح ينحصر بينهم في النوافل هل هي داخلة في الإيمان أو لا. وحينما يعبرون بالطاعات فإنهم يقصدون الطاعات التي تصدر عن القلب، فطاعته اعتقاده وتصديقه، وعن اللسان وطاعته قوله الخير وتعبيره عما في قلبه، والعمل ببقية الجوارح سواء كان ذلك مفروضا أو نافلة. وقد ذكر أحمد بن يحيى بن المرتضى في كتابه (طبقات المعتزلة) إجماعهم على هذا المعنى حيث قال: أجمعت المعتزلة على أن الإيمان قول ومعرفة وعمل (٣).
وإذا فالمعتزلة قد عولوا على العمل كثيرا، والعمل عندهم له شأن لأنه لا قيمة للتكاليف إذا لم يقم بها من كلفوا بأدائها، ولهذا جعلوا الإيمان قولا ومعرفة وعملا، فالقول لا بد منه حتى يكون كالبيان والإظهار لما في القلب، ولا يمكن أن نميز المؤمن عن غيره إلا بالنطق باللسان ولا يقل العمل عندهم في تحقيق الإيمان عن الركنين الآخرين. وهذا الأمر موضع اتفاق بين المعتزلة والسلف.
أما أدلة المعتزلة على ما ذهبوا إليه في حقيقة الإيمان، فهي بعينها أدلة السلف في هذا الباب، وقد تقدم ذكرها فأكتفي هنا ببيان مثال منها لتتبين الموافقة في طريقة الاستدلال.
فمن أدلة المعتزلة من القرآن الكريم قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]. يقول القاضي عبد الجبار: إن هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس هو القول باللسان، أو اعتقاد القلب على ما ذهب المخالف إليه، ولكنه كل واجب وطاعة، لأنه تعالى ذكر في صفة المؤمنين ما يختص بالقلب، وما يختص بالجوارح، لما اشترك الكل في أنه من الطاعات والفرائض. ومما استدلوا به من الأحاديث النبوية الشريفة: حديث شعب الإيمان - وقد تقدم - فقد ذكره كدليل للمعتزلة على هذا الرأي العالم الزيدي جعفر بن أحمد بن عبد السلام في كتابه (أمالي القاضي عبد الجبار المعتزلي)، وعقب عليه بذكر كلام القاضي عبد الجبار على هذا الحديث حيث قال قاضي القضاة: وإنما أراد ﷺ أن يأتي بالشهادة على معرفة وبصيرة، لا كما ينطق بها المنافق، ودل بذلك على أن الإيمان كما يدخل فيه القول، كذلك يدخل فيه الفعل بالجوارح (٤). وقد ذكر المصنف أدلة مماثلة، وسرد طريقة المعتزلة في الاستدلال بها على هذا النمط، الذي هو بعينه استدلال السلف، فلا داعي لإعادتها.
المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي - ص ١٢١
стр. 1573
المبحث الثاني: الصلة بين الإيمان والإسلام يرى المعتزلة أن الإيمان والإسلام اسمان لمسمى واحد فعندما يذكر الإسلام فهو الإيمان بعينه، وعندما يذكر الإيمان فيراد به الإسلام أيضا، وإذا فالترادف بينهما هو ما ذهب إليه القوم، فهذان اللفظان عندهم جعلا اسما لمن يستحق المدح والتعظيم لا فرق بينهما إلا من حيث اللفظ فقط، يدل على هذا ما ذكره القاضي عبد الجبار حيث قال: قولنا مؤمن من الأسماء التي نقلت من اللغة إلى الشرع، وصار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم، كما أن قولنا مؤمن جعل بالشرع اسما لمن يستحق التعظيم والإجلال، فكذلك قولنا: مسلم، جعل بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم حتى لا فرق بينهما إلا من جهة اللفظ (١).ثم ساق القاضي بعد ذلك أدلة أصحابه على هذا الرأي حيث استدل أولا بأن اسم المسلم نقل من معناه اللغوي الذي هو الانقياد والاستسلام إلى معنى شرعي جديد غير معناه اللغوي حيث أصبح في الشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم لأنه لو كان مبقى على أصله اللغوي لجاز إجراؤه على الكافر إذا انقاد للغير، ومعلوم خلاف ذلك، ولما كان يجوز إجراؤه على النائم والساهي. لأن الانقياد منهما غير مقصود، ولكان يجب أن لا يسمى الآن بهذا الاسم إلا المشتغل به دون من سبق منه الإسلام، ومتى قيل كذا، قلنا: يلزم على هذا أن لا تسمى أصحاب النبي الآن مسلمين حقيقة، وقد عرف خلاف ذلك، ولكان يجب أيضا أن لا يزول هذا الاسم بالندم وغيره، وقد عرف خلاف (٢). اهـ. (بتصرف). ثم استدل بعد ذلك على هذا النقل – أي نقل اسم الإسلام من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي الجديد – استدل بقوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥]، فقال: سمى هذه الجمل دينا، ثم بين في آية أخرى أن الدين عند الله الإسلام، ولو كان مبقى على أصل اللغة لم يصح ذلك، لأنه في الأصل غير مستعمل في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهذا كما يدل على أنه غير مبقى على الأصل، فإنه يدل على أنه لا يجوز إجراؤه إلا على من يستحق المدح والتعظيم كالمؤمن سواء (٣).وقال أيضا: ومما يدل على أن الدين والإسلام واحد قوله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] والمعلوم أنه لو اتخذ الإيمان دينا لقبل منه (٤).
стр. 1574
فالآية الأولى استدل بها على أن الإسلام نقل من معناه اللغوي المعروف إلى معنى شرعي فيه انقياد مخصوص ووجه الاستدلال واضح من كلامه. أما هذه الآية الثانية فقد استدل بها على الترادف بين الإيمان والإسلام الشرعيين، ووجه ذلك أن الله ﵎ صرح في الآية بأن أي دين غير دين الإسلام فهو مردود مرفوض ولا أحد ينكر أن من اتخذ الإيمان دينا أن ذلك مقبول بدون جدال، فدل ذلك على اتحاد معنى الإيمان والإسلام، واندراجهما تحت كلمة دين. ومن أدلتهم على الترادف أيضا قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، قال عبد الجبار: فلو لم يكن أحدهما هو الآخر لكان لا يصح الاستثناء على هذا الوجه (١).ويقول أيضا في كتابه (متشابه القرآن) في بيان المراد من قوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤]، يقول: فإنه لا يدل على أن الإيمان غير الإسلام، وذلك أن المراد بهذا الكلام أنهم لم يؤمنوا في الحقيقة، وانقادوا واستسلموا، فذكر تعالى في حالهم ما ذكره يبين ذلك أنه تعالى قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] ومن لم يدخل الإيمان في قلبه البتة لا يكون مسلما عند أحد إلا بعض المتأخرين فإنه يقول في مظهر الشهادتين أنه مسلم، لكنه لا يقول مع ذلك أنه مؤمن أيضا، فلا يقدح خلافه فيما ذكرناه (٢).
إلى غير ذلك مما استدل به القوم على ما ذهبوا إليه من القول بالترادف بين الإيمان والإسلام، من حيث الحقيقة الشرعية، فكما أن الإيمان تصديق وقول وعمل، فكذلك الإسلام وكما أن الإيمان يزيد وينقص، على ما سنبين من مذهبهم في ذلك فكذلك الإسلام يزيد وينقص، وكما أن اسم الإيمان يسلب كلية عن مرتكب الذنب الكبير، فكذلك اسم الإسلام. ومذهبهم هذا – الإيمان القول بالترادف بين الإيمان والإسلام قد تقدم في بيان مذهب السلف في هذه الناحية أنه أحد أقوالهم. وأدلة القائلين بالترادف من السلف وغيرهم متقاربة، والله أعلم.
المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي – ص ١٢٦
стр. 1575
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصه أما عن زيادة الإيمان ونقصه عندهم، فإنهم حين قالوا بتكون الإيمان من العناصر الثلاثة السالفة الذكر، وتلك يتفاوت الناس في الإتيان بها من ناحية التكاليف، إذ الناس يتفاوتون في التكليف، فقد يكلف أحدهم بما لم يكلف به الآخر، وذلك مثل الزكاة فإن التكليف بها يخص الغني دون الفقير، إذ الفقير لا مال لديه حتى يزكيه، وكذلك الصلاة فإن الصحيح المعافى مكلف فيها بما لم يكلف به المريض وذلك كالقيام، والوضوء ونحوها، ولهذا فإن الإنسان قد يزيد إيمانه على إيمان غيره بزيادة التكاليف في حقه لعدم قدرة الآخر عليها، فإذا الإنسان المسلم يزيد إيمانه وينقص عند المعتزلة من هذا الوجه. يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد بعد سوقه آية الأنفال السالفة الذكر إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال ٢ - ٣]، إن هذه الآية تدل على أن الإيمان يزيد وينقص على ما نقوله، لأنه إذا كان عبارة عن هذه الأمور التي يختلف التعبد فيها على المكلفين، فيكون اللازم لبعضهم أكثر مما يلزم الغير، فتجب صحة الزيادة والنقصان، وإنما يمتنع ذلك لو كان الإيمان خصلة واحدة هو القول باللسان أو اعتقادات مخصوصة بالقلب (١).ويقول في كتاب (المختصر في أصول الدين): (فإن قال: أفتقولون في الإيمان أنه يزيد وينقص؟ قيل له: نعم، لأن الإيمان كل واجب يلزم المكلف القيام به، والواجب على بعض المكلفين أكثر من الواجب على غيره، فهو يزيد وينقص من هذا الوجه. وقد وصف الله تعالى الصلاة بذلك فقال: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة: ١٤٣] كما وصفه دينا فقال: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥]، وقال ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له)) (٢) , و ((لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) (٣) فجعل من الإيمان ترك السرقة، فبطل قول المرجئة في أن الإيمان قول فقط، أو قول واعتقاد، وأنه لا يزيد ولا ينقص وعلى هذا المذهب يصح تفاضل العباد في الإيمان، فيكون إيمان الرسول ﵇ أعظم من إيمان غيره على قولنا، وعلى قولهم لا يصح) (٤).
فإذا مذهب المعتزلة هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف فالزيادة والنقصان عندهم شيء نسبي بين المكلفين فذاك الشخص إيمانه أكثر من إيمان هذا لأن ذاك كلف بشيء زائد لم يكلف به الآخر، والآخر غير مؤاخذ على تركه لأنه لم يكلف به لعدم قدرته عليه، أو لوجود مانع يمنع من ذلك كالحيض للنساء، مثلا، ومن هذا يتبين لنا أن الإنسان الواحد عندهم لا يتصور في إيمانه زيادة ولا نقصان إلا بالنسبة لغيره فالزيادة في كم الإيمان لا في كيفه، لهذا فإنه يظهر من مذهبهم أنهم يوافقون المرجئة في القول بأن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص لأن التكليف فيه واحد على المكلفين جميعا. ولهذا تبدو مخالفتهم للسلف في هذه المسألة من عدة وجوه:
стр. 1576
١ - إن الزيادة والنقصان في الإيمان نسبية بين الأشخاص فزيد أكثر إيمانا من عمرو، لأن زيدا غني فهو مكلف بأمر زائد وهو الزكاة التي لم يكلف بها عمرو لفقره. والشخص الواحد لا يزيد إيمانه بالطاعة وينقص بالمعصية: لأن المعصية أمر يخرجه من الإيمان بالكلية.
٢ - إن المعصية لا اعتبار لها في زيادة الإيمان ونقصه – كما ذهب إليه السلف لأنها عند المعتزلة تخرجه من الإيمان وتخلده في النار.
٣ - إن الزيادة في الكم الذي يكون بطاعات الجوارح وتكاليفها، أما الكيف فلا زيادة فيه ولا نقصان لاستواء المكلفين في وجوب التصديق القلبي الذي لا تجزئة فيه، ولعدم قبوله للزيادة والنقصان عندهم. وقد استدل المعتزلة على مذهبهم في زيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف بما تقدم وروده من آيات في النصوص التي نقلتها عن القاضي عبد الجبار ووجه استدلالهم بها:
أن الإيمان إذا كان عبارة عن تلك الخصال المذكورة، والناس يتفاوتون في التكليف بها، فإن الإيمان يزيد وينقص من هذا الوجه، أما الأحاديث التي ذكرها فإن وجه استدلاله بها على هذا الرأي غير واضح لأن السرقة كبيرة وعندهم يسلب صاحبها اسم الإيمان ويخلد في النار، وكذلك ترك الأمانة، والتكليف بها واحد بين الناس. فجميع المسلمين مكلفون باجتناب السرقة لما فيها من اعتداء على أموال الغير، وكذلك واجب على الكل مراعاة التخلق بالأمانة والاتصاف بها. نعم استدل السلف بهذين الحديثين وأمثالهما على زيادة الإيمان ونقصه، ولكنهم لا يرون سلب مرتكب الذنب الكبير من الإيمان بالكلية، والقول بتخليده في النار كما فعل المعتزلة، لذلك كان استدلالهم سائغا مقبولا، فإذا هذه الأحاديث وأمثالها حجة على المعتزلة لا لهم.
وجعل المعتزلة ترك السرقة وفعل الأمانة من الإيمان لا غبار عليه ولا اعتراض، ولكن كيف يقال: إن الناس المتفاوتين في ترك السرقة متفاوتون في الإيمان، مع أن السرقة أمر محرم واجب على جميع المكلفين اجتنابه، وعلى مذهب المعتزلة فاعل السرقة لم يعد مؤمنا فكيف يقال بأن الإيمان تاركها أكثر من إيمانه مع أن فاعلها لم يعد معه إيمان يمكن المفاضلة بينه وبين إيمان التارك. فإذا مثل هذين الحديثين لا دليل فيه للمعتزلة بل دليل عليهم، لأن فيها نفي للكمال الدال على وجود الإيمان الناقص، والله أعلم.
المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي – ص ١٢٩
стр. 1577
المبحث الرابع: منهج المعتزلة في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد
بدأ هذا التيار مع ظهور المعتزلة في القرن الثاني الهجري وما بعده، ويعود بروزه إلى عناية المعتزلة باللغة العربية واهتمامهم بها طلباً لدعم أصولها باللغة، واحتضان بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، ومساعدتهم لهم على ترويج بضاعتهم الفكرية، وبلغ أوج مجده في القرن الرابع الهجري إبان الدولة البويهية، وبالتحديد أيام عضد الدولة البويهي "ت ٣٧٢هـ"، والصاحب بن عباد "ت ٣٨٥هـ"، وأبي علي الفارسي "ت ٣٧٧هـ"، وابن جني "ت ٣٩٢هـ"، والرماني "ت ٣٨٤"، والشريف الرضي "ت ٤٠٦هـ"، واستمر على الوتيرة نفسها حتى القرن الخامس الهجري، ثم بدأ يضعف بعد القرن السادس الهجري نظراً لتقلص دور المعتزلة بوجه عام، وبروز الأشعرية كقوة منافسة لهم، وممن اشتهر بهذا المنهج الاعتزالي قطرب "ت ٢٠٦هـ"، والأخفش الأوسط "ت ٢١٥هـ"، والجاحظ "ت ٢٥٥هـ"، وأبو علي الفارسي "ت ٣٧٧هـ"، وابن جني "ت ٣٩٢هـ"، والرماني "ت ٣٨٤هـ"، والشريف الرضي "ت ٤٠٦هـ"، وأخوه المرتضى "ت ٤٣٦هـ" وجار الله محمود بن عمر الزمخشري "ت ٥٣٨هـ"، وغيرهم.
وللمنهج الاعتزالي في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد سمات، منها ما يلي:
- الاعتماد على العقل في تفسير المفردات الشرعية اللغوية:
لما كان العقل مرتكز المعتزلة الأول لتقرير العقائد، جعلوه حكماً على غيره من المصطلحات الشرعية واللغوية، دون مراعاة لما تعرفه العرب من لغاتها، ما تدل عليه النصوص من المعاني الشرعية بصيغها العربية، فعلى ضوئه فسروا المفردات الشرعية واللغوية معتبرين ما يوافق أهواءهم، وأوضح مثال على ذلك: الاستواء، فإنه في اللغة دال على الارتفاع والعلو، لكن المعتزلة استخدموا العقل في تفسيره فحملوه على الاستيلاء والاقتدار؛ لأن العقل قد دل عندهم على تنزيه الله عن الأماكن والجهات. قال القاضي عبدالجبار "ت ٤١٥هـ" في الاستواء: "قد بينا أن المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار، وبينا شواهد ذلك في اللغة والشعر، وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل أنه تعالى قديم، ولو كان جسماً يجوز عليه الإمكان لكان محدثاً، تعالى الله عن ذلك" (١).وقال الشريف المرتضى "ت ٤٣٦هـ" وهو من لغويي القرن الرابع والخامس: "فكل ما ورد في القرآن مما له ظاهر ينافي العصمة، ويقتضي وقوع الخطأ منهم، فلابد من صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة والمجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره، وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك، ألا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على الله تعالى من الحركة والانتقال كقوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، وقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة: ٢١٠]، ولابد مع وضوح الأدلة على أن الله تعالى ليس بجسم، واستحالة الانتقال عليه، الذي لا يجوز إلا على الأجسام، من تأول هذه الظواهر، والعدول عما يقتضيه صريح ألفاظها، قرب التأويل أو بعد" (٢).
стр. 1578
- الاعتماد على اللغة المجردة والأشعار في تفسير النصوص الشرعية: تعتبر الطريقة اللغوية لدى المعتزلة المبدأ الأعلى في تفسير القرآن بعد العقل، ولذلك يحاولون إبطال المعنى الذي يرونه مخالفاً لمبادئهم باللغة المجردة، فإذا لم يحالفهم الحظ أثبتوا للفظ معنى آخر موجوداً في اللغة يزيل الاشتباه ويتفق مع مذاهبهم، فيستشهدون عليه بأدلة من اللغة والشعر (١).ومن شواهد اعتمادهم على اللغة المجردة: رد إبراهيم النظام وغيره من المعتزلة تفسير بعض السلف للويل: بأنه واد في جهنم، والطلح: أنه الموز، والفلق: بأنه واد في جهنم، بدعوى أن هذه التفسيرات مخالفة للغة العربية، وأن معنى الويل، والطلح، والفلق، معروفة في كلام العرب (٢).وزعموا أن الاستواء في القرآن بمعنى الاستيلاء، واعتمدوا على قول الشاعر (٣):
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق (٤)
مع أن هذا البيت مصنوع لا يعرف قائله.
- تجريد الألفاظ العربية من المعاني التي تدل عليها: ولما كانت البدعة معقد المعتزلة ومرساها، جعلوا المفردات العربية تابعة لأغراضهم لا متبوعة، فإذا جاء لفظ دال بعربيته على معنى من المعاني يصطدم مع مقاصدهم جردوه عن معناه ومدلوله، كتجريدهم أسماء الله عن معانيها، فإنهم جعلوها أعلاماً جامدة لا معنى لها ولا دلالات لغوية، مع أنها دالة بالوضع اللغوي على صفات ثابتة له؛ فقالوا: عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، وحي بلا حياة؛ لأن إثبات معانيها التي هي الصفات يقتضي عندهم تعدد القدماء، وهذا باطل فالله تعالى بصفاته قديم، وليس شيء منها محدثاً، والشبهة هذه بنوها على توهم التفريق بين الله وبين صفاته، واعتبارها مخلوقات غيره (٥).
- حمل الألفاظ العربية على ما يتلاءم مع عقائدهم إن تعدد مدلولها معنى ورسماً، من غير مراعاة للسياق:
стр. 1579
ومثال ما تعدد مدلوله معنى: اليد، فإنها تأتي لليد الحقيقية، وبمعنى النعمة والعطية، ولكن السياق هو الذي يحدد المراد، لكن المعتزلة حملوها دائماً في صفات الله على المعنى الثاني. قال الأخفش: "وقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤]، فذكروا أنها العطية والنعمة، وكذلك: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] كما تقول: إن لفلان عندي يداً، أي نعمة، وقال: أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي أولي النعم، وقد تكون اليد في وجوه: تقول: بين يدي الدار؛ يعني قدامها، وليست للدار يدان" (١).ومن هذا الباب ما حكي عن بعض المعتزلة في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] أنه من الكلم؛ أي: الجرح، قالوا: ويكون المعنى: "وجرح الله موسى بأظافر المحن ومخالب الفتن" (٢). والذي ألجأهم إلى حمل "كلم" بالتشديد على "كلم" المخففة الدالة على الجرح هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله، فوقعوا في التحريف. ومثال ما تعدد مدلوله باختلاف الرسم والضبط: لفظ الصور، فإنه جاء في القرآن مقصوداً به الذي ينفخ في القيامة، لكن المعتزلة لما كانوا لا يقرون بالسمعيات حملوا الصور على الصور فقالوا: الصور جمع صورة، بمعنى نفخ الله في صور الأرواح (٣).وعلى هذا الوجه جرى تفسيرهم لقوله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١] بأنه بشم من أكل الشجرة، من قول العرب: غوى الفصيل: إذا أكثر من اللبن حتى يبشم، بناء على مفهوم العصمة عندهم، حيث يرون عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر، وأنه لا يجوز عليهم الخطأ مطلقاً (٤).
стр. 1580
- التصرف في معاني النصوص بالوجوه الإعرابية، والقراءات الشاذة: فمثال الأول: ما ورد في قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: ٢٨]؛ فإن الجمهور على إسناد الفعل لـ "أنا" وهو ضمير العظمة العائد إليه سبحانه، و "قلبه" بالفتح مفعول به كما عليه القراءة المتواترة، على معنى: جعلناه غافلاً، فالإغفال فعل الله في العبد بمشيئته وإرادته (١).وخالفتهم المعتزلة، فزعموا أن المعنى: وجدناه، أو صادفناه كذلك، أو نسبناه إلى الغفلة، أو سميناه غافلاً، لا أن الله فعل به ذلك، واستندوا إلى قراءة شاذة لعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى بن سيار الأسواريان في الآية، بفتح اللام في أَغْفَلْنَا، ورفع الباء في قَلْبَهُ على أنه فاعل، بمعنى من نسينا قلبه؛ فأصبح غافلاً عنا، قالوا: هو المتعين؛ لأن الله عادل ولا يفعل القبيح، فهو منزه عنه (٢).قال الزمخشري وهو ينصر هذا التفسير بعد أن ذكره: "وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وقرئ: أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ بإسناد الفعل للقلب، على معنى: حسبنا قلبه غافلاً، من أغفلته: إذا وجدته غافلاً" (٣).ومثال الثاني: قراءة عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد وبعض المعتزلة لقوله تعالى: مِن شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: ٢] بالتنوين والنفي (٤)، مخالفين قراءة الجماهير بالإضافة، واعتبار مَا موصلية. قال ابن عطية: "وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء" (٥).وكذلك تأييد ابن جني لقراءة منسوبة لإبراهيم النخعي في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] بنصب "الله"، فقال: "يشهد لهذه القراءة قوله حكاية عن موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، وغيره من الآي التي فيها كلامه لله تعالى" (٦).والحامل لهم على هذا الإعراب، ومخالفة القراءات المتواترة، هو ما تدل عليه آية "سورة الكهف" من خلق الله أفعال العباد، وآية "سورة الناس" من خلق الله للشر، وهم لا يقولون بذلك، وما تدل عليه آية "سورة النساء" من إثبات صفة الكلام لله سبحانه، فاضطروا إلى الإعراب الشاذ في الموضع الأول، وإلى القراءة الشاذة في الموضعين الثاني والثالث (٧).