← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

١ - إن الزيادة والنقصان في الإيمان نسبية بين الأشخاص فزيد أكثر إيمانا من عمرو، لأن زيدا غني فهو مكلف بأمر زائد وهو الزكاة التي لم يكلف بها عمرو لفقره. والشخص الواحد لا يزيد إيمانه بالطاعة وينقص بالمعصية: لأن المعصية أمر يخرجه من الإيمان بالكلية. ٢ - إن المعصية لا اعتبار لها في زيادة الإيمان ونقصه – كما ذهب إليه السلف لأنها عند المعتزلة تخرجه من الإيمان وتخلده في النار. ٣ - إن الزيادة في الكم الذي يكون بطاعات الجوارح وتكاليفها، أما الكيف فلا زيادة فيه ولا نقصان لاستواء المكلفين في وجوب التصديق القلبي الذي لا تجزئة فيه، ولعدم قبوله للزيادة والنقصان عندهم. وقد استدل المعتزلة على مذهبهم في زيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف بما تقدم وروده من آيات في النصوص التي نقلتها عن القاضي عبد الجبار ووجه استدلالهم بها: أن الإيمان إذا كان عبارة عن تلك الخصال المذكورة، والناس يتفاوتون في التكليف بها، فإن الإيمان يزيد وينقص من هذا الوجه، أما الأحاديث التي ذكرها فإن وجه استدلاله بها على هذا الرأي غير واضح لأن السرقة كبيرة وعندهم يسلب صاحبها اسم الإيمان ويخلد في النار، وكذلك ترك الأمانة، والتكليف بها واحد بين الناس. فجميع المسلمين مكلفون باجتناب السرقة لما فيها من اعتداء على أموال الغير، وكذلك واجب على الكل مراعاة التخلق بالأمانة والاتصاف بها. نعم استدل السلف بهذين الحديثين وأمثالهما على زيادة الإيمان ونقصه، ولكنهم لا يرون سلب مرتكب الذنب الكبير من الإيمان بالكلية، والقول بتخليده في النار كما فعل المعتزلة، لذلك كان استدلالهم سائغا مقبولا، فإذا هذه الأحاديث وأمثالها حجة على المعتزلة لا لهم. وجعل المعتزلة ترك السرقة وفعل الأمانة من الإيمان لا غبار عليه ولا اعتراض، ولكن كيف يقال: إن الناس المتفاوتين في ترك السرقة متفاوتون في الإيمان، مع أن السرقة أمر محرم واجب على جميع المكلفين اجتنابه، وعلى مذهب المعتزلة فاعل السرقة لم يعد مؤمنا فكيف يقال بأن الإيمان تاركها أكثر من إيمانه مع أن فاعلها لم يعد معه إيمان يمكن المفاضلة بينه وبين إيمان التارك. فإذا مثل هذين الحديثين لا دليل فيه للمعتزلة بل دليل عليهم، لأن فيها نفي للكمال الدال على وجود الإيمان الناقص، والله أعلم. المصدر: الإيمان بين السلف والمتكلمين لأحمد الغامدي – ص ١٢٩

стр. 1577

المبحث الرابع: منهج المعتزلة في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد بدأ هذا التيار مع ظهور المعتزلة في القرن الثاني الهجري وما بعده، ويعود بروزه إلى عناية المعتزلة باللغة العربية واهتمامهم بها طلباً لدعم أصولها باللغة، واحتضان بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، ومساعدتهم لهم على ترويج بضاعتهم الفكرية، وبلغ أوج مجده في القرن الرابع الهجري إبان الدولة البويهية، وبالتحديد أيام عضد الدولة البويهي "ت ٣٧٢هـ"، والصاحب بن عباد "ت ٣٨٥هـ"، وأبي علي الفارسي "ت ٣٧٧هـ"، وابن جني "ت ٣٩٢هـ"، والرماني "ت ٣٨٤"، والشريف الرضي "ت ٤٠٦هـ"، واستمر على الوتيرة نفسها حتى القرن الخامس الهجري، ثم بدأ يضعف بعد القرن السادس الهجري نظراً لتقلص دور المعتزلة بوجه عام، وبروز الأشعرية كقوة منافسة لهم، وممن اشتهر بهذا المنهج الاعتزالي قطرب "ت ٢٠٦هـ"، والأخفش الأوسط "ت ٢١٥هـ"، والجاحظ "ت ٢٥٥هـ"، وأبو علي الفارسي "ت ٣٧٧هـ"، وابن جني "ت ٣٩٢هـ"، والرماني "ت ٣٨٤هـ"، والشريف الرضي "ت ٤٠٦هـ"، وأخوه المرتضى "ت ٤٣٦هـ" وجار الله محمود بن عمر الزمخشري "ت ٥٣٨هـ"، وغيرهم. وللمنهج الاعتزالي في تعامله مع اللغة العربية لتقرير العقائد سمات، منها ما يلي: - الاعتماد على العقل في تفسير المفردات الشرعية اللغوية: لما كان العقل مرتكز المعتزلة الأول لتقرير العقائد، جعلوه حكماً على غيره من المصطلحات الشرعية واللغوية، دون مراعاة لما تعرفه العرب من لغاتها، ما تدل عليه النصوص من المعاني الشرعية بصيغها العربية، فعلى ضوئه فسروا المفردات الشرعية واللغوية معتبرين ما يوافق أهواءهم، وأوضح مثال على ذلك: الاستواء، فإنه في اللغة دال على الارتفاع والعلو، لكن المعتزلة استخدموا العقل في تفسيره فحملوه على الاستيلاء والاقتدار؛ لأن العقل قد دل عندهم على تنزيه الله عن الأماكن والجهات. قال القاضي عبدالجبار "ت ٤١٥هـ" في الاستواء: "قد بينا أن المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار، وبينا شواهد ذلك في اللغة والشعر، وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل أنه تعالى قديم، ولو كان جسماً يجوز عليه الإمكان لكان محدثاً، تعالى الله عن ذلك" (١).وقال الشريف المرتضى "ت ٤٣٦هـ" وهو من لغويي القرن الرابع والخامس: "فكل ما ورد في القرآن مما له ظاهر ينافي العصمة، ويقتضي وقوع الخطأ منهم، فلابد من صرف الكلام عن ظاهره، وحمله على ما يليق بأدلة العقول؛ لأن الكلام يدخله الحقيقة والمجاز، ويعدل المتكلم به عن ظاهره، وأدلة العقول لا يصح فيها ذلك، ألا ترى أن القرآن قد ورد بما لا يجوز على الله تعالى من الحركة والانتقال كقوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، وقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة: ٢١٠]، ولابد مع وضوح الأدلة على أن الله تعالى ليس بجسم، واستحالة الانتقال عليه، الذي لا يجوز إلا على الأجسام، من تأول هذه الظواهر، والعدول عما يقتضيه صريح ألفاظها، قرب التأويل أو بعد" (٢).

стр. 1578

- الاعتماد على اللغة المجردة والأشعار في تفسير النصوص الشرعية: تعتبر الطريقة اللغوية لدى المعتزلة المبدأ الأعلى في تفسير القرآن بعد العقل، ولذلك يحاولون إبطال المعنى الذي يرونه مخالفاً لمبادئهم باللغة المجردة، فإذا لم يحالفهم الحظ أثبتوا للفظ معنى آخر موجوداً في اللغة يزيل الاشتباه ويتفق مع مذاهبهم، فيستشهدون عليه بأدلة من اللغة والشعر (١).ومن شواهد اعتمادهم على اللغة المجردة: رد إبراهيم النظام وغيره من المعتزلة تفسير بعض السلف للويل: بأنه واد في جهنم، والطلح: أنه الموز، والفلق: بأنه واد في جهنم، بدعوى أن هذه التفسيرات مخالفة للغة العربية، وأن معنى الويل، والطلح، والفلق، معروفة في كلام العرب (٢).وزعموا أن الاستواء في القرآن بمعنى الاستيلاء، واعتمدوا على قول الشاعر (٣): قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق (٤) مع أن هذا البيت مصنوع لا يعرف قائله. - تجريد الألفاظ العربية من المعاني التي تدل عليها: ولما كانت البدعة معقد المعتزلة ومرساها، جعلوا المفردات العربية تابعة لأغراضهم لا متبوعة، فإذا جاء لفظ دال بعربيته على معنى من المعاني يصطدم مع مقاصدهم جردوه عن معناه ومدلوله، كتجريدهم أسماء الله عن معانيها، فإنهم جعلوها أعلاماً جامدة لا معنى لها ولا دلالات لغوية، مع أنها دالة بالوضع اللغوي على صفات ثابتة له؛ فقالوا: عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، وحي بلا حياة؛ لأن إثبات معانيها التي هي الصفات يقتضي عندهم تعدد القدماء، وهذا باطل فالله تعالى بصفاته قديم، وليس شيء منها محدثاً، والشبهة هذه بنوها على توهم التفريق بين الله وبين صفاته، واعتبارها مخلوقات غيره (٥). - حمل الألفاظ العربية على ما يتلاءم مع عقائدهم إن تعدد مدلولها معنى ورسماً، من غير مراعاة للسياق:

стр. 1579

ومثال ما تعدد مدلوله معنى: اليد، فإنها تأتي لليد الحقيقية، وبمعنى النعمة والعطية، ولكن السياق هو الذي يحدد المراد، لكن المعتزلة حملوها دائماً في صفات الله على المعنى الثاني. قال الأخفش: "وقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤]، فذكروا أنها العطية والنعمة، وكذلك: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] كما تقول: إن لفلان عندي يداً، أي نعمة، وقال: أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي أولي النعم، وقد تكون اليد في وجوه: تقول: بين يدي الدار؛ يعني قدامها، وليست للدار يدان" (١).ومن هذا الباب ما حكي عن بعض المعتزلة في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] أنه من الكلم؛ أي: الجرح، قالوا: ويكون المعنى: "وجرح الله موسى بأظافر المحن ومخالب الفتن" (٢). والذي ألجأهم إلى حمل "كلم" بالتشديد على "كلم" المخففة الدالة على الجرح هو فرارهم من إثبات صفة الكلام لله، فوقعوا في التحريف. ومثال ما تعدد مدلوله باختلاف الرسم والضبط: لفظ الصور، فإنه جاء في القرآن مقصوداً به الذي ينفخ في القيامة، لكن المعتزلة لما كانوا لا يقرون بالسمعيات حملوا الصور على الصور فقالوا: الصور جمع صورة، بمعنى نفخ الله في صور الأرواح (٣).وعلى هذا الوجه جرى تفسيرهم لقوله تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١] بأنه بشم من أكل الشجرة، من قول العرب: غوى الفصيل: إذا أكثر من اللبن حتى يبشم، بناء على مفهوم العصمة عندهم، حيث يرون عصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر، وأنه لا يجوز عليهم الخطأ مطلقاً (٤).

стр. 1580

- التصرف في معاني النصوص بالوجوه الإعرابية، والقراءات الشاذة: فمثال الأول: ما ورد في قوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف: ٢٨]؛ فإن الجمهور على إسناد الفعل لـ "أنا" وهو ضمير العظمة العائد إليه سبحانه، و "قلبه" بالفتح مفعول به كما عليه القراءة المتواترة، على معنى: جعلناه غافلاً، فالإغفال فعل الله في العبد بمشيئته وإرادته (١).وخالفتهم المعتزلة، فزعموا أن المعنى: وجدناه، أو صادفناه كذلك، أو نسبناه إلى الغفلة، أو سميناه غافلاً، لا أن الله فعل به ذلك، واستندوا إلى قراءة شاذة لعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وموسى بن سيار الأسواريان في الآية، بفتح اللام في أَغْفَلْنَا، ورفع الباء في قَلْبَهُ على أنه فاعل، بمعنى من نسينا قلبه؛ فأصبح غافلاً عنا، قالوا: هو المتعين؛ لأن الله عادل ولا يفعل القبيح، فهو منزه عنه (٢).قال الزمخشري وهو ينصر هذا التفسير بعد أن ذكره: "وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وقرئ: أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ بإسناد الفعل للقلب، على معنى: حسبنا قلبه غافلاً، من أغفلته: إذا وجدته غافلاً" (٣).ومثال الثاني: قراءة عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد وبعض المعتزلة لقوله تعالى: مِن شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: ٢] بالتنوين والنفي (٤)، مخالفين قراءة الجماهير بالإضافة، واعتبار مَا موصلية. قال ابن عطية: "وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، الله خالق كل شيء" (٥).وكذلك تأييد ابن جني لقراءة منسوبة لإبراهيم النخعي في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] بنصب "الله"، فقال: "يشهد لهذه القراءة قوله حكاية عن موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣]، وغيره من الآي التي فيها كلامه لله تعالى" (٦).والحامل لهم على هذا الإعراب، ومخالفة القراءات المتواترة، هو ما تدل عليه آية "سورة الكهف" من خلق الله أفعال العباد، وآية "سورة الناس" من خلق الله للشر، وهم لا يقولون بذلك، وما تدل عليه آية "سورة النساء" من إثبات صفة الكلام لله سبحانه، فاضطروا إلى الإعراب الشاذ في الموضع الأول، وإلى القراءة الشاذة في الموضعين الثاني والثالث (٧).

стр. 1581

- التصرف في دلالات الصيغ الفعلية تخريجاً على أصولهم العقدية: وذلك كتصرفهم في صيغتي "أفعال" و"فعل" المسندتين إلى المولى ، الدالتين على خلقه لأفعال العباد، حيث أحدثوا لها دلالات أخرى، وجعلوها تدل على معنى: سماه، أو وجده، أو صادفه، أو حكم عليه، أو شهد له بذلك؛ فراراً مما تدل عليه من خلق الله لأفعال العباد، وتصرفه فيها؛ مستندين إلى قاعدتهم في العدل أنه تعالى عادل لا يظلم أحداً، وهو منزه عن فعل القبيح، ولذلك قالوا في قوله – تعالى -: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية: ٢٣]، وقوله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف: ١٤٦]، وقوله: ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم [التوبة: ١٢٧]، وقوله: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة: ٧]، ونحوها من الآيات أن معناه: سماهم ضلالا، أو وجدهم كذلك، أو حكم عليهم بالضلال (١). واحتجوا على ذلك بقول الكميت: فطائفة قد أكفرتني بحبكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب (٢)

стр. 1582

أي: وجدوني بحبكم، أو حكموا عليَّ به (١).قال ابن قتيبة: "وذهب أهل القدر في قول الله – تعالى -: يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [النحل: ٩٣] إلى أنه على جهة التسمية، والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية، وقال فريق منهم: يضلهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبين لهم ويرشدهم، فخالفوا بين الحكمين، ونحن لا نعرف في اللغة: أفعلت الرجل: نسبته، وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى: فعلت، تقول: شجعت الرجل، وجبنته، وسرقته، وخطأته، وكفرته، وفسقته، وفجرته، ولحنته ... ولا يقال في شيء من هذا كله: أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك" (٢).وقال أبو بكر ابن الأنباري: "هذا التأويل فاسد؛ لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل؛ لأنه لا يلزم من قولنا: "أكفر" في الحكم صحة قولنا: "أضل"، وليس كل موضع صح فيه "فعل" صح "أفعال"؛ ألا ترى أنه يجوز أن يقال: كسره، ولا يجوز أن يقال: أكسره، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع" (٣).وقال ابن قيم الجوزية: "وأما تحريفهم هذه النصوص وأمثالها بأن المعنى ألفاهم، ووجدهم، ففي أي لسان وأي لغة وجدتم "هديت الرجل" إذا وجدته مهتدياً، أو ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة: وجده كذلك؟ وهل هذا إلا افتراء محض على القرآن واللغة؟ فإن قالوا: نحن لم نقل هذا في نحو ذلك، وإنما قلناه في نحو أضله الله، أي وجده ضالاً، كما يقال: أحمدت الرجل، وأبخلته، وأجبته، إذا وجدته كذلك، أو نسبته إليه، فيقال لفرقة التحريف: هذا إنما ورد في ألفاظ معدودة نادرة، وإلا فوضع هذا البناء على أنك فعلت ذلك به، ولا سيما إذا كانت الهمزة للتعدية من الثلاثي كقام وأقمته، وقعد وأقعدته، وذهب وأذهبته، وسمع وأسمعته، ونام وأنمته، وكذا ضل وأضله الله، وأسعده وأشقاه، وأعطاه وأخزاه، وأماته وأحياه، وأزاغ قلبه، وأقامه إلى طاعته، وأيقظه من غلفته، وأراه آياته، وأنزله منزلاً مباركاً، وأسكنه جنته، إلى أضعاف ذلك، هل تجد فيها لفظاً واحداً معناه أنه وحده كذلك؟ تعالى الله عما يقول المحرفون. ثم انظر في كتاب: (فعل وأفعال) هل تظفر فيه بأفعلته بمعنى وجدته مع سعة الباب إلا في الحرفين أو الثلاثة نقلاً عن أهل اللغة؟ ثم انظر هل قال أحد من الأولين والآخرين من أهل اللغة أن العرب وضعت أضله الله، وهداه، وختم على سمعه وقلبه، وأزاغ قلبه، وصرفه عن طاعته، ونحو ذلك لمعنى وجده كذلك؟! ولما أراد سبحانه الإبانة عن هذا المعنى قال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى: ٧]، ولم يقل: وأضلك، وقال في حق من خالف الرسول، وكفر بما جاء به: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ [الجاثية: ٢٣]، ولم يقل: ووجده الله ضالاً" (٤).والقاعدة الغالبة في العربية: أن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، والاختلاف في الحركات يؤدي إلى الاختلاف في المعنى (٥)، فحمل "أفعل" على "فعل" مخالف للعربية.

стр. 1583

وحملوا معاني "هدى" و"ختم"، و"طبع"، و"غشى" وأمثالها على الحكم بذلك، أو الوسم به، أو أنه تجوز وتمثيل، لا إحداث معانيها في العباد (١).وذهب الأخفش وأبو علي الفارسي إلى أن صيغة "فاعل" قد تكون من جهة واحدة، كما في قوله: يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢]، وأمثالها حرصاً منهما على نفي ما تدل عليه الآية من المفاعلة التي تقتضي وقوع المخادعة من الله على سبيل المقابلة (٢). - التصرف في دلالات الحروف والأدوات وتوجيهها حسب المذهب: وهذا باب واسع جداً، ومنتشر لدى المعتزلة، وقد ألف الرماني كتاباً سماه كتاب (معاني الحروف) (٣) ذكر فيه الحروف والأدوات والمعاني التي تأتي لكل حرف وأداة من أجل هذا الهدف، وطبقه في تفسيره (الجامع لعلوم القرآن) (٤)، واقتفاه الزمخشري فأخذ من ذلك قسطاً كبيراً في (الكشاف) (٥).ومثال هذا التصرف في الحروف الاختلاف في لام لِيَكُونَ من قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، فقد حملها الأخفش وقطرب وغيرهما من المعتزلة على لام العاقبة والصيرورة، وذهب الفراء أنها لام كي لكنها وقعت مكان لام التمليك (٦). وسبب صنيع الأخفش وقطرب هو ما يتضمنه القول بلام التعليل في الآية من إثبات القدر، وسبق علم الله بالتقاط آل فرعون لموسى من البحر؛ ليكون لهم عدواً وحزناً. قال نفطويه وهو يرد عليهما: "أما الأخفش وقطرب فإنهما رققا عن صبوح، وإنما أرادا أن ينصروا قول من يزعم أن الله لم يخلق المعاصي ولا أرادها، وأما الفراء فإنه ذكر الإعراب ونزل المعنى، واللام على الحقيقة لام "كي" لأن المعنى: أن الله تعالى علم أنه إذا أتاهم الأموال ضلوا، وعلم أن آل فرعون إذا التقطوا موسى كان لهم عدواً وحزناً، فأمكنهم الله من لقطه؛ ليمضي فيهم ما تقدم من علمه، فالمعنى: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا في علم الله تعالى لا في علمهم؛ لأن الله علم ما يكون من أمره، وكذلك قول الشاعر: ....................................... ... فللموت ما تلد الوالدة

стр. 1584

يعني في علم الله" (١).وأيد ابن كثير هذا فقال: "قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدواً وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [القصص: ٨] " (٢).وقال الرماني "ت ٣٨٤هـ" في مثال آخر: "ويقال: ما معنى: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا [آل عمران: ١٧٨]؟ الجواب: إنما نملي لهم على أن عاقبة أمرهم ازدياد الإثم، وهذه لام العاقبة، والدليل عليها: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، وقال الشاعر (٣): فأم سماكٍ فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده فاقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حية راصدة وقال آخر (٤): أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال آخر (٥): وللمنايا تربي كل مرضعة ... وللخراب يجد الناس بنيانا وقال (٦): ..................................... ... لدوا للموت وأبنوا للخراب

стр. 1585

ويقال: لم لا يجوز أن تحمل لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا على الأظهر من معنى اللام، وهو الإرادة لازدياد الآثام؟ الجواب: لأنه لو أراده منهم لكانوا مطيعين له بفعله، ولأن إرادة القبيح عبث، وقد نفى الله ذلك بقوله : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: ١١٥]، ولأنه يرد إلى المحكم في قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ [النساء: ٦٤] ".فانظر كيف حشر الرماني كل هذه الشواهد الشعرية لإثبات أن اللام في الآية لام العاقبة، مع تنصيصه صراحة على مخالفة الظاهر من معنى اللام الدالة على التعليل، وسبب مخالفته هو فهمه الاعتزالي الخطأ في الإرادة الإلهية، فجعل كل ما يريده الله محبوباً له، وبنى عليه في الآية أن يكون مريداً لزيادة الإثم لهم، وهذا قبيح عنده، فاضطر إلى تحريف معنى اللام بجعلها لام العاقبة، وليس ذلك بصواب، بل الله يفعل ما يريد، وفعله محمود دائماً، وهو كمال لا يستلزم قبحاً ولا نقصاً كما تتوهمه المعتزلة، والإرادة هنا كونية، ولا يلزم فيها أن تكون من محبوبات الله؛ حيث يقع فيها الخير والشر، بعكس الإرادة الشرعية التي لا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال (١).ومثاله من الأدوات: ما قاله الزمخشري في "لعل" عند قوله تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، فإنه لما ذكر أنها تأتي للترجي، وللإشفاق، وللإطماع، قال: "فإن قلت: فـ"لعل" التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليس مما ذكرناه في شيء؛ لأن قوله: خلقكم لعلكم تتقون، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم؛ لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة، وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً، ولكن "لعل" واقعة في هذه الآية موقع المجاز لا الحقيقة؛ لأن الله خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجحت حالة المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله : ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢]، وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار" (٢).والسر في جعله "لعل" مجازاً هو ما تقتضيه في صيغتها الرجائية من أن الله خلقهم لرجاء تقواهم، وذلك مخالف – كما ذكره – لما ذهبت إليه القدرية من أن الله خلق العباد محيرين في أفعالهم، فحملها على المجاز، وزعمه هذا ليس بصحيح، والصواب أنها واقعة موقع الحقيقة، وهي في كلام الله للتعليل المحض، ولا تصح للترجي لعدم صحة ذلك على الله، والمعنى أن خلقهم لأن يتقوه ويعبدون (٣)، كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. - التصرف في سياقات اللغة العربية بالتأويل، وادعاء أن هناك محذوفاً يجب تقديره:

стр. 1586

وهذا باب لا حدود له لدى المعتزلة، وأمثلته فوق الحصر، كتأويلهم صفة التجلي بتجلي أمر الله أو قدرته، وإتيانه في ظلل من الغمام بمجيء أمره، ونزول الله إلى السماء الدنيا بنزول أمره ورحمته، ومجيئه إلى الموقف للقضاء بمجيء أمره أو ملائكته، وهو من أكثر الوسائل التي استعملتها المعتزلة في نفي الصفات. قال قطرب في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣]: "تجلى بأمره أو قدرته، قال: وهي كقوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا [يوسف: ٨٢] يعني أمره؛ لأن الله ﵎ لا يزول، كما تقول: قد خشينا أن يأتينا بنو أمية، وإنما تعني حكمهم" (١).ولهذا جعل القاضي عبدالجبار التأويل من أصولهم فقال: "وهكذا طريقتنا في سائر المتشابه: أنه لابد من أن يكون له تأويل صحيح يخرج على مذهب العرب، من غير تكلف وتعسف" (٢). رد معاني المدلولات اللغوية الشرعية بالأساليب البلاغية المستحدثة:

стр. 1587

وهذا أيضاً باب مشهور لدى المعتزلة، تمكنوا خلاله من التحكم في معاني النصوص الشرعية، وتوجيهها حسب الطلب الاعتقادي لديهم، بداعي المجاز والتشبيه، والكناية، والاستعارة، والمبالغة، والتجانس، ونحو ذلك. ويعتبر الأخفش والجاحظ أول من افتتح هذا الباب، فأولا آيات الصفات بداعي المجاز، وتصرفا في ذلك تصرفاً عجيباً فراراً من إثبات أي صفة للمولى (١).ثم تتابع عليه بعده لغويو المعتزلة كالرماني وغيره واشتهر فيما بينهم، حتى عقد ابن جني في الخصائص بابا سماه "باب ما يؤمنه علم العربية من الاعتقادات الدينية"، فذكر فيه جملة من الآيات القرآنية الدالة على بعض الصفات الإلهية، وأولها بالمجاز بعد أن تهكم على أهل السنة والجماعة، ووصمهم بالتشبيه، وقلة الفهم للغة العربية، ثم قال: "وطريق ذلك أن هذه اللغة أكثرها جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة ... ، فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها، وانتشار أنحائها، جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه ويعتادونه منها، وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم، وعادتهم في استعمالهم ... " (٢).وقد قسم الرماني "ت ٣٤٨هـ" البلاغة إلى عشرة أقسام في كتابه (النكت في إعجاز القرآن)، ومثل لذلك بالآيات القرآنية، وجعل من تلك الأقسام التجانس، وجعل فيه الصفات الواردة لله على وجه المقابلة مثل الاستهزاء والمخادعة، فذكر أنها استعيرت في حق المولى للدلالة على الجزاء، ومزاوجة الكلام، وليست على الحقيقة (٣)، ثم جعل من الأقسام المبالغة، فقسمها إلى ثلاثة أضرب: ثم قال: " .. الضرب الثاني: المبالغة بالصيغة العامة في موضع الخاصة، كقوله تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٠١]، وكقول القائل: أتاني الناس، ولعله لا يكون أتاه إلا خمسة فاستكثرهم، وبالغ في العبارة عنهم" (٤). ثم قال: "الضرب الثالث: إخراج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة، كقول القائل: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم له، ومنه قوله : وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] فجعل مجيء دلائل الآيات مجيئاً له على المبالغة في الكلام، ومنه: فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ [النحل: ٢٦] أي أتاهم بعظيم بأسه فجعل ذلك إتياناً له على المبالغة، ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: ١٤٣] " (٥). وهكذا استخدم الرماني الأساليب البلاغية لخدمة معتقداته، فنفى الصفات الإلهية بها، ودفع خلق الله لأفعال العباد بها.

стр. 1588

وللشريف الرضي كتابان في البلاغة هما (تلخيص البيان في مجازات القرآن)، و (المجازات النبوية)، استخدمها لنفي الصفات الإلهية في القرآن والأحاديث، وسيأتي الكلام عليهما. أما الزمخشري "ت ٥٣٨هـ" فحدث عنه ولا حرج، فـ (الكشاف) يعتبر عند جمهور البلاغيين مرجعاً هاماً من مراجع البلاغة القرآنية، وقد استطاع بدهاء أن يجعل تحليلاته البلاغية للآيات في خدمة عقيدته الاعتزالية، وممن رد عليه في كثير من توجيهاته البلاغية بهاء الدين أحمد بن علي السبكي "ت ٧٧٣هـ" في كتابه (عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح) (١)، وانتصر فيه لمذهبه الأشعري، كما أن لابن المنير ردوداً لغوية وبلاغية على الزمخشري في (الانتصاف من الكشاف).قال ابن تيمية: "ثم يجتهدون في تأويل هذا الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات على طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات، والاستعارات" (٢). - عدم الأخذ بتفسير السلف للغة العربية ورده:

стр. 1589

وعلى هذا الوجه ينبني ردهم تفسير السلف للاستواء بأنه العلو والارتفاع، والعرش بأنه سرير الملك، والكرسي أنه موضع القدمين، مع صحة الروايات في ذلك، وهكذا في سائر الألفاظ العربية الواردة في الكتاب والسنة. قال الجاحظ: "كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا عن كل مسألة؛ فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبي، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم، في سبيل واحدة، فكيف أثق بتفسيرهم، وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن: ١٨]: إن الله لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلي فيها، بل إنما عنى الجباه، وكل ما سجد الناس عليه، من يد، ورجل، وجبهة، وأنف وثفنة (١)، وقالوا في قوله تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧]: إنه ليس يعني الجمال والنوق، وإنما يعني السحاب (٢)، وإذا سئلوا عن قوله: وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ [الواقعة: ٢٩]؟ قالوا: الطلح: هو الموز (٣) .... وقالوا في قوله تعالى: وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: ١]: الويل: واد في جهنم (٤)، ثم قعدوا يصفونه، وقال آخرون: الفلق: المفطرة بلغة اليمن (٥) ... وقالوا في قوله تعالى: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا [فصلت: ٢١] الجلود: كناية عن الفروج (٦)، كأنه كان لا يرى أن كلام الجلد من أعجب العجب! وقالوا في قوله تعالى: كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ [المائدة: ٧٥]: إن هذا إنما كان كناية عن الغائط (٧)،

стр. 1590

كأنه لا يرى أن في الجوع وما ينال أهله من الذلة والعجز والفاقة، وأنه ليس في الحاجة إلى الغذاء، ما يكتفي به في الدلالة على أنهما مخلوقان، حتى يدعي على الكلام، ويدعي له شيئا قد أغناه الله تعالى عنه، وقالوا في قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤]، إنه إنما عنى قلبه (١) " (٢). ويظهر من هذا أن النظام وتلميذه الجاحظ خلطا بين التفاسير الصحيحة والسقيمة، فلم يبقيا شيئاً، وغرضهما هو طرح الكل؛ ما دام لا يرقى إلى عقل المعتزلة وذوقهم الذي جعلوه مقياساً للمقبول والمردود من التفاسير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم" (٣). المصدر: مناهج اللغويين في تقرير العقيدة إلى نهاية القرن الرابع الهجري لمحمد الشيخ عليو - ص ٦٤

стр. 1591

المبحث الأول: منهج المعتزلة في تفسير القرآن الكريم بنى المعتزلة -كما ذكرنا - عقيدتهم على أصول خمسة وفي سبيل دعم هذه الأصول وتقويتها حتى تلاقي قبولا بين المسلمين كان لابد من استنادها إلى أدلة من القرآن الكريم وقد كان أصل تأسيسهم لها العقل المجرد عن النصوص وما وافق منهجهم من النصوص فإنما وافقه عرضاً لا قصدا فهم إنما بنوا أصولهم على العقل ثم بعد هذا رجعوا إلى النصوص واختاروا ما يوافقه منها وبقي ما لم يوافقه وهو كثير عقبة كأداء في طريقهم أعدوا له عدتهم واستنفروا له كل العلوم والمعارف فمما لا شك فيه أن الأمر يحتاج إلى جهد كبير حتى يستطيع المعتزلي أن يخضع معاني النصوص القرآنية لآرائه وصرفها عن معارضتها لها وإبطال جميع التفاسير الأخرى لها إذا لم توافق آراءهم حتى ولو كانت أحاديث صحيحة عن الرسول ﷺ . ومما لاشك فيه أيضاً أنهم لم يرجعوا في تأويلهم هذا إلى آية أخرى أو سنة نبوية إذ أن هذا يبقيهم في نطاق دائرة النص الأول ولا يلوي العبارة كما يريدون ليها فلم يبق لهم إلا أن يقفوا موقف المضطرب فيكذبون النصوص النبوية الصريحة ويجرحون رواتها بل ويتجاوزون هذا إلى الصحابة الذين سمعوها من الرسول ﷺ ورووها كما سمعوها وسخروا كل العلوم والمعارف كاللغة والقراءات والبلاغة والنحو غير ذلك لتأويل الآيات المعارضة لأصولهم وحتى تكون على بينة مما نقول نذكر بعض تأويلاتهم هذه لبعض آيات القرآن الكريم حسب أصولهم في العقيدة. ففي التوحيد: أولوا الآيات الدالة على إثبات الرؤية كقوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو الشيء طلبا لرؤيته وذلك لا يصح إلا في الأجسام فيجب أن يتأول على ما يصح النظر إليه وهو الثواب كقوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] فأنا تأولناه على أهل القرية لصحة المسألة منهم (١). وحكى الشريف المرتضى تفسيرا لهم "لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر أو إلى تقدير محذوف ولا يحتاج إلى منازعتهم في أن النظر يحتمل الرؤية أو لا يحتملها وهو أن يحمل قوله تعالى إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] على أنه أراد نعمة ربها لأن الآلاء النعم" ويؤيد هذا بقول أعشى بكر بن وائل. أبيض لا يرهب الهزال ولا ... يقطع رحما ولا يخافون إلا أراد أنه لا يخون نعمه (٢).

стр. 1592

وأولوا الآيات الدالة على إثبات صفة الكلام كقوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] بأن لفظ الجلالة منصوب على أنه مفعول ورفع موسى على أنه فاعل وبهذا أبطلوا صفة الكلام لله وحاول بعضهم أن يبقي القراءة المشهورة كما هي برفع لفظ الجلالة على أنه فاعل مع تأويل المعنى بحيث لا يثبت صفة الكلام فقال أن كلم من الكلم بمعنى الجرح فالمعنى وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وقد عاب هذا التأويل الزمخشري وقال عنه أنه من بدع التفاسير وأولها بالقول الأول. فأن سلمت جدلا بنصب لفظ الجلالة في هذه الآية وسألت عن المراد في قوله تعالى وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣] قالوا: "وكلمه ربه" من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح وروي أن موسى ﵇ كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة" (١).وأولوا كثيرا من الصفات تأويلا باطلا لمخالفته أصولهم فمن ذلك أيضا تأويلهم استوى في قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] بأن استواء الله على العرش كناية عن الملك واستدلوا بقولهم استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة وأولوا قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] بأنه تخييل لمعنى أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ومعنى قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] أي كل شيء هالك إلا هو (٢).

стр. 1593

وفي العدل: ويؤولون قوله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١] فسره الجبائي المعتزلي بأن الله سبحانه بين لكل نبي عدوه حتى يأخذ حذره منه (١). وإنما اضطرهم إلى هذا التأويل حتى يتفق مع قولهم بوجوب الصلاح والأصلح. ولكنهم يتوقفون في بعض أفعال الله فلا يدركون المصلحة في فعلها فإذا قلت في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: ٢] إذا قلت أن العباد هم الفاعلون للكفر ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم يختاروا غيره فما المصلحة في خلقهم؟ مع علمه بما يكون منهم؟ أجاب الزمخشري بأن له وجه حسن "وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته بجهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها" (٢).وأن احتججت عليهم في إبطال قولهم بأن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح بقوله تعالى رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥] فكيف يكون لهم حجة قبل الرسل والله قد أعطاهم عقلا يدركون به الحسن والقبيح قبل الرسل كما تقولون؟ قالوا: أن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإزالة الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له" (٣).ويؤولون قوله تعالى وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى [الأنفال: ١٧] بأنه ﷺ كان يرمي يوم بدر والله تعالى برميته المقاتل فالملك أضافه تعالى إلى نفسه كما أضاف الرمية أولا إليه بقوله إذ رميت (٤).ويؤولون قوله تعالى: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٦٥ - ٩٦] بأن المراد والله خلقكم وما تعملون من الأصنام (٥). وفي الوعد والوعيد: قالوا أنه لا يجب حمد الله على إدخاله المحسنين للجنة لأنه إنما أعطاهم حقا من حقوقهم ووعدهم وعدا وجب عليه أن ينفذه وأولوا قوله تعالى وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ: ١] بأن الحمد في الآخرة ليس بواجب لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها إنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم يلتذون به كما يلتذ العاطش بالماء البارد (٦).

стр. 1594

وفي المنزلة بين المنزلتين: قالوا بمنزلة الفسق وهي منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الكفر ويؤولون من الآيات ما يقسم الناس إلى مؤمن وكافر ولا يذكر النوع الثالث الذي ذكروا فمن ذلك قوله تعالى إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٣] فيقولون أن الشاكر قد يكون شاكراً وأن لم يكن مؤمنا برا تقيا وأضعف من هذا تأويل الزمخشري لقوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء: ٩ - ١٠] بقوله "فإن قلت: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ قلت: كان الناس حينئذ أما مؤمن تقي وإما مشرك وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك" (١). وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والمسلمون جميعاً متفقون على هذا الأصل ولكنهم مختلفون في مداه ولم يكن للمعتزلة – فيما اطلعت عليه من تفاسيرهم في هذا الباب – ما أولوه تأويلا خارجا عن أقوال السلف أما مبالغتهم في مداه فلم تكن معتمدة على التأويل بل على منهجهم العقلي. كانت هذه نماذج لبعض تأويلاتهم لآيات القرآن حسب أصولهم ويحسن بنا هنا أن نذكر أهم مميزات منهجهم الذي سلكوه في هذه التأويلات وغيرها:-أ- كان من أصول منهجهم في التفسير تحكيم العقل في الأمور الغيبية تحكيمها مطلقا فأنكروا حقائق كثيرة أثبتها أهل السنة استنادا إلى النصوص فأنكرها المعتزلة استنادا إلى العقل المجرد منها فمن ذلك تمرد بعض أعلام المعتزلة كالنظام على الاعتقاد بوجود الجن (٢) وثار الزمخشري ضد من يقول بأن للجن قوة تأثير في الإنسان مع اعترافه بوجودها وأنكروا أيضا أن للسحر حقيقة وأنه لا تأثير له اللهم إلا إذا كان ثّم إطعام شيء ضار أو سقيه أو إشمامه أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ولكن قد يفعل الله عند ذلك على سبيل الامتحان فينسبه الحشو والرعاع إليهن وإلى نفثهن والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبثون به (٣).

стр. 1595

ب- موقفهم من الإسرائيليات: أما موقفهم من الإسرائيليات فغير منضبط فبينما كان النظام أحد زعماء المعتزلة يقول:- "لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كل مسألة فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن سليمان وأبو بكر الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم" (١) بينما كان النظام وغيره يقولون هذا القول ونحوه نرى الزمخشري المعتزلي لا يرى بأسا بإيراد أسطورة أو خرافة إسرائيلية أو قصة غير مستيقنة ما دامت لا تطعن نبيا ولا تخالف رأيا اعتزاليا وبذلك خالف منهجه العقلي (٢) بل ويروي من القصص ما يظهر بطلانه فهو يروى مثلا قصة أحد الأسباط الذين سألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا وأن نبينا ﷺ قد زارهم ليلة أسري به وعرفهم جبريل به فآمنوا وعلمهم بعض آيات القرآن وبعض أمور الإسلام الأخرى (٣) ولا يعقب على هذه القصة بما يضعفها مع وضوح بطلانها حتى قال الآلوسي "ولا أظنك تجد لها سندا يعول عليه ولو ابتغيت نفقا في الأرض أو سلما في السماء" (٤). ج- التفسير بالمأثور: وكان موقفهم من التفسير بالمأثور موقفا عجيبا!! فهم يشككون في الأحاديث التي تصطدم بمبادئهم ويكذبونها. وإن علت درجتها في الصحة أو يؤولونها تأويلا باطلا. بل ويتجاوزون هذا إلى تجريح راويها لا أعني التابعي أو تابعي التابعي بل الصحابي الذي رواه عن الرسول ﷺ يفعلون هذا إذا ما كان مصادما لمبدأ من مبادئهم بينما يستشهدون بالأحاديث الضعيفة بل الموضوعة ويعضون عليها بالنواجذ لنصرة مذهبهم الاعتزالي. ولا أدري أين هذا العقل الذي اتخذوه قائدا – كما يقولون – ألا يستطيعون به أن يدركوا ضعف هذا الحديث حينما يجدون فيه من ركاكة الأسلوب وضعف المعنى ما يبعده عن البلاغة النبوية وأن يدركوا به صحة هذا الحديث لما يوجد به من قبس من نور النبوة وحكما من ينابيع الوحي مما يجعل القلب السليم يطمئن إليه. بله الاستناد إلى أقوال أئمة المحدثين في سنده ومتنه تصحيحا وتضعيفا. بل إن طريقتهم هذه تدل وأكاد أن أقول – يقينا – على أن مقياس أخذهم الحديث ورده لم يكن سائرا على منهجهم – الذي يزعمون – بل كان منهجه منهج الهوى. ولست أقول هذا اعتباطا وعصبية وإنما أقوله استنادا إلى كثرة ما رأيته من ردهم لأحاديث صحيحة متفق على صحتها وتمسكهم بأحاديث لا أقول ضعيفة بل جزم أئمة الحديث بوضع كثيرها. أفلم يكن في منهجهم بصيص من نور يجلو لهم تلك الحقائق في الظلمات التي انقادوا إليها ...

стр. 1596

وحتى لا يقال تلك تهمة لم تذكر دليلها أشير هنا إلى بعض أحاديث صحيحة وأنكروها أو شككوا في صحتها وأولوها تأويلا باطلا وأحاديث ضعفت درجتها أو وضعت واستنصروا بها أذكر هذا بإيجاز إذ المقام هنا مقام إشارة وتنبيه ليس إلا. فمن الأحاديث التي أنكروها أو تأولوها أحاديث الرؤية لا لضعف في سندها بل لمخالفتها لمذهبهم في إنكار الرؤية مع أنها متواترة ورواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن (١) ومنها حديث جرير بن عبدالله البجلي ﵁ قال:- ((كنا جلوسا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال:- إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته)) (٢) وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا (٣) ومع هذا كله لم تلق القبول لدى المعتزلة مع علمهم بها وإطلاعهم عليها فالقاضي عبدالجبار المعتزلي يقول عند تفسيره لقوله تعالى لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]. "ليس المراد بها الرؤية على ما روي في الخبر؟ وجوابنا أن المراد بالزيادة التفضيل في الثواب فتكون الزيادة من جنس المزيد عليه وهذا مروي وهو الظاهر فلا معنى لتعلقهم بذلك. وكيف يصح ذلك لهم وعندهم أن الرؤية أعظم من كل الثواب فكيف تجعل زيادة على الحسنى؟ " (٤).

стр. 1597

ولعل في ذكر قوله بعد ذكر قوة هذه الأحاديث غني عن التعليق. ومنها حديث ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها)) وقد رواه البخاري (١) ومسلم (٢) , وأحمد (٣) , ﵃ ومع هذا يقول الزمخشري عنه "وما يروى من الحديث ما مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها فالله أعلم بصحته فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين وكذلك من كان في صفتهما .. واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه .. وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا" (٤) فشكك في صحة الحديث أولا ثم أوله تأويلا باطلا وحمله على أنه تخييل وتصوير. وعمم الاستثناء على المعصومين مع قصره في الحديث على مريم وابنها ﵉. وتجاوزوا هذا إلى تكذيب الصحابة وتجريحهم بل تجاوزوه إلى سبهم – ﵃ – إذا كان ما رووه يخالف أصولهم فقال النظام المعتزلي عن عبدالله بن مسعود ﵁ "وزعم أن القمر انشق وأنه رآه وهذا من الكذب الذي لا خفاء به" (٥) وقال عن سمرة بن جندب ﵁ "ما نصنع بسمرة قبح الله سمرة" (٦) وكذب الزمخشري ابن مسعود ﵁ لقوله أن رسول الله ﷺ ليلة الجن خط حوله فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل وقال لي لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله فلما رأى الزط قال كأنهم هؤلاء فقال الزمخشري "وإن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة" (٧).واستهزأ بعبدالله بن عمرو بن العاص ﵁ وسخر منه لروايته لحديث "ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً" (٨) فقال "ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي ابن أبي طالب ﵁ ما يشغله عن تسيير هذا الحديث" (٩).ويتمسك المعتزلة بأحاديث ضعيفة أو موضوعة لبيان أصل من أصولهم فيستشهدون مثلا بما وري عن علي ﵁ "أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له" (١٠) قال ابن حجر العسقلاني "وهو من طريق إسحاق بن بشر عن مقاتل وهما ساقطان" (١١) وقال الذهبي في المغني في الضعفاء "إسحاق بن بشر مجمع على تركه" (١٢) وقال في الميزان "تركوه وكذبه علي بن المديني وقال الدارقطني كذاب متروك" (١٣) أما مقاتل فقال وكيع كان كذابا وقال النسائي كان مقاتل يكذب وقال الجوزجاني كان دجالا جسورا (١٤) وقال في الميزان "ومقاتل أيضا تالف" (١٥). وبعد: لعل في هذه الإشارة بيان لما كان عليه منهج المعتزلة العقلي وما أدى بهم إليه هذا المنهج من أمور مخالفة لأراء أهل السنة. المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٥٥

стр. 1598

المبحث الثاني: موقف المعتزلة من السنة لقد آمن المعتزلة بأصولهم الخمسة وما تفرع عنها من آراء وجعلوا منها القاعدة والأساس الذي تنطلق منه كل محاوراتهم ومعاملاتهم مع النصوص سواء كانت قرآناً أو سنة، فكان ما يعارض مبادئهم (من آيات يؤولونها وما يعارضها من أحاديث، ينكرونها. . . ولذلك فإن موقفهم من الحديث كثيرا ما يكون موقف المتشكك في صحته، وأحياناً موقف المنكر له لأنهم يحكمون العقل في الحديث لا الحديث في العقل) (١). وإعمال العقل كما سبق أن ذكرنا لا يتنافى إطلاقاً مع الشريعة، بل فقد دعا الإسلام إلى إعمال الرأي في أكثر من آية وأكثر من حديث، وقد استخدم علماء الجرح والتعديل من علماء الحديث العقل كذلك لتمحيص الأخبار ونقد الرواة، إلا أن العقل ينبغي أن يحسن استعماله في مواضعه المنصوص عليها في الشريعة بعيداً عن كل زندقة وتعنت وإلحاد، هذه المعاني التي تفسد العقل كأداة تقويم قيمة لنصوص الحديث وغيرها وتحوله عن وجهته الصحيحة. ولعله من المفيد أن نمهد الحديث عن موقفهم من السنة بكلمة عن مكانة وأهمية العقل عند المعتزلة:

стр. 1599

لقد أجمع السلف على أن العقل والاجتهاد عموماً يحتل المرتبة الثالثة بعد القرآن ثم السنة، إلا أن المعتزلة خالفوا هذا الإجماع ونصبوا العقل على رأس الأدلة إذ به – كما يقولون – يدركون القرآن نفسه وغيره من الأدلة. فهذا القاضي عبد الجبار في معرض حديثه عن الأدلة الشرعية يقول في تصنيفها ما يأتي: (أولها العقل لأن به يميز بين الحسن والقبح، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة، وكذلك السنة والإجماع). ولا شك أن مدرك مخالفته وصحبه لإجمال الأمة فقال: (وربما تعجب من هذا الترتيب بعضهم فيظن أن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، أو يظن أن العقل إذا كان يدل على أمور فهو مؤخر، وليس الأمر كذلك لأن الله تعالى لم يخاطب إلا أهل العقل) (١).ويواصل تمجيد العقل فيبين أنه إنما يتوصل الناس إلى معرفة الله وإدراك حكمته بالعقل. . . وهكذا فهم أول من حكم العقل في النص لدرجة سمح معها إبراهيم النظام لنفسه أن يقول: وإن جهة حجة العقل قد تنسخ الأخبار (٢) كما أن عمرو بن عبيد ذكر له ذات يوم حديث الرسول ﷺ فقال: (لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا (٣).وبذلك أعملوا قدسية النص الصحيح قرآنا وسنة خلية عن الهوى، وأقاموا العقل حكماً لا ترد كلمته، وحملوه بالإضافة إلى مهمة التحسين والتقبيح – التي بيناها قريباً – مسؤولية (معرفة الله تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع) (٤) حتى أن الجاحظ يقرر أنه لا يجوز للعبد أن يبلغ ولا يعرف الله (٥) ذلك أن أصول المرعفة عندهم واجبة وضرورية ويمكن إدراكها بالعقل قبل ورود السمع (٦).ويضيف ثمامة بن الأشرس إلى هذا أن من لم يضطر إليها فهو سخرة للعباد وغيره كسائر الحيوانات غير المكلفة (٧).بل وذهب ثمامة وتلميذه الجاحظ إلى القول أن المعارف كلها طباع رغم كونها أفعالاً للعباد، فهي تصدر عنهم دون أن يكون لهم فيها أثر ولا اختيار اذ لا يملكون إلا الإرادة (٨) مما جعل البغدادي يلزمهما أن أفعال العباد من أوامر ونواهي لا توجب ثواباً ولا عقاباً لأنها طباع ليست كسباً (٩) ورغم هذا فقد جلب مسلكهم الممالي للعقل على حساب القرآن والسنة عطب الكثير من نقاد الغرب فكالوا لهم شهادات الاستحسان والإكبار وقد تعود الكثير من نقاد الغرب المسيحيين الإشادة بكل ما صار في ذمة التاريخ عند المسلمين حتى يشعروا الأجيال الحاضرة أن لا شيء مما يتمسكون به يدعو إلى الإكبار وبالتالي إلى الاعتزاز: فهذا شتينر Stainer أطلق عليهم اسم: "المفكرون الأحرار في الإسلام" وجعل من هذا اللقب عنوان كتابه عنهم. ووصفهم آدم ميز Adam Mez وهاملتون Hamiltion بأنهم دعاة الحرية الفكرية والاستنارة. أما جولد زيهر فيرفع عقيرته بالثناء عليهم ويصفهم بأنهم (وسعوا معين المعرفة الدينية بأن أدخلوا فيها عنصراً مهماً آخر قيماً وهو العقل الذي كان حتى ذلك الحين مبعداً بشدة عن هذه الناحية (١٠).

стр. 1600

هكذا يتجاسر جولد زيهر على قلب الحقائق مسقطاً الواقع الذي يثبت اجتهاد الرسول ﷺ والصحابة والتابعين. . . وكتب السنة والسيرة والتاريخ والفقه والخلاف والمقارنات الفقهية حافلة بما يؤيد اجتهادهم وتعويلهم على العقل الذي لم يبق في إجازة في انتظار المعتزلة ليكتسب فعاليته. وقبل أن أختم هذا التمهيد الموجز أريد أن أشير إلى ملاحظة مهمة وهي أن المعتزلة رغم ارتمائهم في أحضان العقل بدون تروّ ورغم مجافاتهم للكثير من نصوص الحديث وتعسفهم في تأويل العديد من آي الذكر الحكيم فإنهم لا يرتاحون حين يتهمهم خصومهم بأن كتبهم ومباحثهم خالية من سنن الرسول ﷺ ، إذ هم يدعون لأنفسهم التمسك بالسنة وبالجماعة، وكثيراً ما ينقلبون على مناوئيهم باللائمة فيتهمونهم بأنهم لا يعرفون حقيقة السنة (١). وسوف نتتبع حقيقة موقفهم من السنة بدراسة آرائهم إزاء الموضوعات التالية: أ - موقفهم من الصحابة حملة العلم النبوي. ب - ومن الأخبار المتواترة. ج – ومن أخبار الآحاد. د – ومن عدد جم من الأحاديث النبوية. رأيهم في الصحابة: كان موقف المعتزلة من الصحابة خالياً من كل روح ديني، فهم يعرضونهم على مشرحة انتقادهم ولا أقول نقدهم دون أن يتورعوا عن إلصاق كل تهمة بهم، وهي تهم متحملة متعسفة تثبت لأصحابها سوء الطوية أكثر مما تثبته من حب البحث عن الحقيقة.

стр. 1601

ومما يلفت الانتباه أن بعض المعتزلة يعيب على الصحابة الاجتهاد اجتهاد الرأي هذا الذي جعل منه المعتزلة عنواناً لهم، والذي قدموه على القرآن نفسه كما أسلفنا، حين يطبقه الصحابة يصبح عند المعتزلة من العيوب التي لا تغتفر والتي يؤخذ بها وعليها أصحابها. فهذا النظام يقول: (إن الذين حكموا بالرأي من الصحابة إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائز لهم وجهلوا تحريم الحكم بالرأي في الفتيا عليهم، وإما أنهم أرادوا أن يذكروا بالخلاف وأن يكونوا رؤساء في المذاهب، فاختاروا لذلك القول بالرأي (١) وبذلك نسبهم كما يقول البغدادي (إلى إيثار الهوى على الدين (٢)). بل فإن النظام ضرب المثل السيئ في الوقيعة الفاحشة في الصحابة أجمعين (٣) ولم يتورع عن إيجاب الخلود في النار على أعلام الصحابة. وحين يفاضل العلماء بين الخلفاء الراشدين حسب إجماع الأمة على مبايعتهم على الخلافة أولاً بأول، نجد أبا علي الجبائي لا يبت في أيهم أفضل (٤)؟ إمعاناً في مخالفة إجماع الأمة. ولإثارة الشبه وتعميق الحزازات يميعون القول في حقيقة مقتل عثمان، فهذا أبو الهذيل يقول: (لا ندري قتل عثمان ظالماً أو مظلوماً؟) (٥)، وقبله يعلن واصل بن عطاء أنه لا يعرف، هل كان عثمان هو المخطئ أم قاتلوه وخذلوه؟ (٦).حتى إذا ما وصل الأمر إلى النظر في أصحاب الجمل وصفين نجدهم ينسبون الصحابة إلى الفسق جلت أقدارهم وعلت عن ذلك علواً كبيراً، فهذا واصل بن عطاء يجعل أحد الفريقين المتخاصمين في الجمل وفي صفين مخطئا لا يعينه تماما كالمتلاعنين فإن أحدهما فاسق لا محالة. . (وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما كما لا تقبل شهادة المتلاعنين) (٧).وبناءً على هذا فإنه لم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل، فهو يقول: (لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم (٨). وقبل شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب طلحة والزبير (٩) إذ قد يكون أحد الفريقين عدلا وعلى صواب، وهو رأي تبناه بعد ذلك ضرار بن عمرو وأبو الهذيل ومعمر ابن عياد السلمي حيث قالوا جميعا: (نحن نتولى كل واحد من الفريقين على انفراد (١٠)).

стр. 1602

وهكذا يكونون قد شكوا في عدالة علي وطلحة والزبير مع شهادة النبي ﷺ لهؤلاء الثلاثة بالجنة ومع دخولهم في بيعة الرضوان وفي جملة الذين قال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:١٨]. وتقدم عمرو بن عبيد خطوة أخرى في تفسيق أصحاب الجمل، فقطع بفسق الطرفين المتحاربين جميعا، وقال: (لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل) (١) وبلغ به الأمر في امتهانهم إلى القول: لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك (٢) نعل ما أجزت شهادتهم (٣) وهذا منه متساوق مع ما جبل عليه من كراهتهم وشتمهم (٤).أما إبراهيم النظام وبشر بن المعتمر وبعض المعتزلة، فإنهم صوبوا علياً في حروبه وخطأوا من قاتله، فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ (٥) وانتفاء العدالة عنهما. وقولهم هذا لا شك باطل مرذول ومردود، فقد قال الله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:٩] فسماهم مؤمنين مع الاقتتال (٦).وعديدون هم الصحابة الذين ألهبتهم ألسنة المعتزلة وأقلامهم بالقدح والتجريح فهذا أبو بكر الصديق ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأول من أسلم من الرجال، وصديق الرسول وحبيبه ينال منه النظام فيتهمه بالتضارب في أقواله، وذلك حين امتنع عن القول في شيء من متشابه القرآن الذي لا يعلم تأويله إلا الله فقال لما سئل عنه: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني. . إذا أنا قلت في آية من كتاب الله تعالى بغير ما أراد الله) (٧) ثم سئل عن الكلالة فقال: (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني هي ما دون الولد والوالد) (٨).وكان عمر هدفاً لتهجمات النظام وطعناته فقد زعم أنه شك يوم الحديبية في دينه وذلك ((لما سأل الرسول: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ فقال الرسول ﷺ : نعم. قال عمر: فلم نعط الدنية في ديننا؟)) (٩) فغيرة عمر على الدين ورغبته المخلصة في نصرته اعتبرها النظام ترددا وشكا!!

стр. 1603

وآمن النظام بفرية الشيعة في الوصية بالخلافة لعلي وهي البدعة التي اختلقها عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم ليكون رأس الفتنة، واتهم النظام عمر بأنه كتمها وبادر بمبايعة أبي بكر ليحرم آل البيت، بل فإن عمر كما يزعم النظام (ضرب يوم البيعة بطن فاطمة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: أحرقوا دارها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين). بل فحتى نفي عمر لشاعر المدينة الوسيم نصر بن حجاج (١) إلى البصرة مخافة فتنة النساء اعتبره النظام من مطاعن عمر، كما أخذ عليه جلده في الخمر ثمانين جلدة (٢) وأعد إحياءه لسنة التراويح بدعة تذكر له بالذم (٣).ثم اتهمه بما اتهم به أبا بكر ﵁ من التناقض في أقواله، حيث نسب إليه قوله (أجرؤكم على الفتيا في ميراث الجد أجرؤكم على النار) ثم قضى في الجلد بمائة قضية مختلفة (٤). وأحكام النظام كلها تصور قلة غيرته على الإسلام، وميله إلى الابتداع، وهدم ما يتميزه به أعلام الإسلام من هيبة في نفوس المسلمين لكي يزرع فيهم خيبة الأمل ويخلخل في نفوسهم كثيراً من القيم التي يمثلها صحابة الرسول ﷺ . ولم يسلم عبد الله بن مسعود (ت ٢٣هـ) من طعن النظام فقد عاب عليه إعماله الرأي في الفتيا (٥) وتجرأ على نسبته إلى الكذب ورد عددا كبيرا من أحاديثه كحديث السعيد من سعد في بطن أمه، وحديث انشقاق القمر وغيرهما (٦). . فقد قال عن حديث انشقاق القمر: وهذا من الكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده، ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين. . . فكيف لم يعرف بذلك العامة، وكم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد (٧)؟! وقال عن الحديث الأول: (ولو كان ابن مسعود بدل نظره في الفتيا، نظر في الشقي كيف يشقى والسعيد كيف يسعد، حتى لا يفحش قوله على الله تعالى، ولا يشتد غلطه لكان أولى به. .) (٨). وللنظام في ثلب أمير المؤمنين عثمان بن عفان الباع الطويل، فقد عاب عليه: إيواءه الحكم بن أمية إلى المدينة وهو طريد رسول الله ﷺ . ب – ونفيه أبا ذر الغفاري إلى الربذة وهو صديق رسول الله ﷺ . ج – واستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة وهو من أفسد الناس حتى أنه صلى بالناس وهو سكران.

стр. 1604

د – أعان سعيد بن العاص بأربعين ألف درهم على نكاح عقده. هـ - تزويجه ابنته مروان بن الحكم (١). ونال النظام أيضا من حذيفة بن اليمان (ت ٣٦هـ) أمين سر الرسول ﷺ في المنافقين الذين لم يعلمهم أحد غيره (٢) فشتمه واتهمه بالكذب وزعم أنه حلف لعثمان على أشياء ما قالها وقد سمعوه قالها!!؟) (٣).وحين أفتى علي برأيه قال عنه النظام: (من هو حتى يقضي برأيه (٤)!؟).ولم يتورع عن الطعن في أبي هريرة والقول عنه (كان أكذب الناس (٥). وادعى أن عمر وعثمان وعليا وعائشة ﵃ أكذبوه (٦).وقد خطأ بعض المعتزلة معاوية (ت ٦٠هـ) ولم يقولوا بإمامته (٧)، وكان عرضة لتهجم القاضي عبد الجبار حيث وسم أعماله بالباطل (٨). ولم يسلم سمرة بن جندب (ت ٦٠هـ) من شتم عمرو بن عبيد، فقد سأله أحدهم عن حديث لسمرة فقال له: (ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة) (٩)!! وموقف المعتزلة من صحابة رسول الله ﷺ عموما يتراوح بين شاك في عدالتهم منذ عهد الفتنة، كما فعل واصل وبين مفسق لهم جميعا كعمرو بن عبيد وبين (طاعن في أعلامهم متهم لهم بالكذب والجهل والنفاق كالنظام، وذلك يوجب ردهم للأحاديث التي جاءت عن طريق هؤلاء الصحابة بناء على رأي واصل وعمرو ومن تبعهما) (١٠).وما ذهب إليه المعتزلة كما يقول ابن كثير: (باطل مرذول ومردود (١١)، وهو مخالف للسنة مخالفة صريحة ذلك أن من الذين كفروهم شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير (١٢). كما كان العديد من الصحابة الذين نسبوهم إلى الكذب والضلال ضمن أهل بيعة الرضوان الذين أشاد الله بذكرهم. ومما يؤيد منافاة طعنهم على الصحابة للسنة الصحيحة ما جاء في صحيح البخاري عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: ((خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) (١٣) ويشرح ابن حجر معنى القرن فيقول: (والمراد بقرن النبي في هذا الحديث الصحابة) (١٤).وقال الرسول ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (١٥).يقول الإمام الغزالي: فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب سبحانه وتعديل رسول الله ﷺ ، كيف ولو لم يرد الثناء، لكان فيما اشتهر وتواتر عن حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله ﷺ ونصرته كفاية في القطع بعدم التهم (١٦).وقد أجمع سلف الأمة وجماهير الخلف على عدالة الصحابة بما فيهم من لابس الفتن (١٧)، وصار استنقاصهم آية من آيات الزندقة والمروق عن الإسلام يقول، أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق (١٨)).

стр. 1605

ذلك أن طعنهم وتنقصهم لا يعدو كونه هذيانا بلا دليل إلا مجرد (رأي فاسد عن ذهن بارد، وهوى متبع، وهو أقل من أن يرد والبرهان على خلافه أظهر وأشهر: مما علم من امتثالهم أوامره بعده ﵊، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات في سائر الأحيان والأوقات مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الجميلة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، فرضي الله عنهم أجمعين) (١). ب – إنكارهم للحديث المتواتر: يعتبر حديث رسول الله ﷺ الأصل الثاني للتشريع الإسلامي بإجماع علماء الأمة الإسلامية، وتنقسم السنة باعتبار عدد رواتها إلى متواتر وآحاد. وعرف علماء المصلطح المتواتر بقولهم (هو ما رواه جمع كثير عن جمع كثير يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقا، وأن يكون مستند انتهائهم الحس ويصيب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه) (٢).وعرفه أبو عمر يوسف بن عبد البر بأنه (إجماع تنقله الكافة عن الكافة. وهو من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم، فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه مما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم) (٣) وإن لم ينعقد الإجماع على تواتره، بل وقع الخلاف فيه، يكون منكره من الفاسقين (٤). ودرج المعتزلة على مخالفة إجماع الأمة على إفادة المتواتر القطع: وذهب النظام إلى جواز وقوع الكذب في الخبر المتواتر رغم خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر (٥) بناء على ما يعتقده من أن الحجة العقلية جديرة وقادرة على نسخ الأخبار (٦) ولا يستغرب إنكاره للمتواتر ما دام ينكر حجية الإجماع كما سنرى ويُجَوَّز اجتماع الأمة على الضلالة (٧).ويرى أبو الهذيل أن (الحجة لا تقوم فيما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء ﵈ وفيما سواها، إلا بخبر عشرين فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر، ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون لا يكذبون، ولا يرتكبون الكبائر، فهم الحجة، لا المتواتر، إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله ولم يكن فيهم واحد معصوم) (٨). وفي إنكارهم للمتواتر واشتراطهم – لثبوت الخبر – أن يكون أحد رواته من أهل الجنة، تعطيل للأخبار الواردة في الأحكام الشرعية وبذلك ينقصون من الأوامر والنواهي ويتحللون من الشريعة تماما.

стр. 1606

ج - ردهم لخبر الآحاد: وخبر الآحاد هو ما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة فأكثر دون بلوغ عدد التواتر أو وصل ولكن فقد شرطا من شروط التواتر، وقد اشترط العلماء في راويه لقبوله العدالة والضبط (١).ومتى توفرت فيه شروط القبول يصبح حجة معمولا به وجوبا على رأي الجمهور سواء كان خبر الآحاد صحيحا لذاته أو صحيحا لغيره حسنا لذاته أو حسنا لغيره (٢)، بل ذهب بعضهم إلى القول بأنه يوجب العلم والعمل جميعا (٣).وخالف المعتزلة ما ذهب إليه جمهور العلماء المسلمين، وردوا خبر الواحد مشترطين التعدد، فهذا أبو الحسن الخياط أنكر حجة أخبار الآحاد (٤) وهذا أبو عليا الجبائي – كما ينقله عنه المازري وغيره (٥) – لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلا: أ – أو عضده ظاهر خبر آخر أو موافقة ظاهر الكتاب. ب – إذا نسب إليه خبر عدل آخر. ج – أو عمل به بعض الصحابة. بل فقد نسب بعضهم إلى الجبائي أنه لا يقبل الخبر إلا إذا رواه أربعة (٦).

стр. 1607

وللمعتزلة في رد خبر الواحد حجج نذكر منها: ١ - قصة ذي اليدين (١) وكون النبي ﷺ توقف في خبره حتى تابعه عليه غيره.٢ - قصة أبي بكر حين توقف في خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بن مسلمة (٢).٣ - وقصة عمر حين توقف في خبر أبي موسى في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدري (٣).وقد تناول علماء السنة التدليل على حجية خبر الواحد فعقد الإمام الشافعي بابا بهذا العنوان في رسالته (٤)، كما أن البخاري عقد في جامعه الصحيح بابا لهذا الغرض ترجم له بقوله: باب ماجاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ولا يكاد كتاب من كتب المصطلح لا يخلو من إثبات حجية خبر الواحد ودحض الشبه التي تحوم حوله، وقد تولى ابن حجر الرد على حجج المعتزلة في خبر الآحاد، فبين أن توقف الرسول ﷺ في قبول خبر ذي اليدين لا حجة فيه للمعتزلة لأن سؤال ذي اليدين عارض علم الرسول، وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل (٥).وانفراد ذي اليدين بمراجعة الرسول ﷺ دون المصلين جميعا على كثرتهم وأهميتهم مما يدعو الرسول إلى استبعاد حفظ ذي اليدين وتجويز الخطأ عليه (٦) وقد طفحت كتب الآثار بأمثلة عديدة تؤيد اعتبار الرسول ﷺ لخبر الواحد حجة فقد (بعث رسله واحدا واحدا إلى الملوك، ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه مع عدم اشتراط التعدد (٧).أما عن قصة توقف أبي بكر في خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة، فهذا ليس منه مطردا، فهو يطلب مزيدا من التثبت والتحوط لا اتهاما للمغيرة، باعتباره راويا فردا. وقد قبل أبو بكر أخبار آحاد كثيرة (٨).وأما قصة عمر فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديث بعد أن أنكر عليه رجوعه بعد الاستئذان ثلاثا، وتوعده: فأراد عمر أن يتثبت خشية أن يكون أبو موسى إنما أورد الحديث دفعاً عن نفسه (٩).وغاية ما يؤخذ من الحديث - على حد تعبير ابن بطال – (التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره (١٠) سيما وجاء في إحدى الروايات أن عمر قال لأبي موسى (أما إني لم أتهمك ولكني أردت أن لا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله ﷺ .

стр. 1608

وقد قبل عمر كثيرا من أخبار الآحاد العدول: أ- فقد قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده في أخذ الجزية من المجوس (١).ب – كما قبل خبره في الرجوع عن البلد الذي فيه الطاعون (٢).ج – وقبل خبر الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها (٣).د – كما قبل خبر عمرو بن حزم في أن دية الأصابع سواء (٤).هـ - وقبل أيضا خبر سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين (٥). و – وقبل خبر حمل بن مالك بن النابغة في دية الجنين، وكاد يحكم فيه باجتهاده، وقد قال: (لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره) كما قبل غيرها من الأخبار (٦).وقد يضطر المعتزلة أحيانا لقبول خبر الواحد (٧) – لسبب أو لآخر – إلا أنهم حين يضطرون إليه فلا يروونه بصيغة الجزم وإنما يروونه بصيغة التمريض (٨).وردهم لخبر الآحاد يفسر هدفهم الرامي إلى إنكار أكثر أحكام الشريعة لأن أغلب الفروض والمسائل الشرعية قائمة على أخبار الآحاد (٩).

стр. 1609

د – تشكيك المعتزلة وإنكارهم للكثير من الأحاديث: لقد آمن المعتزلة بأصولهم الخمسة وما يتفرع عنها من المبادئ والمفاهيم وجعلوا منها قاعدة يخضعون لها كل النصوص سواء كانت قرآنية أو حديثية: فما يعارض مبادئهم من الآيات يؤولونه، وما يعارضها من الأحاديث يردونه وينكرونه، ولذلك كان موقفهم من الحديث كما يقول أحمد أمين: (موقف المتشكك في صحته وأحيانا موقف المفكر له لأنهم يحكمون العقل في الحديث لا الحديث في العقل) (١).ولذلك نشهد استخفافا بالحديث وجرأة على حملته بلغت بعمرو بن عبيد إلى القول حين ذكر له حديث الرسول ﷺ : (لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا (٢) فتحكيمه للعقل جعله يعترض على الرسول ﷺ وعلى الله، وكثيرون هم هؤلاء المجترئون على الله والرسول اعتمادا على ما تزينه لهم عقولهم والشيطان من أمثال (الخوارج والمعتزلة وضعفة أهل الرأي حتى انسل أكثرهم عن الدين، وأتت فتاويهم ومذاهبهم مختلة القوانين وذلك لأنهم اتبعوا السبل وعدلوا عن الطريق، وبنوا أمرهم على غير أصل وثيق) (٣) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:١٠٩].ولعزوف المعتزلة عن الحديث قابلهم أهل البينة والجماعة بامتهانهم واحتقارهم مهما كان جاههم ومنصبهم في الدولة، فهذا المعتصم الخليفة العباسي يلتفت إلى أحمد بن حنبل ويقول له: (كلم ابن أبي دؤاد (٤) فأعرض عنه أحمد بوجهه وقال: كيف أكلم من لم أره على باب عالم قط؟) يريد عالم الحديث. وقد بلغ المعتزلة عداؤهم للحديث أن ردوا نصوصا كثيرة صحيحة: فقد ردوا حديث الشفاعة (٥) وحديث انشقاق القمر (٦) كما سنبين ذلك بعد حين وردوا حديث ((جف القلم بما أنت لاق)) (٧)، كما رد النظام حديث ((السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه)) (٨) ذلك أن هذين الحديثين يتعارضان مع ما يؤمنان به من نفي القدر وهما حديثان خرجهما البخاري في (الجامع الصحيح) (٩).ورد القاضي عبد الجبار حديث الرسول ﷺ : ((إذا قاتل أحدكم أخاه، فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) (١٠)، وقال إن مثل (هذه الأخبار لا يجوز التصديق بها إذا كانت مخالفة للأدلة القاطعة) (١١). والعجيب هنا هو ميلهم إلى الإنكار ونكوصهم عن التأويل ذلك أن بعض الأحاديث مثلها مثل بعض الآيات المتشابهة التي تحتاج إلى فهم عميق، يوفق بين ما يبدو من الاختلاف أو التعارض بينها وبين العقل. وقد تولى أهل السنة درس هذا الحديث الذي رده القاضي عبد الجبار فقالوا: واختلف إلى ماذا يعود الضمير في (صورته):

стр. 1610

١ - فقيل إلى آدم: أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات دفعا لمن توهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى، - أو ابتدأ خلقه. كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة. وقيل للرد على الدهرية إنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان ولا أول لذلك، فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة. وقيل للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتاثيره. . . ٢ - وقيل: (الضمير لله. . . والمعنى أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء) (١). هكذا أعمل أهل السنة في مثل هذه الأحاديث المختلفة والمشكلة، للتأويل المتزن المنطقي ولم يجرؤوا على ردها، لأنها أحاديث صحيحة ثابتة بينما نكص المعتزلة عن إعمال العقل، وهم من قدم العقل وكان العقل عندهم حكر على التشكيك في الشرع ونصوصه ورجاله. ٥ - كذبهم في الحديث:

стр. 1611

ثبت لنا أن المعتزلة يعتبرون العمل شرط صحة لثبوت الإيمان إلا أن الكثيرين من أعلامهم اشتهروا بالتهاون في أداء الفروض وقلة التدين وعدم التورع عن ارتكاب بعض المحرمات ويتضح لنا ذلك عند النظام وثمامة بن أشرس وغيرهما. كما أن زعمائهم لا يترددون عن الكذب في الحديث: جاء في مقدمة (صحيح مسلم) (كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث (١)). ومن أمثلة أكاذيبه ما نسبه للحسن البصري حول السكران بالنبيذ من أنه لا يجلد، وسئل أيوب السختياني عن صحة ذلك فقال: (كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ) (٢).ومن أمثلة أكاذيبه أيضا ما نسبه للحسن كذلك من روايته عن رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)) (٣). وقد كذبه أيوب. ولا ريب أن هذا الحديث ظاهر الوضع. وكثيرة هي المسائل التي ينسب أحكامها إلى الحسن، وهي على الحقيقة من رأيه هو (٤).ولتأييد مذهبه الاعتزالي فإن عمرو بن عبيد كثيرا ما يورد الحديث دون بيان تأويله، من ذلك ما رواه عن الرسول ﷺ من قوله: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (٥) , وقد سئل عن ذلك عوف بن أبي جميلة فقال: (كذب والله عمرو ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث). بمعنى أن عمرا أورد هذا الحديث لتأييد ما يذهب إليه المعتزلة من تفسيق مرتكب الكبيرة وتخليده في النار ولما كان مستل السيف على أخيه المسلم مرتكباً لكبيرة فهو ليس من أمة الإسلام وبالتالي فهو مخلد في النار (٦). ولهذا نجد العلماء يضعفون عمرا ويردون أحاديثه من ذلك أن الفلاس قال: (عمرو متروك صاحب بدعة) (٧). بل فإن الناس كانوا يتحاشون حتى مجالسته لإغراقه في الابتداع رغم ما يشاع عنه من ورع!! وإذا جوز النظام الكذب على المكره حيث قال: (إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب ويكون وزره موضوعا عنه) (٨) فإن أكثر المعتزلة بما فيهم النظام لا يتورعون عن الكذب لا للإكراه ولكن لتأييد ما يذهبون إليه من آراء متعسفة كما رأينا بالنسبة لعمرو بن عبيد، وكما يروى عن القاضي عبد الجبار الذي يروي عن ابن عباس قول الرسول ﷺ : ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد: ١ - معرفة الله تعالى، أن يعرفه ولا يشبه به شيئا. ٢ - والحب في الله. ٣ - والبغض في الله. ٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ - اجتناب الظلمة)) (٩).وهذا الحديث ينكره الرواة، وإنما تمسك به المعتزلة ليثبتوا به وجوب معرفة الله بالدليل (١٠). فالحديث الشريف لم يسلم من المعتزلة حيث جرّحوا رواته من الصحابة، وأنكروا المتواتر منه وردوا الآحاد وأنكروا وشكوا في الكثير من الأحاديث وأخيرا كذبوا في الحديث لتقوية بدعتهم، فهم وإن لم يكترثوا بالحديث إلا أنهم يلجأون إليه، وإن اضطرهم ذلك إلى الوضع حين يرومون تأييد مذهبهم. موقفهم من الإجماع والقياس:

стр. 1612

يعتبر الإجماع والقياس من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي بعد القرآن ذلك أن شريعة السماء إنما تستمد شرعيتها وأحكامها من الله تعالى، إما بطريق مباشرة وهي القرآن أو غير مباشرة وهي سنة الرسول المقبولة: صحيحة وحسنة، ثم الإجماع والقياس اللذان يستندان إلى روح القرآن والسنة. وقد عرف العلماء القياس بأنه (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم (١) أو هو الحكم للنظير بحكم نظيره إذا كان في معناه والحكم للفرع بحكم أصله إذا قامت فيه العلة التي من أجلها وقع الحكم) (٢).والقياس مأخوذ من أكثر من آية في القرآن الكريم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس لأن النصر ظاهر (٣)، وكذلك مأخوذ من قياس الرسول ﷺ في أكثر من حكم، وقد عقد الإمام البخاري في جامعه الصحيح بابا ترجم له بقوله: (باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين)، وقد بين النبي ﷺ حكمهما ليفهم السائل (٤) أورد فيه عددا من الأحاديث التي تثبت قياس الرسول ﷺ الصريح. أما الإجماع: فهو إجماع علماء الأمة الإسلامية على أمرها فيصبح بذلك حكما شرعيا والإجماع مأخوذ من قول الله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١١٥] وقول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (٥).والعمل بالقياس معلوم عند علماء الأمة وقد ساروا عليه قديما وحديثا حتى حدث أن إبراهيم النظام، وقوم من المعتزلة سلكوا طريقه في نفي القياس (٦). . . وخالفوا ما مضى عليه السلف. . . واتبعهم من أهل السنة على نفي القياس في الأحكام داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري (ت ٢٧٠هـ).أما النظام فقد رد حجية الإجماع والقياس معا ذلك أن الحجة عنده إنما تنحصر في قول الإمام المعصوم تأسياً بما يذهب إليه بعض الشيعة الذين جعلوا الدين طاعة رجل واحد وهو إمامهم (٧).وقد تصدى جمع من المعتزلة أنفسهم للرد على النظام من أمثال بشر بن المعتمر شيخ البغداديين ورئيسهم، وأبي الهذيل العلاف وهما من رؤساء المعتزلة وأهل الكلام وكان أشد الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام، وقد قمعا أبا الهذيل وأصحابه (٨).كما خلفه بشر بن غياث المريسي (ت ٢١٨هـ) وهو فقيه معتزلي عارف بالفلسفة يرمى بالزندقة (٩)

стр. 1613

والقول بخلق القرآن، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف وكان من المغرقين في القياس الناصرين له الدائنين به (١) وإن كان لا يرى الإجماع كما سنرى بعد حين. وإذا انقسم المعتزلة حول القياس فإن موقفهم من الإجماع يكاد يكون متحدا حول رد الإجماع، نعم، نجد القاضي عبد الجبار يقر حجة الإجماع مستشهدا بقول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على خطأ وعليكم بالجماعة)) (٢)، ولئن شرح المراد بالجماعة وهو ما أجمعت عليه الأمة وثبت ذلك من إجماعها، فإنه يجعل هذا الإجماع لا يرتبط بالعدد بقدر ما يرتبط بطاعة الله والتزام السمت السمي، فهو عنده ينطبق حتى على الفرد الواحد، مستشهدا على رأيه هذا بما ينسبه لابن مسعود: (الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كان رجلا واحدا) (٣).وعلى هذا الأساس يصف من يخالف المعتزلة من المشنعين عليهم بأنهم (عند التحقيق لا يميزون ما يقولون) (٤) ويصف أصحابه بأنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون هؤلاء المشنعين عليهم (٥). وفي الحقيقة فإن الواحد لا يمكن أن يكون إجماعا، وإلا فإن المفاهيم تصبح مقلوبة منكوسة ولعل في اعتراف القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ) بالإجماع وهو من رجال القرن الرابع وأوائل الخامس، وقد شهد ما لحق المعتزلة من النكبات نتيجة غلوهم ومخالفتهم الصريحة للكثير مما يدين به المسلمون ومما هو وارد في الكتاب والسنة، لعل في اعترافه بحجية الإجماع تخفيفا عن المعتزلة بعض أوزارهم، إلا أن التوفيق جانبه لما عرف ذلك التعريف المتجافي حتى مع المعنى اللغوي للإجماع فضلا عن معناه الاصطلاحي. أما النظام فإنه أبطل صراحة حجية الإجماع وذهب إلى تجويز إجماع الأمة في جميع الأعصار على الخطأ من جهة الرأي والاستدلال (٦) ويستدل على رأيه هذا بأن الأمة الإسلامية أجمعت (على أن النبي ﷺ بعث إلى الناس كافة دون جميع الأنبياء، وليس كذلك، وكل نبي في الأرض بعثه الله تعالى إلى جميع الخلق بعثه لأن آيات الأنبياء – لشهرتها – تبلغ آفاق الأرض، وعلى كل من بلغه ذلك أن يصدقه ويتبعه) (٧).وهذه الحجة تتنافى وقول الرسول ﷺ : ((بعثت إلى الناس كافة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة)) وقد رواه البخاري في كتابي التيمم والصلاة (٨) والنسائي في كتاب الغسل (٩) والدارمي في كتاب الصلاة (١٠).

стр. 1614

وقد خالف النظام إجماع الأمة على وجوب الوضوء من النوم، وابتدع القول بأن النوم لا ينقض الوضوء وعلل مخالفته هذه بقوله: (وإنما أجمع الناس على الوضوء من نوم الضجعة لأنهم كانوا يرون أوائلهم إذا قاموا بالغداة من نوم الليل تطهروا، لأن عادات الناس الغائط والبول من الصبح، ولأن الرجل يستيقظ وبعينه رمص وبفيه خلوف، وهو متهيج الوجه، فيتطهر للحدث والنشرة (١) لا للنوم (٢).والنوم خلافا لما يذهب إليه النظام ينقض الوضوء سيما إذا لم يكن نعسة أو خفقة خفيفة، وقد عقد البخاري في جامعه بابا ترجم له بقوله: باب الوضوء من النوم (٣) أورد فيه أحاديث كثيرة تثبت تلك الترجمة. وخالف النظام إجماع الأمة أيضا بقوله: (إن الطلاق لا يقع بشيء من الكنايات كقول الرجل لامرأته: أنت خلية أو برية أو حبلك على غاربك أو البتة أو إلحقي بأهلك أو اعتدي أو نحوها من كنايات الطلاق عند الفقهاء سواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه) (٤).ذلك أن ما ذهب إليه المسلمون اعتبار النية. وقد عقد البخاري لهذا المعنى بابا ترجم له بقوله: (باب إذا قال فارقتك، أو سرحتك أو الخلية أو البرية أو ما عني به الطلاق، فهو على نيته) (٥). ومن لطيف ما يروى عن بشر بن غياث المريسي المعتزلي في رد الإجماع أنه سأل الإمام الشافعي في حضرة هارون الرشيد: (ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئا أجمع الناس عليه؟). قال الشافعي: نعم أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين فمن خالفه قتل (٦). فالإجماع حقيقة تستند إلى الكتاب والسنة لا يمكن إنكارها، ولا يمكن فهمه إلا بالشكل السوي الذي فهمه به السلف الصالح. المصدر: موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص ٧٣ الحديث الشريف هو ثاني مصادر الشريعة الإسلامية – بعد القرآن – وهو المفسر والمبين الأول لكتاب الله تعالى، ولهذا عني به أئمة المسلمين وعلماؤهم على مر العصور عناية تفوق الوصف فحرصوا على جمعه بكل طرقه، ثم لما أطلت المبتدعة برؤوسها واتخذوا وضع الأحاديث طريقا للتدليل على مذاهبهم الفاسدة، وضع سلف الأمة السند وعملوا على تمحيصه تمحيصا دقيقا ووضعوا لذلك علوما عديدة (٧) تخدم هذا الغرض كعلم الجرح والتعديل وأسماء الرواة وغير ذلك."عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٨). وقد أدى ذلك إلى فرز الحديث صحيحه من ضعيفه، وإلى تنقيته مما وضعه الواضعون من المبتدعة – كالرافضة وغيرهم – فظل الحديث الشريف مصفى من الشوائب مبرأ من المعايب، يأخذ عنه المسلمون أسس دينهم في العقائد النظرية وفي الشرائع العملية على حد سواء، فما دل عليه من عقيدة اتخذوها دينا يتقلدونه، وما هدى إليه من شريعة عملوا بها دون مماحكة أو جدال.

стр. 1615

وكان لابد للمبتدعة - على اختلاف أنواعهم – أن يحاولوا اختراق هذا الجدار المنيع الذي يحمي أسس العقيدة والشريعة وتفاصيلها ليتمكنوا من الزيادة في الدين أو النقص منه حسب ما يشاؤون، فذهبت المعتزلة إلى أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، بينما حكم العقل يقيني إذ أنه هو مناط التكليف – الذي بدونه لا يكون الإنسان مكلفا – وعلى ذلك يجب تقديم الحكم العقلي على خبر الآحاد مطلقا سواء في العقائد أو في الشرائع العملية، بل إنهم ردوا أخبار الآحاد في العقائد جملة بدعوى أن العقيدة يجب أن تثبت بطريق قطعي يقيني لا بطريق ظني كخبر الواحد!، ولم يفرقوا بين ما هو صحيح من الأحاديث أو غيره من درجات الحديث، بل يكفي مخالفته لما ادعوه معقولا لرده وعدم العمل به؛ بل والقدح في رواته بغاية الجرأة والوقاحة. وقد موهوا بأن التواتر – وهو رواية الخبر بطريق جمع كبير يؤمن عدم تواطئهم على الكذب أو النسيان – وحده هو الذي يفيد اليقين القطعي، وإن جعلوا الحكم العقلي مقدما عليه كذلك حين التعارض!.وكان من جراء ذلك أن رد المعتزلة الكثير من العقائد الثابتة عن رسول الله ﷺ كعذاب القبر وكالإيمان بالحوض والصراط والميزان والشفاعة (١) وما سبق ذكره كرؤية الله في الآخرة، كما ردوا الكثير من الأحكام الشرعية الصحيحة الثابتة إما بدعوى مناقضتها للعقل، أو تعارضها مع الكتاب، أو تعارضها مع أحاديث أخرى – بزعمهم -!.فمما زعموا معارضته للعقل حديثه ﷺ : ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده)) (٢)، قالوا: كل الناس تعلم أين باتت يدها، وحتى إذا قصد المسلمون الحرج فالنائم مرفوع عنه الحرج ولا يؤاخذ بما يفعله في نومه "ولو أن رجلا مس فرجه في يقظته لما نقض ذلك طهارته فكيف بأن يمس وهو لا يعلم" (٣).ومما زعموا تعارضه مع الكتاب: قوله ﷺ : ((لا وصية لوارث)) (٤)، قالوا: هذا معارض بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] (٥). والوالدان وارثان على كل حال. وكذلك نهيه ﷺ : ((أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها)) (٦) إذ هو معارض لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء: ٢٣] ولم يذكر عمة الزوجة أو خالتها. كما روى عن أبي بكر بن محمد أنه قال: "قال عمرو بن عبيد: لا يعفى عن اللص دون السلطان – قال فحدثته بحديث صفوان بن أمية عن النبي ﷺ حيث قال: (فهلا قبل أن تأتيني به) (٧). قال: أتحلف بالله أن النبي ﷺ قاله؟ قلت: أفتحلف أنت بالله أن النبي ﷺ لم يقله".
следующие страницы →