ثبت لنا أن المعتزلة يعتبرون العمل شرط صحة لثبوت الإيمان إلا أن الكثيرين من أعلامهم اشتهروا بالتهاون في أداء الفروض وقلة التدين وعدم التورع عن ارتكاب بعض المحرمات ويتضح لنا ذلك عند النظام وثمامة بن أشرس وغيرهما. كما أن زعمائهم لا يترددون عن الكذب في الحديث: جاء في مقدمة (صحيح مسلم) (كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث (١)). ومن أمثلة أكاذيبه ما نسبه للحسن البصري حول السكران بالنبيذ من أنه لا يجلد، وسئل أيوب السختياني عن صحة ذلك فقال: (كذب، أنا سمعت الحسن يقول: يجلد السكران من النبيذ) (٢).ومن أمثلة أكاذيبه أيضا ما نسبه للحسن كذلك من روايته عن رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)) (٣). وقد كذبه أيوب. ولا ريب أن هذا الحديث ظاهر الوضع. وكثيرة هي المسائل التي ينسب أحكامها إلى الحسن، وهي على الحقيقة من رأيه هو (٤).ولتأييد مذهبه الاعتزالي فإن عمرو بن عبيد كثيرا ما يورد الحديث دون بيان تأويله، من ذلك ما رواه عن الرسول ﷺ من قوله: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (٥) , وقد سئل عن ذلك عوف بن أبي جميلة فقال: (كذب والله عمرو ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث). بمعنى أن عمرا أورد هذا الحديث لتأييد ما يذهب إليه المعتزلة من تفسيق مرتكب الكبيرة وتخليده في النار ولما كان مستل السيف على أخيه المسلم مرتكباً لكبيرة فهو ليس من أمة الإسلام وبالتالي فهو مخلد في النار (٦). ولهذا نجد العلماء يضعفون عمرا ويردون أحاديثه من ذلك أن الفلاس قال: (عمرو متروك صاحب بدعة) (٧). بل فإن الناس كانوا يتحاشون حتى مجالسته لإغراقه في الابتداع رغم ما يشاع عنه من ورع!! وإذا جوز النظام الكذب على المكره حيث قال: (إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب ويكون وزره موضوعا عنه) (٨) فإن أكثر المعتزلة بما فيهم النظام لا يتورعون عن الكذب لا للإكراه ولكن لتأييد ما يذهبون إليه من آراء متعسفة كما رأينا بالنسبة لعمرو بن عبيد، وكما يروى عن القاضي عبد الجبار الذي يروي عن ابن عباس قول الرسول ﷺ : ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد:
١ - معرفة الله تعالى، أن يعرفه ولا يشبه به شيئا.
٢ - والحب في الله.
٣ - والبغض في الله.
٤ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ - اجتناب الظلمة)) (٩).وهذا الحديث ينكره الرواة، وإنما تمسك به المعتزلة ليثبتوا به وجوب معرفة الله بالدليل (١٠).
فالحديث الشريف لم يسلم من المعتزلة حيث جرّحوا رواته من الصحابة، وأنكروا المتواتر منه وردوا الآحاد وأنكروا وشكوا في الكثير من الأحاديث وأخيرا كذبوا في الحديث لتقوية بدعتهم، فهم وإن لم يكترثوا بالحديث إلا أنهم يلجأون إليه، وإن اضطرهم ذلك إلى الوضع حين يرومون تأييد مذهبهم.
موقفهم من الإجماع والقياس:
стр. 1612
يعتبر الإجماع والقياس من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي بعد القرآن ذلك أن شريعة السماء إنما تستمد شرعيتها وأحكامها من الله تعالى، إما بطريق مباشرة وهي القرآن أو غير مباشرة وهي سنة الرسول المقبولة: صحيحة وحسنة، ثم الإجماع والقياس اللذان يستندان إلى روح القرآن والسنة. وقد عرف العلماء القياس بأنه (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم (١) أو هو الحكم للنظير بحكم نظيره إذا كان في معناه والحكم للفرع بحكم أصله إذا قامت فيه العلة التي من أجلها وقع الحكم) (٢).والقياس مأخوذ من أكثر من آية في القرآن الكريم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس لأن النصر ظاهر (٣)، وكذلك مأخوذ من قياس الرسول ﷺ في أكثر من حكم، وقد عقد الإمام البخاري في جامعه الصحيح بابا ترجم له بقوله: (باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين)، وقد بين النبي ﷺ حكمهما ليفهم السائل (٤) أورد فيه عددا من الأحاديث التي تثبت قياس الرسول ﷺ الصريح. أما الإجماع: فهو إجماع علماء الأمة الإسلامية على أمرها فيصبح بذلك حكما شرعيا والإجماع مأخوذ من قول الله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١١٥] وقول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) (٥).والعمل بالقياس معلوم عند علماء الأمة وقد ساروا عليه قديما وحديثا حتى حدث أن إبراهيم النظام، وقوم من المعتزلة سلكوا طريقه في نفي القياس (٦). . . وخالفوا ما مضى عليه السلف. . . واتبعهم من أهل السنة على نفي القياس في الأحكام داود بن علي بن خلف الأصبهاني الظاهري (ت ٢٧٠هـ).أما النظام فقد رد حجية الإجماع والقياس معا ذلك أن الحجة عنده إنما تنحصر في قول الإمام المعصوم تأسياً بما يذهب إليه بعض الشيعة الذين جعلوا الدين طاعة رجل واحد وهو إمامهم (٧).وقد تصدى جمع من المعتزلة أنفسهم للرد على النظام من أمثال بشر بن المعتمر شيخ البغداديين ورئيسهم، وأبي الهذيل العلاف وهما من رؤساء المعتزلة وأهل الكلام وكان أشد الناس نصرة للقياس واجتهاد الرأي في الأحكام، وقد قمعا أبا الهذيل وأصحابه (٨).كما خلفه بشر بن غياث المريسي (ت ٢١٨هـ) وهو فقيه معتزلي عارف بالفلسفة يرمى بالزندقة (٩)
стр. 1613
والقول بخلق القرآن، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف وكان من المغرقين في القياس الناصرين له الدائنين به (١) وإن كان لا يرى الإجماع كما سنرى بعد حين. وإذا انقسم المعتزلة حول القياس فإن موقفهم من الإجماع يكاد يكون متحدا حول رد الإجماع، نعم، نجد القاضي عبد الجبار يقر حجة الإجماع مستشهدا بقول الرسول ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على خطأ وعليكم بالجماعة)) (٢)، ولئن شرح المراد بالجماعة وهو ما أجمعت عليه الأمة وثبت ذلك من إجماعها، فإنه يجعل هذا الإجماع لا يرتبط بالعدد بقدر ما يرتبط بطاعة الله والتزام السمت السمي، فهو عنده ينطبق حتى على الفرد الواحد، مستشهدا على رأيه هذا بما ينسبه لابن مسعود: (الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كان رجلا واحدا) (٣).وعلى هذا الأساس يصف من يخالف المعتزلة من المشنعين عليهم بأنهم (عند التحقيق لا يميزون ما يقولون) (٤) ويصف أصحابه بأنهم هم المتمسكون بالسنة والجماعة دون هؤلاء المشنعين عليهم (٥).
وفي الحقيقة فإن الواحد لا يمكن أن يكون إجماعا، وإلا فإن المفاهيم تصبح مقلوبة منكوسة ولعل في اعتراف القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥هـ) بالإجماع وهو من رجال القرن الرابع وأوائل الخامس، وقد شهد ما لحق المعتزلة من النكبات نتيجة غلوهم ومخالفتهم الصريحة للكثير مما يدين به المسلمون ومما هو وارد في الكتاب والسنة، لعل في اعترافه بحجية الإجماع تخفيفا عن المعتزلة بعض أوزارهم، إلا أن التوفيق جانبه لما عرف ذلك التعريف المتجافي حتى مع المعنى اللغوي للإجماع فضلا عن معناه الاصطلاحي. أما النظام فإنه أبطل صراحة حجية الإجماع وذهب إلى تجويز إجماع الأمة في جميع الأعصار على الخطأ من جهة الرأي والاستدلال (٦) ويستدل على رأيه هذا بأن الأمة الإسلامية أجمعت (على أن النبي ﷺ بعث إلى الناس كافة دون جميع الأنبياء، وليس كذلك، وكل نبي في الأرض بعثه الله تعالى إلى جميع الخلق بعثه لأن آيات الأنبياء – لشهرتها – تبلغ آفاق الأرض، وعلى كل من بلغه ذلك أن يصدقه ويتبعه) (٧).وهذه الحجة تتنافى وقول الرسول ﷺ : ((بعثت إلى الناس كافة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة)) وقد رواه البخاري في كتابي التيمم والصلاة (٨) والنسائي في كتاب الغسل (٩) والدارمي في كتاب الصلاة (١٠).
стр. 1614
وقد خالف النظام إجماع الأمة على وجوب الوضوء من النوم، وابتدع القول بأن النوم لا ينقض الوضوء وعلل مخالفته هذه بقوله: (وإنما أجمع الناس على الوضوء من نوم الضجعة لأنهم كانوا يرون أوائلهم إذا قاموا بالغداة من نوم الليل تطهروا، لأن عادات الناس الغائط والبول من الصبح، ولأن الرجل يستيقظ وبعينه رمص وبفيه خلوف، وهو متهيج الوجه، فيتطهر للحدث والنشرة (١) لا للنوم (٢).والنوم خلافا لما يذهب إليه النظام ينقض الوضوء سيما إذا لم يكن نعسة أو خفقة خفيفة، وقد عقد البخاري في جامعه بابا ترجم له بقوله: باب الوضوء من النوم (٣) أورد فيه أحاديث كثيرة تثبت تلك الترجمة. وخالف النظام إجماع الأمة أيضا بقوله: (إن الطلاق لا يقع بشيء من الكنايات كقول الرجل لامرأته: أنت خلية أو برية أو حبلك على غاربك أو البتة أو إلحقي بأهلك أو اعتدي أو نحوها من كنايات الطلاق عند الفقهاء سواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه) (٤).ذلك أن ما ذهب إليه المسلمون اعتبار النية. وقد عقد البخاري لهذا المعنى بابا ترجم له بقوله: (باب إذا قال فارقتك، أو سرحتك أو الخلية أو البرية أو ما عني به الطلاق، فهو على نيته) (٥).
ومن لطيف ما يروى عن بشر بن غياث المريسي المعتزلي في رد الإجماع أنه سأل الإمام الشافعي في حضرة هارون الرشيد: (ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئا أجمع الناس عليه؟). قال الشافعي: نعم أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين فمن خالفه قتل (٦).
فالإجماع حقيقة تستند إلى الكتاب والسنة لا يمكن إنكارها، ولا يمكن فهمه إلا بالشكل السوي الذي فهمه به السلف الصالح.
المصدر: موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص ٧٣
الحديث الشريف هو ثاني مصادر الشريعة الإسلامية – بعد القرآن – وهو المفسر والمبين الأول لكتاب الله تعالى، ولهذا عني به أئمة المسلمين وعلماؤهم على مر العصور عناية تفوق الوصف فحرصوا على جمعه بكل طرقه، ثم لما أطلت المبتدعة برؤوسها واتخذوا وضع الأحاديث طريقا للتدليل على مذاهبهم الفاسدة، وضع سلف الأمة السند وعملوا على تمحيصه تمحيصا دقيقا ووضعوا لذلك علوما عديدة (٧) تخدم هذا الغرض كعلم الجرح والتعديل وأسماء الرواة وغير ذلك."عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٨).
وقد أدى ذلك إلى فرز الحديث صحيحه من ضعيفه، وإلى تنقيته مما وضعه الواضعون من المبتدعة – كالرافضة وغيرهم – فظل الحديث الشريف مصفى من الشوائب مبرأ من المعايب، يأخذ عنه المسلمون أسس دينهم في العقائد النظرية وفي الشرائع العملية على حد سواء، فما دل عليه من عقيدة اتخذوها دينا يتقلدونه، وما هدى إليه من شريعة عملوا بها دون مماحكة أو جدال.
стр. 1615
وكان لابد للمبتدعة - على اختلاف أنواعهم – أن يحاولوا اختراق هذا الجدار المنيع الذي يحمي أسس العقيدة والشريعة وتفاصيلها ليتمكنوا من الزيادة في الدين أو النقص منه حسب ما يشاؤون، فذهبت المعتزلة إلى أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، بينما حكم العقل يقيني إذ أنه هو مناط التكليف – الذي بدونه لا يكون الإنسان مكلفا – وعلى ذلك يجب تقديم الحكم العقلي على خبر الآحاد مطلقا سواء في العقائد أو في الشرائع العملية، بل إنهم ردوا أخبار الآحاد في العقائد جملة بدعوى أن العقيدة يجب أن تثبت بطريق قطعي يقيني لا بطريق ظني كخبر الواحد!، ولم يفرقوا بين ما هو صحيح من الأحاديث أو غيره من درجات الحديث، بل يكفي مخالفته لما ادعوه معقولا لرده وعدم العمل به؛ بل والقدح في رواته بغاية الجرأة والوقاحة.
وقد موهوا بأن التواتر – وهو رواية الخبر بطريق جمع كبير يؤمن عدم تواطئهم على الكذب أو النسيان – وحده هو الذي يفيد اليقين القطعي، وإن جعلوا الحكم العقلي مقدما عليه كذلك حين التعارض!.وكان من جراء ذلك أن رد المعتزلة الكثير من العقائد الثابتة عن رسول الله ﷺ كعذاب القبر وكالإيمان بالحوض والصراط والميزان والشفاعة (١) وما سبق ذكره كرؤية الله في الآخرة، كما ردوا الكثير من الأحكام الشرعية الصحيحة الثابتة إما بدعوى مناقضتها للعقل، أو تعارضها مع الكتاب، أو تعارضها مع أحاديث أخرى – بزعمهم -!.فمما زعموا معارضته للعقل حديثه ﷺ : ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده)) (٢)، قالوا: كل الناس تعلم أين باتت يدها، وحتى إذا قصد المسلمون الحرج فالنائم مرفوع عنه الحرج ولا يؤاخذ بما يفعله في نومه "ولو أن رجلا مس فرجه في يقظته لما نقض ذلك طهارته فكيف بأن يمس وهو لا يعلم" (٣).ومما زعموا تعارضه مع الكتاب: قوله ﷺ : ((لا وصية لوارث)) (٤)، قالوا: هذا معارض بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] (٥). والوالدان وارثان على كل حال. وكذلك نهيه ﷺ : ((أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها)) (٦) إذ هو معارض لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء: ٢٣] ولم يذكر عمة الزوجة أو خالتها. كما روى عن أبي بكر بن محمد أنه قال: "قال عمرو بن عبيد: لا يعفى عن اللص دون السلطان – قال فحدثته بحديث صفوان بن أمية عن النبي ﷺ حيث قال: (فهلا قبل أن تأتيني به) (٧). قال: أتحلف بالله أن النبي ﷺ قاله؟ قلت: أفتحلف أنت بالله أن النبي ﷺ لم يقله".
стр. 1616
وقد كان هذا المنهج من أحوال أهل البدعة التي جروا عليها لشدة الأحاديث عليهم بما تقرره من الحق المخالف لمبتدعات عقولهم، يقول الشاطبي في بيان مسلك أهل البدع: ". . . ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، يدعون أنها مخالفة للعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله في الآخرة وكذلك حديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وأنه يقدم الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي ﷺ بسقيه العسل وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول. وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين ﵃ – وحاشاهم- وفيمن اتفق من الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم. كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذاهب وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة لينفروا الأمة عن اتباع السنة وأهلها" (١)، وقال بعدها:"وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة والاقتصار على ما استحسنته عقولهم في فهم القرآن. . ولما ردوها بتحكيم العقول كاد الكلام معهم راجعا إلى أصل التحسين والتقبيح" (٢).
стр. 1617
أما أهل السنة فقد وفقهم الله تعالى إلى المذهب الحق في كل تلك الأمور، فأما بالنسبة لحجية خبر الآحاد فقد أنعقد إجماع السلف من الأئمة على وجوب العمل به سواء في مجال العقيدة النظرية أو الشريعة العملية، فما دل على عقيدة اعتقدوها دينا، وما دل على شريعة عملية أطاعوها وعملوا بها. فإن خبر الآحاد "الصحيح" يفيد من الاطمئنان القلبي ما يجب بناء عليه أن يعمل بمقتضاه، وقد دلت على ذلك أفعال رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة. ففي السنة أن أهل قباء جاءهم واحد من عند رسول الله ﷺ فأخبرهم بتحويل القبلة فتحولوا وبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينكر عليهم، وبمثل بعثه ﷺ لعماله واحدا بعد واحد وكذلك بإرساله الرسل فرادى يدعون الناس إلى الإسلام (١).أما عن إجماع الصحابة فقد نقلت عنهم وقائع لا تبلغ الحصر متفقة على العمل بخبر الواحد ووجوب الأخذ به. فمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق أنه عمل بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة أن النبي أطعمها السدس، فجعل لها السدس. ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس وهو قوله ﷺ : ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) (٢). وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين وهو قوله: كنت بين جاريتين لي (يعني ضرتين) فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا لقضينا غير هذا. وكذلك عمل عثمان وعلي بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها أنها قالت: جئت إلى النبي ﷺ بعد وفاة زوجي أستأذنه في وضع العدة، فقال ﷺ : ((امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)) (٣). وغير ذلك من عمل الصحابة كعائشة وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن عباس. . بل ويكفي إجماعهم على الأخذ بخبر أبي بكر الصديق يوم السقيفة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((الأئمة من قريش)) (٤). فهذا إجماع منهم على ذلك (٥).
стр. 1618
ولا فرق هنا بين العقائد والشرائع إذ أن الاطمئنان القلبي متحقق في كليهما سواء، لهذا أجمع السلف على الاعتقاد برؤية الله في الآخرة والصراط والميزان والحوض والشفاعة وعذاب القبر (١).
أما عن الخبر المتواتر فقد ذهب أهل السنة إلى إفادته "العلم" أي اليقين القلبي القاطع الذي لا تشوبه شائبة من أي ناحية. وقد ذهبت طوائف من أهل السنة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وطوائف من المحدثين والفقهاء إلى أن خبر الواحد يفيد العمل ولا يفيد "العلم" (٢)، وقد قصدوا "بالعلم" هو ذلك اليقين القلبي الجازم الحاصل بمثل التواتر. ولا شك أن الفارق موجود بين يقين القلب بخبر التواتر والجزم باستحالة كذبه، وبين الاطمئنان القلبي القريب من اليقين بخبر الواحد الصحيح إلا أن ذلك فرق لا معول عليه بدليل إجماعهم على وجوب العمل به عملا واعتقادا. كما أن طوائف من المحدثين والفقهاء قالوا فإفادته للعلم كأحمد بن حنبل وابن تيمية وحكاه ابن حزم عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك وجزم به (٣).
وأما ما أوردوه من تعارض بين الحديث والعقل أو الكتاب أو الأحاديث الأخرى، فليس فيه تعارض إلا من جهة عقولهم الفاسدة ومناهجهم السقيمة. فحديث ((إذا قام أحدكم من نومه. .)) (٤). ليس المقصود بقوله ((أين باتت يده)) هو عدم معرفة مكانها بالليل! "بل لعله في منامه مس بها فرجه أو دبره وليس يؤمن أن يصيب يده قاطر بول أو بقية مني إن كان جامع قبل المنام فإذا أدخلها في الإناء قبل أن يغسلها أنجس الماء وأفسده وخص النائم بهذا لأن النائم قد تقع يده على هذه المواقع وعلى دبره وهو لا يشعر، فأما اليقظان فإنه إذا لمس شيئا من هذه المواضع فأصاب يده منه أذى، وعلم به ولم يذهب عليه فغسلها قبل أن يدخلها في الإناء أو يأكل أو يصافح" (٥).وأما عن حديث ((لا وصية لوارث)) (٦). فقد ذهب أهل السنة إلى أن الآية كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ منسوخة بآية المواريث في سورة النساء في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: ١١].
"قال ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء وثبتت للأقربين الذين لا يرثون وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكية وجماعة من أهل العلم".
стр. 1619
كذلك "قال ابن عمر وابن عباس وابن زيد: الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندبا، ونحو هذا قول مالك ﵀". وقد كان من الممكن الجمع بين الآيتين "بأن يأخذا – أي الأبوان – المال عن المورث بالوصية وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي من الوصية لكن منع هذا الحديث والإجماع"، "فنسخ الآية إنما كان بالسنة الثانية لا بالإرث على الصحيح من أقوال العلماء" (١).أما عن حديث: ((نكاح المرأة على عمتها أو خالتها)) (٢). فقد قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:٧]، وقال تعالى: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء:٨٠]، وقد قال ﷺ : ((ألا أني قد أوتيت الكتاب ومثله معه)) (٣). أي من الأحكام التشريعية فيجب طاعة الرسول ﷺ فيما حلل وحرم لأمر الله تعالى بذلك. قال القرطبي: "فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه مما لم يذكر في الآية فيضم إليها" (٤). وحكمة ذلك واضحة وهي ترجع إلى أصل عام في الشريعة وهو عدم قطع الأرحام فإنه لا يخفى ما يكون بين المرأة وضرتها ولا يصح هذا بين المرأة وخالتها أو عمتها إلا بقطع الرحم وقد روي عن ابن عباس قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة، وقال: إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) (٥). وروى مثله من مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة" (٦).
ولأهل السنة منهج في ما قد يتعارض ظاهره من الأدلة وهو "الجمع بين أطراف الأدلة" والتوفيق بين الأدلة الصحيحة بأوجه التوفيق المعتبرة إذ أنه معلوم في الأصول إن إعمال الدليلين الصحيحين يقدم على إعمال أحدهما وإسقاط الآخر، يقول الشوكاني:
"ومن شروط الترجيح التي لابد من اعتبارها أنه لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح، قال في المحصول: العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر. اهـ، وبه قال الفقهاء جميعا".
المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ٨١
стр. 1620
المبحث الثالث: صور من انحرافات المعتزلة عن السنة إن موقف المعتزلة من صحابة الرسول ﷺ المجافي لما قررته السنة وبينه القرآن العزيز من وجوب احترامهم وإكبارهم وإن كذبهم في الأحاديث المنافي مع وعيد الرسول للكذابين عليه وهو القائل ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (١) وهو حديث متواتر يقول عنه ابن الجوزي قد رواه الصحابة ثمانية وتسعون صحابيا وإن إنكارهم أو تشكيكهم في بعض الأحاديث، وإبطالهم قبول المتواتر والآحاد، هذه المواقف جميعها تعتبر انحرافا عن السنة ومجافاة للسلوك الذي سن اتباعه الرسول ﷺ وصحابته ﵃. . . وقد أوردت من الأدلة ما يثبت هذا الانحراف عن الهدي النبوي.
وفي هذا الفصل نضيف عددا آخر من المواقف والآراء التي آمن بها المعتزلة ووقفوا ينفحون عنها ويعضدونها بأدلتهم العقلية:
أ- وجوب معرفة الله بالدليل: لقد كان الإيمان بالله في عهد الرسول والصحابة بسيطا غير معقد، حتى إذا ما نشأت فرقة المعتزلة أدخلت مباحث غريبة عن الإسلام متأثرة بالمذهب والمقولات الفلسفية، وكان البحث في معرفة الله بالدليل وإيقاف صحة الإيمان على ذلك من بين تلك الموضوعات التي أحدثتها المعتزلة، وبذلك فرضوا على الفرق الأخرى النظر فيها، وقد ورثها عنهم الأشاعرة رغم انفصالهم عن المعتزلة، فقد جاء عن أبي جعفر السماني – وهو من كبار الأشاعرة – قوله: (إن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب) (٢) أي المذهب الأشعري. ولشدة تعلق المعتزلة بهذا المبحث فإنهم جعلوه منضوبا تحت مفهوم الإيمان فهذا أبو شمر يزعم (أن المعرفة بالله وبما جاء من عنده. . . ومعرفة التوحيد والعدل، عدل الله سبحانه، ونفي التشبيه عنه، كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر) (٣).وشغفهم هذا دفع بالقاضي عبد الجبار إلى أن يستشهد بحديث ينكره الرواة كما يقول فؤاد السيد (٤) ليبرر ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب معرفة الله: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((خمس لا يعذر بجهلهن أحد، معرفة الله تعالى أن يعرفه ولا يشبه به شيئا)) (٥).
стр. 1621
وإذا كانت معرفة الله وصفاته مقررة في الإسلام، فإن تعقيد هذه المعرفة ووجوب تحصيل الدليل عليها هو البدعة المنافية مع السنة الصحيحة. فهذا أبو هاشم (عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي ابن أبي علي الجبائي) من المعتزلة ذهب إلى أن (من لا يعرف الله بالدليل فهو كافر) لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر (١).كما أن إبراهيم بن يسار النظام ذهب إلى أن المتمكن من المعرفة إن كان عاقلا (يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال) (٢).نعم أن التقليد مذموم. لذلك نجد بعض أهل السنة يوجب الاستدلال هو أيضا إلا أنه لم يرد به (التعمق في طرق المتكلمين) بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته، أنه يحصل في الذهن مقدمات ضرورية تتألف تألفا صحيحا وتنتج العلم، لكنه لو سئل: كيف حصل له ذلك ما اهتدى للتعبير عنه (٣).ويقول ابن حجر لا حجة لمن اشترط النظر (لأن من لم يشترط النظر لم ينكر، أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلمية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطا (٤).وإذا كان في النظر بالنسبة للجماهير مشقة لم يوجبها عليهم الشرع، فإن فيه بالنسبة للعلماء والمختصين (فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها) (٥).والذي يثبت مخالفة ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب معرفة الله بالدليل ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ويقيموا الصلاة, ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)) (٦).ففي هذا الحديث كما يقول ابن حجر (دليل. . . على الاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة) (٧).وجاء عن معاوية بن الحكم قوله: ((أتيت رسول الله ﷺ بجارية فقلت: يا رسول الله, علي رغبة, أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله: أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: فأعتقها)) (٨).
فبهذه المعرفة الأولية المجملة بالله وبرسوله ثبت لها الإسلام وأجاز رسول الله ﷺ عتقها. وكتب الرسول ﷺ إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد ورسائله كلها تثبت أنه ﷺ (لم يزد في دعائه. . . على أن يؤمنوا بالله ويصدقوه فيما جاء به من عنده، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا) (٩).
ب- إنكارهم لرؤية الله يوم القيامة:
стр. 1622
لقد سبق لنا أن بينا أن غلو المعتزلة في فهمهم لعقيدة التوحيد تفرع عنه: أ- إيمانهم بنفي الصفات. ب- نفي الرؤية. ج- القول بخلق القرآن. نفي الصفات فقالوا: بخلق القرآن اعتقادا منهم أن ثبوت قدم أي صفة بما فيها كلامه تعالى: يثبت مع الله قديما غيره، وهذا عين الشرك في نظرهم، ونفوا الرؤية لأنها تقتضي الجسمية وهي ما يتنزه الله عنه. والمعتزلة أجمعوا على أن الله سبحانه ليس بجسم ولا عرض وأن شيئا من الحواس لا يدركه في الدنيا ولا في الآخرة. حتى أن بعضهم يكفر من يقول برؤيته (كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالا فيه دون مكان) (١).
لكنهم اختلفوا هل يرى الله بالقول؟ فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: نرى الله بقلوبنا، بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر هشام الفوطي عباد بن سليمان ذلك (٢).أما الخابطية (أصحاب أحمد بن خابط ت ٢٣٢هـ) والحدثية (أصحاب الفضل الحدثي (ت ٢٥٧هـ) فإنهم آمنوا بالرؤية ولكنهم صرفوها إلى رؤية العقل الأول العقل الفعال) (٣). وفكرة العقل هذه فكرة يونانية آمن بها بعض الفلاسفة المسلمين وتسربت إلى الفكر الاعتزالي. والمعتزلة حين ينفون الرؤية يزعمون أن كل شيء يرى بالعين يجب أن يكون في مقابلة العين، أو ينبغي أن يكون جسما يحتل حيزا، بهذا ناظر أبو إسحاق النصيبيني رئيس معتزلة البصرة أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣هـ) (٤)، بل فإن تعله (٥) الجسمية يركن إليها كل النفاة لرؤية الله. يقول القرطبي: (اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة، والمقابلة وإيصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم) (٦).والمعتزلة مناصرة منهم لرأيهم يردون كل الأحاديث النبوية التي تثبت الرؤية بدعوى أنها أحاديث آحاد (وإنما يقبل خبر الواحد فيما طريقه العمل (٧) ويحاولون في الوقت نفسه اختلاق أحاديث كثيرة تتساوق مع مذهبهم. فهذا القاضي عبد الجبار يورد أثرا بصيغة التمريض ينسبه لابن عباس فيقول وروي أن نجدة الحروري سأل ابن عباس فقال: كيف معرفتك بربك؟ فقال: (أعرفه بما عرفني به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالقياس معروف بغير تشبيه (٨).كما ينسب خبرا لعائشة يقول (إنها سمعت بأن القوم يقولون: بأن الله يرى، فقالت: لقد قف شعري مما قلتموه ودفعت ذلك بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١٠٣]) (٩).
أما الآيات القرآنية التي تثبت رؤية الله فإنهم يقفون منها موقف التأويل والتخريج المتعسف: فهذا الزمخشري يفسر قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢ - ٢٣] بأن المراد بناظرة الثانية (بالظاء) منتظرة فالمؤمنون وهم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ينتظرون ذلك اليوم. ويبين أن تقديم المفعول به (إلى ربها) يفيد الاختصاص بمعنى أن هذه الوجوه (تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره. . . ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم. . . فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص) (١٠).
стр. 1623
ويستنجد بالعربية ليؤيد تأويله فيقول (والذي يصبح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي تريد معنى التوقع والرجاء ومنه قول القائل:
وإذا نظرت إليك من الملك ... والبحر دونك زدتني نعما (١)
وسمعت سرورية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقايلهم تقول: عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم. والمعنى أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه (٢). وكل آية يمكن أن يستشعر منها معنى رؤية الله، يؤولها الزمخشري بشكل يدفع الرؤية، فيشرح الفوز في قوله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] بقوله (وأي فوز أعظم من دخول الجنة) ويعلق سراج الدين البلقيني على ذلك بقوله (أشار إلى عدم الرؤية) (٣).وهو عين التأويل الذي ينقله القاضي عبد الجبار عن أبي علي الجبائي الذي يصور معنى التطور الذي طرأ على موقف مثبتة الرؤية. ذلك أن أوائلهم كانوا (يقولون بالرؤية مع التشبيه. ثم من بعد لما عرفوا فساد القول بالتشبيه ثبتوا على القول بالرؤية للإلف والعادة، واحتجوا بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وهذا لا حجة لهم فيه لأن النظر ليس هو الرؤية، فتحمل الآية على النظر إلى الثواب أو الانتظار. كما روي عن كثير من الصحابة (٤).فهو ينسب عقيدتهم إلى الإلف والعادة لا النظر والفهم، ثم يؤول مستندهم من الآية بنفس تأويل الزمخشري الذي تناول أحمد ابن المنير الرد عنه في كتابه (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال) فقال (ما أقصر لسانه عند هذه الآية فكم له يدندن ويطيل في حجب الرؤية ويشقق القباء ويكثر ويتعمق. لما فغرت فاه صنع في مصامتها بالاستدلال. . . ومما يعلم أن الممتع برؤية جمال وجه الله تعالى لا يصرف عنه طرفه ولا يؤثر عليه غيره) (٥) ويقول ابن بطال (إن تأويلهم لناظرة بمنتظرة خطأ لأنه لا يتعدى بإلى (٦) ويتحدث ابن كثير عمن تأول حرف الجر "إلى" في قوله تعالى إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٣] وفسره بأنه مفرد الآلاء وهي النعم فيقول: فقد أبعد هذا القائل النجعة وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: كَلا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] (٧).قال الشافعي ﵀ لما سئل عن هذه الآية: لما حجب الله قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا. وسأله الربيع بن سليمان: أوتدين بهذا يا سيدي؟، فقال (والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا) (٨).وبالإضافة إلى الأدلة النقلية الصحيحة التي أوردها أهل السنة فإنهم تناولوا شبهة المعتزلة العقلية بالرد عنها عقليا ولغويا فهذا ابن حجر يورد ما عدده البيهقي من الأوجه اللغوية التي تفيدها عبارة ناظرة في كلام العرب منتهياً إلى أن أولاده بالقبول في الآية هو نظر الرؤية (٩).وهذا أبو بكر الباقلاني يرد عن اعتراض أبي إسحاق النصيبيني ويبين أن الرؤية لا تتم بالعين لما يستلزم ذلك من المكان (وإنما يرى بالإدراك الذي في العين، ولو كان الشيء يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الأجهر عينه قائمة ولا يرى شيئا. .)
стр. 1624
ويبين أن إثبات رؤيته ليس فيه قلب لحقيقة ولا إثبات لما يتنافى مع تنزيه الله بل لما كان الله أكمل الموجودات وجب أن يكون مرئيا (والشيء إنما يرى لأنه موجود) (١).وقريب من هذا المعنى يقرره ابن تيمية فهو يقول: (فكل ما كان وجوده أكمل كان أحق بأن يرى. . . والموجود الواجب الوجود أكمل الموجودات وجودا، وأبعد الأشياء عن العدم، فهو أحق بأن يرى، وإنما لم نره لعجز أبصارنا عن رؤيته لا لأجل امتناع رؤيته) (٢).أما الأحاديث الصحيحة التي تثبت انحراف المعتزلة عنها، فهي كثيرة وقد عقد الإمام البخاري في كتاب التوحيد بابا ترجم له بقوله باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٣) وقد أورد فيه عددا من آثار الرسول ﷺ التي تثبت الرؤية. كما عقد مسلم بابا في كتاب الإيمان لهذا الغرض ترجم له النووي بقوله: (باب معرفة طريق الرؤية) (٤) سرد فيه عددا من الأخبار تثبت الرؤية منها: جاء عن جرير بن عبد الله قوله: قال النبي ﷺ : ((إنكم سترون ربكم عيانا)). وقد أورده البخاري عن جرير في كتابي مواقيت الصلاة والتوحيد (٥)، وأورد نحوه عن أبي سعيد الخدري في كتاب التفسير (٦).كما خرج نحوه مسلم عن أبي سعيد الخدري في كتاب الإيمان (٧) وعن أبي هريرة في كتاب الزهد والرقائق (٨).
وخرجه أيضا ابن ماجه عن جرير في المقدمة وعن أبي هريرة في كتاب الزهد كما أورد نحوه أبو داود في كتاب السنة عن أبي هريرة وخرجه الترمذي في كتاب صفة الجنة عن أبي هريرة.
فرؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة لا يمكن دفعها وكل محاولة لمنعها إنما هي إبطال متعمد للحديث الصحيح، وتأويل متعسف لصريح القرآن العزيز.
ج – إنكارهم لشفاعة الرسول ﷺ :
الشفاعة التي أثبتها أهل السنة أربعة أنواع:
١ - الخلاص من هول الموقف، وهي خاصة بمحمد رسول الله صلى الله عليه.
٢ - الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب.
٣ - الشفاعة في رفع الدرجات.
стр. 1625
٤ - الشفاعة في إخراج قوم من النار عصاة أدخلوها بذنوبهم. والمعتزلة ولئن اشترطوا في النوع الثاني من الشفاعة أن تكون خاصة بمن لا تبعة عليه فإنهم قبلوا النوعين الأول والثالث، بينما ردوا النوع الرابع (١)، لأنهم ينكرون شفاعة الرسول ﷺ لأهل الكبائر من الأمة الإسلامية (٢) مستندين إلى المتشابه من قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:٤٨] ولأنها تخالف مبدأهم في الوعد والوعيد. وقد شذ عنهم أبو هاشم بن الجبائي حيث أقر الشفاعة مع كون الشفيع ساخطا، وقال: (قد تصح بلا توبة) (٣).أما القاضي عبد الجبار فيقر شفاعة الرسول ولكنه يجعلها خاصة بأهل الثواب دون أهل العقاب ولأولياء الله دون أعدائه وتتمثل شفاعته ﷺ في أن يزيدهم من الفضل والتعظيم في الجنة هذا هو مفهوم الشفاعة التي يثبتها ويخطئ من ينكرها خطأ عظيما (٤) مستدلا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: ١٨]، فأهل النار عنده يستحقون (اللعن والغضب والسخط فكيف يجوز للرسول ﷺ أن يشفع لهم، ومن حق الشافع أن يكون محبا لمن يشفع له راضيا عنه، وهذا يوجب إن كان ﵇ يشفع لهم – أن يكون راضيا عمن سخط عليه ولعنه وذلك لا يصح) (٥).فهم يصدرون في إنكارهم للشفاعة عن إيمانهم بالوعد والوعيد، وعيد الله للمذنبين، ووعيده للأتقياء المطيعين، وقد سبقت كلمة الله بذلك، ولا مبدل لكلماته، فإذا خرج المؤمن من الدنيا عن طاعة وتوبة استحق الثواب وإذا خرج عن كبيرة ولم يثب خلد في النار (٦)، إذ لا يصح خروجهم منها لأنهم من أهل العقاب، ولا يجوز مع ذلك أن يكونوا من أهل الثواب لأن ذلك كالمتضاد (٧).
стр. 1626
وهم وإن خلدوهم في النار إلا أنهم جعلوا عذابهم أخف من عذاب الكافرين. وبموقفهم هذا يكونون قد أنكروا أمرا أثبت بالسنة الصحيحة، جاء في سنن أبي داود عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (١) وبناء على ذلك فقد أتت السنة بأن الله يخرج قوما من النار بعد أن يمتحنوا بشفاعة الرسول ﷺ (٢).وقد يعترض بعضهم بأن الشفاعة ليست واردة في القرآن، وهذا لا يمنع ثبوتها، وكثيرة هي المسائل والأحكام التي اختصت بذكرها السنة، وقد قيل يوما لعمران بن حصين وهو جالس في المسجد: يا أبا النجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن؟ فغضب عمران وقال لسائله: قرأت القرآن؟ قال نعم. قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعا ووجدت المغرب ثلاثا. .؟ إلى أن انتهى إلى ذكر الشفاعة (٣) مذكرا لهم بقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:٧].وقد استنبط العديد من الصحابة شفاعة الرسول ﷺ يوم القيامة من القرآن نفسه، فهذا علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (إنكم يا معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا. . . [الزمر:٥٣] الآية لكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:٥] وهي الشفاعة) (٤).
د – إنكارهم لمعجزات الرسول ﷺ :
يعود إنكار بعض المعتزلة لمعجزات رسولنا محمد ﷺ ومعجزات الرسل السابقين إلى تصورهم للنبوة، فقد اختلفوا فيما بينهم: هل هي جزاء أو ثواب؟ أم لا؟ فقال بعضهم: هي ثواب وجزاء على عمل صالح عمله النبي ﷺ فاستحق أن يجزيه الله بالنبوة. وقال آخرون ليست بجزاء ولا ثواب (٥) وممن قال بأنها جزاء على عمل عباد بن سليمان، وممن قال بأنها تكون ابتداء أبو علي الجبائي (٦).
стр. 1627
ونفي الاصطفاء عن النبوة رأي قديم أبداه بعض الفلاسفة حيث جعلوا النبوة مرتبة من المعرفة والسمو الروحي يبلغها المجتهدون الذين يتدرجون في معاناة ورياضة نفسية خاصة. وبذلك افتقدت النبوة جلالها وقدسيتها، وصارت لدى هؤلاء الفلاسفة ومن تأثر بهم من المعتزلة من الموضوعات التي يتناولونها بعيدا عما تستحقه من الاحترام. فهذا واصل بن عطاء يخطب فيجيد فيقول عمرو بن عبيد وكان شاهدا الجمع: "ترون لو أن ملكا من الملائكة أو نبيا من الأنبياء يزيد على هذا" (١)؟ بل بلغ بهم استهتارهم بمقام النبي ﷺ أن جوز عليه بعضهم تعمد ارتكاب المعاصي إلا أنها لا تكون إلا صغائر (٢).وبناء على هذا فإن الكثير من المعتزلة يعتبرون الحجة قائمة على الناس بالعقل لا بالنبوة فحتى من لم يبلغه خبر الرسول فهو محجوج (٣) لتقصيره في إعمال عقله للوصول إلى الحقيقة. ومن المعتزلة من نفى أن تكون المعجزات دلائل صدق الرسول ﷺ في دعواه الرسالة ففلق البحر وقلب العصا حية ومحق السحر وانشقاق القمر والمشي على الماء وغيرها لا تدل في زعمهم على صدق الرسالة (٤). والقرآن نفسه كما ذهب إلى ذلك هشام الفوطي وعباد بن سليمان (لم يجعل علما على النبي ﷺ وهو عرض من الأعراض لا يدل شيء منها على الله ولا على نبوة محمد ﷺ (٥).فهل نعجب بعد هذا إذا أنكر النظام ما روي من معجزات نبينا ﷺ من انشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبوع الماء بين أصابعه (٦)؟ فهو حين يتحدث عن رواية ابن مسعود لحديث الانشقاق يتناولها دون التزام لأي لون من ألوان الأدب إزاء الصحابة الذين قال عنهم الرسول ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي)) (٧) فيقول: (وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين): فكيف لم يعرف بذلك العامة، ولم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر ولم يسلم عنه كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد (٨)؟ وفي الحقيقة فإنه بإنكاره للكثير من معجزات النبي ﷺ إنما يرمي إلى إنكار ثبوته (٩) سيما والنظام معجب بقول البراهمة بإبطال النبوات (ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف) (١٠).
وقد تسرب هذا التشكيك في المعجزات إلى المسيحيين البيزنطيين، يتسنمونها لرد رسالة الرسول ﷺ ، فهذا الإمبراطور باسيليوس الثاني يسال أبا بكر الباقلاني في سفرته إلى بيزنطة: هذا الذي تدعونه من معجزات نبيكم: من انشقاق القمر كيف هو عندكم؟.
стр. 1628
ويتصدى الباقلاني للجواب: هو صحيح عندنا انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأى الناس ذلك، إنما رآه الحضور ومن اتفق نظره في تلك الحال ويقول الملك: وكيف لم يرد جميع الناس؟ فيجيب الباقلاني: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره ثم قاس له بالخسوف الذي لا يراه جميع أهل الأرض، وإنما يراه من كان في محاذاته ويختم بقوله: (فما أنكرت من انشقاق القمر إذ كان في ناحية أن لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها فلا يراه) (١).
وهذا أسلوب يستخدم مع الكافرين بنبوة محمد ﷺ الذين لا يؤمنون بحديثه، وإلا فقد ثبت حديث انشقاق القمر عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس. جاء عن ابن مسعود قوله: ((انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ بشقين فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا)) (٢).وقد أورد محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على ترجمة باب انشقاق القمر بصحيح مسلم ما قاله القاضي عياض في هذا الموضوع وجاء فيه (انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ﷺ وقد رواها عدة من الصحابة ﵃ مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها، قال الزجاج: وقد أنكرها بعض المبتدعة مخالفي الملة وذلك لمن أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها، لأن القمر مخلوق لله تعالى، يفعل فيه ما يشاء، كما يفنيه ويكوره في آخر الأمر) (٣).
стр. 1629
وبلغت ببعض المعتزلة مناوأتهم للإسلام وللرسول ﷺ أن أنكروا إعجاز القرآن فقال النظام: إن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس معجزة النبي ﷺ ولا دلالة فيه على صدقه في دعواه النبوة ذلك أن القرآن كتاب كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، ووجه الدلالة في هذا الكتاب على صدق الرسول ﷺ إنما هو ما فيه من الأخبار عن الغيوب. فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف ولم يعارضه العرب لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك وسلب علومهم به وهو ما عرف عندهم بالصرفة (١). وقال عيسى بن صبيح الملقب بالمردار (ت ٢٢٦هـ) إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة (٢).ونفى هشام الفوطي وعباد بن سليمان أن يكون شيء من الأعراض دالا على الله سبحانه أو على نبوة الرسول ﷺ ولما كانا يزعمان أن القرآن أعراض فهو ليس علما للنبي ﷺ (٣).وذهب ابن الراوندي الزنديق في كتابه (الدامع) إلى الطعن في نظم القرآن ومعانيه، وارتطم في إثم القول: إن في القرآن سفها وكذبا (٤) إلا أن هذه الآراء الغريبة كان قد تناولها العديد من رجال الاعتزال بالطعن والتجريح والرد عليها: فتولى أبو الحسين الخياط وأبو علي الجبائي الرد على ابن الراوندي فنقض ما تورط فيه من الانحرافات في كتابه (الدامع) وتولى الجاحظ في كتابه (نظم القرآن) الرد على النظام في قوله بالصرفة (٥).ومما رد به أبو سليمان الخطابي في كتابه (إعجاز القرآن على دعوى الصرفة أن دلالة الآية تشهد بخلافه)، وهي قوله : قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨] فأشار القرآن إلى أمر طريقة التكلف والاجتهاد وسبيله التأهب والاحتشاد والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها (٦).
стр. 1630
هـ - موقفهم من حد شارب الخمر والنبيذ: لقد تمسك بعض المعتزلة بالرأي الشاذ حول حد الخمر القائل: إن الرسول لم يفرض في الخمر حدا، وأنه وبعض الصحابة إنما ضربوا بالجريد والنعال والأردية وعزف هؤلاء المعتزلة عما أجمع عليه الصحابة من وجوب الحد في الخمر (١) بل وهاجموا الحد، من ذلك أن جعفر بن مبشر زعم (أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ، إذ المعتبر في الحدود: النص والتوقيف) (٢).والملاحظ أن النص والتوقيف متوفران، فالاتفاق كامل بين الصحابة والعلماء على أن الرسول ﷺ جلد من شرب الخمر ولكن ثمة اختلاف حول عدد الجلدات (٣).وقد أطنب الفقهاء والمحدثون في الحديث عن الموضوع وسرد كل الآراء مهما كانت متضاربة ومتطرفة، وقد أورد ابن حجر خلاصة حول الموضوع قال فيها: وقد استقر الإجماع على ثبوت حد الخمر وإن لا قتل فيه، واستمر الاختلاف في الأربعين والثمانين (٤).والملاحظ أن حد النبيذ بدوره ثمانون جلدة (٥) أي أنه مساو لحد الخمر فقد قرر الفقهاء وجوب جلد من شرب خمرا أو نبيذا مسكرا ثمانين سكر أو لم يسكر (٦).وخالف عمرو بن عبيد فنسب إلى الحسن البصري أنه قال: إن السكران من النبيذ لا يجلد وقد أكذبه أيوب السختياني وقال: أنا سمعت الحسن يقول: يجلد (٧).
وموقفهم من حد السارق:
ومن المواطن التي خالف فيها العديد من المعتزلة سنة الرسول ﷺ موقفهم من حد السرقة. فقد جعل القرآن الكريم قطع اليد جزاء وفاقا للسرقة فقال جل من قائل: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨].
ثم جاءت السنة وحددت قيمة المسروق الذي يوجب القطع وبينت حاله كما بينت ما ينبغي القطع فيه، ومن أين يقع القطع. جاء عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم (٨) وفي حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا)) (٩) على أن يكون المسروق حرزا والسارق مستغنيا عن السرقة. كما سن الرسول أن لا قطع في ثمر ولا كثر (١٠)، وبين أن القطع إنما يكون في اليد اليمنى ومن الرسغ. وخالف الكثير من المعتزلة سنة الرسول ﷺ فهذا أبو الهذيل العلاف والجبائي يفسقان سارق الدرهم من حرز (١١).أما جعفر بن مبشر فيزعم أن من سرق حبة أو ما دونها فهو فاسق منخلع من الإيمان مخلد في النار (١٢).ويذهب النظام إلى أن من غصب أو سرق مائة وتسعة وتسعين درهما لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم فصاعدا (١٣).
وبذلك هدموا الشرع وتحللوا من الأحكام وحكموا أهواءهم فيما يأتون وما يدعون.
ز – تخليدهم صاحب الكبيرة في النار:
стр. 1631
كنا رأينا أثناء حديثنا عن أصل المعتزلة الرابع الوعد والوعيد كيف قرروا أن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة ما لم يتب، ورأينا كيف أن مبدأهم ذلك مبني على إيمانهم بعدل الله، هذا العدل الذي جعلهم غلوهم في تصوره ينفون معه الشفاعة لأنها في رأيهم تعطل تنفيذ وعده ووعيده ولا مبدل لكلماته تعالى:
على أننا قبل الخوض معهم في آرائهم هذه المنافية للسنة الصحيحة يحسن بنا أن نرى تعريفهم للكبائر والصغائر. فقد (قال قائلون منهم: كل ما أتى فيه الوعيد فهو كبير وكل ما لم يأت فيه الوعيد فهو صغير) (١). وذهب جعفر بن مبشر إلى أبعد من ذلك فقد جعل ارتكاب أي لون من ألوان الذنوب والمعاصي كبيرة شريطة أن يكون مرتكبها متعمدا (٢).وقد غلت بعض فرق المعتزلة في الحكم على مرتكبي الذنوب، حتى أنها لم تميز بين الصغير من الذنوب والكبير. فالواصلية مثلا (تزعم أن كل مرتكب للذنب صغير أو كبير مشرك بالله) (٣)، ولعل هذا الحكم القاسي يعود إلى تسوية القدرية عموما (بين الشرك وما دونه من الكبائر في أن كلا من النوعين لا يغفر بدون التوبة، ولا يشاء الله أن يغفرهما إلا للتائبين) (٤).إلا أن واصلا يسمي هذا المذنب موحدا وليس بمشرك ولا كافر (٥).وبلغ الغلو بالجبائي درجة وصف معها الكثير من أرض الإسلام والمسلمين بالكفر، وكيف لا يكون كذلك، وهم القائلون أن القرآن غير مخلوق، وأن الله سبحانه أراد المعاصي وخلقها لأن هذا كله عنده كفر، فبغداد ومصر وغيرهما على قياسه – دار كفر (٦).ثم إن هذه الذنوب والمعاصي عندهم لن يغفرها الله إلا بالتوبة، وإقامة الحد على المقترف للذنب لا يفيده (٧) مستدلين على ذلك بقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
وحين تجابهون بقول الله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨] وهو صريح في أن الله يغفر لمن يشاء من المذنبين والعصاة يلجأون إلى التأويل وإن كان متعسفا.
стр. 1632
يقول الزمخشري لتطويع هذه الآية لمذهبهم (الوجه أن يكون الفعل المنفي لا "يغفر" جميعا موجهين إلى قوله تعالى: لمن يشاء كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب. ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله (١).فقد سوى بين المسلم والمشرك في وجوب التوبة مطوعا الآية لخدمة هذه التسوية (فردته ونبت عنه) (٢) كما يقول صاحب كتاب (الإنصاف). لأن (الشرك غير مغفور البتة وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء الله أن يغفر له، هذا مع عدم التوبة وأما مع التوبة فكلاهما مغفور) (٣). وهذه هي عقيدة أهل السنة و (الآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما سنرى فذلك أطلق الله تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بمشيئة الله، فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة) (٤).ثم أن المعتزلة بعد أن أقروا أن الله لا يغفر لمن خرج من الدنيا على معصية بدون توبة لأن ذلك يتنافى مع عدله وبالتالي مع وعده ووعيده، بل ومع نظريتهم في الصلاح والأصلح، وضعوا صاحب الكبيرة في المنزلة بين المنزلتين في الحياة الدنيا وأنزلوه جهنم في الآخرة خالدا فيها غير أن عذابه أخف من عذاب الكافر (٥).وهو حكم يزعم جعفر بن مبشر أنه من موجبات العقول مخالفا (أسلافه الذين قالوا: إن ذلك معلوم بالشرع دون العقل (٦).ذلك أن أهل النار إذا دخلوها لم يصح خروجهم منها لأن في خروجهم ثوابا، فيصبح الواحد منهم من أهل الثواب، ومن أهل العقاب معا وهذا كالمتضاد (٧).
وللمعتزلة أدلتهم فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار من ذلك: أ- قول الرسول ﷺ : ((من قتل نفسه بحديدة, فحديدته في يده يجأ بها نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا)) (٨).
وقد أجيب عنه بستة أجوبة منها:
١ - أن محمد بن عجلان رواه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدا مخلدا.
стр. 1633
٢ - أن الخلود إنما يصدق على من استحله، فله يصير باستحلاله كافرا. والكافر مخلد بلا ريب. ٣ - ورد التخليد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مراده (١).ب- ويستدلون أيضا بقوله ﷺ ((إياكم والزنا فإن فيه سوء الحساب وسخط الرحمن وخلود النار)) (٢). وقوله ﷺ ((من انتسب إلى غير أبيه فالجنة عليه حرام)) وقوله ﷺ ((من اقتطع مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)). (٣) ج – ومما يروونه عن خلود أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة قوله ﷺ : ((إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار نادى مناد بينهما: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت)) (٤).ويقول القاضي عبد الجبار كما ثبت خلود أهل الكفر في النار ثبت أيضا تخليد قاتل النفس والفار من الزحف وأكل مال اليتيم وغير ذلك (٥) .. وبما أن الله صاحب أعظم نعمة على الإنسان فإن من عصاه ينبغي أن يعظم عقابه بعظم معصيته (وذلك يبين حسن العقاب الدائم) (٦).ونجد من المعتزلة من يتخلى عن الخلود كالعلاف ويقول بفناء نعيم أهل الجنة وفناء عذاب أهل النار (٧) مما جعل عددا من زعماء المعتزلة يردون عنه ويوبخونه كالجبائي وأبي موسى (عيسى بن صبيح المعروف بالمردار). وقد ألف منهما كتابا ذكر فيه فضائح أبي الهذيل، ولجعفر بن حرب أحد زعماء المعتزلة كتاب سماه (توبيخ أبي الهذيل) (٨).وقد تصدى أهل الحديث للرد عن ضلالات المعتزلة مستندين إلى ما صح في السنة النبوية من الآثار، وقد أجمعوا على أن المعاصي ليست موجبة للخلود، فقد جاء عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (٩). وقد عقب ابن حجر على هذا الحديث بقوله: (وأراد البخاري بإيراده، الرد على المرجئة لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود) (١٠) فلا يلزم من إطلاق دخول النار التخليد فيها (١١).
стр. 1634
وإذا اعتبرت إقامة الحد كفارة لصاحبها ومجزية عن إعلان التوبة، فإن غفران ذنب من لم يقم عليه الحديث ولم يتب يبقى رهن إرادة الله وذلك مصداقا لقوله ﷺ في عصابة من صحابته ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك)) (١).وإن المعتزلة القدرية بتشددهم في تخليد مرتكب الذنب في النار ما لم يتب ينطبق عليهم المثل السائر (السيد يعطي والعبد يمنع) لأن الله تعالى يصرح كرمه بالمغفرة للمصر على الكبائر إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح ويحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح التي هي بالفساد أجدر وأحق (٢).
ح- إنكارهم لعذاب القبر: ومما أثبتته السنة وأنكره المعتزلة عذاب القبر. يقول الأشعري: إنهم والخوارج نفوا عذاب القبر (٣).ولئن جعل القاضي عبد الجبار المعتزلة ينقسمون إلى منكر لعذاب القبر ومثبت له فإنه يقول إن الذي نفاه إنما هو ضرار بن عمرو "وهو من أصحاب واصل بن عطاء" ويورد حجة المنكرين فيقول: إن الميت لما يدفن (لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ولا يلتذ فكيف يجوز عليه المسألة والمعاقبة مع الموت)؟ ويضيف: (وأنكر مشايخنا عذاب القبر في كل حال) (٤).وهذا مخالف صراحة لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه، وقد عقد البخاري بابا في كتاب الجنائز ترجم له بقوله: (باب ما جاء في عذاب القبر) (٥) وقد أورد فيه عددا من الأحاديث منها:- حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ ؟)) الحديث (٦).
كما أن كلا من أبي داود والنسائي والترمذي عقدوا أبوابا ترجموا لها بنحو ما ترجم له البخاري وأوردوا فيها أحاديث كثيرة تثبت كلها عذاب القبر.
المصدر: موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص ١١٣
المبحث الرابع: الرد على شبه المعتزلة حول الحديث النبوي (٧)
يعتبر الحديث النبوي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، وهو وإن كان دونه في المنزلة، إلا أنه مثله في الحجية ....
وما أثاره المعتزلة حوله من شبه، إنما هي شبه واهية، لا تستند إلى دليل، ولا تؤيدها حجة.
من تلك الشبه: ذمهم لتعلم الحديث، وإنكار حجية أحاديث الآحاد، ورفض الأحاديث التي تتعارض مع عقولهم وأصولهم.
- أما ذمهم لتعلم الحديث وأهله: فهو معروف عنهم، إذ حذروا من تعلمه، وقللوا من فائدته والاستدلال به، ونصوا على أنه لا حاجة إليه، إذ اعتبروا أن العقول تغني عنه، والأذهان تكتفي بغيره.
стр. 1635
"وذكروا أن الواحد من أصحاب الحديث يحب الاستكثار من طريق واحد، ولا يكون فيه كبير فائدة، إلا تخير الزيادات فيه."ومعلوم" أن المعتزلة لم يشتهروا بالفقه والحديث، لأنهم توفروا "اكتفوا" على ما عندهم، وهو أجدى في الدين، من طلب الفقه والحديث" (١).
هذا وإن ذمهم لتعلم الحديث، ينبئ عن جهلهم بحديث رسول الله ﷺ وقلة معرفتهم به، وعدم الاعتناء والاهتمام به، ولذلك قل استدلالهم بالحديث في كتبهم. قال عبدالله بن المبارك: "وجدت الدين لأهل الحديث، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي" (٢).
- أما حجية أحاديث الآحاد: فلو ترك الاحتجاج بها، لتهاوت أركان الشريعة الإسلامية، واندثر الحق، وغاب الهدى، وصار للباطل صولة ..
والأدلة كثيرة من كتاب الله وحديث الرسول ﷺ وأقوال السلف، بل وإجماعهم على الاحتجاج وقبول الاستدلال به كثيرة لا تحصى .. وسوف نورد فيها ما يناسب المقام:- قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: ١٢٢]. أورد الإمام البخاري هذه الآية، في ترجمة أول باب من كتاب: (أخبار الآحاد) ليدلل بها على جواز العمل به والقول بأنه حجة (٣).ولفظ طَآئِفَةٌ في الآية يتناول الواحد فما فوقه، ولا يختص بعدد معين، وذلك منقول عن ابن عباس وغيره (٤).
- وفي السنة النبوية: روى البخاري بسنده إلى عبدالله بن عمر ﵄ قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ ، قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة).والحجة في هذا الحديث بينة ظاهرة، فإن أهل قباء كانوا على قبلة فرض الله عليهم التوجه إليها، وهي بيت المقدس، فتحولوا عنها بخبر الذي أخبرهم بأن النبي أمر أن يستقبل الكعبة (٥).
стр. 1636
- وقد قبل أبو طلحة ومن معه خبر المخبر لهم في تحريم الخمر، وهو واحد، إذ أخبرهم في تحريم ما كان حلالاً عندهم، وأكد أبو طلحة ﵁ ذلك بإتلاف الجرار وهي مال، وإراقة الخمر وهي سرف، فلو لم يكن الخبر عندهم حجة لما أقدم على ذلك."والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصر، وقد بعث رسول الله ﷺ إلى ملوك الأرض، المجاورين لبلاد العرب، وكانوا آحاداً، وأمرهم بتعليم من أسلم، شرائع الدين، كما بعث كثيراً من أصحابه إلى جهات متعددة ليعلموا الناس شعائر الإسلام. فبعث معاذاً إلى اليمن، وأبا موسى إلى زبيد، وأبا عبيدة إلى نجران، وبعث إلى كل طائفة معلماً يعلمهم دينهم، ويبلغهم أحكام الشرع، وكانت الحجة قائمة بتبليغ كل واحد من هؤلاء على من بلغهم، وهم ملزمون بقبول ما أمرهم به" (١)."وقد أجمع الصحابة والتابعون لهم من سلف الأمة، بل والأمة بأسرها على قبول خبر الواحد الثقة، عن النبي ﷺ ، حتى حدث متكلموا المعتزلة بعد المائة، فخالفوا الإجماع" (٢).وقد نقل جماعة من العلماء هذا الإجماع (٣).أسباب ردهم لأحاديث الآحاد (٤):
من أبرز الأسباب التي جعلتهم يقفون هذا الموقف، أن الأحاديث هذه كانت تتعارض مع ما قرروه في نظرياتهم العقدية، وأصولهم المنحرفة.
- من ذلك قولهم في صفات الله تعالى، وتسليط عقولهم على نصوص الوحي بالتأويلات التي لا ضابط لها.- ومن ذلك نفيهم الأحاديث في رؤية الله تعالى يوم القيامة، رغم أن أحاديث الرؤية كثيرة بلغت حد التواتر في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد رواها عن النبي ﷺ نحو ثلاثين صحابياً (٥).
ومن تلك الأحاديث ما رواه البخاري بسنده إلى جرير قال: ((كنا جلوساً عند النبي ﷺ ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) (٦).قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: "من كذب بالرؤية فهو زنديق" (٧).- ومن ذلك: توسعهم في موضوع القدر، حتى جعلوه أصلاً من أصولهم الخمسة، وقد زعموا أن العقل هو الذي قادهم إلى ذلك، أما نصوص الكتاب والسنة، فلا دخل لها بشأن العدل، وما ورد من أحاديث الآحاد دالاً على ذلك، فهو ضرب من ضروب الخطأ (٨).- وفي قضية مرتكب الكبيرة: فالمعتزلة لا يعتمدون على نص من القرآن أو السنة في إطلاقهم الأحكام على صاحب الكبيرة، وإنما كان جل اعتمادهم على العقل، إذ تجاوزوا الأحاديث وحكموا على صاحب الكبيرة بالخلود في النار كالكافر (٩).
- ورد المعتزلة أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر يوم القيامة، وأنكروها أيما إنكار، وقالوا: إن النبي لا يشفع لصاحب الكبيرة ولا يجوز له ذلك؟! لأن إثابة من لا يستحق الثواب قبيحة. والفاسق إنما يستحق العقوبة على الدوام، فكيف يخرج من النار بشفاعته ﷺ ؟ (١٠).والأحاديث التي وردت في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة، منها أحاديث متعددة في الصحيحين، ومنها ما يكثر عدده في السنن والمسانيد (١١).- وقد بارك المستشرقون موقف المعتزلة من السنة النبوية، ورأوا أن وجهتهم في رد الأحاديث بالعقل هي الوجهة الصحيحة التي يجب أن تناصر وتؤيد ضد المتشددين الحرفيين الجامدين على النصوص .. فهم أهل العقل الحر والمنهج القويم، الذي يجب أن يبقى ويستمر (١٢).
المصدر: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص ٢٥
стр. 1637
المبحث الأول: التطور الفكري للمعتزلة من خصائص الفكرة المبتدعة – ومثلها في ذلك مثل كل الأفكار البشرية الاعتقادية – أنها عادة تبدأ بسيطة ساذجة في اللفظ والمعنى، ثم لا تلبث أن تتعقد وتتفرع، بل تتغير وتتبدل، ثم تتناقض وتتضارب، وإذا كثير من مبادئها الأولية قد تغيرت بشكل تام. وهي في كل ذلك تسير من سيئ إلى أسوأ، وتزداد انحرافا وبعدا عن السنة، وما ذلك إلا لاعتمادها على العقل فيما لا يدركه العقل؛ لذلك قد قيل إن صاحب البدعة لا ترجى له توبة (١) فهو يتنقل من حال إلى حال أسوأ كلما أوغل في بدعته، أما من تمسك بالنصوص الثابتة الجلية والقواعد الصحيحة البينة فلا مجال لانحرافه، إذ أن الأمر دائر بين ثبوت النص وقواعد الفقه فيه، وهما أمران واضحان عند أهل السنة والجماعة حسب منهجهم.
وقد ظهر ذلك الأمر جليا في فكر المعتزلة وتطور مقالاتهم خلال ثلاثة قرون هي فترة حياة الاعتزال كفرقة مستقلة واضحة. وهو ما سنحاول تتبعه بشكل موجز في الصفحات القليلة التالية:
أولا – بدايات الاعتزال:
ظهر فكر الاعتزال – كما أشرنا من قبل – قبل ظهور الفرقة نفسها بشكل مستقل، فقد تكلم الجعد بن درهم ومن بعده الجهم بن صفوان في نفي الصفات وكان الجعد تلميذا لوهب بن منبه الذي أنكر عليه قوله ذاك. يقول ابن تيمية: "إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أي أن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة وإن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه (٢).وهناك رواية ترجع أصول ذلك الفكر عند الجعد إلى أصول يهودية فلسفية، إذ أنه قد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي (٣). وقد ذكر أن الجهم أخذ تلك المقالة من الجعد، كما قيل أن مناقشاته مع فرقة السمنية قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات (٤).
وعلى كل حال فالقصتان تدلان على الأثر الخارجي الذي أدى إلى القول بتعطيل الصفات. كما أن أثر يوحنا الدمشقي وأقواله تعتبر موردا من موارد الفكر الاعتزالي، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية (٥).أما عن مقالة خلق القرآن فكان أول من قال بها الجعد بن درهم سنة نيف وعشرين ومائة في خلافة هشام، وأخذها عنه بشر المريسي وكان صباغا يهوديا (٦).وأما عن نفي القدر فقد ظهرت هذه البدعة على يحيى الدمشقي ومعبد الجهني وغيلان الدمشقي وقد قيل إنهما أخذاها عن نصراني يدعى سوسن (٧) وقد أطلق على أصحابها اسم "القدرية" ثم أخذ عن معبد الجهني عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء رأس المعتزلة (٨).
стр. 1638
وقد كان القول بالقدر في أول أمره ساذجا لا فلسفة فيه، بل مجرد اعتقاد أن الله سبحانه لا يقدر شيئا مسبقا على الإنسان، وأن الإنسان هو فاعل أفعاله بمحض مشيئته دون تدخل من مشيئة الله، وتبرز تلك البساطة في المناقشة التالية التي جرت في نهاية القرن الأول الهجري في خلافة عمر بن عبد العزيز: "روي أن غيلان الدمشقي وقف يوما على ربيعة الرأي فقال له: أنت الذي تزعم أن الله يحب أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أنت الذي تزعم أن الله يعصى قسرا؟ " (١).أما عن القول بالمنزلة بين المنزلتين: فإن أول من ابتدعها واصل بن عطاء وهي أول مسألة نسبت للمعتزلة كفرقة مستقلة، حيث اعتزل حلقة الحسن البصري بعد أن سئل الحسن عن مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة فسكت الحسن ورد واصل أنه في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا كافر (٢) ومع ذلك فإن قال بتأبيده في النار خالدا فيها، فوافق الخوارج في ذلك وإن خالفهم في عدم إطلاق اسم الكفر عليه، ومن هنا سميت المعتزلة مخانيث الخوارج"! (٣).
ثانيا: الطور الأول للمعتزلة: بدأ فكر المعتزلة يتبلور كفرقة مستقلة متميزة في البصرة على يد واصل بن عطاء (م١٣١) الذي كان يحضر مجالس الحسن البصري، وقد ذهب – هو وعمرو بن عبيد – إلى أن الفاسق مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين وأنه مخلد في النار، ولم يطلق القول بتكفيره، واعتزل حلقة الحسن إلى سارية أخرى فأطلق عليهم "المعتزلة" (٤) لاعتزالهما قول الأمة وإجماع المتقدمين من الصحابة والتابعين.
وقد ذهب واصل إلى ما ذهبت إليه من قبل "القدرية" أتباع معبد الجهني وغيلان من نفي القدر، كما وافق "الجهمية" اتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان في نفي الصفات – حسب مذكراته سابقا – بصورة غير معقدة ولا ملتبسة بشيء من الفلسفة أو مباحثها، إذ أن التأثر الخارجي كان في مجرد استيراد الفكرة بذاتها وتطبيقها على الإسلام، أما استخدام المنهج السلفي أو الأبحاث اللاهوتية في تقريرها فلم يكن له أي أثر حتى ذلك الحين.
ثالثا – التطور الثاني للمعتزلة:
أدخلت المعتزلة في هذا الطور المباحث الفلسفية والمناهج اليونانية بشكل واضح في الموضوعات التي بحثوها وأضافوها إلى أقوال من سبقهم في البدعة.
وقد انقسم الكلام في هذه المرحلة إلى قسمين: جليل الكلام، ودقيق الكلام.
فأما جليل الكلام: فهو يبحث في صفات الله وكلامه وقدرته وإرادته وفي الإيمان ومعناه وما يستتبع ذلك من كلام في الخلق والآجال والأرزاق والثواب والعقاب والختم والطبع والهدى والضلال وغير ذلك من مباحث، وهو ذو صلة بالموضوعات المطروحة في الطور الأول.
وأما دقيق الكلام: فقد نشأ بأكمله في هذا الطور وبحث في الجوهر والعرض، والجسم وحدوده، والأضداد والعلل، والإرادة والتولد، وغير ذلك من مباحث تفوح منها رائحة الفلسفة اليونانية كأوضح ما تكون. لذلك نجد أن الكلام فيه منقول عن متأخري المعتزلة كالإسكافي ومعمر وأبي الحسين الصالحي وغيرهم، وأما واصل بن عطاء ومن في طبقته فلم ينسب لهم شيء من الكلام في تلك المعاني.
وسنضرب أمثلة من أقوال أئمة المتأخرين منهم في هذه المرحلة ندلل بها على تطور أقوالهم وتدهورها مع الزمن:
فمن أقوال أبي الهذيل العلاف (م ٢٣٥): القول بفناء مقدورات الله حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرا على شيء!! أي أنه يخلق ما يشاء حتى لا يقدر أن يخلق شيئا بعد ذلك (٥).
стр. 1639
قوله بأن عذاب أهل النار ونعيم أهل الجنة سينتهيان إلى نهاية حيث يبقى كل من أهل الجنة وأهل النار ساكنا في مكان لا يتحرك!
كذلك قال بأن أهل الجنة والنار مسيرون في أقوالهم وأفعالهم التي يقولونها ويفعلونها في الآخرة ولا حيلة لهم فيها! وانظر إلى هذا التناقض العجيب!! إذ جعل الناس في الدنيا يفعلون ما يشاؤون وفي الآخرة مسيرون لا يختارون! فهو قدري في الدنيا جبري في الآخرة (١).
كما قال بأن التواتر الذي يعتبر حجة هو ما يجمع عليه عشرون شخصا أحدهم من أهل الجنة!.كذلك قال بأن الميت لا يقدر على أن يأتي بأفعال القلوب وإن كان قادرا على أفعال الجوارح، وقد طور الجبائي وابنه هذه الأقوال فقال إن الميت يقدر على أفعال القلوب والجوارح معا (٢).وكان هو أول من صرح أن الله عالم بعلم هو ذاته وأن قدرة الله هي الله وهكذا. أما ما قاله في دقيق الكلام متأثرا بالفلسفة اليونانية عن الجسم فقد وصفه بأنه "الطويل العريض العميق" (٣) وقال عن "الجوهر الفرد" هو الجزء الذي لا يتجزأ وعرفه بأنه: لا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع فيه ولا افتراق وأنه قد يجوز أن يجامع غيره وأن يفارق غيره وأن الخردلة يجوز أن تتجزأ نصفين ثم أربعة ثم ثمانية إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ (٤) وقد اقترب في تعريفه ذاك من معنى النقطة الرياضية. وقد خالفه النظام في ذلك فأنكر وجود الجزء الذي لا يتجزأ وقال إن كل شيء يقبل التجزئة إلى ما لا نهاية.
ونحن لا ننكر البحث في معنى الجسم من الناحية الرياضية أو تصورهم للأجزاء والأقسام، إنما ننكر الخلط بين ذلك وبين المباحث الخاصة بالذات الإلهية مما أدى إلى التخبط والخلط والبدعة. أما عن الأعراض فقد قال العلاف: إن منها ما يبقى ومنها ما يزول، فما يزول كحركات الأجسام، وهو القول الذي أداه إلى زوال حركات أهل الآخرة، وما يبقى فهو كالسكون الذي يتحولون إليه بعد الحركة (٥).
وقد قال إن الأعراض يمكن رؤيتها كالحركات والسكنات والألوان والاجتماع والافتراق، ويمكن لمسها بلمس الجسم نفسه.
وقد خالفه الجبائي في لمس الأعراض وإن وافقه في رؤيتها.
وخالفهما النظام في رؤية الأعراض ولمسها والألوان فقال إنها جسم يمكن رؤيته. أما عن الخلق: فقد قال العلاف إن خلق الشيء غير الشيء نفسه، وإن عادة الخلق غير الشيء المعاد، وإن إرادة الخلق غير الشيء المخلوق، وخالفه النظام فقال: بل الخلق هو نفس الشيء، وإرادة الشيء المخلوق هي الشيء المخلوق إلا إن كانت أمرا فهي غيره (٦).
المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ١٠١
стр. 1640
المبحث الثاني: التطور السياسي للمعتزلة
• المطلب الأول: نشأة الفرقة وتكونها في العصر الأموي.
• المطلب الثاني: المعتزلة في العصر العباسي.
• المطلب الثالث: المعتزلة بعد المتوكل.
• المطلب الرابع: المعتزلة في عصر البويهيين.
стр. 1641
المطلب الأول: نشأة الفرقة وتكونها في العصر الأموي
بدأت المعتزلة كفرقة مستقلة في أبان قوة الدولة الأموية في الشام. وقد كان لشيوخ الفكر الاعتزالي الأوائل من القدرية والجهمية دور كبير في كثير من الحركات التي خرجت على تلك الدولة فلقوا جزاء شديدا نتيجة ذلك الموقف المعادي للدولة الأموية، فقد خرج معبد الجهني - وهو أول من قال بالقدر - على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث في حركته التي كادت تقضي على حكم الأمويين، وقد قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بعد فشل الحركة عام ٨٠هـ. كذلك فقد خرج الجهم بن صفوان - الذي قال بنفي الصفات وخلق القرآن - مع الحارث بن سريج على بني أمية، فقتله سالم بن أحوز في مرور عام ١٢٨هـ بعد فشل الحركة (١).
أما غيلان الدمشقي فقد جرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناقشات بشأن القدر فأمسك غيلان عن الكلام فيه حتى مات عمر ثم أكمل بدعته حتى قتله هشام بن عبد الملك. وأما الجعد بن درهم فقد قتله خالد بن عبد الله القسري - والي الكوفة - بعد استفحال أمره حيث صعد المنبر في الأضحى وقال: "ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله علوا كبيرا عما يقول ابن درهم، ثم نزل فذبحه" (٢).وقد أظهر واصل بن عطاء (م١٣١هـ) (٣) القول بالمنزلة بين المنزلتين بعد ذلك في البصرة واعتزل حلقة الحسن البصري، ونشأت حوله الفرقة، وأظهر القول بالقدر ونفي الصفات متابعا معبد الجهني والجهم، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد (م ١٤٣هـ).
وقد كان للمعتزلة دور ونشاط في نشر دعوتهم إبان الدولة الأموية إذ إن يزيد بن الوليد الخليفة الأموي الملقب بيزيد الناقص قد قال بقولهم في القدر بل وقرب إليه أصحاب غيلان الدمشقي وقد ساعدته المعتزلة في الظفر بالخلافة والقضاء على الخليفة الذي سبقه الوليد بن يزيد بن عبد الملك. كما أن الجعد بن درهم كان مربيا لآخر خلفاء الدولة الأموية مروان بن محمد حتى أنه لقب بمروان الجعدي نسبة إليه. وكان لواصل فضل كبير في نشر دعوة الاعتزال حيث إنه أرسل دعاته إلى كافة البلدان، فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن سالم إلى خراسان، والقاسم إلى اليمن، والحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل - شيخ العلاف - إلى أرمينية (٤).
وقد كان لهؤلاء الدعاة بعض الأثر نتيجة هذا النشاط، وإن كان بعض من أرخ لهم قد غالى في عددهم، وذلك أن دعوة هؤلاء دعوة عقلية تحمل معاني الفلسفة وألفاظها، فهي بعيدة عن عقول العوام، وليس من السهل الاستجابة إليها في أوساطهم، وإن استجاب لها بعض الشعراء أو الأدباء أو الخلفاء فإن ذلك لا يعني أنها كانت ذات انتشار واسع بين عوام الناس، ثم يجب أن لا يغيب عن البال أن الأئمة من أهل السنة كانوا أكثر عددا وأقوى حجة وأظهر مقالا، فكانوا دائما يحمون العامة من السقوط في هذه المزالق كما فعل الإمام مالك بمن سأله عن آية الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى إذ أمر بطرحه خارج المسجد على مسمع ومرأى من العامة.
стр. 1642
المطلب الثاني: المعتزلة في العصر العباسي
يعتبر العصر العباسي الأول عصر ازدهار المعتزلة وعنفوانها، إذ عاش فيه معظم شيوخ مدرسة البصرة وبغداد.
وقد عاصر عمرو بن عبيد أبا جعفر المنصور العباسي وكان على صلة به حتى إنه لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية على أبي جعفر المنصور، بعث برسالة إلى عمرو بن عبيد ليستعين به على قتال المنصور فأبى واستوثق المنصور بنفسه من عدم مساندة عمرو للنفس الزكية في حركته. أما في عهد الرشيد فقد لقي المعتزلة متاعب جمة نظرا لكراهية الرشيد لمبادئهم، فقد نهى عن الكلام وأمر بحبس المتكلمين، وحبس العتابي الشاعر وثمامة بن أشرس المعتزلي، ثم اتخذه بعد ذلك نديما له وإن لم يتأثر بمذهبه، كما توعد بشرا المريسي فظل مختفيا طوال خلافة الرشيد، كذلك فقد كان يقتل من يقول بخلق القرآن جهارا (١). ثم لما انتهى الأمر إلى المأمون العباسي زين له بشر المريسي الاعتزال فاعتنقه (٢)، كما قرب منه ثمامة بن أشرس حتى أصبح لا يبرم أمرا دونه، بل إنه أصبح يرشح له وزراءه، فرشح له أحمد بن أبي خالد ثم من بعده يحيى بن أكثم، وعن طريقه تعرف المأمون بأحمد بن أبي دؤاد أحد رؤوس بدعة الاعتزال في عصره، وقد صار أحمد هذا رأسا في فتنة خلق القرآن وقاضيا للقضاة في عهد المعتصم (٣).
وكان المأمون في أول أمره بين اتجاهين: أولهما إظهار الاعتزال علنا، وكان يشجعه على ذلك ثمامة وأحمد بن أبي دؤاد حتى إنه كاد أن يأمر بلعن معاوية على المنابر إلا أن يحيى بن أكثم قاضيه ويزيد بن هارون وزيره كانا يمنعانه من هذا حتى مات يزيد بن هارون، وعزل يحيى بن أكثم عن منصبه، فخلا الجو لثمامة وأحمد بن أبي دؤاد، فأظهر المأمون بدعة الاعتزال، وحمل الناس عليها، فكانت المحنة التي أطلق عليها محنة خلق القرآن. ويظهر أن المأمون كان سريع التقلب والتغير في آرائه، فهو قد نادى - قبل ذلك - بتفضيل علي على أبي بكر وعمر، بل بايع من بعده لإمام أهل البيت في عصره وهو علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، وخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة لباس العلويين وذلك في عام ٢٠١هـ، ثم لما مات علي الرضا رجع عن البيعة لآل البيت (٤)، يقول ابن كثير عنه: "كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة" (٥). والصلة بين التشيع والاعتزال وثيقة كما سيتبين بعد، وقد سار على منهج الاعتزال بعد المأمون المعتصم ثم الواثق من بعده، وقد بدأت فتنة خلق القرآن في عهد المأمون عام ٢١٨هـ.
فتنة خلق القرآن
قرر الخليفة المأمون في تلك السنة الإعلان عن عقيدته في خلق القرآن وحمل الناس على القول بذلك، وبدأ في امتحان الفقهاء والقضاة والعلماء بشأنها، وأن يجعلهم يصرحون باعتقادها، فأمر نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن من عنده فمن أقر تركه في منصبه ومن خالف عزله وقطع عنه راتبه من بيت المال، وقد امتنع إمام أهل السنة أحمد بن حنبل من الخضوع لهذا التهديد وآثر حمل أمانة الحق والاستعلاء بها، ففي مثل هذه المواقف تكون العزيمة هي الأولى، ويكون الاستعلاء بالحق هو شيمة الرجال الذين يتخذهم الله سبحانه شهداء على الناس، وحجة قائمة على البشر ونورا وهداية للمسلمين.
بعث المأمون إلى بغداد لإحضار من امتنع من العلماء من الإقرار ببدعته وكانوا ثلاثة غير الإمام أحمد بن حنبل هم محمد بن نوح والحسن بن حماد وعبيد الله بن عمرو القواريري.
стр. 1643
وقد استجاب للتهديد بعد ذلك الحسن بن حماد وعبيد الله بن عمرو، ولم يصمد إلا الإمام أحمد ومحمد بن نوح فحملا معا إلى بغداد. وفي الطريق بلغهم موت المأمون وتولى المعتصم من بعده، فعادوا إلى بغداد، وفي الطريق مات محمد بن نوح، وصلى عليه الإمام أحمد ثم أودع السجن عند بلوغه بغداد، وبقي فيه لمدة عامين ونصف.
ومازال أحمد بن أبي دؤاد يؤلب المعتصم على الإمام أحمد حتى أمر بإحضاره إليه، وناظره أحمد بن أبي دؤاد فأفحمه الإمام، ولكن الهوى والبدعة تغلبا بالباطل، فالتجئوا إلى إغراء الخليفة بأن مركزه سيتزعزع أمام العامة إن عرف أن الإمام هزم خليفتين، وعندها أمر المعتصم بضربه ثمانين سوطا حتى تمزق لحمه ثم أعيد إلى منزله حيث أقام فيه لا يفارقه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق حتى انتقلت الخلافة إلى المتوكل ابن المعتصم. وممن ابتلي واستشهد في سبيل الحق في عهد الواثق أحمد بن نصر المروزي وكان من رجال العلم والدين وذوي المروءة والأخلاق، وكان على السنة في القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق فامتحنه الواثق بعد أن دبر أحمد بن نصر الثورة عليه بسبب بدعته وضلالته ولكنه فشل وأخذوه إلى الواثق حيث قتله بيده عام ٢٣١هـ (١).
стр. 1644
المطلب الثالث: المعتزلة بعد المتوكل لما تولى المتوكل الخلافة عام ٢٣٢هـ أظهر الانتصار للسنة فأمر "بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن وأن من تعلم علم الكلام لو تكلف فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير" (١)، كما "أمر أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم" (٢) كما أمر في عام ٢٣٦هـ "أن يهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حوله من الدور" ومنع الناس من زيارة الموضع وجعله مزرعة تحرث وتستغل (٣).كما أمر بإكرام الإمام أحمد إكراما عظيما (٤) وقتل محمد بن عبد الملك بن الزيات الذي سعى في قتل أحمد بن نصر ومحنة الإمام أحمد وأمر بدفن جثمان أحمد بن نصر – الذي كان مازال معلقا مصلوبا منذ قتله الواثق! – بالاحترام اللائق.
وهكذا انتهت تلك السنون التي استطال فيها المعتزلة وسيطروا على السلطة وحاولوا فرض عقائدهم بالقوة والإرهاب خلال أربعة عشر عاما كاملة.
стр. 1645
المطلب الرابع: المعتزلة في عصر البويهيين
قامت دولة بني بويه في عام ٣٣٤هـ في بلاد فارس، وكان مؤسسها علي بن بويه وأخواه من الديلم سكان جنوب غرب بحر قزوين، وقد انتشر الإسلام بينهم على يد داعية شيعي وهو الحسن بن علي الأطروش فنشأوا نشأة الرافضة وتبنوا فكرهم في إبان دولتهم، فكانت دولة رافضية وإن أبقت على علاقتها الظاهرة بخلفاء العباسيين السنيين لأغراض سياسية. وقد ظهرت العلاقة قوية بين الرافضة والمعتزلة في ظل هذه الدولة إلا أن تلك العلاقة كانت لها إرهاصات سابقة فأبو علي الجبائي (م٣٠٣هـ) – والذي عده ابن المرتضى في الطبقة الثامنة للمعتزلة – قد رد على كتاب عباد في تضليل أبي بكر، بينما سكت عن كتاب الإسكافي المسمى (المعيار والموازنة) في تفضيل علي على أبي بكر (١)، والإسكافي (م٢٤٠هـ) من رؤوس المعتزلة وهو واضع ذلك الكتاب قبل الجبائي بزمن. وقد سبق أن ذكرنا أن المأمون كان فيه تشيع وأن ثمامة بن أشرس (م٣٤٢هـ) أوعز إليه بلعن معاوية على المنابر. بل إن مصادر الشيعة والمعتزلة تذكر أن واصلا وعمرو بن عبيد قد أخذا عن عبد الله بن محمد وعبد الله أخذ عن محمد بن الحنفية (٢)، وبالطبع فرواية نسبة الاعتزال إلى محمد بن الحنفية غير صحيحة ولكنها تبقى شاهدة على الأثر المتبادل بين الفكر الشيعي والاعتزال. كذلك فقد روى الشهرستاني ما يؤكد هذا الأثر عندما ذكر أن زيد بن علي بن الحسين "تتلمد لواصل بن عطاء الغزال الألثغ رأس المعتزلة ورئيسهم. . وصارت أصحابه كلهم معتزلة" (٣).ومن أظهر ما كان من علاقة الرافضة بالبويهيين والمعتزلة هو تعيين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضيا لقضاة الري عام ٣٦٠هـ والذي ولاه هو الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي، يقول ابن المرتضى – الرافضي المعتزلي – صاحب المنية والأمل عنه: "وإليه انتهت الرياسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مدافع" (٤).وكان الصاحب بن عباد يقول فيه: "إنه أفضل أهل الأرض" (٥) والصاحب هذا كان من الروافض المعتزلة، يقول فيه الذهبي: "وكان شيعيا معتزليا مبتدعا" (٦). ويقول المقريزي: "إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر".وقد عدد ابن المرتضى في طبقات المعتزلة العديد من الرافضة المعتزلة في ذلك العهد منهم الشريف المرتضى الذي عده في الطبقة الثانية عشر (٧) وقد قال عنه الذهبي: "وكان من الأذكياء الأولياء! المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد" (٨)، كذلك عد من الطبقة الحادية عشرة أبا عبد الله الداعي، ويحيى بن محمد العلوي وقال عنه: "وكان إماميا" (٩).
وبهذا فقد ارتفع شأن الاعتزال مرة أخرى على أيدي الراوفض وفي ظل الدولة الرافضية البويهية.
المطلب الخامس: انحلال الاعتزال كفرقة وذوبانها في الفرق الأخرى
منذ بدأ التزاوج بين الرفض والاعتزال، بدأت معالم ذوبان الاعتزال في التشيع، فالرافضة قد تأثروا بمناهج الفكر الاعتزالي بشكل قوي، فنقلوه وهضموه خاصة في مسائل الصفات والقدر، كذلك في محاولتهم الإيهام بتعظيم دور العقل، رغم أن أصل مذهبهم يقوم على أمور غير معقولة – كالإمام الغائب الذي ينتظرون رجعته كل ليلة! – وكذلك تبني المعتزلة تدريجيا فكر الشيعة المنحرف ليضمنوا القوة والاستمرار في ظل دول الرافضة فذاب الاعتزال في التشيع وانتهت المعتزلة كفرقة مستقلة منذ ذلك الحين – والحمد لله تعالى – كذلك فإن طريقة العرض الاعتزالية قد عاشت من خلال المنهج الأشعري، فالأشاعرة رغم خلافهم للمعتزلة إلا أنهم تابعوهم في طرق بحثهم ومنهاج تفكيرهم فكان ذلك امتدادا للنهج الكلامي الاعتزالي حتى يومنا هذا.
المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ١١٤
стр. 1646
المبحث الأول: وظيفة العقل في الإسلام
ليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني وتعتز به وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية.
وليس ثمة كتاب أطلق سراح العقل وغالي بقيمته وكرامته كالقرآن الكريم كتاب الإسلام بل إن القرآن ليكثر من استثارة العقل ليؤدي دوره الذي خلقه الله له.
ولذلك نجد عبارات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٣] ولِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤] ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام: ٩٨] ونحوها تتكرر عشرات المرات في السياق القرآني لتؤكد النهج القرآني الفريد في الدعوة إلى الإيمان وقيامه على احترام العقل.
ولقد أبرز الإسلام مظاهر تكريمه للعقل واهتمامه به في مواضع عدة نذكر منها.
أولا- قيام الدعوة إلى الإيمان على الإقناع العقلي:
فلم يطلب الإسلام من الإنسان أن يطفئ مصباح عقله ويعتقد بل دعاه إلى إعمال ذهنه وتشغيل طاقته العقلية في سبيل وصولها إلى أمور مقنعة في شؤون حياتها وقد وجه الإسلام هذه الطاقة بتوجيهات عدة لتصل إلى ذلك:
١ - فوجهها إلى التفكر والتدبر.
أ- في كتابه.
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]
ثم يستثير العقل الإنساني ويتحداه أن يأتي بمثل هذا القرآن حتى إذا ما أدرك عجزه عرف أنه من عند الله قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: ١٣] فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤].
ب- وفي مخلوقاته:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم: ٨] أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
ثم يتحدى العقل بحواسه أن يجد خللاً في شيء منها ليزداد بعد عجزه إيماناً وتسليماً الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣ - ٤].
ج- وفي تشريعاته.
стр. 1647
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩] وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤].فأمر بالتفكر في تلك التشريعات لتحري الحكمة فيها لأن الحياة لا تسير آلية بحيث تنطبق عليها القاعدة التشريعية إنطباقاً آلياً وإنما هناك مئات من الحالات للقاعدة الواحدة وما لم يكن الإنسان مدركاً للحكمة الكامنة وراء التشريع وفاهماً لترابط التشريعات في مجموعها فلن يتمكن من تطبيقها في تلك الحالات المختلفة التي تعرض للبشر في حياتهم الواقعية وقد عني الإسلام بإيقاظ العقل لتدبر هذه التشريعات ليستطيع تطبيقها على خير وجه (١).
د- وفي أحوال الأمم الماضية وما أدت بهم المعاصي إليه.
قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: ١١] أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام: ٦].
هـ- وفي الدنيا ونعيمها الزائل:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [الكهف: ٤٥].
وهذا التأمل والتدبر ليس هو المقصود لذاته وإنما ليؤدي ثمرة نافعة لا أعني بها فلسفة يتشدق بها الفلاسفة ويتبارون في إغماض الكلام فيها وإبهامه ثم لا ينتهون إلى شيء وإنما أعني بها الإصلاح ... إصلاح القلب ... إصلاح العقيدة ... إصلاح الحياة في الأرض على منهج الدين الصحيح.
٢ - ووجه الإسلام الطاقة العقلية لمراقبة نظام الحياة الاجتماعية مراقبة توجيه وإصلاح لتسير الأمور على منهج صحيح وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [عمران: ١٠٤].
وحمل المسؤولية كحل فرد من أفراد المجتمع وهدده بالعقاب إذا علم ولم يصلح ولو كان صالحا في نفسه وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال: ٢٥] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨ – ٧٩].وقال ﷺ ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٢).
ثانياً:
ولم يقسر الإسلام بعد هذا العقل على الإيمان وإنما ترك له الخيار بين الإيمان والكفر لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] فلم يكره الإسلام العقل على الإيمان.
ثالثاً:
стр. 1648
وحرص على قيام العلاقة بين العبد وربه على الوضوح العقلي في العقيدة والشريعة وعدم تقييده له بعد اقتناعه وإيمانه بالرهبانية فلا رهبانية في الإسلام لما فيها من تقييد للعقل فضلاً عن الغرائز والحواس ولما فيها من تعطيل للطاقة والقوى البشرية والمخالفة لنظام الحياة مخالفة تقضي بالفناء على البشرية فيما لو اعتنق الناس الترهب والانعزال دينا.
رابعاً:
ومن مظاهر تكريم الإسلام للعقل نعيه على المقلدين الذين لا يعلمون أذهانهم وحذر من التقليد الأعمى والتعصب الأصم لنظريات واهية وآراء زائفة ناشئة عن الخرافات والأهواء وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠] أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود: ٨٧] فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود: ١٠٩].
وأمر بالتثبث في كل أمر قبل الاعتقاد به واقتفائه وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٦]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
خامساً:
ومن مظاهر تكريم الإسلام للعقل أمره بالتعلم والحث على ذلك فكما أن نمو الجسم بالطعام فإن نمو العقل بالعلم إذ بهذا يكون الإيمان عن إدراك أوسع وفهم أعمق واقتناع أتم بل قرن سبحانه ذكر أولى العلم بذكره وذكر ملائكته شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر: ٢٨] يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١].
وجعل العلم مشاعا لأنه غذاء العقل الذي به ينمو إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
لذا لم يعرف الإسلام "رجل الدين" الذي يحتكر علومه ويعطي صكوك الغفران ويملك التحليل والتحريم ولكنه يعرف فكرة "عالم الدين" الذي يرجع إليه لمعرفة حكم الله فيما اشتبه على الناس من أمور دينهم مستنداً إلى دليل معتبر شرعاً من غير إلزام إلا بحجة قطعية من كتاب أو سنة أو إجماع مسلم به.
стр. 1649
سادساً: ومن ذلك إسناده استنباط الأحكام فيما لا يوجد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع إلى العقل وما حديث معاذ عنا ببعيد حين بعثة الرسول ﷺ إلى اليمن قاضياً قال: ((كيف تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال اجتهد برأيي ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله)) (١) فجعل من اجتهاد العقل أساساً للحكم وقاعدة للقضاء عند فقدان النص.
سابعاً:
ومنها الأمر بتكريمه والمحافظة عليه والنهي عن كل ما يؤثر في سيره أو يغطيه فضلاً عما يزيله. فحرم ذلك شرب الخمر إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] وحرم كل مسكر ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) (٢). كل هذا حفاظاً على العقل وعلى بقائه. وجعل الدية كاملة على من تسبب في إزالته عن آخره قال ابن قدامة "لا نعلم في هذا خلافاً وقد روي عن عمر وزيد ﵄ وإليه ذهب من بلغنا قوله من الفقهاء وفي كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم ((وفي العقل الدية)) (٣) ولأنه أكبر المعاني قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإن به يتميز من البهيمة ويعرف حقائق المعلومات ويهتدي إلى مصالحه ويتقي ما يضره ويدخل به في التكليف وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس" (٤).
стр. 1650
المبحث الثاني: مجال العقل في الإسلام
ولكن الإسلام بعد هذا التكريم كله وذلك الاهتمام قد حدد للعقل مجالاته التي يخوض فيها حتى لا يضل. وفي هذا تكريم له أيضاً لأنه محدود الطاقات والملكات فلا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة وطاقة على الاستيعاب والإدراك لذا فإنه سيظل بعيداً عن متناول كثير من الحقائق وإذا ما حاول الخوض فيها التبست عليه الأمور وتخبط في الظلمات وفي هذا مدعاة لوقوعه في كثير من الأخطاء وركوبه متن العديد من الأخطار.
فأمر الإسلام العقل بالاستسلام والإمتثال للأمر الشرعي الصريح حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب في ذلك وقد كانت أول معصية لله ارتكبت بسبب عدم هذا الامتثال فحينما أمر الله إبليس بالسجود لآدم ﵇ استكبر وعصى واستبد برأيه فقارن بين خلقه وخلق آدم ﵇ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [ص: ٧٦] فلم يمتثل للأمر طلباً للسبب الذي يسجد لأجله الفاضل للمفضول حسب رأيه فلما لم يدرك عقله السبب رفض الامتثال فكانت المعصية وكانت العقوبة. لذا منع الإسلام العقل من الخوص فيما لا يدركه ولا يكون في متناول إدراكه كالذات الآلهية والأرواح في ماهيتها ونحو ذلك فقال ﵊ ((تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله)) (١) وقال ﷺ ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله)) (٢). وعن الروح قال تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] فصرف الجواب عن ماهيتها لأنه ليس من شؤون العقل السؤال عنها ولا من مداركه. وكذلك الجنة ونعيمها والنار وجحيمها وكيفية ذلك وغيرها من الغيبيات التي ليست في متناول العقل ومداركه. وعلى هذا مضى المسلمون في العصر الأول من الإسلام عرفوا ما للعقل فدرسوه وحفظوه وما ليس له فاجتنبوه بل اجتنبوا من عرف بالأهواء والسؤال عن المتشابه فهذا "صبيغ بن عسل جعل يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه قال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الوجيعة. فأتى به. فقال عمر: سبيل محدثه فضربه وأعاده إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين قال أبو عثمان النهدي فلو جاءنا ونحن مئة لتفرقنا عنه (٣).ولا يعني هذا أن العصر الإسلامي كان خالياً كل الخلو من الآراء الشاذة بل وجد في وقته ﵊ ولكن كان لوجوده ﷺ ونزول الوحي حينئذ القضاء على تلك الآراء في مهدها فالمنافقون قالوا يوم أحد عن إخوانهم لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [آل عمران: ١٥٦] فهل هذا إلا تصريح بإنكار القدر (٤).وقالت طائفة من المشركين لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ [النحل: ٣٥] فهل هذا إلا تصريح بالجبر (٥).
بل إن منهم من جادل في ذات الله وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣].
ولكن هذه الآراء لم يتبنها أصحابها ويدعوا لها ويؤلفوا عنها وينشروها بين الناس بل كانت تنطفئ في مهدها كما ذكرنا.
المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٢٩