المبحث الأول: وظيفة العقل في الإسلام
ليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني وتعتز به وتعتمد عليه في ترسيخها كالعقيدة الإسلامية.
وليس ثمة كتاب أطلق سراح العقل وغالي بقيمته وكرامته كالقرآن الكريم كتاب الإسلام بل إن القرآن ليكثر من استثارة العقل ليؤدي دوره الذي خلقه الله له.
ولذلك نجد عبارات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: ٧٣] ولِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: ٢٤] ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام: ٩٨] ونحوها تتكرر عشرات المرات في السياق القرآني لتؤكد النهج القرآني الفريد في الدعوة إلى الإيمان وقيامه على احترام العقل.
ولقد أبرز الإسلام مظاهر تكريمه للعقل واهتمامه به في مواضع عدة نذكر منها.
أولا- قيام الدعوة إلى الإيمان على الإقناع العقلي:
فلم يطلب الإسلام من الإنسان أن يطفئ مصباح عقله ويعتقد بل دعاه إلى إعمال ذهنه وتشغيل طاقته العقلية في سبيل وصولها إلى أمور مقنعة في شؤون حياتها وقد وجه الإسلام هذه الطاقة بتوجيهات عدة لتصل إلى ذلك:
١ - فوجهها إلى التفكر والتدبر.
أ- في كتابه.
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]
ثم يستثير العقل الإنساني ويتحداه أن يأتي بمثل هذا القرآن حتى إذا ما أدرك عجزه عرف أنه من عند الله قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: ١٣] فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤].
ب- وفي مخلوقاته:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران: ١٩١] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ [الروم: ٨] أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
ثم يتحدى العقل بحواسه أن يجد خللاً في شيء منها ليزداد بعد عجزه إيماناً وتسليماً الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣ - ٤].
ج- وفي تشريعاته.
стр. 1647
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩] وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤].فأمر بالتفكر في تلك التشريعات لتحري الحكمة فيها لأن الحياة لا تسير آلية بحيث تنطبق عليها القاعدة التشريعية إنطباقاً آلياً وإنما هناك مئات من الحالات للقاعدة الواحدة وما لم يكن الإنسان مدركاً للحكمة الكامنة وراء التشريع وفاهماً لترابط التشريعات في مجموعها فلن يتمكن من تطبيقها في تلك الحالات المختلفة التي تعرض للبشر في حياتهم الواقعية وقد عني الإسلام بإيقاظ العقل لتدبر هذه التشريعات ليستطيع تطبيقها على خير وجه (١).
د- وفي أحوال الأمم الماضية وما أدت بهم المعاصي إليه.
قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: ١١] أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام: ٦].
هـ- وفي الدنيا ونعيمها الزائل:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [الكهف: ٤٥].
وهذا التأمل والتدبر ليس هو المقصود لذاته وإنما ليؤدي ثمرة نافعة لا أعني بها فلسفة يتشدق بها الفلاسفة ويتبارون في إغماض الكلام فيها وإبهامه ثم لا ينتهون إلى شيء وإنما أعني بها الإصلاح ... إصلاح القلب ... إصلاح العقيدة ... إصلاح الحياة في الأرض على منهج الدين الصحيح.
٢ - ووجه الإسلام الطاقة العقلية لمراقبة نظام الحياة الاجتماعية مراقبة توجيه وإصلاح لتسير الأمور على منهج صحيح وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [عمران: ١٠٤].
وحمل المسؤولية كحل فرد من أفراد المجتمع وهدده بالعقاب إذا علم ولم يصلح ولو كان صالحا في نفسه وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً [الأنفال: ٢٥] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨ – ٧٩].وقال ﷺ ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٢).
ثانياً:
ولم يقسر الإسلام بعد هذا العقل على الإيمان وإنما ترك له الخيار بين الإيمان والكفر لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] فلم يكره الإسلام العقل على الإيمان.
ثالثاً:
стр. 1648
وحرص على قيام العلاقة بين العبد وربه على الوضوح العقلي في العقيدة والشريعة وعدم تقييده له بعد اقتناعه وإيمانه بالرهبانية فلا رهبانية في الإسلام لما فيها من تقييد للعقل فضلاً عن الغرائز والحواس ولما فيها من تعطيل للطاقة والقوى البشرية والمخالفة لنظام الحياة مخالفة تقضي بالفناء على البشرية فيما لو اعتنق الناس الترهب والانعزال دينا.
رابعاً:
ومن مظاهر تكريم الإسلام للعقل نعيه على المقلدين الذين لا يعلمون أذهانهم وحذر من التقليد الأعمى والتعصب الأصم لنظريات واهية وآراء زائفة ناشئة عن الخرافات والأهواء وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠] أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود: ٨٧] فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ [هود: ١٠٩].
وأمر بالتثبث في كل أمر قبل الاعتقاد به واقتفائه وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٦]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
خامساً:
ومن مظاهر تكريم الإسلام للعقل أمره بالتعلم والحث على ذلك فكما أن نمو الجسم بالطعام فإن نمو العقل بالعلم إذ بهذا يكون الإيمان عن إدراك أوسع وفهم أعمق واقتناع أتم بل قرن سبحانه ذكر أولى العلم بذكره وذكر ملائكته شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر: ٢٨] يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١].
وجعل العلم مشاعا لأنه غذاء العقل الذي به ينمو إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
لذا لم يعرف الإسلام "رجل الدين" الذي يحتكر علومه ويعطي صكوك الغفران ويملك التحليل والتحريم ولكنه يعرف فكرة "عالم الدين" الذي يرجع إليه لمعرفة حكم الله فيما اشتبه على الناس من أمور دينهم مستنداً إلى دليل معتبر شرعاً من غير إلزام إلا بحجة قطعية من كتاب أو سنة أو إجماع مسلم به.
стр. 1649
سادساً: ومن ذلك إسناده استنباط الأحكام فيما لا يوجد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع إلى العقل وما حديث معاذ عنا ببعيد حين بعثة الرسول ﷺ إلى اليمن قاضياً قال: ((كيف تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله قال: فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال اجتهد برأيي ولا آلو فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله)) (١) فجعل من اجتهاد العقل أساساً للحكم وقاعدة للقضاء عند فقدان النص.
سابعاً:
ومنها الأمر بتكريمه والمحافظة عليه والنهي عن كل ما يؤثر في سيره أو يغطيه فضلاً عما يزيله. فحرم ذلك شرب الخمر إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠] وحرم كل مسكر ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) (٢). كل هذا حفاظاً على العقل وعلى بقائه. وجعل الدية كاملة على من تسبب في إزالته عن آخره قال ابن قدامة "لا نعلم في هذا خلافاً وقد روي عن عمر وزيد ﵄ وإليه ذهب من بلغنا قوله من الفقهاء وفي كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم ((وفي العقل الدية)) (٣) ولأنه أكبر المعاني قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإن به يتميز من البهيمة ويعرف حقائق المعلومات ويهتدي إلى مصالحه ويتقي ما يضره ويدخل به في التكليف وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس" (٤).
стр. 1650
المبحث الثاني: مجال العقل في الإسلام
ولكن الإسلام بعد هذا التكريم كله وذلك الاهتمام قد حدد للعقل مجالاته التي يخوض فيها حتى لا يضل. وفي هذا تكريم له أيضاً لأنه محدود الطاقات والملكات فلا يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة وطاقة على الاستيعاب والإدراك لذا فإنه سيظل بعيداً عن متناول كثير من الحقائق وإذا ما حاول الخوض فيها التبست عليه الأمور وتخبط في الظلمات وفي هذا مدعاة لوقوعه في كثير من الأخطاء وركوبه متن العديد من الأخطار.
فأمر الإسلام العقل بالاستسلام والإمتثال للأمر الشرعي الصريح حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب في ذلك وقد كانت أول معصية لله ارتكبت بسبب عدم هذا الامتثال فحينما أمر الله إبليس بالسجود لآدم ﵇ استكبر وعصى واستبد برأيه فقارن بين خلقه وخلق آدم ﵇ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [ص: ٧٦] فلم يمتثل للأمر طلباً للسبب الذي يسجد لأجله الفاضل للمفضول حسب رأيه فلما لم يدرك عقله السبب رفض الامتثال فكانت المعصية وكانت العقوبة. لذا منع الإسلام العقل من الخوص فيما لا يدركه ولا يكون في متناول إدراكه كالذات الآلهية والأرواح في ماهيتها ونحو ذلك فقال ﵊ ((تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله)) (١) وقال ﷺ ((لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله)) (٢). وعن الروح قال تعالى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] فصرف الجواب عن ماهيتها لأنه ليس من شؤون العقل السؤال عنها ولا من مداركه. وكذلك الجنة ونعيمها والنار وجحيمها وكيفية ذلك وغيرها من الغيبيات التي ليست في متناول العقل ومداركه. وعلى هذا مضى المسلمون في العصر الأول من الإسلام عرفوا ما للعقل فدرسوه وحفظوه وما ليس له فاجتنبوه بل اجتنبوا من عرف بالأهواء والسؤال عن المتشابه فهذا "صبيغ بن عسل جعل يسأل عن متشابه القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه قال: أين الرجل؟ أبصر لا يكون ذهب فتصيبك مني العقوبة الوجيعة. فأتى به. فقال عمر: سبيل محدثه فضربه وأعاده إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين قال أبو عثمان النهدي فلو جاءنا ونحن مئة لتفرقنا عنه (٣).ولا يعني هذا أن العصر الإسلامي كان خالياً كل الخلو من الآراء الشاذة بل وجد في وقته ﵊ ولكن كان لوجوده ﷺ ونزول الوحي حينئذ القضاء على تلك الآراء في مهدها فالمنافقون قالوا يوم أحد عن إخوانهم لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ [آل عمران: ١٥٦] فهل هذا إلا تصريح بإنكار القدر (٤).وقالت طائفة من المشركين لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ [النحل: ٣٥] فهل هذا إلا تصريح بالجبر (٥).
بل إن منهم من جادل في ذات الله وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣].
ولكن هذه الآراء لم يتبنها أصحابها ويدعوا لها ويؤلفوا عنها وينشروها بين الناس بل كانت تنطفئ في مهدها كما ذكرنا.
المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٢٩
стр. 1651
المبحث الثالث: نشأة الفرق العقلية وبعد وفاته ﵊ وانقطاع الوحي بدأ بعض الأفراد بنشر بعض هذه المذاهب الباطلة فهذا معبد بن خالد الجهني أول من تكلم في القدر (١) فقال "لا قدر والأمر أنف" (٢) وقد أخذ ذلك من رجل نصراني من أهل العراق أسلم ثم تنصر اسمه "أبو يونس سنسويه" من الأساورة (٣).وقد أخذ عن معبد هذا غيلان الدمشقي (٤) وهو الذي نشره بين المسلمين وقتل من أجله وقد أنكر عليهم مذهبهم هذا وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبدالله وأبي هريرة وابن عباس وأنس ابن مالك وعبدالله بن أبي أوفى وعقبة بن عامر الجهني (٥).وأساس فكرة القدرية إنكار القدر وإن للإنسان مطلق الحرية في أفعاله لا سلطان لأحد على إرادته وعلى النقيض من ذلك نشأت فرقة أخرى تقول بأن الإنسان مجبور في أفعاله لا اختيار له ولا قدرة كالريشة المعلقة في الهواء ... وتسمى تلك الفرقة بالجبرية. ونشأت فرق أخرى كثيرة بعد هذا كان من أهمها: فرقة المعتزلة التي أخذت برأي معبد الجهني (٦) من إنكار القدر وأضافت إليه آراء أخرى سنذكرها فيما بعد. ولم تزل العلوم العقلية تنمو وتتسع مع توسع الفتوح الإسلامية وكثرة ترجمة كتب البلاد المفتوحة فتعددت المشارب وتنافست تلك الفرق على المناظرات فيما بينهم والجدل. فإذا علماؤهم لا يتحدثون إلا عن المنطق وحدوده وقضاياه وأقيسته فألفت الكتب وعقدت المناظرات وكثرت المناقشات والمجادلات فإذا بمؤلفاتهم تغص بالمصطلحات الفنية كالجوهر والعرض والهيولي والصورة والقياس والقضايا السالبة والموجبة وقاوم هذا بعض أئمة المسلمين ممن لم يكن له اطمئنان إلى هذه الفلسفة وإلى ألفاظها ومصطلحاتها (٧) ولكي ندرك مقام العقل في خضم هذه المعارك العلمية ينبغي لنا أن نقول أن العقل لم يسلم من مذهب التضاد الذي ساد بين تلك الفرق فذهبت فرقة إلى امتهان العقل واحتقاره واعتقدوا في بعض البله – مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله – أنه من الأولياء وفضلوهم على متبعي طريقة الرسول ﷺ (٨).واستدلوا لمذهبهم هذا بما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال ((اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله)) (٩) وبحديث ((أكثر أهل الجنة البله)) (١٠) وفي هذا قال شاعرهم:
هم معشر حلوا النظام وخرقوا السـ ... ياج فلا فرض لديهم ولا نفل
مجانين إلا أن سر جنونهم ... عزيز على أبوابه يسجد العقل
стр. 1652
ويجيبنا الغزالي عن سبب ذمهم للعقل "فإن قلت فما بال أقوام من المتصوفة يذمون العقل والمعقول فاعلم أن السبب فيه أن الناس نقلوا اسم العقل والمعقول إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والإلزامات وهو صنعة الكلام فلم يقدروا على أن يقرروا عندهم أنكم أخطأتم في التسمية إذ كان ذلك لا ينمحي عن قلوبهم بعد تداول الألسنة به ورسوخه في القلوب فذموا العقل والمعقول وهو المسمى به عندهم" (١).
ولعل بطلان مذهب هذه الفرقة ظاهر إذ أنها لا تستند إلى شرع ولا إلى عقل وإلى هذا يرجع فيما أرى سبب عدم اشتهارها فلذا لم يهتم بها أحد من العلماء. أما أنها لا تستند إلى شرع فإن جل ما استندوا إليه الحديثان السابقان وهما ضعيفان أما الأول فلأن في سنده مصعب بن ماهان قال في التقريب (٢) صدوق عابد كثير الخطأ، وفيه أيضاً أحمد بن عيسى الخشاب قال ابن عدي له مناكير ثم ساق له هذا الحديث. أما الحديث الثاني فقال ابن عدي منكر (٣) وقال المناوي "ووجه ضعفه ما قاله الهيتمي أن فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أحمد بن صالح وغيره وقال ابن الجوزي "لا يصح" وقال الدراقطني تفرد به سلامه عن عقيل وهو ضعيف" (٤).ثم إنه لا يراد بالأبله – الذي لا عقل له – بل المراد به الغافل عن الشر المطبوع على الخير (٥).
وأما أنها لا تستند إلى عقل فلمنافاتها له وإسقاطها لقيمته. وكما قلنا أن بطلان مذهب هذه الفرقة ظاهر لا يحتاج إلى طويل جدال وإنما ذكرته لإعطاء صورة عن تفاوت المذاهب في تلك الفترة في كل أمر مهما كان وضوح الحق فيه. هذا ما ذهبت إليه تلك الفرقة. وذهبت فرق أخرى إلى المبالغة في تقديس العقل وإعطائه أكثر من حقه في مقابلة الأمور والاعتقادات الشرعية. وأكثر من اشتهر عنها هذه الطريقة فرقة "المعتزلة" حتى أطلق عليهم المستشرقون اسم "العقليين" (٦) لذا فإني أعتبر هذه المدرسة المدرسة العقلية الأولى – كما ذكرنا سابقا – وهي المدرسة العقلية القديمة بالنسبة للمدرسة العقلية الحديثة موضوع بحثنا. نظراً للصلة بين المدرستين ينبغي لنا أن نلم بالقديمة دراسة تاريخها وأصولها ومناهجها حتى يتسنى لنا أن نعرف مدى ارتباط المدرستين ببعض وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بينهما.
المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٤٠
стр. 1653
المبحث الرابع: مفهوم العقل عند المعتزلة
أما عند أصحابنا من علماء الكلام (وأعني بهم المعتزلة خاصة) فكيف تطورت أحوالهم حتى ضاهوا الشرع بعقولهم وجعلوه حاكماً على النصوص لا محكوماً لها؟ فأقول: (لما ظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقاً وأحزاباً لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: ((إني خلقت عبادي حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) (١). فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجاً منيراً وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧] وقال: (آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢] وقال تعالى: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [الأنعام: ١٢٢] فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقتهم)) (٢).فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله ﷺ بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . فهذا أبو سعيد الخدري ﵁ لما سمع بمقالة ابن عباس ﵄ الأولى في الربا – قبل أن يرجع عنها – وهي حديث (إنما الربا في النسيئة) قال أبو سعيد له (أرأيت هذا الذي تقول شيء سمعته من رسول الله ﷺ أو وجدته في كتاب الله ؟) (٣).
стр. 1654
فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله ﷺ مصداقاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ [النساء:٥٩] وكان أحدهم ﵃ يغضب إذا عورض حديث رسول الله ﷺ بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين ﵁ ذكر لأصحابه حديث رسول الله ﷺ أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير, فقال أحدهم وهو بشير بن كعب أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقاراً ومنه سكينة فقال عمران: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه, قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به)) (١). قال النووي (وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة).إذن فالصحابة لم يعارضوا ولم يرضوا بمعارضة حديث رسول ﷺ بغيره من المعقولات، وإذا أشكل عليهم شيء من ذلك كانوا يوردون إشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولاً يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد –وهم أكمل الأمم عقولاً – عارض نصاً بعقله يوماً من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار، كما تقدم، وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:٧ - ٨]. فقال: بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب)) (٢)، فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لابد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:١٨]. حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولابد. ولما قال: ﷺ ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة: أليس الله يقول: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:٧١] قال: ألم تسمعي قوله تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم:٧٢])) (٣) , فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين فإن المتقين يردونها وروداً ينجون به من عذابها والظالمين يردونها وروداً يصيرون جثياً فيها به. فليس الورود كالورود) (٤)
стр. 1655
إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله ﷺ (فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها)) (١). ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفاً له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها: أولاً: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعاً بها.
стр. 1656
ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (١). حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – (في حياتهم انقلاباً خطيراً وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية .. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمساً له. أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجياً عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافاً إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيراً ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثراً بالفلسفة اليونانية)) (٢). فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) (وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلاً عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص) (٣). أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال. قال ابن صاعد في طبقات الأمم (لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها) (٤).
قلت: والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين.
стр. 1657
وأما اقتباس المعتزلة من تراث الديانة اليهودية والمسيحية فليس هذا مكانه لأن الحديث عن العقل والعقلانية التي تميزت بها الثقافة اليونانية دون غيرها فلهذا قصرت القول على كيفية استفادتهم منها. ثانياً: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال (إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم) (١).
ومما صد كثيراً منهم عن طلب الحديث والسعي وراء حلقاته ما رأوه من كثرة الوضع وانتشار الأحاديث الضعيفة بين رواة الحديث واختلاطها بالصحيح منه وكان من تلك الأحاديث ما يعارض المعقول فظنوا لجهلهم أن لا ضابط يفرق بين الصحيح والسقيم منها. وإن زعم ذلك أهل الحديث. فرأوا أن الرأي الصائب أن يدعوا صحيحها وسقيمها وأن يقتصروا على ما يوافق بدعهم وآراءهم منها. ولا يخفى على دارس أن الأحاديث قد دُسَّ في جملتها –لأغراض شتى- الموضوعات والمكذوبات على رسول الله ﷺ حتى راجت على بعض العلماء فاحتجوا بها لا في الفقه وحده بل في أمور العقيدة. خاصة مسائل الصفات ولذا أنكر بعض المحققين كابن قدامة تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة وروايتها ضمن عقائد السلف. قال ابن قدامة: (ينبغي أن يُعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبتت بها صفات الله تعالى هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها. وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلةٍ فيها فلا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها. وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم فمن كان من أهل المعرفة بذلك وجب عليه اتباع الصحيح واطراح ما سواه ومن كان عامياً ففرضه تقليد العلماء وسؤالهم لقول الله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء:٧] وإن أشكل عليه علم ذلك ولم يجد من يسأله فليقف وليقل: آمنت بما قاله رسول الله ﷺ ولا يثبت بها شيئاً، فإن كان هذا مما قاله رسول الله ﷺ فقد آمن به وإن لم يكن منه فما آمن به) (٢).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية منكراً على أبي يعلى روايته لبعض تلك الأحاديث الضعيفة في الصفات (والمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتاً عن الرسول لا نحتاج أن ندخله في هذا الباب سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج) (٣).
لكن لا يعني رواج تلك الأحاديث على قلة من العلماء –غير المحدّثين- اجتهدوا في إدخالها ضمن عقائد السلف أن ندع الحديث جملة ونفر منه إلى غيره. فهل هذا إلا تولية للأدبار عن الدين كله؟ بل كان الأولى بهؤلاء أن يجتهدوا في معرفة الأحاديث الصحيحة التي لا تعارض المعقول أبداً ويميزوا بينها وبين ضعيف الحديث كما فعل جهابذة الحديث ونقاده الذي اصطفاهم الله لذلك.
стр. 1658
واعلم أن هذا الاختلاط في الأحاديث كان لِحكَم لا يحصيها إلا الله سبحانه: منها أن يظل كلامه تعالى متميزاً عن غيره من كلام البشر ولو كان كلام رسول الله ﷺ ، ومنها أن تكون فتنة للجهلة وأصحاب القلوب المريضة وامتحاناً يميز الله فيه الخبيث من الطيب، ومنها أن تظهر براعة علماء الحديث. ومنها أن يأجرهم الله تعالى على صبرهم واجتهادهم في تمييز الأحاديث، ومنها أن يتنافس العلماء في الصالحات، ومنها أن تكثر العلوم الإسلامية وتتنوع وينتشر لأجل ذلك طلب العلم والسعي فيه، ومنها أن يظهر فضل هذه الأمة في حفظ دين نبيها وأقواله والحرص على جمعها وتهذيبها بخلاف غيرها من الأمم ممن حرف وبدل، ومنها أن يغتاظ الشيطان وحزبه إذا رأوا هذا الجد من الأمة في حفظ سنة نبيها ﷺ ، وحكم أخرى غيرها.
ثم اعلم أنه برغم هذا الاختلاط الظاهر في الأحاديث فإن سنة النبي ﷺ تظل محفوظة من قبل الله لا يشك مسلم في ذلك لأنه تعالى تكفل بحفظها في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] وقوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وقوله: أَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن: ١٢] فإذا اعتُقِد أن بعضاً من تلك الأحاديث قد فقدت أو اختلطت بغيرها حتى لم تعد تعرف فكيف يطاع الرسول ﷺ الذي أمر به تعالى؟ وكيف يُرَدُّ إلى حُكمه عند الاختلاف؟ فهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق؟ وهل هذا إلا إيذانٌ بعدم كمال الدين واستمراره إلى يوم القيامة؟ وأيضاً فهذه الأحاديث (ما اختلطت إلا على الجاهلين بها فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير فيميزون زيوفها ويأخذون جيادها ولئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ورتوت (١) العلماء حتى إنهم عدو أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في كم حديث غلط وفي كم حرف حرّف وماذا صحف؟ فإذا لم يرج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف فكيف يروج وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث) (٢).
стр. 1659
ثالثاً: مما صرفهم عن المأثورات إلى تلك المعقولات هو حب التمايز على الآخرين وشهوة الانفراد بشيء غير معروف عند عامة الناس ليذكروا به ولا يكونوا كغيرهم من جملة أهل الحديث. وهذا السبب لم يزل في الناس قديماً وحديثاً فلو تدبرت حال كثير من أهل البدع لوجدت النشأة الأولى لهم هذه الشهوة الخفية. قال الإمام أبو القاسم الأصبهاني واصفاً حال هؤلاء العقلانيين (إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته يسوّل لكل من أحس من نفسه بفضل ذكاء وذهن، يوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر السنّة، واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة العامة، وعدّ واحداً من الجمهور والكافة، فحرّكهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع بمخالفة السنّة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمّن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا في حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم، ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله ﷺ ولسننه المأثورة عنه، وردّوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنّة، وسوء المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١).
هذه الأسباب الثلاثة: تأثرهم بالعلم الوافد وضعفهم في علم الحديث وشهوة التفاضل على الغير. هي في نظري أهم الأسباب التي أدارت وجوه القوم إلى العقل والعقلانية وألجأتهم إليها. إذن هذا هو حال العقلانيين الأوائل في هذه الأمة. فرقة سادت قليلاً ثم بادت. قال الدكتور مصطفى الشكعة (أما المعتزلة فقد اندثر حزبهم كمذهب قائم بذاته فلم نعد في عصرنا الحديث نسمع عن الواصلية أو الهذيلية أو النظامية أو الجاحظية أو البشرية أو الجبائية إلى غير ذلك من المدارس الاعتزالية الفرعية. وإنما ذاب المذهب في تعاليم الشيعة الإمامية والشيعة الزيدية بحيث أخذ المذهبان أطيب ما عند المعتزلة من أفكار! واطرحا ما قد توسط فيه علماء الاعتزال من تطرف واندفاع)) (٢).
стр. 1660
قلت: ولكن بقيت من أصولها الفكرية الأصل الذي يغالي في دور العقل في أمور الشريعة وأصبح مناراً يهدي العقلانيين إلى سبيل الرشاد! ويدفعهم عن طريق الفساد!. ثم جاء بعد المعتزلة آحاد الفلاسفة الإسلاميين المفترقين مكاناً وزماناً فزادوا في الميل إلى تلك المعقولات فكانت هي رأس مالهم. ولقد كانوا كما قال أحمد أمين (فلاسفة أولاً ودينيين آخراً. لا ينظرون إلى الدين إلا عند ما تتعارض نظرية فلسفية مع الدين فيجدوا للتوفيق بينهما) (١). فلذا لم يؤثروا في حياة المسلمين كتأثير المعتزلة الذي خلطوا الدين بالكلام وموًّهواً على المسلمين بنصرة دينهم. وإنما اندثرت أفكارهم النظرية بموتهم فلم تبن مجتمعاً ولم تُقم على سلطة ولكنهم تلازموا وإياهم في تعظيم (العقل) لأنه كما قلت بضاعتهم الوحيدة، فهذا الرازي يتحدث كثيراً عن العقل في كتبه. ويأتي بعده ابن سينا فيغلو في العقل إلى أن أطلقه على الله ﵎. وأقربهم مودة إلى العقلانيين فيلسوف المغرب ابن رشد. إذن بعد موت المعتزلة لم تقم فرقة واحدة تدعو إلى إعلاء العقل على حساب غيره وإنما لم تخل الأمة من أفراد يرفعون أصواتهم بين الحين والآخر مطالبين بتلك الفكرة لأسباب متنوعة. ويحضرني منهم فيلسوف المعرة – كما يُسَمّى- الشاعر أبا العلاء المعري. وهو من ملاحدة الشعراء في كثرة اعتراضه على الشرع بل على الديانات كلها. وتمجيده للعقل والإيمان الإلهي المجرد يقول عنه طه حسين (لا يؤمن إلا للعقل وحده فخالف بهذا أهل السنة لأنهم يقدسون الشرع على العقل وإن آمنوا به وخالف مذهب المعتزلة لأنهم على تقديسهم للعقل يتخذون الشرع لنظرهم أصلاً ودليلاً يعتزون به ويلجئون إليه) (٢). ويقول الدكتور عمر فروخ (يعتقد المعري أن من اتسع عقله لم يضل هذا إذا كان له عقل! أما إذا لم يكن له عقل فهو يعمل أعماله بالتقاليد أو يساق إليها كالعجماوات. ولم يكتف المعري بأن يحكم العقل في الأمور التي جرت العادة بتحكيمه فيها بل أراد أن يكون العقل والفكر في أكثر الأغراض التي تناولها المعري في لزومياته حتى في العبادات وهو في كل ذلك يزدري شيئين ازدراءً شديداً التقليد والأخبار المروية. ولذلك تراه يتلقى كل خبر مروي أو كل عادة شائعة بميزان العقل) (٣).
قلت: وهذا مصدق لما نبهتك عليه سابقاً من أن انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة كان صارفاً لبعض الجهلة في الحديث – كالمعري مثلاً – إلى إعظام دور العقل. فهو يقول ناصحاً للأمة:
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه ... ولا يرجون غير المهيمن راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه ... ممتع كل من حجا بسراج (٤)
ويقف متحيراً أمام بعض الأحاديث الضعيفة التي تخالف العقل فيقول:
جاءت أحاديث إن صحت فإن لها ... شأناً ولكن فيها ضعف إسناد
فشاور العقل واترك غيره هدراً ... فالعقل خير مشير ضمه النادي (٥)
أي لا تتعب نفسك بدراسة علم الحديث ومصطلحه وإنما انبذ ذلك كله وشاور عقلك!.
ويقول:
عليك العقل وافعل ما رآه ... جميلاً فهو مشتار الشوار (٦)
وهو الإمام والقائد للإنسان
كذب الظن لا إمام سوى ... العقل مقيماً في صبحه والمساء (٧)
ويبلغ الغلو في تمجيد العقل عند هذا الملحد إلى أن ينزله منازل الأنبياء! كما صنع المعتزلة بالنصوص فهو يقول:
أيها الغِر إن خُصصت بعقل ... فاسألنه فكل عقل نبي! (٨)
стр. 1661
لم يكن أبو العلاء معتزلياً كما ذكر طه حسين، فهو عندما أشاد بالعقل وقدسه قد ذم المعتزلة في شعره كثيراً وأعلن البراءة من مقولاتهم. خاصة قولهم بالقدر فهو يقول:
جنوا كبائر آثام وقد زعموا ... أن الصغائر تجني الخلد في النار (١)
وينصح سامعه بأن لا يكون منهم:
لا تعش مجبراً ولا قدرياً ... واجتهد في توسطٍ بين بينا (٢)
ويخبر عن نفسه أنه بمعزل عنهم:
ارجوا واعتزلوا فإني ... عن مقالتكم بمعزل (٣)
أي كونوا مرجئة أو معتزلة فلست معكم. يقول الدكتور عمر فروخ (قد يعجب أحدنا فيقول إن المعري يهاجم المعتزلة مع أنهم يفضلون العقل على النقل كما يفعل هو. أجل إنه ليس معتزلياً وإن كان يرى رأي المعتزلة في تفضيل العقل على ما روي في الدين من أخبار وإنما هو يهاجم من المعتزلة أولئك الذين يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم بالجدل العقيم لا الذين يحلون العقل مرتبة سامية) (٤). فهو يلتقي معهم في العقلانية دون أصولهم الأخرى. ودعاه إلى ذلك ما دعاهم فإن النفوس والأهواء واحدة.
المصدر: نقض أصول العقلانيين لسليمان الخراشي
стр. 1662
المبحث الخامس: من مباحث المعتزلة المجافية للعقل والمخالفة للسنة
حين يذكر اسم المعتزلة يتبادر إلى الذهن أنهم القوم الذين يمجدون العقل وبالتالي يربأون به وبأنفسهم عن الخوض في مسائل لا تمت إلى العقل بصلة إلا أن تاريخ المعتزلة يثبت خلاف ذلك حين تناول بعضهم بحث مسائل يجوز وصفها بأنها تافهة: من ذلك مثلا: ١ - بحثهم في مصير اليد المقطوعة لرجل مؤمن كفر بعد القطع أو لرجل كافر آمن بعد القطع (١)؟
٢ - وبحثهم في عوض البهائم وقد انقسموا إلى خمسة أقوال، منها:
أ- قول قوم: إن الله سبحانه يعوضها في المعاد وإنها تنعم في الجنة وتصور في أحسن الصور فيكون نعيمها لا انقطاع له.
стр. 1663
ب- وقال جعفر بن حرب والإسكافي: قد يجوز أن تكون الحيات والعقارب وما أشبهها من الهوام والسباع تعوض في الدنيا أو في الموقف ثم تدخل جهنم فتكون عذابا على الكافرين ولا ينالهم من ألم جهنم شيء كما لا ينال خزنة جهنم.
٣ - كما نظروا في عقول هذه البهائم هل سيكلمها الله أم تبقى على حالها في الدنيا؟ وبحثوا مسألة اقتصاص الله من بعضها لبعض
٤ - ونظر الخابطية أصحاب أحمد بن خابط (ت ٣٣٢هـ) والحدثية (أصحاب الفضل الحدثي (ت ٢٥٧هـ) في أصناف الحيوانات فأقروا أن كل صنف من الحيوانات أمة على حدة ولها رسول (١)؟
٥ - وبحثوا في عقاب الأطفال؟: فقال أكثر المعتزلة أن الله سبحانه يؤلمهم عبرة للبالغين، ثم يعوضهم، ولولا أنه يعوضهم لكان إيلامه إياهم ظلما. إلا أن إجماعهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يؤلم الله سبحانه الأطفال في الآخرة ولا يجوز أن يعذبهم (٢).
٦ - ولعل من أغرب المسائل التي أدلى فيها بعض فرق المعتزلة وهم الخابطية والحدثية برأيهم وكان رأيهم واضح الانحراف وهو إثباتهم الألوهية للمسيح (٣) هذا المعتقد الذي حرك جمهور المعتزلة لنفي صفات الله وجعلوا كلامه تعالى مخلوقا حادثا كي يقطعوا الطريق أمام المسيحيين الذين آمنوا بالأقانيم الثلاثة واتخذوا من قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٥] حجة يعضدون بها مذهبهم المنافي للتوحيد. وكما رد القرآن للمسيح وأمه اعتبارهما أكدت السنة ما جاء به القرآن وجعلت قول من قال (إن الله اتخذ ولدا)، من الكبائر. جاء في الحديث القدسي: (. . وشتمني ابن آدم، ولم يكن ينبغي أن يشتمني. . . وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد (٤).
٧ - ونظرهم في الصلاح والأصلح جعل النظام يحد من قدرة الله حيث قال: إن الله لا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرة ولا أن ينقص من نعيم أهل الجنة شيئا (٥) وهو رأي يتنافى مع أبسط قواعد العقل والشرع التي أثبتت لله تعالى القدرة المطلقة. أما عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار (ت ٢٢٦هـ) فينزل بالله إلى مستوى الكذب والظلم قياسا على حياة البشر فيجعله قادرا على ذلك، وإن فعل كان إلها كاذبا ظالما (٦). في حين ينفي أبو الهذيل العلاف عن الله القدرة على رؤية بعض الأجزاء التي لا تتجزأ (٧). وقرر بعض المعتزلة أنه لا يجوز إطلاق اسم شيء على الشيء حتى يوجد ويخلق، فهذا هشام بن عمرو والفوطي يرى أن (الأشياء قبل كونها معدومة، والمعدوم ليس بشيء) وعليه لا يجوز عنده أن تكون هذه المعدومات معلومة لله تعالى (٨).وفي الحقيقة فإن علم الله وسع كل شيء ما خلق وما سيخلق، فقد جاء في صحيح البخاري قول الرسول ﷺ : ((إن أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقى أو سعيد)) (٩) ففي هذا الحديث كما يقول شارحه ابن حجر: (إن الله يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات لتصريح الخبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مفصلة) (١٠).
стр. 1664
٨ - منعهم الحكم بالرأي في الفتيا: ولعل من العجيب أن نرى بعض المعتزلة (١)، وهم ممن رفعوا لواء العقل أن يحرموا الحكم بالرأي في الفتيا كما قالت النظامية وقد سبق أن بينا مخالفة هذا الاتجاه للسنة ومستدلين باجتهادات للرسول ﷺ .
من أسباب اضمحلالهم:
الأسباب التي أودت بالمعتزلة كثيرة ومتنوعة ومنها ما يعود إلى طبيعة مذهبهم وطريقة تطبيقهم ونشرهم لنحلتهم، ومنها ما يعود إلى تعقب أهل السنة لهم بدحض شبههم وانحرافاتهم.
١ - بعدهم عن تطبيق معتقدهم في الإيمان:
لئن نادى المعتزلة بالعمل وجعلوه شرط صحة في ثبوت الإيمان، وغلوا في الوعيد فإن العديد من أعلامهم كانوا أول من مال على هذا الركن الأساسي في عقيدتهم بالهدم والإهمال. بل تجاوزوا هذا الهزء من بعض الشعائر وبلغ بهم الأمر إلى تناول الرسول ﷺ بما لا يليق بمقامه السامي. مما لا يدع مجالا للشك في أنهم إنما يصدرون آرائهم عن عقائد وتراث أجنبي لا يتفق وشريعة الإسلام.
فهذا النظام وهو أحد زعماء المعتزلة البارزين يعد من أفسق خلق الله وأجرأهم على الذنوب العظام وعلى إدمان شرب المسكر حتى أن ابن قتيبة ينسب إليه قوله: مازلت آخذ روح الزق في لطف: وأستبيح دما من غير مجروح. حتى انثنيت ولي روحان في جسدي: والزق مطرح جسم بلا روح (٢) وأبو هاشم بن أبي علي الجبائي كان من ناحية يفرط في الوعيد حتى أنه لم يقبل توبة المقلع عن الذنب بعد العجز عن اقترافه، ومن ناحية أخرى كان أفسق أهل زمانه، وكان مصرا على شرب الخمر حتى قيل إنه مات في سكره (٣).ومما يؤثر عنه أنه يرى أن (الطهارة غير واجبة) (٤) معللا مذهبه هذا بقوله: (إن غيره لو طهره مع كونه صحيحا أجزأه)، وهي محاولة مكشوفة لإفساد الشريعة وإفراغها من محتواها وهي مخالفة صريحة لقول الرسول ﷺ : ((لا تقبل صلاة بلا طهور ولا صدقة من غلول)) (٥).
ومما رواه الجاحظ في كتاب (المضاحك) أن المأمون رأى يوما ثمامة بن أشرس وهو من زعماء المعتزلة (سكران قد وقع في الطين) فقال له: ثمامة؟
قال: إي والله. قال: ألا تستحي؟ قال: لا والله. قال: عليك لعنة الله. قال (تترى ثم تترى) (٦).وكان ثمامة متهاونا في أداء الفروض آية ذلك أن خادمه قال له يوما: قم صل فتغافل، فقال له: فقال له: قد ضاق الوقت فقم وصل واسترح، فقال أنا مستريح إن تركتني (٧).
قد يقول قائل: إنها الروح المرحة التي يتميز بها المعتزلة. فيقال: قد يكون ذلك، ولكنها تعكس حقيقة مواقفهم من الإيمان وتطبيقاته وقد بلغ الأمر بثمامة إلى التهوين من شأن بعض الشعائر، والسخرية من المسلمين وتنقص شأن الرسول ﷺ فقد (رأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا إلى البقر انظروا إلى الحمير). ثم قال لرجل من إخوانه: ما صنع هذا العربي بالناس؟ (٨).
стр. 1665
ومثل هذه العبارات التي تنضح مروقا كثيرا ما تطالعنا ونحن نتصفح تاريخ المعتزلة ورجالهم: فهذا عمرو بن عبيد الذي طار بلب أبي جعفر المنصور وكان يعده من أزهد الناس في زينة الحياة الدنيا حتى حزن لوفاته. ورثاه يقول: (لو كانت تبت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ لم يكن لله على العباد حجة) تساوقا مع إيمانه بنفي القدر أي نفي العلم الأزلي لله بما هو كائن. ... وكثيرا ما يوصف أعلامهم بالفسق والفجور، فهذا أبو الفتح الأزدي يصف واصلا بن عطاء بأنه (رجل سوء كافر) (١) ووصف البغدادي بعض الفرق بأكملها بالغلو في الكفر كالخابطية والجمارية (٢).
٢ - كثرة اختلافاتهم:
ولعل مما عجل بانقراضهم كثرة اختلافاتهم، وهذا يرجع إلى تنوع مصادرهم وتضاربها وإلى تعويلهم على العقل الذي قدموه على القرآن والسنة وجعلوا منه رائدهم وإمامهم، وقد ثبت في محك الواقع أن العقول والأفهام كثيرا ما تختلف بل فإن العقل الواحد كثيرا ما يحبذ اليوم أمرا يكفر به غدا ويلعنه، والخطير في اختلافاتهم أنها شملت قضايا العقيدة نفسها.
يقول ابن قتيبة في معرض تصوير ما اعترى القوم من الانقسامات رغم صدورهم عن الرأي والنظر (وقد كان يجب مع ما يدعونه من معرفة القياس وأعداد آلات النظر أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون لأن التهم لا تدل إلا على عدد وإلا على شكل واحد، وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء وفي نبض العروق. . فما بالهم أكثر أهل الناس اختلافا لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين. (فأبو الهذيل العلاف يخالف النظام والنجار يخالفهما وهشام ابن الحكم يخالفهم وكذلك ثمامة ومويس وهاشم الأوقص و. . ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين، يُدان برأيه وله عليه تبع) (٣).
وقلما تمر بهم مسألة ولا تختلف حولها أنظارهم، حتى أن عبارة (اختلفت المعتزلة) تكاد تتصدر كل المسائل التي تناولها المعتزلة بالبحث. وقد يبلغ الاختلاف والتنافر بينهم إلى درجة يكفر فيها بعضهم بعضا وأكثر زعمائهم يكفرون أتباعهم المقلدين لهم (٤).وليس حتما أن يكون هذا التناقض والاختلاف بين الفرق والأفراد وإنما قد يصيب التناقض الفرد الواحد منهم فيرى الرأي ثم يتراجع ويتوب عنه لما يبدو له من سقمه وعقمه، فهذا أبو سهيل بشر بن المعتمر مثلا آمن بآراء فيها مروق عن الدين وخروج عن صحابته (ثم تاب ورجع إلى أصحابه) (٥).
стр. 1666
وقد صورت انقسامهم واختلافاتهم الشديدة مؤلفاتهم التي انبرى فيها كل طرف يسفه الثاني ويكشف عواره. فقد ألف بشر بن المعتمر كتابا في الرد على ضرار بن عمرو المعتزلي سماه (الرد على ضرار) (١).ثم إن بشرا هذا يكفره تلميذه المردار (عيسى بن صبيح) الملقب براهب المعتزلة بل ويكفر معه أبا الهذيل العلاف والنظام وعددا من شيوخه وقد بادله هؤلاء تكفيرا بتكفير (٢). ولعباد بن سليمان الضمري، وهو من أصحاب هشام الفوطي كتاب يسمى (الأبواب) نقضه أبو هاشم الجبائي، وقال عنه أبو الحسين الملطي (ملأ الأرض كتبا وخلافا وخرج عن حديث الاعتزال إلى الكفر والزندقة) (٣).وكتب ابن الراوندي (ت ٢٩٨هـ) الذي نكص عن الاعتزال بعد أن كان من متكلمي المعتزلة وانغمس في الإلحاد والزندقة كتابا سماه (فضيحة المعتزلة) نقضه أبو الحسين بن الخياط (ت ٣٠٠هـ) بكتاب سماه (الانتصار) (٤).
هذا فضلا عما ألفه أهل الجماعة في بيان زيغ المعتزلة جميعهم وفساد نحلتهم.
٣ - آراؤهم المنافية للإسلام: إن تأثر عدد من رجال الاعتزال بالآراء والمذاهب الفلسفية والدينية القديمة جعلهم يصدعون بآراء تتجافى وعقيدة الإسلام البسيطة الواضحة، فقد نفوا القدر فسموا القدرية، ونفوا صفات الله فسموا النفاة، قالوا بخلق القرآن ونفوا رؤية الباري يوم القيامة، بل شك بعضهم في المحسوسات (٥) كلها على غرار ما كان ينادي به (بيرون) والفلاسفة الشكاك اليونان. . ونادى آخرون بما كان يعتقده المجوس من علو النار بطباعها على كل شيء (٦). . وآمن بعضهم بالطفرة وهي انتقال الجسم من مكان رقم ١ إلى مكان رقم ٣ أو رقم ١٠ من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر (٧).
وتأثرهم بالفلسفة والمذاهب الملحدة جعلهم يقدمون العقل على الشرع رغم ما أنكره بعضهم من اجتهاد الرأي في الأحكام.
стр. 1667
وأحدثت مواقفهم هذه أزمة حادة بينهم وبين مصدر الشريعة الإسلامية خاصة الحديث حيث حكموا الهوى فردوا ما يتعارض وآراءهم من الأحاديث، وهو أمر لا يجوز أن يمر دون موقف صارم يقفه رجال الإسلام المتمسكون بالقرآن والسنة بعيدا عن كل تأثير أجنبي. والذي زاد الطين بلة هو استخدام المعتزلة للعنف لفرض آرائهم، فقد استغل بعض المعتزلة ممن وصل إلى قلوب بعض الخلفاء العباسيين كالقاضي أحمد بن أبي دؤاد الذي عاصر ثلاثة منهم هم المأمون والمعتصم والواثق، وكان له في قلب كل منهم مكان وسلطان، حتى أن المأمون كان قد أوصى أخاه المعتصم بملازمة ابن أبي دؤاد فقد استغل نفوذه لديهم حتى أنه حمل الواثق على أن يرسل إلى القضاة في سائر البلاد ليمتحنوا الناس في القرآن. وأمرهم ألا يقبلوا شهادة من لم يقبل بالتوحيد (١).ولم يتورعوا عن اغتيال المخالفين لهم في الرأي، فقد كان (عباد بن سليمان يرى قتل الغيلة في مخالفيه إذا لم يخف شيئا) (٢)، كما كانوا يرون الثورة والاستيلاء على الحكم بالقوة لفرض آرائهم، فهم يقولون: (إذا كنا جماعة، وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد وفي قولنا في القدر، وإلا قتلناهم) (٣).وهذا مخالف للشريعة التي تحرم سفك الدماء. يقول الرسول ﷺ : ((. . فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام)) (٤).٤ - مقاومتهم فكريا: وقد تولى أهل السنة والجماعة أيضا مقاومة المعتزلة فكريا وذلك بتأليف المصنفات التي تكشف ما وقعوا فيه من خروج عن الشرع وعن إجماع المسلمين وإبراز ما وقعوا فيه من تناقض وخطل، حتى يوقفوا المسلمين على حقيقة أمرهم فيتجنبوهم. وقد جعلت الأحقاد بعض أهل السنة يغالي في تبشيع المعتزلة وتفكيرهم، فهذا ابن قتيبة يؤلف تأويل مختلف الحديث ليرد على الشبه والضلالات التي ارتمى فيها المعتزلة. فهو وإن ذكر في مقدمة كتابه (وأرجو أن لا يطلع ذو النهى مني على تعمد لتمويه، ولا إيثار لهوى ولا ظلم لخصم (٥) فإنه بلغ الحديث الإقناع في تصوير ظلم المعتزلة وضلالهم. كما أن عبد القاهر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) أسرف في تكفير المعتزلة واستباحة دمائهم وأموالهم (٦). وقد ألف إلى جانب (الفرق بين الفرق) كتابا سماه (الحرب على ابن حرب) نقض فيه أصول وفصول كتاب جعفر بن حرب الحافل بالضلالات (٧).ولأبي الحسن الأشعري الذي عاش ردحا طويلا من عمره معتزليا حتى بلغ مرتبة الإمامة فيهم ألف في كشف فضائح المعتزلة (الإبانة في أصول الديانة) لما فتح الله بصيرته وأوقفه على حقيقة أمرهم. كما كتب مقالات الإسلاميين، وقد تناول فيها أصول المعتزلة بالنقض والطعن وقد مات وهو يلعن المعتزلة لأنه كان شديد الكره لهم والنقمة عليهم (٨).
وألف ابن حزم الفصل والشهرستاني الملل والنحل، وأبو الفرج بن الجوزي مناقب الإمام أحمد بن حنبل، وهي مؤلفات تثبت جميعها تمسك أهل السنة بالشريعة الصحيحة الخالية عن الهوى كما تصور زيغ المعتزلة عن السبيل ووقوعهم في المحظور نتيجة تأثرهم بالتيارات الداخلية وعدائهم لأصول الشريعة.
стр. 1668
وقد أتت جهود التوعية التي قام بها الأئمة الأوائل لتنفير الجماهير المسلمة من المعتزلة وآرائهم كلها حتى صار اسم الاعتزال مرادفا للابتداع والخروج عن الشرع الذي يوجب الترك والتجنب. فهذا محمد الباقر ينعي على أخيه زيد بن علي بن الحسين السبط أخذه لمذهب المعتزلة عن واصل بن عطاء (١).
وحين سئل قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة عن المعتزلة قال: هم الزنادقة. ورد الشافعي قبول شهادة المعتزلة وأهل الأهواء أسوة بمالك وفقهاء أهل المدينة (٢).ويصف ابن عبد البر المعتزلة بأنهم أهل البدع، ويقول عن كتبهم إنها كتب أهل الأهواء والبدع (٣).وحين يذكر القاضي عبد الجبار عند بعض النقاد يصفه بالثقة في حديثه إلا أنه يستدرك بقوله (لكنه داع إلى البدعة) (٤).ويصف السيوطي أحدهم بأنه فقيه إلا أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال (٥).وهكذا فقد صار المعتزلة حتى أيام الفحول منهم عنوانا على المروق عن الدين والبعد عن الشريعة، وقد انعكس هذا حتى على رؤى العلماء والصالحين: فهذا ثابت البناني وعاصم الأحول يريان عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من المصحف مدعيا إبدالها بخير منها فلم يستطع (٦).وفي هذه الرؤيا إشارة إلى تحريف المعتزلة لما جاء صريحا في القرآن كالرؤية وغيرها. وقال حماد (أبو سلمة): (رأيت كأن الناس يصلون يوم الجمعة إلى القبلة وهو مدبر عنها، فعلمت أنه على بدعة، فتركت الرواية عنه (٧).كما أن إسماعيل بن مسلمة القعنبي رآه في ثلاث ليال متتالية في النار (٨) كما رآه محمد بن عبد الله الأنصاري في النوم قد مسخ قردا.
المصدر: موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص ١٥١
стр. 1669
المبحث الأول: موقف المعتزلة من الصحابة رضوان الله عليهم
ونتيجة أخرى من نتائج الاعتزال – أو فضيحة أخرى من فضائحه – الذي ينتسب إلى العقل زورا وبهتانا، وينتسب إليه العقلانيون تمحكا وتسترا، هي موقفهم المخزي من الصحابة والتابعين، فقد طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة، وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب ونسبوا إليهم التناقض وإليك أمثلة من ذلك.
قول إبراهيم النظام مفخرة المعتزلة وشيخها المتقدم الموصوف بالنبوغ والنباهة! في أبي بكر الصديق: فقد رماه بالتناقض حين سئل عن آية من كتاب الله فقال أي سماء تطلني وأي أرض تقلني أم أين أذهب أم كيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد الله، وحين سئل في الكلالة قال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني – هي ما دون الولد والوالد. قال: فهذا تناقض وكيف يجترئ على القول بالرأي من يخشى الله ويستعظم القول عليه كما في القول الأول!.
وكذب؛ فإن قول أبي بكر الأول إنما قاله حين سئل عن آية من المتشابه من القرآن وهذا جواب الراسخين في العلم حين يسألون عن المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وأما قوله الثاني: فإنه واجب على العلماء أن يبينوا للناس أحكام دينهم وأن يجتهدوا لهم حتى لا يكون الأمر فوضى، والمقصود بقوله الثاني: "أقول فيها برأيي" ليس هو الرأي المذموم أي الكلام دون علم أو دليل، وإنما المقصود بنظري وما أوصلني إليه علمي، ثم احترز من الخطأ فنسب الصواب إلى الله تعالى ونسب الخطأ إلى نفسه تأدبا. . وكيف لا وهو صديق الأمة وخليل نبيها!.
وقد طعن بمثل ذلك في علي بن أبي طالب حين سئل عن بقرة قتلت حمارا، ومثله في عبد الله بن مسعود في حديث بروع بنت واشق.
كذلك شدد الحملة – هو وغيره من المعتزلة والروافض - على أبي هريرة ﵁ فقال: لقد أكذبه عمر وعثمان وعلي وعائشة. . كذب إذ أن ذلك محض اختلاف وجهات النظر كما بين الفقهاء كلهم، لا يحمل ذلك على بغضاء ولا يؤدي إلى تنافر ولا إلى الحط من قيمة أحدهم، وقد كذب على عمر بن الخطاب فادعى أنه قضى في الجد بمائة حكم مختلف! فسبحان الله العظيم أين تلك الأقضية ومن حفظها!؟.
стр. 1670
كذلك طعن بكذب عبد الله بن مسعود في حادثة رؤيته لانشقاق القمر، فقال: كيف لم يشهد ذلك معه أحد ولم يسلم عندها كافر!؟ وفي هذا تكذيب لكتاب الله تعالى الذي فيه اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:١] إذ لو كان مراده فيما بعد فما معنى قوله وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر:٢] بعقب هذا الكلام" ولماذا لا تكون الآية بحيث يراها الواحد أو الاثنان فقط! ألا إنه حكم العقل حين يستقل عن الشرع فيضل ويخزى. كما طعن على ابن مسعود في حديث ((الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره)) والحديث صحيح رواه مسلم (١)., والإيمان بالقدر واجب وإنما المذهب أداه لذلك! كما أكذبه في رؤية الجن ليلة الجن، كذلك زعم أن عمر بن الخطاب قد شك في دينه يوم الحديبية، وشك يوم وفاة النبي ﷺ وأنه ضرب فاطمة ومنع ميراث أهل البيت! وزعم أنه ابتدع صلاة التراويح وأنه حرم نكح الموالي للعربيات، وعاب على عثمان بن عفان إيواءه الحكم بن العاص في المدينة، وأنه استأثر بالحمى (٢). أما عن عمرو بن عبيد كبير المعتزلة وزاهدهم فقد روى الشاطبي: "وقال عمر بن النضر، سئل عمرو بن عبيد يوما عن شيء – وأنا عنده – فأجاب فيه، فقلت له: ليس هكذا يقول أصحابنا، قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب ويونس وابن عون والتيمي، قال: أولئك أنجاس الناس أموات غير أحياء. وقال ابن علية: حدثني اليسع قال تكلم واصل بن عطاء يوما. قال فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة" (٣).وقد زعم كل من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة – إما طائفة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة وطلحة والزبير – ورد شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا: لا تقبل شهادتهم (٤).
وقد قال تعالى في صحابة رسول الله ﷺ : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨]. وقال تعالى فيهم: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٩] وقد اتفق العلماء على عدالة جميع الصحابة، قال الغزالي: "والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم معلومة بتعديل الله إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه بذلك، وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل" (٥).
وأما ما شجر بينهم فإن أهل السنة لا يخوضون فيه، بل يعتقدون أن كلهم مجتهد مأجور يبتغي ثواب الآخرة ورضى الله تعالى عنهم فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ.
المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ٩٧
стр. 1671
المبحث الثاني: أثر أصولهم الخمسة العقدية في آرائهم الأصولية
إذا نظرنا إلى أصول المعتزلة الخمسة العقدية، وهي: التوحيد والعدل، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وجدنا أن من أهم هذه الأصول على الإطلاق عندهم، التوحيد والعدل، ولهذا فإنهم يفخرون بتسميتهم (الموحدة) و (العدلية)، أو (أهل العدل والتوحيد). وبناء على ذلك، فإنهم يجعلون التوحيد أصلا مستقلا، ويجعلون العدل أصلا مستقلا كذلك، إلا أنه لا يمكن فصل العدل عن التوحيد عندهم أبدا، بل هو مترتب ومبني عليه، ولهذا قالوا: (والأصل في ذلك أن الذي يلزم العلم به أولا هو التوحيد، ويرتب عليه العدل لوجهين: أحدهما: أن العلم بالعدل علم بأفعاله تعالى، فلا بد من تقدم العلم بذاته ليصح أن نتكلم في أفعاله التي هي كلام في غيره، والثاني: أنا إنما نستدل على العدل بكونه عالما وغنيا، وذلك من باب التوحيد، فلا بد من تقدم العلم بالتوحيد لينبني العدل عليه) (١).
وأما بقية الأصول عندهم فإنهم يجعلونها مندرجة تحت أصل (العدل) ومما يؤيد ذلك التساؤل الذي أورده القاضي عبد الجبار، وأجاب عنه، فقال: (فإن قيل: ألستم تقولون: الأصول خمسة، وتعدون فيها الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل له: كل ذلك يدخل في العدل، لأنا إذا نزهناه عن الخلف والكذب والتعمية، بطل قول المرجئة، فإذا بينا جنس ما تعبد به، ثبت ما نقوله في المنزلة بين المنزلتين، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢).وقالوا أيضا: (وإذا دخل تحت العدل النبوات والشرائع، فقد دخل تحته الوعد والوعيد، لأن العلم بهما على الحد الذي نثبت الآن هو من جهة السمع، وكذلك إذا وجب أن يعرفنا الله مصالحنا، فقد تضمن ذلك بيان المنزلة بين المنزلتين، لأن علينا تكليفا فيما نجريه من الأحكام على المكلفين، ومن تسميتهم بأسماء مخصوصة، لما لنا في ذلك من ضروب اللطف والصلاح، وكذلك فقد تضمن وجوب تكليفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما لنا فيه من الصلاح) (٣).
وإذا تقرر أن التوحيد والعدل، هما الأصلان الرئيسان عندهم، فقد كان لهذين الأصلين أثر كبير في مسائل أصول الفقه بالنسبة لهم.
ومن المسائل الأصولية التي كان لأصل (التوحيد) أثر كبير فيهما عندهم، مسألة "الفعل ذو الوجهين يصح أن يتعلق به الأمر والنهي".
ولهذا فقد ذهب أبو هاشم إلى أن السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إلى الله ليس بمحرم. وعلل ذلك قائل: (إن السجود لا تختلف صفته، وإنما المحظور القصد) (٤).
وبما أنه لم يقصد بسجوده غير الله تعالى، فلا يكون هذا السجود محرما، ولا يكون صاحبه مشركا، لكونه موحدا إذا أوقع السجود قاصدا به وجه الله تعالى.
وسيأتي بيان هذه المسألة مفصلا في موضعه من هذا البحث بمشيئة الله تعالى.
ومن مسائل أصول الفقه التي كان لأصل (العدل) أثر كبير فيها بالنسبة لهم، ما يلي:
أولا – مسألة عدم تكليف المكره:
فعند المعتزلة أن المكره لا يدخل تحت التكليف، لأن ذلك محال، إذ لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه، ولا يبقى له خيرة.
وإنما قالوا ذلك بناء على أصلهم في وجوب إثابة المكلف، والمحمول على الشيء لا يثاب عليه. قال القاضي عبد الجبار: (اعلم أن الغرض بالتكليف التعريض لمنازل الثواب، فكل معنى أخرج المكلف من أن يستحق بفعله المدح، لم يجز أن يتناوله التكليف) (٥).
стр. 1672
ثانيا – مسألة وجوب شكر المنعم : وقد أوضح القاضي عبد الجبار دخول هذه المسألة في أصل (العدل) فقال: (ومن علوم العدل، أن نعلم أن جميع ما بنا من النعم فمن الله تعالى، سواء كان من جهة الله تعالى، أو جهة غيره، ودخوله في العدل، أنه تعالى كلفنا الشكر على جميع ما بنا من النعم، فلولا أنها من فعله وإلا كان لا يكلفنا أن نشكره عليها أجمع، لأن ذلك يكون قبيحا) (١).
ثالثا – لا يجوز عندهم نسخ العبادات والتكاليف: وقالوا معللين ذلك: (العبادات مصالح، فلا يجوز رفعها) (٢).وقالوا: (من الأفعال ما لها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها) (٣).
رابعا – لا يجوز للشارع التكليف مع المنع من فعل ما كلف:
وعللوا ذلك بأن التكليف مع المنع من الفعل قبيح، فلا يحسن من الله تعالى أن يكلف العبد به. قال القاضي عبد الجبار: (اعلم أن من شرط المكلف: أن يكون مخلى بينه وبين ما كلف، ومتى كان هناك منع زالت التخلية وتعذر الفعل لأجله، فالتكليف قبيح. . . وأنه إنما لم يحسن تكليف ما لا يطاق لهذه العلة، وقد علمنا أن الفعل يتعذر مع المنع، كما أنه يتعذر مع العجز، فيجب ألا يحسن منه تعالى التكليف معه) (٤).
خامسا – لا يجوز إسماع الله المكلف العام المخصوص دون أن يسمعه المخصص: قال أبو الهذيل والشحام: (لو كان في معلوم الله سبحانه أنه يسمع الآية التي ظاهرها العموم من لا يسمع ما يخصصها، لم يجز أن ينزلها إلا ومعها تخصيصها) (٥).
سادسا – لا يجوز أن يقول الله تعالى للرسول ﷺ ، أو للعالم احكم بما شئت: فعند المعتزلة لا يجوز أن يقول الله تعالى للرسول ﷺ ، أو للعالم: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالحق ولا تقول إلا الصدق. قالوا معللين ذلك: (إن الشرائع إنما يتعبد الله بها لكونها مصالح، والإنسان قد يختار الصلاح، وقد يختار الفساد فلو أباح الله تعالى للإنسان الحكم بما يختاره لكان فيه إباحة الحكم بما لا يأمن من كونه فسادا) (٦).
وسيأتي أيضا بيان هذه المسائل كلها في موضعه من هذا البحث بعون الله تعالى، وتوفيقه.
وأما (الوعد والوعيد)، فإن المعتزلة يقصدون بهذا الأصل أن من امتثل أوامر الله ، فقد استحق الثواب على الطاعة والاتباع ولذلك وجب على الله تعالى أن يدخله الجنة، ومن ارتكب ما نهى الله عنه، فقد استحق العقاب على المخالفة والعصيان، ولذلك وجب على الله تعالى أن يدخله النار. ولهذا قالوا: (الوعد والوعيد، ليس كلام الله الأزلي، وإنما أمر ونهي، ووعد وأوعد، بكلام محدث، فمن نجا فبفعله استحق الثواب، ومن خسر فبفعله استوجب العقاب، والعقل من حيث الحكمة يقتضي ذلك) (٧).
ومن مسائل أصول الفقه التي كان لأصل (الوعد والوعيد) أثر كبير فيها بالنسبة لهم، ما يلي:
أولا – اشتراط الإرادة في الأمر والنهي: وقد علل المعتزلة اشتراط الإرادة فيهما بأنهما لو لم يكونا مشروطين بها لكان الشارع عابثا، وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار: (قد بينا من قبل أنه لا يجوز منه تعالى وقد خاطبنا بلغة مخصوصة وبكلام يتضمن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، إلا ويريد بذلك أمرا ما، وإلا كان عابثا) (٨).
стр. 1673
ثانيا – الواجب المخير يقتضي وجوب الجميع على سبيل البدل: وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار مترجما رأي المعتزلة في هذه المسألة: (والصحيح أن حال الجميع سواء في أنه واجب) (١).
فعندهم أن المكلف لا يجوز له الإخلال بجميع خصال الواجب المخير، وإلا كان مرتكبا لمحظور يستحق بسببه الوعيد.
ثالثا – المحرم المخير، يجب فيه ترك الجميع: ولهذا قالوا: (إذا تعلق النهي بأشياء على جهة التخيير فإنه يقتضي المنع من الكل) (٢).
رابعا – المجتهد المخطئ يستحق الإثم والعقاب: وإلى ذلك ذهب الأصم وبشر المريسي (٣) المعتزليان، ولهذا قالا: (الحق في أحكام الفروع واحد منها، وأن عليه دليلا يلزم كل أحد المصير إليه، والنظر فيه، والوصول إلى القول الذي هو ألحق به، وأن من قصر في ذلك فلم يصل إليه، ولم يقل به، فإنه مخطئ، ويختلف خطؤه، فربما كان كبيرا، وربما كان صغيرا) (٤).
خامسا – لا يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة: ذهب المعتزلة البغداديون، إلى أنه لا يجوز للعامل تقليد المجتهد في فروع الشريعة، بل يجب عليه النظر وطلب الدليل، ولهذا قالوا: (لا يجوز له أن يأخذ بقوله إلا بعد أن يبين له حجته) (٥).وأما أصل (المنزلة بين المنزلتين) فإنه تابع لأصل (الوعد والوعيد) فمن ارتكب ما نهى الله عنه، فإنه يكون عندهم فاسقا يستحق الخلود في النار إذا مات مصرا على فسقه، لكونه أحبط ثواب أعماله الصالحة بعصيانه، ولهذا قالوا: (إن المؤمن إذا خلط الحسنات بالسيئات، فهو مخلد في النار، والكبيرة الواحدة تحبط جميع الطاعات، لأن الثواب منفعة خالصة دائمة مع التعظيم، والعقاب مضرة خالصة دائمة مع الإهانة، فلا يجتمعان استحقاقا، إذ الجمع بينهما محال) (٦).ويؤكد القاضي عبد الجبار ذلك، فيقول: (إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته) (٧).وأما الأصل الأخير عندهم، وهو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فإنه تابع للأمر والنهي، ولهذا يقول الكرماستي (٨) رحمه الله تعالى: (قالت المعتزلة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحق أنه تابع للمأمور به والمنهي عنه، فيكون الأمر بالواجب واجبا، وبالمندوب مندوبا، والنهي عن الحرام واجبا، وعن المكروه مندوبا) (٩).
ومن هذا العرض الموجز، يتبين لنا بوضوح مدى الارتباط الوثيق والكبير بين أصولهم العقدية وآرائهم اللأصولية.
المصدر: آراء المعتزلة الأصولية لعلي سعد الضويحي – ص ١٣٦
стр. 1674
المبحث الثالث: مناقشة المعتزلة في خوارق العادات
والمعتزلة قبلهم ظنوا أن مجرد كون الفعل خلافاً للعادة هو الآية على صدق الرسول فلا يجوز ظهور خارق إلا لنبي، والتزموا طرداً لهذا إنكار أن يكون للسحر تأثير خارج عن العادة مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيء، وأنكروا الكهانة وأن تكون الجن تخبر ببعض المغيبات وأنكروا كرامات الأولياء، فأتى هؤلاء فأثبتوا ما أثبته الفقهاء وأهل الحديث من السحر والكهانة والكرامات.
لكن قيل لهم فميزوا بين هذا وبين المعجزات؟ فقالوا: لا فرق في نفس الجنس، وليس في جنس مقدورات الرب ما يختص بالأنبياء، لكن جنس خرق العادة واحد، فهذا إذا اقترن بدعوى النبوة وسلم عن المعارضة عند تحدي الرسول بالمثل فهو دليل، فهي عندهم لم تدل لكونهم في نفسها وجنسها دليلاً، بل إذا استدل بها المدعي للنبوة كانت دليلاً وإن لم تكن دليلاً، ومن شرط الدليل سلامته عن المعارضة، وهي عندهم غاية الفرق، فإذا قال المدعي للنبوة: ائتوا بمثل هذه الآية فعجزوا كان هذا هو المعجز المختص بالنبي وإلا فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان من الخوارق إذا استدل بها الرسول.
فالحجة عنده مجموع الدعوى والخارق لا الخارق وحده، والاعتبار بالسلامة عن المعارض بل قد لا يشترطون أن يكون خارقاً للعادة، لكن يشترطون أن لا يعارض وعجز الناس عن المعارضة مع أنه معتاد لا خارق للعادة، فالاعتبار عندهم بشيئين باقترانه بالدعوى وتحديه لمن دعاهم أن يأتوا بمثله فلا يقدرون.
قالوا وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر والكاهن والصالح ولا يدل على النبوة لأنه لم يدعها قالوا ولو ادعى النبوة أحد من أهل هذه الخوارج مع كذبه لم يكن بد من أن الله يعجزه عنها فلا يخلقها على يده أو يقبض له من يعارضه فتبطل حجته، وإذا قيل لهم لم قلتم أن الله لابد أن يفعل هذا وهذا، وعندكم يجوز عليه كل شيء؟ ولا يجب عليه فعل شيء؟ ولا يجب منه فعل شيء؟ قالوا: لأنه لو لم يمنعه من ذلك أو يعارضه بآخر لكان قد أتى بمثل ما يأتي به النبي الصادق فتبطل دلالة آيات الأنبياء.
فإذا قيل لهم: وعلى أصلكم يجوز أنه يبطل دلالتها، وعندكم يجوز عليه فعل كل شيء؟ أجابوا بالوجهين المتقدمين: أما لزوم أنه ليس بقادر، أو أن الدلالة معلومة بالاضطرار، وقد عرف ضعفها، ثم هنا يلزمهم شيء آخر، وهو أنه لما قلتم أن المعجز الذي يدل به على صدق الأنبياء ما ذكرتموه من مجرد كونه خارقاً مع الدعوى، وعدم المعارضة فإن هذا يقال أنه باطل من وجوه.
أحدها أنه إذا كان من يأتي به الساحر والكاهن، لكان أولئك يعارضون وهذا لا يعارض، فالاعتبار إذن بعدم المعارضة، فقالوا كل من ادعى النبوة وقال: معجزتي أن لا يدعيها غيري فهو صادق، أو لا يقدر غيري على دعواها فهو صادق، أو أفعل أمراً معتاداً من الأكل والشرب واللباس، ومعجزتي أن لا يفعله غيري أو لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق، فالتزموا هذا، وقالوا المنعم من المعتاد كإحداث غير المعتاد، وعلى هذا فلو قال الرسول: معجزتي أني أركب الحمار، أو الفرس، أو آكل هذا الطعام أو ألبس هذا الثوب أو أعذر إلى ذلك المكان وأمثال ذلك، وغيره لا يقدر على ذلك، كان هذا آية دعواه وهذا لا ضابط له، فإن ما يعجز عنه قوم دون قوم لا ينضبط، ولكن هذا يفسد قول من فسرها بخرق العادة، فإن العادات تختلف وقد ذكروا هذا وقالوا المعجزة عند كل قوم ما كان خرقاً لعادتهم، وقالوا يشترط أن تكون خارقة لعادة من دعاهم، وإن كان معتاداً لغيرهم، وقالوا إذا كان المدعي كذاباً فإن الله يقبض له من يعارضه من أهل تلك الصناعة، أو يمنعه من القدرة عليها وهذا وجه ثان يدل على فساد ما أصلوه والمعتزلة.
стр. 1675
الوجه الثالث أن المعارضة بالمثل أن يأتي بحجة مثل حجة النبي وحجته عندهم مجموع دعوى النبوة والإثبات بالخارق، فيلزم على هذا أن تكون المعارضة بأن يدعي غيره النبوة، ويأتي بالخارق، وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن، أو عشر سور أو سورة، مثل أن يدعي أحدهم النبوة، ويفعل ذلك، وهذا خلاف العقل والنقل، ولو قال الرسول لقريش لا يقدر أحد منكم أن يدعي النبوة ويأتي بمثل القرآن، وهذا هو الآية، وإلا فمجرد تلاوة القرآن ليس آية، بل قد يقرؤه المتعلم له، فلا تكون آية، لأنه لم يدع النبوة ولو ادعاها لكان الله ينسيه إياه، أو يقيض له من يعارضه كما ذكرتم، لكانت قريش وسائر العلماء يعلمون أن هذا باطل.
الرابع أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة فقولوا ما قاله غيركم وهو أن آية سلامة ما يقوله من التناقض وأن كل من ادعى النبوة، وكان كاذباً فلابد أن يتناقض أو يقيض الله له من يقول مثل ما قال، وأما السلامة من التناقض من غير دعوى النبوة فليست دليلاً فهذا خير من قولكم فإنه قد علم أن كل ما جاء من عند غير الله فإنه لا بد أن يختلف ويتناقض وما جاء من عند الله لا يتناقض كما قال تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
وأما دعوى الضرورة فمن ادعى الضرورة في شيء دون شيء مع تمثالهما، وعدم الفرق بينهما في نفس الأمر كانت دعواه مردودة بل كذباً، فإن وجود العلم الضروري بشيء دون شيء لابد أن يكون لفرق إما في المعلوم وإما في العالم، وإلا فإذا قدر تساوي المعلومات وتساوي حال العالم بها لم يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر.
الخامس: أنه لابد أن تكون الآية التي للنبي أمراً مختصاً بالأنبياء فإن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فآية النبي هي دليل صدقه وعلامة صدقه وبرهان صدقه فلا توجد قط إلا مستلزمة لصدقه، وقد ادعوا أن آيات صدقهم تكون منفكة عن صدقهم تكون لساحر وكاهن ورجل صالح، ولمدعي الإلهية لكن لا تكون لمن يكذب في دعوى النبوة فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه إلا إذا ادعى المدلول عليه كاذب، واستدلوا على ذلك بأن الساعة تخرق عندها خوارق، ولا تدل على صدق أحد، ولو ادعى مدعي النبوة مع تلك الخوارق لدلت، قالوا فعلم إن جنس ما هو معجز يوجد بدون صدق النبي، لكن مع دعوى النبوة لا يوجد إلا مع الصدق والآية عندهم الدعوى والخارق والصدق هو المدلول عليه فلا يكون ذلك كذلك إلا مع هذا، وأما وجود الخارق مجرداً عن الدعوى فليس بدليل ولا فرق عندهم بين خارق وخارق، وخارق معتاد عند قوم دون قوم وليس لهم ضابط في العادات.
ولسائل أن يقول: جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم فهو دليل على صدق الأنبياء ومستلزم له، وإن كانت الآيات معتادة لجنس الأنبياء أو لجنس الصالحين الذين يتبعون الأنبياء فهي مستلزمة لصدق مدعي النبوة فإنها إذا لم تكن إلا لنبي، أو من يتبعه لزم أن يكون من أحد القسمين، والكاذب في دعوى النوبة ليس واحداً منهما، فالتابع للأنبياء الصالح لا يكذب في دعوى النبوة قط ولا يدعيها إلا وهو صادق كالأنبياء المتبعين لشرع موسى، فإذا كان آية نبي إحياء الله الموتى لم يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبي آخر، أو لمن يتبع الأنبياء كما قد أحيى الميت لغير واحد من الأنبياء ومن اتبعهم، وكان ذلك آية على نبوة محمد ﷺ ونبوة من قبله إذا كان إحياء الموتى مختصاً بالأنبياء وأتباعهم.
стр. 1676
وكذلك ما يفعله الله من الآيات والعقوبات بمكذبي الرسل كتغريق فرعون وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية، وإهلاك قوم صالح بالصيحة وأمثال ذلك، فإن هذا جنس لم يعذب به إلا من كذب الرسل، فهو دليل على صدق الرسل، وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس كالطواعين ونحوها، لكن هذا معتاد لغير مكذبي الرسل، أما ما عذب الله به مكذبي الرسل فمختص بهم، ولهذا كان من آيات الله كما قال: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا [الإسراء: ٥٩]. وكذلك ما يحدثه من أشراط الساعة كظهور الدجال ويأجوج ومأجوج، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها بل والنفخ في الصور وغير ذلك هو من آيات الأنبياء فإنهم أخبروا به قبل أن يكون فكذبهم المكذبون، فإذا ظهر بعد مئين أو ألوف من السنين كما أخبروا به كان هذا من آيات صدقهم، ولم يكن هذا إلا لنبي أو لمن يخبر عن نبي والخبر عن النبي هو خبر النبي، ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من آيات نبوته إذا ظهر المخبر به كما كان أخبر فيما مضى عرف صدقه فيما أخبر به إذ كان هذا، وهذا لا يمكن أن يخبر به إلا نبي أو من أخذ عن نبي، وهو لم يأخذ عن أحد من الأنبياء شيئاً، فدل على نبوته، ولهذا يحتج الله له في القرآن بذلك كما قد بسط في غير هذا الموضع.
وأخبار الكهان فيها كذب كثير، والكاهن قد عرف أنه يكذب كثيراً مع فجوره قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]. والكهانة جنس معروف، ومعروف أن الكاهن يتلقى عن الشيطان ولابد من كذبهم وفجورهم والنبي لا يكذب قط، ولا يكون إلا براً تقياً، فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما وأفعالهما وآياتهما، لا يقول عاقل إن مجرد ما يفعله الكاهن هو دليل إن اقترن بصادق، وليس بدليل إذا لم يقترن بصادق، وأنه متى ادعاه كاذب لم يظهر على يده، وهذا أيضاً باطل.
ويظهر بالوجه السادس وهو أنه قد ادعى جماعة من الكذابين النبوة وأتوا بخوارق من جنس خوارق الكهان والسحرة، ولم يعارضهم أحد في ذلك المكان والزمان وكانوا كذابين، فبطل قولهم أن الكذاب إذا أتى بمثل خوارق السحرة والكهان فلابد أن يمنعه الله ذلك الخارق، أو يقيض له من يعارضه، وهذا كالأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن في حياة النبي ﷺ واستولى على اليمن كان معه شيطان سحيق ومحيق، وكان يخبر بأشياء غائبة من جنس أخبار الكهان، وما عارضه أحد عرف كذبه بوجوه متعددة، وظهر من كذبه وفجوره ما ذكره الله بقوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ.
وكذلك مسيلمة الكذاب، وكذلك الحارث الدمشقي ومكحول الحلبي وبابا الرومي لعنة الله عليهم، وغير هؤلاء كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة والكهان.
السابع: أن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبي بها ولا تحديه بالإتيان بمثلها بل هي دليل على نبوته، وإن خلت عن هذين القيدين وهذا كأخبار من تقدم بنبوة محمد، فإنه دليل على صدقه، وإن كان هو لم يعلم بما أخبروا به، ولا يستدل به، وأيضاً فما كان يظهره الله على يديه من الآيات مثل تكثير الطعام والشراب مرات كنبع الماء من بين أصابعه غير مرة، وتكثير الطعام القليل حتى كفى أضعاف أضعاف من كان محتاجاً إليه، وغير ذلك كله من دلائل النبوة، ولم يكن يظهرها للاستدلال بها ولا يتحدى بمثلها بل لحاجة المسلمين إليها، وكذلك إلقاء الخليل في النار، إنما كان بعد نبوته ودعائه لهم إلى التوحيد.
стр. 1677
الثامن: إن الدليل الدال على المدلول عليه ليس من شرط دلالته استدلال أحد به، بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلاً إلى علم فهو دليل، وإن لم يستدل به أحد فالآيات أدلة وبراهين تدل سواء استدل به النبي أو لم يستدل وما لا يدل إذا لم يستدل به لا يدل إذا استدل به، ولا ينقلب ما ليس بدليل دليلاً إذا استدل به مدع لدلالته.
التاسع: أن يقال آيات الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة، ولا تكون مما يقدر أحد على معارضتها فاختصاصها بالنبي وسلامتها عن المعارضة شرط فيها بل وفي كل دليل فإنه لا يكون دليلاً حتى يكون مختصاً بالمدلول عليه ولا يكون مختصاً إلا إذا سلم عن المعارضة، فلم يوجد مع عدم المدلول عليه مثله، وغلا إذا وجد هو أو مثله بدون المدلول لم يكن مختصاً فلا يكون دليلاً، لكن كما أنه لا يكفي مجرد كونه خارقاً لعادة أولئك القوم دون غيرهم فلا يكفي أيضاً عدم معارضة أولئك القوم، بل لابد أن يكون مما لم يعتده غير الأنبياء فيكون خارقاً لعادة غير الأنبياء فمتى عرف أنه يوجد لغير الأنبياء بطلت دلالته، ومتى عارض غير النبي النبي بمثل ما أتى به بطل الاختصاص.
وما ذكره المعتزلة وغيرهم كابن حزم من أن آيات الأنبياء مختصة بهم كلام صحيح، لكن كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة، فإنها لا توجد إلا لمن اتبع النبي الصادق فصار وجودها كوجود ما أخبر به النبي من الغيب، وأما ما يأتي به السحرة والكهان من العجائب فتلك جنس معتاد لغير الأنبياء وأتباعهم بل الجنس معروف بالكذب والفجور فهو خارق بالنسبة إلى غير أهله، وكل صناعة فهي خارقة عند غير أهلها، ولا تكون آية وآيات الأنبياء هي خارقة لغير الأنبياء وإن كانت معتادة للأنبياء.
العاشر: إن آيات الأنبياء خارجة عن مقدور من أرسل الأنبياء إليه وهم الجن والإنس، فلا تقدر الإنس والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء، كما قال تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]. وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ذلك فإن الملائكة إنما تنزل على الأنبياء لا تنزل على السحرة، والكهان، كما أن الشياطين لا تنزل على الأنبياء والملائكة لا تكذب على الله، فإذا كانت الآيات من أفعال الملائكة مثل إخبارهم للنبي عن الله بالغيب، ومثل نصرهم له على عدوه وإهلاكهم له نصراً وهلاكاً خارجين عن العادة كما فعلته الملائكة يوم بدر وغيره، وكما فعلت بقوم لوط، وكما فعلت بمريم والمسيح ونحو ذلك وكإتيانهم سليمان بعرش بلقيس، فقد روي أن الملائكة جاءته به وهي أقدر من الجن لم يكن هذا خارجاً عما اعتاده الأنبياء، بل هذا ليس لغير الأنبياء فلا يقول أن غير الأنبياء اعتادوه فنقضت عادتهم، بل هذا لم يعتده إلا الأنبياء وهو مناقض لجنس عادات الآدميين بمعنى أنه لا يوجد فيما اعتاده بنو آدم في جميع الأصناف غير الأنبياء كما اعتادوا العجائب من السحر والكهانة والصناعات العجيبة، وما يستعينون عليه بالجن والإنس والقوى الطبيعية، مثل الطلاسم وغيرها، فكل هذا معتاد معروف لغير الأنبياء، وهؤلاء جعلوا الطلاسم من جنس المعجزات وقالوا: لو أتى بها نبي لكانت آية له، وإذا أتى بها من لا يدع النبوة جاز، وإن ادعاها كاذب سلبه الله علمها أو قيض له من يعارضه، وهذا قول قبيح، فإنه لو جعل شيء من معجزات الأنبياء وآياتهم من جنس ما يأتي به ساحر أو كاهن أو مطلسم أو مخدوم من الجن لاستوى الجنسان، ولم يكن فرق بين الأنبياء وبين هؤلاء، ولم يتميز بذلك النبي من غيره، وهذا مما عظم غلط هؤلاء فيه فلم يعرفوا خصائص النبي وخصائص آياته.
стр. 1678
كما أن المتفلسفة أبعد منهم عن الإيمان فجعلوا للنبوة ثلاث خصائص: حصول العلم بلا تعلم، وقوة نفسه المؤثرة في هيولي العالم، وتخيل السمع والبصر. وهذه الثلاثة توجد لكثير من عوام الناس، ولم يفرقوا بين النبي والساحر إلا بأن هذا بر، وهذا فاجر، والقاضي أبو بكر وأمثاله يجعلون هذا الفرق سمعياً، والفرق الذي لابد منه عندهم الاستدلال بها والتحدي بالمثل، وكل من هؤلاء وهؤلاء أدخلوا مع الأنبياء من ليس بنبي ولم يعرفوا خصائص الأنبياء، ولا خصائص آياتهم فلزمهم جعل من ليس بنبي نبياً أو جعل النبي ليس بنبي إذ كان ما ذكروه في النبوة مشتركاً بين الأنبياء وغيرهم، فمن ظن أنه يكون لغير الأنبياء قدح في الأنبياء أن يكون هذا هو دليلهم بوجود مثل ما جاءوا به لغير النبي، ومن ظن أنه لا يكون إلا لنبي إذا رأى من فعله من متنبي كاذب وساحر وكاهن ظن أنه نبي، والإيمان بالنبوة أصل النجاة والسعادة، فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال والإيمان والكفر، ولم يميز بين الخطأ والصواب.
ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء من المتأخرين مثل أبي حامد والرازي والآمدي وأمثالهم، هذا ونحوه مبلغ علمهم بالنبوة لم يكن لها في قلوبهم من العظمة ما يجب لها فلا يستدلون بها على الأمور العلمية الخبرية، وهي خاصة النبي وهو الإخبار عن الغيب والإنباء به، فلا يستدلون بكلام الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يقطع بها بل عمدتهم ما يدعونه من العقليات المتناقضة، ولهذا يقرون بالحيرة في آخر عمرهم كما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا | ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فيما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]. واقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
الوجه الحادي عشر: إن آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم ليست مما تكون لغيرهم فيعلمون أن الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء، وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم وآياتهم التي فرق الله بها بين أتباعهم وبين مكذبيهم بنجاة هؤلاء وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم، وذلك مثل تغريق الله لجميع أهل الأرض إلا لنوح، ومن ركب معه في السفينة، فهذا لم يكن قط في العالم نظيره، وكذلك إهلاك قوم عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد مع كثرتهم وقوتهم وعظم عمارتهم التي لم يخلق مثلها في البلاد، ثم أهلكوا بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، حتى صاروا كلهم كأنهم أعجاز نخل خاوية ونجا هود ومن اتبعه، وفهذا لم يوجد نظيره في العالم، وكذلك قوم صالح أصحاب مدائن ومساكن في السهل والجبل وبساتين أهلكوا كلهم بصيحة واحدة، وفهذا لم يوجد نظيره في العالم.
стр. 1679
وكذلك قوم لوط أصحاب مدائن متعددة رفعت إلى السماء، ثم قلبت بهم واتبعوا بحجارة من السماء تتبع شاذهم ونجا لوط وأهله، إلا امرأته أصابها ما أصابهم، فهذا لم يوجد نظيره في العالم، وكذلك قوم فرعون وموسى جمعان عظيمان ينفرق لهم البحر كل فرق كالطود العظيم، فيسلك هؤلاء ويخرجون سالمين فإذا سلك الآخرون انطبق عليهم الماء، فهذا لم يوجد نظيره في العالم، فهذه آيات تعرف العقلاء عموماً أنها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم، وقد يحصل لبعض الناس طاعون ولبعضهم جدب ونحو ذلك، وهذا مما اعتاده الناس وهو من آيات الله من وجه آخر بل كل حادث من آيات الله تعالى.
ولكن هذه الآيات ليست من جنس ما اعتيد، وكذلك الكعبة فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع، ليس عندهم أحد يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعاً ذليلاً. متواضعاً في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقاً من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف من السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.
وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى عليه بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم، فإنهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأن ما بني وبقي فقد بني بطالع سعيد فحاروا في طالع الكعبة إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر والغلبة، وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ١ - ٥].
قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل أي جماعات في تفرقة فوجاً بعد فوج رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم، فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم، والدليل يجب أن يكون مختصاً بالمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، لا يتحقق الدليل إلا مع تحقق المدلول، كما أن الحادث لابد له من حدث فيمتنع وجود حادث بلا محدث ولا يكون المحدث إلا قادراً فيمتنع وجود الأحداث من غير قادر، والفعل لا يكون إلا من عالم ونحو ذلك، فكذلك ما دل على صدق النبي يمتنع وجوده إلا مع كون النبي صادقاً، ولم يجعلوا آيات الأنبياء تدل دلالة عقلية مستلزمة للمدلول، ولا تدل بجنسها ونفسها بل قال بعضهم: قد تدل، وقد لا تدل وقال آخرون: تدل مع الدعوى ولا تدل مع عدم الدعوى، وهذا يبطل كونها دليلاً.
стр. 1680
وآخرون أرادوا تحقيق ذلك فقالوا: تدل دلالة وضعية من جنس دلالة اللفظ على مراد المتكلم، تدل أن قصد الدلالة، ولا تدل بدون ذلك، فهي تدل مع الوضع دون غيره، فيقال لهم وما يدل على قصد المتكلم هو أيضاً دليل مطرد يمتنع وجوده بدون المدلول، ودلالته تعلم بالعقل فجميع الأدلة تعلم بالعقل دلالتها على المدلول، فإن ذلك اللفظ إنما يدل إذا علم، أن المتكلم أراد به هذا المعنى، وهذا قد يعلم ضرورة، وقد يعلم نظراً فقد يعلم قصد المتكلم بالضرورة كما يعلم أحوال الإنسان بالضرورة، فيفرق بين حمرة الخجل، وصفرة الوجل وبين حمرة المحموم، وصفرة المريض بالضرورة، وقد يعلم نظراً واستدلالاً كما يعلم أن عادته إذا قال كذا أن يريد كذا، وإنه لا ينقض عادته إلا إذا بين ما يدل على انتقاضها، فيعلم هذا كما يعلم سائر العاديات مثل طلوع الشمس كل يوم، والهلال كل شهر، وارتفاع الشمس في الصيف وانخفاضها في الشتاء، ومن هذا سنة الله في الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين مكذبهم قال تعالى: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ [آل عمران: ١٣٧] وقال تعالى: فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣].
وقال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٦ - ٣٧].
فإن هذه العجائب والآيات التي للأنبياء تارة تعلم بمجرد الأخبار المتواترة، وإن لم نشاهد شيئاً من آثارها، وتارة نشاهد بالعيان آثارها الدالة على ما حدث كما قال تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨]. وقال تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل: ٥٢]. وقال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ [الحجر: ٧٥ - ٧٩]. أي لبطريق موضح متبين لمن مر به آثارهم، وهذه الأخبار كانت منتشرة متواترة في العالم، وقد علم الناس أنها آيات للأنبياء، وعقوبة لمكذبيهم، ولهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها للاعتبار، كما قال مؤمن آل فرعون: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر: ٣٠ - ٣١].
وقال شعيب: وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩]. والقرآن آيته باقية على طول الزمان من حين جاء به الرسول تتلى آيات التحدي به.
стр. 1681
ويتلى قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]. فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ [هود: ١٣]. بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ [يونس: ٣٨]. ويتلى قوله: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]. فنفس أخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك مع علمه بكثرة الخلق، دليل على أنه كان خارقاً يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء، ثم مع طول الزمان قد سمعه الموافق والمخالف والعرب والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتاباً يقرأه الناس وقال أنه مثله، وهذا يعرفه كل أحد وما من كلام تكلم به الناس، وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظاً ومعنى إلا وقد قال الناس نظيره، وما يشبهه ويقاربه سواء كان شعراً أو خطابة أو كلاماً في العلوم والحكمة والاستدلال والوعظ والرسائل وغير ذلك، وما وجد من ذلك شيء إلا ووجد ما يشبهه ويقاربه.
والقرآن مما يعلم الناس عربهم وعجمهم أنه لم يوجد له نظير مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية ونظمه آية، وأخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم بغير العربية كانت معانيه آية، كل ذلك لا يوجد له نظير في العالم.
وإذا قيل أن التوراة والإنجيل والزبور لم يوجد لها نظير أيضاً لم يضرنا ذلك، فإنا قلنا إن آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم وإن كانت لجنس الأنبياء كالأخبار بغيب الله فهذه آية يشتركون فيها، وكذلك إحياء الموتى قد كان آيه فغير واحد من الأنبياء غير المسيح كما كان ذلك لموسى وغيره.
وليس المقصود هنا ذكر تفضيل الأنبياء على بعض، الأنبياء على بعض، بل المقصود أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم التي يعلم العقلاء إنها لم توجد لغيرهم، فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادة ولا خرق عادة، بل إذا عبر عنها بأنها خرق عادة، وبأنها من العجائب فالأمر العجيب هو الخارج عن نظائره، وخارق العادة ما خرج عن الأمر المعتاد. فالمراد بذلك أنها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء، وأنها من العجائب الخارجة عن النظائر فلا يوجد نظيرها لغير الأنبياء، وإذا وجد نظيرها سواء كان أعظم منها أو دونها لنبي، فذلك توكيد لها أنها من خصائص الأنبياء، فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضاً، فآية كل نبي آية لجميع الأنبياء، كما أن آيات أتباعهم آيات لهم أيضا، وهذا أيضاً من آيات الأنبياء وهو تصديق بعضهم لبعض، فلا يوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي تكون لغير الأنبياء كالسحرة والكهنة وأهل الطبائع والصناعات إلا من يخالف بعضهم بعضاً فيما يدعو إليه ويأمر به، ويعادي بعضهم بعضاً، وكذلك أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة، فما أتى به الأول من الآيات فهو دليل على نبوته ونبوة من يبشر به، وما أتى به الثاني فهو دليل على نبوته ونبوة من يصدقه ممن تقدم، فما أتى به موسى والمسيح وغيرهما من الآيات فهي آيات لنبوة محمد لأخبارهم بنبوته، فكان هذا الخبر مما دلت آياتهم على صدقه.
стр. 1682
وما أتى به محمد من الآيات فهو دليل على إثبات جنس الأنبياء مطلقاً، وعلى نبوة كل من سمي في القرآن خصوصاً إذا كان هذا مما أخبر به محمد ﷺ عن الله، ودلت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله، وحينئذ فإذا قدر أن التوراة أو الإنجيل أو الزبور معجز لما فيه من العلوم والأخبار عن الغيوب، والأمر والنهي، ونحو ذلك لم ينازع في ذلك بل هذا دليل على نبوتهم صلوات الله عليهم، وعلى نبوة من أخبروا بنبوته، ومن قال إنها ليست بمعجزة، فإن أراد ليست معجزة من جهة اللفظ والنظم كالقرآن فهذا ممكن، وهذا يرجع إلى أهل اللغة العبرانية.
وأما كون التوراة معجزة من حيث المعان لما فيها من الأخبار عن الغيوب أو الأمر والنهي، فهذا لا ريب فيه، ومما يدل على أن كتب الأنبياء معجزة أن فيها الأخبار بنبوة محمد ﷺ قبل أن يبعث بمدة طويلة، وهذا لا يمكن عمله بدون إعلام الله لهم، وهذا بخلاف من أخبر بنبوته من الكهان والهواتف، فإن هذا إنما كان عند قرب مبعثه لما ظهرت دلائل ذلك واسترقته الجن من الملائكة فتحدثت به، وسمعته الجن من أتباع الأنبياء فالنبي الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبي الأول، وقد وصل إليه من جهته لم يكن آية له، فإن العلماء يشاركونه في هذا.
وأما إذا أخبر بقدر زائد لم يوجد في خبر الأول أو كان ممن لم يصل إليه خبر نبي غيره كان ذلك آية له كما يوجد في نبوة أشعيا وداود وغيرهما من صفات النبي ما لا يوجد مثله في توراة موسى، فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي، وكذلك فيها من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما لا يأتي به نبي، أو تابع نبي، وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعاً لهم مثل أمرهم بما أمروا به ونهيهم عما نهوا عنه، ووعدهم بما وعدوا به ووعيدهم بما يوعدون به، فإنه من خصائص الأنبياء والكذب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، ونهى عن كل ما نهوا عنه، فإن ذلك يفسد مقصوده وهو كاذب فاجر شيطان من أعظم شياطين الإنس، والذي يعينه على ذلك من أعظم شياطين الجن.
وهؤلاء لا يتصور أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عما نهوا عنه لأن ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر من يدعونه ويربطونه، فلابد أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الأنبياء. ولا يوجبوا ما أمرت به الأنبياء، كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوة من الكذابين ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من المنافقين كالملاحدة الباطنية الذين يظهرون الإسلام والتشيع ابتداء، ثم أنهم يستحلون الشرك والفواحش والظلم ويسقطون الصلاة والصيام وغير ذلك مما جاءت به الشريعة، فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعاً في الناس فلابد أن يظهر من باطنه ما يناقض ما أظهره. فكيف بمن ادعى النبوة وأظهر أنه صادق على الله وهو في الباطن كاذب على الله، بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس يظهر حاله لمن خبره في مدة، فإن الجسد مطيع للقلب، والقلب هو الملك المدبر له، كما قال ﷺ : ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)) (١).
فإذا كان القلب كاذباً على الله فاجراً كان ذلك أعظم الفساد فلابد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يناقض حال الصادق على الله، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
آيات الأنبياء الدالة على صدقهم:
стр. 1683
ذكر أن آيات الأنبياء الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، وأن النبي الصادق خير الناس، والكاذب على الله شر الناس، وبينهما من الفروق ما لا يحصيه إلا الله. فكيف يشتبه هذا بهذا، بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه، وكل من خص دليل الصدق بشيء معين فقط غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالة على أمره ونهيه ووعده ووعيده. وآيات الله كثيرة متنوعة كآيات وجوده ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته .
والقرآن مملوء من تفصيل آياته وتصريفها وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين. وقد ذكرنا الفرق بين الآيات والمقاييس الكلية التي لا تدل إلا على أمر كلي في غير هذا الموضع.
الوجه الثاني عشر: إن ما يأتي به الساحر والكاهن وأهل الطبائع والصناعات والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء لا يكون إلا من مقدور الإنس والجن، فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس من ذلك هو وأنواعه والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس وإنما يختلفون في الطريق، فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنساناً بالسحر أو يمرضه أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه بحيث لا يجامع أو لا يمشي أو لا يتكلم ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنس على مثله لكن بطرق أخرى، والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة كما قال العفريت لسليمان: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ [النمل: ٣٩] وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان كالطيور والحيتان والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي لوجوده لغير الأنبياء فكثير من الناس تحمله الجن بل شياطين الجن وتطير به في الهواء وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد.
стр. 1684
ونحن نعرف من هؤلاء عدداً كثيراً وليسوا صالحين بل فيهم كفار ومنافقون وفساق وجهال لا يعرفون الشريعة والشياطين تحملهم وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات فيشهدون عرفات من غير إحرام ولا تلبية ولا طواف بالبيت وهذا الفعل حرام. والجهال يحسبون أنه من كرامات الصالحين فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكراً به وخديعة أو خدمة لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهال بالشريعة وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجن كثيراً ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس من طعام وشراب ونفقة وماء وغير ذلك وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي لكن الجن تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم، ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبي وإنما كان النبي ﷺ يضع يده في الماء فينبع الماء من بين أصابعه وهذا لا يقدر عليه لا أنس ولا جن، وكذلك الطعام القليل يصير كثيراً، وهذا لا يقدر عليه لا الجن ولا الأنس ولم يأت النبي ﷺ قط بطعام من الغيب ولا شراب، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه كما أتى حبيب بن عدي وهو أسير بمكة بقطف من عنب، وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء ومريم ﵍ لم تكن نبية وكانت تؤتى بطعام، فإن هذا قد يكون من حلال فيكن كرامة يأتي به إما ملك، وإما جني مسلم وقد يكون حراماً، فليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين، وهؤلاء يسوون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط فإن آيات الأنبياء ﵈ التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم والأخبار بما يكون يوم القيامة، واشراط الساعة ومثل إخراج الناقة من الأرض ومثل قلب العصا حية وشق البحر، ومثل أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وتسخير الجن لسليمان لم يكن مثله لغيره.
لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق والكفار من يعاون الفساق كما يعاون الإنس بعضهم بعضاً فإما طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان ﵇ ومحمد ﷺ أعطي أفضل مما أعطي سليمان ﵇ فإنه أرسل إلى الجن وأمروا أن يؤمنوا به ويطيعوه فهو يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته لا يأمرهم بخدمته وقضاء حوائجه ما كان سليمان يأمرهم ولا يقهرهم بل يفعل فيهم كما يفعل في الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون ويقيمون الحدود على منافقيهم فيتصرف فيهم تصرف العبد الرسول لا تصرف النبي الملك.
كما كان سليمان يتصرف فيهم والصالحون من أمته المتبعون له يتبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجن وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجن في مباحات كما قد يستخدمون بعض الإنس وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم لا سيما إن كان بسبب غير مباح وآخرون شر من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة من الظلم والفواحش فيقتلون نفوساً بغير حق ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة كما يحضرون لهم امرأة أو صبياً، أو يجذبونه إليه وآخرون يستخدمونهم في الكفر، فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين، فإن كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان والتقوى لا ما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان، وأيضاً فالصالحون سابقوهم لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله، ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح وأما استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنما خدموه لطاعته لله كما لو خدم الإنس رجلاً صالحاً لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة فصرفها إلى معصية الله فهو آثم بذلك.
стр. 1685
وكثير من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة يصير فاسقاً، ومنهم من يرتد عن دين الإسلام، فطاعة الجن للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجل وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع، وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله فيكون محموداً مثاباً، وقد يطاع في معصية الله فيكون مذموماً آثماً.
فكذلك المطاع من الجن الذي يطيعه الناس، والمطاع من الإنس قد يكون مطاعاً لصلاحه ودينه. وقد يكون مطاعاً لملكه وقوته، وقد يكون مطاعاً لنفعه لمن يخدمه بالمعاوضة، فكذلك المطاع من الجن قد يطاع لصلاحه ودينه وقد يطاع لقوة وملك محمود أو مذموم، ثم الملك إذا سار بالعدل حمد، وإن سار بالظلم فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه فكذلك المطاع من الجن إذا ظلمهم أو ظلم الإنس بهم أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة وقد تقتله الجن أو تسلط عليه من الإنس من يقتله، وكل هذا واقع نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه كما نعرف من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه، وليس آيات الأنبياء في شيء من هذا الجنس.
ونبينا ﷺ لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إنما أسري به ليرى من آيات ربه الكبرى، وهذا هو الذي كان من خصائصه أن مسراه كان هذا كما قال تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٢ - ١٥].
وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]. قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام نبوته وأما مجرد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن تحمله الجن، وقد قال العفريت لسليمان: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ [النمل: ٣٩] وحمل العرش من القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك.
وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة ومحمد ﷺ أفضل من الذي عنده علم من الكتاب ومن سليمان، فكان الذي خصه الله به أفضل من ذلك، وهو أنه أسري به في ليلة ليريه من آياته، فالخاصة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى كما رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى.
فهذا ما حصل مثله لا لسليمان ولا لغيره، والجن وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء وإراءته آيات ربه الكبرى، فكان ما آتاه الله محمداً خارجاً عن قدرة الجن والإنس، وإنما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، والله يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس، وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به الناس.
فلما أخبر به كذب به من كذب من المشركين، وصدق به الصديق وأمثاله من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاء ومحنة للناس كما قال: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]. أي محنة وابتلاء للناس ليتميز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنه رأى الجنة والنار وهذا مما يخوفهم به قال تعالى: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء: ٦٠]. والرسول لما أخبرهم بما رآه كذبوه في نفس الإسراء وأنكروا أن يكون أسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته فوصفه لهم وقد علموا أنه لم يره قبل ذلك، وصدقه من رآه منهم كان ذلك دليلاً على صدقه في المسرى، فلم يمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالمسرى على المسجد الأقصى لأنهم قد علموا صدقه في ذلك بما أخبرهم به من علاماته فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك.
وذكر أنه رأى من آيات ربه الكبرى ولم يعين ما رآه وهو جبريل الذي رآه في صورته التي خلق عليها مرتين، لأن رؤية جبريل هي من تمام نبوته، ومما يبين أن الذي أتاه بالقرآن ملك لا شيطان كما قال في سورة إذا الشمس كورت: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٢ - ٢٧].
المصدر: النبوات لابن تيمية - ص١٧٥