← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ويتلى قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]. فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ [هود: ١٣]. بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ [يونس: ٣٨]. ويتلى قوله: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]. فنفس أخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك مع علمه بكثرة الخلق، دليل على أنه كان خارقاً يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء، ثم مع طول الزمان قد سمعه الموافق والمخالف والعرب والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتاباً يقرأه الناس وقال أنه مثله، وهذا يعرفه كل أحد وما من كلام تكلم به الناس، وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظاً ومعنى إلا وقد قال الناس نظيره، وما يشبهه ويقاربه سواء كان شعراً أو خطابة أو كلاماً في العلوم والحكمة والاستدلال والوعظ والرسائل وغير ذلك، وما وجد من ذلك شيء إلا ووجد ما يشبهه ويقاربه. والقرآن مما يعلم الناس عربهم وعجمهم أنه لم يوجد له نظير مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية ونظمه آية، وأخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم بغير العربية كانت معانيه آية، كل ذلك لا يوجد له نظير في العالم. وإذا قيل أن التوراة والإنجيل والزبور لم يوجد لها نظير أيضاً لم يضرنا ذلك، فإنا قلنا إن آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم وإن كانت لجنس الأنبياء كالأخبار بغيب الله فهذه آية يشتركون فيها، وكذلك إحياء الموتى قد كان آيه فغير واحد من الأنبياء غير المسيح كما كان ذلك لموسى وغيره. وليس المقصود هنا ذكر تفضيل الأنبياء على بعض، الأنبياء على بعض، بل المقصود أن جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم التي يعلم العقلاء إنها لم توجد لغيرهم، فيعلمون أنها ليست لغيرهم لا عادة ولا خرق عادة، بل إذا عبر عنها بأنها خرق عادة، وبأنها من العجائب فالأمر العجيب هو الخارج عن نظائره، وخارق العادة ما خرج عن الأمر المعتاد. فالمراد بذلك أنها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء، وأنها من العجائب الخارجة عن النظائر فلا يوجد نظيرها لغير الأنبياء، وإذا وجد نظيرها سواء كان أعظم منها أو دونها لنبي، فذلك توكيد لها أنها من خصائص الأنبياء، فإن الأنبياء يصدق بعضهم بعضاً، فآية كل نبي آية لجميع الأنبياء، كما أن آيات أتباعهم آيات لهم أيضا، وهذا أيضاً من آيات الأنبياء وهو تصديق بعضهم لبعض، فلا يوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي تكون لغير الأنبياء كالسحرة والكهنة وأهل الطبائع والصناعات إلا من يخالف بعضهم بعضاً فيما يدعو إليه ويأمر به، ويعادي بعضهم بعضاً، وكذلك أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة، فما أتى به الأول من الآيات فهو دليل على نبوته ونبوة من يبشر به، وما أتى به الثاني فهو دليل على نبوته ونبوة من يصدقه ممن تقدم، فما أتى به موسى والمسيح وغيرهما من الآيات فهي آيات لنبوة محمد لأخبارهم بنبوته، فكان هذا الخبر مما دلت آياتهم على صدقه.

стр. 1682

وما أتى به محمد من الآيات فهو دليل على إثبات جنس الأنبياء مطلقاً، وعلى نبوة كل من سمي في القرآن خصوصاً إذا كان هذا مما أخبر به محمد ﷺ عن الله، ودلت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله، وحينئذ فإذا قدر أن التوراة أو الإنجيل أو الزبور معجز لما فيه من العلوم والأخبار عن الغيوب، والأمر والنهي، ونحو ذلك لم ينازع في ذلك بل هذا دليل على نبوتهم صلوات الله عليهم، وعلى نبوة من أخبروا بنبوته، ومن قال إنها ليست بمعجزة، فإن أراد ليست معجزة من جهة اللفظ والنظم كالقرآن فهذا ممكن، وهذا يرجع إلى أهل اللغة العبرانية. وأما كون التوراة معجزة من حيث المعان لما فيها من الأخبار عن الغيوب أو الأمر والنهي، فهذا لا ريب فيه، ومما يدل على أن كتب الأنبياء معجزة أن فيها الأخبار بنبوة محمد ﷺ قبل أن يبعث بمدة طويلة، وهذا لا يمكن عمله بدون إعلام الله لهم، وهذا بخلاف من أخبر بنبوته من الكهان والهواتف، فإن هذا إنما كان عند قرب مبعثه لما ظهرت دلائل ذلك واسترقته الجن من الملائكة فتحدثت به، وسمعته الجن من أتباع الأنبياء فالنبي الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبي الأول، وقد وصل إليه من جهته لم يكن آية له، فإن العلماء يشاركونه في هذا. وأما إذا أخبر بقدر زائد لم يوجد في خبر الأول أو كان ممن لم يصل إليه خبر نبي غيره كان ذلك آية له كما يوجد في نبوة أشعيا وداود وغيرهما من صفات النبي ما لا يوجد مثله في توراة موسى، فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبي، وكذلك فيها من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما لا يأتي به نبي، أو تابع نبي، وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعاً لهم مثل أمرهم بما أمروا به ونهيهم عما نهوا عنه، ووعدهم بما وعدوا به ووعيدهم بما يوعدون به، فإنه من خصائص الأنبياء والكذب المدعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، ونهى عن كل ما نهوا عنه، فإن ذلك يفسد مقصوده وهو كاذب فاجر شيطان من أعظم شياطين الإنس، والذي يعينه على ذلك من أعظم شياطين الجن. وهؤلاء لا يتصور أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عما نهوا عنه لأن ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر من يدعونه ويربطونه، فلابد أن يناقضوا فيأمروا بما نهت عنه الأنبياء. ولا يوجبوا ما أمرت به الأنبياء، كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوة من الكذابين ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من المنافقين كالملاحدة الباطنية الذين يظهرون الإسلام والتشيع ابتداء، ثم أنهم يستحلون الشرك والفواحش والظلم ويسقطون الصلاة والصيام وغير ذلك مما جاءت به الشريعة، فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعاً في الناس فلابد أن يظهر من باطنه ما يناقض ما أظهره. فكيف بمن ادعى النبوة وأظهر أنه صادق على الله وهو في الباطن كاذب على الله، بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس يظهر حاله لمن خبره في مدة، فإن الجسد مطيع للقلب، والقلب هو الملك المدبر له، كما قال ﷺ : ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)) (١). فإذا كان القلب كاذباً على الله فاجراً كان ذلك أعظم الفساد فلابد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يناقض حال الصادق على الله، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. آيات الأنبياء الدالة على صدقهم:

стр. 1683

ذكر أن آيات الأنبياء الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، وأن النبي الصادق خير الناس، والكاذب على الله شر الناس، وبينهما من الفروق ما لا يحصيه إلا الله. فكيف يشتبه هذا بهذا، بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه، وكل من خص دليل الصدق بشيء معين فقط غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالة على أمره ونهيه ووعده ووعيده. وآيات الله كثيرة متنوعة كآيات وجوده ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته . والقرآن مملوء من تفصيل آياته وتصريفها وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين. وقد ذكرنا الفرق بين الآيات والمقاييس الكلية التي لا تدل إلا على أمر كلي في غير هذا الموضع. الوجه الثاني عشر: إن ما يأتي به الساحر والكاهن وأهل الطبائع والصناعات والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء لا يكون إلا من مقدور الإنس والجن، فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس من ذلك هو وأنواعه والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس وإنما يختلفون في الطريق، فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنساناً بالسحر أو يمرضه أو يفسد عقله أو حسه وحركته وكلامه بحيث لا يجامع أو لا يمشي أو لا يتكلم ونحو ذلك، وهذا كله مما يقدر الإنس على مثله لكن بطرق أخرى، والجن يطيرون في الهواء وعلى الماء، ويحملون الأجسام الثقيلة كما قال العفريت لسليمان: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ [النمل: ٣٩] وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجن من الحيوان كالطيور والحيتان والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبي لوجوده لغير الأنبياء فكثير من الناس تحمله الجن بل شياطين الجن وتطير به في الهواء وتذهب به إلى مكان بعيد، كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن إلى مكان بعيد.

стр. 1684

ونحن نعرف من هؤلاء عدداً كثيراً وليسوا صالحين بل فيهم كفار ومنافقون وفساق وجهال لا يعرفون الشريعة والشياطين تحملهم وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات فيشهدون عرفات من غير إحرام ولا تلبية ولا طواف بالبيت وهذا الفعل حرام. والجهال يحسبون أنه من كرامات الصالحين فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكراً به وخديعة أو خدمة لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهال بالشريعة وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجن كثيراً ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس من طعام وشراب ونفقة وماء وغير ذلك وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي لكن الجن تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم، ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبي وإنما كان النبي ﷺ يضع يده في الماء فينبع الماء من بين أصابعه وهذا لا يقدر عليه لا أنس ولا جن، وكذلك الطعام القليل يصير كثيراً، وهذا لا يقدر عليه لا الجن ولا الأنس ولم يأت النبي ﷺ قط بطعام من الغيب ولا شراب، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه كما أتى حبيب بن عدي وهو أسير بمكة بقطف من عنب، وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء ومريم ﵍ لم تكن نبية وكانت تؤتى بطعام، فإن هذا قد يكون من حلال فيكن كرامة يأتي به إما ملك، وإما جني مسلم وقد يكون حراماً، فليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين، وهؤلاء يسوون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل، وهذا غلط فإن آيات الأنبياء ﵈ التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم مثل الإتيان بالقرآن، ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين وأممهم والأخبار بما يكون يوم القيامة، واشراط الساعة ومثل إخراج الناقة من الأرض ومثل قلب العصا حية وشق البحر، ومثل أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وتسخير الجن لسليمان لم يكن مثله لغيره. لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق والكفار من يعاون الفساق كما يعاون الإنس بعضهم بعضاً فإما طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان ﵇ ومحمد ﷺ أعطي أفضل مما أعطي سليمان ﵇ فإنه أرسل إلى الجن وأمروا أن يؤمنوا به ويطيعوه فهو يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته لا يأمرهم بخدمته وقضاء حوائجه ما كان سليمان يأمرهم ولا يقهرهم بل يفعل فيهم كما يفعل في الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون ويقيمون الحدود على منافقيهم فيتصرف فيهم تصرف العبد الرسول لا تصرف النبي الملك. كما كان سليمان يتصرف فيهم والصالحون من أمته المتبعون له يتبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجن وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجن في مباحات كما قد يستخدمون بعض الإنس وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم لا سيما إن كان بسبب غير مباح وآخرون شر من هؤلاء يستخدمون الجن في أمور محرمة من الظلم والفواحش فيقتلون نفوساً بغير حق ويعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة كما يحضرون لهم امرأة أو صبياً، أو يجذبونه إليه وآخرون يستخدمونهم في الكفر، فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين، فإن كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان والتقوى لا ما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان، وأيضاً فالصالحون سابقوهم لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله، ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح وأما استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنما خدموه لطاعته لله كما لو خدم الإنس رجلاً صالحاً لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة فصرفها إلى معصية الله فهو آثم بذلك.

стр. 1685

وكثير من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة يصير فاسقاً، ومنهم من يرتد عن دين الإسلام، فطاعة الجن للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجل وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع، وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله فيكون محموداً مثاباً، وقد يطاع في معصية الله فيكون مذموماً آثماً. فكذلك المطاع من الجن الذي يطيعه الناس، والمطاع من الإنس قد يكون مطاعاً لصلاحه ودينه. وقد يكون مطاعاً لملكه وقوته، وقد يكون مطاعاً لنفعه لمن يخدمه بالمعاوضة، فكذلك المطاع من الجن قد يطاع لصلاحه ودينه وقد يطاع لقوة وملك محمود أو مذموم، ثم الملك إذا سار بالعدل حمد، وإن سار بالظلم فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه فكذلك المطاع من الجن إذا ظلمهم أو ظلم الإنس بهم أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة وقد تقتله الجن أو تسلط عليه من الإنس من يقتله، وكل هذا واقع نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه كما نعرف من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه، وليس آيات الأنبياء في شيء من هذا الجنس. ونبينا ﷺ لما أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إنما أسري به ليرى من آيات ربه الكبرى، وهذا هو الذي كان من خصائصه أن مسراه كان هذا كما قال تعالى: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٢ - ١٥]. وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]. قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام نبوته وأما مجرد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن تحمله الجن، وقد قال العفريت لسليمان: قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ [النمل: ٣٩] وحمل العرش من القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك. وقال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة ومحمد ﷺ أفضل من الذي عنده علم من الكتاب ومن سليمان، فكان الذي خصه الله به أفضل من ذلك، وهو أنه أسري به في ليلة ليريه من آياته، فالخاصة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى كما رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى. فهذا ما حصل مثله لا لسليمان ولا لغيره، والجن وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء وإراءته آيات ربه الكبرى، فكان ما آتاه الله محمداً خارجاً عن قدرة الجن والإنس، وإنما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، والله يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس، وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به الناس. فلما أخبر به كذب به من كذب من المشركين، وصدق به الصديق وأمثاله من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاء ومحنة للناس كما قال: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]. أي محنة وابتلاء للناس ليتميز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنه رأى الجنة والنار وهذا مما يخوفهم به قال تعالى: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء: ٦٠]. والرسول لما أخبرهم بما رآه كذبوه في نفس الإسراء وأنكروا أن يكون أسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته فوصفه لهم وقد علموا أنه لم يره قبل ذلك، وصدقه من رآه منهم كان ذلك دليلاً على صدقه في المسرى، فلم يمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالمسرى على المسجد الأقصى لأنهم قد علموا صدقه في ذلك بما أخبرهم به من علاماته فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك. وذكر أنه رأى من آيات ربه الكبرى ولم يعين ما رآه وهو جبريل الذي رآه في صورته التي خلق عليها مرتين، لأن رؤية جبريل هي من تمام نبوته، ومما يبين أن الذي أتاه بالقرآن ملك لا شيطان كما قال في سورة إذا الشمس كورت: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١] ثم قال: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٢ - ٢٧]. المصدر: النبوات لابن تيمية - ص١٧٥

стр. 1686

المبحث الرابع: موقف المعتزلة من الحكمة والتعليل يرى المعتزلة أنه لا يجوز أن يخلو فعل من أفعاله تعالى من حكمة وغرض، وقالوا: "قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، ولا يصح أن يفعل فعلا جزافاً لا لفائدة وغاية، بل لابد أن يريد غرضا ويقصد صلاحا" (١). كما قالوا: أن من يفعل لا لغرض يعد عابثاً، والله تعالى منزه عن العبث. وإليك ما قاله القاضي عبدالجبار المعتزلي:"إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلة، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حسن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول من قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلة، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثا، لا لوجه تقتضيه الحكمة. وذلك – أي نقص من يفعل لا لغرض – ظاهر في الشاهد لأن الواحد إذا أراد النيل من غيره قال عنه: إنه يفعل الأفعال لا لعلة ولا لمعنى. فيقوم هذا القول مقام أن يقال: إنه يعبث في أفعاله، وإذا به في المدح يقول: إن فلانا يفعل أفعاله لعلة صحيحة ولمعنى حسن" (٢). الفرق بين موقف المعتزلة والسلف: هناك فرق بين موقف السلف والمعتزلة فيما يتعلق بالحكمة والتعليل – رغم أن الجميع يثبتون تعليل أفعال الله تعالى – ومن ذلك: ١ - أن الحكمة بينما هي عند السلف صفة لله غير مخلوقة، فإنها عند المعتزلة مخلوقة منفصلة، وهي تعود على العباد ولا يعود إليه منها حكم."فالمقصود بالحكمة عندهم: إحسانه إلى الخلق ومراعاة مصالحهم، كما أن الحكمة في الأمر تعويض المكلفين بالثواب" (٣).وقالوا: الحكيم لا يفعل إلا لينتفع أو ينفع غيره، ولما تقدس تعالى عن الانتفاع تعين أنه إنما يفعل لينفع العباد، فلا يخلو فعل من أفعاله من صلاح (٤). وقد رد عليهم السلف في هذا القول، وقالوا: إن الله حكيم، والحكيم من له الحكمة فهي صفة له، لأن إثبات المشتق يؤذن بثبوت المشتق منه، إذا فالحكمة صفه له، وصفاته تعالى غير مخلوقة.

стр. 1687

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المعتزلة في قولهم بأن الحكمة لا يعود إليه تعالى منها حكم، ولا قام به فعل ولا نعت: "أنتم – أيها المعتزلة – متناقضون في هذا القول لأن الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يحمد لأجله، إما لتكميل نفسه بذلك، وإما لقصده الحمد والثواب بذلك، وإما لرقة وألم يجده في نفسه يدفع بالإحسان ذلك الألم. وإما لالتذاذه وسروره وفرحه بالإحسان، فإن النفس الكريمة تفرح وتسر وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها، فالإحسان إلى الغير محمود؛ لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله. أما إذا قدر أن وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء لم يعلم أن مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يعد عبثا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلا ليس فيه لنفسه لذة ولا مصلحة ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة ولا آجلة كان عبثا، ولم يكن محمودا على هذا. وأنتم عللتم أفعاله فرارا من العبث فوقعتم في العبث، فإن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا فائدة تعود على الفاعل" (١).فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية تناقض المعتزلة، لأنهم يوجبون أن تكون أفعال الله تعالى لحكمة هي الإحسان إلى الغير دون أن يعود إلى الله من ذلك حكم ويقرر أن الفاعل ما لم يعد عليه من فعله فائدة ولا منفعة ولا مصلحة، فإنه يعد عبثا، ومقصوده بما يعود إلى الله هو حبه ورضاه لتلك الحكم والمصالح، ولا يصح أن يقال: إنه يعود إليه نفع من تلك الحكم لأنه تعالى منزه عن الاحتياج والانتفاع بالغير" (٢). ٢ - ثم إن المعتزلة أوجبوا على الله تعالى بمقتضى الحكمة أمورا ومنعوا عليه أمورا لمخالفتها لمقتضى الحكمة، فمما أوجبوا عليه فعل الصلاح وأوجب بعضهم الأصلح للعباد. كما أوجبوا اللطف وإثابة المطيع ومعاقبة العاصي والعوض عن الآلام. وقد نازعهم في ذلك الماتريدية بناءً على منع كون مقابلاتها خلافاً للحكمة (٣). كما لم يوافقهم السلف على إيجاد هذه المذكورات لأنه لا يجب عليه تعالى إلا ما أوجبه على نفسه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المقام:"وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية. وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول (٤). ٢ - كما أن إطلاق المعتزلة لفظ "الغرض" بمعنى الحكمة في حق الله تعالى، وتسمية الحكمة غرضاً لا يوافق عليه السلف. المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد المدخلي - ص ٥٠

стр. 1688

المبحث الخامس: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لإبطال صفة الكلام أولاً: تكليم الله تعالى لموسى ﵇: قالوا: إن الله خلق كلاماً في الشجرة التي أتاها موسى فسمعه موسى. واستدلوا بقوله تعالى: نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص: ٣٠] على أن ابتداء الكلام كان من الشجرة. فحرفوا التنزيل، ليثبتوا التعطيل، بتقرير أصلهم الفاسد، ونفي صفة الله تعالى. والرد عليهم من وجوه: الأول: أن الكلام هو ما قام بالمتكلم لا ما قام بغيره، وقيام الصفة إنما يكون بالموصوف بها لا بغيره، والصفة إذا قامت بمحل كانت صفة له لا صفة لغيره – كما فصلت القول فيه في الباب الأول – فما خلقه الله تعالى من الصفات في الأشياء ليس من ذلك شيء صفة له، إنما هي صفات لمخلوقاته، فهو تعالى قد أنطق سائر الأشياء نطقاً معتاداً أو غير معتاد، فأنطق الإنسان والجان وغير ذلك من خلقه نطقاً معتاداً، وأنطق السماوات والأرض وما بينهما نطقاً غير معتاد، كما قال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] وقال في غير موضع يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [التغابن: ١] وانطق الطير لسليمان، وأنطق النملة، وأسمع نبيه ﷺ تسبيح الحصى، وفي الآخرة تنطق الجنة والنار، وتحدث الأرض بأخبارها، وتشهد الجلود على أهلها حين تبلى السرائر: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١] فكل هذا الإنطاق من خلق الله في الأشياء، فنطقها صفات لها، ولا يقول أحد: عن نطق الأشياء صفة لله، إلا حلولي مارق يعتقد أن صفة الله تحل في المخلوق، أو اتحادي يرى اتحاد المخلوق في الخالق، فنطق المخلوق وصوته وكلامه هو بعينه صفة الرب تعالى، كما قال قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه وهذا غاية الكفر والإلحاد، إذ مقتضاه أن ما ينطق به المخلوق من الخير والشر وفحش القول، بل وحتى أصوات البهائم وسائر الحيوانات، كل ذلك صفة للرب تعالى وتقدس وتنزه عن صفات خلقه. فلو أخلصت المعتزلة النية لله وسألوه التوفيق لاهتدوا إلى فحش ما أقدموا عليه، ولكنهم حرموا ذلك فهم عن الصراط لناكبون، فحسبوا أن الصوت الذي سمعه موسى صوت مخلوق في الشجرة، كنحو صفير ورقها إذا عصفت الريح، وما عقلوا أن معنى هذا أن الشجرة هي القائلة لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤] وهي القائلة: يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] ولا فرق حينئذ بين دعوى الشجرة ودعوى فرعون، فكل ادعى الربوبية، فصدق موسى الشجرة وكذب فرعون.

стр. 1689

والثاني: أن الله تعالى حين أخبر عن تكليمه لموسى قال: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٩٤] فأكده بالمصدر تَكْلِيمًا وقد قال جماعة من أهل التحقيق في العربية: "إن التوكيد بالمصدر ينفي المجاز".والثالث: قال ابن قتيبة ﵀: "خرجوا بهذا التأويل من اللغة ومن المعقول، لأن معنى "تكلم الله" أتى بالكلام من عنده، و "ترحم الله" أتى بالرحمة من عنده، كما يقال: "تخشع فلان" أتى بالخشوع من نفسه، و "تشجع" أتى بالشجاعة من نفسه، و "تبتل" أتى بالتبتل من نفسه، و "تحلم" أتى بالحلم من نفسه، ولو كان المراد: أوجد كلاماً، لم يجز أن يقال: "تكلم" وكان الواجب أن يقال: "أكلم" كما يقال: "أقبح الرجل" أتى بالقباحة، و "أطاب" أتى بالطيب، و "أخس" أتى بالخساسة، وأن يقال: "أكلم الله موسى إكلاماً" كما يقال: "أقبر الله الرجل" أي جعل له قبراً، أو "أرعى الله الماشية" جعلها ترعى، في أشباه لهذا كثيرة لا تخفى على أهل اللغة" (١). والرابع: أن تكليم الله تعالى لموسى كان خصيصة فضل بها على غيره ممن لم يؤت مثل ما أوتي من الرسل، وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء [الشورى: ٥١] فإن كان التكليم لموسى حصل بواسطة الشجرة لم يكن له على من سواه ممن يوحى إليه بواسطة الرسول فضل، ولم تكن منزلة التكليم من وراء حجاب حاصلة لأحد من رسل الله، وهذا تكذيب للقرآن، وإبطال لواضح البرهان، فجازى الله تعالى الجهمية المعتزلة على ما أرادوا به إفساد دين المسلمين بما هم أهله. والخامس: أن قوله مِنَ الشَّجَرَةِ لابتداء الغاية نحو ذلك: "رأيت الهلال من داري" و "سمعت كلام زيد من البيت" فليس الهلال في الدار، ولا البيت هو المتكلم. ثانياً: إضافة الكلام إلى الله في مثل قوله: "حتى يسمع كلام الله": قالوا: هي إضافة خلق وتشريف لا إضافة صفة، كـ "بيت الله" و "ناقة الله" و "رسول الله". وهذا نوع آخر من تمويههم وتلبيسهم ليفروا من الحق وينفروا الخلق. والرد عليهم في هذا التشويش يطول شرحه، ولكن أذكر ها هنا قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة تغني اللبيب عن التفصيل. قال ﵀: "كل ما يضاف إلى الله إن كان عيناً قائمةً بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله" (٢). ومثل لما كان عيناً قائمةً بنفسها بقوله تعالى: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣] وقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم: ١٧] قال: "وهو جبريل". فهذا خلق له وملك له، ومثله: "رسول الله" و"عباد الله" و "قبلة الله" ونحو ذلك. ومثل لما كان صفة قائمة بغيرها بـ "علم الله، كلام الله، قدرة الله، حياة الله، أمر الله". فهذه إذا أضيفت إلى الله تعالى كانت صفات له. قال: "لكن قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به، فيسمى المعلوم علماً، والمقدور قدرة، والمأمور به أمراً، والمخلوق بالكلمة كلمة، فيكون ذلك مخلوقاً، كقوله: أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] وقوله: إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [آل عمران: ٤٥] وقوله: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ [النساء: ١٧١] " (٣). قلت: وإنما يصار إلى هذا المعنى بالقرائن، أما بمجرد إضافة الصفة إلى الله فإنها حينئذ صفة له. المصدر: العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع – ص ٣١٧

стр. 1690

المبحث السادس: بين المعتزلة والقدرية والجهمية لقد عرف العالم الإسلامي حركات فلسفية متطرفة إثر دخول أفواج من الأمم ذات الديانات والفلسفات الوثنية إلى الإسلام، ولعل من أولى تلك الحركات الهدمية القدرية ثم الجهمية وهي تسمى أيضاً الجبرية التي قامت كرد فعل على القدرية. القدرية: والقدرية هم أولئك الذين يعتقدون أن الإنسان صانع أفعاله وخالقها خيرها وشرها (١) ولا دخل لقدرة الله فيها. وأول من تكلم في القدر في العالم الإسلامي نصراني من أهل العراق أسلم ثم تنصر، وقد استطاع أن ينفذ إلى قلب معبد الجهني الذي أخذ عنه مقالته، وعن معبد تلقاها غيلان الدمشقي، فكان هذا الثالوث المستراب أول من أحدث هذه البدعة التي نهى الرسول ﷺ عن الجدل فيها (٢). الجبرية: وكرد فعل للقدرية برزت عقيدة تقول: إن أفعال الإنسان خيرها وشرها من الله وأن نسبتها إلى العبد إنما هي على سبيل المجاز كقولنا جرى النهر وإنما الذي أجراه حقيقة هو الله، فالإنسان في زعمهم كالريشة في مهب الريح (ولهذا قيل إن الجبرية والقدرية متقابلتان تقابل التضاد) (٣). وبالإضافة إلى هذه العقيدة فإن الجبرية تدين: بنفي صفات الله تعالى وأسمائه (٤). وبما أن الكلام صفة من صفاته تعالى فهو في زعمهم حادث. ولئن نسبت هذه الفرقة إلى جهم بن صفوان (٥) فقيل عنها جهمية، فإن الجعد بن درهم يعد هو المؤسس الأول لها، فهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن وتعطيل الله عن صفاته (٦).وإلى جانب هذا فإن الجهمية تقول بإنكار الرؤية (٧).وتلاشت كل من القدرية والجهمية إلا أن المعتزلة ورثتهما وامتصت مبادئهما لتظهر من جديد قوية على يدهم، حتى أن الإمام الشافعي يجعل واصلا وعمرا وغيلان الدمشقي في صف واحد (٨) ولعل هذا هو السبب في تسميتهم بالقدرية والجهمية: فهم قدرية: لأنهم ورثوا عن القدرية القول بنفي القدر، ونسبة الأفعال كلها إلى العبد بلا تأثير من الله (٩). وهم جهمية: لأنهم ورثوا عنهم القول بنفي الصفات وخلق القرآن وإنكار رؤية الله تعالى يوم القيامة (١٠).ولهذا قال ابن تيمية (فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا) (١١). ذلك أن المعتزلة يختلفون مع الجهمية في الجبر إذ ينفون القدر في حين يثبت الجهمية الجبر (١٢).والمعتزلة لا يرتضون هذه التسمية إذ يرون أن مثبتي القدر أولى بأن يسموا قدرية وينفرون كذلك من الانتساب إلى الجهمية لأن جهما يقول بالجبر فضلاً عن كونه غير تقي (١٣) يقول بشر بن المعتمر: ننفيهم عنا ولسنا منهم ولا هم منا ولا نرضاهم (١٤). وإنما يؤثرون أن يتسموا بأهل العدل والتوحيد، كما يطلقون على أنفسهم الفرقة الناجية، وقد سأل المنصور عمرو بن عبيد أن يعينه بأصحابه فأجابه: (ارفع علم الحق يتبعك أهله) (١٥) إشارة إلى أنهم هم أهل الحق. المصدر: موقف المعتزلة من السنة النبوية لأبي لبابة حسين – ص ٣١

стр. 1691

تمهيد بعد أن قررت المعتزلة عقائدها عن طريق مناهجها العقلية، كان لابد لهم من استحداث طرق لرد تلك الآيات والأحاديث الصريحة الصحيحة التي تخالف ما وصلوا إليه ببدعهم حرصا على مقرراتهم العقلية. أما الأحاديث؛ فقد رأينا كيف تعاملوا معها - في الصفحات السابقة – وردوا صحيحها بدعاوى متهافتة فزاغوا في العقيدة والشريعة معا، وكان تمويههم بأنها أخبار آحاد طريقا سهلا للتخلص منها. وأما الآيات القرآنية فقد تعذرت تلك الدعوى عليهم بشأنها إذ هي قطعية الثبوت والمخالف لذلك كافر لا محالة، فلجؤوا إلى طرق أخبث، وهو التأويل الذي فتحوا بابه – واتبعهم فيه من بعد ذلك طوائف من المتكلمين – فحرفوا الكلم عن مواضعه بغيا وعدوانا. قالت المعتزلة: إن الله سبحانه لم يستو على عرشه كما أخبر، بل استولى عليه، فأولوا الاستواء بالاستيلاء، وأن معنى اليد المنسوبة لله سبحانه هي النعمة، والعين تأولوها بمعنى العلم (١)، وفي قوله تعالى: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] فأولوا الجنب بمعنى الأمر؛ فقالوا: أمر الله. كذلك فعلوا في صفات المحبة والرضى والغضب والسخط فأولوها جميعا، قالوا: محبة الله ورضاه هي إرادته للثواب، وسخطه وغضبه هو إرادته للعقاب. وسنحاول بيان منهج أهل السنة في هذا الأمر في السطور التالية. أولا: معنى التأويل: أوضح الإمام ابن تيمية معاني كلمة التأويل، وأنها تستعمل في ثلاث معاني: الأول: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كالطبري حيث يقول: تأويل آية كذا، بمعنى تفسيرها (٢). الثاني: التأويل يأتي بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك كما في قوله تعالى في سورة يوسف: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]. فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا. ومن ذلك قول عائشة: ((كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. يتأول القرآن)) (٣). يعني قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا " [النصر: ٣].وكقول سفيان بن عيينة: السنة هي تأويل الأمر والنهي أي عمله والقيام به في الحقيقة (٤). وقال ابن فارس في (فقه اللغة العربية): التأويل آخر الأمر وعاقبته يقال مآل هذا الأمر: مصيره (٥). والثالث: وهو قد ورد عند المتأخرين من المتكلمين والأصوليين وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله لوجود دليل يقترن به يمنع من إجراء ظاهر اللفظ. وهذا النوع هو الذي استخدمته المعتزلة – بمعناه - في صرف آيات الصفات واستعمله أكثر المتأخرين في تأويل نفس الآيات (٦). وهذا المعنى للتأويل – وإن لم يرد اصطلاحا في كتابات المعتزلة – إلا أنهم قد جروا عليه في تأويل آيات الصفات وصرفها عن ظاهرها زاعمين أن قرينة التنزيه هي التي توجب عدم أخذ تلك الآيات على ظاهرها وإلا وقعنا في التشبيه!.

стр. 1692

وقد رأينا أن هذا المعنى للتأويل لم يستخدمه السلف بل قد استعملت كلمة التأويل في المعنيين الأولين فقط – أي التفسير والمآل أو المصير – فتطبيق هذا المصطلح بهذا المعنى على آيات الصفات بدعة ليس لها أصل في أقوال السلف. والتأويل – بالمصطلح الأخير – قد يستعمل في آيات الأحكام الشرعية ويكون بمعنى تخصيص العام في مثل قوله تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤]. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤] فظاهر كل آية يتعارض مع ظاهر الأخرى، إذ الأولى تجعل عدة الحامل وضع المولود، والثانية ظاهرها أن العدة للمرأة عامة أربعة أشهر وعشر. فيتصرف ظاهرها إلى المرأة غير الحامل حسب الآية الأولى ويسمى تخصيصا. وهو من أبواب التأويل الظاهرة في الفقه. وكذلك تقييد المطلق كما في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام: ١٤٥] فالدم الذي أطلق في الآية الأولى قد قيد في الثانية بأن يكون مسفوحا وهو صرف لظاهر اللفظ المطلق إلى المقيد. (١). وهذا التأويل – الذي هو صرف الظاهر - في الأحكام الفقهية هو من التأويل الصحيح المطلوب لكي نتوصل إلى الحكم الشرعي السليم، وإنما يجب أن تكون شروطه مستوفاة حتى لا يكون تأويلا فاسدا وينتج عنه حكم خاطئ ومثال ذلك ما في قوله ﷺ : ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) (رواه الخمسة إلا النسائي) (٢) فقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى أن المقصود هو المرأة الصغيرة أو المرأة المكاتبة، وهذا تأويل لا يمكن القول به لصرف هذا العموم القوي المقارب للقطع عن ظاهره (٣). ونرى مما سبق أن التأويل – بهذا المعنى الأخير – هو قسيم للظاهر، والقاعدة العامة في الشريعة هي العمل بالظاهر وتقديمه، بل إنها كلية الشريعة وعمدة التكليف - على حسب تعبير الشاطبي – ولا يصح صرف الظاهر إلا بقرينة قاطعة مع عدم أي إمكانية لفهم الدليل حسب ظاهره بأي وجه من الأوجه. ويشترط لذلك أن يكون المعنى الجديد محتملا، وأن يكون اللفظ المؤول قابلا لاحتمال هذا المعنى فمثلا من التأويلات الفاسدة قول بيان بن سمعان (٤) أنه هو المقصود في قوله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨] وكذلك من قال في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً [النساء: ١٢٥] أي فقيرا لعدم صحة المعنى بهذا الشكل.

стр. 1693

وبناء على ما ذكرناه فقد بنى أهل السنة وسلف الأمة قولهم في الصفات: فأثبتوا الصفات بلا تمثيل، ونزهوا الله سبحانه بلا تعطيل لصفاته، وحملوا الآيات والأحاديث على ظاهرها ولكن بلا كيف ولا مشابهة بينها وبين صفات المخلوقات، وهو المذهب الحق الذي عليه إجماع التابعين والأئمة في أسمائه وصفاته سبحانه، نثبت ظاهرها بلا كيف ولا مشابهة إذ أن الخالق سبحانه ليس كمثله شيء، وليس فيه شيء يشتبه بما في المخلوق لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] وإنما قد خالطت أذهان هؤلاء المعطلة المؤولة أنجاس التشبيه، فحاولوا صرفها بكل وسيلة فلجئوا إلى التأويل هروبا مما اعتقدوه تشبيها فوقعوا في ما هو أشد منه وأنكى! وعلى ذلك كان اعتقاد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والأوزاعي والثوري والحسن وجماهير العلماء، كما سبق أن أشرنا. قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] وقال تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] وقال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ [هود: ٣٧]. وأخرج مسلم أن النبي ﷺ قال: ((إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها)) (١).وروى مسلم عن أبي موسى قال: ((قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه – زاد عبد الله – كل شيء أدركه بصره)) (٢).وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار)) (٣).وروى البخاري: عن أنس عن النبي ﷺ قال: ((يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع رجله – أو قدمه – فيها فتقول قط قط)) (٤).قال الأشعري:: قال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف" (٥).ونقل الحافظ اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه" (٦). المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ٩١

стр. 1694

المطلب الأول: نماذج من تأويلات المعتزلة لنصوص الصفات والقدر على ركائز الأصول الخمسة وضع المعتزلة منهجهم في التأويل، والذي تقدم بيانه، وترتب على ذلك أن أولوا من نصوص القرآن والسنة الشيء الكثير، وفيما يلي نضرب أمثلة على ذلك، ونعقب على كل مثال ببيان تهافت تأويلهم له والله المستعان:- قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] زعموا أن المتكلم هو فاعل الكلام، (١) ومرة قالوا: معناه من الكلم، أي: "وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن" (٢). وهذا التأويل البارد من أفسد ما يكون لما يأتي:١ - أن هذا الفعل المؤكد بالمصدر غير قابل للتأويل كما تقدم، ولا محتمل للمجاز عند القائلين به (٣). ٢ - أن الله تعالى خص موسى ﵇ بالكلام، كما خص إبراهيم بالخلة، فلو كان كلامه مجرد أصوات وحروف أوجدها وخلقها في الشجرة فلا يكون هناك خصوصية لموسى؛ لأن هذه الأصوات والحروف يسمعها الجميع حتى المشرك الذي قال الله فيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة: ٦] ولو كان المراد الابتلاء والامتحان لم تكن هناك خصوصية أيضاً كما لا يخفى، ثم لو أراد الله أن يخبرنا بأنه فتن موسى وابتلاه بالمحن هل يستقيم أن يعبر عن ذلك بقوله وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى؟ إنه لو فعل ذلك لم يكن في هذا الكلام بيان، ومعلوم أن القرآن ميسر لحفظ آياته، وفهم معانيه، وامتثال أوامره. قال ابن قتيبة عن هذا التأويل الفاسد: "فخرجوا بهذا التأويل من اللغة ومن المعقول؛ لأن معنى تكلم الله أتى بالكلام من عنده، وترحم الله أتى بالرحمة من عنده، كما يقال: تخشع فلان أتى بالخشوع من نفسه" (٤). هذا في مسألة الكلام، أما مسألة رؤية الباري على ما يليق بجلاله فقد أولوا جميع النصوص الدالة عليها.- من ذلك قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قالوا: المراد بـ نَاظِرَةٌ الانتظار، "ويراد به التفكر بالقلب طلباً للمعرفة" (٥). وهذا باطل؛ فإن "نظر" في لغة العرب إما أن يتعدى بنفسه، وإما يتعدى بحرف، فإن تعدى بنفسه كان بمعنى الانتظار، كقوله تعالى: انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ [الحديد: ١٣] أي انتظرونا، وقال حطيئة: وقد نظرتكم إيناء صادرة ... للخمس طال بها حوزي وتنساسي (٦) وإن تعدى بالحرف إما أن يكون الحرف هو اللام، وإما أن يكون هو إلى، فإذا تعدى باللام كان المعنى الانتظار أيضاً، فنقول: أنا لك ناظر، أي منتظر. وأما إذا تعدى بإلى – كما في هذه الآية – فيكون بمعنى نظر العين لا غير، فيقال: أنا إليك ناظر، أي بالعين الباصرة، ولا يقال ذلك ويراد منتظر، (٧) قال في (اللسان): "وإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين" (٨).

стр. 1695

ثم أي معرفة يطلبها أهل الجنة، حتى يقال: التفكر بالقلب طلباً للمعرفة؟ - ومن آيات الصفات التي أولوها أينما وردت آيات العلم، والقدرة، ونحوها حيث يرون أن الله عالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، وهكذا، فيقول القاضي عبدالجبار: " أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦] أي: وهو عالم به، فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] أي: ونحو عالمون به، وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] أي: معلوماته" (١). وهذا كسابقه تأويل فاسد؛ إذ لا يوجد دليل ملجئ يحتم المصير إلى هذا النحو من التأويل، ومن السخف ورقة الدين أن يستنكف المرء عن وصف ربه بالعلم؛ لأن انتفاءه صفة نقص لا يليق بالمولى . وأما نصوص القدر فنصيبها من التأويل في فكر المعتزلة أكثر من غيره نظراً لكثرتها. - ومن ذلك قولهم في قوله تعالى: فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء [إبراهيم: ٤] فقالوا: ينسبهم إلى الضلالة، والهداية، أو يقال:"يضل من يشاء بأن يعاقبه، ويهلكه جزاء له على كفره، ويهدي من يشاء إلى الثواب وطريق الجنة، جزاء له على إيمانه" (٢).وهذا باطل، قال ابن قتيبة: "لو أراد النسبة لقال: يظللهم كما يقال: يخوفهم، ويفسقهم، أي: ينسبهم إلى ذلك" (٣).

стр. 1696

ثم إن المثير في هذه القضية أن المعتزلة جعلوا جميع النصوص التي تصادم مقرراتهم من المتشابه، ولا حجة لهم في ذلك سوى ركوب صهوة عقل الاعتزال. قال ابن القيم – بعد أن ذكر جملة من الآيات الدالة على خلق الله لأفعال العباد -: "والقدرية ترد هذا كله إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن وتتأوله على غير تأويله، بل تتأوله بما يقطع ببطلانه، وعدم إرادة المتكلم له" (١).وفي ذلك يقول القاضي عبدالجبار: "فأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول (٢) " ويقول: "ونحن نبين الآن في جمل المتشابه أن ظاهره لا يدل على ما يقوله المخالف ألبتة" (٣) هكذا حكم هؤلاء عقولهم وقرروا مذهبهم ثم هجموا على النصوص الشرعية بلا هوادة، فما وجدوه يدل على ما يحتمل وجهاً – ولو بعيداً – فيه إقرار بما قرروا جعلوه محكماً،، ونصاً فيما اعتقدوه، وما ألفوه يخالف مقرراتهم السابقة جعلوه متشابهاً وأولوه حتى لا يتفق مع ما يذهب إليه "المخالف"، وكان عبدالجبار هذا من أبرزهم في هذا المجال، يقول د. فاروق الدسوقي: "والملاحظ أن القاضي يقتطع الآية من سياقها، بل يقتطع جزءً من الآية ليستدل به على مذهبه، ويغفل ذكر السياق، أو بقية الآية، كما أنه يترك الكثير من الآيات الصريحة المحكمة التي تدل على خلاف مذهبه، أو تثبت مذهب الخصوم في هذه القضية" (٤).قلت: لو كان يترك مثل هذه الآيات لكان الخطب أهون، لكنه يجعلها من المتشابه، ويشتغل بتأويلها ما وجد إلى ذلك سبيلاً، فنجده يقول – مؤولاً قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [البقرة: ٢٧٢]-: "ويريد بذلك أنه ليس عليه إثابتهم، والأخذ بأيديهم في طرق الجنة، وأنه تعالى هو المختص بذلك" (٥).وهذا تأويل ساقط؛ فإن هذه الآية واضحة الدلالة في أن الله تعالى هو الموفق من يشاء إلى الإيمان، حيث نفى الهداية عن النبي ﷺ فتبين أنه لا يقصد هداية الإرشاد الثابتة له، في قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] بل أراد هداية أقصى من هذه، وهي خلق المشيئة والإرادة المستلزمة لفعل ما يحبه الله تعالى، قال ابن القيم – ﵀: "وهذه المرتبة تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الرب تعالى، وهو الهدي، والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء وهو أثر فعله تعالى فهو الهادي، والعبد المهتدي قال تعالى: وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: ٩٧] ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ [النحل: ٣٧] وهذا صريح في أن هذا الهدي ليس له ﷺ ولو حرص عليه، ولا إلى أحد غير الله، وأن الله سبحانه إذا أصل عبداً لم يكن لأحد سبيل إلى هدايته، كما قال تعالى: مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ [الأعراف: ١٨٦] " (٦).ثم إن الله تعالى لو أراد ذلك لقال لنبيه: ليس عليك إثابتهم والأخذ بأيديهم يوم القيامة على الجنة، ويبدو أن الرجل أخذه إحساس بأن هذا التأويل لا يقنعه هو فضلاً عن غيره فراح يبحث عن تأويل آخر فتخبط وفضح نفسه بقوله: "أو يريد بذلك ليس عليك إلا الدعاء يعني الدعوة فأما القبول فإليهم." (٧)

стр. 1697

وهذا التأويل لا يتناسب إطلاقاً مع آخر الآية وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء [البقرة: ٢٧٢] بل كان المناسب أن يقول: ولكنهم يهدون أنفسهم.- قال تعالى: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: ٧] قال أهل اللغة والتفسير: "ختم على القلوب أقفالها، فلم تسع خيراً" (١).لقد "بين الله تعالى المانع لهم من الإيمان بقوله: خَتَمَ اللهُ والختم: مصدر ختمت ختماً، فهو مختوم، ومختم، شدد للمبالغة، ومعناه: التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه" (٢).ومما يؤكد معنى هذه الآية ودلالته أن الله ﵎ قرره بألفاظ كثيرة في آيات عديدة، فورد بلفظ "الطبع" كقوله تعالى: كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ [يونس: ٧٤] والطبع كالختم، قال ابن فارس: "الطاء، والباء، والعين، أصل صحيح، مثل على نهاية ينتهي إليها الشيء حتى يختم عندها، يقال: طبعت على الشيء طابعاً، ثم يقال: على هذا طبع الإنسان وسجيته، ومن ذلك طبع الله على قلب الكافر، كأنه ختم عليه حتى لا يصل إليه هدى ولا نور، ولا يوفق لخير" (٣) وورد بلفظ "أكنه" كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: ٥٧] "والأكنة: الأغطية، جمع كنان، مثل الأسنة والسنان، والأعنة والعنان، كننت الشيء في كنه إذا سننه فيه، وأكننت الشيء: أخفيته" (٤).هذا كله صريح في أن الله تعالى خالق لأفعال العباد، فهو خالق لهذا الضلال، والختم والوقر، فتحول بين العبد وبين الإيمان، إلا أنه لا يفعل ذلك بعبده ابتداء لأول وهلة، بل يفعله لحكمة ولسبب، حيث يأمره بالإيمان، ويبينه له، فإذا تكررت الدعوة وتأكد البيان، والإرشاد، وأقيمت الحجة، ثم تكرر الإعراض والمبالغة في العناد، والكفر، فحينئذ يطبع على القلب، ويختم عليه، فلا يقبل الهدى بعد ذلك؛ إذ من المعلوم أن الكفر الأول لم يكن بختم وطبع، بل كان باختيار منه، فلو كان كل كافر مختوم القلب لم يهتد كافر قط، ويدل على هذا قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦] وقوله: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: ٥٥] وقوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] وقوله: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ [الكهف: ٥٧] قال السعدي: "يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلماً، ولا أكثر جرماً، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب، ورعب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب ...

стр. 1698

ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه حالة الشر، مع علمه بها أن سد عليه أبواب الهداية، بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات، وإن يسمعها فليس في إمكانه الفقه الذي يصل إلى القلب ... إلى قوله: وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق فتركوه، وطريق الضلال فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب، والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق" (١) قلت: وهذا الختم هو الانتقام الذي ذكره تعالى في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢] والختم والطبع من الأمور الواضحة المحكمة، لكن المعتزلة لما وجدوه يقرر ما يخالف معتقدهم في القدر راحوا يؤولونه تأويلات بعيدة فاسدة، يقول القاضي عبدالجبار: "وقد يراد به الحكم عليه بأنه لا ينتفع بما سمعه، كما يقال فيمن نوظر وبين له طويلاً: ختمت عليك، أي: لا تفهم .. إلى أن قال: ويجب أن يحمل على أن المراد أنه علَّم على قلوبهم بعلامة تعرف بها الملائكة أنهم من أهل الذم، كما كتب في القلوب الإيمان لكي تعلم الملائكة أنهم من أهل المدح" (٢) وقال غيره: "لا ختم ولا تغشية ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز" (٣).أما هذا القول فقد تولى الإجابة عليه أهل العلم فقال القرطبي: "في هذه الآية أدل دليل، وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان، فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم، وهداهم؛ فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا، وقد طبع على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة فمتى يهتدون؟ ومن يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم، وأعمى أبصارهم وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر: ٣٣] وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ إذ لم يمنعه حقاً وجب له فنزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم، فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون لا الفعل. قلنا: هذا فاسد؛ لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعاً مختوماً، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم، ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقته أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعاً مختوماً، لا التسمية والحكم، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: ١٥٥] وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي ﵇ والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون؛ لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم مختوم عليها، وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ويحكمون عليهم بذلك، فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به" (٤).

стр. 1699

ثم ما فائدة أن يخبرنا الله بعلم الملائكة بأن هؤلاء من أهل الذم؟ ونحن نعلم من القرآن والسنة أن الكفار من أهل الذم، فعلم الملائكة بذلك من باب أولى؛ لأنهم هم الذين يكتبون أعمالهم، قال ابن القيم: "وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر عن غيره بأنه مطبوع على قلبه، وأن عليه ختماً أنه قد طبع على قلبه، وختم عليه، هذا كذب على اللغات وعلى القرآن" (١).هذه نماذج قليلة بالنسبة لما عند المعتزلة من تحريف وتأويل فاسد لنصوص الصفات والقدر، ونكتفي بها؛ لأن المقصود ذكر منهجهم وضرب الأمثلة على تطبيقاتهم، وقبل إقفال هذا المبحث لابد من التنبيه على أن هؤلاء المعتزلة لا يقولون بمجرد حرية الاختيار والفعل، بل يعترفون بأنهم خالقون لأفعالهم، وليس هذا تقولا من أهل السنة كما يزعم البعض، وقد يأخذك الفزع عندما تقف على قول القاضي عبدالجبار في قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] أنه "يدل على أن غير الله يصح منه الفعل والخلق." (٢) وهذا بطلانه واضح، قال الراغب: "وليس الخلق الذي هو الإبداع إلا الله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه وبينه غيره: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧] وأما الذي كون بالاستحالة فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال كعيسى حيث قال: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠] والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين: أحدهما: في معنى التقدير، كقول الشاعر: فلأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يفري والثاني: في الكذب، نحو قوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا [العنكبوت: ١٧] إن قيل: قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] يدل على أنه يصح أن يوصف غيره بالخلق، قيل: إن ذلك معناه: أحسن المقدرين، أو يكون على تقدير ما كانوا يعتقدون ويزعمون أن غير الله يبدع، فكأنه قيل: فاحسب أن ههنا مبدعين وموجدين فالله أحسنهم إيجاداً على ما يعتقدون" (٣).وقال الآلوسي: "ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير، والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم بأن العبد خالق لأفعاله وموجد لها استقلال، فالخالق الموجد متعدد عندهم" (٤). وبهذا تعلم أن الخلق في اللغة له ثلاثة معان: ١ - الإبداع والإيجاد الخاص بالله تعالى. ٢ - التقدير والصنع الذي يكون بتركيب المواد، ٣ - الخلق بمعنى الكذب، وأن المعنى يتحدد بحسب من يضاف إليه الخلق، وبحسب السياق والقرائن. المصدر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص ٢٢٢

стр. 1700

المطلب الثاني: مقارنة بين منهج المعتزلة ومنهج الجهمية في التأويل بادئ ذي بدء نرى أن ننبه هنا إلى أن لفظة "الجهمية" سمي بها كل من الجهمية المحضة، والمعتزلة، والأشاعرة؛ لأن التجهم درجات، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية فأفاد ما يأتي ملخصه: الدرجة الأولى: الجهمية الغلاة، وهم الذين ينفون الأسماء والصفات، ويجعلون الإطلاقات الواردة في ذلك من باب المجاز، وهؤلاء الجهمية المحضة. الدرجة الثانية: الجهمية الذين يثبتون أسماء الله الحسنى في الجملة، ويجعلون كثيراً منها على المجاز، وينفون الصفات وهذا النوع هو تجهم المعتزلة ومن قلدهم. الدرجة الثالثة: طائفة من الصفاتية المثبتين لبعض الصفات، وأطلق عليهم "الجهمية" لاشتراكهم في رد بعض الصفات وتأويلها (١).ولذا نجد أن كثيراً من السلف تناولوا المعتزلة وردوا على أقوالهم في كتب الرد على الجهمية، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن السلف يسمون كل من نفى الصفات، وقال: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة جهمياً؟ " (٢).ويقول: "لكن المعتزلة إن وافقوا جهماً في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك"؟ (٣). وفي هذا المبحث نحدد أوجه الاتفاق والاختلاف بين الجهمية والمعتزلة، فنقول: ١ - بعد اتفاق الطائفتين في الأصول المذكورة في الفصل الأول اتفقا أيضاً في موقفهما من ظاهر النص، فهم لا يعتقدون أن للنص ظاهراً وباطناً كما يقول الباطنية والصوفية، والفلاسفة، بل يقولون: إن له معنى ظاهراً غير مراد، ومعنى آخر مراد فيحمل عليه، وذلك لقرينة – عندهم – مانعة من إرادة المعنى الأول، دالة على المعنى الثاني. ٢ - اتفقوا في القول بأن القرآن مخلوق. ٣ - اتفقوا في نفي رؤية الله في الآخرة. ٤ - اختلفوا في باب الأسماء والصفات، فبينما تنفي الجهمية الأسماء والصفات ولم يقروا بشيء منها نرى المعتزلة يثبتون الأسماء شريطة ألا يترتب على هذا الإثبات إثبات صفة، فهو تعالى قادر، عالم، لكن بذاته لا يعلم، ولا بقدرة.٥ - اختلفوا في أفعال العباد، فالجهمية يقولون بالجبر، وحقيقته أنه لا اختيار للعبد في أفعاله ولا قدرة له في ذلك، بل هو – على حد قولهم – كالحجر الملقى في اليم تحركه الأمواج أينما اتجهت، وإنما تنسب إليه الأفعال على سبيل المجاز، بينما يمثل موقف المعتزلة الاتجاه المعاكس فيثبتون الحرية الإنسانية المطلقة تحقيقاً لمفهوم العدل الإلهي عندهم، ولكنهم في سبيل ذلك هدموا قاعدة من أهم قواعد الدين، فأنكروا القضاء الأزلي، وأنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعلى مذهبهم يلزم أن يقع في ملك الله ما لا يريد (٤).وقد أخطأ هنا الدكتور مصطفى علي الغرابي حيث قال عن المعتزلة: "أما خصومهم فإنهم يعبرون عنهم تارة بالقدرية لقولهم بقول جهم في إنكار القدر" (٥) نعم هم قدرية لأنهم ينكرون قدر الله وقضاءه، لكن قولهم في هذا الباب وقول جهم على طرفي نقيض، وقد يعترض على هذه التسمية بأن غير المعتزلة أولى بها؛ إذ كيف ينسب إليهم شيء ينكرون ثبوته لله؟ والجواب: أن يقال: بل هم أولى بها؛ لأنهم يضيفون القدر على أنفسهم، وغيرهم يجعله لله، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره (٦). ٦ - واختلفوا في باب الإيمان، حيث يرى جهم ومن معه أن الإيمان معرفة بالقلب فقط، وأن القول والعمل ليسا من الأركان، فهم مرجئة من هذه الجهة، والمعتزلة يخالفونهم في ذلك. ٧ - اختلفوا في الجنة والنار: فتقول الجهمية: إنهما تفنيان وتبيدان بمن فيهما ليبقى الله ولا شيء معه، والمعتزلة يخالفونهم في ذلك، إلا أن العلاف منهم ذهب إلى قول قريب من قول الجهمية، فزعم أنه يأتي على الجنة والنار زمان تسكن حركات أهلهما.٨ - أنكر المعتزلة عذاب القبر، فيقول القاضي عبدالجبار: "وأنكر مشايخنا عذاب القبر في كل حال." (٧) وإلى الآن لم يقع لي قول للجهمية في الموضوع. المصدر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص ٢٢٠

стр. 1701

المطلب الثالث: ذكر شبه المعتزلة في القول بخلق القرآن ونقضها الشبهة الأولى: القرآن شيء، وقد قال الله تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦] ولفظ "كل" للعموم، القرآن داخل في عموم ما خلق الله من الأشياء. جوابها: لا أحسب أن فساد هذا القول خاف على من قال به، ولكنهم أرادوا إدخال الريب والشك على من لا يفهم، وذلك أن صيغة "كل" وما يشبهها من صيغ العموم، عموم كل منها إنما هو بحسبه، قال تعالى في ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥] فالتدمير إنما كان بأمره تعالى، وأمره تعالى كلامه، قال: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] فالتدمير إنما كان بأمره تعالى، وأمره تعالى كلامه، قال: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] فأبان أن مساكنهم لم تدمر، ومقتضى ذلك أنها لم تدمر الأرض ولا الجبال ولا غير ذلك من سوى أهلها، فدل ذلك على أن عموم "كل" إنما كان في حق الكفار المستحقين للوعيد، لا كل شيء حتى من سواهم من الجماد وغيره، وهذا معقول ظاهر. وقال تعالى في حق بلقيس: وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] ومعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان، ولا غير أرضها من الأرض. ولقد أثبت تعالى أن له نفساً، قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦] وقال: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه: ٤١] وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء: ٣٥] فهل يدخل الجهمي نفس الله تعالى في هذا العموم؟ إن الأنفس التي تموت إنما هي الأنفس المخلوقة، أما الخالق تعالى بصفته فهو حي لا يموت. فدلت هذه النصوص على أن عموم "كل" إنما هو بحسب الموضع الذي وردت فيه. فكذلك قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢]. فالله تعالى شيء، وصفته شيء، قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ [الأنعام: ١٩] والمخلوق شيء، والله هو الخالق، وليس بمخلوق، وصفاته تابعة لذاته، فليست بمخلوقة، والقرآن كلامه، وكلامه صفته، وصفته غير مخلوقه، فالله شيء غير مخلوق، وصفته شيء غير مخلوق، والمخلوق من وقع عليه فعل الخلق، وهو كل شيء سوى الله تعالى وصفته. ولكن الجهمية المعتزلة أوقعهم في ذلك اعتقادهم أن الله تعالى لا تقوم به الصفات، فصفاته عندهم غيره، ونحن قد قررنا في الباب الأول أن الصفة إنما تقوم بالموصوف، والكلام إنما يقوم بالمتكلم، ولا تعقل ذات مجردة عن الصفات، وهذا من الجهمية المعتزلة هو التعطيل لصفات الخالق تعالى, لأن الصفة إذا قامت بمحل كانت صفة لذلك المحل، فباعتقادهم تبطل جميع الصفات. وسبحان من شاء أن يظهر مخبوءهم ويكشف مستورهم، فإنهم أدخلوا صفة الله تعالى في عموم "كل" في هذه الآية، وأخرجوا أفعال العباد من هذا العموم، وقالوا: أفعال العباد غير مخلوقه لله، فكذبوا القرآن، من حيث أن الله تعالى قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] وقال: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فكذبوا على الله رب العالمين، وألحدوا في آياته، فصرفوا الآية عما هي له، واحتجوا بها على ما ليست له. الشبهة الثانية: القرآن مجعول، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] والجعل: الخلق. جوابها: لفظ "جعل" يأتي بمعنى "خلق" وبغيره. والقاعدة فيه: أنه لا يأتي بمعنى "خلق" إلا إذا تعدى إلى مفعول واحد.

стр. 1702

ومنه قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: ١٨٩]. وربما تعدى على مفعول واحد ولم يكن بمعنى "خلق" كقوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء [الأنعام: ١٠٠] وقوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ٥]. أما إذا تعدى على مفعولين فلا يكون بمعنى "خلق" بأي حال. ومن ذلك قوله تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [البقرة: ٦٦] وقوله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا [الأنبياء: ٧٣]. وكذلك منه قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] فالمفعول الأول الضمير والثاني قُرْآنًا والمعنى: قلناه قرآنا عربياً، أو بيناه. فبطل تمويه المعتزلة بفضل الله. وقد أجاب الإمام أحمد ﵀ المعتزلي حين احتج عليه بهذه الآية بقوله: "فقد قال الله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ " (١). الشبهة الثالثة: القرآن محدث، كما قال الله: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢]. كما قال: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء: ٥] والمحدث: المخلوق. جوابها: قوله "محدث" في الأصل من "الحدوث" وهو كون الشيء بعد أن لم يكن، والقرآن العظيم حين كان ينزل، كان كلما نزل منه شيء كان جديداً على الناس، لم يكونوا عملوه من قبل، فهو محدث بالنسبة إلى الناس، إلا تراه قال: وَمَا يَأْتِيهِم؟ فهو محدث إليهم حين يأتيهم، ومنه قول النبي ﷺ : ((إن الله يحدث لنبيه ما شاء، وإن مما أحدث لنبيه: أن لا تكلموا في الصلاة)) (٢) وأمر الله: قوله وكلامه، وهو غير مخلوق، محدث بالنسبة إلى العباد، أي: جديد عليهم، فليس المحدث هنا هو المخلوق. وهذا الجواب أحسن ما قيل في ذلك. قال أبو عبيد القاسم إمام العربية: " مُّحْدَثٍ حدث عند النبي ﷺ وأصحابه لما علم الله ما لم يكن يعلم" (٣).وقال ابن قتيبة: "المحدث ليس هو في موضوع بمعنى: مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق: ١] أنه يخلق، وكذلك: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: ١١٣] أي: يحدث لهم القرآن ذكراً، والمعنى: يجدد عندهم ما لم يكن، وكذلك قوله: وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء: ٥] أي: ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك" (٤). وربما أجاب بعض الأئمة بغير هذا، لكن هذا أصح وأظهر. الشبهة الرابعة: جعل الله أمره مقدوراً فقال: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨] وأمر الله: كلامه، والمقدور: المخلوق. جوابها: إن لفظ: "الأمر" إذا أضيف إلى الله تعالى يأتي على تفسيرين: الأول: يراد به المصدر، كقوله تعالى: لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] وهو غير مخلوق – كما ذكرناه في الباب الأول في الاحتجاج لهذه المسألة -. وهذا يجمع على: "أوامر".

стр. 1703

والثاني: يراد به المفعول الذي هو المأمور المقدور، كقوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: ٣٨] فالأمر ههنا هو المأمور، وهذا يجمع على: "أمور" وهو مخلوق. وسبق أن ذكرت في الباب السابق أن صيغة المصدر قد ترد بمعنى المفعول في كلام العرب. قال شيخ الإسلام: "ففي قوله: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب:٣٨] المراد به المأمور به المقدور، وهذا مخلوق، وأما في قوله: ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ [الطلاق: ٥] فأمره كلامه، إذ لم ينزل إلينا الأفعال التي أمرنا بها، وإنما أنزل القرآن، وهذا كقوله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨] فهذا الأمر هو كلامه" (١). قلت: ونظيره لفظ "الخلق" فإنه يأتي مصدراً فهو حينئذ فعل الرب تعالى وصفته، ويأتي مفعولاً فهو حينئذ المخلوق الذي وقع عليه فعل الخلق. فليس لفظ "الأمر" إذا على ما قالت الجهمية المعتزلة من اختصاصه بالمفعول المقدور. الشبهة الخامسة: سمى الله تعالى عيسى "كلمته" فقال: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [النساء: ١٧١] وقال: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران: ٤٥] وعيسى مخلوق، فالكلمة مخلوقة. جوابها: إن عيسى ﵇ مخلوق، خلقه الله بأمره حين قال له: كُن كما قال تعالى: قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] وقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] فكان عيسى بكلمة الله تعالى وقوله "كُنْ". فالكلمة "كن" لا عين عيسى، والمكون بها هو عيسى ﵇. وبهذا أجاب غير واحد من الأئمة. قال قتادة – وهو من أئمة التابعين في التفسير وغيره – قوله: بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ قال: "قوله "كن" فسماه الله كلمته، لأنه كان عن كلمته كما يقال لما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعني به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث" (٢). الشبهة السادسة: القرآن ترد عليه سمات الحدوث والخلق، وذلك من وجوه عدة: ١ - قال تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ [النحل: ١٠١] فأخبر عن وقوع النسخ فيه. ٢ - هو حروف متعاقبة، يسبق بعضها بعضاً. ٣ - لا يكون إلا بمشيئة واختيار، فيلزم منه أن تسبقه الحوادث، ويتأخر عنها. ٤ - له ابتداءً وانتهاء، وأول وآخر. ٥ - هو متبعض متجزئ. ٦ - منزل، والنزول لا يكون إلا بحركة وانتقال وتحول. ٧ - مكتوب في اللوح والمصاحف، وما حد وحصر فهو مخلوق. وهذه الوجوه وما يشبهها صفات للمخلوق المحدث. جوابها: هذه المعاني جميعاً مبنية على أصلهم الذي ابتدعوه لإثبات خلق العالم وقدم الصانع، وهو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فقالوا: لا يمكن معرفة الصانع إلا بإثبات حدوث العالم، ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا بإثبات حدوث الأجسام، والاستدلال على حدوث الأجسام إنما هو بحدوث الأعراض القائمة بها كالحركة والسكون. فهذا الأصل المبتدع هو الذي جرهم إلى القول بخلق القرآن ونفي الصفات والأفعال لله تعالى (٣).

стр. 1704

ولو أنهم سلموا لنصوص الكتاب والسنة لكفتهم في ذلك، ولانتشلتهم من ورطة التعطيل، فإن هذه أمور لا يتوصل إليها بمجرد العقل، والله تعالى قد أثبت أزلية وخلق العالم بأحسن البراهين وأقوى الحجج: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات:٥٠]؟ ونحن لا نناظر المعتزلة في دفع هذه الأباطيل بمحدثات من الأقوال والأصول، ولا نسلم لهم قولهم ودعواهم، وإنما نرفض ذلك أشد الرفض، ونقول: هو بدعة ضلالة لما جرت إليه من الكفر والباطل – شأن سائر البدع – ولا نسلك مسلك أهل البدع في الرد عليهم ومناظرتهم شأن الأشعرية والماتريدية أتباع ابن كلاب والأشعري والماتريدي، فإن هؤلاء أرادوا نقض ضلالات المعتزلة بنفس طريقتهم، فتراهم تابعوهم في هذا الأصل الذي ذكرناه عنهم، فتسلطت عليهم به المعتزلة وأظهرت تناقضهم. وصدق فيهم شيخ الإسلام حين قال: "فهم قصدوا نصر الإسلام بما ينافي دين الإسلام" (١). وأصل المعتزلة الذي ابتدعوه أوقعهم في قياس صفة الخالق على المخلوق وصفته، فإنهم إنما بنوا أصلهم على ما عهدوه في المخلوق من أحوال وصفات، فحسبوا أن ذلك يلحق صفو من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقاسوا ما لم يحيطوا به علماً على ما حصلوه من الظنون والأوهام التي حسبوها غاية العلوم. وهذا من أعظم ما أدخله الشيطان – لعنه الله – من التلبيس على هؤلاء، زين لهم ابتداع أصول لم ترد في كتاب ولا سنة، فالتزموها، والتزموا بسببها خلاف الشريعة، فجعلوها الحاكم على الكتاب والسنة، ومن تلك الأصول الفاسدة هذه الدعاوى المجردة عن البرهان مما هو محض العقول الزائفة، القفر من نور الوحي. فكل ما أوردوه مما سموه "معقولاً" ليستدلوا به على خلق القرآن هو من قياس صفة الخالق على صفة المخلوق، وهو كفر بالله تعالى، فإنه كما لا شبه له في ذاته فلا شبه له في صفاته، وهذا مقرر في موضعه. فهذه أظهر ما استدل به الجهمية والمعتزلة من الحجج (!) وأبينها وأقواها عندهم، وقد بان لك زيفها وبطلانها، وقارنها بما سبق ذكره من الأدلة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، يجل لك الحق بذلك وتعلم استقامة منهج أهل السنة، واتباع أهل البدع للأهواء والظنون. وصدق شيخ الإسلام – وهو بهم خبير – في قوله: "وليس مع هؤلاء عن الأنبياء قول يوافق قولهم، بل لهم شبه عقلية فاسدة" (٢). المصدر: العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع - ص ٣٠٥

стр. 1705

المطلب الرابع: أفول المدرسة العقلية القديمة: ولم تكن كراهية هؤلاء المعتزلة ورفضهم مقصورة على العلماء بل كانوا مكروهين من العامة لأن المعتزلة أيام دولتهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق عسفوا بالناس من كل فئة واستباحوا دماءهم وملأوا منهم السجون فكانوا عبئا ثقيلاً على الناس علماء وعامة. فلما جاء عهد المتوكل وفقه الله إلى إبطال القول بخلق القرآن وذلك سنة ٢٣٤هـ بعد أن عانى منها المسلمون مدة ١٥ عاما وكان ذلك بتوفيق من الله له بعدم اقتناعه بهذا القول ثم لما رأى من قوة الرأي العام ضد المعتزلة وكراهية الناس لهم فأعاد الحق إلى نصابه قال السيوطي ﵀ "فاستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية ... وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له" (١). وبها أزاح المتوكل ﵀ هذا العبء الثقيل عن كاهل المسلمين. وبهذا دالت الدولة إلى المحدثين وانتصروا انتصارا كبيرا وأفل نجم المعتزلة ولم يجرؤ أحد على الجهر باعتزاله ولم يسترد المعتزلة سلطتهم يوما بعد ذلك. ولم تزل علومهم العقلية المجردة عن النصوص في خمود ونحن لا ننكر قيام جماعة من الفلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد والكندي وأمثالهم على أنقاض المعتزلة ولكن الفرق بينهم وبين المعتزلة كبير إذ أن المعتزلة أكثر عملا بين صفوف المسلمين من الفلاسفة فقط كان هم المعتزلة إقامة دولة اعتزالية وبث الأفكار بين مختلف الطبقات وسلكوا لهذا طرقا عدة وكانوا يدسون اعتزالهم في ثنايا قولهم العذب ومنطقهم الفصيح وعبارتهم السائغة لكل الأذواق وقرأ الناس ما كتبوا إن لم يكن لاعتزالهم فلأدبهم وبلاغتهم (٢) وحصل لهم ما أرادوا فقامت لهم دولة لكنهم لم يحسنوا قيادتها فلم تلبث أن انهارات فوق رؤوسهم. أما الفلاسفة هؤلاء فلم يهتموا بما اهتم به المعتزلة فكانت عبارات علمهم وكتبهم عبارات ثقيلة لا يكاد يفهمها إلا من سلك سبيلهم فكأنما وضعوها ليقنع بعضهم بها بعضا وما التفتوا إلى غيرهم. المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٦٦

стр. 1706

المطلب الخامس: موقف السلف من المعتزلة وتأويلاتهم لقد بذل السلف الصالح من أهل السنة والجماعة جهوداً في الرد على هؤلاء العقلانيين ردوداً علمية عظيمة تؤكدها تلك المواقف الثابتة التي تزول الجبال ولا تزول تجاه المعتزلة أيام كانت لهم السلطة والدولة، ومارسوا ضد أهل الحق ألواناً من التعذيب والاضطهاد، فلم يزدهم ذلك إلا ثباتاً على الحق، وصبراً في سبيل نصرة دين الله، يقول الشيخ محمد عبده، "تفرقت السبل بأتباع واصل، وتناولوا من كتب اليونان ما لاق بعقولهم، وظنوا من التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ما كان منه راجعاً إلى أوليات العقل، وما كان سراباً في نظر الوهم، فخلطوا بمعارف الدين ما لا ينطبق على أصل من أصول النظر .. وأيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة، وابتدأ علماؤهم يؤلفون الكتب، فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين، وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين" (١). وتلك المواقف الصارمة تجاه هؤلاء المبتدعة بدأت بظهور المعتزلة أيام واصل بن عطاء، ومن صورها:- موقف الحسن البصري من واصل حيث طرده من حلقته العلمية (٢).- موقف الإمام أحمد بن حنبل الذي تعرض للسجن والتعذيب على أيدي المعتزلة، ومع ذلك كان – ﵀ – يفتي بأنه "لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة" (٣).- ومنه موقف الإمام مالك بن أنس – ﵀ – وقد سئل عن تزويج القدري، فقال: وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ [البقرة: ٢٢١] (٤).- وعن الإمام مالك عن عمه أبي سهيل قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول في القدرية: "أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا، قال أبو سهيل: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي." (٥) - "قال رجل للإمام عبدالله بن إدريس: يا أبا محمد إن قبلنا ناساً يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا. قال: فمن النصارى؟ قال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. فقال: فممن؟ قال: من الموحدين، قال: كذبوا هؤلاء ليسوا بموحدين، هؤلاء زنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق،، ومن زعم أن مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة، هؤلاء زنادقة" (٦).- "وعن معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة" (٧) عن أبي عوانة قال: "ما رأيت عمرو ابن عبيد ولا جالسته قط إلا مرة واحدة، فتكلم وطول ثم قال حين فرغ: لو نزل من السماء ملك مازادكم على هذا، فقلت: غيري من عاد إليك" (٨).

стр. 1707

وهذا التصرف يدلك على أن هؤلاء الأئمة كانوا يتثبتون من بدعية الرجل ومتى ظهرت لهم هجروه، وقاطعوه، إن لم يكن أمل في رجوعه، فرحمهم الله.- عن عبدالوهاب بن الخفاف قال: "مررت بعمرو بن عبيد وحده، فقلت: مالك؟ تركوك؟ قال: نهى الناس عني ابن عون فانتهوا" (١) رحم الله ابن عون، هكذا يكون السني الجاد تجاه المبتدع الداعي الذي لا أمل في ازدجاره.- وعن عدي بن الفضل قال: "كلمت يونس بن عبيد في عبدالوارث، فقال: رأيته على باب عمرو بن عبيد جالساً لا تذكره لي" (٢). - وعن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: "يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله، فيقول لي: أنت قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته، ثم أتلو هذه الآية وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء: ٩٣] فقلت – وليس في البيت أصغر مني-: أرأيت إن قال لك: أنا قلت: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨] من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ فما رد علي شيئاً" (٣). هذه المواقف السلفية الحازمة الثابتة كما رأيت مبنية على منهج واضح في كراهة البدعة والمبتدعين، والحرص على النصح والتحذير من أن تنتشر هذه البدع وتسري إلى من هم في عافية منها.- عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه، فقلت: لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض، فقال يا أحول أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر ... " (٤). هذا طرف من مواقف أهل السنة تجاه أهل الاعتزال منذ نشأته، وتلك فتاواهم في حقهم، ونصائحهم وتحذيراتهم لأصحابهم من المعتزلة، ولم يكن ذلك محصوراً في مجرد تصريحات شفهية، وبيانات كلامية، لكن أضافوا إلى ذلك مصنفات غاية في الدقة والموضوعية والروعة، ومن مصنفاتهم في الرد على المعتزلة ما يأتي: ١ - أكثر ردودهم على الجهمية تتضمن ردوداً على المعتزلة أيضاً لتقارب المنهجين في كثير من المباحث، واتحادهما فيما يتعلق بأصول التأويل الفاسد. ٢ - (رسالة الرد على القدرية) لأمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز ت١٠١هـ ﵀ – (أخرجها أبو نعيم في الحلية ٥/ ٣٤٦ - ٣٥٣).٣ - (الرد على القدرية) لإسماعيل بن حماد ت٢١٢هـ (ذكره في كشف الظنون ١/ ٨٣٩) وتصنيفه في الرد على القدرية يؤكد ما ذكره بعض أهل العلم من أن استجابته في محنة خلق القرآن كانت عن تقية شرعية، لا عن اعتقاد. (٥) ٤ - (رسالة في أن القرآن غير مخلوق) لأبي إسحاق الحربي ت٢٨٥هـ (طبعت). ٥ - (الرؤية) لأبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي ت٣٤٢هـ (طبع). ٦ - (الرؤية) لأبي أحمد العسال ت٣٤٩هـ (ذكره الذهبي في السير ١٦/ ١١). ٧ - (الرؤية) لعلي بن عمر الدارقطني ت٣٨٥هـ (حققه د. سليم الأحمدي – رسالة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية). ٨ - (الرد على القدرية) لابن أبي زيد القيرواني ت٣٨٦هـ (ذكره في السير ١٧/ ١١). ٩ - (رؤية الله) لابن النحاس ت ٤١٦هـ (طبع بتحقيق محفوظ الرحمن). ١٠ - (الرد على القدرية) لأبي المظفر السمعاني ت٤٨٩هـ (ذكره حفيده في الأنساب ٣/ ٢٩٩). ١١ - (الانتصار في الرد على القدرية الأشرار) ليحيى بن سالم العمراني ت ٥٥٨هـ (حققه د. سعود الخلف رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية). ١٢ - (رؤية الباري) للذهبي ت ٧٤٨هـ (ذكره في مقدمة سير النبلاء ١/ ٧٦).

стр. 1708

أما الشيخان الحافظان السلفيان ابن تيمية، وابن القيم فقد أشبعا موضوع الرد على تأويلات المتكلمين – وخاصة المعتزلة – إشباعاً لا مزيد عليه، وذلك في عامة مصنفاتهما الكثيرة، نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا الموحدين للثبات على السنة، ويجنبنا سبل الابتداع والزلل. المصدر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص ٢٣٢ إن طبيعة التركيبة السكانية لهذا العصر الذي نؤرخ له عقدياً تمتاز بالتباين في الفهم، والموروثات العقدية؛ فجمهور الأمة فيه من مختلف الأعراق، والأجناس؛ ففيه العربي، والفارسي، والقبطي، والبربري، والرومي، ومنهم المخلص في عقيدته، ومنهم المنافق الحاقد الحاسد، الذي يرقب أي حركة هدامة للانضام إليها لرحب هذا المجتمع، وتحطيم عقيدته بالابتداع في دينه، وبذر الشبهات في أوساطه، ومن أبرز طبقات هذا المجتمع طبقة العلماء من الصحابة، والتابعين الذين ورثوا الفهم الصحيح لهذا الدين؛ فكانوا هم الدرع الواقي من الشبهات الباطلة، وقاموا ببيان المعتقد الصحيح، ودفعوا عنه كل دواعي البدع الباطلة، ثم طبقة تابعي التابعين، الذين حملوا راية العقيدة، والشريعة، من أسلافهم الأبرار، وذادوا عن حمى العقيدة، حينما تكالبت عليها فرق الضلال، فكانت مجالس العلم التي تعقد، وتوصل فيها المسائل، ويطرح فيها منهج السلف، واضحا جاليا، ثم يعرف الناس بكل أشكال البدع التي تدور رحاها في هذا الوسط الواسع؛ فحموا العقيدة، ونافحوا عنها، وهزموا أرباب البدع في كل مواقعهم، ولله الحمد. أمام هذا الواقع العقدي الصحيح، الذي كانت تستنير بنوره الأمة، وتمنع قوى الضلال، والبدعة، من الدعوة لباطلها، يمكن لنا أن نعرف من خلاله دقائق البدع المزيفة، والمشاة بوشي العلم، والعبادة، والتقشف، ولم يكن أرباب البدعة يجرءون على مواجهة الأمة بإنكار معتقداتها صراحة، بل كانوا يلبسون على الناس مبتدعاتهم؛ عن طريق رسوم الزهد، والتقوى الزعوم؛ لإيصال ضلالاتهم، وبدعهم، إلى جمهور العامة؛ فعندما ظهرت بدعة القدرية، أنكرها الصحابة، والتابعون، أشد الإنكار، وكان لضغط العلماء، وجمهور الأمة، الفضل الأكبر في قيام الخلفاء في قمع أولئك المبتدعة، وقتلهم، ونفيهم بالأمصار، جزاء إنكارهم لأصل من أصول الإسلام؛ وهو القدر، وكان ذلك هو العمل الصحيح، حتى لا يتسع نطاق هذه البدعة الضالة، ولكن أولئك المبتدعة النفاة اتجهوا إلى السرية، والتخفي، فقاموا بطرح اسم المعتزلة كبديل لمسمى القدرية.

стр. 1709

وأمام هذه الهجمة البدعية الخطرة من القدرية، وغيرهم، كان السلف منتبهين إلى مثل هذه الحيل، وبفضل الله – تعالى – استطاع سلف الأمة الصالح الكشف عن بدع واصل، وعمرو بن عبيد، وإدخالهم في دائرة المقت؛ بسبب بدعتهم، وخروجهم عن منهج الأمة الحق، وتعتبر عملية تصنيف أشخاص المبتدعة هي الخطوة الأساسية الأولى التي ينبني عليها موقف الأمة، وعلمائها، فينظر إلى هؤلاء نظرة شك، وارتياب في أقوالهم، وأفعالهم، وجميع ما يصدر عنهم. وإن لفظ البدع، والابتداع، يعتبر مصطلحاً صادقاً، ينطبق تمام الانطباق على هذه المرحلة؛ لقربهم من عهد النقاء، والصفاء؛ عهد النبوة المباركة، وعهد الصحابة الكرام، وعهد التابعين – عليهم رحمة الله -، ويكفي إطلاق هذا اللفظ على شخص، أو فرقة؛ ليضعها في مقام المخالف لهذه العهود المباركة، النقية في عقيدتها، وشريعتها، وسلوكياتها، وهذا الابتداع الذي جاء به المبتدعة هو اختراع دين جديد، وعدم الرضا بما أكمله الله – تعالى -؛ في هذا يقول الإمام مالك "ت ١٧٩هـ" – ﵀: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" (١). يضاف إلى ذلك وضع تسمية خاصة لأهل البدعة، تميزهم عن جمهور الأمة، الذين يدينون بالعقيدة الصحيحة؛ عقيدة السلف الصالح؛ ولذلك أطلقوا عليهم تسميات مثل الخوارج، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة، والمشبهة، والشيعة، وهذا التصنيف لأهل الابتداع يمثل نوعاً من التحذير للأمة من الثقة بأصحابها، أو التعامل معهم، ويمنعهم من الدعوة لمبتدعهم في وسط جمهور الأمة، وقد توجهت جهود علماء السلف منذ بروز بدعة المعتزلة إلى اعتبارهم من المبتدعة؛ ولذلك أصابوا كبد الحقيقة عندما صنفوها من أحد أصناف القدرية. وقد تعرضت شخصية الرجلين: واصل، وعمرو، للنقد الشديد، وإن كان النقد الأكبر موجها إلى عمرو بن عبيد، الذي عاش ثلاثة عشر عاماً بعد واصل، وقد كثرت آراؤه الشاذة، والقبيحة، وقد أتاح امتداد عمره بهذا الشكل لعلماء عصره التعرف على حقيقة معتقده، وتقشفه، وعبادته المزعومة، وسوف نعرض لمواقف أهل السنة من هذه الدعوة، ومن رجالها، وهو نموذج يعبر تعبيرا صادقاً عن قوة علماء السلف، وسيادة منهجهم على الأمة، واندحار المبتدعة أمامهم، وأن هذه الصور التي سنعرضها تبين لنا تهافت أرباب البدع، واشتهارهم أمام عامة الناس بالبدعة، والانحراف، وهذا هو التوجيه الصحيح لمعرفة عامة أهل البصرة بأرباب البدع، لا أن هؤلاء العامة كانوا يدينون بهذه الآراء البدعية، كما روج لذلك المستشرقون، ومن تابعهم من الكتاب في العصر الحديث، وسوف نعرض، فيما يلي، لمواقف علماء السلف، والمعتزلة.

стр. 1710

الكشف عن ابتداع المعتزلة، والتحذير منهم: لم يكن المعتزلة، وغيرهم من أهل البدع، يجرءون على القول بآرائهم صراحة، وإنما كانوا يتبعون أسلوب التلبيس الغامض على الناس، وقد لا يستطيع أي أحد أن يكشف هذا التلبيس، إلا إذا سأل العلماء؛ فقد روى العقيلي عن حماد بن زيد "ت ١٧٩ هـ"، قال: قال أيوب "١٣١ هـ": "سألت البري، فقلت: لم تأتي عمرو بن عبيد؟ قال: إني أجد عنده أشياء غامضة، قال أيوب: من الغامض أفرق" (١)، أو "أفر" (٢).وفي رواية عن حماد بن زيد قال: "كان رجل من أصحابنا يختلف إلى أيوب، ثم انقطع عنه، واختلف إلى عمرو بن عبيد، فجاء إلى أيوب يوماً، فقال له: بلغني أنك تختلف إلى ذلك الرجل، قال: نعم، يا أبا بكر، عنده غرائب، قال: من تلك الغرائب نفر" (٣). ونريد أن نتساءل: ما تلك الغرائب؟ هل هي مواعظ مغلفه بعقائد فاسدة عن القدر، والأسماء، والصفات، أم هي أقاصيص، وأفكار غريبة لم يتبين معناها؛ لا هي بدعة، ولا سنة؟ إن هذه الغرائب التي استهوت بعض طلبة العلم، ووقف منها علماء السلف موقف التحذير، والتخويف، ما هي إلا محاولة لجذب انتباه الناس إلى عمرو، وواصل، فيما يحاولونه لنشر بدعهم الاعتزالية، التي كانت في مرحلة التأسيس، ولم يعلن القوم عنها بعد. ومما يدلل على غموض بدعة المعتزلة في بدايتها، واعتبار بعض العلماء عمرو بن عبيد من العلماء الذين لا يجوز الوقوع بهم، ما رواه العقيلي "ت ٣٢٢ هـ"، وغيره، عن عاصم الأحول "ت ١٤٢ هـ"، قال: "كان قتادة "ت ١١٧ هـ" يذكر عمرو بن عبيد، ويقع فيه، قال: فجثوت على ركبتي، فقلت: يا أبا الخطاب، وإذا الفقهاء يقع بعضهم في بعض! فقال: يا أحول، رجل ابتدع بدعة، فتذكر بدعته خير من أن نكف عنها، قال: فرأيت عمرو بن عبيد في المنام، وهو معلق المصحف، يحك آية من القرآن، قلت: ما تصنع؟ قال: إني أعيدها، قال: فحكها، قلت: أعدها! قال: لا أستطيع" (٤).وفي رواية: قال: "يا أحول، أولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تذكر حتى تحذر؟ " (٥). فهل خفي أمر عمرو بن عبيد على عاصم هذا، وغيره من العلماء، حتى عده من الفقهاء؛ ولذلك سأل قتادة هذا السؤال، وقام قتادة بوضع أساس هام من أسس التعامل مع كل مبتدع في دين الله، بذكرهم، والتحذير منهم، ومن بدعهم، والتشهير بهم بين الناس؛ حتى لا يلبسوا على الناس بظاهر الزهد، والتقشف.

стр. 1711

عدم الرواية عن عمرو، وتحقيره: وقد يتبادر إلى الذهن إشكال؛ وهو أن عمرو بن عبيد له روايات في كتب السنن، وقد أحصى هذه الروايات ابن عدي "ت ٣٦٥ هـ" في كتابه (الكامل في ضعفاء الرجال)، فما السبب في الرواية عنه، مع أنه جرح أشد التجريح؟ وقد أجاب علماء السلف عن هذا الإشكال؛ فمنهم من يرى أنه قد أخذ عنه قبل إحداثه، وابتداعه؛ فقد روى البسوي "ت ٢٧٧ هـ" عن سفيان بن عيينة "ت ١٩٨ هـ"، قال: "حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى العنبري عن عمرو بن عبيد قبل أن يحدث" (١)؛ فهذا النص شاهد أنهم قد حددوا الأخذ عنه، قبل الإحداث، وروى العقيلي أن عبدالله بن المبارك "ت ١٨١ هـ" قيل له: "تركت عمرو بن عبيد، وتحدث عن هشام الدستوائي "ت ١٥٤ هـ"، وسعيد، وفلان، وهم كانوا في عداده "أي قدرية"؟ قال: إن عمراً كان يدعو" (٢)، وفي رواية: قال: "وكانا ساكتين" (٣).وقال ابن المبارك: "كان عمرو بن عبيد يدعو إلى القدر، فتركوه" (٤)، وقد كانت هذه المقاطعة مبكرة في حياة الحسن البصري – ﵀؛ فعن يحيى البكاء "ت ١٣ هـ" قال: كانت رقاع تجيء إلى الحسن، فإذا علم أنها من قبل عمرو بن عبيد لم يجب فيها" (٥).ويعقب ابن عدي "ت ٣٦٥ هـ" – ﵀ – بعد أن ساق الروايات التي رواها عمرو بن عبيد؛ فقال: "وعمرو بن عبيد قد كفانا السلف مئونته؛ حيث يبنوا ضعفه في رواياته، وبينوا بدعته، ودعاءه إليها، ويغر الناس بنسكه، وللسلف فيمن ينسب إلى الصلاح كلام كثير، حتى قال يحيى القطان: ما رأيت قوما أصرح بالكذب من قوم ينسبون إلى الخير، وكان يغر الناس بنسكه، وتقشفه، وهو مذموم، ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع، وقد كفانا ما قال فيه الناس" (٦).وكان السلف ينهون عن الأخذ عنه، وينسبونه للكذب؛ فقد قال أيوب السختياني "ت ١٣١ هـ"، ويونس بن عبيد "ت ١٣٩ هـ": "كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث" (٧)، وكان حميد يقول لحماد بن سلمة: "لا تأخذن عن هذا شيئا؛ فإنه يكذب على الحسن؛ يعني عمرو بن عبيد" (٨)، ولأنه كان يدعو للقدر، والاعتزال، كانوا لا يأخذون عنه – أيضا -، ولما سئل يحيى بن معين عن عمرو بن عبيد، فقال: "لا تكتب حديثه، فقال له: كان يكذب؟ فقال: كان داعية إلى دينه، فقلت له: فلم وثقت قتادة "ت ١١٧هـ"، وسعيد بن أبي عروبة "ت ١٥٠ هـ"، وسلام بن مسكين "ت ١٦٤ هـ"؟ فقال: كانوا يصدقون في حديثهم، ولم يكونوا يدعون إلى بدعة" (٩).وكان يلبس في الرواية؛ ليفهم منه خلاف ما يقول؛ فعن سفيان بن عيينة قال: "سئل عمرو بن عبيد عن مسألة، فأجاب فيها، وقال: هذا من رأي الحسن، فقال له رجل: إنهم يروون عن الحسن خلاف هذا، فقال: إنما قلت: هذا من رأيي الحسن؛ يريد نفسه" (١٠).

стр. 1712

إهانته، وتحقيره: حيث كان سلام بن مطيع "ت ٦٤ هـ" يقول: "حدثنا المكتوم عمرو بن عبيد" (١)، وذكر عمرو بن عبيد عند سعيد بن عامر "ت ٢٠٨ هـ" في شيء قاله، فقال: "كذب، وكان من الكاذبين الآثمين، وذكر سعيد يوماً رجلاً لم يسمه، فقال: كان المسكين باراً بأمه، ولكن كان مبتدعا، فقيل له: عمرو بن عبيد هو يا أبا محمد؟ فقال: لا، ولا كرامة لعمرو، وكان عمرو أقل من ذلك، وأرذل من ذلك" (٢).وعن محمود بن غيلان "ت ٢٤٩ هـ" قال: "سمعت قريش بن أنس قال: حدثنا عمرو بن عبيد، ثم قال: وما تصنع بعمرو بن عبيد؟ كف من تراب خير منه" (٣)، وكان أيوب السختياني يقول: "ما فعل المقيت؟ يعني عمرو بن عبيد" (٤)، وكان أيوب يقول عنه إنه أهوج (٥)، وقال أيوب – أيضا -: "ما زال عمرو بن عبيد رقيعا منذ كان" (٦)، وكان حماد بن سلمة "ت ١٦٧ هـ" يقول: "ما كان عمرو بن عبيد عندنا إلا عرة "أي ذرق الطير، أو البعير"" (٧). عدم السلام عليه أو رد سلامه: قال عبدالوهاب الخفاف "ت ٢٠٤ هـ": "مررت بعمرو بن عبيد، وهو وحده، فقلت: مالك تركوك؟ فقال: نهى ابن عون الناس عنا، فانتهوا" (٨)، وهذا النهي من عالم واحد، وكان التزام الناس به هكذا، فكيف إذا أجمع علماء الأمة على هذا النهي، وهذا يدلل على أن أمر الابتداع كان منكرا، وغريبا غاية الغرابة، بفضل الله، الذي وفق هؤلاء العلماء لكشف هؤلاء المبتدعة. وقد كانوا يمثلون أسمى معاني العزة في عقيدتهم، وسلوكهم؛ فعن حماد بن زيد، قال: "كنت مع أيوب، ويونس، وابن عون، وغيرهم، فمر بهم عمرو بن عبيد، فسلم، ووقف وقفة، فما ردوا عليه، ثم جاز، فما ذكروه" (٩).وعن عبدالله بن بكر المزني قال: "لم يكن أحد أحب إلي من عمرو بن عبيد قبل أن يحدث؛ لقد كنت أشتهي أن أنظر إليه، فأول ما تكلم استوحشت منه، فلقيته يوماً في الطريق، فأردت أن أزوغ عنه، فلم أقدر، فقال لي: ما لك؟ ليس ها هنا أيوب، ولا يونس" (١٠).وهكذا يبدو عمرو بن عبيد أمام هؤلاء الأعلام كالسارق الذي يريد إنفاق بضاعته في الخفاء، ويريد أن يلتقي بالناس، فلا يستطيع ذلك، فيرغبهم، ويؤمنهم أنه ليس هنا أيوب، ولا يونس؛ مما يدلل على مكانة علماء السلف في صدور الناس، وانهزام المبتدعة، وبحثها في سراديب الظلام؛ لترويج بدعتها المنكرة؛ فلذلك كان هؤلاء محط كراهية عمرو بن عبيد، لما أحدثوا في الناس من إهمال، ومقت له، فعن يحيى بن النضر "ت ٢١٥" قال: "مررت بعمرو بن عبيد، فجلست إليه فذكر شيئا، فقلت: ما هكذا يقول أصحابنا، قال: ومن أصحابنا، لا أبالك؟! قلت: أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي، فقال: أولئك أنجاس أرجاس، أموات غير أحياء" (١١)، وبلغ من حنقه أن قال يوما معقبا على كلام لواصل بن عطاء: "فما كلام الحسن، وابن سيرين، والنخعي "ت ٩٥ هـ"، والشعبي، "ت ١٠٥هـ" عندما تسمعون، إلا خرق حيض مطروحة" (١٢). والحق الذي يجب اعتقاده أن خرق الحيض المطروحة هي ما جاءت به المعتزلة، ومن شابههم من أهل الزيغ، والضلال؛ فإن أولئك الأعلام كان علمهم من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة الكرام، وكلام واصل، وعمرو، هو كلام البدعة، والانحراف الذي أتيا به من مجالس الثنوية، والمجوس، وما أملاه عليهما الشيطان، مخالفين لعقيدة الأمة.

стр. 1713

النهي عن مجالسته والسلام عليه: فعن النضر بن شميل "ت ٢٠٣ هـ": "مر ابن عون على عمرو بن عبيد، ورجل جالس معه، فعرفه ابن عون، وقال: السلام عليك يا فلان، ما يجلسك هاهنا؟ " (١)، وعن حماد بن زيد قال: "قال أيوب: كنت أرى ابن هارون له عقل، حتى رأيته "يعني هارون بن دياب"، واقفا مع عمرو بن عبيد" (٢)، وعن إسماعيل بن إبراهيم قال: "جاءني عبدالعزيز الدباغ، فقال: قد أنكرت وجه ابن عون، فلا أدري ما شأنه؟ قال: فذهبت معه إلى ابن عون، فقلت: يا أبا عون، ما شأن عبدالعزيز؟ فقال: أخبرني قتيبة صاحب الحرير أنه رآه يمشي مع عمرو بن عبيد في السوق، قال: فقال له عبدالعزيز: إنما سألته عن شيء، ووالله، ما أحب رأيه، قال: وتسأل – أيضاً؟ " (٣)، وعن عيسى بن يونس "ت ١٨٩ هـ"، قال: "سلم عمرو بن عبيد على ابن عون فلم يرد عليه، وجلس إليه فقام عنه" (٤).وقد كان السلف يرون أن بعض الكبائر أهون عند الله من انحراف المعتقد، والابتداع في الدين؛ فقد روى العقيلي عن حرب بن ميمون، عن حويل ختن شعبة، قال: "كنت جالسا عند يونس بن عبيد، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك قبيل؟ قال: ابني؟ قال: نعم، فلم أبرح حتى جالسه، فقال: يا بني، ألم تعرف رأيي في عمرو بن عبيد، ثم تدخل عليه؟ قال: كان عنده فلان، قال: فجعل يعتذر، فقال يونس: أنهاك عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو، وأصحاب عمرو" (٥).وكان عمرو متهماً بالرياء في عباداته، وصلاته؛ فقد روى العقيلي عن نوح بن قيس "ت ١٨٤هـ"، قال: "كان بين عمرو بن عبيد، وبين أخي خالد بن قيس إخاء، فكان يزورنا، فكان إذا صلى في المسجد يقوم كأنه عود، قال: فقلت لخالد: أما ترى عمرا ما أخشعه، وأعبده! فقال: ما تراه إذا صلى في البيت كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه إذا صلى في البيت، يلتفت يميناً، وشمالاً" (٦). مجادلته ونسبة عدم فهمه إلى عجمته وجهله: إن عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، أخضعهم علماء السلف لمنهج الهجر، والتحقير، والإهانة، ولم يجادلوهم؛ فقد جادل السلف أسلافهم القدرية، وعلموا أن أتباعهم لا يفيد معهم جدال، ولا تستقيم لهم عقيدة، بعدما أوغلوا في هذا الانحراف، ولكن روي أن بعض السلف جادل عمرا في أحكام الوعد، والوعيد؛ فقد روى ابن قتيبة قال: اجتمع أبو عمرو بن العلاء، وعمرو بن عبيد، فقال عمرو: إن الله وعد وعدا، وأوعد إيعاداً، وإنه منجز وعده، ووعيده، فقال له أبو عمرو: أنت أعجم، ولا أقول إنك أعجم اللسان، ولكنك أعجم القلب؛ إن العرب تعد إنجاز الوعد مكرمة، وترك إيقاع الوعيد مكرمة، ثم أنشده: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٧) وفي رواية للخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ" قال: "جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، يخلف الله وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أوعده على عمل عقاباً، يخلف وعده؟ فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، يا أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد؛ إن العرب لا تعد خلفاً، ولا عاراً، أن تعد شراً ولا تفعله، ترى ذاك كرما، وفضلاً، إنما الخلف أن تعد خيراً ثم لا تفعله، قال: فأوجدني هذا في كلام العرب، قال: أما سمعت إلى قول الأول: ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أخشى من خشية المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٨)

стр. 1714

وقول المعتزلة في الوعد والوعيد مشهور، ولعله من الآراء التي انفرد بها عمرو، ولم يقل بها واصل من قبل. المنامات القبيحة التي رويت بحق عمرو بن عبيد: إن هذه المنامات التي رويت عن السلف بحق عمرو بن عبيد إنما تعبر عن قبح مال المبتدعة، وإن كنا لا نرى أن المنامات تعطي حقيقة مؤكدة، ولكنا نذكرها كما ذكرها علماء السلف الثقات؛ للتحذير من المبتدعة، ومن أتباعهم، والقبول بمناهجهم، ومن هذه المنامات ما رواه عاصم الأحول "سبق ذكر نصه"، وفي نهايته قال: "فرأيت عمرو بن عبيد في المنام يحك آية من القرآن، قلت: ما تصنع؟ قال: إني أعيدها، قال: فحكها، قلت: أعدها! فقال: لا أستطيع" (١).وجاء عمرو بن عبيد، وإسماعيل المكي "ت ١٩٣هـ" إلى محمد بن سيرين "ت ١١٠هـ"، فسألاه عن رجل رأى كأنه نصف رأسه مجزوزة، ونصف لحيته، فقال لهما: اتقيا الله، لا تظهروا أمراً، وتسرا خلافه، قال: فقال عمرو: والله، لا نأخذ عنه في اليقظة وكيف نأخذ عنه في المنام؟ " (٢).وعن محمد بن إدريس الرازي قال: سمعت الأنصاري يقول: "رأيت في النوم كأنا على باب عمرو بن عبيد، ننتظر خروجه، إذ خرج علينا قرد، قالوا: هذا عمرو بن عبيد" (٣). هذه هي بعض مسالك علماء السلف في التعامل مع المعتزلة القدرية؛ ممثلة بشيخها عمرو بن عبيد، الذي أتيح لعلماء السلف أن يطلعوا على أحواله التي كانت مستورة، وعندما اشتد حصار السلف على المعتزلة، برزت معتقداتهم الفاسدة، وجرأتهم القبيحة على دين الله، ولم نعثر على نصوص تخص واصلا، وكما رأينا ما قام به المعتزلة، عندما تمكنوا من بعض خلفاء بني العباس؛ من محنة للأمة، ما هو إلا حقد، وكراهية لعلماء السلف، الذين وضعوهم في دائرة البدعة، والضلالة، وظلوا مقموعين إلى أن اعتنق مذهبهم المأمون، وغيره، ولكن الله عاد عليهم بالذلة، والخزي، والخسران، بعد هزيمتهم على يد إمام السنة؛ الإمام أحمد، ومن سار على دربه، ودرب من سبقه من علماء السلف، ولكن ضلال المعتزلة استشرى في كثير من الفرق التي أصلت أصولها في العقيدة على أصول المعتزلة الفاسدة. المصدر: العقيدة الإسلامية لعطا الله المعايطة - ص ٦٦١

стр. 1715

المبحث الثامن: المعتزلة في ميزان أئمة السلف ذكر أسماء بعض أعلام أئمة السلف ومقالاتهم: ١ - سليمان بن طرخان التيمي "تابعي إمام ثبت".قال: "ليس قوم أشد نقضاً للإسلام من الجهمية والقدرية، فأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى، وأما القدرية فإنهم قالوا في الله " (١). ٢ - سفيان بن سعيد الثوري "أمير المؤمنين في الحديث".قال: "من قال: إن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١ - ٢] مخلوق، فهو كافر" (٢). ٣ - سلام بن أبي مطيع "عاقل، صاحب سنة، لا بأس به في الحديث".قال: "الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم" (٣). ٤ - مالك بن أنس "إمام دار الهجرة":قال عبدالله بن نافع – صاحبه -: كان مالك بن أنس ﵀ يقول: "من قال: القرآن مخلوق، يوجع ضرباً، ويحبس حتى يموت" (٤). وقال ابن نافع أيضاً: قال مالك: "من قال: القرآن مخلوق يؤدب ويحبس حتى تعلم منه التوبة".وقال ﵀: "من قال: القرآن مخلوق يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (٥). ٥ - عبدالله بن المبارك "الإمام العلم".كان يقول: "الجهمية كفار" (٦). وقال محمد بن أعين "ثقة صدوق": سمعت النضر بن محمد يقول: من قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه: ١٤] مخلوق، فهو كافر. قال: فأتيت ابن المبارك فقلت له: ألا تعجب من أبي محمد قال كذا وكذا؟ قال: "وهل الأمر إلا ذاك، وهل يجد بداً من أن يقول هذا؟ " (٧). وفي رواية:"صدق أبو محمد عافاه الله، ما كان الله يأمر أن نعبد مخلوقاً" (٨). ٦ - أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة "الثقة الصدوق الفقيه".قال: "جيئوني بشاهدين يشهدان على المريسي، والله لأملان ظهره وبطنه بالسياط، يقول في القرآن" يعني: مخلوق (٩). قلت: ونصوص الأئمة في تكفير المريسي – وهو بشر بن غياث، رأس من رؤوس المعتزلة الجهمية – كثيرة. ٧ - معتمر بن سليمان، حماد بن زيد، يزيد بن زريع "محدثون ثقات أصحاب سنة". قال فطر بن حماد "شيخ صدوق": سألت معتمر بن سليمان، فقلت: يا أبا محمد، إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ فقال: "ينبغي أن تضرب عنقه". قال فطر: وسألت حماد بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل، لنا إمام يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ قال: "صل خلف مسلم أحب إلي". وسألت يزيد بن زريع فقلت: يا أبا معاوية، إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق، أصلي خلفه؟ قال: "لا، ولا كرامة" (١٠). ٨ - عبدالله بن إدريس الأودي "من أئمة المسلمين، ثقة عابد". قال يحيى بن يوسف الزمي "وكان ثقة عدلاً":

стр. 1716

كنا عند عبدالله بن إدريس، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: "أمن اليهود؟ " قال: لا، قال: "فمن النصارى؟ " قال: لا، قال: "فمن المجوس؟ " قال: لا، قال: "فممن؟ " قال: من أهل التوحيد، قال:"ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء الزنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] فالله لا يكون مخلوقاً، والرحمن لا يكون مخلوقاً، وهذا أصل الزنادقة، من قال هذا فعليه لعنة الله، لا تجالسوهم، ولا تناكحوهم" (١). ٩ - أبو بكر بن عياش "إمام عدل، محدث مكثر". قال حمزة بن سعيد المروزي "ثقة مأمون".سألت أبا بكر بن عياش قلت: يا أبا بكر، قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن، فما تقول؟ فقال: "اسمع إلي ويلك: من زعم لك أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو الله، لا تجالسه، ولا تكلمه" (٢). ١٠ - وكيع بن الجراح "ثقة حافظ حجة".قال: "أما الجهمي فإني أستتيبه، فإن تاب وإلا قتلته" (٣). وقال أبو جعفر السويدي "وكان ثقة متثبتاً": سمعت وكيعاً وقيل له: إن فلاناً يقول: عن القرآن محدث، فقال: "سبحان الله، هذا كفر". قال السويدي: وسألت وكيعاً عن الصلاة خلف الجهمية؟ فقال: "لا يصلى خلفهم" (٤). وقال أبو خيثمة "زهير بن حرب":اختصمت أنا ومثنى، فقال مثنى: القرآن مخلوق، وقلت أنا: كلام الله، فقال وكيع وأنا أسمع "هذا كفر، من قال: إن القرآن مخلوق هذا كفر" فقال مثنى: يا أبا سفيان، قال الله : مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء: ٢] فأي شيء هذا؟ فقال وكيع: "من قال: القرآن مخلوق هذا كفر" (٥). ١١ - سفيان بن عيينة الهلالي "إمام حجة فقيه".قال: "القرآن كلام الله ، من قال: مخلوق، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر" (٦). ١٢ - أبو معاوية الضرير محمد بن خازم "حافظ ثقة".قال: "الكلام فيه بدعة وضلالة، ما تكلم فيه النبي ﷺ ، ولا الصحابة، ولا التابعون والصالحون" يعني: القرآن مخلوق (٧).

стр. 1717

١٣ - عبدالرحمن بن مهدي "علم، من أثبت المحدثين وأحفظهم".قال: "من زعم أن الله تعالى لم يكلم موسى صلوات الله عليه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (١).وقال: "لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد إلا سألته عن القرآن، فإن قال: إنه مخلوق، ضربت رأسه ورميت به في الماء" (٢).وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: "إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلم موسى، وقال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله تعالى، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (٣). ١٤ - أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي "محدث ثقة صدوق". قال إسحاق بن البهلول "ثقة عالم": قلت لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية؟ قال: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] " (٤). ١٥ - يزيد بن هارون "إمام في السنة، ثبت حجة حافظ".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٥). وقال شاذ بن يحيى الواسطي "وكان خيراً صدوقاً":حلف لي يزيد بن هارون في بيته: "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، من قال: القرآن مخلوق، فهو زنديق" (٦). ١٦ - أبو عبيد القاسم بن سلام "لغوي المحدثين، ثقة فقيه".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله ، وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى" (٧).وقال "لو أن خمسين يؤمون الناس يوم الجمعة، لا يقولون: القرآن مخلوق، يأمر بعضهم بعضاً بالإمامة، إلا أن الرأس الذي يأمرهم يقول هذا، رأيت الإعادة، لأن الجمعة إنما تثبت بالرأس" (٨).قال عبدالله ابن الإمام أحمد: فأخبرت أبي ﵀ بقول أبي عبيد، فقال: "هذا يضيق على الناس، إذا كان الذي يصلي بنا لا يقول بشيء من هذا صليت خلفه، فإذا كان الذي يصلي بنا يقول بشيء من هذا القول أعدت الصلاة خلفه" (٩). قلت: وهذا أقوم من قول أبي عبيد، وأوفق للسنة، ولكن دل قول أبي عبيد ﵀ على بيان فحش هذا الاعتقاد – اعتقاد الجهمية – وأنهم كفار، وإلا لما شدد هذا التشديد، وضيق هذا التضييق. ١٧ - أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي "حافظ حجة".قال: "من لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق، فهو خارج من الإسلام" (١٠). ١٨ - أحمد بن عبدالله بن يونس "ثقة ثبت، صاحب سنة".قال: "لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار" (١١).

стр. 1718

١٩ - هارون بن معروف المروزي "محدث، ثقة، خير".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو يعبد صنماً" (١).وقال: "من زعم أن الله لا يتكلم، فهو يعبد الأصنام" (٢). ٢٠ - يوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي صاحب الشافعي "ثقة فقيه صاحب سنة".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، قال الله : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] فأخبر الله أنه يخلق الخلق بـ "كن" فمن زعم أن "كن" مخلوق، فقد زعم أن الله تعالى يخلق الخلق بخلق" (٣). ٢١ - يحيى بن معين "العلم، إمام أهل الحديث".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٤).وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي "ثقة حافظ": أخبرني يحيى بن معين أنه يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبدالله بن هارون المأمون ما أظهر، يعني: القرآن مخلوق (٥).وقال أحمد بن زهير "ابن أبي خيثمة": سمعت أبي – وسأل يحيى بن معين – فقال: إنهم يقولون: إنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت، ولا تقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، قال: "لا" فعاودته، فقال: "معاذ الله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غيره هذا فعليه لعنة الله" (٦). ٢٢ - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. والنقل عنه في تكفيرهم ومجانبتهم، وترك الصلاة خلفهم، والكشف عن مساوئهم، لا يدخل تحت الحصر، فمن ذلك: قال أبو داود: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق، أهو كافر؟ قال: "أقول: هو كافر" (٧).وقال حنبل: سمعت أنا عبدالله بن حنبل – وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؟ - فقال: "من زعم أن علم الله تعالى وأسماءه مخلوقة، فقد كفر بقول الله : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: ٦١] أفليس هو القرآن؟ ومن زعم أن علم الله تعالى وأسماءه وصفاته مخلوقة، فهو كافر، لا شك في ذلك، إذا اعتقد ذلك، وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به، كان عندنا كافراً" (٨).وقال عبدالله ابنه: سمعت أبي ﵀ يقول: "من قال ذلك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا أنا لا ندع إتيانها، فإن صلى رجل أعاد الصلاة" يعني: خلف من قال: القرآن مخلوق (٩).وقال عبدالله: سمعت أبي ﵀ يقول: "إذا كان القاضي جهمياً فلا تشهد عنده" (١٠). وقال محمد بن يوسف بن الطباع "وكان ثقة": سمعت رجلاً سأل أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبدالله، أصلي خلف من يشرب المسكر؟ فقال: "لا". قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: "سبحان الله، أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر؟ " (١١).وقال صالح ابنه عنه: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة كفر، لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجل أعاد" (١٢). ٢٣ - أحمد بن صالح المصري "إمام ثبت حافظ".قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح عمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال: "كافر" (١٣).

стр. 1719

٢٤ - هارون بن موسى الفروي "شيخ ثقة، صاحب سنة". قال: "لم أسمع أحداً من أهل العلم بالمدينة وأهل السنن إلا وهم ينكرون على من قال: القرآن مخلوق، ويكفرونه".قال هارون: "وأنا أقول بهذه السنة" (١). ٢٥ - محمد بن إسماعيل البخاري "العلم، صاحب الصحيح".قال: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم – يعني الجهمية – وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم" (٢).وقال: "ما أبالي، صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم" (٣). ٢٦ - أبو حاتم محمد بن إدريس، وأبو زرعة عبيدالله بن عبدالكريم الرازيان "إماما الجرح والتعديل".قالا: "ومن زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر" (٤). ٢٧ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "إمام الأئمة".قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق: فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه" (٥). ٢٨ - محمد بن جرير أبو جعفر الطبري "الإمام الحافظ الفقيه الحجة". قال القاضي أحمد بن كامل "وكان ثقة فاضلاً": سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبري – ما لا أحصي – يقول: "من قال: القرآن مخلوق، معتقداً له، فهو كافر حلال الدم والمال، لا يرثه ورثته من المسلمين، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". فقلت له: عمن لا يرثه ورثته من المسلمين؟ قال: "عن يحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي". قيل للقاضي ابن كامل: فلمن يكون ماله؟ قال: فيئا للمسلمين. فهذه بعض أحكام الأئمة الأعلام في حق المعتزلة الجهمية، تبين لك عن فرقان بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، وهؤلاء الأعلام من سادة أئمة السلف الذين كانوا أسوة الناس، وفيهم السادة الكبار الذين يفزع إليهم الناس في كشف الشبهات، وإبانة الحق من دينهم. ولقد وقع في كلام بعض الأئمة تكفير بعض أعيان الجهمية، كفر جماعة من السلف الجعد بن درهم – أصل هذه الفتنة – وآخرون جهم بن صفون – رأسها – وآخرون بشراً المريسي – المنافح عنها – وكفر الشافعي ﵀ حفصاً الفرد – أحد دعاتهم – وهم بقتله. ولقد رأيت أقواماً من أهل البدع، وربما اغتر بهم بعض أهل السنة، يهونون من شأن الجهمية، وربما استنكر بعضهم على الأئمة الذين كفروهم، مع أنه لم يرد عن عامة أئمة السلف إلا تكفيرهم – كما نقله عنهم ابن جرير الطبري وغيره – وهؤلاء فيما رأى أحد رجلين: إما مبتدع، محترق في التجهم والاعتزال، يصر على أمر عظيم، يهاب الحق وسطوة أهله، فلا يصرح، وإنما يشير ويلمح. وإما جاهل، لم يفهم اعتقاد السلف في كلام الله تعالى، وخاف النظر في ذلك – ورعاً – يحسب أنه خوض في الكلام المذموم، فليس له إمام يقتدي به إلا الواقفة الذين أنكر الأئمة مذهبهم. أما الأول فلا سلمه الله ولا عافاه، وكشف ستره، وأظهر سوأته.

стр. 1720

وأما الآخر فليتق الله وليتعلم، وليدع ما حسبه ورعاً، فوالله ما هو بالورع المشروع، فإن الباطل موجود وله دعاة، وبدعة الجهمية لم تنفك عن الناس، وليكفه الاقتداء بأعلام الأمة، ورؤوس الأئمة، من بعد عصر الصحابة وكبار التابعين، الذين عافاهم الله من هذا البلاء، مثل: الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن معين، والبخاري. وممن سبقت الإشارة إليهم صنف حملوا التكفير في النصوص السالفة عن الأئمة وما يشبهها على الكفر الأصغر الذي لا يفارق به الدين، وهذا أيضاً من تهوينهم لهذه القضية، وتمويههم على الناس، وإلا فإن الكثير من النصوص المذكورة وغيرها صريحة في إخراجهم من الإسلام، ويجب أن يحمل ما أطلق من ألفاظ تكفيرهم على هذا المعنى الصريح، وأنا على يقين أن من فهم الاعتقاد السليم الذي شرحناه في الباب الأول، وفهم ما شبه به المعتزلة الجهمية على الناس، فإنه لا يرتاب في كفرهم الأكبر المخرج من الإسلام. فإن قيل: أليسوا يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قلنا: بلى، ولكنهم نقضوها بقولهم: مخلوقة، ونقضوها بتكذيب القرآن، وبنفي صفات رب العالمين، ووصفه بالعجز والنقص، بل وصفه بالعدم، فأي توحيد بعد هذا؟ فإن قيل: هذا الإمام أحمد ﵀ وهو من أشد الناس في هذه المسألة، ولقي بسببها ما لقي، لم يكفر المأمون، ولا المعتصم، ولا الواثق، بل ربما دعا لبعضهم، وأقر بإمرة المؤمنين، وكانوا حملة راية الفتنة بخلق القرآن، فلو كان كفراً مخرجاً من الإسلام لما دعا، أو عفا، أو أقر بإمرة المؤمنين. قلنا: هذا جهل من المعترض بحقيقة الأمر، فإن إطلاق التكفير ليس كتعيينه، إذ الحكم به على المعين قد يتخلف لمعنى، كتأويل، أو جهل، أو إكراه، فإنه يقال: من قال كذا كفر، ومن اعتقد كذا فهو خارج من الإسلام، وليس معناه أنا إذا وجدنا مسلماً وقع في ذلك استحق وصف الكفر به، حتى نعلم يقيناً أن قد بلغته الحجة الشرعية التامة الواضحة، فانتفى جهله بذلك، ولم يبق في نفسه نوع تأويل، وهذا أمر يعسر في الغالب، ولذا لم يكن من هدي السلف تكفير المعين حتى يوجد مقتضى التكفير، وتنتفي موانعه، ألست ترى تكفيرهم للجعد وجهم والمريسي؟ كفروهم بأعيانهم لانتفاء الجهل والتأويل، لما تضمنت أقوالهم من صراحة الكفر، وألست ترى تكفير الشافعي ﵀ حفصاً الفرد؟ كان بعد مناظرة وبيان، فقامت عليه الحجة، وانتفى أن يكون له حجة، فلم يقع الشافعي في حرج من تكفيره بعينه. ولما لم يفهم بعض الناس هذه القضية والفصل فيها، تحيروا في تفسير ألفاظ الأئمة المطلقة في ذلك، فحملها أقوام على الكفر الأصغر، وعاب بعضهم بعض الأئمة في تلك الإطلاقات، كما رأيت ذلك لبعضهم. هذا مع أنه قد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال: "علماء المعتزلة زنادقة" (١). وهذا يتضمن أن حال العارف العالم منهم غير حال من يتبعهم على جهل، كالخلفاء – الذين لا يفقهون إلا حفظ المناصب – وسائر العامة، الذين تلتبس عليهم الحقائق بما تثيره المبتدعة من الشبه. المصدر: العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع – ص ٣٢٣
следующие страницы →