← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

كنا عند عبدالله بن إدريس، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: "أمن اليهود؟ " قال: لا، قال: "فمن النصارى؟ " قال: لا، قال: "فمن المجوس؟ " قال: لا، قال: "فممن؟ " قال: من أهل التوحيد، قال:"ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء الزنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق، يقول الله: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] فالله لا يكون مخلوقاً، والرحمن لا يكون مخلوقاً، وهذا أصل الزنادقة، من قال هذا فعليه لعنة الله، لا تجالسوهم، ولا تناكحوهم" (١). ٩ - أبو بكر بن عياش "إمام عدل، محدث مكثر". قال حمزة بن سعيد المروزي "ثقة مأمون".سألت أبا بكر بن عياش قلت: يا أبا بكر، قد بلغك ما كان من أمر ابن علية في القرآن، فما تقول؟ فقال: "اسمع إلي ويلك: من زعم لك أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو الله، لا تجالسه، ولا تكلمه" (٢). ١٠ - وكيع بن الجراح "ثقة حافظ حجة".قال: "أما الجهمي فإني أستتيبه، فإن تاب وإلا قتلته" (٣). وقال أبو جعفر السويدي "وكان ثقة متثبتاً": سمعت وكيعاً وقيل له: إن فلاناً يقول: عن القرآن محدث، فقال: "سبحان الله، هذا كفر". قال السويدي: وسألت وكيعاً عن الصلاة خلف الجهمية؟ فقال: "لا يصلى خلفهم" (٤). وقال أبو خيثمة "زهير بن حرب":اختصمت أنا ومثنى، فقال مثنى: القرآن مخلوق، وقلت أنا: كلام الله، فقال وكيع وأنا أسمع "هذا كفر، من قال: إن القرآن مخلوق هذا كفر" فقال مثنى: يا أبا سفيان، قال الله : مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء: ٢] فأي شيء هذا؟ فقال وكيع: "من قال: القرآن مخلوق هذا كفر" (٥). ١١ - سفيان بن عيينة الهلالي "إمام حجة فقيه".قال: "القرآن كلام الله ، من قال: مخلوق، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر" (٦). ١٢ - أبو معاوية الضرير محمد بن خازم "حافظ ثقة".قال: "الكلام فيه بدعة وضلالة، ما تكلم فيه النبي ﷺ ، ولا الصحابة، ولا التابعون والصالحون" يعني: القرآن مخلوق (٧).

стр. 1717

١٣ - عبدالرحمن بن مهدي "علم، من أثبت المحدثين وأحفظهم".قال: "من زعم أن الله تعالى لم يكلم موسى صلوات الله عليه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (١).وقال: "لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد إلا سألته عن القرآن، فإن قال: إنه مخلوق، ضربت رأسه ورميت به في الماء" (٢).وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: "إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلم موسى، وقال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله تعالى، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (٣). ١٤ - أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي "محدث ثقة صدوق". قال إسحاق بن البهلول "ثقة عالم": قلت لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية؟ قال: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] " (٤). ١٥ - يزيد بن هارون "إمام في السنة، ثبت حجة حافظ".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٥). وقال شاذ بن يحيى الواسطي "وكان خيراً صدوقاً":حلف لي يزيد بن هارون في بيته: "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، من قال: القرآن مخلوق، فهو زنديق" (٦). ١٦ - أبو عبيد القاسم بن سلام "لغوي المحدثين، ثقة فقيه".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله ، وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى" (٧).وقال "لو أن خمسين يؤمون الناس يوم الجمعة، لا يقولون: القرآن مخلوق، يأمر بعضهم بعضاً بالإمامة، إلا أن الرأس الذي يأمرهم يقول هذا، رأيت الإعادة، لأن الجمعة إنما تثبت بالرأس" (٨).قال عبدالله ابن الإمام أحمد: فأخبرت أبي ﵀ بقول أبي عبيد، فقال: "هذا يضيق على الناس، إذا كان الذي يصلي بنا لا يقول بشيء من هذا صليت خلفه، فإذا كان الذي يصلي بنا يقول بشيء من هذا القول أعدت الصلاة خلفه" (٩). قلت: وهذا أقوم من قول أبي عبيد، وأوفق للسنة، ولكن دل قول أبي عبيد ﵀ على بيان فحش هذا الاعتقاد – اعتقاد الجهمية – وأنهم كفار، وإلا لما شدد هذا التشديد، وضيق هذا التضييق. ١٧ - أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي "حافظ حجة".قال: "من لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق، فهو خارج من الإسلام" (١٠). ١٨ - أحمد بن عبدالله بن يونس "ثقة ثبت، صاحب سنة".قال: "لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار" (١١).

стр. 1718

١٩ - هارون بن معروف المروزي "محدث، ثقة، خير".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو يعبد صنماً" (١).وقال: "من زعم أن الله لا يتكلم، فهو يعبد الأصنام" (٢). ٢٠ - يوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي صاحب الشافعي "ثقة فقيه صاحب سنة".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، قال الله : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] فأخبر الله أنه يخلق الخلق بـ "كن" فمن زعم أن "كن" مخلوق، فقد زعم أن الله تعالى يخلق الخلق بخلق" (٣). ٢١ - يحيى بن معين "العلم، إمام أهل الحديث".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (٤).وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي "ثقة حافظ": أخبرني يحيى بن معين أنه يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبدالله بن هارون المأمون ما أظهر، يعني: القرآن مخلوق (٥).وقال أحمد بن زهير "ابن أبي خيثمة": سمعت أبي – وسأل يحيى بن معين – فقال: إنهم يقولون: إنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت، ولا تقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، قال: "لا" فعاودته، فقال: "معاذ الله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غيره هذا فعليه لعنة الله" (٦). ٢٢ - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. والنقل عنه في تكفيرهم ومجانبتهم، وترك الصلاة خلفهم، والكشف عن مساوئهم، لا يدخل تحت الحصر، فمن ذلك: قال أبو داود: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق، أهو كافر؟ قال: "أقول: هو كافر" (٧).وقال حنبل: سمعت أنا عبدالله بن حنبل – وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؟ - فقال: "من زعم أن علم الله تعالى وأسماءه مخلوقة، فقد كفر بقول الله : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: ٦١] أفليس هو القرآن؟ ومن زعم أن علم الله تعالى وأسماءه وصفاته مخلوقة، فهو كافر، لا شك في ذلك، إذا اعتقد ذلك، وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به، كان عندنا كافراً" (٨).وقال عبدالله ابنه: سمعت أبي ﵀ يقول: "من قال ذلك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا أنا لا ندع إتيانها، فإن صلى رجل أعاد الصلاة" يعني: خلف من قال: القرآن مخلوق (٩).وقال عبدالله: سمعت أبي ﵀ يقول: "إذا كان القاضي جهمياً فلا تشهد عنده" (١٠). وقال محمد بن يوسف بن الطباع "وكان ثقة": سمعت رجلاً سأل أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبدالله، أصلي خلف من يشرب المسكر؟ فقال: "لا". قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: "سبحان الله، أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر؟ " (١١).وقال صالح ابنه عنه: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة كفر، لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجل أعاد" (١٢). ٢٣ - أحمد بن صالح المصري "إمام ثبت حافظ".قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح عمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال: "كافر" (١٣).

стр. 1719

٢٤ - هارون بن موسى الفروي "شيخ ثقة، صاحب سنة". قال: "لم أسمع أحداً من أهل العلم بالمدينة وأهل السنن إلا وهم ينكرون على من قال: القرآن مخلوق، ويكفرونه".قال هارون: "وأنا أقول بهذه السنة" (١). ٢٥ - محمد بن إسماعيل البخاري "العلم، صاحب الصحيح".قال: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم – يعني الجهمية – وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم" (٢).وقال: "ما أبالي، صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم" (٣). ٢٦ - أبو حاتم محمد بن إدريس، وأبو زرعة عبيدالله بن عبدالكريم الرازيان "إماما الجرح والتعديل".قالا: "ومن زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر" (٤). ٢٧ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "إمام الأئمة".قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق: فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه" (٥). ٢٨ - محمد بن جرير أبو جعفر الطبري "الإمام الحافظ الفقيه الحجة". قال القاضي أحمد بن كامل "وكان ثقة فاضلاً": سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبري – ما لا أحصي – يقول: "من قال: القرآن مخلوق، معتقداً له، فهو كافر حلال الدم والمال، لا يرثه ورثته من المسلمين، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه". فقلت له: عمن لا يرثه ورثته من المسلمين؟ قال: "عن يحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي". قيل للقاضي ابن كامل: فلمن يكون ماله؟ قال: فيئا للمسلمين. فهذه بعض أحكام الأئمة الأعلام في حق المعتزلة الجهمية، تبين لك عن فرقان بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، وهؤلاء الأعلام من سادة أئمة السلف الذين كانوا أسوة الناس، وفيهم السادة الكبار الذين يفزع إليهم الناس في كشف الشبهات، وإبانة الحق من دينهم. ولقد وقع في كلام بعض الأئمة تكفير بعض أعيان الجهمية، كفر جماعة من السلف الجعد بن درهم – أصل هذه الفتنة – وآخرون جهم بن صفون – رأسها – وآخرون بشراً المريسي – المنافح عنها – وكفر الشافعي ﵀ حفصاً الفرد – أحد دعاتهم – وهم بقتله. ولقد رأيت أقواماً من أهل البدع، وربما اغتر بهم بعض أهل السنة، يهونون من شأن الجهمية، وربما استنكر بعضهم على الأئمة الذين كفروهم، مع أنه لم يرد عن عامة أئمة السلف إلا تكفيرهم – كما نقله عنهم ابن جرير الطبري وغيره – وهؤلاء فيما رأى أحد رجلين: إما مبتدع، محترق في التجهم والاعتزال، يصر على أمر عظيم، يهاب الحق وسطوة أهله، فلا يصرح، وإنما يشير ويلمح. وإما جاهل، لم يفهم اعتقاد السلف في كلام الله تعالى، وخاف النظر في ذلك – ورعاً – يحسب أنه خوض في الكلام المذموم، فليس له إمام يقتدي به إلا الواقفة الذين أنكر الأئمة مذهبهم. أما الأول فلا سلمه الله ولا عافاه، وكشف ستره، وأظهر سوأته.

стр. 1720

وأما الآخر فليتق الله وليتعلم، وليدع ما حسبه ورعاً، فوالله ما هو بالورع المشروع، فإن الباطل موجود وله دعاة، وبدعة الجهمية لم تنفك عن الناس، وليكفه الاقتداء بأعلام الأمة، ورؤوس الأئمة، من بعد عصر الصحابة وكبار التابعين، الذين عافاهم الله من هذا البلاء، مثل: الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن معين، والبخاري. وممن سبقت الإشارة إليهم صنف حملوا التكفير في النصوص السالفة عن الأئمة وما يشبهها على الكفر الأصغر الذي لا يفارق به الدين، وهذا أيضاً من تهوينهم لهذه القضية، وتمويههم على الناس، وإلا فإن الكثير من النصوص المذكورة وغيرها صريحة في إخراجهم من الإسلام، ويجب أن يحمل ما أطلق من ألفاظ تكفيرهم على هذا المعنى الصريح، وأنا على يقين أن من فهم الاعتقاد السليم الذي شرحناه في الباب الأول، وفهم ما شبه به المعتزلة الجهمية على الناس، فإنه لا يرتاب في كفرهم الأكبر المخرج من الإسلام. فإن قيل: أليسوا يشهدون أن لا إله إلا الله؟ قلنا: بلى، ولكنهم نقضوها بقولهم: مخلوقة، ونقضوها بتكذيب القرآن، وبنفي صفات رب العالمين، ووصفه بالعجز والنقص، بل وصفه بالعدم، فأي توحيد بعد هذا؟ فإن قيل: هذا الإمام أحمد ﵀ وهو من أشد الناس في هذه المسألة، ولقي بسببها ما لقي، لم يكفر المأمون، ولا المعتصم، ولا الواثق، بل ربما دعا لبعضهم، وأقر بإمرة المؤمنين، وكانوا حملة راية الفتنة بخلق القرآن، فلو كان كفراً مخرجاً من الإسلام لما دعا، أو عفا، أو أقر بإمرة المؤمنين. قلنا: هذا جهل من المعترض بحقيقة الأمر، فإن إطلاق التكفير ليس كتعيينه، إذ الحكم به على المعين قد يتخلف لمعنى، كتأويل، أو جهل، أو إكراه، فإنه يقال: من قال كذا كفر، ومن اعتقد كذا فهو خارج من الإسلام، وليس معناه أنا إذا وجدنا مسلماً وقع في ذلك استحق وصف الكفر به، حتى نعلم يقيناً أن قد بلغته الحجة الشرعية التامة الواضحة، فانتفى جهله بذلك، ولم يبق في نفسه نوع تأويل، وهذا أمر يعسر في الغالب، ولذا لم يكن من هدي السلف تكفير المعين حتى يوجد مقتضى التكفير، وتنتفي موانعه، ألست ترى تكفيرهم للجعد وجهم والمريسي؟ كفروهم بأعيانهم لانتفاء الجهل والتأويل، لما تضمنت أقوالهم من صراحة الكفر، وألست ترى تكفير الشافعي ﵀ حفصاً الفرد؟ كان بعد مناظرة وبيان، فقامت عليه الحجة، وانتفى أن يكون له حجة، فلم يقع الشافعي في حرج من تكفيره بعينه. ولما لم يفهم بعض الناس هذه القضية والفصل فيها، تحيروا في تفسير ألفاظ الأئمة المطلقة في ذلك، فحملها أقوام على الكفر الأصغر، وعاب بعضهم بعض الأئمة في تلك الإطلاقات، كما رأيت ذلك لبعضهم. هذا مع أنه قد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال: "علماء المعتزلة زنادقة" (١). وهذا يتضمن أن حال العارف العالم منهم غير حال من يتبعهم على جهل، كالخلفاء – الذين لا يفقهون إلا حفظ المناصب – وسائر العامة، الذين تلتبس عليهم الحقائق بما تثيره المبتدعة من الشبه. المصدر: العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع – ص ٣٢٣

стр. 1721

المبحث الأول: المدرسة العقلية الحديثة وفكر الاعتزال وللمعتزلة – أو بالأصح فكر الاعتزال – شأن في عصرنا الحديث، ولولا ذلك الشأن ما اجتهدنا في التعريف بهذه الفرقة وأفكارها ومبادئها ولاعتبرناها من الفرق التي اندثرت في التاريخ؛ ذلك أن فضح مباحثها من خلال فكر الشيعة الرافضة أو تزييف مناهجها من خلال مناهج الأشاعرة إنما يتم في ثنايا الرد على الرافضة وغيرهم في مباحثهم ومناهجهم، وإنما اعتبرنا بيان الأصول العقائدية والقواعد المنهجية للاعتزال لما أطل خلفهم في عصرنا هذا برؤوسهم، ونادوا بما ادعته المعتزلة من مناهج واتخذوا من سبيل المدح لهم والثناء على "تحررهم" و "عقلانيتهم"! ذريعة إلى نشر آرائهم الفاسدة، والاستتار تحت شعار الاعتزال لدس السم في الفكر الإسلامي التوحيدي السليم. نعم! قالوا: أليس المعتزلة من "المسلمين"؟! ألا يحق لنا الاقتباس منهم والرجوع إليهم؟! وما لنا "نجمد" مع الجامدين من الفقهاء والأئمة والمحدثين من السلف ونلتزم طريقهم ولا نقتبس عن المعتزلة "المسلمين" مواقفهم"العقلية" "الثورية" "التحررية" التي تتناسب ومقتضيات عصرنا الراهن؟! تلك هي مجمل دعواهم وملخص قولهم الذي أرادوا به القضاء على عقيدة المسلمين والتفافهم حول كتابهم من خلال تلبيس الحق بالباطل – بعد أن نجحت جهودهم في إزاحة شريعة الحق عن الساحة – وهو شأن المفسدين في كل زمان ومكان. وقد بدأت جذور ذلك الأمر تظهر في البلاد الإسلامية السنية بعد أن ذاعت المبادئ الثلاثة التي أطلقها الصهاينة من خلال الثورة الفرنسية ليتمكنوا من خلالها من هدم الخلقية البشرية عامة وإقامة المجتمع اليهودي على أنقاضها، وهي مبادئ "الحرية – المساواة – العدل". "والحرية" تعني أن يتحرر الإنسان من كل القيم والأعراف والأديان ويفعل ما يحلو له كالبهيمة، وإن تمحك دعاتها في معاني الحرية السياسية أو الفكرية التي لم يقف الإسلام حائلا في سبيلها يوما من الأيام داخل الإطار الشرعي لها. "والمساواة" تعني أن لا فرق بين مسلم ونصراني ومجوسي بل الكل مشتركون في صفة الإنسانية فهم إخوة بهذا المعنى، ولا معنى للتفريق بينهم بسبب العقيدة، فلنسقط الأديان كلها باسم المساواة، وليتحد البشر باسم الإنسانية! وسبحان القائل وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وقال: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فكيف السبيل للاتحاد مع أمثال هؤلاء من المشركين!؟

стр. 1722

"والعدل" يعني نزع الثروات من أيدي مالكيها بدعوى سلامة التوزيع وردها إلى فئة من اليهود المسيطرين على الاقتصاد العالمي كله، وما تجارب الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية إلا أفكارا يهودية في أصلها ومنشئها. وقد ساعدت على نشر الأفكار الهدامة المؤسسات التي أقامها الصهاينة لتكون شعارا لهم ينشرون من ورائه تلك الخبائث كنوادي الروتاري والليونز، وهي مؤسسات ماسونية تنتشر في العالم كله لامتصاص طاقته وثرواته واجتذاب علية القوم فيه للاستفادة منهم. وقد سرت عدوى "التحرر" و "العقلانية" وأمثالها إلى الوطن الإسلامي نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن طريق البعثات التعليمية وغيرها، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا ونقلوا ذلك في كتبهم – بقصد أو بدون قصد – كرفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، إلى أن جاء دور جمال الدين الأسد آبادي – المعروف بالأفغاني – وهو إيراني المولد والمنشأ تربى في أحضان علماء الرافضة (١) – وقد قام بالعديد من الأعمال التي كان لها أسوأ الأثر في العالم الإسلامي رغم ما يحلو للبعض من المسلمين "الطيبين" أن يدعوه باسم "باعث الشرق"! وباعث الشرق هذا كان مؤسسا ورئيسا لأكبر محفل ماسوني في الشرق، وترقى في درجات الماسونية إلى أعلى المراتب. يقول محمد محمد حسين: "وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة في كتاب لأحد كبار رجال الماسونية في مصر ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية – تؤكد أن جمال الدين كان رئيسا لمحفل كوكب الشرق الماسوني، كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوا في هذا المحفل" (٢).وينقل أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح) عن جمال الدين قوله: "أول ما شوقني للعمل في بناية الأحرار عنوان كبير خطير (حرية – مساواة – إخاء) وإن غرضها منفعة الإنسان"!! (٣).وقد تكشفت حقيقة جمال الدين هذا لعلماء تركيا الذين اطلعوا على رفضه وخبثه فطردوه من بلادهم ورموه بالكفر من أمثال الشيخ مصطفى صبري مفتي الدولة العثمانية وغيره من العلماء (٤). ولا مجال للإطالة في الحديث عن جمال الدين هذا إلا بمقدار ما ينبغي أن نعرفه كأستاذ لمحمد عبده صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية – التي اصطلح على تسميتها بالمدرسة الإصلاحية! - والتي ظهرت أوائل هذا القرن في مصر وخرج من تحت عباءتها كثير من الكتاب الذين اتهموا بالدخل في دينهم من بعد مثل طه حسين، الذي وضع كتاب الشعر الجاهلي فحشاه بالكفر البواح وحوكم بسببه في مصر وعزل من عمله بالجامعة.

стр. 1723

ثم تتابعت الكتابات الهدامة المستترة تحت ستار الاعتزال والتحرر والعقلانية تنخر في جسد الأمة المسلمة بعد أن سقطت الخلافة – التي كانت آخر درع يتقي به كيد المفسدين- فظهرت كتابات طه حسين عن الشعر الجاهلي ثم عن مستقبل الثقافة في مصر وضرورة نبذ التقاليد الشرقية جملة وتفصيلا. كذلك كتابات قاسم أمين عن تحرير المرأة، وقد تمحك هؤلاء بلفظ الحرية ودعوى العقلانية والتقدم، وامتدحوا الاعتزال والمعتزلة واعتبروهم الأجدر بالاتباع في "تراثنا الإسلامي"!.تساءل أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام): "والآن يحق لنا أن نتساءل: هل كان في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين؟ " (١). ثم أعلن أنه ليس في صالحهم القضاء على الاعتزال، بل كان من الواجب على المعتزلة والمحدثين أن يستمرا كحزبين أحدهما تقدمي والآخر محافظ! ليستفيد المسلمون من كليهما! (٢) وما أبعد هذا الفكر عن الفهم الإسلامي المستوحى من أحاديث رسول الله ﷺ التي تقرر أن هناك طائفة واحدة منصورة ظاهرة على الحق وأنها وحدها الناجية دون سائر الفرق الاثنتين والسبعين!.ويعلن أحمد أمين في صراحة: " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة" (٣). ولم يكن هذا الرأي، الذي عبر عنه أحمد أمين، بشأن دور الاعتزال وأهميته وضرورة تبني المسلمين له في طرق البحث ومنهاجه، رأيا ارتآه وحده بل عرف عند كثير من غيره من الكتاب الذين لمعت أسماؤهم في هذه الحقبة الأخيرة من الزمان. فهذا كاتب آخر وهو زكي نجيب محمود – الذي تبنى الوضعية المنطقية كنظرية يدين بها – بزعم أنه إن كان لنا أن نحيي جزءا من تراثنا الإسلامي فليكن هو الاعتزال. يقول في (تجديد الفكر العربي): "يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها. . أعني أن يرثها في طريقتها ومنهاجها عند النظر إلى الأمور هي جماعة المعتزلة التي جعلت العقل مبدأها الأساسي كلما أشكل أمر" (٤).ويؤكد ذلك بعد صفحات فيقول: "فما زلت أرى أنه لو أراد أبناء عصرنا أن يجدوا عند الأقدمين خيطا فكريا ليتمسكوا بطرفه فيكونوا على صلة موصولة بشيء من تراثهم، فذلك هو الوقفة المعتزلية من المشكلات القائمة" (٥).

стр. 1724

وهذا المسكين قد وقع في خطأ كان لابد له من الوقوع فيه نظرا لانشغاله طوال حياته بالفكر الغربي دراسة وتحليلا وتسلية كما عبر بنفسه في مقدمة كتابه المذكور إلا سنوات قليلة أخذ "يعب فيها التراث عبا" على عجل بنظر المستشرقين لا بنظر المؤمن، هذا الخطأ هو اعتقاد أن أهل السنة والجماعة كانوا يقفون بالمرصاد لمحاولات إعمال العقل في مجال الطبيعة والحياة بحرية وانطلاق، وهو أمر ما كان في يوم من الأيام، وإنما يشهد التاريخ أن الصراع بين أهل السنة وبين غيرهم من الفرق الضالة كان بسبب إدخال العقل في مجال الغيب أولا، ومحاولة تحكيمه في نصوص الشارع الثابتة التي توجه الحياة البشرية بكليات وقواعد قد رضيها الله سبحانه لخلقه – وهو أعلم بهم – ثانيا، أما في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية فعلى أمثال هؤلاء المفسدين إبراز دليل واحد يستدلون به على وقوف أهل السنة والجماعة في وجه تلك العلوم أو عدم إعمال العقل فيها، وحتى مهاجمة أهل السنة للفلاسفة إنما كانت في الجانب الميتافيزيقي الذي خاضوا فيه غمار العلوم الإلهية بعقولهم القاصرة فخرجوا إلى الكفر البواح كما فعل ابن سينا والفارابي، بينما لم ينكر أحد على ابن سينا وضعه لكتاب (القانون) في الطب مثلا، وإنما ادعاءات هؤلاء كلها محض باطل وتجن وهوى، ولما كان الإسلام يعالج في مبادئه وأساسياته قواعد اجتماعية وتشريعات دولية وسياسية واقتصادية تصادمت في كثير منها مع تلك الاتجاهات الهدامة، كان لهم في المواقف الاعتزالية التي قدمت العقل فيما لا يمكن الحكم فيه خير سند في دعواهم للقضاء على الشريعة الإسلامية والنهج الرباني. وقد تناثرت تلك الدعاوى عن المعتزلة في العديد من أعمال بعض الباحثين المحدثين، كما ذكرنا، فمدحوا الاعتزال وتابعوا المستشرقين ونقلوا عنهم ما أوردوه في تحسينه وتزيينه.

стр. 1725

يقول عرفان عبد الحميد في كتابه (دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية) تحت عنوان أهمية المعتزلة في الفكر الإسلامي: "المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام وكان لها دور كبير في تطوير الفكر الديني والفلسفي فيه، فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية!! وجعلت للنزعة العقلية في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة، ورفعت من شأن العقل وأحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة" (١)، ولا نحتاج إلى التعليق، حيث سبق أن بينا موقف أهل السنة من "العقل" ومجالاته، وبينا المجال الذي عملت فيه النزعة العقلية في الإلهيات فأنتجت ذلك الضلال والانحراف. ولكن أنى لمثل هذا الباحث أن يتفهم موقف الإسلام في مثل تلك الأمور وهو ينقل عن المستشرقين نص كلامهم مرتئيا له وموافقا عليه، فيقول: "والمعتزلة تمثل أول محاولة في الفكر الإسلامي تعرضت لمسألة الصلة بين الحقائق الدينية وأحكام العقل وذلك (بقوة فكرية عجيبة وثبات عظيم وحاولت حلها بطريقة مبتكرة) " وما بين القوسين منقول عن سوزانا فلزر في مقدمة كتاب (المعتزلة) وواضح تبنيه لهذا الرأي الاستشراقي! فالله الله في المسلمين وعقائدهم أيها الباحثون المجددون. ويقول عبد الستار الراوي في مقدمة كتابه (فلسفة العقل) عن الحركة الاعتزالية: "حركة ثقافية تتخطى المذهبيات المغلقة، تنتهج في جدلياتها الكلامية "الحرية" (٢) وأنها "تقيم الأدلة المنطقية على عقم الاتجاهات السلفية ومواقفها الوثوقية! " (٣).ومعنى قوله "مواقف السلف الوثوقية" هو وثوق أهل السنة وأتباع السلف بقيمة النص إزاء العقل ووثوقهم من مقررات النصوص الثابتة القطعية. ثم يقول في بيان شرحه لموقف الإمام أحمد إزاء محاوريه من المعتزلة إبان المحنة وتمسكه بالنصوص الثابتة: "ولما حاصرته براهين المعتزلة العقلية أقر بعجز عقله غير المدرب عن رد جدلياتهم الكلامية في مسألة الصفات يقول: لا أدري. هو (الله) كما وصف نفسه لا أزيد عن ذلك شيئا!! " (٤). ولله درك يا إمام، فقد ضاق عقل شانئيك بعد اثني عشر قرنا من أن يفهموا معنى موقفك، وحقيقته الذي حافظت به على قيمة النص الشرعي وأوقفت محاولات التلاعب بدين الله. ولو ذهبنا نتتبع هذا التيار الذي انتشر في الكتابات الحديثة لطال الحديث ولكننا نكتفي بما ذكرنا ليكون دليلا وشاهدا على صحة ما ذهبنا إليه من محاولة الفكر الاعتزالي العودة إلى السطح – من خلال مفاهيم التحرر والتقدم والعقلانية – محمولا على أقلام بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصافي الأصيل.

стр. 1726

ومما يدعو للأسف أن هذا الاتجاه – بشكل أقل حدة – قد تعدى إلى بعض الفضلاء ممن ينتمون للحركة الإسلامية في عصرنا، فالدكتور عدنان زرزور يقدم رسالته عن الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير وينقل ثناء الشيخ محمد أبو زهرة على المعتزلة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) مؤيدا هذا الثناء فيقول: "قال – أي أبو زهرة – حفظه الله: أولا: إن هؤلاء – أي المعتزلة – يعدون فلاسفة الإسلام حقا لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية غير منطلقين في غير ظلها، فهم يفهمون نصوص القرآن فهما فلسفيا، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها غير خالعين للشريعة ولا متحللين من النصوص"! (١).كما إنه يدعو "للإفادة من منهج المعتزلة العقلي – ومن سائر المناهج الكلامية الأخرى - في الدفاع عن الإسلام وشرح حقائقه أمام مناوئيه ومخالفيه من أتباعه والغرباء عنه على حد سواء"!! (٢) فهل يا ترى في منهج المتكلمين وطريقة المعتزلة ما يدفع به عن الإسلام بحق؟! ثم يدعي الدكتور عدنان دعوى عريضة خالف فيها منطوق ومفهوم نصوص ثابتة صريحة عن رسول الله ﷺ كحديث الفرق الثلاثة والسبعين وحديث الفرقة المنصورة الذي رواه مسلم فقال: "وليس في تاريخ الإسلام فرقة واحدة تستطيع أن تزعم لنفسها فهم العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل حتى يكون كل من خالفها في شيء ضالا مبتدعا أو من أهل الزيغ والأهواء! ولا تخلو فرقة واحدة من الغلو في جانب والتفريط في جانب آخر، وليست مهمتنا الانتصار لفرقة على أخرى أو تعميق الخلاف بين هذه الفرق"! (٣).والعجب العجب مما قاله! فقد اشتملت هذه الفقرة وحدها على ثلاثة أخطاء مركبة أولها: قوله: أنه لا توجد فرقة واحدة فهمت العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل! فأين قول رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) رواه مسلم (٤)، وأين قوله ﷺ : ((ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة إحداها الناجية)) رواه الترمذي (٥)، وأين فرقة أهل السنة والجماعة التي من زعمائها أئمة الإسلام مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومحمد بن عبد الوهاب. . وغيرهم كثير كثير ممن اتفقت عقائدهم وإن اختلفوا في بعض الفروع!؟ وهل للعقيدة الإسلامية بهذا القدر من الصعوبة ليتعذر فهمها على أي طائفة طوال هذه القرون؟!. أوليس معنى ما تقدم من أنه "حتى يكون من خالفها في شيء ضالا ومبتدعا أو من أهل الزيغ والأهواء" إنكارا صريحا لوجود أهل الأهواء ابتداء إذ أين نذهب بأقوال أئمة الإسلام التي تحذر من اتباع أهل الأهواء والبدع؟ وكفانا في ذلك مراجعة ما أورده الشاطبي في الاعتصام الجزء الأول عن أهل الأهواء والتحذير منهم وكلام أئمة السنة فيهم. . ونترك للقارئ المسلم الحكم على صحة أقواله وتقييمها من خلال ما طالع في ثنايا بحثنا.

стр. 1727

ثانيها: قوله: ولا تخلو فرقة واحدة من الغلو في جانب والتفريط في جانب آخر!.ونقول: بل إن سمة أهل السنة الوسطية لا إلى إفراط ولا إلى تفريط كما وصفهم ابن تيمية بقوله: "وهم (أهل السنة والجماعة) وسط في باب أفعال الله بين المعتزلة المكذبين بالقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله. وفي باب الوعد والوعيد، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار. وهم وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم الذين يقول فيه بإلهية أو نبوة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة" (١). وثالثها: قوله: "وليست مهمتنا اليوم الانتصار لفرقة على أخرى. . ". ويقول: بل إن مهمتنا الأساسية في الحياة هي إظهار عوار الباطل الذي تشتمل عليه أقاويل تلك الفرق الاثنتين والسبعين، كما أن مهمتنا مناهضة الإلحاد والكفر سواء بسواء، والمقبول من العمل هو ما كان خالصا صوابا؛ خالصا لوجه الله تعالى وصوابا على سنة رسول الله ﷺ ، فالتلفيق ومحاولة التقارب المزعوم بين الفرق هو بمثابة الطعن في صحة عقيدة الحق التي عليها أهل السنة والجماعة؛ عقيدة السلف الصالح؛ وعقيدة صحابة رسول الله ﷺ . المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ١٢٥ يرى بعض الباحثين أن الجهمية والمعتزلة من الطوائف التي عاشت في الساحة الإسلامية ردحاً من الزمن ثم اختفت، وأن مناقشة أفكارهم وعقائدهم صراع مع الرميم يتنزه عنه العقلاء، فنجد بعضهم يعقد في كتابه مبحثاً بعنوان: "من أسباب اضمحلالهم" فيذكر بعض الأسباب، ثم يقول: ولعل مما عجل بانقراضهم كثرة اختلافاتهم" ويقول آخر: "إذا كان الإسلام لا يتعارض مع العقل فما المدى الذي يسمح فيه للتفكير العقلي في أصول الدين، حتى لا تتكرر مأساة اختفاء المعتزلة" ويقول: "قام المعتزلة بدور رئيسي في الحياة العقلية للحضارة الإسلامية منذ القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري، حتى تواروا بعد ذلك عن مسرح الفكر" ثم يطمئن نفسه بأن تراث المعتزلة باق فيقول: "وقد قام الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان ت ٦١٤هـ أحد أئمة الزيدية باليمن بإرسال دعاته إلى خارج اليمن لاستنساخ الكتب والمصنفات التي توافق مذهب الزيدية، وخاصة مؤلفات المعتزلة، بذلك حفظت لنا مكتبات اليمن وأقبيتها، تراث المعتزلة" (٢).

стр. 1728

ويقول د. يوسف القرضاوي – مقللاً من أهمية بقاء الحوار مع المتكلمين المؤولة-: "ولهذا قلت لإخواننا العلماء في قطر والمملكة العربية السعودية حين سمعت بعضهم يجادل في قضية الصفات بين السلف والخلف، وما فيها من جدل وكلام طويل الذيول: إن المعركة اليوم ليست مع الأشاعرة ولا مع الماتريدية، ولا المعتزلة والجهمية، إن معركتنا اليوم مع الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله ولا نبوة، ولا كتاب، ليست معركتنا مع الذين يقولون عن الله: ليس له مكان، بل مع الذين يقولون: ليس له وجود، وعلينا أن نخلقه كما قال أحدهم! ليست معركتنا مع الذين يؤولون صفات الله تعالى، بل مع الذين يجحدون الله بالكلية، وأي تحويل للمعركة عن هذا الخط يعتبر توهيناً للصف، وفراراً من الزحف، وإعانة للعدو. ومن الإنصاف أن أقول: إني وجدت تجاوباً رائعاً من علماء قطر، والمملكة العربية السعودية نحو هذا الاتجاه، فيما عدا القليل منهم." (١). أقول: هذا كلام غير مقبول لأمور: الأول: أن هذا التوجه الأحادي الانتقائي تجاه الملل والنحل الضالة ينافي المنهج الإسلامي القويم الذي بعث الله به رسله، والذي يقضي بوجوب إقامة الدين الحق، ومحاربة كل ملة أو نحلة ضالة مخالفة للدين، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣ والفتح ٢٨]. الثاني: مقتضى هذا القول: أن المعركة ليست بيننا وبين اليهودية والنصرانية المحرفين باعتبار أهلهما مقرين بوجود الله، وهذا ضرب من الإرجاء خطير. الثالث: مما يقرب هذا اللازم أن كلام القرضاوي هذا – وإن كان غريباً لدى سائر المسلمين – ليس غريباً على منهج المدرسة التي ينتمي إليها، فقد بني هذا الكلام – كما يبدو لي – على أساس حاول شيخه البنا إقامته منذ مدة طويلة، حيث ألقي في ٥/ ٣/١٩٤٦م كلمة أمام "اللجنة الأمريكية البريطانية" التي كانت تجول حول العالم العربي بخصوص تمييع قضية فلسطين، والعمل على تهجير اليهود إليها، ألقى الشيخ البنا كلمته أمام هذه اللجنة باعتباره ممثلاً للحركة الإسلامية، جاء فيها: "الناحية التي سأتحدث عنها نقطة بسيطة من الوجهة الدينية، إلا أن هذه النقطة قد لا تكون مفهومة في العالم الغربي، فأريد أن أوضحها باختصار فأقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية؛ لأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن تكون قومية، وقد أثنى عليهم، وجعل بيننا وبينهم اتفاقاً: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦] وعندما أراد القرآن أن يتناول مسألة اليهود تناولها من الوجهة الاقتصادية والقانونية، قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠] " (٢).وقال الشيخ البنا – في مؤتمر صحفي عقد في ٥/ ٩/١٩٤٨م للاحتفال بمرور ٢٠ عاماً على إنشاء الجماعة-: "وليست حركة الإخوان المسلمون موجهة ضد عقيدة من العقائد، أو دين من الأديان أو طائفة من الطوائف، إذ أن الشعور الذي يهيمن على نفوس القائمين بها أن القواعد الأساسية للرسالات جميعاً قد أصبحت مهددة الآن بالإلحادية، والإباحية وعلى الرجال المؤمنين بهذه الأديان أن يتكاتفوا ويوجهوا جهودهم إلى إنقاذ الإنسانية من هذين الخطرين الزاحفين" (٣).

стр. 1729

من تأمل هذا الكلام أدرك أن القرضاوي هنا يعي ما يقول، وأن كلامه جار على تعليمات تلقاها من مثل هذه التصريحات الغريبة التي تنافي مبدأ الولاء والبراء في الإسلام. وكيف يقال: إن ذم اليهود في القرآن محصور في الحيثية الاقتصادية والقانونية مع قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٠ - ٣١].والحق الذي لا ريب فيه أن المعتزلة – وإن رحلت بأعلامها ومشاهيرها – فقد بقي الاعتزال بكل معانيه وصوره، بقي الاعتزال تحت فرق تسمت بأسماء أخرى، وبقي بمناهجه وأصوله تحت أشخاص ينتسبون إلى السنة بألسنتهم، يقول محمد أبو زهرة – وهو يقر بوجود المعتزلة منشوراً بين المفكرين-: "نعم إن المسألة محصت ودرست بعد ذلك من الأخلاف، ورأى كثيرون من مفكري الإسلام رأي المعتزلة، ولكن لم يكن ذلك نتيجة للاضطهاد، بل كان نتيجة لمناظرات العلماء، وما نشره المعتزلة من رسائل، ولو ترك الأمر على رسله من غير اضطهاد لانتشرت فكرة المعتزلة أكثر مما انتشرت، وما لوث تاريخهم بذلك الاضطهاد" (١) هنا نلاحظ أنا أبا زهرة يرى أن اللوثة الوحيدة التي لحقت بفكر المعتزلة وحدت من انتشاره هي طريقتهم في نشر أفكارهم بالقوة، وأنه لولا ذلك الأسلوب لانتشر أكثر، ومعنى الانتشار أكثر أن يكتسح هذا الفكر جميع أقطار العالم الإسلامي، وإلا فقد انتشر فكرهم انتشاراً فاحشاً، ولنسمع ما يقوله جمال الدين القاسمي في هذا الموضوع: "هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالاً، وأكثرها تابعاً، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية، والشامية، والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن؛ فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول – كما قاله العلامة المقبلي في (العلم الشامخ) (٢) – وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين، وبهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة في المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان، ومذاهب أهلها" (٣). هذا ما يتعلق بانتشارهم ضمن الفرق البدعية الأخرى كالزيدية والرافضة، وغيرهم، وأما الجانب الآخر والخطير فهو انتشار فكرهم داخل المعسكر السني بواسطة أقوام مفتونين بالمنهج العقلاني، ولنأخذ مثاليين من هذا الصنف علماً بأنهم كثيرون في عصرنا حتى قامت معاهد فكرية تتبنى منهج عقلانية المعتزلة في التعامل مع النصوص الشرعية. الأول: الشيخ محمد الغزالي الذي يعتمد على المنهج العقلاني في أكثر كتبه، ويظهر ذلك أكثر في كتابه الموسوم بـ (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث).

стр. 1730

واعتزاليات الغزالي تبدو لقارئ كتابه المذكور من ركوبه صهوة العقل رد كثير من النصوص الثابتة، ومن موقفه من نصوص القدر حيث يؤولها إلى الاختيار المطلق كما يقول المعتزلة، وإليك نتفاً من ذلك الكتاب:- يقول الغزالي: "والقول بأن كتاباً سبق بذلك (يعني بمصير الإنسان) وأنه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلاً هذا كله تضليل وإفك" (١).وقال: "ومن ثم فإننا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم: ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار ... الخ)) (٢). إذا كان الحديث المذكور تنويهاً بشمول العلم الإلهي، وأن بدايات بعض الناس قد تكون مخالفة لنهاياتهم فلا بأس من قبوله بعد الشرح المزيل للبس المبطل للجبر، أما المعنى القريب للحديث فمردود يقيناً" (٣).والمثير هنا مطابقة نظر الغزالي مع نظر النظام في رد هذا الحديث حيث نسب رواية ابن مسعود ﵁ إلى الكذب، وعد مدلوله من الجبر، فرد عليه العلامة ابن قتيبة رداً بليغاً (٤).قال الدكتور ربيع بن هادي: "أي أنه إن انقاد له الحديث ذليلا إلى مذهب المعتزلة البعيد فلا بأس به، تفضلا من الغزالي وتكرماً على الحديث المسكين، وإن أبى واستعصى عليه فلا يفهم منه إلا ما فهم أهل السنة والجماعة فمردود يقيناً" (٥).وعلى هذا السبيل المعوج سار الغزالي في هذا الباب، فيصف أحاديث القدر بأنها "لا تخدم إلا مبدأ الجبر" ويقول عن هذه الأحاديث: "إن متونها توقفنا أمامها واجمين لنبحث عن تأويل لها أو مخرج" ثم في آخر كتابه يطلق مدفع النصر، ويصفق لنفسه قائلاً: "وقد استطعت بشيء من التكلف أن أصرف شبهة الجبر عن آثار شتى" (٦).

стр. 1731

المقصود: أن فكر هذا الرجل امتداد لفكر المعتزلة من حيث تقديم العقل على كل شيء ممثلاً في موقفه من نصوص القدر وغيرها، فليكن قارئ كتبه – وخصوصاً كتابه (السنة النبوية) – على حذر من السقوط على أم رأسه؛ فإنها مليئة بالبلاوي والطامات، والله المستعان. الثاني: علي مصطفى الغرابي في كتابه (تاريخ الفرق الإسلامية) والغرابي – حسب ما هو مكتوب على طرة كتابه – أستاذ في كلية الشريعة بمكة المكرمة، والكتاب لا يعبر عنوانه عما في داخله؛ لأنه في الحقيقة كتاب في فضائل المعتزلة، ومزايا الاعتزال، ونصيب الفرق الأربع الأخرى المذكورة فيه ضئيل جداً (١).ومن قرأ هذا الكتاب بتأمل لا يأخذه أدنى شك بأن الرجل من المعتزلة – وليس مجرد متعاطف معهم – لما يحتويه من الثناء على المعتزلة والمبالغة في ذلك، ووصم غيرهم بالألقاب، وتبني أصولهم بكل صراحة، وإليك نتفاً من ذلك حتى تقف على الحقيقة بنفسك:- حسن ظنه بالمنهج العقلاني وسوء ظنه بالنصوص الشرعية وقدرتها على بيان الحق وتجليته: يقول الغرابي – تحت عنوان "الحكم على واصل"-: إنه يكفي في حكمنا على واصل أنه رئيس هذه الفرقة العظيمة "فرقة المعتزلة" صاحبة الأبحاث الكلامية، والتي تركت للمسلمين تراثاً فلسفياً له قيمته، والتي فتحت أمام العقيدة الإسلامية طريق البحث المنطقي، مما جعل أصحاب الديانات الأخرى يقفون عن هجوم هذه العقيدة الجديدة، والذين كانوا يريدون أن يثأروا لأنفسهم منها بطريق الجدل الكلامي، فلما رأى منهم المعتزلة هذا الأمر مرنوا على أساليبهم وأتقنوها، وحاربوهم بمثل سلاحهم، ولو وقف الأمر عند الاحتجاج بالقرآن والحديث لما انقطعت غارات المخالفين عن هذا الدين، لأنهم لا يؤمنون بهما" (٢). قلت: هذه خدعة طالما أثارها العقلانيون، فكأن القرآن الكريم حين نزل كان يخاطب أناساً مؤمنين ولم يخاطب الكفار والدهريين الذين لا يؤمنون بشيء وراء الحس، ويقنع أحبار اليهود حتى أسلم الكثير منهم، إن الهجمات والغزوات الفكرية والشبهات العقدية التي شنها أعداء الإسلام لم تبدأ مع ظهور المعتزلة، بل بدأت مع ظهور الإسلام، وقد دحضها القرآن كلها ولم تكن هناك فلسفة، ولا منطق كلامي، فالقرآن كما أنه خطاب للقلوب والعواطف والأرواح كذلك خطاب للعقول السليمة، وشفاء للمريضة؛ لأن منزله سبحانه هو الخبير بجميع ما كان وما يكون من الأدواء، ولكن الذي يعرف ذلك ويستفيد منه هو المؤمن الحسن الظن بالقرآن، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [الإسراء: ٨٢] ومن لم يهتد بهدي القرآن والسنة فلا هداية له فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: ٦] لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١]. كم حكت لنا كتب السنن والتاريخ والسير عن أحوال قوم من الجبابرة الطغاة دخل الإيمان بشاشة قلوبهم بسماع آيات من القرآن الكريم وهذه كتب السير والتواريخ بين أظهرنا لا تخبرنا عن فيلسوف عقلاني واحد أسلم بسبب جدل المعتزلة ومناظراتهم.

стр. 1732

تبرمه من عداوة أهل السنة لعمرو بن عبيد: بعد أن ذكر العديد من المناقب والمزايا التي زعمها لعمرو تحت عنوان "صفاته" عقد الغرابي عنواناً نصه: "عداوة أهل السنة له"ومما قال فيه: "إنه رغم هذه الصفات التي ذكرناها والتي هي بعض صفات عمرو فإننا نجد أهل السنة قد أكثروا من ذم عمرو، وناصبوه العداء، وكانوا يحضون الناس على مقاطعته" (١) لما وصف عمراً بقوله: "كان يميل إلى التحرر من كل شيء ... يحب التحرر من النصوص إذا وجد منفذاً ينفذ منه إلى العقل، لا يتورع عن أن يخطئ صحابياً، أو ينتقد آخر ويرد روايته، وهذا مما جعله هدفاً لنقد المحدثين وتحاملهم عليه" (٢) هل هذا هو التحامل علماً بأن معناه: "الجور وعدم العدل" (٣).واصل بن عطاء عنده إنسان كامل: قال: "وعلى كل حال إذا فتشنا في جميع نواحي الرجل وجدناه قد بلغ فيها ذروة الكمال" (٤) هكذا في جميع النواحي! ومما يؤكد ذلك كله وصفه أهل السنة بالإرجاء، فقال عن مرتكب الكبيرة: "والمرجئة تسميه مؤمناً فاسقاً" وقال أيضاً: "وقالت المرجئة: هو مع فسقه وفجوره مؤمن" (٥) ويؤكده قوله – بعد أن ساق أقوال المعتزلة مسانداً لها-:"هذا بعض ما أجمعت عليه المعتزلة ذكرنا بعضه لبعض علمائهم، وذكرنا طرفاً منه لعالم أشعري لنبين الفرق بين ما يكتبه معتزلي عن معتزلي، وأشعري عن معتزلي حتى نأخذ أقوال هؤلاء المؤرخين للفرق بحرص واحتياط، وحتى لا نقع فيما وقعوا فيه، ونخدع بما خدعوا به" (٦). وهذا الذي قاله تلبيس، أما أولاً: فإنه لم يذكر فيما ساقه غير الدفاع العاطفي المجرد عن الاستدلال، وأما ثانياً: فليس اعتماد أهل السنة في نقدهم المعتزلة على ما ينقله المؤرخون، بل ردوا عليهم وهم حاضرون، وردوا عليهم من خلال كتبهم، ومقالاتهم التي نشروها؛ لأنها موجودة، فليس هناك خادع ولا مخدوع إلا من انتصر للبدعة، ودافع عن الباطل، وهل يبقى بعد هذا كله من يشكك في وجود المعتزلة بكل أصولها بين أظهرنا، أو أن الحق قد انبلج، وطلعت شمسه لذي عينين؟ المصدر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص ٢٣٧ يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه ثوباً جديداً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي. - وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل الإنساني .. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من هذا القبيل. - وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر.

стр. 1733

- وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد، والحدود، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع. ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر. - ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة)، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا. هذا في البلاد العربية. أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب سير من قبل الاستعمار البريطاني. وهو يرى أن القرآن الكريم لا السنة النبوية هو أساس التشريع وأحلّ الربا البسيط في المعاملات التجارية. ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم. - وجاء تلميذه سيد أمير علي الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة. - ومن هؤلاء أيضاً مفكرون علمانيون، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب محمود صاحب (الوضعية المنطقية) وهي من الفلسفة الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحييه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة انظر كتاب (تجديد الفكر العربي) ص ١٢٣. - ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام) و (ظهر الإسلام)، فهو يتباكى على موت المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم، ويقول في كتابه: (ضحى الإسلام): " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة " (ج٣ ص٢٠٧). - ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية من ينادي بالمنهج العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه (الفكر الإسلامي والتطور) .. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً " انظر كتاب (المعتزلة بين القديم والحديث) ص ١٣٨. - وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية .. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد ومحمد سليم العوا، وغيرهم. ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في التعامل مع الشريعة الإسلامية ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات خارجية لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه ـ اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 1734

المبحث الثاني: نشأة المدرسة العقلية الحديثة لم يكن في نهاية دولة الاعتزال نهاية للتقدم العلمي في العالم الإسلامي بل أن العلم لم يزل في توسعه ونموه فشمل الطب والحكمة والكيمياء والرياضيات والعمارة وغير ذلك فازدهرت العلوم وأينعت. وبينما كان العالم الإسلامي في أوج حضارته العلمية كان العالم النصراني في أوروبا يتخبط في ظلمات الجهل فقد سيطرت الكنيسة فيه على العقول وحظرت على أتباعها ممارسة كثير من العلوم فسيطرت على العلماء واحتكرت العلم واحتفظت لنفسها بحق تفسير ظواهر الحياة ولم تكن تتردد في الإعدام والحرق والتعذيب تحت آلات أعدت له في محاكم التفتيش لكل من يجرؤ على مخالفتها من علماء الطبيعة والكيمياء والفلك وغير ذلك حتى لا يضيع سلطانها وهيبتها من النفوس. كان هذا حال الشرق وحال الغرب لكن الأمر لم يدم على هذا فقد أثار البابا جريجوري السابع الحرب الصليبية الأولى وعندما تحرك الصليبيون لم تكن هناك جبهة إسلامية موحدة في الشرق الذي كان يعاني عندئذ التفكك والانقسام فواصلوا زحفهم حتى القدس واستولوا عليها سنة ٤٩٢هـ - ١٠٩٩م (١) ثم لم تزل الحروب الصليبية على العالم الإسلامي تتتالى وكان من نتيجة هذه الحملات الصليبية أن نقلت الحضارة الإسلامية إلى بلادهم فاستولى الأوروبيون على الكتب العلمية في شتى العلوم والمعارف واقبلوا عليها دراسة وتجربة وتنمية ووقفت الكنيسة موقفها فأحرقت كثيراً من العلماء وأعدمت الكثير لكن هذا لم يمنع العلماء من الظهور بمظهر الاستشهاد في الدفاع عن مبادئهم وآرائهم حتى الموت مما أتاح الفرصة لدعاة التحرر الفكري من سلطان الكنيسة فهدموا الكنيسة وهدموا الدين معها وانتهى ذلك الصراع الطويل بانتصار دعاة التحرر والحد من سلطان الكنيسة وحصره فانكمش نفوذ البابا ولم يعد يجاوز طقوس التعميد والصلاة والزواج والجنائز وبذلك تحقق فصل الدين عن الدولة (٢).في تلك الفترة كان العلم في حالة انكماش في الشرق وتمدد ونمو في الغرب وأستمر الأمر على هذا الحال. أضف إلى ذلك ما عاناه العالم الإسلامي من حروب أنهكته وحطمته بعد الحروب الصليبية نذكر منها هجمات المغول وسقوط الدولة العباسية على أيديهم وقتلهم الكثير من العلماء ورميهم للكتب العلمية في نهر دجلة حتى صار ماؤه أزرق ثلاثة أيام (٣) كما يذكر المؤرخون أدت هذه الأمور وغيرها إلى ضعف العالم الإسلامي وانتقال الحضارة العلمية إلى أوروبا التي وجهت طاقتها وعنايتها إلى الاهتمام بالعلوم ونشرها.

стр. 1735

ثم مر العالم الإسلامي بعد هذه الحروب التي أنهكته – بفترة أخلد فيها إلى الدعة وآثر السكون والخمول فلم تفت الفرصة على الأعداء فتداعوا عليه كما تتداعى الأكلة على قصعتها فأكلوا منه وشربوا حتى ٍأصبح جسماً بلا روح أو كاد بل أصبح غثاء كغثاء السيل. وأمست البلاد الإسلامية تحت سيطرة الدول الأوربية التي استغلت خيراتها ونعمت بثرواتها واستيقظ العالم الإسلامي على أزيز الطائرات ودوي المدافع وضجيج المصانع فانبهر بتلك الحضارة وبادر إلى السؤال عن أسبابها ولم يفت على الاستعمار إعداد الجواب لمثل هذا السؤال فقد أقصى أصحاب الثقافة الدينية عن ميادين الإصلاح وحصر وظائفه في المساجد التي قل روادها عموما وأصبحت الوظائف الحكومية وأدوات التوجيه الاجتماعي في أيدي أصحاب الثقافة الأوروبية (١) الذين نشأوا في أحضان الاستعمار وتشبعوا بثقافته فسيطروا على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية فضلا عن جهود الاستعمار الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة وأوهموا الناس أن حالة العالم الإسلامي تشبه حالة أوروبا في العصور الوسطى ولن ينهض إلا بما نهضت به أوروبا من فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية وبذلك يتحقق له ما تحقق للأوروبيين. وهال الأمر علماء المسلمين وذهبوا للرد على تلك الأفكار مذاهب شتى. وحاولت فئة منهم التوفيق بين الدين والعلم وبينت للناس أن الدين الإسلامي الحق لا يحارب العلم ولا ينافي العقل وأنه دين العقل والحرية والفكر. وذهبت تبين للناس ذلك المنهج وتقيم الدين الإسلامي على العقل – الذي لا يقر أرباب الثقافة الغربية غيره حكما – وبينت أن ليس في الإسلام ما لا يقره العقل وحاولت أن تفسر القرآن الكريم على هذا المنهج وهذا الأساس وكان لهذه المدرسة العقلية رجال كان لهم نشاط واسع في نشر هذه الثقافة ومكافحة الاستعمار ومقاومة الهجوم على الدين وإلقاء التبعة عليه في التخلف الحضاري. وكان من رجال هذه المدرسة المؤسسين لها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وتلاميذه محمد مصطفى المراغي ومحمد رشيد رضا وغير هؤلاء كثير. وسميت نهضتهم هذه بالنهضة الإصلاحية وكان لهذه المدرسة آراء كثيرة تخالف رأي السلف وشطحات ما كانوا ليقعوا فيها لولا مبالغتهم الشديدة في تحكيم العقل في كل أمور الدين حتى جاوزوا الحق والصواب وشكك بعض رجال الفكر الإسلامي الحديث في نزاهة المؤسسين لهذه المدرسة أعني جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده مستدلين على ذلك ببعض علاقاتهم وما ورد في كتاباتهم. المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٦٦ يمكن للباحث من خلال كتابات عديد من الكتاب، في بضع العقود الماضية، أن يتلمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتاب وآراؤهم، يستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتميز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات. هذه المدرسة – التي وإن لم تتخذ صبغة رسمية – تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوى والآراء، التي هي امتداد لما عرف بالمدرسة الإصلاحية وزعماؤها: السير أحمد خان الهندي وجمال الدين الأسد آبادي، ومن بعده الشيخ محمد عبده، في نهاية القرن الماضي، وهي كذلك إحياء للمنهج الاعتزالي في تناول الشريعة، وتحكيم العقل فيما لا يحتكم فيه إليه.

стр. 1736

ويمكن تحديد ما تجتمع عليه آراء تلك المدرسة في كلمة واحدة هي "التطوير" أو العصرانية كما تترجم عن الإنجليزية " Modernism" وما تعنيه من تناول أصول الشريعة وفروعها بالتعديل والتغيير، تبعا للمناهج العقلية التي اصطنعها الغرب حديثا، أو ما تمليه عقليات أرباب ذلك المذهب، التي تتلمذت لتلك المناهج. . ولا يسلم من هذا التطوير أمر من أمور الشريعة كأصول الفقه والحديث أو التفسير أو مسائل الفقه كالحجاب والطلاق أو تعدد الزوجات، والحدود أو الطامة التي عرفت بالتقارب بين الأديان. على رأس تلك المدرسة السير أحمد خان الهندي، الذي منح لقب "سير" من قبل السلطات البريطانية تكريما له، والذي يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يجب أن نستقي منه أحكام الشريعة، والأحاديث لا يعتد بها في هذا الشأن لتأخر تدوينها، ولأن أكثريتها أحاديث آحاد لا تفيد يقينا، كما يحل الربا البسيط في التجارة والمعاملات، ويرفض عقوبة الرجم والحرابة، وينفي شرعية الجهاد لنشر الدين. ويحل سيد أمير علي – تلميذ أحمد خان – زواج المسلمة من كتابي، والاختلاط بين الرجل والمرأة. كذلك يرى محمد أسد أن الله سبحانه لا يوصف إلا بالصفات السلبية (الإيمان ليس كذا وليس كذا. .) تماما كما قالت المعتزلة (١)، وينحو منحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية، كتفسير إهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل!. ومن المعاصرين الأحياء، ينادي د. محمد فتحي عثمان بتطوير العقيدة والشريعة معا في كتابه عن الفكر الإسلامي والتطور، ويزيد الدكتور حسن الترابي خطوة فيدعو إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: "إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهادا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضا" (٢)، ويشكك محمد سعاد جلال في إمكانية وجود النبي ﷺ قاطع في الشريعة ثبوتا ودلالة، حتى القرآن الكريم، الذي وإن كان ثابتا من جهة النقل، إلا أن الظن يتطرق إليه من قبل الدلالة. .ويدعو عبد اللطيف غزالي إلى دثر التراث كله حيث يقول: "أما علوم سلف المسلمين فهي شيء متخلف غاية التخلف بالنسبة لما لدينا، ولا أقول لما لدى الأوربيين من علوم. . " (٣). وفي مجال الفقه يعبر د. فتحي عثمان عن حجاب المرأة ومسألة عدم الاختلاط بقوله: "فإذا التقى الرجل والمرأة في ظروف طبيعية هادئة محكمة، فلن يغدو هذا اللقاء قارعة شديدة الوقع .. سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة ومعاملة المرأة، في إطار من الدين والخلق تحدد معالمه تربية الأسرة وعرف المجتمع ورعاية الدولة، وستألف المرأة بدورها الرجل فيهدأ السعار المضطرم ولا يكون هناك مجال للانحراف والشذوذ، وتتجمع لدى الطرفين خبرات وحصانات وتجارب". سبحان الله العظيم! وكأن تجربة الأوربيين في الاختلاط لقرون عديدة أنتجت الخبرات والحصانات، وكفلت الإحصان للمرأة والرجل! إن هذا إلى جانب كونه افتياتا على الشريعة الحنيفة، فهو جهل بالفطرة الإنسانية التي يعلم حقيقتها خالقها سبحانه. ويعلن عبد اللطيف غزالي "نحن اليوم لا نجد حرجا في التفكير في تقييد حق الرجل في الأربع وتقييد حقه في الطلاق" (٤).

стр. 1737

أما في الحدود فيرى حسن الترابي أن الردة الفكرة التي لا يصاحبها خروج على نظام الدولة لا تستوجب إقامة الحد، ويعني بالردة الفكرية الكفر الاعتقادي بالتعبير الشرعي. . ويرى محمد فتحي عثمان أن عقوبة الردة كانت لضرورة عسكرية أملتها الظروف على عهد رسول الله ﷺ . أما عن التقارب بين الأديان فيرى عبد العزيز كامل أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة التوحيد بدياناتها الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، وهو ما يؤكده كذلك فهمي هويدي ومحمد سعيد عشماوي (١). أما عبد الله غزالي فيشرح معنى الإسلام! بقوله: "الإسلام هو أن تسلم وجهك لله وأنت محسن، وأي امرئ كان هذا حاله فإنه مسلم سواء كان مؤمنا بمحمد أو كان من اليهود أو النصارى أو الصابئين". ويبين أن الجنة ليست حكرا على المسلمين الموحدين وأن الدين المنجي عند الله ليس الإسلام وحده! فيقول: "لماذا يعتقد أتباع كل دين أن الله يختصهم بالجنة ويذر غيرهم وأكثر الناس في النار؟ " ثم يؤكد أن حقيقة الشرك هي العداء بين الأديان (٢). وبعد: فليحذر الشباب من تلك الدعوات الباطلة وإن تحلت بالأسماء الرنانة واللافتات المضيئة التي تتحدث عن العقل والتحرر والتجديد والتوفيق، أو تستتر خلف تلك الفرق التي تعلقت باسم الإسلام في تاريخه رغم ضلالها وانحرافها. المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ١٣٦

стр. 1738

المطلب الأول: جمال الدين الأفغاني اسمه: جمال الدين بن صفدر الحسيني الأفغاني، وصفدر لفظ فارسي من ألقاب الإمام علي ﵁ عند الشيعة ومعناه مقتحم الصف وقد حرف هذا الاسم من كتبوا ترجمته بالعربية فقالوا: - "صفتر" (١).زعم تلميذه الشيخ محمد عبده أن نسبه ينتمي إلى السيد علي الترمذي المحدث المشهور ويرتقي إلى سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (٢) وقال بهذا الزعم أيضاً مصطفى عبدالرازق (٣) ومن سمى نفسه بالمؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي (٤) وقال به أيضاً تلميذه محمد المخزومي (٥) وغيرهم. ولم أجد في كتب الحديث وعلومه من يسمى بـ "علي الترمذي" وينمي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب سواء كان هذا المحدث مشهوراً أو مغموراً. ثم أي علاقة بين "الترمذي" وهو من خراسان وبين الحسين بن علي ابن أبي طالب ﵄ وهو قرشي من مكة؟! لذلك فلا عجب أن يكتب أبو الهدى الصيادي من الآستانة إلى السيد رشيد رضا قائلاً:-"أني أرى جريدتك طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة وقد تدرجت به إلى الحسينية التي كان يزعمها زورا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسميا أنه ما زندارني من أجلاف الشيعة .... " (٦). ثم نقول بعد هذا أي فضل للرجل بهذا النسب عند من دينه إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣] وخوطب نبيه بقوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]. مولده: ولد سنة ١٢٥٤ هـ - ١٨٣٨م وأول ما يصادف المؤرخ لحياة هذا الرجل من غموض الخلاف في مكان مولده هل ولد في أسعد آباد قرية من قرى كير من أعمال كابل في أفغانستان أو في أسد آباد قرب همدان أحدى مقاطعات إيران فيكون إيرانياً لا أفغانياً وإنما آثر أن ينسب نفسه – كما قال بروكلمان – إلى أفغانستان لأسباب سياسية (٧) أو أن والده ضابط إيراني أوفدته حكومته إلى بلاد أفغان فتزوج هناك (٨). ولا أحسب أن للبحث عن أصل الرجل أي رجل أهمية إذا ما حسنت عقيدته وصفت سريرته واستقامت سيرته، ولكن قد يلزم البحث عن هذا إذا كان ذلك الرجل هو الذي أراد تعمية أصله ونسبة نفسه إلى غيره مع غموض في اتصالاته وعلاقته وأنشطته فيجب على الباحث تحري هذه المعرفة السبب الدافع له إلى هذه التعمية فقد يكون وراء الأكمة ما وراءها. إذن فهناك أمور ثلاثة نراها بارزة في نسبة الرجل وأصله:-أولها: أن اسم والده "صفدر" وهو لفظ فارسي من ألقاب الإمام علي ﵁ عند الشيعة ولا يوجد إلا بين الشيعة (٩). ثانيها: أنه لا صحة لانتسابه إلى الحسين بن علي ﵄ من طريق "علي الترمذي" وإنما انتحل هذا لإضفاء قداسة باطلة على شخصه. ثالثها: أنه إيراني لا أفغاني كما ينسب نفسه وسيتضح لنا هذا فيما بعد – إن شاء الله – وإنما نسب نفسه إلى أفغانستان لأسباب غير ظاهرة.

стр. 1739

جمال الدين في أفغانستان: ولا نعرف مصدراً لتاريخ نشأة الرجل – هذا – إلا ما تحدث به عن نفسه إلى تلاميذه فقالوا أنه لما بلغ الثامنة من عمره أجلسه والده لطلب العلم وعني بتربيته فأيد العناية به إشراق في قريحته وذكاء في مدركته فتلقى علوماً جمة برع في جميعها فمنها العلوم العربية وعلوم الشريعة وعلوم عقلية من منطق وفلسفة وعلوم رياضية ونظريات الطب والتشريح (١).واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من عمره ثم سافر إلى الهند فأقام بها سنة تعلم في خلالها شيئاً من العلوم الأوروبية وأساليبها (٢).وعرض له وهو في الهند أن يؤدي فريضة الحج فاتجه إلى مكة المكرمة وقضى نحو سنة يتنقل في البلاد ويتعرف أحوالها وعادات أهلها حتى وافى إلى مكة المكرمة سنة ١٢٧٣هـ ١٨٥٧م وأدى الفريضة (٣) ثم عاد إلى بلاده ودخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان وبعد وفاته تنازل أولاده في الإمارة فانضم جمال الدين إلى محمد أعظم الذي أحله محل الوزير الأول ولكن النصر كان في النهاية حليف شير علي. لتأييد الإنكليز له فهرب محمد أعظم إلى إيران وبقي جمال الدين في أفغانستان لم يمسسه الأمير بسوء إلا أنه خشي الانتقام منه فاستأذن للحج فأذن له فرحل إلى الهند سنة ١٢٨٥هـ ١٨٦٩م (٤). رحلاته: في الهند: كان يريد من رحلته إلى الهند الإقامة بها من غير ظهور وبكل بساطة وقد كانت الهند تحت الاستعمار البريطاني فكانت دهشته عظيمة عندما رأى الحكومية الهندية تستقبله على الحدود استقبالا رسمياً ليس له مبرر (٥) ولكنهم لم يسمحوا له بالإقامة الطويلة في الهند فمكث فيها نحو شهر ثم سيرته على حسابها في أحد مراكبها إلى السويس ١٢٨٦هـ - ١٨٧٠م. في مصر: كانت تلك أول زيارة له إلى مصر فأقام بها أربعين يوماً تردد فيها على الأزهر واتصل به بعض طلبة العلم السوريين فقرأ لهم شرح كتاب الأظهار ثم سافر إلى الأستانة سنة ١٢٨٧هـ ١٨٧٠م. في الآستانة: لما وصل إلى الآستانة أقام بها مجهول المكان حتى أهدى إليه بعض أكابر الوزراء فعينه عضوا في مجلس المعارف (٦) وفي رمضان سنة ١٢٨٧هـ ألقى خطاباً في دار الفنون في الحث على الصناعات شبه فيه المعيشة الإنسانية ببدن حي وأن كل صناعة بمنزلة عضو منه فشبه الملك بالمخ والحدادة بالعضد والزراعة بالكبد والملاحة بالرجلين وغير ذلك ثم قال: "ولا حياة لجسم إلا بروح وروح هذا الجسم إما النبوة وإما الحكمة" (٧) مما أهاج عليه شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي وعدداً من العلماء والوعاظ في المساجد محتجين على جمال الدين بأنه جعل النبوة صنعة وانتهى الأمر بأن أشير على جمال الدين بالجلاء عن الآستانة ريثما تسكن الخواطر فسافر إلى مصر في أول سنة ١٢٨٨هـ ١٨٧١.

стр. 1740

في مصر: وصل إلى مصر فرحبت به الحكومة المصرية وأجرت له راتباً شهرياً بلا عمل. وكانت إقامته في مصر هذه المرة حافلة بالأنشطة العلمية والسياسية فألقى كثيراً من الدروس في الأدب والمنطق والتوحيد والفلسفة وعلم التصوف وأصول الفقه والفلك (١) حتى ذاع صيته واتصل بكبار القوم وانخرط في الماسونية وكان له تأثير في سياسة البلاد وكتب في الصحف التي ساهم في إنشائها تارة تحت اسم "مظهر بن وضاح؟ وباسمه الصريح تارة أخرى. كانت سياسة البلاد الحالية آنذاك تحت الإدارة البريطانية فكانت كتابات السيد قد أوغرت عليه صدر مستر فيفيان قنصل إنجلترا وأوغرت صدر توفيق باشا لاعتقاده أن كتابات السيد تؤدي على زعزعة حكمه وبالإضافة إلى هذا فقد كان السيد منبوذاً من علماء الأزهر الذين رأوا في تعليمه الفلسفة وبعض آرائه فسقا فصدر الأمر بنفيه وجاء في القرار: "أنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا" (٢) وعند نزوله إلى الباخرة أتاه قنصل إيران فعرض عليه بعض المال فرفضه ثم أبحر إلى الهند وأقام بحيدر آباد سنة ١٢٩٦ - ١٨٧٩م. في الهند: أقام في حيدر آباد عاما ألَّف خلاله رسالة في (الرد على الدهريين) بالفارسية ولما قامت الثورة العرابية في مصر نقل من حيدر آباد إلى كلكتا لاعتقاد الحكومة الإنجليزية أن له فيها يدا ثم أبيح له أن يسافر إلى حيث شاء فسافر إلى لوندرا "لندن" فأقام بها أياماً ثم سافر إلى باريز سنة "١٣٠٠هـ - ١٨٨٣م. في باريس: أقام في باريس ما يزيد عن ثلاث سنوات عهدت جمعية العروة الوثقى له فيها أن ينشئ جريدة (العروة الوثقى) فاستدعى الإمام محمد عبده الذي كان منفياً في سوريا فأصدرا الجريدة وكان جمال الدين مديراً لسياستها ومحمد عبده رئيسا لتحريرها سنة ١٣٠١هـ - ١٨٨٤م ولكن الجريدة لم تلبث إلا سبعة أشهر وأيام لمحاربة الاستعمار البريطاني لها ثم توقفت وعاد محمد عبده إلى سوريا ثم إلى مصر معتزلاً السياسة ومكث السيد في باريس متردداً بينها وبين لندن والتقى في باريس بالفيلسوف الأوربي رينان ثم دعاه ناصر الدين شاه إيران إلى طهران فاتجه إليها سنة ١٣٠٤هـ - ١٨٨٧م. في إيران: وفوض إليه الشاة نظارة الحربية، وتزاحم حوله الأمراء والمجتهدون والكبراء وتمكن من نظم كثير منهم في سلك الماسونية (٣). لكن الشاه ناصر الدين أوجس منه خيفة وداخله ريب من حركاته ونشاطه فأدرك السيد ما في نفسه فاستأذن في السفر إلى روسيا فأذن له سنة ١٨٨٧م. في روسيا: كان له في روسيا نشاط صحفي نشر كثيراً من المقالات عبر الصحف الروسية واجتمع في بطرسبرج "لنجراد" بكبار العلماء والسياسيين وقد مكن له نقده لسياسة الإنجليز مكانة في روسيا حتى أن القيصر دعاه إلى قصره وتحادث معه طويلاً فرابه منه ما راب ناصر الدين شاه فأوعز إلى موظفيه بطرده فاتجه إلى باريس سنة ١٣٠٦هـ - ١٨٨٩م. في ميونخ: وفي طريقه إلى باريس التقى في ميونخ عاصمة بافاريا "ألمانيا" بالشاه ناصر الدين الذي طلب منه العودة إلى إيران فاعتذر بذهابه إلى معرض باريس فألح عليه الشاة فذهب معه (٤) سنة ١٣٠٦هـ - ١٨٨٩م.

стр. 1741

في إيران: لما وصل إلى إيران عاد الناس إلى الاجتماع به وتلقي مبادئه وأفكاره وعهد إليه الشاه أن يسن ما يراه موافقاً لروح العصر من القوانين فلما أطلع عليها الشاه بعد ذلك رأى أن حكمه سيكون مقيداً (١) فعاودته الشكوك والظنون في جمال الدين الذي شعر بهذا فاستأذن بالذهاب إلى شاه عبدالعظيم قرب طهران فأذن له فتبعه جم غفير من العلماء والوجهاء فخاف الشاه عاقبة ذلك فنافه إلى خارج الحدود إلى البصرة سنة ١٣٠٨هـ - ١٨٩١م. في البصرة: أقام فيها سبعة أشهر والى الكتابة فيها إلى أنصاره في فارس وآثار فيهم الحمية لخلع الشاه ناصر الدين غادر بعدها البصرة إلى لندره "لندن" سنة ١٣٠٩هـ - ١٨٩٢م. في لندن: أقام فيها ثمانية أشهر موجهاً همته إلى محاربة الشاه ناصر الدين. وكان من المؤسسين لمجلة (ضياء الخافقين) وسلمه سفير تركيا في لوندرا كتابا من السلطان عبدالحميد يدعوه إلى الآستانة فسافر إليها سنة ١٣١٠هـ - ١٨٩٢م. إلى الآستانة: وكانت المحطة الأخيرة في رحلاته هي الآستانة ولقي فيها كل ترحيب وتكريم إلا أنه منع من مغادرتها وأجرى له فيها السلطان راتباً شهرياً إلى أن توفي سنة ١٣١٤هـ-١٨٩٧م. نشاطه العلمي: يعد من المميزات للسيد جمال الدين الأفغاني أنه أحدث نهضتين اجتماعيتين: نهضة اجتماعية علمية ونهضة سياسية (٢). وكان الغالب على نشاطه الثانية منهما ولم يقم أحد من تلاميذه من بعده بالأمرين. بل انشطروا إلى شطرين ذهبت طائفة إلى الأخذ بالنهضة العلمية ويقف على قمة هذا الفريق الإمام محمد عبده. وذهبت طائفة أخرى إلى الأخذ بأرائه السياسة وعلى رأسهم مصطفى كامل وفريد ثم سعد زغلول (٣) وغيرهم. وبدأ السيد نشاطه العلمي في أفغانستان وواصل دراسته في الهند. هذا من ناحية التلقي أما من ناحية التعليم فقد بدأ أول ما بدأ في الهند عند خروجه في المرة الثانية حيث ألقى بعض الدروس ولم تكن تلك الفترة من الكفاية بحيث يظهر أثرها واضحا إذ لم يلبث سوى شهر واحد غادر بعدها إلى مصر حيث وفد عليه بعض طلبة العلم في الأزهر من السوريين فشرح لهم كتاب (الإظهار) وهو كتاب في النحو وكانت تلك الفترة كسابقتها حيث غادر إلى الآستانة ثم عاد إلى مصر مرة ثانية حيث ازداد نشاطه العلمي وبلغ أوجه فبدأ التدريس في الأزهر وقد كان يلقي فيه من الدروس ما أحفظ عليه بعض علماء الأزهر فناظره أحدهم مناظرة أفضت إلى المنافرة فترك الأزهر وانقطع للتدريس في منزله (٤) فقرأ من الكتب العالية في فنون الكلام الأعلى والحكمة النظرية طبيعية وعقلية وفي علم الهيئة الفلكية وعلم التصوف وعلم أصول الفقه الإسلامي (٥) وقد وصف الإمام محمد عبده منزلة جمال الدين من العلم فقال: "أما منزلته من العلم وغزارة المعارف فليس يحدها قلمي إلا بنوع من الإشارة إليها لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديها وإبرازها في صورها اللائقة بها كأن كل معنى قد خلق له وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش فنظرة منه تفكك عقدها ... " ثم يقول:-"وله لسان في الجدل وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها أحد" (٦). ثم سافر بعد مصر على الهند وكان له فيها حلقة للتدريس لكنها لا تماثل حلقته في مصر واشتغل فيها بالتأليف عن التدريس.

стр. 1742

مؤلفاته: لم يكن للسيد اهتمام كبير في التأليف بل كان همه أن يلقي كلماته وخطبه على تلاميذه القاءً فيبادر بعضهم إلى تسجيلها وتدوينها بل ذكر بعض تلاميذه أنه:- قضى ولم يدون إلا رسالة في إبطال مذهب الدهريين" (١) وقال عنه أديب بك إسحاق "ولكنه لم يتم عملا ولا ألف كتابا غير تلك الرسالة" (٢) والحقيقة أنه دون غير رسالته (الرد على الدهريين) التي ألفها بالفارسية في حيدر آباد. فقد دون رسالة صغيرة له أسماها (تتمة البيان في تاريخ الأفغان) وقد طبعت في مصر وما عدا هاتين الرسالتين فمقالات نشرها في الصحف والمجلات طبع بعضها مستقلاً وكان لاشتراك الإمام محمد عبده معه في مجلة (العروة الوثقى) وعدم تسمية صاحب كل مقال فيها كان له أثر كبير في الخلط في نسبته إلى صاحبه فبحث (التعصب) نشر باسم الإمام مع أنه من إنشاء جمال الدين وهناك كتاب أكثر شهرة أعنى (الإسلام دين العلم والمدنية) من بين فصوله "الإسلام والنصرانية" وهو من تأليف الأفغاني (٣) خاطرات جمال الدين الأفغاني محمد المخزومي ص ٤٣. وقد ضم المخزومي في الخاطرات هذين المقالين على خاطرات جمال الدين الذي دون فيه المخزومي آراء وأفكار الأفغاني وقد طبع طباعة مستقلة بعض مقالاته مثل (الوحدة الإسلامية) و (القضاء والقدر) أما إذا رمت الإطلاع على معظم ما كتبه فعليك بـ (خاطرات جمال الدين الأفغاني) لتلميذه محمد المخزومي و (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) لمحمد عمارة و (العروة الوثقى) وإنما قلت معظم ما كتبه لأن هناك من كتاباته في بعض المجلات ما لم يدون أذكر مثالاً لذلك ما كتبه في الصحف الروسية. تفسيره: قلنا أن الغالب على نشاط السيد الأفغاني هو النشاط السياسي وأنه إنما يتناول ما يتناول من العلم في دروسه ما يدفع به عجلة السياسة خطوة نحو أغراضه وأهدافه وقد تعرض له في أثناء حديثه آية قرآنية يستشهد بها لتقوية رأيه ثم يذهب في تفسيرها تفسيراً يقتصر فيه على الجانب الذي يتكلم فيه من غير استقصاء لمعانيها. ومن ثم فلم يكن له تفسير مستقل وإنما كان تفسيره آية هنا وآية هناك بين ثنايا مقالاته. ويقلل السيد جمال الدين من شأن ما تراكم على القرآن الكريم وتجمع حوله من آراء المفسرين وما استنبطوه من أحكام فيقول "القرآن وحده سبب الهداية والعمدة في الدعاية أما ما تراكم عليه وتجمع حوله من آراء الرجال واستنباطهم ونظرياتهم فينبغي أن لا نعول عليه كوحي وإنما نستأنس به كرأي ... " ويحذر من إضاعة الوقت في عرض ذلك فيقول "ولا نحمله على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعاليمه لصعوبة ذلك وتعسره وإضاعة الوقت في عرضه" (٤).وهو لا يعني بهذا السنة المتواترة أو ما أجمع عليه العلماء حيث يقول "فالتواتر والإجماع وأعمال النبي المتواترة إلى اليوم هي السنة الصحيحة التي تدخل في مفهوم القرآن وحده والدعوة إلى القرآن وحده" (٥).

стр. 1743

وهو يدعو إلى دراسة القرآن والكشف عن كنوزه المدفونة فيقول:-"القرآن القرآن وإني لآسف إذ دفن المسلمون بين دفتيه الكنوز وطفقوا في فيافي الجهل يفتشون على الفقر المدقع" (١) ولكنه يتأسف على التعمق في تفسير باء البسملة ومخرج صاد الصراط "وكيف لا أقول وا أسفاه! وإذا نهض أحد لتفسير القرآن فلا أراده إلا يهيم بباء البسملة ويغوص! ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ ذلك التفسير في هوة عدم الانتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية مع استكماله الأمرين على أتم وجوههما" (٢) ويرى أن القرآن بريء من مخالفة الحقائق العلمية الثابتة "فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل" (٣). وهو مع حثه على التفسير ودعوته إلى تنقيحه مما علق به مقل فيه فلا يتناول من الآي إلا ما قل ولا يفسره إلا من جانب ما يؤيد به قوله من غير بيان للجوانب الأخرى. وقد صدر السيد جمال الدين سبع عشرة مقالة من خمس وعشرين مقالة في (العروة الوثقى) بآية أو آيتين من القرآن الكريم اعتقدها بعضهم شرحاً وتفسيراً وليس كذلك فقل أن يعرض في المقالة للآية المصدرة.

стр. 1744

أما الآيات التي تناولها بنوع من التفسير فقليل جداً كما ذكرنا توجد بين ثنايا بعض مقالاته فمن ذلك قوله:"قرأت في القرآن أمراً تغلغلت في فهمه روحي وتنبهت إليه بكليتي وهو وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] فاندهشت الملائكة لهذا النبأ ولهذه المشيئة الربانية إذ علمت أن ذلك الخليفة سيكون الإنسان وأن ذلك الإنسان – الخليفة – سيصدر منه موبقات وسيئات أعظمها وأهمها أنه "يسفك الدماء "فقالت بملء الحرية المتناسبة مع الملأ الأعلى وعالم الأنوار والأرواح الذي لا يصح أن يكون هناك شيء من رياء ونفاق أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [البقرة: ٣٠] ووقفت الملائكة عند هذا الحد من الطعن في الإنسان ولم تذكر باقي السيئات من أعماله إذ رأتها لغوا بالنسبة لهذين الوصمين الفساد وسفك الدماء" ثم يمضي في التفسير على هذا المنوال إلى أن يقول "وبأبسط المعاني أن الله تعالى أفهم الملائكة أنكم علمتم ما في خليفتي في الأرض وهو الإنسان من الاستعداد لعمل الفساد وسفك الدماء وجهلتم ما أعددته لصونه وصرفه عن الإتيان بالنقيصتين المذكورتين ألا وهو العلم فقال وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ٣١] " (١).ويفسر آيات أخرى فيقول "غضب سليمان ﵇ على الهدهد إذ تفقده ولم يجده فلما حضر قال وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل: ٢٢] – غير ملفق ولا مشوب بكذب كما تفعل أكثر الجواسيس مع الملوك والحكام إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] دينهم ومعتقدهم وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ [النمل: ٢٤] " ثم يقول بعد ذلك "فلما جاء الكتاب إلى ملكة سبأ جمعت فوراً مجلس الأمة قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢] وبعد أن تداول مجلس الأمة – الوزراء اليوم مثلا – واستخرجوا إحصاءً من سجلاتهم بما عندهم من المعدات الحربية أعلنوا الملكة وأنبؤوها أنه من إمكانهم محاربة سليمان بما توفر لديهم من القوة إذا هي وافقت على إعلان الحرب قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل: ٣٣]، ثم يمضي بعد فيقول "فرد سليمان الهدية وتحفز لإخراج الملكة وقومها أذلة بالحرب وأراد أن يريها ما لديه من القوى وما تسخر له من رياح يمتطيها وتجري بأمره – طيارات مثلاً – وسرعة نقل الأخبار والأشياء بأسرع من البرق – التلغراف اللاسلكي مثلاً" (٢).وكان يشطح في تفسيره فيفسر الربا المحرم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠] بـ "جواز الربا المعقول الذي لا يثقل كاهل المديون ولا يتجاوز في برهة من الزمن رأس المال ويصير أضعافاً مضاعفة" (٣).ويفسر "جد" في قوله تعالى وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا [الجن: ٣] أن جد معرب "كد" ومعناه العرش بالفارسية أو الهندية" (٤).

стр. 1745

ويفسر فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً [النساء: ٣] بأنه "قيد من خاف أن لا يعدل "بالمرأة الواحدة" وترك لمن يخشى أن لا يعدل – حتى مع الواحدة – عدم الزواج وهذا ما يستنتجه العقل ما دام يحمله العاقل ويقول به الحق والعدل" (١).ويفسر الأمور الغيبية من غير نص فيقول وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف: ٤٧] "أي خارجة عن محورها غير راضخة للنظام الشمسي وإذا ما حصل ذلك فلا شك يختلف ما عرف من الجهات اليوم فيصير الغرب شرقاً والجنوب شمالاً وبذلك الخروج عن النظام الشمسي وما يحدثه من الزلزال العظيم – لا شك تتبعثر أجزاء الأرض لبعدها عن المركز وتنسف الجبال نسفاً وتتحول براكين هائله وبالنتيجة تخرب الكرة الأرضية ويعمها الفناء بما فيها من حيوان وتقوم القيامة والله أعلم" (٢). وقد وجدت من تفسيره غير ما ذكرت. تفسيره لقوله تعالى وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١] الآية في (الخاطرات) ص١٢٢. وتفسيره لقوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] في (العروة الوثقى) ص١٢٩. وتفسيره لقوله تعالى إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١] في (العروة الوثقى) في مقالته (سنن الله في الأمم). وإنما أطلت في بيان تفسيره لأنه مرادنا منه ولأني لم أجد أحداً ممن أرخوا له أو كتبوا عنه أشار إلى تفسيره فضلاً عن جمعه وترتيبه له. ونشاطه السياسي: قلنا أن هذا النشاط هو الغالب على أعمال السيد الأفغاني وقد كان مقصده السياسي الذي وجه إليه أفكاره وأخذ على نفسه السعي إليه مدة حياته هو إنهاض دولة إسلامية من ضعفها وتنبيهها للقيام على شؤونها حتى تلحق الأمة بالأمم العزيزة والدولة بالدول القوية فيعود للإسلام شأنه" (٣) وقد كانت الوسيلة لتحقيق غاياته "الثورة السياسية لاتفاقها مع مزاجه وقد ظن أنها أسرع الطرق للوصول على ما يبتغيه" (٤). وقد خالفه في الأسلوب – هذا تلميذه محمد عبده الذي يرى أن الوسيلة هي إصلاح التعليم لا الثورة السياسية. ومن أهم الآراء التي تنسب إلى الأفغاني وكان يدعو إليها: الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وإقامة جامعة إسلامية تنضوي تحت لوائها دول العالم الإسلامي توحد كلمتها وأهدافها: وإنما قلت تنسب إليه لأني أرى في مقالاته ومقالات تلاميذه ما يدل على أنه لا يريد الجامعة الإسلامية بل الجامعة الشرقية التي تجمع دول الشرق مسلمة وغير مسلمة ضد الاستعمار فهذا السيد رشيد رضا يعلق على كلمة لجمال الدين قائلا "هذا تنبيه لوجوب تأليف جامعة شرقية لمقاومة الاستعمار الغربي ولم يفكر فيه أحد قبله" (٥) ويقول في موضع آخر "وقد اشتبه على بعض الناس أمر اللهجة الإسلامية في جريدة (العروة الوثقى) وظنوا أن خدمتها خاصة بالمسلمين فأزالا هذه الشبهة – يعني الأفغاني ومحمد عبده – بعبارة نشرت في العدد الثامن (٦) " من (العروة الوثقى) ويقول عثمان أمين "أن الجامعة التي كان ينشدها الأفغاني ومحمد عبده في أواخر القرن الماضي ليست هي الجامعة الإسلامية كما توهم بعض الكتاب الغربيين وإنما هي في صميمها "الجامعة الشرقية" (٧) ".

стр. 1746

وقد بدأ السيد الأفغاني نشاطه السياسي في أفغانستان حيث انضم على محمد أعظم ضد شير علي، على ما أشرنا إليه في أول الترجمة. أما في مصر فقد وصلها الأفغاني في عهد الخديوي إسماعيل سنة ١٨٧١م وكان الحكم حينئذ – كما يقول المؤرخ عبدالرحمن الرافعي – حكما استبدادياً لا مجال فيه للحرية. حقاً إن إسماعيل أنشأ سنة ١٨٦٦م مجلساً سمي مجلس شورى النواب ولكنه مجلس استشاري لا يملك سلطة" (١).فبدأ الأفغاني أول ما بدأ ببث الوعي السياسي بين طلابه وكانوا يتناقلون ما يقول بينهم فاستيقظت مشاعر وانتبهت عقول وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد وسرى هذا الشعور إلى بعض الجرائد واستحدثت أخرى فتنافس الكتاب وكثر أرباب الأقلام (٢).ومنذ ذلك الحين طارت الشرارة الأولى من شرارات الثورة العرابية (٣) وقد بذل السيد جمال الدين كل ما في وسعه للقضاء على الخديوي إسماعيل لاتفاقه مع ولي عهده توفيق باشا على الإصلاح إذا صار الأمر إليه بل ووصل الأمر إلى تدبير خطة لاغتياله لم تنفذ – كما يقول محمد عبده – لعدم وجود الشخص الذي يتكفل بذلك "وأشار إلى هذا بلنت في تاريخه السري لاحتلال انجلترا (٤) مصر (٥) واعتراف بهذا الإمام نفسه. وانتهى نشاط الأفغاني السياسي في مصر بعد أن تنازل الخديوي إسماعيل لتوفيق باشا الذي تنكر لجمال الدين وأمر بنفيه. ثم ظهر نشاطه السياسي مرة أخرى في باريس التي أنشأ فيها مجلة (العروة الوثقى) فجعلها منبراً لمحاربة الاستعمار البريطاني بحماس شديد. وفي الحقيقة أنه لم يتضح لي مع هذا حقيقة علاقته بالإنجليز فبينما كان يؤلب عليهم الناس في مصر حتى يقوموا بالثورة العرابية .. ويحرض مفتي إيران على تحريم الدخان لإبطال احتكار الإنجليز له في إيران تمهيداً لاحتلالها ويكتب في صحف روسيا وينشئ (العروة الوثقى) التي تحارب الإنجليز أينما حلوا وتشنع عليهم وهو مع هذا يسرح في بلادهم ويمرح ويتردد بين لندره وباريز بل وينشئ في لندن مجلة (ضياء الخافقين) بالعربية والإنكليزية فيحارب الإنجليز في بلادهم وبلغتهم ومع هذا يسكت عنه الإنجليز!! صحيح أنهم أدوا إلى تعطيل (العروة الوثقى) لكن صاحبها لا يجد مانعا من اللجوء إلى سفير بريطانيا في الآستانة ليساعده على الخروج منها (٦) ولا تجد انجلترا مانعا قبل ذلك من عرضها له لتوليه السلطة في السودان (٧) ويتساءل الدكتور محمد محمد حسين لماذا كانت عداوته الشديدة للاستعمار الإنجليزي دون الفرنسي والهولندي فلم ترد في صحيفة (العروة الوثقى) إشارة للاستعمار الفرنسي للجزائر كما لم ترد فيها إشارة للاحتلال الهولندي لإندونيسيا ولم تشر إلا إشارة عابرة لاحتلال الهند الصينية (٨). أما نشاطه السياسي في إيران فقد أشرنا في رحلاته إلى بعضه ونذكر هنا مظاهر ثورته السياسية على نصر الدين شاه بعد أن رفض قانونه ونفاه من إيران إلى البصرة وقد تمثلت هذه المظاهر بـ:

стр. 1747

أ) كتابته إلى مفتي إيران كتابا يثير فيه مشاعره ضد ناصر الدين شاه ويطلب منه بصفته مفتي البلاد أن يصدر تحريماً للدخان بسبب تعاقد الشاه مع انجلترا لاحتكاره فتحظى هذه الخطوة بالنجاح وتلغى الاتفاقية. ب) ثم يكتب الأفغاني بعد هذا إلى علماء إيران مطالباً بخلع ناصر الدين شاه ولما لم ينجح بهذا. ج) نسب إليه بأدلة قوية تدبيره قتل ناصر الدين شاه. نشاطه الصحفي: كان السيد جمال الدين يكره الكتابة ويتثاقلها فلم يكن له عناية بالتأليف ووجه عنايته فيما يريد تدوينه إلى الصحف فكانت معظم كتاباته في الصحف والمجلات فإذا رام إنشاء مقالة ألقى على كاتب مثل إبراهيم اللقاني إلقاء قل ما يراجعه ويصلحه (١).وقد كان للسيد جمال الدين نشاط كبير في إنشاء عدد من الصحف في مصر وغيرها فكان أول عهد بالصحافة في مصر حيث كان له اليد الطولى في إنشاء صحيفة (مصر) الأسبوعية التي ظهرت سنة ١٨٧٧م وعهد بإدارتها إلى أديب إسحاق ثم أوعز إلى أديب بنقلها من القاهرة إلى الإسكندرية لتكون أقرب لاصطياد الأخبار ثم أوعز لأديب إسحاق وسليم نقاش بإنشاء جريدة (التجارة) سنة ١٨٧٨م وساهم الأفغاني بالكتابة في هاتين الصحيفتين باسمه الصريح تارة وباسم مظهر بن وضاح تارة أخرى وأمر تلاميذه بخدمة هاتين الصحيفتين قلماً وسعياً (٢).ثم ساهم في إنشاء صحيفة (مرآة الشرق) وقد تولاها سليم العنجوري فكانت هذه الصحف طوع إشارة الأفغاني ولعل سليم العنجوري أراد أن يتخلص من هذا الأسار فعزله الأفغاني وأسندها إلى إبراهيم اللقاني الذي أصدرها طوع إشارة الأفغاني (٣).ثم انتقل نشاطه بعد نفيه من مصر إلى فرنسا حيث أنشأ هناك (العروة الوثقى) بتكليف من جمعية بهذا الاسم وهي جمعية ذات فروع في مصر والهند وغيرهما من أقطار الشرق (٤) وتولى إدارة سياستها وأسند تحريرها إلى تلميذه محمد عبده وصدر أول عدد منها في يوم الخميس ١٥ جمادي الأول سنة ١٣٠١هـ الموافق ١٣ مارس ١٨٨٤م وتوقفت بعد صدورها بسبعة أشهر فصدر آخر أعدادها العدد الثامن عشر في ٢٦ ذي الحجة ١٣٠١هـ الموافق ٢٦ أكتوبر ١٨٨٤م بسبب محاصرة انجلترا لها ومنعها من دخول مصر والهند فنضبت مواردها فتوقفت. وكانت له كتابات صحفية في جرائد موسكو تحتفظ مكتبة الدولة بالاتحاد السوفيتي المسماة "مكتبة لينين" بالصحف والمجلات التي صدرت ما بين سنة ١٩٠٥م و ١٩١٧م ونشرت المقالات والمذكرات والأبحاث عن إقامة الأفغاني في روسيا (٥). وبعد سفره إلى لوندره "لندن" سنة ١٣٠٩هـ - ١٨٩٢م ساهم في إنشاء صحيفة (ضياء الخافقين) وهي شهرية جعلها منبراً لحرب ناصر الدين شاه إيران. نشاطه الماسوني:

стр. 1748

ومن منا لا يعرف الماسونية صنيعة الصهيونية العالمية التي تسعى إلى القضاء على الأديان تحت شعارات براقة "حرية، مساواة، إخاء".جاء في البروتوكول الثالث من (بروتوكولات حكماء صهيون): "ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعاً لمبدأ الأخوة والمصلحة العامة للإنسانية، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية" (١).وفي البروتوكول الرابع "أن المحفل الماسوني المنتشر في ظل أنحاء العالم ليعمل في غفلة كقناع لأغراضنا. ولكن الفائدة التي نحن دائبون على تحقيقها من هذه القوة في خطة علمنا وفي مركز قيادتنا – ما تزال على الدوام غير معروفة للعالم كثيراً" (٢).وفي البروتوكول التاسع "أن الكلمات التحريرية لشعارنا الماسوني هي الحرية والمساواة والإخاء وسوف لا نبدل كلمات شعارنا، بل نصوغها معبرة ببساطة عن فكره، وسوف نقول "حق الحرية، وواجب المساواة، وفكرة الإخاء" وبها سنمسك الثور من قرنيه وحينئذ نكون قد دمرنا في حقيقة الأمر كل القوى الحاكمة إلا قوتنا، وإن تكن هذه القوى الحاكمة نظريا ما تزال قائمة" (٣).وفي البروتوكول الخامس عشر "وإلى أن يأتي الوقت الذي نصل فيه إلى السلطة، سنحاول أن ننشئ ونضاعف خلايا الماسونيين الأحرار في جميع أنحاء العالم، وسنجذب إليها كل من يصير أو من يكون معروفاً بأنه ذو روح عامة وهذه الخلايا ستكون الأماكن الرئيسية التي سنحصل منها على ما نريد من أخبار كما أنها ستكون أفضل مراكز الدعاية" (٤). وإذا كانت الماسونية صنيعة الصهيونية العالمية فإن أهداف الصهيونية – ولا أخالها تخفى – هدم الأديان والسيطرة على العالم بأكمله والتحكم في سياسته واقتصاده وشعوبه وفق مصالح اليهودية العالمية وتسخير كل القوى وسلوك كل الطرق مهما كانت ملتوية. ولا شك أن الماسونية إحدى تلك السبل التي سلكوها إلى هذا الهدف وجعلوها ذراً للرماد في العيون تحت شعار "حرية، مساواة، إخاء" وهي في الحقيقة "قيدية، طبقية، عداء". خدع كثير من الناس بهذا الشعار فدخلوها وما لبثوا أن أدركوا الغموض الذي يحيط بها فغادروها مسرعين. إلا أن السيد الأفغاني قدم في ٢٢ ربيع الثاني ١٢٩٢هـ طلباً للانضمام إلى المحفل الماسوني هذا نصه: يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة جمال الدين الكابلي الذي مضى من عمره سبعة وثلاثون سنة بأني أرجو من إخوان الصفا وأستدعي من خلان الوفاء أعني أرباب المجمع المقدس الماسوني الذي هو عن الخلل والزلل مصون أن يمنوا علي ويتفضلوا علي بقبولي في ذلك المجمع المطهر وبإدخالي في سلك المنخرطين في ذلك المنتدى المفتخر ولكم الفضل. ربيع الثاني يوم الخميس ٢٢ سنة ١٢٩٢هـ التوقيع

стр. 1749

ولم ينسحب من المحفل بل كان من الأعضاء البارزين ذوي النشاط فيه ولذا تم اختياره بعد سنوات ثلاث رئيسا للوج كوكب الشرق بتاريخ ٧ مايو ١٨٧٨م بأغلبية الآراء ووجهت له دعوة بهذا التاريخ لاستلام القادوم بعد إتمام ما يجب من التكريز الاعتيادي والحضور بالزي الرسمي الماسوني الأسود ورباط الرقبة والكفوف بيضاء. ولم يكتف السيد الأفغاني بل ازداد نشاطه في ميدان الماسونية فاعتزل هذا المحفل الاسكتلندي وأنشأ محفلاً وطنياً تابعاً للشرف الفرنساوي وفي برهة وجيزة بلغ عدد أعضائه العاملين أكثر من ثلاثمائة" (١).ولم يزل يبذل جهوده في هذا الميدان حتى صدر الأمر بنفيه في ٦ رمضان سنة ١٢٩٦هـ ٢٤ أغسطس ١٨٧٩م وجاء في القرار "أنه رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا" (٢). وكتب إلى بعض الشخصيات من غير أن يذكر اسما يستنجد بها مما حل به ويزعم أنه مظلوم فيما نسب إليه. ونفي من بعده تلميذه وأحد أعضاء محفله الشيخ محمد عبده ووجد في منزله كتاب (الماسون) بخط السيد الأفغاني كما اعترف بهذا الشيخ نفسه في خطاب منه إلى أستاذه الأفغاني. ولم ينقطع نشاط السيد الأفغاني الماسوني بعد نفيه من مصر فإن التاريخ يحدثنا أنه في "جمادى الأولى سنة ١٣٠٣هـ سافر السيد إلى البلاد الإيرانية بدعوة من الشاه ناصر الدين فنال مكانة سامية وتزاحم حوله الأمراء والمجتهدون والكبراء وتمكن من نظم كثير منهم في سلك الماسونية". وكان له نشاط ماسوني في فرنسا أيضاً حيث قدم طلباً للعضوية في اللوج باريس وتم قبوله. وإذا ثبت بما لا يقبل الشك انتماء السيد الأفغاني للماسونية، وثبت أن الماسونية وليدة الصهيونية العالمية وسبيل من سبلها لتحقيق أهدافها في هدم الأديان والسيطرة على العالم فإن الواجب تقصي الحقائق في سيرة الرجل الأفغاني والبحث عن حقيقة أهدافه.

стр. 1750

أما الزعم بأن الأفغاني كان مخدوعاً بمبادئ الماسونية "الحرية، المساواة، الإخاء" ولم يعرف حقيقتها وصلتها بالصهيونية لأن بروتوكولات حكماء صهيون لم تنشر إلا بعد وفاته فإنه زعم باطل. ذلكم أن من الصحف من قامت بكشف حقيقة الماسونية آنذاك فقد تصدت جريدة (البشير الجزويتية) الصادرة في بيروت للماسونية ولم تغفل عن مهاجمتها وكشف أسرارها دواماً" (١).وقد تصدت لهذه الجريدة صحف مصرية ماسونية مثل (اللطائف) و (المقتطف) و (البيان) و (الفلاح) و (النصوح) و (المقطم) بردود كثيرة ودفاع عن الماسونية ومبادئها (٢) مما ثبت وقوع مناقشات حادة في الصحف عن الماسونية وهذا يدعو إلى التأكد من صحة أهدافها قبل الانضمام إليها من كل شخص فكيف بمن يريد الإصلاح وينتسب إليه. فإن زعموا أن السيد لم يقرأ هذه الصحف أو لم تصل إليه أعدادها سلمنا – جدلا – وقلنا صدر من الكتب سنة ١٨٩١م أي قبل وفاة الأفغاني بست سنوات كتاب (الحقيقة الإسرائيلية) وجاء فيه "الروح الماسونية هي نفسها الروح اليهودية لا اختلاف في معتقداتها الأساسية فآراؤها متماثلة" (٣) وقبل وفاة الأفغاني بإحدى وثلاثين سنة أي في سنة ١٨٦٦م صدر كتاب (السر المكنون في شيعة الفرماسون) أو (ماهية الفرماسونية على ما يشهد به أهلها وتدل عليه قوانينها وتنبئ به أعمالها) صدر في بيروت وطبع كتاب مثله بالفرنسية في السنة ذاتها وهي لغة يجيدها الأفغاني، وفي سنة ١٨٨٥م طبع كتاب (شيعة الماسونيين) بمطبعة الآباء المرسلين اليسوعيين وفي سنتي ١٨٨٤ - ١٨٨٥م نشر كتاب (الأدلة القاطعة على شرف الرهبانية اليسوعية وبيان كنه الشيعة الماسونية) في جزءين بمطبعة الآباء اليسوعيين (٤) وفي سنة ١٨٨٥م صدر كتاب (شيعة المسونيين) بلا ألف بعد الميم هو مجموع المقالات التي نشرتها البشير عن الماسونية (٥).فإن زعموا أنه لم يقرأ هذا ولا ذاك سلمنا – جدلا – وقلنا ليس في وجود أعضاء في الماسونية يسعون لهدم أركان الدين وتشتيت الفضيلة ما يثير شكوكه في أهداف الماسونية فيحذرها فقد اعترف أحد الماسونيين وهو جورجي زيدان بوجود هؤلاء الأعضاء في المحافل الماسونية حيث يقول "فقد اتهم رجال الدين الماسونية بالكفر وأنها إنما تسعى لهدم أركان الدين وتشتيت الفضيلة، أما نحن فمع إجلالنا لهذه الجمعية عن هذه التهمة ومع يقيننا أنها براء منها لا يسعنا الإنكار أن بين أعضائها أفرادا قليلين ربما تصح عليها تلك التهمة" (٦). فإن زعموا أن هذا كله لا تقوم به حجة ولا يستقيم به برهان – سلمنا جدلا – وقلنا خذوا القاضية القاصمة. أي شيء أراد الأستاذ محمد المخزومي تلميذ الأفغاني أن يخفيه عنه حين قال" أما انخراط جمال الدين في الماسونية .. فنختصره على قدر ما تسمح به الطريقة الماسونية" (٧).

стр. 1751

ثم إن أردتم أن نسير على منهج "من فمك أدينك" فإنا فاعلون. بعد دخول الأفغاني إلى المحفل الماسوني تغيرت ثم لهجته في أحاديثه وأخذ يقرب منه العوام (١) لأي شيء يفعل هذا؟ أتظنون أنه فعل ذلك ليوضح لهم ما يجهلونه من أمور دينهم ولينزع الخرافات والمعتقدات الزائفة من أذهانهم والبدع والمنكرات من أفعالهم؟ كلا، إنه يقربهم ليقول لهم "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعانون لوطأة الغزاة الظالمين" (٢) إلى أن قال "تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفة، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت" (٣). فعد السيد الأفغاني الفتح الإسلامي لمصر دخول العرب، وعد دخول العرب على حد تعبيره استعباداً واستبداداً وقرنه باستعباد اليونان والرومان والفرس والفرنسيس واستبدادهم ثم يسترسل في حديثه فيقول "انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم. وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالرشيد فلاح (٤) أذاً فهو لا يدعو عوام المسلمين الذين قربهم إليه بعد انضمامه إلى الماسونية لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي إذ هو يشق جلودهم بمبضع نهمه ويهيض عظامهم بأداة عسفه كاليونان والرومان والفرس والفرنسيس، لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي وإنما إلى النظر إلى أهرام مصر وهياكل منفيس ... الخ وكلها آثار فرعونية شاهدة على جاهلية تعبد الأشخاص والكواكب من دون الله، ولا شك أن دعوته إلى النظر فيها دعوة إلى الاقتداء بأصحابها. وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .. إن التشبه بالرشيد فلاح. إذاً فهي دعوة إلى نبذ الدين الإسلامي – كما أفهمها – وهي جزء من أهداف الماسونية التي تحارب الأديان. ثم ومما يزيد الأمر وضوحاً ذكر آثارا ميتة وجيفا منتنة ولم يذكر مصنع الرجال لكونه مأثرة إسلامية. أعني الجامع الأزهر ما الداعي إلى هذا التحامل ضد الإسلام ومآثره؟ وهل لهذا أيضاً صلة بانتمائه إلى الماسونية؟! وبعد .. فلعلي أطلت الحديث هنا في هذا الموضوع لأنه الميزان الدقيق الذي نزن به الرجل هنا، ولأنه يكفي في بيان حقيقة الرجل أي رجل إبات انتمائه إلى الماسونية .. فإن كان فيما ذكرنا من أدلة ما يثبت انتماء الأفغاني إلى الماسونية وظهور أثرها في أحاديثه وأقواله فقد انجلت الحقيقة .. حقيقة الرجل. وإن كانت لا تكفي لإثبات ذلك فإنها ولا شك أصابع تشير إلى الأفغاني بالاتهام.

стр. 1752

وفاته: مكث جمال الدين في الآستانة زهاء أربعة أعوام حتى داهمه السرطان في فكه الأسفل وعملت له ثلاث عمليات جراحية بيد أشهر الأطباء ولم تنجح فمات في ٧ شوال ١٣١٤هـ الموافق ٩ مارس ١٨٩٧م ودفن في نشان طاش في مقبرة "شيخلر مزارلغي" أي مقبرة المشائخ (١) وقال طبيبه الخاص إن شدة ولع جمال الدين بالسيجار الأفرنجي وكثرة شربه للشاي وتناوله الطعام مالحا كان من مسببات السرطان" (٢) حتى قال بعض تلاميذه. الملح والشاي والدخان ... أودت بروح شيخنا الأفغاني (٣) ومن المؤسف أن يتحامل بعض المؤرخين وينسب قتله إلى الخليفة المسلم السلطان عبدالحميد ويصف السلطان بأنه أكبر طغاة الملوك في عهده مما لا مجال للرد عليه هنا ونكتفي بنقل كلمة لمستشرق فرنسي حيدر بامات حيث يقول "ولكن من القحمة كما يظهر أن يذهب كما صنع بعض مترجميه إلى أنه سم بأمر من السلطان فالرواية التي تعزو موته المفاجئ سنة ١٨٩٧م إلى سرطان ظهر في الشفة السفلى فاستولى على جميع وجهه بالتدريج أقرب إلى الحق كما يقوم وقد نقل جلود زيهر هذه الرواية فوكدها لنا الأمير شكيب أرسلان الذي كان من تلاميذ جمال الدين وعاشره في السنين الأخيرة من حياته" (٤).بل إن ابن أخت جمال الدين يعترف ويقول "فلما رفضت الدولة العثمانية تسليم السيد يعني لإيران لاتهامه بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه – اتفق سفير إيران ومندوبها فوق العادة الذي كان قد أوفد من إيران لهذه الغاية في سنة ١٣١٤هـ على أن يسموا ذلك السيد .. وقد حدث ذلك واستشهد جمال الدين" (٥). ونزيد – أيضاً – لو كان للسلطان نية في قتله لسلمه لحكومة إيران التي اتهمته بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه فطلبته من تركيا مع اثنين من شركائه سلمتهما تركيا فأعدما ورفضت تسليم الأفغاني. حقيقته والمآخذ عليه: مما لا شك فيه أن حياة هذا الرجل مليئة بالأسرار ويحيطها الغموض (٦) وتلتبس فيها الحقائق بالأكاذيب ومما يزيد الأمر سوءاً أنه لم يؤرخ للرجل مؤرخ معتدل فأغلب من أرخ له إما معجب به بالغ الإعجاب مبالغاً في الثناء عليه متجاوزاً عن كثير من أخطائه، تكل عينه من كل عيب فيه أعمته عين الرضا عن الحقيقة وإما رجل حاقد كاره بالغ في قدحه وذمه يحمل منه كل شاردة ووارده ما لا تحتمله أعمته عين السخط عن الحقيقة. وزاد بعض تلاميذه الأمر سوءاً فأخفى بعض أعماله زاعما أن الطريقة الماسونية لا تسمح بذكره (٧).ويزيد الأمر حينما نعلم أن أكثر نشاطه كان سرياً (٨). ولكن مع هذا الغموض فإنا نجد في بعض أفعاله وأقواله مآخذ لا نراها إلا خطيرة توجب إعادة النظر في تقويم بعض الرجال كما قال الدكتور محمد محمد حسين ونحن حين ندعو إلى ذلك لا نريد أن ننقص من قدر أحد ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعمون أنهم معصومون من كل خطأ" (٩). وقد سبق لنا أن ذكرنا بعض هذه المآخذ في نشاطه الماسوني وفي تفسيره وفي الجامعة التي يدعو إليها وغير ذلك مما لا داعي لإعادته هنا.

стр. 1753

وأول ما يصادفنا في حياته من غموض الاختلاف في أصله أهو إيراني أم أفغاني وهو يذكر أنه أفغاني في كثير من أقواله ورسائله وأحياناً يسمي نفسه "الكابلي" أو "الحسيني" وكلها ألقاب يعرف بها الرجل ويشك في صحة هذا كثير من المؤرخين ويزيد الأمر شكا أن التاريخ لا يحدثنا عن عودته أو محاولته الاتصال بأهله وعشيرته في أفغانستان بعد خروجه منها بينما يذكر عودته المتكررة إلى إيران ويذكر أن معظم من يتصل به في تركيا إيرانيون وقنصل إيران قدم له العون عند نفيه من مصر والذي يقوم بدور الترجمة له في العروة الوثقى إيراني. ونحن لا يهمنا معرفة أصله أإيراني هو أم أفغاني بقدر ما يهمنا معرفة الدافع له إلى التنكر ولا يقنعنا وحدة القول بأنه إنما تنكر حتى يستطيع الخلاص من رقابة الحكومة الإيرانية لرعاياها في الخارج. ومع أنه كان يدعو إلى تنقية الدين الإسلامي مما علق به من الخرافات كتقديس الأموات والتبرك بهم ونحو ذلك إلا أنا نراه يستغل هذه النقطة أبشع استغلال فيلجأ إلى مقام عبدالعظيم خوفاً من ناصر الدين شاه ويثير فيهم الحمية لهذا المعتقد الباطل بالانتقام من ناصر الدين شاه فيقول "وأما قصتي وما فعله هذا الكنود الظلوم معي فمما يفتت أكباد أهل الإيمان ويقطع قلوب ذوي الإيقان ويقضي بالدهشة على أهل الكفر وعباد الأوثان إن ذلك اللئيم أمر بسجني وأنا متحصن بحضرة عبدالعظيم عبدالسلام" (١) ويصف هذا المقام بأنه "حرم من دخله كان آمنا" (٢).بل ويحاول أن يظهر بالقداسة أمام العوام ولو كان بالكذب والخداع حكى عنه سعد زغلول أنه ذكر لهم أنه كان في سفينة خيف عليها الغرق فرأى في الركاب خوفاً فأكد لهم أن السفينة لن تغرق ثم قال "لو غرقت السفينة لم أجد منهم أحدا يكذبني وإن سلمت ظهرت بالقداسة من أقرب سبيل" (٣).ومن المآخذ عليه اتخاذه الاغتيال سبيلاً لتحقيق مآربه فقد قال مره في حديث له مع الأستاذ براون لا أمل في الإصلاح قبل قطع ستة أو سبعة رؤوس وسمي بالاسم شاه العجم وكبير وزرائه وكلاهما قتل بعد ذلك (٤) وحينما طلب من السيد أن يكف عن مقاومة الشاه مقابل ما يشاء ويتمنى أجاب "لا أتمنى إلا أن تزهق روح الشاه ويشق بطنه ويوضع في القبور" قال عبدالقادر المغربي كل هذا سمعته من فم شيخنا الأفغاني الذي كان يرويه بطلاقة لسان وتوقد جنان" (٥) وقد أمر فعلا بالقتل حينما قال رضا آقاخان يوما أنه حاضر أن يفدي نفسه لتخليص أمته فقال له جمال الدين "أن كان كذلك فاذهب وافعل" (٦) وأمر السيد رجاله الأفغانيين أنهم إذا رأوا ميرزا في حيهم يقتلونه (٧)، وهذا ميرزا حسين خان دانش يصف زيارته لجمال الدين فيقول "وما أن قربت منه حتى وجدته محدقاً بنظره إلى الأرض يزرع البهو من أقصاه إلى أقصاه يروح وغدو غاضباً رافعاً صوته كالمجانين وهو يقول "لا نجاة إلا في القتل لا خلاص إلا في القتل لا سلامة إلا في القتل" .. فاشتد عجبي لهذه الحالة الجنونية التي وجدته عليها ..

стр. 1754

وعدت من حيث أتيت وتركته وشأنه وبعد انقضاء ٢٥ يوماً أو شهر على ذلك وردت الأخبار من طهران باغتيال "ناصر الدين شاه" بمسدس "ميرزا رضا الكرماني" (١) بل إن قاتل ناصر الدين شاه قال عندما أنفذ فيه خنجره:- خذها من يد جمال الدين (٢) ولما بلغ الأفغاني ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل (٣) وذكر محمد عبده أن الأفغاني أمره بقتل الخديوي إسماعيل (٤).وعاب أحمد أمين على الأفغاني هجاءه لناصر الدين شاه فقال "هذه زلة كبيرة من السيد دعاه إليها حدته وحبه للانتقام إذ كيف أجاز لنفسه التشهير بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبيه تتخذ من أقواله حجة للتدخل الذي طالما حاربه في العروة الوثقى وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب ثم قارن بينه وبين مدحت باشا الذي نفاه عبدالحميد بلا مال ولا ثياب ولا أهل فلم ينطق بكلمة في ذم عبدالحميد بل تكلم الكلام الكثير في فضل الأتراك على أوروبة ثم قال الحق أنها غلطة من غلطات السيد دعا إليها حدة مزاجه (٥).وقد نسب إليه بعضهم القول بنظرية داروين والحق أنه لم يقل بذلك بل رد عليها بما يبطلها (٦) مع تعاطفه على من أيدها وحمده لهم الجهر بمعتقدهم ولو خالف الجمهور (٧).ومما يؤخذ عليه كثرة لحنه، ولا نعيب عليه اللحن بقدر ما نعيب عليه إباحته ذلك فقد قال في هجاء رجال "هذا رجل من نسل البقروت" فعابوا عليه استعمال بقروت فقالوا: إن بقروت لم ترد في كلام العرب فقال وهل تريدون مني أن أنكر نفسي (٨).ومن أحسن الردود على هذا قول الأب انستاس الكرملي "أجل إننا لا نريد أن نسير برأي أهل البادية في لغتنا لكننا نريد أن نسير على المناحي والمنازع التي تلقيناها من السلف جيلا بعد جيل وأصلهم من البادية ولا نقبل أن ندخل في لغتنا مثل البقروت بحجة أن جمال الدين نطق بها" (٩) وقد عرف من رأي السيد أنه يجوز استعمال الدخيل واللفظ الأعجمي ويقول إذا أردتم استعمال كلمة غير عربية فما عليكم إلا أن تلبسوها كوفية وعقالا فتصبح عربية وقد كنى بالكوفية والعقال عن التعريب" (١٠) وكان يقول "كان المقصود في النحو أن يكون آلة فصيره جمود النحاة غاية" (١١).

стр. 1755

ومما يثير الريبة والشكوك في الأفغاني هذا الخليط من اليهود والنصارى الذي يحيط به، سليم نقاش من نصارى الشام وهو ماسوني ووضع كتابا تبدو فيه أهداف الماسونية بارزة في عنوانه (مصر للمصريين) وهو يذكرنا بدعوة الأفغاني للمصريين بالنظر ليس إلى الآثار الإسلامية بل إلى الآثار الفرعونية المصرية، وفي هذا فصل لمصر عن المسلمين والإسلام. وأديب إسحاق من أكثر الدعاة إلى الماسونية حماسا وقف نشاطه الصحفي على هذا وهو أيضاً من نصارى الشام انتظم في سلك الماسونية سنة ١٨٧٣م في محفل أنشأه الماسون في بيروت ذلك العام ثم وقف نشاطه على الدعوة إلى الماسونية في بعض الصحف ولم يكتف بهذا بل قام بطبع مقالاته تلك في كتاب ضخم (١) ومع هذا فقد كان الأفغاني لآخر نسمة من حياته – كما يقول تليمذه المخزومي – عند ذكر أديب بك إسحاق يسترجع يقول: كان طراز العرب وزهرة الأدب، قضى نحبه في شرخ الشبوبة وعنفوان الفتوة وترك لنا قلوباً آسفة وشجوناً فائضة إنا لله وإنا إليه راجعون" (٢).ومع هذا أيضاً فقد أسند الأفغاني إدارة أول صحيفة أنشأها (مصر) الأسبوعية سنة ١٨٧٧م إلى أديب إسحاق هذا؟! ثم ساهم في إنشاء جريدة (التجارة) وتولى رئاستها أديب إسحاق وسليم نقاش وكان الأفغاني يساهم بالكتابة فيها ويوصي تلاميذه بخدمة هاتين الصحيفتين قلماً وسعياً (٣). وهكذا نرى الأفغاني يمكن النصارى من أجهزة الإعلام ويصرف النقود ويفتح المطابع ويحصل على الامتيازات ليسلمها لهم. وكان من المحيطين به من النصارى جورج كوتجي وطبيبه الخاص هارون يهودي (٤). ولم يحضر وفاته إلا كوتجي النصراني وهارون اليهودي وعند قدومه إلى مصر يسكن في حارة اليهود (٥). ومن المآخذ عليه صلته بالإنجليز المريبة ورجال الإنجليز، وفي الحقيقة أنه لم تتضح لي حقيقة علاقة الرجل بالإنجليز فهو معهم أحد رجلين لا محالة: إما عدو ساذج مغفل اتخذوه مطية لهم لتحقيق مآربهم، وإما صديق مخلص ذو مكر ودهاء. وحسب ما نعرف من تاريخ الرجل فإن أول صلة بين وبين الإنجليز حينما انضم إلى محمد أعظم في أفغانستان ضد شير علي وانتصر الثاني لتأييد الإنجليز له ولم يجد الأفغاني بدا من الهرب.
следующие страницы →