ثم إن أردتم أن نسير على منهج "من فمك أدينك" فإنا فاعلون. بعد دخول الأفغاني إلى المحفل الماسوني تغيرت ثم لهجته في أحاديثه وأخذ يقرب منه العوام (١) لأي شيء يفعل هذا؟ أتظنون أنه فعل ذلك ليوضح لهم ما يجهلونه من أمور دينهم ولينزع الخرافات والمعتقدات الزائفة من أذهانهم والبدع والمنكرات من أفعالهم؟ كلا، إنه يقربهم ليقول لهم "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد وربيتم بحجر الاستبداد وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين وتعانون لوطأة الغزاة الظالمين" (٢) إلى أن قال "تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفة، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت" (٣).
فعد السيد الأفغاني الفتح الإسلامي لمصر دخول العرب، وعد دخول العرب على حد تعبيره استعباداً واستبداداً وقرنه باستعباد اليونان والرومان والفرس والفرنسيس واستبدادهم ثم يسترسل في حديثه فيقول "انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم.
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالرشيد فلاح (٤)
أذاً فهو لا يدعو عوام المسلمين الذين قربهم إليه بعد انضمامه إلى الماسونية لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي إذ هو يشق جلودهم بمبضع نهمه ويهيض عظامهم بأداة عسفه كاليونان والرومان والفرس والفرنسيس، لا يدعوهم إلى الدين الإسلامي وإنما إلى النظر إلى أهرام مصر وهياكل منفيس ... الخ وكلها آثار فرعونية شاهدة على جاهلية تعبد الأشخاص والكواكب من دون الله، ولا شك أن دعوته إلى النظر فيها دعوة إلى الاقتداء بأصحابها.
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .. إن التشبه بالرشيد فلاح.
إذاً فهي دعوة إلى نبذ الدين الإسلامي – كما أفهمها – وهي جزء من أهداف الماسونية التي تحارب الأديان.
ثم ومما يزيد الأمر وضوحاً ذكر آثارا ميتة وجيفا منتنة ولم يذكر مصنع الرجال لكونه مأثرة إسلامية. أعني الجامع الأزهر ما الداعي إلى هذا التحامل ضد الإسلام ومآثره؟ وهل لهذا أيضاً صلة بانتمائه إلى الماسونية؟!
وبعد .. فلعلي أطلت الحديث هنا في هذا الموضوع لأنه الميزان الدقيق الذي نزن به الرجل هنا، ولأنه يكفي في بيان حقيقة الرجل أي رجل إبات انتمائه إلى الماسونية ..
فإن كان فيما ذكرنا من أدلة ما يثبت انتماء الأفغاني إلى الماسونية وظهور أثرها في أحاديثه وأقواله فقد انجلت الحقيقة .. حقيقة الرجل. وإن كانت لا تكفي لإثبات ذلك فإنها ولا شك أصابع تشير إلى الأفغاني بالاتهام.
стр. 1752
وفاته: مكث جمال الدين في الآستانة زهاء أربعة أعوام حتى داهمه السرطان في فكه الأسفل وعملت له ثلاث عمليات جراحية بيد أشهر الأطباء ولم تنجح فمات في ٧ شوال ١٣١٤هـ الموافق ٩ مارس ١٨٩٧م ودفن في نشان طاش في مقبرة "شيخلر مزارلغي" أي مقبرة المشائخ (١) وقال طبيبه الخاص إن شدة ولع جمال الدين بالسيجار الأفرنجي وكثرة شربه للشاي وتناوله الطعام مالحا كان من مسببات السرطان" (٢) حتى قال بعض تلاميذه.
الملح والشاي والدخان ... أودت بروح شيخنا الأفغاني (٣)
ومن المؤسف أن يتحامل بعض المؤرخين وينسب قتله إلى الخليفة المسلم السلطان عبدالحميد ويصف السلطان بأنه أكبر طغاة الملوك في عهده مما لا مجال للرد عليه هنا ونكتفي بنقل كلمة لمستشرق فرنسي حيدر بامات حيث يقول "ولكن من القحمة كما يظهر أن يذهب كما صنع بعض مترجميه إلى أنه سم بأمر من السلطان فالرواية التي تعزو موته المفاجئ سنة ١٨٩٧م إلى سرطان ظهر في الشفة السفلى فاستولى على جميع وجهه بالتدريج أقرب إلى الحق كما يقوم وقد نقل جلود زيهر هذه الرواية فوكدها لنا الأمير شكيب أرسلان الذي كان من تلاميذ جمال الدين وعاشره في السنين الأخيرة من حياته" (٤).بل إن ابن أخت جمال الدين يعترف ويقول "فلما رفضت الدولة العثمانية تسليم السيد يعني لإيران لاتهامه بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه – اتفق سفير إيران ومندوبها فوق العادة الذي كان قد أوفد من إيران لهذه الغاية في سنة ١٣١٤هـ على أن يسموا ذلك السيد .. وقد حدث ذلك واستشهد جمال الدين" (٥).
ونزيد – أيضاً – لو كان للسلطان نية في قتله لسلمه لحكومة إيران التي اتهمته بالاشتراك في قتل ناصر الدين شاه فطلبته من تركيا مع اثنين من شركائه سلمتهما تركيا فأعدما ورفضت تسليم الأفغاني.
حقيقته والمآخذ عليه: مما لا شك فيه أن حياة هذا الرجل مليئة بالأسرار ويحيطها الغموض (٦) وتلتبس فيها الحقائق بالأكاذيب ومما يزيد الأمر سوءاً أنه لم يؤرخ للرجل مؤرخ معتدل فأغلب من أرخ له إما معجب به بالغ الإعجاب مبالغاً في الثناء عليه متجاوزاً عن كثير من أخطائه، تكل عينه من كل عيب فيه أعمته عين الرضا عن الحقيقة وإما رجل حاقد كاره بالغ في قدحه وذمه يحمل منه كل شاردة ووارده ما لا تحتمله أعمته عين السخط عن الحقيقة. وزاد بعض تلاميذه الأمر سوءاً فأخفى بعض أعماله زاعما أن الطريقة الماسونية لا تسمح بذكره (٧).ويزيد الأمر حينما نعلم أن أكثر نشاطه كان سرياً (٨). ولكن مع هذا الغموض فإنا نجد في بعض أفعاله وأقواله مآخذ لا نراها إلا خطيرة توجب إعادة النظر في تقويم بعض الرجال كما قال الدكتور محمد محمد حسين ونحن حين ندعو إلى ذلك لا نريد أن ننقص من قدر أحد ولكننا لا نريد أن تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعمون أنهم معصومون من كل خطأ" (٩).
وقد سبق لنا أن ذكرنا بعض هذه المآخذ في نشاطه الماسوني وفي تفسيره وفي الجامعة التي يدعو إليها وغير ذلك مما لا داعي لإعادته هنا.
стр. 1753
وأول ما يصادفنا في حياته من غموض الاختلاف في أصله أهو إيراني أم أفغاني وهو يذكر أنه أفغاني في كثير من أقواله ورسائله وأحياناً يسمي نفسه "الكابلي" أو "الحسيني" وكلها ألقاب يعرف بها الرجل ويشك في صحة هذا كثير من المؤرخين ويزيد الأمر شكا أن التاريخ لا يحدثنا عن عودته أو محاولته الاتصال بأهله وعشيرته في أفغانستان بعد خروجه منها بينما يذكر عودته المتكررة إلى إيران ويذكر أن معظم من يتصل به في تركيا إيرانيون وقنصل إيران قدم له العون عند نفيه من مصر والذي يقوم بدور الترجمة له في العروة الوثقى إيراني. ونحن لا يهمنا معرفة أصله أإيراني هو أم أفغاني بقدر ما يهمنا معرفة الدافع له إلى التنكر ولا يقنعنا وحدة القول بأنه إنما تنكر حتى يستطيع الخلاص من رقابة الحكومة الإيرانية لرعاياها في الخارج. ومع أنه كان يدعو إلى تنقية الدين الإسلامي مما علق به من الخرافات كتقديس الأموات والتبرك بهم ونحو ذلك إلا أنا نراه يستغل هذه النقطة أبشع استغلال فيلجأ إلى مقام عبدالعظيم خوفاً من ناصر الدين شاه ويثير فيهم الحمية لهذا المعتقد الباطل بالانتقام من ناصر الدين شاه فيقول "وأما قصتي وما فعله هذا الكنود الظلوم معي فمما يفتت أكباد أهل الإيمان ويقطع قلوب ذوي الإيقان ويقضي بالدهشة على أهل الكفر وعباد الأوثان إن ذلك اللئيم أمر بسجني وأنا متحصن بحضرة عبدالعظيم عبدالسلام" (١) ويصف هذا المقام بأنه "حرم من دخله كان آمنا" (٢).بل ويحاول أن يظهر بالقداسة أمام العوام ولو كان بالكذب والخداع حكى عنه سعد زغلول أنه ذكر لهم أنه كان في سفينة خيف عليها الغرق فرأى في الركاب خوفاً فأكد لهم أن السفينة لن تغرق ثم قال "لو غرقت السفينة لم أجد منهم أحدا يكذبني وإن سلمت ظهرت بالقداسة من أقرب سبيل" (٣).ومن المآخذ عليه اتخاذه الاغتيال سبيلاً لتحقيق مآربه فقد قال مره في حديث له مع الأستاذ براون لا أمل في الإصلاح قبل قطع ستة أو سبعة رؤوس وسمي بالاسم شاه العجم وكبير وزرائه وكلاهما قتل بعد ذلك (٤) وحينما طلب من السيد أن يكف عن مقاومة الشاه مقابل ما يشاء ويتمنى أجاب "لا أتمنى إلا أن تزهق روح الشاه ويشق بطنه ويوضع في القبور" قال عبدالقادر المغربي كل هذا سمعته من فم شيخنا الأفغاني الذي كان يرويه بطلاقة لسان وتوقد جنان" (٥) وقد أمر فعلا بالقتل حينما قال رضا آقاخان يوما أنه حاضر أن يفدي نفسه لتخليص أمته فقال له جمال الدين "أن كان كذلك فاذهب وافعل" (٦) وأمر السيد رجاله الأفغانيين أنهم إذا رأوا ميرزا في حيهم يقتلونه (٧)، وهذا ميرزا حسين خان دانش يصف زيارته لجمال الدين فيقول "وما أن قربت منه حتى وجدته محدقاً بنظره إلى الأرض يزرع البهو من أقصاه إلى أقصاه يروح وغدو غاضباً رافعاً صوته كالمجانين وهو يقول "لا نجاة إلا في القتل لا خلاص إلا في القتل لا سلامة إلا في القتل" .. فاشتد عجبي لهذه الحالة الجنونية التي وجدته عليها ..
стр. 1754
وعدت من حيث أتيت وتركته وشأنه وبعد انقضاء ٢٥ يوماً أو شهر على ذلك وردت الأخبار من طهران باغتيال "ناصر الدين شاه" بمسدس "ميرزا رضا الكرماني" (١) بل إن قاتل ناصر الدين شاه قال عندما أنفذ فيه خنجره:- خذها من يد جمال الدين (٢) ولما بلغ الأفغاني ذلك قال كلمات تدل على الإعجاب بالقاتل (٣) وذكر محمد عبده أن الأفغاني أمره بقتل الخديوي إسماعيل (٤).وعاب أحمد أمين على الأفغاني هجاءه لناصر الدين شاه فقال "هذه زلة كبيرة من السيد دعاه إليها حدته وحبه للانتقام إذ كيف أجاز لنفسه التشهير بحكومة شرقية إسلامية في بلاد أجنبيه تتخذ من أقواله حجة للتدخل الذي طالما حاربه في العروة الوثقى وكيف استباح أن يفضح هذه العيوب ثم قارن بينه وبين مدحت باشا الذي نفاه عبدالحميد بلا مال ولا ثياب ولا أهل فلم ينطق بكلمة في ذم عبدالحميد بل تكلم الكلام الكثير في فضل الأتراك على أوروبة ثم قال الحق أنها غلطة من غلطات السيد دعا إليها حدة مزاجه (٥).وقد نسب إليه بعضهم القول بنظرية داروين والحق أنه لم يقل بذلك بل رد عليها بما يبطلها (٦) مع تعاطفه على من أيدها وحمده لهم الجهر بمعتقدهم ولو خالف الجمهور (٧).ومما يؤخذ عليه كثرة لحنه، ولا نعيب عليه اللحن بقدر ما نعيب عليه إباحته ذلك فقد قال في هجاء رجال "هذا رجل من نسل البقروت" فعابوا عليه استعمال بقروت فقالوا: إن بقروت لم ترد في كلام العرب فقال وهل تريدون مني أن أنكر نفسي (٨).ومن أحسن الردود على هذا قول الأب انستاس الكرملي "أجل إننا لا نريد أن نسير برأي أهل البادية في لغتنا لكننا نريد أن نسير على المناحي والمنازع التي تلقيناها من السلف جيلا بعد جيل وأصلهم من البادية ولا نقبل أن ندخل في لغتنا مثل البقروت بحجة أن جمال الدين نطق بها" (٩) وقد عرف من رأي السيد أنه يجوز استعمال الدخيل واللفظ الأعجمي ويقول إذا أردتم استعمال كلمة غير عربية فما عليكم إلا أن تلبسوها كوفية وعقالا فتصبح عربية وقد كنى بالكوفية والعقال عن التعريب" (١٠) وكان يقول "كان المقصود في النحو أن يكون آلة فصيره جمود النحاة غاية" (١١).
стр. 1755
ومما يثير الريبة والشكوك في الأفغاني هذا الخليط من اليهود والنصارى الذي يحيط به، سليم نقاش من نصارى الشام وهو ماسوني ووضع كتابا تبدو فيه أهداف الماسونية بارزة في عنوانه (مصر للمصريين) وهو يذكرنا بدعوة الأفغاني للمصريين بالنظر ليس إلى الآثار الإسلامية بل إلى الآثار الفرعونية المصرية، وفي هذا فصل لمصر عن المسلمين والإسلام. وأديب إسحاق من أكثر الدعاة إلى الماسونية حماسا وقف نشاطه الصحفي على هذا وهو أيضاً من نصارى الشام انتظم في سلك الماسونية سنة ١٨٧٣م في محفل أنشأه الماسون في بيروت ذلك العام ثم وقف نشاطه على الدعوة إلى الماسونية في بعض الصحف ولم يكتف بهذا بل قام بطبع مقالاته تلك في كتاب ضخم (١) ومع هذا فقد كان الأفغاني لآخر نسمة من حياته – كما يقول تليمذه المخزومي – عند ذكر أديب بك إسحاق يسترجع يقول: كان طراز العرب وزهرة الأدب، قضى نحبه في شرخ الشبوبة وعنفوان الفتوة وترك لنا قلوباً آسفة وشجوناً فائضة إنا لله وإنا إليه راجعون" (٢).ومع هذا أيضاً فقد أسند الأفغاني إدارة أول صحيفة أنشأها (مصر) الأسبوعية سنة ١٨٧٧م إلى أديب إسحاق هذا؟! ثم ساهم في إنشاء جريدة (التجارة) وتولى رئاستها أديب إسحاق وسليم نقاش وكان الأفغاني يساهم بالكتابة فيها ويوصي تلاميذه بخدمة هاتين الصحيفتين قلماً وسعياً (٣).
وهكذا نرى الأفغاني يمكن النصارى من أجهزة الإعلام ويصرف النقود ويفتح المطابع ويحصل على الامتيازات ليسلمها لهم. وكان من المحيطين به من النصارى جورج كوتجي وطبيبه الخاص هارون يهودي (٤). ولم يحضر وفاته إلا كوتجي النصراني وهارون اليهودي وعند قدومه إلى مصر يسكن في حارة اليهود (٥).
ومن المآخذ عليه صلته بالإنجليز المريبة ورجال الإنجليز، وفي الحقيقة أنه لم تتضح لي حقيقة علاقة الرجل بالإنجليز فهو معهم أحد رجلين لا محالة: إما عدو ساذج مغفل اتخذوه مطية لهم لتحقيق مآربهم، وإما صديق مخلص ذو مكر ودهاء.
وحسب ما نعرف من تاريخ الرجل فإن أول صلة بين وبين الإنجليز حينما انضم إلى محمد أعظم في أفغانستان ضد شير علي وانتصر الثاني لتأييد الإنجليز له ولم يجد الأفغاني بدا من الهرب.
стр. 1756
وفي مصر كان يؤلب عليهم الناس حتى يقوموا بالثورة العرابية، وفي إيران يحرض مفتي إيران على تحريم الدخان لإبطال احتكار الإنجليز له في إيران تمهيداً لاحتلالها وفي باريس ينشئ مجلة العروة الوثقى التي تحارب الإنجليز أينما حلوا وتشنع عليهم وهو مع هذا يسرح في بلادهم ويمرح ويتردد بين لندره وباريز ولا يلقى سوى الترحيب. صحيح أنهم أدوا إلى تعطيل (العروة الوثقى) لكن صاحبها لا يجد مانعا من اللجوء إلى سفير بريطانيا في الآستانة ليساعده على الخروج منها (١) ولا تجد إنجلترا مانعاً قبل ذلك من عرضها له توليه السلطة في السودان (٢) وقبل هذا وذاك لا يجد السيد الأفغاني مانعاً من دخول المحفل الماسوني والاسكتلندي ولا يجدون هم أنفسهم مانعا من تعيينه رئيساً للمحفل. ولا يجد مانعا من التعاون مع الإنجليز! ضد من؟ ضد الخلافة الإسلامية؟!! قال السلطان المهضوم عبدالحميد في مذاكراته التي نشرت مؤخراً "وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنجليزية كل من مُهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنجليزي يدعي بلند، قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك واقتراحا على الإنجليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين" (٣).ولهذا فلا عجب أن يصفه السلطان عبدالحميد بقوله "كان رجل الإنجليز ومن المحتمل جدا أن يكون الإنجليز قد أعدوا هذا الرجل لاختباري" (٤).أما بلنت هذا الذي أشار إليه السلطان عبدالحميد فهو وزوجته من أصدقاء الأفغاني الإنجليز وهو وزوجته ذوي نشاط مريب في بلاد العرب ويكفي نشاطهما ريبة دعوتهما إلى إنشاء دولة عربية حليفة لإنجلترا تصبح مقراً للخلافة الإسلامية ويكتب بلنت في ذلك كتابه المشهور المسمى (مستقبل الإسلام) (٥).
وصلة الأفغاني ببلنت هذا وزوجته أيضاً صلة مريبة فهي التي تفاوض باسمه الحكومة البريطانية وتبدي رأيها له في بعض المسائل وتطلب منه توجيهاته بعد هذا وتسعى لعقد الاجتماعات بينه وبين كبار الشخصيات حتى الإيرانية فتنظم له لقاء مع مالكوم خان سفير إيران لدى جميع الدول الأوروبية وهو نصراني ذو ميول أوربية وتفاوض باسمه بريطانيا في مسألة مصر ومسألة السودان وتكتب إليه بجواب الوزراء الإنجليز.
ومن يقرأ بتمعن تأريخ بلنت وزوجته يدرك أنهما يحاولان الظهور بمظهر التعلاطف مع قضايا "العرب" حتى ضد الإنجليز ولكن حقيقتهما إنهما من رجال الإنجليز وأكبر هذا دعوتهما لفصل العرب عن الخلافة الإسلامية وإنشاء دولة عربية حليفة لانجلترا تصبح مقراً للخلافة الإسلامية وفي هذا وحده ما يكشف حقيقتهما.
فما علاقة الأفغاني بهما وكيف يسمح لنفسه أن يتعاون مع الإنجليز لهدم الإسلام والخلافة الإسلامية وهو يسعى بزعمه وزعم المخدوعين به إلى الوحدة الإسلامية؟!
ومن المآخذ على الأفغاني تلك العبارة الخطيرة والألفاظ المنحرفة وهي وإن كانت غير صادرة منه ولكنها من تلاميذه وموجهة إليه ولو لم يكن بها راضياً لردع تلاميذه عنها ولعرفوا كراهيته لذلك فارتدعوا ولكنه لم يفعل فلم يفعلوا.
فمن ذلك ما كتبه إليه تلميذه إبراهيم اللقاني:-
стр. 1757
"لو أذن لي سيدي وأستاذي ورب روحي ومعدل مزاجي ومقوم خلائقي ومحور خلقي ومحرر فطرتي".ويكتب إليه السيد رشيد رضا مصلياً ومسلماً عليه بعد رسول الله وآله فيقول:- "الحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وعلى سيدي بل السيد المطلق، ذي القدح المعلى والجواد المصلى الاسبق، سدرة منتهى العرفان، وجنة مأوى المحاسن والإحسان الذي له في كل جو متنفس، ومن كل نار مقتبس، الإمام المفرد والعقل المجرد "إلى أن قال" مهبط الفيض مصعد الكلم الطيب مجلى سر الجمال الأكمل" (١).
ويكتب إليه الأستاذ الإمام محمد عبده ما هو أشد وأفظع وأخطر على عقيدة المسلم وسنذكره عند الحديث عن محمد عبده – إن شاء الله -.ومن المآخذ على الأفغاني أن السلطان عبدالحميد استشاره في إرسال بعثة من العلماء لنشر الإسلام في اليابان حسب طلب إمبراطور اليابان فأرجعه عن عزمه وقال له "إن العلماء نفروا المسلمين من الإسلام فأجدر أن ينفروا الكافرين" (٢).ومنها تعليله عدم زواجه بخشيته عدم العدل، ومنها قسمه الذي يقسم به وعز الحق وسر العدل، ومنها أنه يشرب "قليلاً من الكونياك" (٣).
ويطول بنا الحديث لو أردنا استقصاء ذلك، ولعل فيما ذكرنا إشارة لمؤسس هذه المدرسة العقلية الحديثة والباعث لها وهو وإن كان الغالب على نشاطه السياسة لا الدروس العلمية التي هي مرادنا لكنه هو الذي وجه الإمام محمد عبده وتلاميذه إلى هذه الطريقة وأخذ بيدي حتى سلكته وحمدت له ذلك واعترفت له.
المصدر: المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٧٥
стр. 1758
المطلب الثاني: محمد عبده
لئن كان السيد جمال الدين الأفغاني هو المؤسس لهذه المدرسة فإن محمد عبده هو الذي أقام صروحها ودعا إليها ونشرها بين الناس فكان بحق هو صاحبها وهو أستاذها وأمامها الأول فكان له من الأثر فيها ما لم يكن لأستاذه السيد جمال الدين ولعل شهرة محمد عبده توجب علينا الاقتصار في ترجمته على بعض معالم حياته التي نستشف من ورائها اتجاهه الفكري ليس إلا.
اسمه ونسبه: هو محمد بن عبده بن حسن بن خير الله. حدث عن نفسه فقال "كنت أسمع المزاحين من أهل بلدتنا يلقبون بيتنا ببيت التركمان فسألت والدي عن ذلك فأخبرني أن نسبنا ينتهي على جد تركماني جاء من بلاد التركمان" (١) وقال "أما بيت والدتي فيقال أنه عربي قرشي وأنه يتصل في النسب بعمر بن الخطاب ﵁ ولكن ذلك كله روايات متوارثة لا يمكن إقام الدليل عليها" (٢).
مولده ونشأته:
стр. 1759
ولد في حصة شبشير من قرى إقليم الغربية ونشأ في قرية "محلة نصر" تبعد عن دمنهور نحو خمسة عشر كيلومتراً. ولد في أواخر سنة ١٢٦٥ هـ وتعلم القراءة في منزل والده بعد أن جاوز العاشرة ثم حفظ القرآن في سنتين انتقل بعدها إلى المسجد الأحمدي بطنطا ليتعلم التجويد ومكث سنة ونصفاً ولم يفهم فيها شيئاً لرداءة طريقة التعليم فيها حسب قوله (١) عاد بعدها إلى محلة نصر وتزوج سنة ١٢٨٢هـ ثم ألزمه والده الذهاب إلى طنطا للتعلم فاستطاع الهرب في الطريق إلى بلدة "كنيسة أورين" ولجأ إلى أحد أخوال أبيه واسمه الشيخ درويش الذي حبب إليه العلم وطلبه بسبب طريقته في التدريس حتى صار طلب العلم وتحصيله أحب شيء إلى نفسه. أقام عند الشيخ درويش ١٥ يوماً انتقل بعدها إلى طنطا خوفاً من والده الذي وجهه إليها للدراسة ثم انتقل إلى الأزهر في منتصف شوال ١٢٨٢هـ فداوم على طلب العلم على شيخه ويعود إلى محلة نصر في آخر كل سنة ليتلقى الدروس من الشيخ درويش الذي يسأله ما درست المنطق؟ ما درست الحساب؟ ما درست شيئاً من مبادئ الهندسة؟ وكان الأستاذ الإمام يلتمس عند عودته إلى القاهرة هذه العلوم عند من يعرفها إلى أن جاء السيد جمال الدين الأفغاني في شهر المحرم ١٢٨٧ فتلقى عنه بعض العلوم الرياضية والفلسفية والكلامية ويدعو الناس إلى التلقي عنه فقرأ على السيد الزوراء للدواني في التصوف و (شرح القطب على الشمسية) و (المطالع) و (سلم العلوم في المنطق والهداية) و (الإشارات) و (حكمة العين) و (حكمة الإشراق في الفلسفة) و (عقائد الجلال الدواني في التوحيد) و (التوضيح مع التلويح في الأصول الوجغميني) و (تذكرة الطوسي في الهيئة القديمة) وكتاباً آخر في (الهيئة الجديدة) ... (٢) وظهر تأثير السيد على الأستاذ سريعاً فبدأ في الكتابة والتأليف واتفق مع بعض الطلاب على أن يقرأ لهم بعض الكتب في المنطق وعلم الكلام مما لم يكن يقرأ مثلها في الأزهر فكثر سواد المجتمعين عليه. حتى اشتهر أمره مما أحفظ عليه قلب الشيخ محمد عليش الذي بلغه أن محمد عبده يقرأ كتب المعتزلة والمتكلمين في الأزهر ويرجح مذهبهم وإن الشيخ عليش – كما يقول العقاد – رجلا صالحا عفيفاً عن المطامع الدنيوية التي كانت تستهوي طلاب المظاهر من علماء عصره وكان مخلصاً صادق النية في كراهة البدع التي يخشى منها على الدين (٣) وكبر عليه ﵀ أن يقرأ أحد مثل تلك الكتب في الأزهر فأرسل إلى محمد عبده وناقشه نقاشاً أفضى إلى نزاع وخصومه قيل أنه ترك التدريس على إثرها في الأزهر وقيل أنه لم يتركه وأنه كان يضع بجانبه عصاً وقال إذا جاء الشيخ بعكازه فله هذه العصا. وعرض نفسه على لجنة الامتحان في الأزهر لنيل شهادة العالمية في سنة ١٢٩٤هـ فحصل عليها ولم يكن نيله لها بالمانع له من الاستمرار في طلب العلم فكان له في طلبه ثلاث مراحل (٤):
الأولى: الطلب على طريقة الأزهر المعروفة من مناقشة في عبارات المتون والشروح والحواشي والتقارير.
الثانية: ثم تحول عن تلك الطريقة إلى طريقة السيد الأفغاني الذي أطلقه من التقيد بعبارات المؤلفين وتعويده الحكم باليقين مع تطبيقه على حال المسلمين الحاضرة.
الثالثة: ثم أضاف إلى هذا النظر في علوم الإفرنج فقرأ مما ترجم من الكتب ثم تعلم الفرنسية وصار يقرأ بها.
стр. 1760
المصلح المعلم: عين بعد نيله الشهادة العالية مدرساً من دار العلوم للتاريخ وفي مدرسة الألسن الخديوية للعربية في أواخر سنة ١٢٩٥هـ مع مداومته على التدريس في الجامع الأزهر فدرس في دار العلوم مقدمة ابن خلدون وكان غرضه من ذلك بث أفكاره الإصلاحية في السياسة وفي المجتمع وفي التعليم عبر ذلك الدرس الذي يفتح له المصارع في الحديث عن تلك الأمور من أوسع الأبواب وكان يكلف تلاميذه بكتابة المقالات ليعودهم الإحساس بمشاركته في الإصلاح والنقد فتكون آرائه لديهم أكثر قبولا وتأثيراً إلا أنه لم يلبث طويلاً حتى عزل لصلته بالسيد جمال الدين الأفغاني الذي صدر الأمر بنفيه. عزل عن التدريس وأمر بالمقام في بلده لا يبرحه حتى صدر الأمر بالعفو عنه سنة ١٢٨٧هـ وعين رئيسا لتحرير الجريدة الرسمية (الوقائع المصرية) مما سنعرض له بعد وفي سنة ١٣٠٠هـ ١٨٨٢م حكم عليه بالنفي لاشتراكه في الثورة العرابية وتوجه إلى الشام حيث مكث فيه مدة نفيه إلا عشرة أشهر أقامها في باريس أصدر خلالها مع الأفغاني جريدة العروة الوثقى عاد بعد توقفها إلى الشام فبدأ درسه في منزله في بيروت في السيرة النبوية وقرأ في الجامع الكبير التفسير لا يلتزم كتاباً وإنما يقرأ في المصحف ويفسر (١) ودعي في سنة ١٣٠٣هـ إلى التدريس في المدرسة السلطانية فلبى وكان له فيها إصلاحات متعددة فزاد في العلوم التوحيد ومعاملات الفقه والتاريخ والمنطق والمعاني والإنشاء ووجد أن المختصرات في التوحيد لا تأتي على الغرض من إفادة التلامذة والمطولات تعلو على أفهامهم والمتوسطات ألفت لغير زمانهم فأملى عليهم ما هو أمس بحالهم فكانت (رسالة التوحيد) (٢) ونقل إلى العربية رسالة (الرد على الدهريين) لأستاذه الأفغاني وشرح كتاب (نهج البلاغة) و (مقامات بديع الزمان الهمذاني) (٣).
كان هذا جزءاً من مساهمته في الحركة العلمية أما أهم أهدافه في الإصلاح التعليمي فتلخصها لنا اللائحتان اللتان قدمهما إحداهما إلى الآستانة لإصلاح التعليم في سوريا والثانية إلى اللورد كرومر لإصلاح التعليم في القاهرة بعد عودته من منفاه.
أما الأولى فقدمت في سنة ١٣٠٤هـ إلى شيخ الإسلام في الآستانة قسم الناس فيها إلى طبقات ثلاث وعين لكل واحدة منها حدا من هذه الفنون فالطبقة الأولى العامة من أهل الصناعة والتجارة والزراعة ومن يتبعهم ينبغي أن توضع لهم كتب التعليم الديني على الوجه الآتي:
أولاً: كتاب مختصر في العقائد الإسلامية المتفق عليها عند أهل السنة مع الإلمام بشيء من الخلاف بيننا وبين النصارى وبيان شبههم في معتقداتهم.
ثانياً: كتاب مختصر في الحلال والحرام والتنبيه على البدع المستحدثة.
ثالثاً: كتاب في التاريخ مختصر يحتوي على مجمل سيرة النبي ﷺ وأصحابه وخلفائه ثم يتبع ذلك بتاريخ الخلفاء العثمانيين.
أما الطبقة الثانية: فهم طبقة الساسة ممن يتعاطى العمل للدولة في تدبير أمر الرعية وحماتها من العسكريين وأعضاء المحاكم ورؤسائها ومأموري الإدارة على اختلاف مراتبهم فتوضع لهم الدروس كالآتي:
أولاً: كتاب يكون مقدمة للعلوم يحتوي على المهم في فن المنطق وأصول النظر وشيء من آداب الجدل.
ثانياً: كتاب في العقائد يوضع على قواعد البرهان العقلي والدليل القطعي مع التزام التوسط.
ثالثاً: كتاب يفصل فيه الحلال والحرام وأبواب الفضائل والرذائل ببيان أكمل مما في البداية.
رابعاً: تاريخ ديني يحتوي على سيرة النبي ﷺ وأصحابه والفتوحات الإسلامية والعثمانية.
стр. 1761
أما الطبقة الثالثة فهي طبقة العلماء من أهل الإرشاد والتربية واقتصر هنا على ذكر الفنون دون التعرض لأعيان الكتب إلا قليلاً على هذا الوجه:
أولاً: فن تفسير القرآن الكريم كتفسير الكشاف وتفسير القمي والنيسابوري ومن أخذ طريقهما.
ثانياً: فنون اللغة العربية.
ثالثا: فن الحديث مع التوفيق بينه وبين القرآن بإطراح الضعيف والتوفيق بينه وبين ما يوهم المخالفة من الصحيح.
رابعاً: فن الأخلاق والآداب الدينية بتفصيل تام على نحو ما سلك الغزالي في الأحياء.
خامساً: فن أصول الفقه ونرى أفضل كتاب لهذا المقصد الموافقات للشاطبي.
سادساً: فن التاريخ القديم والحديث.
سابعاً: فن الإقناع والخطابة.
ثامناً: فن الكلام والنظر في العقائد. وهذه الطبقة الأخيرة ينبغي أن تكون تحت نظر شيخ الإسلام وتكون إدارتها تحت عنايته في سلك خاص ويدعى لها بالمدرسين المتبصرين ولا يعطى الطالب منها شهادة عالية إلا بعد امتحان شديد في العلوم المتقدمة والبحث الكامل عن سيرته في أحواله وأعماله والتحقق من تقدمه في الفضيلتين العلم والعمل (١).
أما إصلاح التعليم في مصر فقد تمثل في اللائحة التي قدمها إلى اللورد كرومر ممثل الاحتلال البريطاني وبدأ تلك اللائحة ببيان أهمية الإصلاح وأن حاجة الحاكم إلى صلاح الناس ليست بأخف من حاجتهم إلى صلاحه ويشبه الحاكم بالصانع والمحكومين بالآلة فهو كاتب مثلا وهم قلمه فلا يكتب القلم بلا كاتب ولا يكتب الكاتب بلا قلم ثم يحث المستعمر على إصلاح التعليم ويسهل له الأمر مبينا أن أهل مصر قوم سريعو التقليد أذكياء الأذهان أقوياء الاستعداد للمدنية بأصل الفطرة فحاكمهم إذا كان رأسا فهم بدنه وإذا كان عاملا فهم آلته فلابد من استصلاحهم حتى يستقر سلطانه عليهم زمناً مديداً ثم يبين أن الإصلاح في المدارس التي ليس عليها رقيب سوى أهل السلطة السياسية لا غير فلهم أن يأخذوا من الدين أصوله ويغرسوها في المدارس ويحملوا نفوس طلاب العلم عليها ولا يستعرضون لما زاد عنها ثم بين أنهم لن يجدوا من يعارض من أهل الدين لأنهم لا يهتمون بما لا يقع تحت نظرهم مباشرة.
المدارس الأميرية:
ثم تكلم عن المدارس الأميرية وأنه ليس فيها شيء من المعارف الحقيقية ولا التربية الصحيحة ثم بين رغبة الناس فيها زمن إسماعيل ليستريحوا من نفقة أبنائهم وأن يتعلموا ما يؤهلهم للقيام بعمل من أعمال الحكومة. أما تكوينه بالتعليم والتربية رجلا صالحا في نفسه يحسن القيام بالأعمال التي تسند إليه فلم يخطر ببال المسلمين ولا من ولاهم أمر التعليم.
المدارس الأجنبية:
أما المدارس الأجنبية على تنوعها فاختلاف مذاهب المعلمين والمتعلمين يضعف تلك المدارس من التربية العمومية فقليل من المصريين من يرغب في تعليم أولاده فيها مع مداومتهم على نصيحة أولادهم بعدم الالتفات إلى ما يقوله المعلمون فيها حفظاً لاعتقادهم ... مما يحدث الاضطراب في طبيعة الفكر والتزلزل في الأخلاق وقد أحدثت هذه المدارس النفرة في قلوب المسلمين.
الجامع الأزهر:
стр. 1762
هو مدرسة دينية عامة يأتي الناس إليها إما رغبة في تعلم العلوم الدينية رجاء ثواب الآخرة وإما طمعا في امتيازات لطلاب العلم فيه ومما يؤسف عليه أنه لا نظام لها في دروسها ولا يبالي الأساتذة بحضور الطلاب أو غيابهم وفهمهم أو عدمه وصلاح أخلاقهم أم فسادها ويتعلمون طرقا من العقائد على منهج يبعد عن حقيقته أكثر مما يقرب منها ثم يتكلم عن إصلاح الأزهر وأنه لابد أن يكون بالتدريج في تغير نظام الدروس وجعلها في البدء تحت قواعد ساذجة قريبة من الحالة الحاضرة فيها بوجوب الحضور للطلبة وإلا حرم من الامتيازات وكل أستاذ يسأل عن طلبته وتغير برنامج الدروس وزيادة أصناف من الكتب وتعديل نظام الامتحان النهائي وشروطه. ثم تكلم عن الكتاتيب الأهلية وأن إصلاحها بالتدرج في إصلاح الفقهاء المدرسين فيها ثم تكلم عن المكاتب الرسمية الابتدائية والمدارس التجهيزية والمدارس العالية بوجوب غرس مبدأ الصلاح في نفوس التلاميذ ليحسنوا استعمال ما تعلموا ثم يتحدث عن المعلمين والمربين ومدرسة دار العلوم وشروط الانتساب إليها وغاية إنشائها وهي إعداد خريج الأزهر لتدريس العلوم العربية والدينية ويستغرب أمر نظار دار العلوم وجهلهم بالدين والعربية ويرى إمكانية حلول دار العلوم هذه عن الجامع الأزهر ولكن يلزم لذلك أمور اثنا عشر ذهب يعددها كإصلاح البرنامج وحذف بعض العلوم وتغير طريقة تفسير القرآن واختيار المعلمين الصالحين وناظر للمدرسة وتحديد الدراسة فيها سنة للتدريب على التعليم ونحو ذلك. ثم أنه يلزم كتب تؤلف جديداً ولوائح تنظم للعمل على مقتضاها كان ذلك إيجازا لتلك اللائحة التي نبذها من كتبت له وراء ظهره ولم يوافق الخديو توفيق على تعيين صاحبها بعد عودته من سوريا مدرساً في دار العلوم بل أمر بإقصائه عن التعليم فعين قاضياً في الريف (١).واستمر بعد هذا في إصلاحه للأزهر الذي كان يسميه بـ "الإصطبل" و"المارستان" و "المخروب" (٢) ولم تتح له الفرصة للإصلاح إلا بعد أن تولى عباس الثاني الخديوية سنة ١٨٩٢م الذي أراد مناهضة الاحتلال الذي استأثر بالحكم فقرب الزعماء والعلماء المصريين وكان من بينهم الأستاذ الإمام محمد عبده فذكر له أنهم تركوا له الأزهر والأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية وبصلاحها صلاح للبلاد وهي أقرب وسيلة للقضاء على الاحتلال (٣) فاقتنع عباس بهذا وأصدر مرسوماً يقضي بإنشاء مجلس لإدارة الأزهر من أعضائه محمد عبده سنة ١٣١٢هـ وأمر بتعيين الشيخ حسونة شيخا للأزهر سنة ١٣١٣هـ بعد استقالة الشيخ الأنبابي الذي يعارض هذا الاتجاه فبدأ في الإصلاح الحسي والمعنوي فأنار المسجد وعين طبيباً وفتح صيدلية للأزهر وأنشأ الميضأة الصحية وتجديد مبان صحية في الأروقة وحددت مدة الدراسة وامتحان سنوي لمن يغب مع مكافأة مالية للناجحين واستبدال الكتب النافعة بالكتب الضارة – حسب قولهم – وجعل مدة دراسة المقاصد كالفقه والتفسير أطول من مدة الوسائل كالنحو والصرف وبزيادة علم الأخلاق والتاريخ وتقويم البلدان والرياضيات وغير ذلك كثير من الإصلاحات التي نفذ القليل منها وترك الكثير إذ لم يلبث أن تغير ظن عباس باشا بالأستاذ الإمام أدى إلى خلاف فاستقال محمد عبده في محرم سنة ١٣٢٣هـ وكان هذا آخر جهوده في إصلاح التعليم. فمات بعد ذلك بفترة قصيرة.
стр. 1763
ومن الملاحظ أني استطردت في هذا الموضوع إذ هو المراد الأكبر الذي وجه إليه الأستاذ الإمام همه وفكره إذ كان يرى أن النهضة الإسلامية لن تكون إلا بإصلاح التعليم وخالف أستاذه الأفغاني الذي يرى أن السبيل إلى ذلك "الثورة السياسية" فكانت دعوة الأول علمية والثاني سياسية.
وقد كان للإمام نشاط سياسي أيضاً نشير إليه.
стр. 1764
المصلح السياسي: كان من أهداف الإمام الإصلاح السياسي للبلاد حيث يقول "وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعاً في عمى عنه وبعد عن تعقله ولكنه هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية" (١) ثم يبين دعوته بقوله "ذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة" (٢) ثم يبين حالها "وجهرنا بهذا القول" (٣) وحال الدولة "والاستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه" (٤) وحال الداعي "نعم أنني لم أكن الإمام المتبع ولا الرئيس المطاع غير أني كنت روح الدعوة" (٥) وزاد هذه الدعوة اشتعالا اتصال صاحبها بالأفغاني الذي زادها اتساعاً وعمقاً ولم يلبث الأفغاني أن نفي من البلاد لهذا النشاط وعزل الإمام عن عمله وأجبر على الإقامة في بلده وبعد العفو عنه وعودته إلى العمل كانت في البلاد حركة ضد الاحتلال يقودها عرابي كان من أسبابها نشاط الأفغاني السابق نفي الإمام أن يكون له بها صلة بل إنه كان يحذرهم من هذا الأسلوب ويندد بزعمائها حتى أرسل إليه عرابي (٦) من يتهدده ويعلل رشيد رضا رفض الإمام للحركة مع دعوته للإصلاح السياسي أنه كان يحاول ذلك برضا الأمير وحكومته لا بالخروج عليه (٧) ولما استفحلت الحركة العرابية وضرب الأسطول الإنجليزي الإسكندرية انضم الشيخ محمد عبده إلى العرابيين وبعد القضاء على الثورة العرابية حكم على الإمام بالنفي ثلاث سنوات فاتجه إلى الشام ثم غادرها بعد ذلك إلى باريس حيث التقى هناك بالأفغاني وأنشئا جريدة (العروة الوثقى) التي كانت حربا على الاستعمار الإنجليزي وكانت الأفكار للأفغاني والعبارة للإمام (٨) ثم توقفت الجريدة بعد فترة قصيرة واهتزت العلاقة بين الأستاذ وتلميذه فقد كان الأستاذ يرى الاستمرار في الإصلاح عن طريق الثورة السياسية واكتفى محمد عبده بما حصل له من السياسة ورأى التحول إلى أسلوب التربية والتعليم قائلاً لأستاذه "أرى أن نترك السياسة ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض لا يعرفنا فيه أحد نختار من أهله عشرة غلمان أو أكثر من الأذكياء السليمي الفطرة فنربيهم على منهجنا ونوجه وجوههم إلى مقصدنا فإذا أتيح لكل واحد منهم تربية عشرة آخرين لا تمضي بضع سنين آخرى إلا ولدينا مئة قائد من قواد الجهاد في سبيل الإصلاح ومن أمثال هؤلاء يرجى الفلاح "فقال له السيد إنما أنت مثبط نحن قد شرعنا في العمل ولابد من المضي فيه ما دمنا نرى له منفذاً (٩) فكان الفراق. وعاد الإمام إلى الشام وازدادت العلاقة سوءاً بين الأستاذ وتلميذه حينما كتب الثاني إلى الأول بعد استقراره في الآستانة كتاباً غفلاً من التوقيع وتلميحاً لبعض الأشخاص من غير ذكر أسمائهم فغضب السيد وكتب إليه يقول بعد الدعاء له بتثبيت الجأش "تكتب ولا تمضي وتعقد الألغاز .. إنك في آفاق مكفهرة .. وأمامك الموت .. لا ينفعك الحذر من الأول ولا ينجيك الخوف من الثاني فلا تضيق على نفسك فكن فيلسوفاً يرى العالم ألعوبة ولا تكن صبياً هلوعاً .. قوى الله قلبك" (١٠).ولعل هذا آخر ما كان بينهما من تواصل (١١)
стр. 1765
بل ويوضح لنا انقطاع الصلة بينهما أنا لا نرى للإمام كلمة في رثاء أستاذه" (١).ونهج الأستاذ الإمام بعد عودته سبيل الإصلاح التعليمي وازداد كراهته للسياسة شدة وغمز في طريقة أستاذه بتخطئته أذكياء المسلمين الذين يريدون خدمة الإسلام من طريق السياسة (٢) وبلغ كرهه للسياسة أوجه حين قال "أعوذ بالله من السياسة ومن لفظ السياسة ومن معنى السياسة ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة ومن كل خيال ببالي من السياسة ومن كل أرض تذكر فيها السياسة ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس" (٣) وليس بعد هذا كره للسياسة. بقي أن نقول هنا أنه ترك السياسة ولم تتركه بل استغلته واتخذته مطية لها وخداماً للإنجليز من حيث يدري أو من حيث لا يدري حيث يقول اللورد كرومر: "أن أهميته السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين وأنه هو وتلاميذ مدرسته خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوروبي" (٤).
المصلح الصحفي: شارك الإمام محمد عبده في الصحافة فبدأ الكتابة في (الأهرام) ثم كتب في (التجارة) وفي مصر بإيماء من أستاذه الأفغاني (٥) الذي ساهم في إنشائهما وكانتا مع غيرهما من المجلات كـ (مرآة الشرق) طوع إشارة الأفغاني (٦) ثم وبعد نفي السيد والعفو عن الإمام بعد عزله عن التدريس أسند إليه منصب التحرير لجريدة (الوقائع المصرية) وهي الجريدة الرسمية وقد أرادوا بهذا عزله عن الإصلاح والتعليم ولكنه قلب الموازين والمقاييس فجعلها منبراً لبث أفكاره وآرائه بعد أن عين رئيساً للتحرير فاختار لها محررين مهرة ووضع لها لائحة أنفذها رياض باشا وكان من أحكامها أن جميع الإدارات الحكومية مكلفة أن تكتب للجريدة بما عملت فأتمت وما شرعت فيه ولم تتمه وكذلك المحاكم وأن للجريدة الحق في نقد الأعمال والمكتوبات الرسمية والمراقبة على الجرائد العامة والتحقيق فيما تنشره من نقد فإن كان حقاً وجب عقاب المذنب وإن كان كذباً أنذر مدير الجريدة فإن تكرر ثلاثاً فلها منع إصدارها البتة أو إلى أجل ومن حقها أن يجعل فيها قسم غير رسمي ينشر فيه ما يرى نافعاً من المقالات الأدبية (٧) فكان لها مكانة كبيرة في بث أفكاره ووقعت الثورة العرابية ونفي الشيخ، وأنشأ مع الأفغاني (العروة الوثقى) وكانت العبارة فيها كما قلنا سابقاً عبارته والفكرة فكرة الأفغاني وكانت لها مكانة في الكفاح ضد الاستعمار الإنجليزي.
وعاد إلى سوريا وكان له مشاركة في الصحف السورية كجريدة (ثمرات الفنون البيروتية) وبعد عودته إلى مصر استشاره تلميذه السيد رشيد رضا في إصدار مجلة فأذن له وشارك في إنشائها واختار لها اسم (المنار) ووجه صاحبها إلى بعض الأمور وكانت تنشر دروسه وأخباره وتفسيره للقرآن الكريم.
المصلح والتقريب بين الأديان:
لا شك أن اليهودية العالمية "الصهيونية" لا تألوا جهدا في سبيل تثبيت أركانها وتوطيد قوائمها ولا تترك سبيلاً لتحقيق ذلك إلا انتهجته.
ومهما كان من تناقض بين هذه المبادئ والمناهج فإنها تلتقي في النهاية عند خدمة الصهيونية العالمية.
стр. 1766
فليست الرأسمالية إلا وليدة الصهيونية العالمية وليست نقيضتها الشيوعية إلا وليدة أفكارها ومبادئها وهما تلتقيان على خدمتها وترسيخ نفوذها مهما كان التناقض بينها ظاهراً.
سعت الصهيونية إلى القضاء على الأديان كافة فأنشأت الماسونية وكانت لها محافل إنجليزية وفرنسية وغيرها وكلها قد يبدو ظاهرها أنها لا تخدم إلا من تنتسب إليه أما الإنجليز أو الفرنسيين مثلاً ولكنها في الحقيقة فوق هذا وذاك هي في خدمة الصهيونية العالمية.
أرادت الصهيونية أن تفتح طريقاً جديداً لتحقيق أهدافها حين أدركت أن بعض القوم قد أدركوا حقيقة الماسونية وسعيها للقضاء على الأديان فأرادت وحتى تكون أكثر قرباً للمتدينين أن يكون هذا الطريق طريقاً دينياً بحتاً فأمرت أتباعها ببث فكرة التقريب بين الأديان والقضاء على الفوارق الدينية حتى يكون الناس كلهم أمة واحدة.
وما تلكم الدعوة في حقيقتها إلا تذويب للأديان وامتصاص لعداوتها لليهودية وحينما يتم التقريب بين الأديان فإن العلمانية – حتما – هي النتيجة وحينئذ يسهل القضاء عليها لتزول الأديان كلها وتتحقق أهداف الماسونية من طريق جديد – بل أهداف الصهيونية.
стр. 1767
غابت تلك الحقيقة عن أذهان كثير من المخدوعين بما ينتجه الغرب والمشدوهين بما يصدر منه من أفكار ومبادئ، أعماهم الإعجاب بالغرب عن التأمل فيما يبثه من أفكاره واكتفوا منه بصبغته الظاهرة للعيان. وكان من أولئك القوم المخدوعين رجال المدرسة العقلية الحديثة بزعامة أستاذهم وإمامهم محمد عبده فبعد أن توقفت (العروة الوثقى) وعاد الإمام إلى بيروت أنشأ فيها جمعية سياسية دينية سرية هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة "الإسلام والمسيحية واليهودية" واشترك معه في تأسيسها ميرزا باقر، وبيرزداه، وعارف أبي تراب، وجمال بك نجل رامز بك التركي قاضي بيروت، ثم انضم إليها مؤيد الملك أحد وزراء إيران، وحسن خان مستشار السفارة الإيرانية بالآستانة، والقس إسحاق طيلر، وجي دبليو لينتر، وشمعون مويال، وبعض الانكليز واليهود وكان الإمام صاحب الرأي الأول في موضوعها ونظامها وميرزا باقر هو الناموس "السكرتير" العام لها (١) وهو إيراني تنصر وصار مبشراً نصرانياً وتسمى بميرزا يوحنا ثم عاد إلى الإسلام. ودعا أعضاؤها إلى فكرتهم في صحفهم ورسائلهم، وهذا الشيخ محمد عبده يكتب رسالة إلى القس إسحاق طيلر يقول فيها "كتابي إلى الملهم بالحق الناطق بالصدق حضرة القس المحترم إسحاق طيلر أيده الله في مقصده ووفاه المذخور من موعده" "إلى أن قال " .. ونستبشر بقرب الوقت الذي يسطع فيه نور العرفان الكامل فتهزم له ظلمات الغفلة فتصبح الملتان العظمتان المسيحية والإسلام وقد تعرفت كل منهما إلى الأخرى وتصافحتا مصافحة الوداد وتعانقتا معانقة الألفة، فتغمد عند ذلك سيوف الحرب التي طالما انزعجت لها أرواح الملتين (٢) "ويقول:- "وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة، وصحفا متصادقة يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين فيتم نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله" (٣)؟!! بينما يردد الشيخ محمد عبده هذا القول وأمثاله ينشر جي دبليولينتر مقال (الإسلام والمدارس المحمدية) في الديلي تلغراف اللندنية جاء فيه "وإحسان المسلمين لمواليهم وإشفاقهم على البهائم التي ترجع أيضاً إلى الرب وإنفاقهم في سبيل الخير والسذاجة التي هي من خصال المؤمنين الصادقين أحرى بأن تميلنا إليهم من أن نصيح على النبي الكاذب" (٤) وقال أيضاً "وإن كنا نريد أن نلصق المسلمين بالدولة الإنكليزية فيجب علينا أن نهب لهم الدين والدنيا" (٥) وقال "ومن جملة المساعي التي أؤكد الشروع فيها إدخال الشبان المسلمين ... في مدارسنا الحربية" (٦). ويقول إسحاق طيلر "إن المسلمين قد آمنوا بالمسيح ﵇ .. فهم عندنا مسيحيون نصلي لهم كل يوم أحد ونسأل الله أن يهديهم وإيانا إلى الحق وإلى طريق مستقيم" (٧).
стр. 1768
أي تقريب هذا؟! الأول يضع نصب عينيه خدمة دولته الانكليزية فيصور حالة المسلمين كما فهمها ويرشدها إلى ألطف المداخل لإلصاق المسلمين بها وينصحها بالمزاوجة بين الدين والدنيا في حكمها ويشير عليها بتدريب الشبان المسلمين في مدارسها الحربية ليكونوا أعوانا لهم في تحقيق مساعيهم. أين التوفيق والتقريب؟!! اللهم إلا أن يكون إخضاع المسلمين للإنكليز وإيقاعهم في حبائلهم يعني توفيقاً" (١).
أما الثاني فيكشف عن مراده بالمسلمين "فهم عندنا مسيحيون" ويصلي لهم كل يوم أحد ويسأل الله لهم الهداية.
ولعل أول ثمرة يجنيها أولئك القوم في سعيهم إلى التقريب بين الأديان القضاء على فكرة الجهاد في الإسلام فما دامت الأديان الثلاثة كلها حق وليس بينها من فرق فليس هناك من داع لحمل السيف وإعلان الجهاد ضد النصارى مثلاً، وهو الأمر الذي أقلق بريطانيا كثيراً وهي دولة نصرانية فسعت بشتى السبل للقضاء على هذه العقيدة الإسلامية فأنشأت القاديانية التي حرمت قتال الإنجليز والبهائية كذلك، وأيدت حركة أحمد خان الذي أعلن أن قتال الإنجليز كفر وأن مساعدتهم واجبة. ومن أثر هذه الدعوة ما نراه بارزاً في حديث رجال المدرسة العقلية الحديثة من تقليل شأن الجهاد في نشر الإسلام وأنه قام على الدعوة باللسان "وعللوا كل حركة من حركاته بأنها للدفاع بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق" (٢) فلقد زعم السيد رشيد رضا "أن حروب النبي ﷺ للكفار كانت كلها دفاعاً" (٣).
لذلك فلا عجب أن تؤيد انجلترا تلك الجمعية وذلك الاتجاه ما دام فيه تحقيق لهدف طال ما سعت إليه وبذلت فيه الغالي والنفيس وهو إبطال الجهاد.
لن نحاسب رجال المدرسة العقلية بزعامة أستاذهم بحقيقة عصرنا التي كشفت زيف هذه الدعوات في توحيد الأديان ففي الوقت الذي يدعو فيه بعض المسلمين إلى التقريب بين الإسلام والنصرانية ويتنقلون بين باريس والفاتيكان تقوم بعض الدول النصرانية بإشعال نار الحرب الصليبية العاشرة في لبنان، لا للتقريب بين المسلمين والنصارى فيه بل لطرد المسلمين وانفراد النصارى به وإقامة دولة نصرانية في لبنان كالدولة اليهودية في فلسطين، ولا غرو أن تقوم الدولة اليهودية "إسرائيل" بمساعدة النصارى في ذلك وتمكينهم من قيام دولة لهم بجوارهم ففي ذلك تبرير لقيام إسرائيل اليهودية أولاً وحرب للإسلام ثانياً وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة: ١٢٠].
ومع هذا تأبى طائفة منا أن تصدق بهذا وتحاول أن تخدع نفسها بتسميتها بحرب أهلية وما هي بأهلية ولكنها صليبية وليرحمك الله يا صلاح الدين ..
لن نحاسب الإمام بهذه الحقيقة وحقائق غيرها كثيرة ولكننا نحاسبه بحقيقة الإسلام التي لا تخفى على مثله وعلى أمثال تلاميذه.
стр. 1769
جاور الرسول ﷺ يهود المدينة سنوات دعاهم فيها إلى الإسلام ولم يدعهم إلى التوفيق أو التقريب. وحاج وفد من نجران الرسول ﷺ فدعاهم إلى الإسلام ولم يدعهم إلى التوفيق أو التقريب، ولو علم خيراً أو بعض خير في ذلك لفعله (١).وكتب إلى هرقل عظيم الروم "أما بعد .. فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] (٢).
وليست تلك الطريقة خاصة به ﷺ بل هي "دعاية الإسلام" ولم يدعه إلى التقريب والتوفيق بل إلى "أسلم تسلم" كان الأحرى بمحمد عبده ومن نحا نحوه أن يدعوهم إلى الكلمة السواء امتثالاً لأمر القرآن – الذي حفظه في صغره – واقتداء بنبيه ﷺ وكان الأحرى بالنصارى حاملي هذه الفكرة كشف الحقيقة الإسلامية لقومهم بدلاً من تزييفها وطمسها عنهم وبدلاً من استغلال أحوال المسلمين لتنصيرهم وإفساد شبابهم. نحاسبهم بقول محمد رشيد رضا الذي يرثي في جريدته (المنار) "خريستو غورس جباره" الذي وصل في الكنيسة الأرثوذكسية إلى رتبة الأرشمندريت بقوله "كان الفقيد موحداً يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقرآن ورسالة محمد ﷺ ويخالف المسلمين في مسألة الصلب" يؤمن بالقرآن ويعتقد بالصلب!! ويؤمن بمحمد ولا يتبعه!! ويؤمن بالقرآن ولا يمتثل أوامره!! ثم يفوض السيد رشيد أمره في الآخرة إلى العليم الرحيم إلا أنه يندم على هذا فيستدرك في تاريخ الأستاذ الإمام ويقول "وأنا أعتقد أنه مؤمن ناج عند الله إذا كان قد مات على ما عرفته منه وهو في مسألة الصلب متأول معذور"!! (٣).
المصلح القاضي: وكان من إصلاحات الإمام إصلاح المحاكم الشرعية بعد أن عهدت إليه الحكومة بعد تقليده الإفتاء بتفتيشها وبيان رأيه في إصلاحها فكتب تقريراً في ٨٣ صفحة كان من أهم الاقتراحات توسيع دائرة اختصاصها وعدم حصر منصب القضاء في الحنفيين وتأليف لجنة من العلماء لاستخراج كتاب في أحكام المعاملات الشرعية ينطبق على المصالح في هذا العصر (٤) وإصلاح المحاكم وأثاثها وزيادة الرواتب والاستقلال بالرأي والعناية بتنفيذ أحكامها.
المصلح الاجتماعي: أسس محمد عبده مع نفر من أصدقائه "الجمعية الخيرية الإسلامية وكان هو الواضع لمشروع نظامها وهدفها تربية أولاد الفقراء تربية يحافظون فيها على عقائدهم وآداب دينهم وأخلاقه وأعماله ويستعينون بها على معايشهم وتحصيل أرزاقهم (٥) وقد فسر محمد عبده جزء عم لطلابها وكان في نيته أن يتبعه بتفسير جزء تبارك (٦) وأدركته المنية قبل ذلك وقد اتسع نشاط هذه الجمعية وكثرت مدارسها وعم نفعها.
وكان له من النشاط الإسلامي أيضاً جمعية إحياء الكتب العربية التي قامت بطبع بعض الكتب الدينية والعربية.
وكتب لائحة في إصلاح المساجد وأوضاع القائمين بها من أئمة ومؤذنين وخدم وملاحظين وقراء، عمل ببعضها وترك الباقي.
стр. 1770
تفسيره: كان من أهداف محمد عبده تنقية تفسير القرآن مما علق به من الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والخرافات والاستطرادات النحوية ونكت المعاني ومصطلحات البيان وجدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين واستنباطات الفقهاء المقلدين وتأويلات المتصوفين وتعصب الفرق وكثرة الروايات والعلوم الرياضية والطبيعية (١).ولم يكن تطهير التفاسير القديمة من هذا أمراً ميسوراً فهو تراث ضخم يحتاج تجريده منها إلى إمكانات واسعة من أموال وعلماء وزمن وذلك عسير فلهذا رأى أن يبقى على هذا التراث كما هو لما فيه من نفائس وأن يضع نموذجاً للتفسير يحتذيه معاصروه ومن بعدهم (٢) فاقترح عليه تلميذه محمد رشيد رضا أن يقرأ درساً في تفسير القرآن فاستجاب له وبدأ التفسير في الأزهر في غرة المحرم ١٣١٧هـ وانتهى في سنة ١٣٢٣هـ عند تفسيره قوله تعالى وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا من الآية ١٢٦ من سورة النساء وكان تفسيره الخمسة مجلدات الأولى من (تفسير المنار) وتوفي بعد ذلك. وقد كانت طريقته في الدرس التوسع فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون واختصار ما برزوا فيه. والروايات التي لا تدل عليها ولا تتوقف على فهمها الآيات ويتوكأ في ذلك على عبارة (تفسير الجلالين) فكان يقرأ عبارته فينقدها أو يقرها ثم يتكلم بما يفتح الله عليه (٣).
وقد سبق له التفسير قبل هذا القاء وكتابه فألف (تفسير جزء عم) لطلبة الجمعية الخيرية الإسلامية كما سبق وألف (تفسيراً لسورة العصر) ألقاه في الجزائر ثم نشره في (المنار) وطبع بعد ذلك مستقلاً وهو غير تفسيرها في جزء عم. وكان يشرح بعض الآيات التي يثار حولها بعض الشبهات كالآيات ٥٢ - ٥٣ - ٥٤ من سورة الحج وهي قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إلى قوله سبحانه أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فند فيها قصة الغرانيق وكقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ٣٧ من سورة الأحزاب ويفند الشبهات في مسألة زيد وزينب.
ولن نعرض لمنهجه في التفسير إذ هو أصل منهج المدرسة الذي سنعرض له في محله إلا أنه ينبغي لنا أن نذكر هنا بيتا قاله في مرض موته ضمن أبيات:
وخرج وحي الله للناس عاريا ... عن الرأي والتأويل يهدي ويلهم
وعلق عليه تلميذه رشيد رضا بأنه "آخر نص صريح من الأستاذ الإمام في اتباع مذهب السلف في تفسير القرآن .. ومراده بالرأي الذي ينهى عنه أتباع الهوى .. وبالتأويل الخروج في تفسيره عن مدلول النظم العربي البليغ وما يخالف المحكم الذي هو أم الكتاب أو ما أجمع عليه أهل الصدر الأول" (٤) فهل هو رجوع منه إلى منهج السلف عند وفاته.
مؤلفاته: لم يكن الإمام يميل إلى التأليف بل كان يرى أن الكلام المسموع يؤثر في النفس أكثر مما يؤثر الكلام المقروء "ويعلل هذا "بأن نظر المتكلم وحركاته وإشارته ولهجته في الكلام كل ذلك يساعد على فهم مراده من كلامه" وأنه "يمكن السامع أن يسأل المتكلم عما يخفى عليه من كلامه فإذا كان مكتوباً فمن يسأل؟ وأن السامع يفهم ٨٠% من مراد المتكلم والقارئ لكلامه يفهم منه ٢٠% على ما أراد الكاتب" (٥).
стр. 1771
كانت تلك نظرة الإمام ولعلها أثر من آثار أستاذه فيه ولكنه مع هذا خلف مؤلفات غير قليلة وكتب الكثير في الصحف فمن مؤلفاته غير ما سبق ذكره في تفسيره.
١ - (الواردات): أول تأليفه في الكلام أو التوحيد على الطريقة الصوفية وأسلوبهم.
٢ - (رسالة في وحدة الوجود).
٣ - (تاريخ إسماعيل باشا).
٤ - (فلسفة الاجتماع والتاريخ) ألفه حينما كان مدرساً في دار العلوم وهي مفقودة.
٥ - (حاشية عقائد الجلال الدواني في علم الكلام) ونشرتها دار إحياء الكتب العربية بتحقيق سليمان دنيا في مجلدين تحت عنوان (الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين) سنة ١٣٧٧هـ.
٦ - (شرح نهج البلاغة) وهو الكتاب المنسوب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وطبع مراراً.
٧ - (شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني) وهو مطبوع.
٨ - (شرح البصائر النصيرية في المنطق).
٩ - (نظام التربية والتعليم بمصر).١٠ - (رسالة التوحيد) وهي أهم مؤلفاته وأشهرها على الإطلاق وطبعت مراراً وحازت على قبول كثير من النصارى فاقترح بعضهم تدريسها في مدارسهم بعد حذف مبحث نبوءة محمد ﷺ وتبرع آخر بتوزيع بعض نسخها وقرظها بعضهم بإعجاب شديد ولم يسمح المؤلف لأحد أن يشرح هذه الرسالة ولا أن يضع لها حاشية وعلل هذا تلميذه رشيد رضا بأنه تعمد الإبهام في بعض المباحث (١).
١١ - (تقرير المحاكم الشرعية).
١٢ - (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) وطبع مراراً.
وقد سبق لنا القول في مؤلفات الأفغاني أنه قد وقع الخلط في بعض الرسائل المطبوعة بين ما للأفغاني وما لمحمد عبده كبحث (التعصب) مثلاً و (القضاء والقدر) و (الوحدة الإسلامية) وهي مقالات نشرت في (العروة الوثقى).
أهدافه وآراؤه:
يلخص لنا محمد عبده ما نادى به وارتفع صوته بالدعوة إليه بما نقتبس منه:
الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم.
الثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير. الثالث: وهنا أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعاً في عمى عنه وبعد عن تعقله ذلك هو "التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة" (٢).
ثم يعلن النتيجة "إنني في كل ذلك لم أكن الإمام المتبع ولا الرئيس المطاع غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين.
стр. 1772
وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب. أما أمر الحكومة والمحكوم فتركته للقدر يقدره ولِيَدِ الله بعد ذلك تدبره" (١).وصلة العقل عند الإمام بالدين وثيقة "أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي" (٢) وقد أكرم الإسلام العقل "ورفع القرآن من شأن العقل ووضعه في مكانه بحيث ينتهي إليه أمر السعادة والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع" (٣) بل إن الإسلام عنده يعتمد على الدليل العقلي ويحتج به لا بالمعجزات:- "فالإسلام في هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري فلا يدهشك بخارق للعادة ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية" (٤).ليس هذا فحسب بل يعتمد الإمام أن الإيمان بالله لا يؤخذ من الرسول ولا من الكتاب ولا يصح أخذه منهما بل من العقل "وقد اتفق المسلمون إلا قليلاً ممن لا يعتد برأيه فيهم – على أن الاعتقاد بالله مقدم على الاعتقاد بالنبوات وأنه لا يمكن الإيمان بالرسل إلا بعد الإيمان بالله فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتاباً ويرسل رسولاً" (٥).أما إذا تعارض العقل والنقل عنده فقد "اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل" (٦).وتولد من رأيه هذا في صلة العقل بالدين أن دعا إلى الاجتهاد ونبذ التقليد وإطراحه فقد "أنحى الإسلام على التقليد وحمل عليه حملة لم يردها عنه القدر فبددت فيالقه المتغلبة على النفوس" (٧) و"علا صوت الإسلام على وساوس الطغام وجهر بأن الإنسان لم يخلق ليقاد بالزمام ولكنه فطر على أن يهتدي بالعلم والإعلام – أعلام الكون ودلائل الحوادث – وإنما المعلمون منبهون ومرشدون وإلى طريق البحث هادون" (٨) وأن الإسلام "صرف القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء وما توارثه عنهم الأبناء وسجل الحمق والسفاهة على الآخذ بأقوال السابقين" (٩).
وقد كان لهذا المنهج أثره في حياة السيد الإمام في أعماله وأقواله فلم يقبل بالحالة التي كان عليها الأزهر لأنها قائمة على التقليد فدعا إلى الإصلاح والتجديد ورأى الجفوة بين العالمين الإسلامي وغير الإسلامي فدعا إلى التقريب وساءته حال التربية والتعليم فدعا إلى التهذيب ونظر نظرة في السياسة أبدى فيها رأيه ولا نريد الإطالة فقد تقدم البيان.
ما يؤخذ عليه:
ليس من السهل ذكر أكثر المآخذ على الشيخ محمد عبده فضلاً عن ذكرها جميعاً، وتقدم ذكر بعضها بما يغني عن إعادته ونذكر هنا منها.
اشتراكه مع أستاذه الأفغاني في المحافل الماسونية ونشاطه فيها وتعاونه مع أستاذه في نشر مبادئها.
стр. 1773
ويرد على من يدافع عن انتمائه إلى الماسونية بمثل ما رددنا به على من يدافع عن الأفغاني بل هو في محمد عبده أكثر قوة ووضوحاً لتأخر وفاة الشيخ عبده عن الأفغاني وقد كان الشيخ عبده يحتفظ ببعض كتب الماسونية في منزله بخط الأفغاني وقد صودرت أثناء سجنه بمصر. وقد صدرت منه عبارات كعبارات أستاذه الأفغاني تفوح منها رائحة تجاهل الإسلام والدعوة إلى الفرعونية المصرية فمن ذلك قوله "كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها وهي هذه الأمة لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرناً" (١) قال هذا القول وهو في القرن الرابع عشر الهجري أو العشرين الميلادي وعلى كلا الأمرين يكون قفز بقوله الحكم الإسلامي بأكمله! فمتى عرفت هذه الأمة ذلك إذا لم تكن عرفته في الإسلام؟!
لا شك أن الدعوة إلى القومية الوطنية إنما هي أيضاً وليدة الماسونية التي تسعى إلى القضاء على الأديان، ولذلك يلاحظ كل من ينظر في سيرة هذا الرجل مظاهر دعوته إلى القومية العربية في سمتين بارزتين: الأولى – أن الشيخ محمد عبده هو الذي صاغ برنامج الحزب الوطني المصري وجاء فيه في المادة الخامسة منه "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليها" (٢).وفي سنة ١٨٨٨م ثارت في مصر مناقشات صحفية حول تعصب الأقباط في مصر ضد المسلمين فكتب الشيخ محمد عبده مدافعاً عن الأقباط "ليس من اللائق بأصحاب الجرائد أن يعمدوا إلى أحدى الطوائف المتوطنة في أرض واحدة فيشملوها بشيء من الطعن أو ينسبوها إلى شائن من العلم تعللا بأن رجلا أو رجالاً منها قد استهدفوا لذلك ... " (٣).ومن أقواله "أن خير أوجه الوحدة الوطن لامتناع الخلاف والنزاع فيه" (٤) وغاب عن ذهنه أن خير أوجه الوحدة الدين.
стр. 1774
السمة الثانية: مطالبته باستقلال العرب عن الأتراك:-فقد أرسل لويس صابونجي برقية على مستر بلنت أوردها الأخير في تأريخه السري لاحتلال إنجلترا مصر جاء فيها أن "نديم وعرابي وعبده يتحدون الباب العالي علنا" (١) ويقول بلنت أيضاً في تأريخه هذا "وقد سمعت سامي وعبده ونديما يلعنون السلاطين والأمم التركية من عهد جنكيز خان وهولاكو إلى عبد الحميد وقد ألف حزب كبير يستعد لإعلان الاستقلال عن تركيا إذا تدخل الأتراك في مصر تدخلاً حربياً ... " (٢) وهذا الموقف هو الذي يفسر لنا معنى تلك البرقية التي أرسلها الخديو توفيق إلى السلطان العثماني في نوفمبر سنة ١٨٨١ يقول له فيها "أن مصر في حالة ثورة وأن هناك اقتراحا لإنشاء إمبراطورية عربية" (٣).وهو مع عداوته للأتراك وللخلافة الإسلامية قد يعلن تأييده للخلافة الإسلامية والدولة العثمانية ولكنه إعلان نفاق وتزلف لأنه إنما يعلن هذا حينما يكون في نطاق النفوذ المباشر للسلطان العثماني والسلطة العثمانية فإذا خرج من ذلك عاد إلى رأيه القديم في هذه الدولة وهذا السلطان (٤) فهو يقول في تأييد الخلافة "وإني على ضعفي – والحمد لله – مسلم العقيدة عثماني المشرب وإن كنت عربي اللسان ولا أجد في فرائض الله بعد الإيمان بشرعه والعمل على أصوله فرضاً أعظم من احترام مقام الخلافة والاستمساك بعصمته والخضوع لجلالته وشحذ الهمة لنصرته بالفكر والقول والعمل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وعندي أني إن لم أقم على هذه الطريق فلا اعتداد عند الله بإيماني فإنما الخلافة حفاظ الإسلام ودعامة الإيمان فخاذلها محاد الله ورسوله ومن حاد الله ورسوله فأولئك هم الظالمون" (٥).ومن أثر هذا الاتجاه أيضاً اتجاهه إلى إنشاء جمعية "سرية" للتقريب بين الأديان ودفاعه القوي عنها وعن أعضائها حتى في وجه الخلافة الإسلامية، كتب مدافعاً عن إسحاق طيلر قائلاً "إن السر في غضب السلطان عبدالحميد من نشاط القس الإنجليزي إسحاق تيلور في الدعوة لتوحيد الأديان وموافقتي وميرزا باقر وعلماء دمشق له ومراسلتنا إياه أنه خشي أن يعتنق الإنجليز الإسلام، ثم يطلبوا أن يكونوا أصحاب الدولة في الإسلام وتكون الملكة فيكتوريا ملكة المسلمين .. ويذهب السلطان من السلطان .. وسبحان مدبر العقول" (٦).فانظر إلى أي مدى وصل دفاعه عن قس إنجليزي يقول "إن المسلمين قد آمنوا بالمسيح ﵇ .. فهم عندنا مسيحيون نصلي لهم كل يوم أحد نسأل الله أن يهديهم وإيانا إلى الحق وإلى طريق مستقيم" (٧).
ثم انظر إلى هذا الاتهام السخيف من عبده إلى السلطان عبد الحميد؟! ولا ندري هل قال الشيخ عبده هذا عن اعتقاد صحيح أو خداع للقارئ.
стр. 1775
أما عن نشاطه في هذه الجمعية فقد تقدم بيانه. ومن أهم المآخذ عليه علاقته المريبة بالإنجليز كأستاذه الأفغاني فقد كان الإمام محمد عبده يبذل لهم النصيحة خالصة ويرشدهم إلى ما يوطد دعائم احتلالهم ويحذرهم من الأخطاء التي يكادون أن يقعوا فيها وتضرهم في مصالحهم، نذكر لذلك مثلا بعزيمة اللورد كرومر على إلغاء النيابة العامة وإحالة أعمالها إلى القضاء، فحذره محمد عبده بأن هذا خطأ لا يحتمل الصواب وعلل ذلك بأن رجال النيابة من أرقى رجال البلاد علما وعقلاً ولسانا وقلما وستتوجه همة كل من تلغى وظيفته إلى الاشتغال بالسياسة فيتعبون البلاد والمسؤولين عن النظام تعباً كبيراً" (١) فأبطل اللورد المشروع فوراً. بل ويدل على ما قدمه لهم من خدمات دفاعهم عنه والوقوف بجانبه فقد صرح اللورد كرومر بأن الشيخ محمد عبده يظل مفتياً في مصر ما ظلت بريطانيا العظمى محتلة لها" (٢) وكان الاحتلال الإنجليزي عاملاً أساسياً من عوامل عودة محمد عبده إلى مصر وقد صرح اللورد كرومر بذلك في كتابه (مصر الحديثة) فقال: إن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني" (٣).وقدم له الإنجليز الحماية في الآستانة حين كثرت الدسائس ضده يقول تلميذه السيد رشيد رضا "كان المراد من الدسائس ... أن يحبس الأستاذ الإمام أو يهان وهم لا يجهلون أن السفارة البريطانية كانت بالمرصاد وأنها لا تسكت للحكومة الحميدية على ذلك لو أقدمت عليه والسلطان ورجاله لا يجهلون هذا أيضا" (٤). ويكتب الشيخ عبده نفسه إلى السيد رشيد قائلاً "إن السلطان لا يستطيع حبسي لو أراده وهو يعلم عجزه عن ذلك حق العلم ولذلك أسباب لا أحب ذكرها الآن" (٥).
فأي علاقة تربطه بالإنجليز حتى يوفروا له كل هذه الحماية؟! وأي أسباب لا يحب الشيخ محمد عبده ذكرها؟!
ثم لا ندري كيف تستقيم عقيدة الرجل وقد كلت أبصارنا من قراءة عبارات له خطيرة يبدو الانحراف ظاهراً في عقيدة قائلها. فمن ذلك ما ورد في كتابه الذي أرسله من السجن إلى أحد مريديه" ... ودارت الأفلاك دورة العكس ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا فولى معها آلهة الخير أجمعين وتمخضت السلطة لآلهة الشر" (٦).
ولا يصح تخريج تلميذه رشيد لهذا بأنه على الحكاية لخرافات اليونانيين وهو إن كان قال هذا عن اعتقاد فلا شك في كفره إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤].
ومن ذلك ما كتبه إلى أستاذه الأفغاني قائلاً:
"ليتني كنت أعلم ماذا أكتب إليك، وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك، صنعتنا بيديك وأفضت على موادنا صورها الكمالية وأنشأتنا في أحسن تقويم فيك عرفنا أنفسنا وبك عرفناك وبك عرفنا العالم أجمعين فعلمك بنا كما لا يخفاك علم من طريق الموجب وهو علمك بذاتك وثقتك بقدرتك وإرادتك، فعنك صدرنا وإليك إليك المآب.
стр. 1776
أوتيت من لدنك حكمة أقلب بها القلوب وأعقل العقول، وأتصرف بها في خواطر النفوس ومنحت منك عزمة أتعتع بها الثوابت وأذل بها شوامخ الصعاب وأصدع بها حل المشاكل وأثبت بها في الحق للحق حتى يرضى الحق، وكنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة ومكنتي لا مبتوتة ولا مقدورة فإذا أنا من الأيام كل يوم في شأن جديد" ويقول "فصورتك الظاهرة تجلت في قوتي الخيالية وأمتد سلطانها على حسي المشرك وهي رسم الشهامة وشبح الحكمة وهيكل الكمال فإليها ردت جميع محسوساتي وفيها فنيت مجامع مشهوداتي وروح حكمتك التي أحييت بها مواتنا وأنرت بها عقولنا ولطفت بها نفوسنا التي بطنت بها فينا فظهرت في أشخاصنا فكنا أعدادك وأنت الواحد وغيبك وأنت الشاهد ورسمك الفوتوغرافي الذي أقمته في قبلة صلاتي رقيباً على ما أقدم من أعمالي ومسيطراً عليّ ولا انثنيت عن نهاية حتى تطابق في عملي أحكام أرواحك وهي ثلاثة فمضيت على حكمها سعياً في الخير وإعلاء لكلمة الحق وتأييداً لشوكة الحكمة وسلطان الفضيلة ولست في ذلك إلا آله لتنفيذ الرأي المثلث ومالي من ذاتي إرادة حتى ينقلب مربعاً غير أن قواي العالية تخلت عني في مكاتبتي إليك وخلت بيني وبين نفسي التزاماً لحكم أن المعلول لا يعود على علته بالتأثير على أن ما يكون إلى الموالى من رقائم عبده ليس إلا نوعا من التضرع والابتهال لا أحسب فيه ما يكشف خفاء أو يزيد جلاء ومع ذلك فإني لا أتوسل إليك في العفو عما تجده من قلق العبارة وما تراه مما يخالف سنن البلاغة بشفيع أقوى من عجز العقل عن أحداق نظره إليك وإطراق الفكر خشية منك بين يديك، وأي شفيع أقوى من رحمتك بالضعفاء وحنوك لمغلوبي الصديقين"، ويقول أيضاً "أما ما يتعلق بنا فإني على بينة من أمر مولاي وإن كان في قوة بيانه ما يشكك الملائكة في معبودهم والأنبياء في وحيهم ولكن ليس في استطاعته أن يشك نفسه في نفسه ولا أن يقنع عقله إلا على بالمحالات وإن كان في طوعه أن يقنع بها من أراد من الشرقيين والغربيين.
هذا بعض ما ورد في خطاب محمد عبده إلى أستاذه الأفغاني بتاريخ ٥ جمادى الأولى سنة ١٣٠٠هـ وهي عبارات ولا شك خطيرة توجب إعادة النظر في عقيدة الرجل عند من لا تخدعه الأسماء وقد استغرب السيد رشيد رضا نفسه هذه الرسالة من أستاذه حيث قال عند سياقه لها:-"ومن كتاب له إلى السيد جمال الدين عقب النفي من مصر إلى بيروت وهو أغرب كتبه بل هو الشاذ فيما يصف به أستاذه السيد مما يشبه كلام صوفية الحقائق والقائلين بوحدة الوجود التي كان ينكرها عليهم بالمعنى المشهور عنهم، وفيه من الإغراق والغلو في السيد ما يستغرب صدوره عنه وإن كان من قبيل الشعريات وكذا ما يصف به نفسه بالتبع لأستاذه من الدعوى التي لم تعهد منه البتة" (١) ثم ساق نص الخطاب، ولم يلتزم السيد رشيد رضا الدقة كلها في نقل الرسالة فنراه يحذف بعض العبارات الخطيرة ويضع نقطاً وأحياناً لا يضع حتى النقط ويحاول حيناً أن يلطف من شدة انحراف بعض العبارات بتأويلات متكلفة، أما حذفه بعض العبارات فلعله وضع لنفسه مبرراً لذلك فقال في تقديم الخطاب "ومن كتاب له إلى السيد جمال الدين".
стр. 1777
هذه عبارات ولا شك خطيرة ولكن ما هو أخطر وأشد ضلالا ما ورد في خطاب آخر منه إلى السيد الأفغاني بتاريخ ٨ شعبان سنة ١٣٠٠هـ وإني لأدعو القارئ أن يمعن النظر في كل حرف أنقله من الرسالة: "أما الآن قد حبسني الجناب العالي نتيجة لأعماله فإني أصدع بأفكاري قواعد الملكوت وأزعزع بهمتي أركان سطوة الجبروت وأدعو إلى الحق دعوة الحكيم ... "ثم يقول" بلغنا قبل وصول كتابكم الكريم ما نشر في "الدبا" من دفاعكم عن الدين الإسلامي "يا لها من مدافعة" ردا على مسيو رينان فظنناها من المداعبات الدينية تحل عند المؤمنين محل القبول فحثنا بعض الدينيين على ترجمتها لكن حمدنا الله تعالى إذ لم يتيسر له وجود إعداد "الدبا" حتى ورد كتابكم وأطلعنا على العددين ترجمهما لنا حضرة الفاضل حسن أفندي بيهم فصرفنا ذهن صاحبنا الأول عن ترجمتها وتوسلنا في ذلك بأن وعدناه أن الأصل العربي سيحضر فإن حضر نشر ولا لزوم للترجمة فاندفع المكروه والحمد لله".
ثم قال في عبارة أشد انحرافاً وأدعى إلى تقييم عقيدته "نحن الآن على سنتك القويمة لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً ركعا سجداً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
عجباً!! نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين – ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل؟!
هل هي دعوة باطنية يخفيها الرجلان ويسعيان تحت ستارة الدين و "بسيف الدين" لقطع "رأس الدين"؟! وقيامهم بالصلاة أمام الناس هل هو سعي إلى القبض على سيف الدين؟! ثم تركها للصلاة بعض الأحيان هل هو تنفيس "لضيق العيش" وعودتهم إليها حينا لأجل "فسحة الأمل".
عاتب الشيخ يوسف النبهاني السيد رشيد رضا على صحبته لمحمد عبده وتسميته له بالأستاذ الإمام مع تركه للحج ولفروض الصلاة ولاشتراكه في الماسونية فقال نظماً:
وذاكرته في شيخه وهو عبده ... تملكه للشيطان عن قومه قسرا
فقلت له لو كابن سينا زعمتم ... وعالم فاراب وأرفعهم قدرا
لقلنا لكم حقا وإن كان باطلاً ... ولم نر من هذا على ديننا ضرا
ولكنكم مع تركه الحج مرة ... وحج لباريز ولندره عشرا
ومع تركه فرض الصلاة ولم يكن ... يسر بذا بل كان يتركها جهرا
ومع كونه شيخ المسون مجاهراً ... بذلك، لا يخفى أخوتهم سرا
ومع غي هذا من ضلالاته التي ... بها سار مثل السهم للجهة الأخرى
تقولون أستاذ إمام لديننا ... فما أكذب الدعوى وما أقبح الأمرا
ونحن نراه عندنا شر فاسق ... فيقتل فسقاً بالشريعة أو كفراً (١)
стр. 1778
أما عن الشيخ الأفغاني فيقول الشيخ يوسف النبهاني "أنه اجتمع به سنة ١٢٩٧هـ في مصر حين كان مجاوراً بالأزهر ولازمه من قبل الغروب على قرب العشاء فلم يصل المغرب" (١).ومن أقوال الشيخ محمد عبده التي نؤاخذه عليها وصفه للأزهر بالإسطبل والمارستان والمخروب (٢) وقوله لتلميذه رشيد "أن من تطول مدة طلبه للعلم في الأزهر وأمثاله فإنه يفقد الاستعداد للعلم" (٣).نشر محمد أحمد خلف الله كتابه (الفن القصصي في القرآن الكريم) زعم فيه أن ورود الخبر في القرآن لا يقتضي وقوعه وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى القرآن (!!) من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ وقال "إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير" (٤). وعندما رفضت جامعة فؤاد هذه الرسالة دافع عنها أمين الخولي المشرف على الرسالة قائلاً "إنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاماً" (٥).
ونشر قاسم أمين كتابه (تحرير المرأة) وفيه دعوة إلى نبذ الحجاب وإطراحه وإلى خروج المرأة إلى العمل في كل المجالات ودراسة كل العلوم وزعموا أن هذا تحرير المرأة وهو في الحقيقة تخريب للمرأة وتحرير لها من الكرامة التي صانها لها الإسلام. وقصة الكتاب تبدأ حينما نشر أحد الكتاب الفرنسيين مقالا هاجم فيه حجاب المرأة المصرية فكتب قاسم أمين دفاعاً عن الحجاب أغضب اللورد كرومر الذي جاء إلى مصر كما قال ليمحو ثلاثاً القرآن والكعبة والأزهر (٦) فأمر بوضع كتاب (تحرير المرأة) وقيل أن الذي أمر بوضعه الأميرة نازلي حفيدة إبراهيم باشا لأنها غضبت من دفاع قاسم أمين عن الحجاب "والذين نسبوا الأمر إلى اللورد كرومر والذين نسبوه إلى "نازلي" يتفقون أن الأمر قد صدر إلى الشيخ محمد عبده، وأنه قد قام بدور كبير في تأليف الكتاب .. بل يرى بعضهم أنه هو الذي ألفه، ثم وضع على غلافه اسم قاسم أمين تجنباً للحرج والعاصفة التي كانت ستهب عليه مباشرة إذا ما وضع اسمه عليه، وهو الشيخ الأزهري ذو المناصب الدينية الكبرى، ومنها منصب مفتي الديار المصرية" (٧).ولذلك فلا عجب أن يقول الأستاذ محمد عمارة الذي جمع مؤلفات ومقالات محمد عبده في كتاب (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) في ستة مجلدات بعد تحقيق دقيق لنسبتها إلى محمد عبده لا عجب أن يقول "والرأي الذي أؤمن به والذي نبع من الدراسة لهذه القضية هو أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين .. وأن في هذا الكتاب عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول أخرى كتبها قاسم أمين ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهائية، بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى أسلوب قاسم أمين" (٨) ثم ذكر بعد هذا مجموعة كبيرة من الأدلة على ذلك قدم بين يديها عددا من القرائن.
стр. 1779
منها موقف الأستاذ الإمام من الكتاب بعد صدوره فلقد أيده ودافع عنه بطريقة غير مباشرة وامتنع عن التعليق عليه أو المشاركة بشكل مباشر في المعارك التي دارت من حوله وبالذات عندما أراد خصومه إحراجه وطلبوا منه أن يفتي – منصبه الرسمي – في الموضوع. أما دفاعه غير المباشر فيتمثل في وقوع الشيخ رشيد رضا ومجلة (المنار) إلى جانب الكتاب فلقد تناولت (المنار) الكتاب بالمدح والتقريظ في أكثر من مرة واعتبرته مع (رسالة التوحيد) للأستاذ الإمام و (سر تقدم الإنجليز السكسونيين) الذي ترجمه فتحي زغلول أهم الأعمال الفكرية في ذلك العصر "المناصر ١ يوليو ١٨٩٩م" كما تناولته بالثناء في عددي ١٥ يوليو ٢٦ أغسطس من العام نفسه" (١).ووصف السيد رشيد رضا قاسم أمين بأنه العالم البارع في علوم الأخلاق والاجتماع (٢).
وحينما أراد خصوم الشيخ إحراجه طبعوا سؤالاً موجهاً إليه هو: "هل رفع الحجاب عن المرأة وإطلاقها في سبيل حريتها بالطريقة التي يريدها صاحب كتاب (المرأة الجديدة) يسمح به الشرع الشريف أم لا؟ "ووزعوا هذا السؤال على الجمهور في صورة كتاب مفتوح إلى المفتي محمد عبده. عندما فعلوا هذا لزم الشيخ محمد عبده الصمت ودافعت (المنار) عن هذا الصمت قائله:
١ - إن الاستفتاء جاء على خلاف المعهود بأن وزع على الجمهور.
٢ - أن الجواب عليه يستلزم قراءة الكتاب في حين أن المفتي مثقل بالأعمال (!!).
٣ - أن من اطلع على الفتوى يحتاج إلى أن يقرأ الكتاب أولاً فإذا كان ضاراً تكون الفتوى سبباً في إذاعة الضرر (!!).٤ - أن فتوى الإمام ستكون على المذهب الحنفي الذي عينته الحكومة ليفتي على أساسه في حين أن بعض المذاهب قد أباحت كشف المرأة لوجهها ويديها (٣).أما الفصول التي أثبت الأستاذ محمد عمارة أنها للشيخ محمد عبده فهي "الحجاب الشرعي" و" الزواج" و"تعدد الزوجات" و"الطلاق" ثم قال عنها "إنما هي فكر خالص وصياغة خالصة للأستاذ الإمام" (٤) وأقول أن هذه الفصول هي أهم ما في الكتاب. ومن هنا ندرك أن الشيخ محمد عبده يقف خلف هذه الدعوة ولذلك نرى الشيخ مصطفى صبري يكتب تحت عنوان (الأستاذ الإمام وكتاب الله في كفي الميزان) فيقول:- "وإني أرى الرسالة المستنكرة – يعني (رسالة الفن القصصي في القرآن الكريم) – وما سبقها في مصر من الأحداث والفتن المماثلة الماسة بدين الإسلام وعقائده والمحفوظة إلى عصر الشيخ محمد عبده كلها ناشئة عن الأسس التي ابتدعها هذا الشيخ الملقب بالأستاذ الإمام ... فلا مناص إذن للقضاء على تيار الفتنة من مصدرها من أن تفصل الدعوى مع الإمام دون المؤتمين" (٥).
المصدر: المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ١٢٤
ومن رواد هذه المدرسة وتلاميذ الشيخ محمد عبده:
- محمد رشيد رضا الذي بدأ يتحول تدريجيا من منهج المدرسة العقلية إلى منهج السلف ولعل بداية التحول, أعقبت وفاة أستاذه محمد عبده, فقد صار يهتم بطبع كتب السلف في مطبعة المنار, مثل كتب ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب ونحوهم.
- ومن أعلام هذه المدرسة, الشيخ محمد مصطفى المراغي, شيخ الجامع الأزهر, وكان من أكبر تلاميذ الإمام محمد عبده.
- ومنهم: الشيخ محمود شلتوت, وأحمد المراغي, وعبد العزيز جاويش, ومحمد فريد وجدي وغيرهم. هذا وإن اجتهادات الشيخ وكبار تلاميذه, مما خالفوا فيه الجمهور مع فتح باب الاجتهاد العصراني, أدت إلى ظهور طبقة من تلامذة الشيخ, كان لها انحرافات حادة في مجال الأسرة: مثل قاسم أمين في كتابه (المرأة الجديدة) و (تحرير المرأة). وعلي عبد الرزاق في السياسة الشرعية, إذ دعا إلى فصل الدين عن الدولة على غرار النصارى (٦) , وفي أمور أخرى.
المصدر: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر – ص ٤١
стр. 1780
المبحث الرابع: أثرها في الفكر الإسلامي الحديث
أ- ففي التفسير للقرآن الكريم:
أخذ بعض من تناول تفسير القرآن الكريم بعض مبادئ هذه المدرسة وسار على نهجها في تفسيره سواء التزم الحدود التي حددوها أم تجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق، فلقد كان تفسير القرآن الكريم تفسيراً يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين من قبل رجال المدرسة العقلية وكان من أسس منهجهم في التفسير كما بينا هناك، وفصلنا. ولقد أخذ من بعدهم الشيخ الطنطاوي جوهري وهو من المتأثرين كثيراً بمحمد عبده ومن تلاميذه أخذ بهذا المنهج في التفسير وتوسع فيه وأطال وذهب يملأ تفسيره بكل ما توصل إليه العلم من مكتشفات حتى قال عنه بعضهم ما قيل في تفسير الرازي "فيه كل شيء إلا التفسير" وقال الشيخ محمد حسين الذهبي "بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به" (١).
وأنت إذا نظرت إلى تفسيره وجدته يحمل الآيات مالا تحتمله ويدخل في تفسيرها من المكتشفات العلمية ما لم تشر إليه ويبرر هذا بأعذار واهية لا تقوم له بها حجة. يقول في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ... [البقرة: ٦٧] الآيات "وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه، أن هذه الآية تتلى والمسلمون يؤمنون بها حتى ظهر علم تحضير الأرواح بأمريكا أولاً ثم بسائر أوروبا ثانياً" (٢) وقال "ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزير بعد موته وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الطاعون فماتوا ثم أحياهم وعلم الله إننا نعجز عن ذلك جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمر إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها فلا تيٍأسوا من ذلك فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح فاستحضروها بطرقها المعروفة فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧] ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين كالعزير، وإبراهيم وموسى، فهؤلاء لخلوص قلوبهم وعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ليطمئنوا وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] (٣).وفي تفسير قوله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور ٢٤] ونحوها من الآيات يقول " ... أوليس الاستدلال بآثار الأقدام وآثار أصابع الأيدي في أيامنا الحاضرة هو نفس الذي صرح به القرآن" (٤).
стр. 1781
لا شك أن هذا التفسير وأمثاله من أخطر التفاسير للقرآن الكريم بل هو تلاعب بالآيات وصرف لها عن حقائقها الثابتة على معان لا تثبت إلا بقدر ما تثبت مكتشفات علمية تهتز يمنة ويسرة بين الثبات والسقوط – هذا في الآيات التي قد يفهم منها ما أورده في تفسيرها فما بالك بما يورده من تفسير لا تحتمله الآي من بعيد ولا من قريب. نحن ندرك أن هدفه من سلوك هذا المنهج هو نفس هدف رجال المدرسة العقلية في سلوكه حيث يقول الأستاذ الأكبر محمد المراغي عن أحدهم في تفسيره العلمي "وحمدت له هذه النزعة العلمية التي لو تحلى بها كل مبرز في فرع من فروع العلم لاجتمع لدينا ذخر عظيم من هذه التطبيقات الثمينة تستفيد منه النابتة الحديثة زيادة معرفة بإعجاز القرآن وإيقان بأن الله ما فرط في كتابه من شيء" (١).
نحن ندرك أن هذا من أهدافه ولكن هذا لا يخلوله حق تأويل الآيات على هذا النحو وإلى هذا الحد الذي تجاوز فيه حد الأمان والسلامة. ولكن الذي تأثر بمنهج المدرسة العقلية الحديثة أكثر من هذا هو صاحب تفسير (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن) وهو الشيخ أبو زيد الدمنهوري وقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبرى في المحيط العلمي وثورة ساخطة من شيوخ الأزهر على مؤلفه وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب والحكم على صاحبه بالزيغ والضلال (٢).
ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى أهم ما ذهب إليه في تفسيره وأنت تدرك بعد هذا أثر المدرسة العقلية عليه:-
إنكاره لمعجزات الأنبياء ﵈: حيث يقول "وأن آيتهم على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم وصلاح رسالتهم، وإنهم لا يأتون بغير المعقول ولا بما يبدل سنته ونظامه في كونه" (٣).
معجزات عيسى ﵇: يقول كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره" (٤).
معجزات موسى ﵇: في تفسير قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [الأعراف: ١٦٠] يقول "ويصح أن يكون الحجر اسم مكان واضرب بعصاك الحجر معناه: إطرقه، واذهب إليه، والغرض أن الله هداه إلى محل الماء وعيونه" (٥).وفي تفسير قوله تعالى فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: ١٠٧ - ١٠٨] يقول "مثال من قوة حجته وظهور برهانه" (٦).
معجزة إبراهيم ﵇: في قوله قوله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] يقول "معناه نجاه من الوقوع فيها" (٧).
الإسراء: ويفسر الإسراء بالرسول ﷺ أن المراد به هجرته من مكة وهي المسجد الحرام إلى المدينة وهي "المسجد الأقصى" (٨).
стр. 1782
تفسيره للملائكة والجن والشياطين: ويقول عن الملائكة "الملائكة رسل النظام وعالم السنن وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مسخر له" (١) أما إبليس فهو "اسم لكل مستكبر على الحق ويتبعه لفظ الشيطان والجان وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره" (٢).
الحدود: وما دام باب الاجتهاد مفتوحاً وميسوراً ومادامت الشروط التي وضعها الفقهاء لبلوغ رتبة الاجتهاد افتياتاً على الله ونسخاً لكتابه كما قال أصحاب المدرسة العقلية (٣) فلا عجب أن يبادر أبو زيد الدمنهوري وغيره ممن استجاب لدعوتهم فيبدأ في "تطوير" الأحكام الشرعية وذهب فيها "مجتهداً" مذهباً عجيباً.
حد السرقة: ففي تفسير قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨] يقول "واعلم أن لفظ السارق والسارقة يعطي معنى التعود أي أن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم ويظهر لك من هذا المعنى أن من سرق مرة أو مرتين ولا يستمر في السرقة ولم يتعود اللصوصية لا يعاقب بقطع يده لأن قطعها فيه تعجيز له ولا يكون ذلك إلا بعد اليأس من علاجه" (٤).وإلى هذا ذهب من بعده المستشار مصطفى كمال المهدوي وأيد رأيه مصطفى محمود وزعم أن فيه التزاماً واحتراماً وأن فهمه جدير بالاستماع والتأمل والبحث؟! (٥) وكذا الزاني والزانية عندهم يشترط أن يكونا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخلقهما فهما بذلك يستحقان "الجلد" (٦).
تعدد الزوجات: ولا يبيح تعدد الزوجات إلا إذا كن يتامى في حجره، وأمن من نفسه عدم الجور (٧) وهو ما ذهب إليه من بعده أيضاً المهدوي ومصطفى محمود (٨)، ولم يقل أحد بالشرط الأول مطلقاً ومن يطلع على سبب النزول يعلم خطأ من يشترط هذا الشرط في التعدد (٩).
الربا: ويجعل الربا المحرم شرعاً هو الربا الفاحش فقط (١٠).
هذا بعض ما ذهب إليه هذا المفسر في تفسيره، وما قصدنا من الاستطراد في ذكر أمثلة من تفسيره إلا لتتضح لنا صلته بالمدرسة العقلية وتأثره بما ذهبت إليه من آراء في معجزات الأنبياء ﵈ كافة، ومن اجتهاد في غير محله ومن غير أهله في الشريعة الإسلامية، وإنا لنعجب كيف قامت الصيحات والاحتجاجات على المؤلف حتى صودر الكتاب وحكم عليه بالزيغ والضلال وهو إنما يردد ما جاءت به المدرسة العقلية الحديثة إلا ما ندر وفي الوقت نفسه يلاقي تفسير أصحاب المدرسة الترحيب والقبول؟!
стр. 1783
ب- في القصة القرآنية: في سنة ١٩٢٦م أصدر طه حسين كتابة (في الشعر الجاهلي) وقد جاء في ص٢٦ منه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضاً ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي" (١) ويقول في نفس الصفحة " .. فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب والمستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن ترى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية من جهة أخرى، والقرآن والتوراة من جهة أخرى ... " (٢).وفي عام ١٩٤٧م قدم الطالب محمد أحمد خلف الله من كلية الآداب بجامعة فؤاد رسالة للحصول على الدكتوراه بعنوان (الفن القصصي في القرآن الكريم) قرر فيها أن ورود الخبر في القرآن الكريم لا يقتضي وقوعه، وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى على القرآن (!!) من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ "إن التاريخ ليس من مقاصد القرآن وإن التمسك به خطر أي خطر على النبي ﵇ وعلى القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة" (٣) ويقول "إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع وليست من مقاصد القرآن في شيء ... إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة ... ومعنى هذا .. إن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده" (٤).ويستند (٥) فيما قال على ما جاء في (المنار) "ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره" (٦) ويستدل بقول (المنار) "هذا وإن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع" (٧) وبقوله "بينا مراراً أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم وما تتضمنه من أصول الدين والإصلاح" (٨).
стр. 1784
واستدل أيضاً بغير ذلك من نصوص (المنار)، ومن هنا ندرك عمق الصلة بين هذا الموقف من قصص القرآن وموقف المدرسة العقلية الممثلة في تفسير (المنار) من قصص القرآن الكريم. ثم يصل الدكتور خلف الله إلى نتيجة ما قرره من الفصل بين القصة القرآنية والحقيقة التاريخية فيصف القرآن بما وصفه به المشركون من أنه "أساطير" ويستدل على هذا بأن القرآن عرض مرة واحدة للرد على المشركين "في قيلهم بأنه أساطير وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان وهذه هي الآيات وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: ٥ - ٦] فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟ أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند الله، قل أنزله الذي يعلم السر .. إلخ" (١). ثم قال "وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد ﵇ وليس من عند الله إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن" (٢).ونذكر مثلاً من تطبيقه هذه النتيجة التي توصل إليها على قصص القرآن قوله:- "وإذا ما قال المستشرقون أن بعض القصص القرآني كقصة أصحاب الكهف أو قصة موسى في سورة الكهف قد بنيت على بعض الأساطير قلنا ليس في ذلك في القرآن من بأس فإنما هذه السبيل سبيل الآداب العالمية والأديان الكبرى ويكفينا فخراً إن كتابنا الكريم قد سن السنن وقعد القواعد وسبق غيره في هذه الميادين" (٣).وزعم أيضاً أنه لن يجد من "يعارض في وجود القصة التمثيلية في القرآن الكريم وأنها وليدة الخيال وأن الخيال إنما يسود هذا النوع من القصص لحاجة البشر إليه وجريهم في بلاغتهم عليه والله إنما يحدثهم من هذا بما يعتادون" (٤).ويستدل (٥) لإثبات هذه النتيجة التي توصل إليها بما جاء في المنار عن أحدى قصص القرآن "ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل والله أعلم" (٦) ويستدل (٧) أيضاً بقول الشيخ محمد عبده "وأما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فيقال فيه أن القرآن كثيراً ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني كقوله تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: ٣٠] فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا ونحو قوله بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] والمعنى في التمثيل ظاهر" (٨).
стр. 1785
ومن هنا – أيضاً – ندرك عمق الصلة بين الفكرتين فكرة خلف الله وفكرة الشيخ عبده وتلاميذه في قصص القرآن الكريم ولهذا حرص أمين الخولي المشرف على الرسالة المنحرفة على التصريح بأن جامعة فؤاد التي رفضت الرسالة المنحرفة هذه "ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاما" (١).
ولا شك بعد هذا أن هذا الزعم في قصص القرآن الكريم بأنها مخالفة لحقائق التاريخ وأن المراد بها التمثيل لا الحقيقة التاريخية لا شك أنه أثر من آثار مدرسة المنار، كيف لا وهو إنما يستشهد بأقوال أستاذهم وإمامهم.
وسواء أكان الأستاذ الإمام يقصد ما قصده خلف الله أم لم يقصده فإن الصلة بين القولين ولا شك بينة وواضحة.
بقي أن نقول أن هذه الرسالة أيضاً لقيت ردود فعل قوية واحتجاجات الرفض حتى رفضتها الجامعة، وفي الوقت نفسه كان الترحيب والقبول لما جاء به محمد عبده وتلاميذه؟!
ج- في السنة النبوية:
منذ صدع رسول الله ﷺ بما أمر، وأعرض عن المشركين، ومنذ أنذر عشيرته الأقربين وخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وقال أنا النذير المبين، منذ ذلك الحين وأعداؤه وأعداء الدين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويحاربونه بكل وسيلة وكل سبيل.
زعموا أن القرآن أساطير، وزعموا أن محمداً ساحر وشاعر وكاهن، وزعموا أنه ﷺ "كذاب أشر" وزعموا أنه عبقري لا نبي، وزعموا أن الإسلام مجموعة أفكار إصلاحية بشرية لا دين إلهي.
منذ ذلك الحين والدين الإسلامي في دوامة المعركة بين الحق والباطل بين حفظ الله ومكر الكافرين، ويبتلي الله المؤمنين بين حين وآخر في ذلك الصراع بين ضعف المسلمين وقوتهم.
وكانت المؤامرات العدائية للإسلام تلبس لكل حالة لباسها فتسلك سبيل السلاح حين تضعف قوة المسلمين، وتتخذ التخريب والتدمير والقتل شأنها من غير تفكير في إصلاح اعوجاج أو تعديل انحراف.
وإذا ما عجزت سبيل الحرب عن تحقيق أهدافها لبست لذلك لباساً آخر لباس الحرب الفكرية، وهم يجمعون بين السبيلين في أحيان كثيرة فيشككون في القرآن وفي محمد وفي السنة وفي الإسلام كله ويبثون أفكارهم تلك بين نابتة المسلمين وغيرهم.
وتنشأ هذه النابتة على رفض الإسلام أو رفض شيء من تعاليمه وأفكاره ومبادئه، لا تلبث أن تشتعل فيهم اشتعال النار في الهشيم فيكونون على الإسلام عبثاً أكبر من عبثهم ويحسب الجاهلون أن لا علاقة لأعداء الدين بهذا التشكيك والحرب من المنتسبين إليه ومن داخل حصونه.
ويزيد قوم الأمر سوءاً حين يقولون ما يتمسك به المنحرفون، ويشد عضدهم ويفتح لهم سبلاً كانوا عنها غافلين.
قالوا أن قصص القرآن تمثيل وتخييل وجاء من يقول أنها أساطير مخالفة للواقع، وقالوا أن الوحي عرفان يجده الشخص في نفسه ... إلخ فجاء من يقول أن محمداً عبقري وأن القائلين بنبوته يكسبون بالاعتراف بعبقريته كسباً عظيماً، قالوا إن حديث أبي هريرة الذي قال فيه كذا وكذا لا يبعد أن يكون قد رواه عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه فجاء من يسب أبا هريرة ﵁، ويشتمه ويرفض أحاديثه كلها صحيحها وضعيفها، قالوا إن السنة ليست ديناً إلا من حيث أنها مبينة للقرآن فجاء من ينكر السنة كلها ويرفضها.
لم يكن بين الفريقين كبير فارق في الزمن أو الفكرة بل كانوا من المعاصرين لهم وكانوا من الناشرين لأفكارهم الإلحادية المروجين لها بل والمشاركين في صياغتها.
ينشر الأستاذ محمد حسين هيكل كتابه (حياة محمد) ينكر فيه معجزاته ﷺ ويقدم للكتاب الشيخ محمد مصطفى المراغي ويقرظه السيد رشيد رضا؟!
стр. 1786
ويكتب محمد عبده كتاباً يذيله باسم قاسم أمين وينشره بين الناس ويدعو فيه إلى ما أسماه (تحرير المرأة)؟! ويشيد بهذا الكتاب رشيد رضا ويقرظه في كل سانحة في (مجلة المنار).
وينكر الدكتور توفيق صدقي حجية السنة ويعلن عنوان مقاله (الإسلام هو القرآن وحده) وينشر له الأستاذ محمد رشيد هذا المقال في عددين من مجلته (المنار) السابع والثاني عشر من السنة التاسعة.
ويزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطاً فيه ولما كان تبياناً لكل شيء.
ويلحد في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فيزعم أنه تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظهما؟! وجاء من بعده أحمد أمين صاحب كتب (فجر الإسلام (، و (ضحاه)، و (ظهره) تحدث في فجر الإسلام عن الحديث النبوي فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل كما يقول المرحوم مصطفى السباعي (١).
زعم أن هناك أمور كثيرة تضعف من حجية السنة منها أن الحديث لم يدون في عهد رسول الله ﷺ وزعم أنه نشأ عن هذا كثرة الوضع والكذب على الرسول ﷺ ساعد على ذلك كثرة دخول الشعوب في الإسلام، وزعم أن علماء الحديث إنما اعتنوا بالسند ولم يعتنوا بنقد المتن عشر عنايتهم بالسند ثم شكك في حديث أبي هريرة ﵁ وفي حفظه؟! وأنت قد لا تجد في كلامه نصاً صريحاً واضحاً في إنكار حجية السنة فهو أدهى من أن يظهر هذا بل يرشد من يريد إنكار حجية السنة إلى السبيل لذلك فيقول الدكتور حسن عبدالقادر "أن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم صراحة ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في (فجر الإسلام)، و (ضحى الإسلام) هذا ما قاله الدكتور علي حسن نفسه للمرحوم مصطفى السباعي (٢).وقد نشر إسماعيل أدهم رسالة سنة ١٣٥٣هـ زعم فيها أن الأحاديث التي تضمنتها كتب الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وثارت حول هذه الرسالة ضجة انتهت بمصادرتها ودافع أدهم عن نفسه بأن ما قاله قد وافقه عليه كبار أدباء وعلماء ذكر منهم أحمد أمين، ولم يكذب أحمد أمين ما قال هذا بل كتب ما يفيد تأمله مما حصل لصاحبه واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي، وحجر عثرة في سبيل البحوث العلمية (٣).
وفي عام ١٣٧٧هـ الموافق ١٩٥٧م ظهر كتاب جديد وأعني بالجديد فيه ذلكم الأسلوب الذي نهجه صاحبه وما رأيت مثله؟! رجل يحمل معول هدم السنة ينكر أحاديثها ويلقى أفظع السباب والشتائم على ناقلها الأول أبي هريرة ﵁ ثم يزعم بعد هذا أنه يدافع عن الحديث؟!
أما المؤلف فمحمود أبو رية، وأما الكتاب فـ (أضواء على السنة المحمدية) أو (دفاع عن الحديث)؟
стр. 1787
ومن التوافق العجيب أن الذي قدم لهذا الكتاب الذي أنكر حجية السنة هو الذي أنكر صدق قصص القرآن وأنكر حجيته فيما يخبر به – كما مر بنا – وأعني به طه حسين. أنكر محمود أبو رية حجية السنة وإذا ما قال له قائل كيف تنكر حجية السنة وأنت تستدل على ما ذهبت إليه بأحاديث منها؟ أجاب "أن الأحاديث التي أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي إنما أسوقها لكي نقنع من لا يقنع إلا بها على اعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يماري فيها "ويشبه أسلوبه هذا باحتجاج" المسلم على النصراني بما في الإنجيل وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به أو عكس ذلك (١)؟! ثم يأتي بعد هذا بقواعده التي أراد بها أن يأتي "بجديد" يفوق به قواعد علماء الحديث السابقين؟! ويعدل به ما اعوج به من قواعدهم؟ قال بعد كلامه السابق "أعلم أن ذلك ليس عاماً في كل ما أورده من أحاديث في كتابي فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة كأن يكون بياناً للقرآن الكريم أو متفقاً مع العقل السليم، أو جاء على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وإليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة، أو أتنور خلال معانيه شعاعاً من نور النبوة، ولو كان خافتاً ضئيلاً – وهذا أمر أحسه بوجداني فما كان من مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن، واعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه أحاديث آحاد وأنه ظني الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذي يفيد اليقين وأن روايته جاءت "بالمعنى" لا بأصل اللفظ الصحيح الذي نطق به النبي ﷺ " (٢).
стр. 1788
بقي أن أقول أن قواعده تلك لا تقوم بها حجة على صحة الحديث فقد يكون في الحديث بيان للقرآن الكريم ولا يلزم من هذا صحة هذا الحديث وقد يتفق الحديث مع العقل السليم وقد يأتي حديث على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وعليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة ولا يلزم أن يكون الرسول قد قاله؟ وليس هذا كله بالأمر الذي يحتاج إلى مزيد علم لإدراكه، ولكنه الضياع يعمي الأبصار عن الحقيقة. وحتى ندرك منه ضلال منهجه في نقد الحديث نسوق قوله "ومن الأحاديث ما تقتضي البداهة بصدقه كحديث ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن)) (١).؟! ولست أنكر هنا صحة الحديث أو غيرها وإنما أنكر أن تكون "البداهة" مما تقتضي صحته؟! وأي بداهة تنكر أن يبيح الرسول ﷺ كتاب حديثه؟! وحتى ندرك منه غرضه في وصف هذا الحديث بأن "البداهة" تقتضي صحته نكمل قوله "وهو الحديث الذي بنينا عليه كتابنا هذا" (٢) وبه يتضح هدفه؟!.وحتى ندرك أيضاً الصلة التي تربط برجال المدرسة العقلية الحديثة وتأثره بهم فيما ذهب إليه نقول أنه كثيراً ما يسوق نصوصهم ويستشهد بها في التقليل من شأن حجية السنة أو التجريح بصحابي جليل، وحينما عاب عليه طه حسين كثرة نقله عن رشيد رضا أجاب بأنه لم يصنع ذلك "عفواً أو فقراً من الأدلة" (٣) وإنما كان يقصد من ذلك أموراً مهمة، "منها أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقهاء المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم ... الخ" (٤) "وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا بحيث يعلم من أمر الأحاديث التي حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك مما يتصل بكتابي ما لم يعلم مثله سواه" (٥) "على أنه فوق ذلك ورث علم الأستاذ الإمام محمد عبده وناهيك به علماً وفضلاً بحيث لا يختلف اثنان من أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين فما يقوله السيد رشيد إنما اعتبره كأنه صادر عن أستاذه الإمام وذلك فيما أرى أنه من منهج الأستاذ الإمام وأسلوبه في النظر إلى الدين" (٦) وفوق هذا وذاك فهو يكتب عن السيد رشيد بمناسبة مرور خمسة أعوام على وفاته ويسميه "شيخنا" ويردد هذه العبارة" (٧).
стр. 1789
أذن فهو يستند فيما ذهب إليه إلى أقوال أئمة رجال المدرسة العقلية الحديثة الأستاذ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد، ويحسب قوله بعد هذا فوق الشبهات!! وكأن خداع العناوين مرض انتقل من أبي ريه في زعمه الدفاع عن الحديث النبوي في عنوان كتابه إلى المدعو (السيد صالح أبو بكر) فنشر كتاباً زعم أنه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها) زعم فيه أن من أهدافه "تقديم حصيلة الفحص الدقيقة للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال وعددها مئة وعشرون حديثاً والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي ﷺ " (١).وعد من أهدافه "القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم" (٢) ومنها "إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها" (٣) و "إثبات أن دين الله هو القرآن بداية ونهاية" (٤) وقال أخيراً "كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصاً ومعنى" (٥).
والحق أننا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأهداف والحق أيضاً أن هذا الرجل بعيد كل البعد عن المنهج الذي زعم بل عماد نقله وأسه محمود أبو رية السالف ذكره فهو كثيراً ما ينقل عنه بل نستطيع القول أن الجزء الأول منه خلاصة لكتاب أبي ريه، ثم أراد المؤلف منافسة أبي ريه على مناهله الأولى فنقل أيضاً عن محمد عبده وعن رشيد رضا وغيرهم من مدرسة المنار. بل إن بدء هجومه على أبي هريرة ﵁ يصدره برأي مدرسة المنار فيضع عنوناً "أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه مثلاً في مدرسة المنار" (٦).
وقد خصص المؤلف الصفحات من ٥٨ إلى ٦٣ للتشكيك في أبي هريرة ﵁ وفي روايته.
وإن شئت مثالاً من الأحاديث المئة والعشرين التي كذبها المؤلف من صحيح البخاري وأسلوبه في التكذيب، حتى تدرك بعد منهجه عن عنوان الكتاب (الأضواء القرآنية) وعن أهدافه التي زعمها فإليك واحداً منها. ففي حديث ابن عمر ﵄ ((قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٧).
стр. 1790
أتدرون ماذا قال المؤلف بعد أن نقله نقلاً غير ملتزم بألفاظه كما هو شأن علماء الحديث الصالحين أتحسبون الرجل استند إلى ضوء آية قرآنية واحدة في رد الحديث فضلاً عن التزام (الأضواء القرآنية)!! لا لا ليس الأمر كما تحسبون. بل قال "ودلائل الزيف في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال كلها نقول فيها ما يلي:-
أولاً: إن المسيح الدجال هو كل مبدل وكل ماسخ لجمال الحق ... وأن هذا المسيخ ليس رجلاً واحداً فقط ولكنهم كثيرون وهم عور وغير عور يعيشون معنا وأناس منا وكانوا مع من قبلنا وسيكونون مع من بعدنا وفي كل زمان ومكان .. وليسوا مسيخاً واحداً كما يقول الحديث.
ثانياً: إذا كان المسيخ سيظهر في آخر الزمان فقط .. فمن هو المسيخ الدجال الذي كان سبباً في ظهور الفساد والفتن في عهود الخلفاء وزمن التابعين بل زماننا هذا.
ثالثا: إذا كان المسيخ الدجال رجلاً واحداً ولا يأتي إلا في آخر الزمان فمن أي مسيخ كان يتعوذ النبي ﷺ هو وأصحابه والتابعين .. ومن أي مسيخ نتعوذ نحن الآن في نهاية كل صلاة كما علمنا النبي ﷺ ؟؟
رابعا: .. بأي عقل نصدق أن يعطيه الله كل هذه الأسباب ثم يأمرنا بمحاربته أو يلوم أتباعه وقد أعطاه من وسائل الإغراء والإقناع للناس ما لا يعطي الأنبياء والمرسلين.
خامسا: في هذا الحديث أن النبي ﷺ يقول أن المسيخ الدجال رجل أعور وإن ربكم ليس بأعور فكيف يعقل أن تجري هذه الألفاظ على النبي ﷺ وأن تكون ألفاظه قد وصلت إلى هذا النقص في التعبير عن ذات الله وأن يتكلم عن خالقه بتلك الصورة المذرية الركيكة. سادسا: كيف أنذر نوح قومه من المسيخ الدجال كما يقول الحديث مع أن الأحاديث التي وردت فيه تقول كلها أن المسيخ سيأتي في آخر الزمان" (١).
وليس هدفنا هنا أن نرد على شبهة ونبطلها فليس هذا موضعه وإنما أردنا أن نظهر أسلوبه في النقد وأن أدلته تلك ليست أضواءاً قرآنية كما زعم ولم يستند فيها إلى آية قرآنية بل كلها شبه من فكره ومن مفهومه الضال الذي لم يستند إلى كتاب ولا إلى سنة أيضاً.
وليس هذا الأمر في هذا الحديث فحسب بل هو في كل الأحاديث التي أوردها لم يستدل فيها بآية قرآنية إلا آية تعرض عرضاً في حديثه وليس فيها من معارضة الحديث شيء.
إذن فلا عجب إذا ما أكثر النقل عن محمود أبو رية وعض على أقواله بنواجذه ولا عجب أيضاً إذا ما استند إلى أقوال محمد عبده ورشيد رضا بل إلى مدرسة المنار.
د- في الفقه:
أما فتح باب الاجتهاد وشروطه التي جاءوا بها فقد نفذ منها كل من هب ودب وأفتى في الأحكام الشرعية من غير تردد أو خوف أو وجل، وحكم في قضايا لو عرضت على مالك لقال "لا أدري" ولو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.
ولا نريد أن نذكر كل ما جرى بعدهم من اجتهادات فقهية خارجة عن نطاق الاجتهاد وحدوده، ولا يصل إلى مرتبته مصدروها – ولكن نقصر الحديث هنا على واحدة من تلك الاتجاهات الفقهية المنحرفة.