← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ويكتب محمد عبده كتاباً يذيله باسم قاسم أمين وينشره بين الناس ويدعو فيه إلى ما أسماه (تحرير المرأة)؟! ويشيد بهذا الكتاب رشيد رضا ويقرظه في كل سانحة في (مجلة المنار). وينكر الدكتور توفيق صدقي حجية السنة ويعلن عنوان مقاله (الإسلام هو القرآن وحده) وينشر له الأستاذ محمد رشيد هذا المقال في عددين من مجلته (المنار) السابع والثاني عشر من السنة التاسعة. ويزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطاً فيه ولما كان تبياناً لكل شيء. ويلحد في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فيزعم أنه تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظهما؟! وجاء من بعده أحمد أمين صاحب كتب (فجر الإسلام (، و (ضحاه)، و (ظهره) تحدث في فجر الإسلام عن الحديث النبوي فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل كما يقول المرحوم مصطفى السباعي (١). زعم أن هناك أمور كثيرة تضعف من حجية السنة منها أن الحديث لم يدون في عهد رسول الله ﷺ وزعم أنه نشأ عن هذا كثرة الوضع والكذب على الرسول ﷺ ساعد على ذلك كثرة دخول الشعوب في الإسلام، وزعم أن علماء الحديث إنما اعتنوا بالسند ولم يعتنوا بنقد المتن عشر عنايتهم بالسند ثم شكك في حديث أبي هريرة ﵁ وفي حفظه؟! وأنت قد لا تجد في كلامه نصاً صريحاً واضحاً في إنكار حجية السنة فهو أدهى من أن يظهر هذا بل يرشد من يريد إنكار حجية السنة إلى السبيل لذلك فيقول الدكتور حسن عبدالقادر "أن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم صراحة ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في (فجر الإسلام)، و (ضحى الإسلام) هذا ما قاله الدكتور علي حسن نفسه للمرحوم مصطفى السباعي (٢).وقد نشر إسماعيل أدهم رسالة سنة ١٣٥٣هـ زعم فيها أن الأحاديث التي تضمنتها كتب الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وثارت حول هذه الرسالة ضجة انتهت بمصادرتها ودافع أدهم عن نفسه بأن ما قاله قد وافقه عليه كبار أدباء وعلماء ذكر منهم أحمد أمين، ولم يكذب أحمد أمين ما قال هذا بل كتب ما يفيد تأمله مما حصل لصاحبه واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي، وحجر عثرة في سبيل البحوث العلمية (٣). وفي عام ١٣٧٧هـ الموافق ١٩٥٧م ظهر كتاب جديد وأعني بالجديد فيه ذلكم الأسلوب الذي نهجه صاحبه وما رأيت مثله؟! رجل يحمل معول هدم السنة ينكر أحاديثها ويلقى أفظع السباب والشتائم على ناقلها الأول أبي هريرة ﵁ ثم يزعم بعد هذا أنه يدافع عن الحديث؟! أما المؤلف فمحمود أبو رية، وأما الكتاب فـ (أضواء على السنة المحمدية) أو (دفاع عن الحديث)؟

стр. 1787

ومن التوافق العجيب أن الذي قدم لهذا الكتاب الذي أنكر حجية السنة هو الذي أنكر صدق قصص القرآن وأنكر حجيته فيما يخبر به – كما مر بنا – وأعني به طه حسين. أنكر محمود أبو رية حجية السنة وإذا ما قال له قائل كيف تنكر حجية السنة وأنت تستدل على ما ذهبت إليه بأحاديث منها؟ أجاب "أن الأحاديث التي أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي إنما أسوقها لكي نقنع من لا يقنع إلا بها على اعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يماري فيها "ويشبه أسلوبه هذا باحتجاج" المسلم على النصراني بما في الإنجيل وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به أو عكس ذلك (١)؟! ثم يأتي بعد هذا بقواعده التي أراد بها أن يأتي "بجديد" يفوق به قواعد علماء الحديث السابقين؟! ويعدل به ما اعوج به من قواعدهم؟ قال بعد كلامه السابق "أعلم أن ذلك ليس عاماً في كل ما أورده من أحاديث في كتابي فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة كأن يكون بياناً للقرآن الكريم أو متفقاً مع العقل السليم، أو جاء على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وإليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة، أو أتنور خلال معانيه شعاعاً من نور النبوة، ولو كان خافتاً ضئيلاً – وهذا أمر أحسه بوجداني فما كان من مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن، واعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه أحاديث آحاد وأنه ظني الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذي يفيد اليقين وأن روايته جاءت "بالمعنى" لا بأصل اللفظ الصحيح الذي نطق به النبي ﷺ " (٢).

стр. 1788

بقي أن أقول أن قواعده تلك لا تقوم بها حجة على صحة الحديث فقد يكون في الحديث بيان للقرآن الكريم ولا يلزم من هذا صحة هذا الحديث وقد يتفق الحديث مع العقل السليم وقد يأتي حديث على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وعليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة ولا يلزم أن يكون الرسول قد قاله؟ وليس هذا كله بالأمر الذي يحتاج إلى مزيد علم لإدراكه، ولكنه الضياع يعمي الأبصار عن الحقيقة. وحتى ندرك منه ضلال منهجه في نقد الحديث نسوق قوله "ومن الأحاديث ما تقتضي البداهة بصدقه كحديث ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن)) (١).؟! ولست أنكر هنا صحة الحديث أو غيرها وإنما أنكر أن تكون "البداهة" مما تقتضي صحته؟! وأي بداهة تنكر أن يبيح الرسول ﷺ كتاب حديثه؟! وحتى ندرك منه غرضه في وصف هذا الحديث بأن "البداهة" تقتضي صحته نكمل قوله "وهو الحديث الذي بنينا عليه كتابنا هذا" (٢) وبه يتضح هدفه؟!.وحتى ندرك أيضاً الصلة التي تربط برجال المدرسة العقلية الحديثة وتأثره بهم فيما ذهب إليه نقول أنه كثيراً ما يسوق نصوصهم ويستشهد بها في التقليل من شأن حجية السنة أو التجريح بصحابي جليل، وحينما عاب عليه طه حسين كثرة نقله عن رشيد رضا أجاب بأنه لم يصنع ذلك "عفواً أو فقراً من الأدلة" (٣) وإنما كان يقصد من ذلك أموراً مهمة، "منها أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقهاء المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم ... الخ" (٤) "وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا بحيث يعلم من أمر الأحاديث التي حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك مما يتصل بكتابي ما لم يعلم مثله سواه" (٥) "على أنه فوق ذلك ورث علم الأستاذ الإمام محمد عبده وناهيك به علماً وفضلاً بحيث لا يختلف اثنان من أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين فما يقوله السيد رشيد إنما اعتبره كأنه صادر عن أستاذه الإمام وذلك فيما أرى أنه من منهج الأستاذ الإمام وأسلوبه في النظر إلى الدين" (٦) وفوق هذا وذاك فهو يكتب عن السيد رشيد بمناسبة مرور خمسة أعوام على وفاته ويسميه "شيخنا" ويردد هذه العبارة" (٧).

стр. 1789

أذن فهو يستند فيما ذهب إليه إلى أقوال أئمة رجال المدرسة العقلية الحديثة الأستاذ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد، ويحسب قوله بعد هذا فوق الشبهات!! وكأن خداع العناوين مرض انتقل من أبي ريه في زعمه الدفاع عن الحديث النبوي في عنوان كتابه إلى المدعو (السيد صالح أبو بكر) فنشر كتاباً زعم أنه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها) زعم فيه أن من أهدافه "تقديم حصيلة الفحص الدقيقة للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال وعددها مئة وعشرون حديثاً والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي ﷺ " (١).وعد من أهدافه "القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم" (٢) ومنها "إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها" (٣) و "إثبات أن دين الله هو القرآن بداية ونهاية" (٤) وقال أخيراً "كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصاً ومعنى" (٥). والحق أننا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأهداف والحق أيضاً أن هذا الرجل بعيد كل البعد عن المنهج الذي زعم بل عماد نقله وأسه محمود أبو رية السالف ذكره فهو كثيراً ما ينقل عنه بل نستطيع القول أن الجزء الأول منه خلاصة لكتاب أبي ريه، ثم أراد المؤلف منافسة أبي ريه على مناهله الأولى فنقل أيضاً عن محمد عبده وعن رشيد رضا وغيرهم من مدرسة المنار. بل إن بدء هجومه على أبي هريرة ﵁ يصدره برأي مدرسة المنار فيضع عنوناً "أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه مثلاً في مدرسة المنار" (٦). وقد خصص المؤلف الصفحات من ٥٨ إلى ٦٣ للتشكيك في أبي هريرة ﵁ وفي روايته. وإن شئت مثالاً من الأحاديث المئة والعشرين التي كذبها المؤلف من صحيح البخاري وأسلوبه في التكذيب، حتى تدرك بعد منهجه عن عنوان الكتاب (الأضواء القرآنية) وعن أهدافه التي زعمها فإليك واحداً منها. ففي حديث ابن عمر ﵄ ((قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٧).

стр. 1790

أتدرون ماذا قال المؤلف بعد أن نقله نقلاً غير ملتزم بألفاظه كما هو شأن علماء الحديث الصالحين أتحسبون الرجل استند إلى ضوء آية قرآنية واحدة في رد الحديث فضلاً عن التزام (الأضواء القرآنية)!! لا لا ليس الأمر كما تحسبون. بل قال "ودلائل الزيف في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال كلها نقول فيها ما يلي:- أولاً: إن المسيح الدجال هو كل مبدل وكل ماسخ لجمال الحق ... وأن هذا المسيخ ليس رجلاً واحداً فقط ولكنهم كثيرون وهم عور وغير عور يعيشون معنا وأناس منا وكانوا مع من قبلنا وسيكونون مع من بعدنا وفي كل زمان ومكان .. وليسوا مسيخاً واحداً كما يقول الحديث. ثانياً: إذا كان المسيخ سيظهر في آخر الزمان فقط .. فمن هو المسيخ الدجال الذي كان سبباً في ظهور الفساد والفتن في عهود الخلفاء وزمن التابعين بل زماننا هذا. ثالثا: إذا كان المسيخ الدجال رجلاً واحداً ولا يأتي إلا في آخر الزمان فمن أي مسيخ كان يتعوذ النبي ﷺ هو وأصحابه والتابعين .. ومن أي مسيخ نتعوذ نحن الآن في نهاية كل صلاة كما علمنا النبي ﷺ ؟؟ رابعا: .. بأي عقل نصدق أن يعطيه الله كل هذه الأسباب ثم يأمرنا بمحاربته أو يلوم أتباعه وقد أعطاه من وسائل الإغراء والإقناع للناس ما لا يعطي الأنبياء والمرسلين. خامسا: في هذا الحديث أن النبي ﷺ يقول أن المسيخ الدجال رجل أعور وإن ربكم ليس بأعور فكيف يعقل أن تجري هذه الألفاظ على النبي ﷺ وأن تكون ألفاظه قد وصلت إلى هذا النقص في التعبير عن ذات الله وأن يتكلم عن خالقه بتلك الصورة المذرية الركيكة. سادسا: كيف أنذر نوح قومه من المسيخ الدجال كما يقول الحديث مع أن الأحاديث التي وردت فيه تقول كلها أن المسيخ سيأتي في آخر الزمان" (١). وليس هدفنا هنا أن نرد على شبهة ونبطلها فليس هذا موضعه وإنما أردنا أن نظهر أسلوبه في النقد وأن أدلته تلك ليست أضواءاً قرآنية كما زعم ولم يستند فيها إلى آية قرآنية بل كلها شبه من فكره ومن مفهومه الضال الذي لم يستند إلى كتاب ولا إلى سنة أيضاً. وليس هذا الأمر في هذا الحديث فحسب بل هو في كل الأحاديث التي أوردها لم يستدل فيها بآية قرآنية إلا آية تعرض عرضاً في حديثه وليس فيها من معارضة الحديث شيء. إذن فلا عجب إذا ما أكثر النقل عن محمود أبو رية وعض على أقواله بنواجذه ولا عجب أيضاً إذا ما استند إلى أقوال محمد عبده ورشيد رضا بل إلى مدرسة المنار. د- في الفقه: أما فتح باب الاجتهاد وشروطه التي جاءوا بها فقد نفذ منها كل من هب ودب وأفتى في الأحكام الشرعية من غير تردد أو خوف أو وجل، وحكم في قضايا لو عرضت على مالك لقال "لا أدري" ولو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر. ولا نريد أن نذكر كل ما جرى بعدهم من اجتهادات فقهية خارجة عن نطاق الاجتهاد وحدوده، ولا يصل إلى مرتبته مصدروها – ولكن نقصر الحديث هنا على واحدة من تلك الاتجاهات الفقهية المنحرفة.

стр. 1791

ونحن وإن كنا لا نزعم أن كل انحراف في تقنين الأحكام الشرعية وميل بها عن الحق أنه أثر من آثار المدرسة العقلية إلا أننا نؤكد أن كثيراً من ذلك يستند إلى آرائهم ويستدل بأقوالهم ويستشهد بها وما هذا إلا معيار لتأثرهم بها، نذكر من هذا مسألة تعدد الزوجات دع عنك تحرير المرأة وخروجها إلى العمل واختلاطها بالرجال في ميادينه ... الخ. وقد سبق للشيخ عبده أن دعا إلى تطبيق ما ذهب إليه في مسألة تعدد الزوجات ونحن نذكر دعوته هنا حتى ندرك أن ما حدث بعد إنما هو من آثاره ومدرسته قال: "لا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصاً الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة" (١).إذن فهو يدعو إلى تغيير الحكم؟! ترى هل يدعو إلى تغييره دفعة واحدة أو بطريقة أخرى؟! يفسر هذا تلميذه السيد رشيد بقوله "إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الإسلام يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] ومَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ [المائدة: ٦] ولا يصح أن يبني على هذه القاعدة تحريم أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة .. وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على من اعتادوا المبالغة فيه من المفاسد فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيد بقيد ثقيل وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات وهو شرط يعز تحققه ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي" (٢)؟!! إذن فليس الأمر في المنع "دفعة واحدة" لأنه يشق على من اعتادوا المبالغة فيه والحال أن يقيد بقيد ثقيل .. وهو شرط يعز تحققه .. ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي. وليس المانع من إلغاء التعدد دفعة واحدة "أمر شرعي وإنما المشقة على من اعتادوا المبالغة فيه، والعلاج التدرج في ذلك إلى أن يصل الأمر إلى اعتياد الناس على عدم التعدد ولا يشق على أحد إلغاؤه ومن ثم إلغاء التعدد. لن أذكر هنا أثر تلك الدعوة على الأفراد في أقوالهم ودعواتهم لأنها كلها تنتهي إلى الدعوة إلى تطبيقه وتقنيته وإذا ما اكتفينا بذكر القوانين التي سنتها بعض الدول المسلمة في ذلك نكون قد تجاوزنا آراءهم إلى النتيجة والنتيجة هدفنا من الإشارة إلى الأثر. وفي الواقع أن الدول التي تأثرت بهذه الدعوة انقسمت إلى قسمين ولا يزال بعضها في مرتبة "قيد ثقيل يعز تحققه .. ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي"، واستطاع بعضهم أن يصل إلى مرتبة "دفعة واحدة".

стр. 1792

أما القسم الأول فدول المغرب وسوريا والعراق قيدته المغرب قضائياً بالعدل بين الزوجات، وقيدته سوريا بالقدرة على الإنفاق، وقيد في العراق بمصلحة مشروعة وبالعدل بين الزوجات، وبالقدرة على الإنفاق عليهن."وورود أحد هذه القيود في القانون معناه أنه أصبح ملزماً ويتعين على القاضي أن يتحقق من توافره بحيث إذا لم يكن هذا الشرط متوافراً أو ذاك كان تعدد الزوجات غير جائز، لأن المفروض أن أحكام القانون جميعها ملزمة ويحمل الناس على احترامها وتطبيقها طوعاً أو كرهاً" (١).أما التي أخذت بالطريقة الثانية فتونس فمنعت تعدد الزوجات ومن تزوج بأكثر من واحدة يستوجب عقاباً بالسجن مدة عام وبخطيه "أي غرامة" قدرها ٢٤٠.٠٠٠ فرنك أو بإحدى العقوبتين فقط ""الفصل ١٨"" (٢).أما في مصر فقد شكل بعض تلاميذ محمد عبده لجنة سنة ١٩٢٦م اقترحت تقييد تعدد الزوجات وقدمت المقترحات لمجلس النواب وبعد مناقشات أعيدت لوزارة العدل لدراستها ثم صدر القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩م منظماً لبعض شؤون الأسرة خالياً من مقترحات تقييد تعدد الزوجات (٣) وفي سنة ١٩٤٥م تقدمت وزارة الشؤون الاجتماعية بمشروع قانون لتقييد تعدد الزوجات باشتراط إذن القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزواج، واشتراط أن لا يأذن القاضي إلا بعد الفحص والتحقق من أن سلوكه وأحوال معيشته يؤمن معها قيامه بحسن المعاشرة، والإنفاق على أكثر من في عصمته ومن تجب نفقته عليهم من أصوله وفروعه، ولم يكتب لهذا المشروع النجاح (٤). وقامت بعض الدعوات لاشتراط أن يكون جواز التعدد في حالتين، حالة مرض الزوجة مرضاً لا برء منه، وحالة عقم الزوجة الذي مضى عليه أكثر من سنوات ثلاث ومنع ما عدا هاتين الحالتين ودعوا فيما دعوا إلى عدم سماع الدعوى في نزاع يتعلق بالزواج "المتعدد إلا إذا كان بإذن القاضي وقد رفضت جبهة علماء الأزهر هذا الاقتراح. وزعم المدعو عبدالعزيز فهمي باشا أن القرآن الكريم يحرم بتاتاً تعدد الزوجات؟! فالآية في زعمه واضحة لكل متذوق أنها هزء وسخرية ممن يريد تعدد الزوجات لأن المولى أردفها بقوله وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:١٢٩] ولن كما يقرر النحاة هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفياً باتاً" (٥). وحتى نكشف مغالطة الرجل نقول أن استدلاله هنا كمن يستدل بقوله تعالى لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ [النساء: ٤٣] , ويدع وَأَنتُمْ سُكَارَى ولو أحسن الاستدلال وطلب الحقيقة لأكمل ما استدل به وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: ١٢٩] فقوله سبحانه فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ غَفُورًا رَّحِيمًا كلها تبين المراد من نفي الاستطاعة بياناً لا يريده فهمي باشا ولهذا قطع الآية.

стр. 1793

وأما الاستدلال بما قرره النحاة فهو تحريف لقولهم ولا يستغرب ممن كذب على القرآن أن يكذب على النحاة؟ لم يقل النحاة بأن النفي بلن نفياً باتاً أي دائماً إلا الزمخشري المعتزلي قال ذلك ليؤبد النفي في قوله تعالى لموسى لَن تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] حتى يستدل بها على إنكار رؤية الله التي لا يؤمن بها المعتزلة، والنحاة – سواه – على الضد من ذلك فقد قالوا:- ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله أردد وسواه فاعضدا. نعد الحديث بعد هذا إلى شيخ أزهري هو الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، والأزهريون متهمون بالجمود والتزمت وهما صفتان أوحى بهما الاستعمار إلى شباب المسلمين حينذاك لينفروا من الأزهر وشيوخه ثم ينفروا من الدين كله بالتبع، أراد هذا الشيخ أن ينفي هذه التهمة فأخطأ الطريق – وما هكذا تورد الإبل يا سعد – تقرب إليهم بالدعوة إلى تحريم تعدد الزوجات؟! أليست هذه الصفة من مآخذ الاستعمار على الإسلام؟! أي طريق يسلك إلى ذلك؟ استمداد ذلك من آية إباحة التعدد كما فعل عبدالعزيز فهمي أمر قد سبق إليه، وهو يريد أن يأتي بجديد فقال "لا ينكر أحد أن ينقلب المباح حراماً إذا نهى عنه ولي الأمر لمصلحة تقتضي النهي عنه كأن ينهى عن زرع القطن في أكثر من ثلث الملك تجب طاعته شرعاً في ذلك وتحرم مخالفته فيه ... وكذلك الأمر في تعدد الزوجات فلولي الأمر أن ينهى عنه إذا أساء المسلمون استعماله فيصير حراماً لنهيه عنه وإن كان في ذاته مباحاً وهذا أمر معروف بين العلماء" (١)؟! وهو حينما يقول هذا يؤكد أن المسلمين قد أساؤوا استعماله ويرشد إلى الطريق السليم لتحريم التعدد كما أرشد إليه سلفه محمد عبده وتلاميذه قال الشيخ عبدالمتعال "ولعل مما يدعو إليه هذا أن الناس لم يتهيئوا بعد لفهم هذا الحق بل يعدوه خروجاً على الدين، فيحمل هذا ولي الأمر على أن يستثني في ذلك ما يستثني، ولا يذهب فيه إلى آخر ما جعله الله من حقه" (٢).لذلك فلا عجب أن يقول الدكتور عفت محمد الشرقاوي معلقاً على ما ذهب إليه عبدالعزيز فهمي ونعم به عبدالمتعال "ومع ما يبدو في هذا من الغرابة والتجوز في الاستنتاج، وخروجه عن مألوف المأثور، فإنه كان النتيجة الطبيعية لشدة تأثرنا بالنظم الأوروبية في تشريع الزواج ... وكان ذلك في جملته تطوراً واضحاً لنزعة قديمة حمل لواءها "محمد عبده" محاولا التفريق بين النص القرآني وهذا التصور الجديد" (٣). كانت هذه هي الحال إلى سنة ١٩٦٧م ففي هذه السنة صدر قانون الأسرة في مصر والجديد الذي جاء فيه ما نصت عليه المادة "١٣٤": أ- للزوجة التي تزوج عليها زوجها وإن لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها أن تطلب التفريق بينها وبينه وفي مدى شهرين من تاريخ علمها بالزواج ما لم ترض به صراحة أو دلالة. ب- ويتجدد حقها في طلب التفريق كلما تزوج بأخرى.

стр. 1794

ج- وإذا كانت الزوجة الجديدة قد فهمت من الزوج أنه غير متزوج بسواها ثم ظهر أنه متزوج فلها أن تطلب التفريق. كما نصت هذه المادة على أن "التفريق للزواج بأخرى طلاق بائن" (١). وهذا لا شك "قيد ثقيل يعز تحققه .. "؟! والاتجاه العام إلى تقييد تعدد الزوجات سائر على منهج مدروس وقد بدأت بعض السلطات في بعض البلدان الإسلامية في إصدار قوانين تحرم من يعدد زوجاته من بعض الحقوق أو المزايا التي يتمتع بها سائر المواطنين كحرمانه من الاشتراك في نقابة أو ناد معين أو قصر الإعارة للخارج على المتزوجين بواحدة أو السماح بالعلاج المجاني لزوجة واحدة أو قصر الإعفاء الضريبي على المتزوجين بواحدة (٢) ونحو ذلك. وهذا كله ولا شك في سبيل "تقييد تعدد الزوجات بقيد ثقيل ... يعز تحققه – ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي" "والانتقال بعد هذا إلى الخطوة الأخرى "منع تعدد الزوجات" دفعة واحدة" وبهذا لا يشق هذا الأمر على "من اعتاد على تعدد الزوجات"؟! هـ- في السياسة: عمى الألوان مرض يصيب البصر لا يستطيع صاحبه التفريق أو التمييز بينها، وأحسب أن عمى الألوان هذا يصيب البصيرة فلا يستطيع صاحبه أن يفرق بين دين ودين، ومنهج وآخر. نظرت طائفة من المسلمين أو من المنتسبين للإسلام إلى ما حدث في أوروبا في العصور الوسطى، وإلى ما حدث من صراع هناك بين الدين والعلم، وبين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، نظروا إلى "رجال دين" يستندون إلى كتب "محرفة" وما فيها يخالف حقائق العلم ونظرياته، أضف إلى هذا تشدد أولئك "رجال الدين" في مواجهة خصومهم. ليس هناك مجال آخر دين محرف أقواله تصادم حقائق علمية، ورجاله متصلبون متشددون، فكان لابد من قيام ثورة للفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسياسة بين الدين والعلم، فعزلوا الدين وأقصوه. حسب من أصيب بعمى البصيرة أن كل دين كهذا الدين المحرف، فأراد من ينتسب إلى الإسلام منهم أن يطبق تلك الثورة على دينه الذي ينتسب إليه – إما عن جهل منه وإما عن خبث فيه – فدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وجعل الدين مجرد عبادة تؤدى في المسجد فإذا خرجت إلى الشارع فقد تعدت حدودها وتجاوزت مراسيمها ووجب عقابها وقمعها. فليبق الدين في المسجد؟! ولتبق الوطنية والقومية .. الخ في الشارع، وليسرح الناس وليمرحوا حسب نظامهما، دينهم الوطن وعقيدتهم القومية. وكان من السابقين السابقين إلى هذه الدعوة الشيخ محمد عبده حيث قال "إن خير أوجه الوحدة الوطن لامتناع الخلاف والنزاع فيه" (٣) والشيخ نفسه هو الذي صاغ برنامج "الحزب الوطني" المصري وجاء فيه "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذاهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه" (٤) ودافع عن القبط في مصر قائلاً "ليس من اللائق بأصحاب الجرائد أن يعمدوا إلى إحدى الطوائف المتوطنة في أرض واحدة فيشملوها بشيء من الطعن أو ينسبوها إلى شائن من العمل تعللاً بأن رجلاً أو رجالاً منها قد استهدفوا لذلك ... " (٥).

стр. 1795

وهو في هذا يقلد أستاذه الأفغاني الذي دعا إلى القومية والوطنية "الفرعونية" في مصر حيث يقول موجهاً حديثه للعوام "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد ... تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت .. انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعمة آبائكم وعزة أجدادكم:- وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالرشيد فلاح (١) وأتبعا القول بالعمل فجدا واجتهدا في سبيل هدم الخلافة الإسلامية، واستقلال العرب عن الأتراك والتقريب بين الأديان. وقد سرت هذه الأفكار والمبادئ في المجتمع الإسلامي بعد ذلك وانتشرت ولا نزال حتى ساعتنا هذه نعاني من آثارها. وظهرت آثارها أول ما ظهرت في الثورة الكمالية الإلحادية في تركيا حيث عملت أول ما عملت على فصل الدين عن الدولة وقالوا فيما قالوا "إننا نحن العثمانيين لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين وراء ظهورنا وعصرنا العلماء عصراً نمحقهم به محقاً، وسرنا وراء فرنسا خطوة خطوة" (٢).وأشاد بعض العرب بهذه الحركة وفتن بها كثير منهم قال أحدهم "حصل التقدم في تركيا بعد نبذها تعاليم رجال الدين وفتاويهم وفصلها الأمور الزمنية عن الدينية، واستغنائها عن قراءة البخاري في السفن البحرية" (٣). وفي سنة ١٩٢٥م وضع علي عبدالرزاق كتابه الإسلام وأصول الحكم خاض فيه في مبحثين: ١) هل منصب الخلافة ديني أم سياسي أم هو مزيج من كليهما معاً؟ ٢) هل منصب الخلافة ضروري للمسلمين؟ (٤) وهو في سبيل فصل الدين عن الدولة تضمن:- ١ - جعل الشريعة الإسلامية روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا. ٢ - أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولإبلاغ الدعوة إلى العالمين. ٣ - وأن نظام الحكم في عهد النبي ﷺ كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجباً للحيرة. ٤ - وأن مهمة النبي ﷺ كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ. ٥ - وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا.

стр. 1796

٦ - وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية.٧ - وإن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده ﵃ كانت لا دينية" (١).وجاء فيه "الدنيا من أولها لآخرها وجميع ما فيها من أغراض وغايات أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها وينصبوا لتدبيرها" (٢).وزعم "أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر إليه الرسول" (٣).وقال "التمس بين دفتي المصحف الكريم أثراً ظاهراً خفياً لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي ﷺ ، تلك منابع الدين الصافية في متناول يديك، وعلى كثب منك فالتمس منها دليلاً أو شبه دليل فإنك لن تجد عليها برهاناً، إلا ظناً وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا" (٤). ولن ندع مثل هذا التحدي لهذا القزم المتعملق من غير رد، ولن نأتيه بشبه دليل بل نأتيه بالصاعقة قال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ [النساء ١٠٥] وهل الحكم بين الناس إلا عين السياسة وهدفها ولا نريد أن نعدد الأدلة بعد هذا فهي جد طويلة ولكن أتينا بما طلبه "التمس دليلاً أو شبه دليل ... " إلخ؟!.وقال بنحو هذا محمد أحمد خلف الله في كتابه "القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة" حيث يقول "إن رياسة الخلفاء الراشدين للدولة العربية "!! " لم تكن دينية بحال من الأحوال وإنما كانت مدنية صرفة" (٥).وقال "والقرآن الكريم قد أعرض إعراضاً تاماً عن الحديث في نظام أساسي للدولة العربية الإسلامية وترك أمر ذلك للمواطنين "!! " يقررون فيه ما يشاؤون "!! "" (٦).ودعوا إلى حركة القومية العربية وقالوا: "إن هذه الحركة لم تتخذ من الإسلام خاصة ومن الدين عامة أساساً لها، وإنما مضت على أساس عربي خالص" (٧) "وإن الفكرة العربية أكثر انتشاراً وأوسع نفوذاً من الفكرة الإسلامية" (٨). ودعوا إلى توحيد الأديان وصهرها بعضها ببعض وهو سبيل من سبيل القومية قال أبو رية "إن الناس سيصلون إن شاء الله بعلومهم وعقولهم إلى مرتقى تزول فيه الجنسيات الدينية وتختفي العصبيات المذهبية ويجتمعون على دين واحد يشمل الناس جميعاً وهذا الدين يقوم على ثلاث قواعد: ١ - إيمان بالله. ٢ - عمل صالح في الحياة.

стр. 1797

٣ - إيمان باليوم الآخر. أما ما وراء ذلك مما هو خارج عن علمهم فأمره مفوض إلى ربهم وبذلك يعيشون الحياة تحت ظل السعادة الظليل متحابين متعاونين على عمل ما فيه الخير لكل قبيل" (١).وإذا ما استنكر أحدهم الترحم على نصراني قال "إذا كان حكمكم على الكافر صحيحاً فإن النصراني ليس بكافر" (٢). ولنقف هنا ولنجمع الشتات. القومية الوطنية. التقريب بين الأديان. فصل الدين عن الدولة. أحسبها وجوهاً متعددة لقضية واحدة، هدفها واحد: إقصاء الدين الحق وقيام قومية وطنية .. لا دينية "علمانية" .. تنبذ الدين وتقصيه عن ميدان السياسة وحينئذ يسهل انقيادها لمن خطط لذلك ووقف خلفه من وراء الستار هل ترون الأصابع الخفية؟! إنها الصهيونية العالمية تسعى للقضاء على القومية الدينية. وصهر الأديان تحت عنوان التقريب بينها وهو تذويب لها وتدمير. وفصل الدين عن الدولة. وظفرت في يومنا هذا على حلم كبير من أحلامها فقد صرح زعيم عربي بـ فصل الدين عن الدولة بمنع الخطباء في المساجد من التعرض لما يجري في السياسة ... الخ. وسعى ويسعى في بناء مسجد "إسلامي" و "كنيسة نصرانية" و "معبد يهودي"في سيناء في سبيل التقريب بين الأديان أليس "خير أوجه الوحدة الوطن" كما يقول الشيخ محمد عبده (٣) آخر أخبار هذا المشروع أن هذا الزعيم طلب من ممثلة أفلام الخلاعة والجنس أن تتبرع لبناء هذه المعابد ولو بدولارين. وفي الإجتماع والأسرة: والحديث هنا متشعب الأطراف متعدد الجوانب وأهم الأطراف وأخطر الجوانب قضية المرأة أليست المرأة هي الأم وهي الأخت وهي البنت وهي الزوجة وهي المربية وهي المعلمة؟! وهي في كل قاعدة تقف عليها أو منصب يجد الرجل والطفل والشاب ما يجذبه إليها ويشده ومن هنا يكون تأثيرها. إن صلحت أصلحت وإن فسدت أفسدت أليست المرأة الصالحة خير متاع الدنيا؟! إذاً فاظفر بذات الدين ترتبت يداك. وأحسب أن المرأة جوهرة يجب أن تصان عن أعين اللصوص وغبار الطريق ما الذي ترجوه من امرأة خلعت جلبابها وهتكت سترها وتزينت وتبرجت وفتنت وافتتنت واختلطت برجال تأججت غرائزهم وانفلت زمامهم، ما إن يفتح أحدهم مجلة حتى يرى الصورة المثيرة، ويذهب إلى دار السينما فيرى ما هو أشد ويفتح التلفاز والمذياع فيسمع ويرى قصص الحب والغرام وماذا بعد هذا؟! ينظر إلى زميلته في العمل أو على كرسي المدرسة وقد اكتست من المدنية سربالاً وتزينت بزينتها ولبست لباسها وأصابها ما أصاب الرجل نفسه وخلا لهم المكان والزمان بعد هذا؟!

стр. 1798

ما الذي ترجوه من امرأة تسلم أولادها لمربية وتخرج إلى واجهات المتاجر والمعارض وتتخذ وسيلة لإغراء المشترين حيث تحدثهم بأرق حديث وألينه، أو تتجه إلى آلات المصانع ودخان المعامل وتهين نفسها بين العمال والموظفين هذا يغمزها وذاك يلمزها وذاك ينظر إليها بعين النهم؟! أو تنساق وراء مغريات الحضارة والحياة الغربية وتتبع شهواتها ورغباتها والمتعة المحرمة؟ كل هذا ولا شك سبب خطير لوقوعها في الرذيلة، إن لم تختصر الطريق وتجعل الرذيلة مهنتها ... وحينئذ فلا أسرة؟ وتشتت الأسر ضياع للمجتمع، وضياع المجتمع ضياع للأمة؟ إذاً فضياع المرأة ميزان لضياع الأمة يرتفع ضياعها بارتفاع ضياع المرأة وينخفض بانخفاضه ويسلم بسلامتها، ولذلك قال رسول الله ﷺ ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (١) , وفي رواية ((أضر على أمتي)) (٢).وقبل هذا قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٤] عدد سبحانه في هذه الآية متاع الحياة الدنيا وجعل في مقدمته النساء قال ابن حجر رحمه الله تعالى "وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك" (٣).أدرك ذلك المقياس العز لدين الله لما قيل له: إن نساء قصر الإخشيد قد أغرقن في الترف ورفعن نقاب الحياء والسرف واستهن بالفضيلة وتركن رسالتهن قال في زهو وانتصار "اليوم فتحت يا مصر" (٤). وأدرك هذا الشاعر العربي حين قال: الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعباً طيب الأعراق وأدرك هذا أيضاً الاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية وجندت جنودها لهذا الهدف، ولقد خدمها ولا زال يخدمها في تحقيقه كثير وكثير من الناس منهم من يعلم أنه جند من جنود الاستعمار ومنهم من يعلم أنه جند من جنود الصهيونية نفسها ومنهم إمعة يخدمهم من حيث لا يدري. ظهر أول كتاب في مصر يدعو إلى "تحريرها" من النظام الإسلامي سنة ١٨٩٤م عنوانه (المرأة في الشرق) لمؤلفه مرقص فهمي المحامي وبعده بسنوات خمس أصدر قاسم أمين كتابه الأول (تحرير المرأة) دعا فيه إلى: ١ - القضاء على الحجاب الإسلامي المعروف. ٢ - إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.

стр. 1799

٣ - تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.٤ - منع الزواج بأكثر من واحدة (١).ونحن ندرك صلة الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب فهي لا تخفى وسبق الحديث عنها وأقل ما قيل في هذه الصلة أن هذا الكتاب "وضعه – قاسم أمين – بإيعاز من الأميرة نازلي وبتشجيع من المغفور له الشيخ محمد عبده" (٢).وقد حقق الأستاذ محمد عمارة في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين .. وإن في هذا الكتاب عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول أخرى كتبها قاسم أمين ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهاية بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى أسلوب قاسم أمين" (٣). وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة في المجتمع المصري دونها الضجة التي أحدثها على عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أو طه حسين في (في الشعر الداهلي) أو محمد أحمد خلف الله في (الفن القصصي في القرآن الكري). ذلك أن هذه الكتب إنما يعنى بها رجال السياسة والأدب وعلوم القرآن وإن شئت فقل الطبقة المثقفة. أما (تحرير المرأة) فيمس كل الطبقات لارتباطه بحياة كل أسرة وتناوله المباشر لأحد أركانها ولهذا كان له من الأثر والصدى في المجتمع وردود الفعل ما لم يكن لتلك. قالوا عن الكتاب فيما قالوا "إننا نظن أن يكون ظهور هذا الكتاب مصدر تغير عظيم في أفكار الأمة ينشأ عنه فيما بعد تغير أعظم في أخلاقها ... " (٤). لذلك فلا عجب أن يقوم ضد هذا الاتجاه الفكري طائفة من الناس كبيرة إما لغرض ديني محض، وإما تقرباً للمجتمع المصري الرافض لهذا الاتجاه وهو الجانب الأكبر. وقف فيمن وقف ضد هذا الاتجاه الحزب الوطني (٥) الذي شجب هذا الاتجاه في أول اجتماع عقده بعد صدور الكتاب في ٥ شعبان ١٣١٧هـ ١٨ سبتمبر ١٨٩٩م وفتح صدر صحيفته اللواء لكل طاعن على قاسم أمين وأفكاره (٦).وحينما توفي قاسم سنة ١٩٠٨م وأقام له شيعته حفلة تأبين أشادوا فيها بدعوته إلى السفور قابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب (٧).وفي مقابلة هذا كان "حزب الأمة" من المناصرين لقاسم أمين وأفكاره على صفحات "الجريدة" وكان لطفي السيد باشا في مقدمة المروجين لها بمقالاته العديدة (٨).وكان لابد من تدخل الاستعمار الذي استغل فترة الحرب العالمية الأولى فاعتقل رجال الحزب الوطني وأوعز إلى أنصار الدعوة النسائية بإصدار مجلتهم (السفور) (٩) وحتى هذا الوقت كانت النساء الداعيات إلى السفور يخرجن في مظاهرات وهن متحجبات ومنهن هدى شعراوي وصفية زغلول حرم سعد زغلول أحد تلاميذ الأستاذ الإمام.

стр. 1800

وفي عام ١٩٢٢م تلقت هدى شعراوي دعوة من الاتحاد النسائي الدولي بروما وعند عودتها ورسو الباخرة في الميناء المصري ألقت حجابها في ماء البحر .. ثم كونت الاتحاد النسائي المصري عام ١٩٢٣م ووضعت حجر الأساس له في أبريل ١٩٢٤م. ودعا الاتحاد النسائي إلى تطبيق المبادئ التي نادى بها مرقص فهمي وقاسم أمين وفي مقدمتها تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسة المزعومة (١) وبعد عشرين عاماً من إنشائه أي سنة ١٩٤٤م استطاع الاتحاد النسائي أن يمهد لعقد المؤتمر النسائي العربي وجاءت قراراته بالدعوة إلى تطبيق ذلك؟!.هل تريدون أن أذكر شيئا من صلة الصهيونية العالمية بذلك؟ إذن فاعلموا أن حرم الرئيس الأمريكي روزفلت أبرقت إلى المؤتمر بتاريخ ١٧ ديسمبر ١٩٤٤م أشادت فيها بالاتحادات النسائية في البلاد العربية وقالت فيها إنها "واثقة" من أن النساء العربيات سيقمن بدورهن إلى جانب شقيقاتهن في بلدان العالم أملاً في نشر التفاهم والسلم العالمي في المستقبل "ولسنا في حاجة إلى أن نذكر الجهد الكبير الذي بذلته مسز روزفلت في تكوين الوطن القومي لليهود في فلسطين ... " (٢). وعقب هذا المؤتمر تكون "الحزب النسائي" سنة ١٩٤٥م وفي عام ١٩٤٩م تكون حزب بنت النيل وزعيمته درية شفيق وأصدر العديد من المجلات بالعربية والفرنسية للكبار والصغار. وأول سؤال يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن إيرادات هذا الحزب المالية وقدرته على إصدار هذه المجلات؟ والجواب كما نشرت الصحف بعد ذلك أنه من سفارتي بريطانيا وأمريكا؟!.وقد لقي هذا الحزب الترحيب من الاستعمار بكافة دوله، وزيرة الشؤون الاجتماعية في انجلترا تقوم بزيارته ورئيسة الاتحاد الدولي تبرق إلى رئيسة الحزب تدعوها للزيارة في أثينا. وجمعية سان جيمس النسائية بانجلترا تهنئ الهيئات النسائية المصرية على كفاحها وتعلن تأييدها لها، ورئيسة لجنة الحقوق الاقتصادية بالاتحاد الدولي تقوم بزيارة على مصر لغرض الاطمئنان على أحوال الجمعيات النسائية في مصر (٣).اهتمام عجيب ما عهدناه منهم فيما فيه صلاحنا وصلاح ديننا ولكنهم يدركون أنهم بذلك إنما يسعون لخدمة مصالحهم الصهيونية؟! نعم الصهيونية ذاتها! أتريدون شاهداً على ذلك! لقد دعا المؤتمر النسائي الدولي إلى اجتماع في استوكهلم عاصمة السويد ومن قراراته قرار يقضي بمطالبة وزير الداخلية في السويد بإنزال أشد العقوبات على مسيو أنيراير؟ أتدرون لماذا؟!؟ لمواصلته أعمال الدعاية ضد الصهيونية في السويد!! وقد كتب مسيو أنيراير على إثر ذلك إلى الجامعة العربية والحكومة المصرية يستنكر موقف مندوبات الهيئات النسائية المصرية الممثلة في المؤتمر لموافقتهن على هذا القرار (٤)!! وبهذا وغيره كثير تبدو لنا صلة الحركات النسائية بالاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية. ومعذرة إذا أطلت الحديث عن الاتحادات النسائية وصلتها بالاستعمار فما قصدت إلا بيان أثر تلكم الدعوة التي قام بها رجال المدرسة العقلية الحديثة بزعامة أستاذهم محمد عبده لما أسموه "تحرير المرأة" والصلة بين هذه الحركات النسائية ودعوة الأستاذ محمد عبده وتلميذه قاسم أمين صلة قوية واضحة. بقي .. وقفة .. وهمسة.

стр. 1801

وقفة مع محمود عوض الذي أبدى دهشته وأسفه لتحول منزل قاسم أمين "إلى كباريه .. كباريه اسمه .. اسمه الإريزونا! ". وهمسة نهمسها في أذن محمود عوض هذا:- ألا تستقي العبرة .. ألا تستوحي من هذا أن هذه "الدعوة" توصل إلى هذه "النتيجة". ز- في السيرة النبوية: وعلى النهج الذي سلكناه في بيان أثرهم في بعض النواحي الفكرية فلن يشمل الحديث هنا أثرهم في جميع جوانب تأريخ السيرة النبوية وإنما في جانب هو أسها وقاعدتها وأعني به المعجزات المحمدية. وممن تأثر بهم في هذه المسألة وسار على خطاهم محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) فهو حرصاً منه على تضييق نطاق الغيبيات التي لا تتفق مع عملية الغرب المادية، راح ينكر كل معجزة لنبينا محمد ﷺ ويستثنى من هذا – كما استثنوا – معجزة القرآن الكريم. حتى عنوان الكتاب (حياة محمد) يبدو التأثر فيه واضحاً فليس فيه ما يشير إلى رسالته أو نبوته بل "محمد" مجرد من كل شيء كأي "محمد" سواء، أليس هذا هو ما يبقى له بعد تجريده من المعجزات وأليس هذا هو مراد الغربيين من ذلك، وإن ثبت له شيء بعد هذا فإنما هي العبقرية لا النبوة، ولا أحسب هيكل أراد هذا بهذا العنوان وقصده وإنما هو التلقي والتأثر عن الغربيين من غير أن تترك له عين الرضا والإعجاب والدهشة التمحيص والتأمل وهو أمر أصاب غيره وكثير من قبله ومن بعده حتى ألفت الأسماع هذا وهو نشاز .. ويزداد خوفي عندما أقرأ له عند مناقشة إحدى القضايا عبارة "وندع الدين جانباً" (١) يزداد خوفي أن يكون أراد ترك الدين جانباً في عنوان كتابه (حياة محمد)؟! أنكر أو أوَّل المعجزات لنبينا ﷺ إلا معجزة القرآن الكريم، ونحن لا ننكر أن معجزته ﷺ الكبرى هي القرآن الكريم ولكننا ننكر حصر معجزاته ﷺ في ذلك وإنكار ما سوى المعجزة القرآنية كما بينا ذلك سابقاً. فنحن المسلمون نؤمن بما ثبت من معجزاته ﷺ غير القرآن الكريم، نؤمن بانشقاق القمر وبالإسراء والمعراج وقصة فرس سراقة وبصقة ﷺ في عين علي فبرئت وكلها ورد في البخاري ومسلم. وغير ذلك من معجزاته الثابتة نؤمن بها ونؤمن مع هذا بمعجزة القرآن الكريم وأنه المعجزة الكبرى.

стр. 1802

لكن الأستاذ هيكل يرفض هذا لأسباب: الأول: أن أكثر هذه المعجزات لا يصدقها العقل حيث يقول "وندع الدين جانباً (!!) ونقف عند سيرة صاحبه ﵇ فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة" (١).الثاني: أن العلم لا يقرها ومن الواجب مراعاة جانب الدقة العلمية في تمحيصها قال "أمر ومضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة للإسلام ولتاريخ النبي العربي، وتمهيداً لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية سبيلها إلى حضارتها الصحيحة" (٢).الثالث: أن القرآن لم ينص عليها قال "لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلا القرآن الكريم" (٣).ثم قال "أما وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله فأي داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات منهم سبق محمداً من الرسل فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادية لازم لكمال الرسالة فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" (٤)؟! وقال في موضع آخر "فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محل تمحيص فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه، فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة، ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله والشهادة برسالة محمد .. لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن" (٥).وقال "فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء كان يزيد وينقص دون مسوغ إلا اختلاف الأزمان التي وضعت هذه الكتب فيها فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها" (٦). ولنا وقفة مع هيكل هنا فقد كشف لنا ناحية أخرى من نواحي تأثره برجال المدرسة العقلية الحديثة ألا وهو التقليل من شأن السنة والاحتجاج بها. ما الذي يقصده بقوله "فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" هل يقصد أنه لا يصح شيء مما ورد في السنة واستقلت ببيانه ولم يرد في القرآن!؟ إن كان يقصد هذا فالأمر أخطر وأكثر ضلالاً وانحرافاً؟! وهل يقول هذا من فقه الإسلام؟! إذن ففي أي سورة من سور القرآن ذكر عدد ركعات الصلوات الخمس وأوقاتها وفي أي سورة بيان أنصبة الزكاة المفروضة وفي أي سورة بيان وقت الصوم وفي أي سورة بيان أركان الحج وواجباته؟ إن لم يكن هذا كله مما لا يصدق لأنه لم يرد في القرآن فأي شيء من الإسلام يبقى؟!

стр. 1803

إذن ففقه الإسلام وحقيقته تحتم الأخذ بالسنة مع القرآن الكريم، وبهما معاً يكون كمال الإسلام ومن نبذ أحدهما فقد نبذ الإسلام كله لأن الإسلام كل لا يتجزأ "والإسلام الكامل" الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله وأمر بنشره جاء بالمعجزات ورواها عنه أصحابه إلى أن وصلت إلينا كما وقعت، وإن أصاب رواياتها ما أصاب غيرها من الروايات من الزيادة أو النقص أو الوضع فإن هذا لا يبرر رفضها جميعا وإنكارها. فإن أهل الحديث قد محصوا الروايات ونقوها من الزيادات الموضوعة وبينوا الدخيل منها والأصيل. ولو أنه دعا إلى التمحيص والتدقيق القائم على القواعد والأسس الثابتة التي سار على نهجها سلفنا علماء الحديث لحمدنا له ذلك ولامتدحناه، أما أن يرفض المعجزات النبوية التي رويت في الصحاح وأقرها علماء الحديث المسلمون يرفض هذا كله لمجرد أن شابه بعض الوضع فهذا منهج مردود. أما الزعم بأنه مخالفة للعقل أو العلم فهذا لا يثبت ولا يصح وقد سبق بحثه في المعجزات. وليعلم أولئك الذين يسعون لتجريد نبينا محمد ﷺ من المعجزات تقرباً منهم "للعلمية الغربية" إنهم بهذا يجنون جناية لا تغتفر وأنهم بهذا يجردونه من صفة النبوة إلى صفة "العبقرية" التي يقر بها بعض "أحرار الإفرنج" ويطمعون منا أن نسلم لهم بهذا وهو ما يؤدي إليه تجريده ﷺ من المعجزات. وحتى ندرك عمق هذا الأثر لنقرأ النتيجة التي توصل إليها هيكل في كتابه حياة محمد بعد أن جرد حياته ﷺ من المعجزات "المادية" قال "فحياة محمد – كما رأيت – حياة إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه القدر أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق الإيمان والعمل الصالح" (١). وتأمل معي وصفه لحياته ﷺ بأنها بلغت "غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ" وأنها "أسوة حسنة" لمن "يحاول بلوغ الكمال الإنساني".

стр. 1804

إذن فحياته ﷺ ليست حياة نبوة، لأن حياة النبوة ليس في قدرة الإنسان بلوغها حتى يحاول ذلك وليست غاية ما يستطيع الإنسان أن يبلغ لأن غاية ذلك دونها بكثير، وإنما هذا شأن السمو الإنساني المجرد من النبوة وإن شئت فسمه العبقرية. والاعتراف بالعبقرية لنبينا ﷺ لا يكفي لصحة الإيمان برسالته إلا عند المنهزمين أمام العلمية الغربية الذين اعتبروا أن الاعتراف "بأن محمداً ﷺ كان عبقرياً من طراز خاص فاق به جميع العباقرة" أنه "كسب عظيم للقائلين بنبوته" (١).وتأثرهم بالعلمية الغربية والمستشرقين تجاوز حده إلى قبول أقوالهم وأخذها بعين الاعتبار وتقديمها في الحكم على الأحاديث ومن حيث السند أيضاً على أقوال أهل الحديث أنفسهم، فحديث شق الصدر الذي رواه البخاري ومسلم يقول فيه هيكل "لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند" (٢) ويقول "وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية وأنه لم يلجأ إلى إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق" (٣).وقد أنكر هيكل غير هذا من الخوارق والمعجزات المحمدية ففي قصة فرس سراقة مثلاً زعم أن ما أصاب فرسه من الكبو إنما هو "لشدة ما جهده" وعند قومة الجواد من كوبته الثانية "كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه وتَطَيَّر سراقة، وألقى في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته وأنه معرض لنفسه لخطر داهم إذا هم مرة رابعة لإنفاذ محاولته" (٤).والذي ورد في صحيح البخاري قول سراقة نفسه في وصف ما جرى له ولفرسه عند مطاردته لرسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة قال عن ذلك (ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان "أي غبار" ساطع في السماء مثل الدخان) (٥).

стр. 1805

وحتى ندرك عمق الصلة بين هيكل وأتباع المدرسة العقلية الحديثة في التفسير وتأثره بهم نذكر أن الشيخ مصطفى المراغي هو الذي كتب المقدمة لهذا المؤلف مشيداً بما جاء فيه ومعجباً به ومؤيداً له. ودافع عن المؤلف والكتاب السيد رشيد رضا في مجلته (المنار) وجاء في دفاعه "أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات وقد حررتها في كتاب (الوحي المحمدي .. ) بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد ﷺ بالذات .. وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل" (١).والمؤلف نفسه كثيراً ما يستشهد فيما يذهب إليه بأقوال محمد عبده نفسه ويشيد به (٢) وأكبر ظنه أن أولئك الذين كتبوا السيرة النبوية لو عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة (٣).ويقول عن الشيخ عبده ودعوته "وكانت دعوته موضع إعجابي وقد دعاني ذلك لقراءة كتابه (الإسلام والنصرانية) وكتاب أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في (الرد على الدهريين) وأذكر أنه قد كان لكثير من مقالاته في جريدة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها مع أستاذه جمال الدين أثناء نفيه نفسه في باريس أثر أبلغ الأثر في نفسي" (٤). والصلة بعد هذا قوية لا تنفصم بين هيكل ورجال المدرسة. وممن تأثر بهم أيضاً في هذا الناحية محمد أحمد خلف الله الذي زعم أن القرآن حارب فكرة المعجزات، وبين أنها لم تكن إلا للتخويف والإلزام وأن العقل البشري يجب أن يترك من غير تخويف ليتحمل المسؤولية على أساس من الحرية والمقدرة الحقة على التمييز والمفاضلة والاختيار" (٥) و "يحرص القرآن على المعجزات في إثبات نبوة محمد ﵇" (٦).وزعم أن القرآن حرر الإنسان من "الآيات الملجئة المتمثلة في المعجزات وخوارق العادات ورده إلى نفسه يفكر فيها وإلى الآفاق يتدبر أمورها" (٧).وهو أيضا يستند فيما يقول إلى محمد عبده "ويقول الأستاذ الإمام قولاً يؤكد دور القرآن في عملية تحرير العقل البشري من فكرة الخوارق والمعجزات "دخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان ... إلخ" (٨). المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٧٣٣

стр. 1806

المبحث الخامس: موقف المدرسة العقلية الحديثة من السنة النبوية لقد تأثر رجال هذه المدرسة بالمعتزلة وآرائهم في الحديث النبوي الشريف، رداً وتشكيكاً، وتأثروا كذلك بالشبه التي أثارها المستشرقون، ورددوها في مواقفهم وانحرافاتهم. فعلى طريق المعتزلة (١): مجدوهم ودافعوا عنهم، هم وتلامذتهم كأحمد أمين والنشار وأبي رية. وذموا أهل الحديث وطعنوا في نهجهم. يقول الشيخ محمد عبده: " .. اللهم إلا فئة زعمت أنها نفضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تجول بينها وبين النظر في آيات القرآن، ومتون الأحاديث، لتفهم أحكام الله منها، ولكن هذه الفئة أضيق عطناً، وأحرج صدراً من المقلدين وإن أنكرت كثيراً من البدع .. " (٢).وينقل محمود أبو رية عن شيخه قوله: "ورحم الله أستاذنا الإمام محمد عبده حيث قال: في رجل .. قد حفظ متن البخاري كله، لقد زادت نسخة في البلد" "حقاً والله ما قال الإمام - أي أن قيمة هذا الرجل – الذي أعجب الناس جميعاً به لأنه حفظ البخاري لا تزيد عن قيمة نسخة من كتاب البخاري، لا تتحرك ولا تعي" (٣). أهكذا بلغ الأمر بحفظة حديث النبي ﷺ ، وحملة سنته حتى يسخر بهم أفراخ المعتزلة وتلامذة الغرب، وما الذي قدموه للإسلام غير الطعن فيه والإساءة إليه؟! وأحاديث الآحاد (٤): ردها الإصلاحيون، كما ردها سلفهم من أهل الاعتزال، وطعنوا فيها، لأنها تفيد ظناً، ولا مجال للظن في أمور العقائد. قال الشيخ محمد عبده: "وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى، من أن الشيطان لم يلمسهما، وحديث إسلام شيطان النبي ﷺ ، وإزالة حظ الشيطان من قلبه، فهو من الأخبار الظنية، لأنه من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد، وهي لا يؤخذ فيها بالظن، لقوله تعالى: وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: ٢٨] كنا غير مكلفين بالإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا" (٥).والأحاديث صحيحة وردت في البخاري ومسلم، فحديث شق صدره ﷺ وإزالة حظ الشيطان أخرجه مسلم (٦) "كتاب الإيمان ١/ ١٤٧".وحديث مس الشيطان لعيسى ابن مريم وأمه رواه البخاري (٧) وحديث إسلام شيطان النبي أخرجه مسلم كذلك (٨).وأكد هذا المنهج السيد محمد رشيد رضا بقوله: "أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمناً .. لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد" (٩). وهناك كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، ردها الإصلاحيون بعقولهم وطعنوا فيها بحجة أنها أحادي آحاد، مفادها الظن، فلا تبنى على مثلها العقائد الثابتة منها: ١ - حديث نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان. ٢ - أحاديث الدجال والجساسة. ٣ - حديث سحر النبي ﷺ . ٤ - حديث المعراج. ٥ - حديث وقوع الذباب في الإناء. ٦ - حديث إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة.

стр. 1807

٧ - حديث موسى ﵇ وملك الموت.٨ - حديث إسلام شيطان النبي، وحديث عدم مس الشيطان لعيسى ابن مريم وأمه ﵉ (١).وهذا وإن شيخ المدرسة الإصلاحية "محمد عبده" كان قليل البضاعة من الحديث، وكان يرى في الاعتماد على المنطق والبرهان العقليين خير سلاح للدفاع عن الإسلام، ومن هذين العاملين، وقعت له آراء في السنة ورواتها، وفي العمل بالحديث والاعتداد به، ما صح أن يتخذه "تلاميذه" ومنهم أبو رية تكأة يتكئ عليها، ليخرج على المسلمين بمثل الآراء الشاذة التي خرج بها. "وخبر الآحاد عند الجمهور حجة يجب العمل بها، وإن أفادت الظن" (٢).وقد أثبت الشافعي ﵀ في الرسالة تحت عنوان: (الحجة في تثبيت خبر الواحد) ببيان قوي وأدلة ناهضة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين وفقهاء المسلمين، وجوب العمل بخبر الواحد والأخذ به" (٣). تأثر الإصلاحيين بالمستشرقين في إثارة الشبه حول السنة: لقد تحامل المستشرقون على السنة النبوية – الركن الثاني من قواعد هذا الدين – وأثاروا الشبه والشكوك، وأشاعوا أن فيها كثيراً من الوضع، وأن تدوينها قد تأخر، ولذلك فلا صحة لكثير من الأحاديث المتداولة، كما شككوا في كبار رواة الحديث من الصحابة كأبي هريرة ﵁، رغم أنه لم يلق علم من العلوم ما لقي علم الحديث من العناية والاهتمام، منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا. وقد تأثر الإصلاحيون بشبه المستشرقين، وآراء المعتزلة، وكانوا جسراً يسير فوقه العصرانيون الجدد في إثارة الشبه نفسها حول السنة النبوية، كما سيتضح لنا ذلك في الأبحاث القادمة. ١ - التشكيك في صحة الحديث النبوي الشريف: قال بعض تلامذة الاستشراق: "وخلاصة القول في هذا الموضوع أننا يجب علينا الاقتصار على كتاب الله تعالى مع استعمال العقل والتصرف، أو بعبارة أخرى "الكتاب والقياس"، أما السنة فما زاد منها على الكتاب، إن شئنا عملنا به، وإن شئنا تركناه" (٤).

стр. 1808

وقد تحدثنا عن منهج المدرسة الإصلاحية في التفسير وناقشنا هذه المسألة، وأن القول بعدم وجوب العمل بالأحاديث مخالفة الحق، مجانب لآيات القرآن والأحاديث الصحيحة. قال الدكتور مصطفى السباعي ﵀: "وقصارى القول أن إنكار حجية السنة والادعاء بأن الإسلام هو القرآن وحده لا يقول به مسلم يعرف دين الله وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو يصادم الواقع، فإن أحكام الشريعة إنما ثبت أكثرها بالسنة، وما في القرآن من أحكام إنما هي مجملة وقواعد كلية في الغالب، وإلا فأين نجد في القرآن أن الصلوات خمسة، وأين نجد ركعات الصلاة ومقادير الزكاة، وتفاصيل شعائر الحج وسائر أحكام المعاملات والعبادات؟! " (١).وقال ابن حزم ﵀: "ولو أن امرءاً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمة، وكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن اجتمعت الأمة على كفرهم" (٢).وعندما استدل بعضهم بحديث: (إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فخذوه، وما خالف فاتركوه) (٣). وهو حديث موضوع مختلق كما بين علماء الحديث، وضعه الزنادقة بغرض إهمال الأحاديث، وقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله، فوجدناه مخالفاً له، لأنا وجدنا في كتاب الله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: ٧].وقد أجمعت الأمة، على أن الحديث الصحيح لا يخالف القرآن أبداً لأنه بيان للقرآن، وهو وحي من عند الله فلا يمكن أن يخالف القرآن وإلا فسد الدين بالمعارضة (٤).قال الشافعي ﵀: "إن سنة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال، ولكنها مبينة، عامة وخاصة" (٥).ومن المعلوم أن معارضة السنة بالقرآن مذهب رديء تبناه أهل البدع والضلالة من المعتزلة ومن سار على منوالهم، وأما السلف ﵏، فكانوا منزهين عنه، وقد رد العلماء قديماً على من عارض السنة بالقرآن، وبينوا فساد منهجه وضلاله (٦). ٢ - وقد شككوا في بعض ما في الصحيحين: قال الشيخ محمد رشيد رضا: "ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى، لا يسهل على أحد إثباتها، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامات الوضع، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه ... فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه ... فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض تلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم، قد يكون بعضهاً صواباً، وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعناً في دين الإسلام" (٧).

стр. 1809

وإذا كانت دعوة السيد رشيد رضا مغلفة، فقد جاء من أنكر كثيراً مما في الصحيحين من أتباع هذه المدرسة، كأحمد أمين ومحمود أبي رية، مما سنبينه في فصول لاحقة. ولرد هذه الضلالة ننقل بعض أقوال العلماء .. قال الإمام النووي ﵀: "اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة" (١).وقال ابن تيمية ﵀: "فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن" (٢).وقال الدهلوي ﵀: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو متبع غير سبيل المؤمنين" (٣). ٣ - التشكيك في تدوين الحديث النبوي: زعم هؤلاء جرياً وراء ترهات المستشرقين أن الحديث لم يكتب في عهد الرسول ﷺ ، مما يدعو على التلاعب والفساد، ما قد حصل. ولذا طرأ على السنة من التبديل والزيادة، كما طرأ على أهل الكتاب، لعدم كتابتها في عهده، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظها لهم جيداً في صدورهم (٤).قال الشيخ محمد أبو زهو: "فهذه الدعوى من الشيخ – يقصد محمد رشيد رضا – عفا الله عنه، لا أساس لها، بل تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول ﷺ الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي إلى اليوم" (٥).وقال: "الحق أن الصحابة فهموا أن السنة دين عام دائم كالقرآن، وكان هذا أمراً بدهياً عندهم لا يحتاج إلى استدلال، بل هو ضرورة من ضرورات الدين وبدهي عند عامة المسلمين في جميع الأزمان حتى اليوم" (٦). ٤ - تقسيم السنة إلى عملية وغير عملية:

стр. 1810

لا يلتزم الإصلاحيون إلا بالسنة العملية دون القولية. قال الشيخ محمد رشيد رضا: "إن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه وخاصة أصحابه عملاً وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية" (١) وقال: "فالعمدة في الدين هو القرآن، وسنة الرسول المتواترة، وهي السنة العملية كصفة الصلاة، والمناسك مثلاً، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف، وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة فهي محل اجتهاد" (٢).وقال محمود أبو رية: "وسنة الرسول المتواترة – وهي السنة العملية – وما أجمع عليه مسلمو الصدر الأول، وكان معلوماً عندهم بالضرورة، كل ذلك قطعي لا يسع أحد رفضه أو جحده بتأويل ولا اجتهاد ... أما إطلاق السنة على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث" (٣)."ولو قصرت السنة على السنة المتواترة العملية لفرط في كثير من الأحاديث القولية التي نقلت عنه ﷺ في جوانب الدين في الأحكام والأخلاق والمواعظ" (٤).هذا وإن السنة تشمل أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته. "وهذا الذي عليه أهل العلم قديماً وحديثاً، كما تطلق على الأحاديث المتواترة والآحاد، والقول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه" (٥).٥ - القدح في عدالة الصحابة ﵃ (٦):قد شكك بعض الإصلاحيين وتلامذتهم بعدالة الصحابة، رواة الحديث. قال محمود أبو رية: "إنهم – أي العلماء – قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجباً تطبيقه على كل راو مهما كان قدره، وإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة، فلم يتجاوزوها، إذ اعتبروهم جميعاً عدولاً لا يجوز عليهم نقد، ولا يتجه إليهم تجريح ومن قولهم في ذلك "إن بساطهم قد طوي"، ومن العجب أنهم يقفون هذا الموقف، على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً" (٧).قال أبو حاتم بن حبان ﵀: "فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة؟ وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله ﷺ ، كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟ يقال له: إن الله نزه أقدار أصحاب رسوله عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم ... ومن شهد التنزيل وصحب الرسول، فالثلب لهم غير حلال، والقدح ضد الإيمان، والتنقص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرناً بعد رسول الله ﷺ ... " (٨).وممن ألصقوا بهم مجموعة من التهم الصحابي الجليل أبو هريرة ﵁، متابعين في ذلك من أكل الحقد قلوبهم من المستشرقين يهوداً أو نصارى، وذلك له افتراء وبطلان (٩). المصدر: العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص ٥٩

стр. 1811

المبحث السادس: موقف علماء المسلمين منهم أ- المعاصرين لهم: ونبدأ ذلك بأقوال الشيخ محمد الجنبيهي صاحب كتاب (بلايا بوزا) الذي وضعه رداً على طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) ويرمز الشيخ الجنبيهي بـ (بوزا) لطه حسين وهو اصطلاح فرنساوي وهي قطعة من الخشب وزنها خفيف .. على هيئة قبل الرجال ولقد ركبت تلك القطعة على مقعر من رصاص ثقيل .. فتراها كلما ألقيت فوق الأرض كانت قائمة وقد ضربها عقلاء الأقدمين مثلاً لكل ضال حائر مغرور ذي لسانة وسفه فقد مزايا الأدباء وشذ عن مناهج الفضلاء متلبساً بعناد وإصرار شيطاني من حيث لا يشعر بما يقول ولا بما يعمل فلا تتوجه به أمياله إلا إلى مخالفة الفضلاء ومعارضة الأدباء بما لا يعلم عاقبته ولا يستطيع أن يقيم على صحته دليلاً" (١).وحينما يتحدث الشيخ عن الأفغاني ومحمد عبده فإنه لا يتحدث حديث التخرص والظنون وإنما حديث من خالطهم وعاشرهم، فهو حديث خبير بهم حيث يقول "إني نشأت بعد بلوغ الرشد وطلب العلم في الأزهر الشريف مصاحباً لتلميذ جمال الدين الأفغاني ومحاذياً له قدماً بقدم بعدما أتى جمال الدين الديار المصرية وكثيراً ما جالست ذلك الرجل وتذاكرت معه مذكرات ذكرتها في بعض الكتب وما كان يدعوني إلى مجالسته إلا صاحبي الذي كان يظن أن يجذبني إلى الميل إلى ما مال إليه من فتنة ذلك الفاتن وكنت أطمع أن أكون سبباً في خلاصه من تلك الفتنة "ولكن الله غالب على أمره"" (٢).إذن فحديثه حديث المخالط المعاشر فلنذكر حديثاً له مع جمال الدين الأفغاني، كان محور الحديث بينهما ما يروى من الحديث القدسي ((كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني)) قال الجنبيهي "ولقد كان لي في هذا الحديث القدسي مع جمال الدين الأفغاني واقعة كانت سبباً لعدم اتصالي به مع شديد رغبته ورغبة تلميذه الذي أشرنا إليه من قبل، وتلك الواقعة هي أني سألته عن هذا الحديث لعلمي أنه ينكر الأحاديث القدسية لأنه طبيعي لا يعترف بوجود إله، وكنا في مجمع من الناس فقال ليس هذا وقت الكلام على هذا الحديث فأمهلني لوقت آخر "إلى أن قال أنه وجده في مجالس اللاهين في قهوة من القهاوي فقال له "هذا وقت الكلام على ذلك الحديث الشريف" فما كان جوابه إلا أن قال:- ذهب فيلسوف إلى المنتزه في يوم العيد فوجد الناس على حال مضحك: منهم من هو مخمور ومنهم من هو لاعب ومنهم من هو مرافق لامرأة من المومسات ومنهم من هو راقص ومنهم من هو متلبس بما لا يرتضيه أبناء البشر فنظر ذلك الفيلسوف إلى السماء قائلاً "الآن وقعت الحسرة في قلبك أهؤلاء كلهم عرفوك" فعند ذلك تغير حالي وعلمت أن الرجل ضال فقلت له أن هذا الفيلسوف لأحمق ومجنون قال: ولم ذلك قلت: لأن من جهل ربه في الدنيا يعرفه فيما بعد الموت ومن جهله في الرخاء يعرفه عند الشدة فما ذلك الفيلسوف إلا ضائع العقل والدين ثم تركت الرجل محزوناً لأن فتنته لم تؤثر في قلبي أثراً كان يريده وكان ذلك الموقف آخر عهدي به" (٣).

стр. 1812

ويتحدث الجنبيهي عن المقادير التي جمعت بين دول الاستعمار وأنهم "ألهموا أن المتمسكين بآداب الدين القويم لن يغلبوا ما داموا متمسكين به سواء كثروا أو قلوا لأن المتمسك بدينه مرتكن على قوي متين لا يغلب ولا يقاوم فلذلك أجمعوا رأيهم على أن يعتمدوا على العلماء السياسيين منهم في حل روابط ذلك التماسك فقرر أولئك السياسيون فيما بينهم أن روابط الدين القوية لا تنحل إلا بثلاثة أمور: استبدال العلم النافع الذي كان يسأل رسول الله ربه أن يزيده منه بالعلم الذي كان يستعيذ بربه منه، والأمر الثاني تولية المناصب لغير أهلها .. والأمر الثالث إيجاد أسباب قوية توقد نيران العداوة والبغضاء والتشاجر بين المسلمين حتى لا يتمسكوا بدينهم ولا يتفقوا على عمل مرض" إلى أن قال "وبمقتضى هذه الفكرة السياسية بعث جمال الدين الأفغاني إلى الديار المصرية لتنفيذ مفهوم تلك الفكرة" (١).ويتحدث عن علماء الأزهر آنذاك بأنهم "أيقنوا أنه – أي الأفغاني – من رجال الفتنة التي يتيحها الله لأشرار العلماء" (٢).ويتحدث عن محمد عبده ويسميه "ابن عبده الغرابلي" لأن أهله كما يقول الدكتور محمد محمد حسين من الفقراء الذين يمتهنون صناعات صغيرة منها صناعة الغرابيل (٣) قال الجنبيهي عن محمد عبده "ِأن الأسباب التي جعلت ابن عبده الغرابلي محبوباً لفحول السياسيين ولولاة الأمور من الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وصيرته محموداً عند محرري الجرائد الأوربية تتمدح باسمه وتعتني بعمل تذكار له هي بعينها الأسباب التي يتناول بها أستاذ الجامعة المصرية – يقصد طه حسين – مرتباً كبيراً بسبب شهادة الدكتوراه التي تناولها من أوربا لسبب عداوته للدين ورجاله حتى يكون إذا أعلوا شأنه فتنة لأبناء المسلمين" (٤).ويستدل الجنبيهي على سوء اتجاه محمد عبده الفكري بعلاقته باللورد كرومر فيقول "فهلا فكرت .. في الأسباب التي صعدت بمحمد ابن عبده الغرابلي .. وقد اتخذه جناب اللورد كرومر أستاذاً ومرشداً في الدين وفي السياسة ثم نعاه بعد موته .. فهل كان ابن عبده الغرابلي في عصره من أكابر المرشدين الدينيين وكان ذلك اللورد متعطشاً لأن يسلك سبيل المؤمنين .. فهل تفكر في الأسباب التي جعلته محبوباً لرؤساء الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وما ذلك إلا لأنه أجهد نفسه في حل روابط المدنية الإسلامية السماوية .. " (٥).وتحدث عن محمد عبده بعد عودته من المنفى في البلاد الشامية "فلما انقضت مدة النفي ورجع إلى الديار المصرية كانت ثقة اللورد كرومر به أكبر ثقة فسكن في منشية الصدر بعيداً عن عيون الرقباء وكانت الواسطة بينه وبين اللورد رجلاً انكليزياً يسمى "بلنت" كان يتزيا هو وزوجته بزي عرب البادية .. فلما قويت رابطة التواصل بين ذلك الإنكليزي وبين ابن عبده الغرابلي أعطاه قطعة أرض ..

стр. 1813

ليكون له جاراً وفي ذلك الحين اتخذه اللورد أستاذاً ومرشداً يسترشد برأيه في كل عمل يطلبه في تنفيذ الغرض الذي أجمع عليه السياسيون فكان الإصلاح الأزهري الذي ذهب بالدين وعلمه النافع أدراج الرياح من إشارات ذلك المفتون، وكذلك كان إصلاح المحاكم الشرعية وما أنشئت الجامعة المصرية إلا بإرشاده وكان من تعليماته لذلك اللورد أن لا يتولى المناصب العالية متمسك بدينه وكان بين ذلك التلميذ وبين المبشرين رابطة وداد قوية فكانوا يزورونه في غالب الأحيان للاسترشاد به في مهمات التضليل التي أجمعوا عليها .. وكان من مساعدة اللورد كرومر لشيخه ومرشده أن ولاه مناصب القضاء الأهلي حتى وصل به إلى وظيفة مستشار .. ثم عينه مفتياً بالديار المصرية ليكون له الحق في التداخل بشؤون الأزهر الذي أجمع السياسيون على خرابه فكان كل من أراد أن يلتحق بالمناصب العالية يتظاهر بازدراء الدين ورجاله ويكون كزب الأرض في ثباته على تمثيل هيئة العناد والإصرار بعدم الانقياد لأي واعظ كان من النصحاء ... وما زالت تماثيل زب الأرض تتفاقم رزاياها وتنتشر مصائبها من سفهاء الزيغ الذي افتتنوا بذلك الطالب المارق من الدين ظانين أن انتشار صيته في الممالك كان لمهارته في العلم وتمسكه في العلم وتمسكه بالحق وليس الأمر كذلك وإنما هي فتنة اتخذها اللورد كرومر طريقاً مسلوكاً لتنفيذ أغراض السياسيين في البطش بالدين الإسلامي والخلافة وضياع العلم الديني وكان أمر الله قدراً مقدوراً" (١).ونذكر بعد هذا رأي الشيخ يوسف النبهاني وهو مع رأي الجنبيهي كما يقول الدكتور محمد محمد حسين "يصوران الجانب الآخر لصدى دعوة الأفغاني ومحمد عبده عند المعاصرين وهو الجانب الذي اختفى الآن أو كان يختفي تحت تأثير الضغوط والحماية التي تساند هذه المدرسة وتحارب خصومها" (٢). والشيخ النبهاني – أيضاً – إنما يتحدث ويقول بعد معاشرة ومخالطة للأفغاني إذن فقوله قول من أدرك الأمور على حقيقتها لا قول متخرص ظان. يصفهم بادعاء الاجتهاد المطلق وهم "الجاهلون" قال نظماً: وكم من قرون قد توالت ولم يجل ... بدعوى اجتهاد مطلق عالم فكراً ادعاه الجاهلون بعصرنا ... قما أقبح الدعوى وما أفظع الأمرا (٣) ويرى أن قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ [البقرة: ١١] يرى أنهم هم المرادون بها ويستدل بما نقله السيوطي في الدر المنثور عن سلمان الفارسي ﵁ أنه سئل عن هؤلاء القوم فقال لم يأتوا بعد وذكر ذلك البيضاوي ثم قال النبهاني "قلت لا شك أن المنافقين المذكورين في هذه الآيات السابقة واللاحقة، والخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي ﵁ وغيره من أئمة الإسلام متصفون بهذه الأوصاف الذميمة إلا أنهم لم يدعوا أنهم مصلحون لدين الإسلام ويلقبوا أنفسهم بهذا اللقب مثل هذه الفرقة الضالة فرقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده المصري في مطابقة الآية لهذه الفرقة أكثر من مطابقتها للمنافقين والخوارج وإن شملتهم جميعاً أحكامها" (٤). وقال نظماً: فما بالهم لا يصلحون نفوسهم ... أما هي بالإصلاح من غيرها أحرى (٥) وقال: وكل امرئ لا يستحي في جداله ... من الكذب والتلفيق مهما أتى نكراً

стр. 1814

فمن قال صلوا قال قائلهم له ... يجوز لنا في البيت نجمعها قصراً (١) وقال: وأعداؤهم من بيننا كل عالم ... ولا سيما إن كان في فقهه بحراً وقال: فإياك أن تغتر منهم بفاجر ... وإن أنت قد شاهدت من فعله الخيرا فذلك شيء جاء ضد طباعهم ... وقد فعلوا أضعاف أضعافه شرا وكم أيد الإسلام ربي بفاجر ... فنهدي له لا الفاجر الحمد والشكر أشد من الكفار فينا نكاية ... وأعظم منهم في ديانتنا ضرا من الكفر ذو الإسلام يأخذ حذره ... ومن هؤلاء القوم لا يأخذ الحذرا (٢) وقال عن جرائدهم ومجلاتهم: بها خلطوا بالحق باطل غيهم ... بها مزجوا الإسلام بالملل الأخرى (٣) وقال عن الأفغاني: تسمى جمال الدين مع قبح فعله ... كما وضعوا لفظ المفازة للصحرا (٤) وقال عن محمد عبده: فمن جهة يدعي الإمام ويقتدي ... بأعمال أهل الكفر من جهة أخرى يذم خيار المسلمين وعندما ... يرى حاجة للكفر يستحسن الكفرا لكي ما يقال الشيخ حر ضميره ... فيبلغ عند القوم مرتبة كبرى وما زال مشهوداً على الدين شره ... وإن زعم العميان أن به خيرا ويصف عبده – بعد عودته إلى مصر من منفاه: وعاد إلى مصر فأحدث مذهباً ... ولوث من أقذاره ذلك القطرا وأيد أعداء البلاد بسعيه ... وأوهم أهل الجهل أن بهم خيرا يحسن بين الناس قبح فعالهم ... ومهما أساءوا راح يلتمس العذرا بمقدار ما خان البلاد وما أتى ... لأعدائها نصحاً علا عندهم قدرا وقال: ونال بجاه القوم في الناس رتبة ... بها حاز فيمن شاءه النفع والضرا وقال: فمن رهبة أو رغبة كم سعى له ... طغام من الجهال أكسبهم خسرا وقال عن منهجهم في التفسير:- وقد ضل في القرآن مع عظم نوره ... كما خبطت عشواء في الليلة القمرا فتفسيره من رأيه ليس خالياً ... فإما يرى فسقاً وإما يرى كفراً أحذر كل الناس من كتب دينه ... وبالرد والأعراض تفسيره أحرى وقال عنه: يعاشر نسوان النصارى ولا يرى ... بذلك من بأس وإن كشف السترا ويأكل معهم كل ما يأكلونه ... ويشربها حمراء إن شاء أو صفرا ويفتي بحل المسكرات جميعها ... وإذا هي بالأسماء خالفت الخمرا ويأكل مخنوقاً ويفتي بحله ... لئلا يقولوا أنه ارتكب الوزرا وتحليله لبس البرانيط والربا ... به بعض أهل العلم قد ألحق الكفرا وكم زار باريز ولندره ولم ... يزر مكة يوماً ولا طيبة الغرا وإن كان يوماً للرياء مصلياً ... يرى فاعلاً يوما وتاركها شهرا وقال: وقد كنت في لبنان يوماً صحبته ... لقرب غروب الشمس من ضحوة كبرى وصليت فرض الظهر والعصر بعده ... لديه وما صلى هو الظهرا والعصرا وكان صحيح الجسم لا عذر عنده ... بلى إن ضعف الدين كان له عذرا وقال: وقبل غروب الشمس صاحبت شيخه ... لقرب العشا أيام جاورت في مصرا ولم أره أدى فريضة مغرب ... فقاطعت شيخ السوء من أجلها الدهرا وقال: ولولا حديث المصطفى لأسامة ... يقول به هلا شققت له الصدرا لما صحت الدعوى بإسلام بعضهم ... لدى وما استبعدت عن بعضهم كفرا وكنت كتبت الكاف والفاء بعدها ... على جبهات القوم كي يعرفوا والرا كما جاء في الدجال يكتب لفظها ... فيقرأ من يقرأ ومن لم يكن يقرأ فقد أشبهوه في معان كثيرة ... من الدجل والإلحاد والبدع الأخرى وما الفرق إلا أنهم في قلوبهم ... عماهم ودجال الورى عينه عورا مقدمة للجيش عنه تقدموا ... وجند له من قبله مهدوا الأمرا تقدم فيهم نائباً عنه عبده ... فأغوى الذي أغوى وأغرى الذي أغرى (٥) وقال عن رشيد رضا ومجلته المنار:

стр. 1815

وكم ضل رأياً من سقامة فهمه ... بأمر صحيح من شريعتنا الغرا ولو سأل الأشياخ أدرك سره ... ولكنه مع جهله قد حوى كبرا (١) وقال عن الثلاثة: ثلاث أثاف تحتها نار فتنة ... ومن وفقها الإلحاد صار لها قدرا وقد دخلوا حزب المسون بهمة ... بها حل كل من محافله الصدرا ومذهبهم حكم الديانات واحد ... تساوى به الإسلام والملل الأخرى (٢) وهذا رجل آخر يكشف حالهم ويعلنها للناس وهو الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقاً يقول "أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده فخلاصته أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني كما أنه على ما يقال وسيأتي إيضاحه في هذا الكتاب هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر" (٣).وقال عن محمد عبده "فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد بالنهوض والتجديد" (٤).وقال عنه أيضاً "وكان من مضار الشيخ بالإسلام وعلمائه الناشئين بعده أن حملة الأقلام بمصر المنحرفين عن الثقافة الإسلامية كما أكبروا الشيخ وآراءه الشاذة التي انتقدتها في هذا الكتاب وأوجدوا من السمعة العلمية السامية ما لا يزال طنينه في أذن الشرق الإسلامي. ولاشك في تأييده القوة الماسونية له كان ذلك حثاً للذين يحبون الشهرة والظهور من شباب العلماء وكهولهم على نيل ما أرادوه بواسطة الشذوذ في الرأي والتزلف إلى الكتاب المتفرنجين بل الانتماء إلى الماسونية" (٥).ولا نريد أن نذكر بعد هذا موقف الشيخ عليش رحمه الله تعالى الذي كان يلاحقهم في صحن الأزهر بعصاه أو موقف أبي الهدى الصيادي الذي وصف جمال الدين بأنه "مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية" (٦) أو اعترافات أتباعه أنفسهم بأن الأفغاني "برز في علم الأديان حتى أفضى به ذلك إلى الإلحاد والقول بقدمية العالم زاعماً أن الجراثيم الحيوية المنتشرة في الفضاء هي المكونة بترقٍّ وتحرير طبيعيين ما نراه من الأجرام التي تشغل الفلك ويتجاذبها الجو وأن القول بوجود محرك أولي حكيم وهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات" (٧) أو وصف السلطان عبدالحميد لجمال الدين الأفغاني بأنه رجل الإنجليز، وأنه مهرج (٨). ب- من بعدهم:

стр. 1816

ومن هؤلاء أيضاً الشيخ محمد حسين الذهبي حيث قال عن المدرسة العقلية الحديثة "أنها أعطت لعقلها حرية واسعة فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب، استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل ممكن. كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها وعقائدها وحملت بعض ألفاظ القرآن من المعاني ما لم يكن معهوداً عند العرب في زمن نزول القرآن، وطعنت في بعض الحديث تارة بالضعف وتارة بالوضع، مع أنها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة في كل ما هو من قبيل العقائد أو من قبيل السمعيات مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثرة لا يستهان بها" (١).وقال "وإذا كان الأستاذ الإمام قد أعطى لعقله الحرية الكاملة في تفسيره للقرآن الكريم فإنا نجده يغرق في هذه الحرية ويتوسع فيها إلى درجة وصلت به إلى ما يشبه التطرف في أفكاره والغلو في آرائه" (٢).وقال في موضع آخر ما خلاصته "الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري، كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة" (٣).وقال عن موقفه من حديث ((كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها)) (٤). وقد رواه الشيخان قال الذهبي عن موقف محمد عبده "فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له ثم يتخلص من إرادة الحقيقة على فرض الصحة بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط" (٥).وقال أيضاً "وهذا المسلك الذي جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه ومسلك الزمخشري وغيره من المعتزلة الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلاً للفرار من الحقائق التي يصرح بها القرآن ولا تعجز عنها قدرة الله وإن بعدت عن منال البشر" (٦).وقال "ثم إن صاحب (المنار) لا يرى السحر إلا ضرباً من التمويه والخداع وليس له حقيقة كما يقول أهل السنة وهو يوافق بهذا القول قول شيخه وقول المعتزلة من قبله" (٧).ولم يكن الشيخ الذهبي بالوحيد الذي ربط بين اتجاههم واتجاه المعتزلة بل حتى أنور الجندي الذي أشاد بهذه المدرسة وخدع بها قال "وإذا كان جمال الدين الأفغاني هو أول من فتح باب المنطق والفلسفة في الفكر العربي الحديث بحسبانه طريقاً إلى الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات الحديثة على نفس المنهج الذي اتخذه المعتزلة فإن محمد عبده هو الذي عمق هذا الاتجاه حتى أطلق عليهما اسم "معتزلة العصر الحديث" (٨).

стр. 1817

أما الدكتور علي محمد جريشة ومحمد شريف الزيبق فقالا عن المدرسة العقلية "ونحن – على عكس كثير من غيرنا – نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس ولا نقبل أن نسميهم عملاء وإن بدا منهم لون من الاتصال أو التعاون مع العدو المستعمر" "لكننا وإن نفينا عنهم "العمالة" فلا نستطيع أن ننفي عنهم "السذاجة" إن ظنوا أنهم يستطيعون أن يضحكوا على الاستعمار ويمكروا به فإذا به أشد مكراً ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه ليسخروه لصالح الإسلام وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب والتغيير الاجتماعي" (١).وقال "وبهذه النية التي نحسن الظن بها ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان فيها المسلمون والنصارى واليهود ... ولعله لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلا على حساب الإسلام .. لأنه الوحيد الدين الصحيح وغيره محرف .. ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله ﷺ ذلك التقارب حين قالوا نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوماً فأنزلها رب السماء والأرض قاطعة حاسمة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: ١ - ٣] السورة" (٢). وقالا:- "وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:- أولاً: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم فالإسلام ليس مجرد ثقافة فقط لكنه منهاج تربية ومنهاج حياة، وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح. ثانياً: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ "الكافرين" الذين غصبوا الديار وما بعد الديار! ... ولا ندري هل كان الإمام يحفظ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء .... الآية [الممتحنة: ١] وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى أم أن له فيه تأويلات كتأويله في الملائكة أو في سجودهم أو في معصية آدم أو في خلق عيسى ﵇ أو في الجن أو في السحر أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله "الكبير" ليقول "بالرأي في تاب الله؟!! " لقد مضى الرجل إلى ربه فنترك له حساب سره وعلانيته لكننا إزاء الظاهر. وعمره الذي أفنى في محاولة إصلاح التعليم بلوغاً إلى مقاومة الاستعمار أو على النهوض بالإسلام لا نملك إلا أن نتلو قول الله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] ونترك من قبل ذلك ومن بعد ذلك حسابه على الله لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار .. ويتذكر أولوا الألباب فلا تتكرر الصورة مرة أخرى" (٣).أما الأستاذ غازي التوبة فعد من أخطاء محمد عبده دعوته للتقريب بين الأديان فقال "قد أخطأ محمد عبده في دعوته إلى التأليف والتقريب بين الأديان حتى صار مطية لهيئات ودول حاقدة على الإسلام والمسلمين، وما ذلك إلا لأنه لم يلتزم حد الإسلام بل أتبع هواه فكان أمره فرطاً" (٤). واستعرض الأستاذ غازي جملة الأخطاء والانحرافات بعد أن قسمها إلى قسمين: أ) نتائج سياسة: وعد منها: ١ - التعاون مع رياض باشا عمل الإنجليز. ٢ - التعاون مع المحتل الإنجليزي.

стр. 1818

٣ - الاصطدام مع عباس الثاني فقد كانت في مصر آنذاك سلطتان سلطة الاحتلال وسلطة الخديوية إحداهما مغتصبة والأخرى شرعية تمثلت الأولى في الثعلب العجوز اللورد كرومر والثانية في الخديوي عباس الثاني. ٤ - تبرير وجود المحتل. ٥ - تكوين مدرسة سياسية باسم محمد عبده حيث وجد الاحتلال في محمد عبده وتلاميذه مدرسة سياسية تحقق أغراضه وتنقذ مآربه فرعاها ونماها. ب) النتائج الفكرية: كان الاستعمار يشعر بتحول المجتمع المسلم نحو الحضارة الغربية وأخذه منها في كل مجال وتقليده لها في كل أمر ولكنه كان يؤمن – في الوقت نفسه بأن الهوة ستبقى قائمة بين الغرب والمسلمين من جهة ولا يؤمن الانتكاس من جهة ثانية طالما أن الإسلام باق على طبيعته وحقيقته لذلك فقد صب جهوداً كبيرة كي يحور ويحول الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية من ناحية وتناولها دون التحرج من ناحية أخرى، وقد وجد الاستعمار في محمد عبده ضالته التي تحقق له هدفه ذاك في التحويل والتحوير أو قل التي تبدأ له بالخطوة الأولى في ذاك التحويل والتحوير" (١).والدكتور محمد محمد حسين غير مكثر في ميدان الكتابة لكنه رصين الاداء مقتدر في استيفاء جوانب موضوعه ينظر إلى الأمور في عمق كما قال الأستاذ أنور الجندي (٢) وقد كان لدراسته العميقة في دعوة الأفغاني وتلاميذه نتيجة خطيرة توصل إليها حيث يقول "الذي يبدو لي هو أن دعوة الأفغاني التي ربي محمد عبده في أحضانها كان لها – ككل الدعوات السرية – ظاهر وباطن فظاهرها يخاطب الجماهير. وهو يصور ما يريد صاحب الدعوة أن يعرفه جمهور المسلمين مما يعجبهم ويقع من قلوبهم موقع الارتياح والقبول، وباطنها يمثل حقيقتها التي يخفيها أصحابها عن الناس، ولا يكشفون الستر عنها قبل أن تحقق أهدافها بالوصول إلى مركز السلطة ومحمد عبده كان تابعاً لسيده الأفغاني أو خادماً له كما تعود هو نفسه أن يكتب إليه في بعض رسائله والأفغاني كان يريد أن يعيد الدور نفسه الذي لعبه الإسماعيلية من أصحاب الدعوات الباطنية التي تتستر وراء التشيع" (٣).وقال عنهما أي الأفغاني ومحمد عبده "وكانا – ككل الثوار من أصحاب الدعوات السرية – يعلنان ما يحبه الناس ويستهويهم غير ما يبطنان مما ينكره الناس وما يبلغهم مطامعهم" (٤).هذا الرأي ليس رأي رجل خراص وإنما رأي رجل وقف جزءاً كبيراً من نشاطه لدراسة حقيقتهم وجلاء أهدافهم حتى إذا ما وصل إلى درجة كبيرة من ذلك كشف للمسلمين ما توصل إليه مستنداً إلى حقائق ثابتة من أقوالهم أو أفعالهم التي لا تنكر وقد عرفت عنهم واشتهروا بها، وهو حينما يكشف هذا لا يكشفه لحقد أو حسد وإنما يكشفه لغرض إسلامي نبيل هو أن لا تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إماماً من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله ﷺ بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون" (٥). إذن فنقده نقد عارف مطلع، هدفه الإصلاح، وهذا ما نبحث عنه.

стр. 1819

ونختم الحديث هنا برأي صنيعة من صنائعهم وأثر من آثارهم هو الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي لكنه مع هذا أبى إلا أن يقول الحق في منهجهم. أما أنه متأثر بهم معجب فشاهده أنه قال في إهداء كتابه (النظرات) "إن كان لي في هذا السفر فضيلة يعجب بها الفاضل أو رأي يرضى عنه العاقل، أو ديباجة يثني عليها الأديب فلا يد فيها لأحد من الناس غير هؤلاء الرجال الثلاثة ولي نفسي والدي السيد محمد لطفي وولي عقلي أستاذي الشيخ محمد عبده، وولي أمري سيدي سعد باشا زغلول أولئك الذين أهدي إليهم كتابي لأنه حسنة من حسناتهم وصنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وأولئك الذين أحسنوا إلي في هذه الحياة إحساناً لا أزال أذكر أياديهم البيضاء فيه حتى يعتاق نفسي حمامهم وعظامي رجامها" إلخ. ولكن هذا الولاء لوالده ولا دخل لنا فيه، ولمحمد عبده ولسعد زغلول وهو مرادنا لم يمنعه من قول الحق في نقد منهج محمد عبده حيث عرض لذكره في مقالة عنوانها (يوم الحساب) تخيل فيها أنه قد انتقل من العالم الأول إلى العالم الثاني ورأى كأنه بعث بعد الموت وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد واحد يحاسبون على أعمالهم فألهم أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب ثم تخيل حواراً جرى هناك بين محمد عبده وقاسم أمين عاتب فيه الأول الثاني على دعوته إلى السفور فإذا بقاسم أمين يجيب "أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك: إنك وقعت في مثل ما وقعت فيه من الخطأ .. وإنك نصحتني بما لم تنصح به نفسك، أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة والمقاصد العالية الشريفة فأرادوا غير ما أردت وفهموا غير ما فهمت فأصبحوا ملحدين، بعد أن كانوا مخرفين، وأنت تعلم أن ديناً خرافياً خير من لا دين. أولت لهم بعض آيات الكتاب فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة! وقلت لهم عن الولي إله باطل والله إله حق فأنكروا الألوهية حقها وباطلها، فتهلل وجه الشيخ وقال له ما زلت يا قاسم في أخراك مثلك في دنياك لا تضطرب في حجة ولا تنام عن ثأر" (١). حسبك بهذا الاتهام من صنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وخلاصة ما نقلنا من نقد لهم هنا أنهم:- ١ - غير ملتزمين للشعائر الإسلامية من صلاة أو حج .. إلخ. ٢ - إن تعاونهم مع الاحتلال ودول الاستعمار إما لأنهم عملاء كما يقول بعض النقاد أو سذاجة منهم كما يقول آخرون. ٣ - إن لهم دعوة باطنية يظهرون منها ما يخالف حقيقتها وباطنها. ٤ - إنهم جاروا مذهب الاعتزال في كثير من مذاهبهم حتى أطلق عليهم أنهم معتزلة العصر الحديث. ٥ - إنهم الوسيلة التي اتخذها الاستعمار والمستعمرون لتحويل وتحوير الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية. ٦ - إن منهجهم في التفسير ضال ومنحرف. كل هذا وغيره كثير كشفه الناقدون لهم لكن هذا كله، ولكنهم كلهم لم يكن لهم من الأثر ما يذكر، في التقليل من رواج حسن سيرتهم بين الناس وانخداع العلماء بهم قبل العوام حتى وصلوا إلى درجة لا يجرؤ عالم من العلماء على نقدهم علانية أمام ملأ من الناس في مجتمعهم. لم يكن السبب في هذا سراً لا يعلمه أحد بل علمه وخبره الكثيرون وأعلنوه للناس أيضاً، قالوا أن السبب أن الاستعمار يقف خلفهم ويؤيدهم ويساند دعوتهم ويحميهم أينما ساروا، ويحمي أفكارهم ومبادئهم في اللحظة التي يحتاجون فيها إلى الحماية ويسعى إلى ترويج آرائهم بين المسلمين وإيصال صوتهم ودعوتهم إلى الناس. وجند الاستعمار جنوده من المستشرقين للثناء عليهم ومدحهم حتى يروج ذلك بين الكتاب المسلمين فينقلوه عنهم نقل الإعجاب والتأييد "والافتخار" برجلين أو رجال من المشرق نالوا رتبة عالية عند رجال الغرب في المباحث الدينية، وهي رتبة تهفو إلى بلوغها أنظار طلاب الشهرة ولو على حساب الدين فأخذوا ينقلون ويروجون أفكارهم ومبادئهم لا نقل الفاحص الناقد وإنما نقل المؤيد المسلم لهم ما يقولون. وبهذا راجت بين الناس أفكارهم وطغت على أذهانهم مبادؤهم فلا يسمعون صيحة "مخنوق" ضدهم ولا همس هامس في نقدهم، ولا صرخة محذر بين صيحات المخدوعين وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]. حتى ألجأوا بعض من يريد قول الحقيقة إلى قولها مشوبة بالثناء عليهم ومدحهم وتمجيدهم تقرباً إلى المخدوعين بهم. ذلك أثر من آثار الاستعمار، ونتيجة لدراسة نقدية مزعومة من المستشرقين لا ندعي ذلك ادعاء ونثبت هنا ما يقيم أساسه المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٧٨١

стр. 1820

المبحث السابع: موقف الاستعمار البريطاني منهم واعترافه بما قدموه له من خدمات سبق أن ذكرنا ما يثبت حماية الاستعمار لهم ودفاعه المستميت عن دعوتهم، ونعيد هنا للمناسبة بعضه ونزيد عليه. ونبدأ أول ما نبدأ برجل أعلن عداءه للإسلام حيث قال جئت "إلى مصر" لأمحو ثلاث القرآن والكعبة والأزهر" (١). ترى من الذي عاون هذا الرجل لتحقيق هدفه؟! إنهم ولا شك رجال المدرسة العقلية من حيث يدرون "فيكونوا عملاء" أو من حيث لا يدرون "فيكونوا سذاج".قال كرومر في تقريره السنوي لعام ١٩٠٥م عن محمد عبده "كان لمعرفته العميقة بالشريعة الإسلامية ولآرائه المتحررة المستنيرة أثرها في جعل مشورته والتعاون معه عظيم الجدوى" (٢).وقال أيضاً "لا ريب عندي في أن السبيل القويم الذي أرشد إليه المرحوم الشيخ محمد عبده هو السبيل الذي يؤمل رجال الإصلاح من المسلمين الخير منه لنبي ملتهم إذا ساروا فيه فأتباع الشيخ حقيقون بكل ميل وعطف وتنشيط من الأوروبيين" (٣).وقال أيضاً "إن أهميته السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو تلاميذ مدرسته خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوربي" (٤). وقد امتثل هو ما دعا إليه فمال إليهم وعطف عليهم وقدم لهم كل عون وتشجيع فكانوا له "حلفاء طبيعيون" فوجبت عليه حمايتهم. صرح اللورد كرومر بنفسه "إن الشيخ محمد عبده يظل مفتياً في مصر ما ظلت بريطانية العظمى محتلة لها" (٥).وقال السيد رشيد "وقد تحقق أن اللورد كرومر قال للخديوي إن كان تحريك بعض المشايخ ضد المفتي لأجل فصله من الإفتاء فاسمح لي بأن أقول أنه ما دام لبريطانيا العظمى نفوذ في مصر فإن الشيخ محمد عبده يكون هو المفتي حتى يموت" (٦).هذه بعض حمايته في الداخل أما إذا ذهب إلى الخارج كالآستانة مثلاً فإنه يكتب إلى تلميذه السيد رشيد "إن السلطان لا يستطيع حبسي لو أراده وهو يعلم عجزه عن ذلك حق العلم ولذلك أسباب لا أحب ذكرها الآن" (٧) ولكن السيد رشيد يذكر السبب في هذا "وهم لا يجهلون أن السفارة البريطانية كانت بالمرصاد وأنها لا تسكت للحكومة الحميدية على ذلك لو أقدمت عليه والسلطان ورجاله لا يجهلون هذا أيضاً" (٨).بل إن الاحتلال الإنجليزي كان عاملاً أساسياً من عوامل عودة محمد عبده من المنفى في الشام إلى مصر وقد صرح اللورد كرومر بهذا في كتابه (مصر الحديثة) حيث قال "عن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني" (٩). هذه إشارة تكفي اللبيب في بيان مدى تعاون إمام المدرسة العقلية الحديثة وأستاذها مع الاحتلال ومدى حمايتهم له وهو أمر له معناه. ترحيب المستشرقين بالمدرسة ونتائجها:

стр. 1821

كان لأفكار المدرسة العقلية صدى كبيراً في دراسات المستشرقين، والحقيقة أنا لا ندري من أين نبدأ وإلى أين ننتهي بين عبارات الثناء والترحيب بهم من المستشرقين ولعلنا نكتفي أيضاً بالإشارة. فهذا جب يقول عنهم "لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكره بالهند ومدرسة محمد عبده بمر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها" (١) ثم وضح هذا المستشرق الإنجليزي جب دور المدرسة العقلية بقوله "إن في كل البلاد الإسلامية – باستثناء شبه جزيرة العرب وأفغانستان وبعض أجزاء من أواسط أفريقيا – حركات معينة تختلف قوة واتساعاً ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها" ثم قال "وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف" ثم ذكر "أن الأديب "بانيرث" المبشر يرى أن حركة الإصلاح الإسلامي – على النحو الذي تسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع" (٢).ولعله يكفي هنا أن ننقل عن جب رأيه في تلاميذ محمد عبده حيث يقول "إن تلامذته هم من أولئك الذين تعلموا على الطريقة الأوروبية وذلك من ناحيتين أولاهما إن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين فإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل ثم إنه قد أقام جسراً من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي والتعليم العقلي المستورد من أوربا الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت، فقد ساهم الشيخ محمد عبده أكثر من أي شخص آخر في خلق اتجاه أدبي جديد في إطار الروح الإسلامية" (٣).أما الجاسوس البريطاني ألفريد سكاون بلنت فيصف دعوتهم بأنها "الإصلاح الديني الحر" ويصفهم بأنهم "زعماء الإصلاح في الأزهر" ويصف مدرستهم بأنها "تلك المدرسة الواسعة التقية" (٤).وقال عن الأفغاني "ومن أغرب ما يروى أن الفضل في نشر هذا الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة لا يعود إلى عربي أو مصري أو عثماني ولكن إلى رجل عبقري غريب يدعى السيد جمال الدين الأفغاني" (٥).وقال عن محمد عبده أنه "رجل من أحسن وأحكم الرجال العظام ويجب أن لا يتوهم أحد أني إذ أستخدم هذه الألفاظ ألقي القول على عواهنه أو أبالغ مثقال ذرة ولكني أقولها معتمداً على معرفتي بأخلاقه في ظروف مختلفة وأحوال صعبة فقد عرفته في أول الأمر معلماً دينياً ثم قائداً لحركة الإصلاح الاجتماعي ... وأخيراً حين سودته مواهبه العقلية ونصرته من جديد" (٦).وتحدث عن هدف الأفغاني فقال "كان همه أن يطلق العقول من الأغلال التي قيدتها طوال الأجيال الماضية" وأن هذا "يماثل ما حدث من إحياء المسيحية بأوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر" (٧).وهذا جولد زيهر يبين قصد مدرسة المنار بأنه "تحقيق قدرة الإسلام على الحياة بين تيارات العصر الحديث عن طريق إصلاح الأحوال المغلولة بقيود المذاهب الجامدة" واعتبر السيد جمال الدين الأفغاني المحرك الأول لهذا الاتجاه (٨). المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٨٠٤

стр. 1822

النتيجة إن لمذهب المدرسة العقلية الحديثة أبعاداً ثلاثة نراها شامخة في التكوين الأساسي للمدرسة العقلية نذكر هذه الأبعاد الثلاثة إجمالاً ثم نستخلص بعد هذا النتيجة التي نراها والموقف الذي يجب أن نقفه نحن المسلمون على ضوء هذه النتيجة. الأبعاد الثلاثة: أولاً: أن هذه المدرسة أعطت العقل أكثر من حقه وكلفته ما لا يطيق ورفعت من قيمته وضخمت حجمه حتى ساوته بالوحي بل قدمته عليه وقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي. وسعت في هذا السبيل لأجل "تضييق" حيز الغيبيات في مسائل العقيدة الإسلامية. ثانياً: قامت هذه المدرسة بتأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتمشى مع الأحكام العقلية من جهة ومكتشفات الحضارة الغربية والنظريات العلمية الغربية من جهة أخرى. وفي سبيل ذلك أيضاً قامت بتأويل المعجزات والخوارق وإنكار بعضها إذا لم يمكن قلب حقيقته بما يتمشى مع هذا البعد الفكري. ثالثاً: تبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة والتحوير من الداخل لإعطاء السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية وتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين تقريباً كان على حساب كثير من الجوانب الإسلامية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية. تلكم هي الخطوط العريضة والأبعاد الراسخة التي نراها في منهج المدرسة العقلية. ونتيجة لذلك فإنا نعتقد: أولاً: أن المدرسة العقلية الحديثة ذات منهج منحرف وهي بسلوكها إياه تعاد فرقة منحرفة جديدة أقرب ما تكون إلى فرقة المعتزلة فهم كالمعتزلة. أ) في تحكيم العقل والرجوع إلى أحكامه ورفعه إلى مرتبة الوحي وهم لو حكموا العقل نفسه لسلمنا لهم لأن أحكامه بنفسه لا تخالف حكماً ثابتاً في الشريعة الإسلامية أو قضية من قضاياه وهم إنما يحكمون العادة فيحسبون ما خالف العادة مخالفاً للعقل. ب) وهم كالمعتزلة في إنكار المعجزات أو تأويلها. ج) وهم كالمعتزلة أيضاً في كثير من الغيبيات كالملائكة والجن والسحر وغيره. د) وهم كالمعتزلة في عدم تعديل الصحابة كلهم بل تجاوز بعضهم ذلك كبعض المعتزلة إلى سب الصحابة رضوان الله عليهم. و) وإنهم كالمعتزلة في اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار. ومن هذا ندرك وضوح الصلة ووجه الشبه بينهم وبين المعتزلة. ثانياً: أنه لا يكفي القول بأنهم معتزلة لأنهم يزيدون عليهم في التقريب بينهم وبين الكفار "النصارى واليهود" وتبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة. بل إنهم أخطر من المعتزلة ذلك أنهم يسعون بكل ما وسعهم لتغيير المفهوم الإسلامي في معاملة الكفار وإلغاء الفاصل والحاجز بين الفكر الحق والفكر الضال أو المنحرف وإذا ما ألغي جانب العقيدة في ميزان التفاضل فإن الكفة سترجح حتماً بنا وسيصبح الكفار آنذاك هم الأفضل والأقوى ومن ثم تكون لهم السيطرة وتكون لهم الدولة وحينئذ تكون خسارتنا للدين والدنيا. وهو ما يسعى إليه الاستعمار وسهر من أجله الليالي ودفع جيوشه المادية والمعنوية وبث رجاله المستشرقين والمخدوعين – لأجله. ثالثاً: إن الكثير من مفاهيمهم ومبادئهم هي السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر وما ذاك إلا أثر من آثار فرض الاستعمار بادئ ذي بدء آراءهم على الناس وترويجه لهم وتمجيد المستشرقين لهم حتى إذا ما سار ذلك بين الناس أخذوا يتبنونه بأنفسهم ويعلنونه في مؤلفاتهم ويدافعون عنه حتى أصبح أو كاد من المسلمات. وأصبح رجال المدرسة العقلية عندهم من الرجال الذين لا يقبل فيهم نقد أو يصل إليهم قدح.

стр. 1823

رابعاً: إنهم مهدوا السبيل لسيطرة الفكر الغربي واتخذهم الأعداء مطية يعملون من خلالها على زلزلة عقيدة المسلمين وتشكيكهم بها ومحاربة الإسلام في عقر داره ليس عن طريق نشر المؤلفات فحسب بل عن طريق الصحافة وطريق السينما والتليفزيون والإذاعة وكل وسائل الإعلام الأخرى. ثم عمل الاستعمار على إطفاء ما بقي من نار الغيرة على الشعائر الإسلامية بل على الدين كله في قلوب الشباب فأصبحوا لا يحرك ساكناً فيهم ما يحدث في المسلمين في الفلبين أو في الهند أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها من مختلف البلدان، لا يحرك هذا فيهم ساكناً عند سماعه فضلاً عن أن يهبوا زرافات ووحداناً. خامساً: لم تكن نتيجة ذلك ذات أثر على الأفراد فحسب بل على كثير من الدول التي نبذت الفقه والفقهاء الإسلاميين واستبدلت القوانين الوضعية بالفقه الإسلامي وتركت تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من الفقهاء واستمدت جل دستورها من القوانين الأوروبية الحديثة. وبعد. فما الموقف منهم الذي يجب إعلانه هنا؟ لا أريد أن أستطرد في الحديث هنا بل ألخص الموقف بأسطر أحسب فيها الكفاية. لا شك أن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في رجال هذه المدرسة العقلية أنفسهم ونعيد تقييمهم وفق الميزان الإسلامي الحق ونعلن للناس كافة حقيقتهم ونجلوا لهم علانية زيف منهجهم وتبيين مواقع ضلاله ومواقع انحرافه. نعيد تقييمهم تقييماً حقاً لا يراعي بحال من الأحوال ما هو سائد بين الناس عنهم. وحين نصل إلى نتيجة ذلك نعلن بها العلماء قبل العامة لينشروه بين الناس كافة. وحينئذ نعيد ترتيب الأمور على الميزان الحق أحسب هذا الأمر يقال في لحظة ويكتب في لحظتين ولكن تنفيذه يريد عزيمة إسلامية خالصة تطوي الزمن طياً فيحصل ما يحتاج إلى قرون عديدة في سنوات قليلة ويكون صلاح هذا الدين في هذا العصر كصلاحه في أوله. المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٨٠٩

стр. 1824

الخاتمة وبعد، فتلك هي فرقة "المعتزلة" في ماضيها وحاضرها، في أفكارها ومعتقداتها، في مبادئها وآرائها ومناهجها. وإن كان لنا أن ندعو الشباب إلى الحذر من تلك السموم وإلى توخي الحرص عند الاستماع لأي دعوى من دعاوى العقلانية أو التجديد أو عدم التعصب أو الحرية – وإن تدثرت برداء الإسلام خداعا لأهله – فإننا ننبه إلى أنه في تلك الدعوات خيبة الدنيا وخسرانها قبل الآخرة وعذابها، ذلك أن منهج الكلام ومباحث الاعتزال هي في حقيقة أمرها مباحث نظرية بعيدة كل البعد عن الناحية التطبيقية العملية، والإسلام إنما يدعو البشر إلى الاعتقاد السهل البسيط بوحدانية الله تعالى، واتخاذه – سبحانه – إلها يعبد في كافة مناحي الحياة ثم يفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في استغلال ما في الأرض جميعا والسير في مناكبها والنظر في آيات الآفاق والأنفس، ليرتفع في مدارج الرقي والقوة والإنتاج فيسود العالم كله ويستعلي عليه استعلاء القوة كما استعلى عليه استعلاء الإيمان، فلا يذهب بقوته في الصراع والتناحر حول معان نظرية مجردة لا عمل تحتها – كالعرض والجوهر وما إلى ذلك – ولا فائدة من ورائها. والحقيقة أن دعاة تلك المذاهب إنما يدفعون المسلمين إلى الاستغراق في النظريات المجردة فتبعد بهم عن مجالات العمل والتطبيق وتظل قواهم مبعثرة وأراضيهم مستعمرة وشرعهم معطلا. إن كبار العلماء في الغرب قد أدركوا – منذ زمن – أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم بناء على تلك النظريات إنما هي شرك يكفل تردي البشرية - لصالح فئة منها - في مهاوي التخلف والتناحر مادامت الحياة، وهو ما هدانا إليه رب العالمين حين أنزل المنهج الأمثل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وحين تلقفه منه صحابته رضوان الله عليهم فانطلقوا به "عاملين" في مشارق الأرض ومغاربها فبنوا أكبر دولة على مر التاريخ في أقصر فترة زمنية! وإننا لنتساءل – ونسأل أولئك الدعاة لمنهج الاعتزال – أين هي الدولة التي قامت على مثل تلك الفروض والمباحث الكلامية النظرية؟! وإنما كان نصيب الدولة الإسلامية التفتت والمحنة يوم أن تبنت السلطة تلك النظريات في عهد المأمون العباسي. ولله در الإمام مالك حين عبر عن روح الإسلام في كلمته الجديرة بالتخليد: "أكره الكلام فيما ليس تحته عمل" (١). وقوله: "أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ " (٢) وقوله: "وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم ولا إلى إبراهيم" (٣).

стр. 1825

ويقول الإمام الأوزاعي: "بلغني أن الله إذا أراد بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".بل إن ذلك كان وعي السلف الصالح من أئمة الإسلام حين نهوا عن الخوض في الكلام وامتنعوا عن المشاركة فيه كالشافعي وأحمد وغيرهما – ممن ذكرنا طرفا منهم في مقدمة بحثنا هذا – لما عرفوا أن ذلك الأمر إلى جانب ابتداعه فهو صارف للمسلمين عما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم على حد سواء، بل تلك هي عبرة اندفاع الصحابة رضوان الله عليهم في الفتح والتقدم لما أعرضوا عما نهوا عنه مما لا طائل تحته، وبعد أن وعوا الحكمة النبوية في قوله ﷺ : ((لا يزال أمر هذه الأمة موائما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر)) (١). ثم لنستمع إلى شهادة أحد أكابر علماء الغرب القلائل الذين وضعوا أيديهم على الداء البشري وهو الدكتور الكسيس كاريل حيث يقول: "مهما كانت براعة المذاهب "النظرية" التي يبتدعها العقل، فإنها لا تعدو أن تكون نظرات جزئية، وأشباحا باهتة للواقع. وليس هناك مذهب فلسفي قط استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس، وقوانين الحياة التي تستنبط من مثل تلك المبادئ ليست إلا فروضا وإذا أردنا تجنب الوقوع في الخطأ وجب علينا أن نستخلص قوانين الحياة من ملاحظة الحياة نفسها" (٢). ويبين كاريل بعدها مسار العقل الإنساني في اختياره للمباحث النظرية السهلة وما يجلبه ذلك من ضرر فيقول: "كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والاجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي الذي ساد في القرن الثامن عشر على نتائج العلم الواضحة، فارتضينا أن نأسن وسط "المعاني المجردة" ولعل كسل الإنسان الطبيعي هو الذي دفعه إلى اختيار المعاني المجردة الهينة. وذلك لأن الملاحظة أشق من الاستدلال، وهذا هو السبب في أن البشرية كانت دائما تميل إلى اللعب بضروب التجريد" (٣).ثم يؤكد على أن الفلسفة ومناهجها هي التي تزري بالمناهج الأصلية للبشرية في العلم والعمل: "ولا شك أن فلاسفة عصر النور – أي عصر النهضة – هم الذين مكنوا لعبادة الحرية بصورة عمياء في أوربا وأمريكا، فراحوا باسم العقل يزرون بجميع النظم التقليدية، وبذلك وسموا هذه القيود في أعين الناس بميسم الشناعة، وحينئذ بدأت المرحلة الأخيرة من الصراع ضد القواعد التي رضي أسلافنا بأن تهيمن على سلوكهم" (٤).
следующие страницы →