كان لأفكار المدرسة العقلية صدى كبيراً في دراسات المستشرقين، والحقيقة أنا لا ندري من أين نبدأ وإلى أين ننتهي بين عبارات الثناء والترحيب بهم من المستشرقين ولعلنا نكتفي أيضاً بالإشارة. فهذا جب يقول عنهم "لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكره بالهند ومدرسة محمد عبده بمر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها" (١) ثم وضح هذا المستشرق الإنجليزي جب دور المدرسة العقلية بقوله "إن في كل البلاد الإسلامية – باستثناء شبه جزيرة العرب وأفغانستان وبعض أجزاء من أواسط أفريقيا – حركات معينة تختلف قوة واتساعاً ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها" ثم قال "وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف" ثم ذكر "أن الأديب "بانيرث" المبشر يرى أن حركة الإصلاح الإسلامي – على النحو الذي تسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع" (٢).ولعله يكفي هنا أن ننقل عن جب رأيه في تلاميذ محمد عبده حيث يقول "إن تلامذته هم من أولئك الذين تعلموا على الطريقة الأوروبية وذلك من ناحيتين أولاهما إن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين فإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل ثم إنه قد أقام جسراً من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي والتعليم العقلي المستورد من أوربا الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت، فقد ساهم الشيخ محمد عبده أكثر من أي شخص آخر في خلق اتجاه أدبي جديد في إطار الروح الإسلامية" (٣).أما الجاسوس البريطاني ألفريد سكاون بلنت فيصف دعوتهم بأنها "الإصلاح الديني الحر" ويصفهم بأنهم "زعماء الإصلاح في الأزهر" ويصف مدرستهم بأنها "تلك المدرسة الواسعة التقية" (٤).وقال عن الأفغاني "ومن أغرب ما يروى أن الفضل في نشر هذا الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة لا يعود إلى عربي أو مصري أو عثماني ولكن إلى رجل عبقري غريب يدعى السيد جمال الدين الأفغاني" (٥).وقال عن محمد عبده أنه "رجل من أحسن وأحكم الرجال العظام ويجب أن لا يتوهم أحد أني إذ أستخدم هذه الألفاظ ألقي القول على عواهنه أو أبالغ مثقال ذرة ولكني أقولها معتمداً على معرفتي بأخلاقه في ظروف مختلفة وأحوال صعبة فقد عرفته في أول الأمر معلماً دينياً ثم قائداً لحركة الإصلاح الاجتماعي ... وأخيراً حين سودته مواهبه العقلية ونصرته من جديد" (٦).وتحدث عن هدف الأفغاني فقال "كان همه أن يطلق العقول من الأغلال التي قيدتها طوال الأجيال الماضية" وأن هذا "يماثل ما حدث من إحياء المسيحية بأوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر" (٧).وهذا جولد زيهر يبين قصد مدرسة المنار بأنه "تحقيق قدرة الإسلام على الحياة بين تيارات العصر الحديث عن طريق إصلاح الأحوال المغلولة بقيود المذاهب الجامدة" واعتبر السيد جمال الدين الأفغاني المحرك الأول لهذا الاتجاه (٨).
المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٨٠٤
стр. 1822
النتيجة
إن لمذهب المدرسة العقلية الحديثة أبعاداً ثلاثة نراها شامخة في التكوين الأساسي للمدرسة العقلية نذكر هذه الأبعاد الثلاثة إجمالاً ثم نستخلص بعد هذا النتيجة التي نراها والموقف الذي يجب أن نقفه نحن المسلمون على ضوء هذه النتيجة.
الأبعاد الثلاثة:
أولاً: أن هذه المدرسة أعطت العقل أكثر من حقه وكلفته ما لا يطيق ورفعت من قيمته وضخمت حجمه حتى ساوته بالوحي بل قدمته عليه وقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي.
وسعت في هذا السبيل لأجل "تضييق" حيز الغيبيات في مسائل العقيدة الإسلامية.
ثانياً: قامت هذه المدرسة بتأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتمشى مع الأحكام العقلية من جهة ومكتشفات الحضارة الغربية والنظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وفي سبيل ذلك أيضاً قامت بتأويل المعجزات والخوارق وإنكار بعضها إذا لم يمكن قلب حقيقته بما يتمشى مع هذا البعد الفكري.
ثالثاً: تبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة والتحوير من الداخل لإعطاء السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية وتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين تقريباً كان على حساب كثير من الجوانب الإسلامية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
تلكم هي الخطوط العريضة والأبعاد الراسخة التي نراها في منهج المدرسة العقلية.
ونتيجة لذلك فإنا نعتقد:
أولاً: أن المدرسة العقلية الحديثة ذات منهج منحرف وهي بسلوكها إياه تعاد فرقة منحرفة جديدة أقرب ما تكون إلى فرقة المعتزلة فهم كالمعتزلة.
أ) في تحكيم العقل والرجوع إلى أحكامه ورفعه إلى مرتبة الوحي وهم لو حكموا العقل نفسه لسلمنا لهم لأن أحكامه بنفسه لا تخالف حكماً ثابتاً في الشريعة الإسلامية أو قضية من قضاياه وهم إنما يحكمون العادة فيحسبون ما خالف العادة مخالفاً للعقل.
ب) وهم كالمعتزلة في إنكار المعجزات أو تأويلها.
ج) وهم كالمعتزلة أيضاً في كثير من الغيبيات كالملائكة والجن والسحر وغيره.
د) وهم كالمعتزلة في عدم تعديل الصحابة كلهم بل تجاوز بعضهم ذلك كبعض المعتزلة إلى سب الصحابة رضوان الله عليهم.
و) وإنهم كالمعتزلة في اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار.
ومن هذا ندرك وضوح الصلة ووجه الشبه بينهم وبين المعتزلة.
ثانياً: أنه لا يكفي القول بأنهم معتزلة لأنهم يزيدون عليهم في التقريب بينهم وبين الكفار "النصارى واليهود" وتبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة.
بل إنهم أخطر من المعتزلة ذلك أنهم يسعون بكل ما وسعهم لتغيير المفهوم الإسلامي في معاملة الكفار وإلغاء الفاصل والحاجز بين الفكر الحق والفكر الضال أو المنحرف وإذا ما ألغي جانب العقيدة في ميزان التفاضل فإن الكفة سترجح حتماً بنا وسيصبح الكفار آنذاك هم الأفضل والأقوى ومن ثم تكون لهم السيطرة وتكون لهم الدولة وحينئذ تكون خسارتنا للدين والدنيا.
وهو ما يسعى إليه الاستعمار وسهر من أجله الليالي ودفع جيوشه المادية والمعنوية وبث رجاله المستشرقين والمخدوعين – لأجله.
ثالثاً: إن الكثير من مفاهيمهم ومبادئهم هي السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر وما ذاك إلا أثر من آثار فرض الاستعمار بادئ ذي بدء آراءهم على الناس وترويجه لهم وتمجيد المستشرقين لهم حتى إذا ما سار ذلك بين الناس أخذوا يتبنونه بأنفسهم ويعلنونه في مؤلفاتهم ويدافعون عنه حتى أصبح أو كاد من المسلمات.
وأصبح رجال المدرسة العقلية عندهم من الرجال الذين لا يقبل فيهم نقد أو يصل إليهم قدح.
стр. 1823
رابعاً: إنهم مهدوا السبيل لسيطرة الفكر الغربي واتخذهم الأعداء مطية يعملون من خلالها على زلزلة عقيدة المسلمين وتشكيكهم بها ومحاربة الإسلام في عقر داره ليس عن طريق نشر المؤلفات فحسب بل عن طريق الصحافة وطريق السينما والتليفزيون والإذاعة وكل وسائل الإعلام الأخرى.
ثم عمل الاستعمار على إطفاء ما بقي من نار الغيرة على الشعائر الإسلامية بل على الدين كله في قلوب الشباب فأصبحوا لا يحرك ساكناً فيهم ما يحدث في المسلمين في الفلبين أو في الهند أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها من مختلف البلدان، لا يحرك هذا فيهم ساكناً عند سماعه فضلاً عن أن يهبوا زرافات ووحداناً.
خامساً: لم تكن نتيجة ذلك ذات أثر على الأفراد فحسب بل على كثير من الدول التي نبذت الفقه والفقهاء الإسلاميين واستبدلت القوانين الوضعية بالفقه الإسلامي وتركت تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من الفقهاء واستمدت جل دستورها من القوانين الأوروبية الحديثة.
وبعد.
فما الموقف منهم الذي يجب إعلانه هنا؟ لا أريد أن أستطرد في الحديث هنا بل ألخص الموقف بأسطر أحسب فيها الكفاية.
لا شك أن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في رجال هذه المدرسة العقلية أنفسهم ونعيد تقييمهم وفق الميزان الإسلامي الحق ونعلن للناس كافة حقيقتهم ونجلوا لهم علانية زيف منهجهم وتبيين مواقع ضلاله ومواقع انحرافه.
نعيد تقييمهم تقييماً حقاً لا يراعي بحال من الأحوال ما هو سائد بين الناس عنهم.
وحين نصل إلى نتيجة ذلك نعلن بها العلماء قبل العامة لينشروه بين الناس كافة.
وحينئذ نعيد ترتيب الأمور على الميزان الحق أحسب هذا الأمر يقال في لحظة ويكتب في لحظتين ولكن تنفيذه يريد عزيمة إسلامية خالصة تطوي الزمن طياً فيحصل ما يحتاج إلى قرون عديدة في سنوات قليلة ويكون صلاح هذا الدين في هذا العصر كصلاحه في أوله.
المصدر: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص ٨٠٩
стр. 1824
الخاتمة
وبعد، فتلك هي فرقة "المعتزلة" في ماضيها وحاضرها، في أفكارها ومعتقداتها، في مبادئها وآرائها ومناهجها. وإن كان لنا أن ندعو الشباب إلى الحذر من تلك السموم وإلى توخي الحرص عند الاستماع لأي دعوى من دعاوى العقلانية أو التجديد أو عدم التعصب أو الحرية – وإن تدثرت برداء الإسلام خداعا لأهله – فإننا ننبه إلى أنه في تلك الدعوات خيبة الدنيا وخسرانها قبل الآخرة وعذابها، ذلك أن منهج الكلام ومباحث الاعتزال هي في حقيقة أمرها مباحث نظرية بعيدة كل البعد عن الناحية التطبيقية العملية، والإسلام إنما يدعو البشر إلى الاعتقاد السهل البسيط بوحدانية الله تعالى، واتخاذه – سبحانه – إلها يعبد في كافة مناحي الحياة ثم يفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في استغلال ما في الأرض جميعا والسير في مناكبها والنظر في آيات الآفاق والأنفس، ليرتفع في مدارج الرقي والقوة والإنتاج فيسود العالم كله ويستعلي عليه استعلاء القوة كما استعلى عليه استعلاء الإيمان، فلا يذهب بقوته في الصراع والتناحر حول معان نظرية مجردة لا عمل تحتها – كالعرض والجوهر وما إلى ذلك – ولا فائدة من ورائها. والحقيقة أن دعاة تلك المذاهب إنما يدفعون المسلمين إلى الاستغراق في النظريات المجردة فتبعد بهم عن مجالات العمل والتطبيق وتظل قواهم مبعثرة وأراضيهم مستعمرة وشرعهم معطلا.
إن كبار العلماء في الغرب قد أدركوا – منذ زمن – أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم بناء على تلك النظريات إنما هي شرك يكفل تردي البشرية - لصالح فئة منها - في مهاوي التخلف والتناحر مادامت الحياة، وهو ما هدانا إليه رب العالمين حين أنزل المنهج الأمثل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وحين تلقفه منه صحابته رضوان الله عليهم فانطلقوا به "عاملين" في مشارق الأرض ومغاربها فبنوا أكبر دولة على مر التاريخ في أقصر فترة زمنية! وإننا لنتساءل – ونسأل أولئك الدعاة لمنهج الاعتزال – أين هي الدولة التي قامت على مثل تلك الفروض والمباحث الكلامية النظرية؟! وإنما كان نصيب الدولة الإسلامية التفتت والمحنة يوم أن تبنت السلطة تلك النظريات في عهد المأمون العباسي. ولله در الإمام مالك حين عبر عن روح الإسلام في كلمته الجديرة بالتخليد: "أكره الكلام فيما ليس تحته عمل" (١). وقوله: "أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ " (٢) وقوله: "وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم ولا إلى إبراهيم" (٣).
стр. 1825
ويقول الإمام الأوزاعي: "بلغني أن الله إذا أراد بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".بل إن ذلك كان وعي السلف الصالح من أئمة الإسلام حين نهوا عن الخوض في الكلام وامتنعوا عن المشاركة فيه كالشافعي وأحمد وغيرهما – ممن ذكرنا طرفا منهم في مقدمة بحثنا هذا – لما عرفوا أن ذلك الأمر إلى جانب ابتداعه فهو صارف للمسلمين عما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم على حد سواء، بل تلك هي عبرة اندفاع الصحابة رضوان الله عليهم في الفتح والتقدم لما أعرضوا عما نهوا عنه مما لا طائل تحته، وبعد أن وعوا الحكمة النبوية في قوله ﷺ : ((لا يزال أمر هذه الأمة موائما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر)) (١).
ثم لنستمع إلى شهادة أحد أكابر علماء الغرب القلائل الذين وضعوا أيديهم على الداء البشري وهو الدكتور الكسيس كاريل حيث يقول: "مهما كانت براعة المذاهب "النظرية" التي يبتدعها العقل، فإنها لا تعدو أن تكون نظرات جزئية، وأشباحا باهتة للواقع. وليس هناك مذهب فلسفي قط استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس، وقوانين الحياة التي تستنبط من مثل تلك المبادئ ليست إلا فروضا وإذا أردنا تجنب الوقوع في الخطأ وجب علينا أن نستخلص قوانين الحياة من ملاحظة الحياة نفسها" (٢).
ويبين كاريل بعدها مسار العقل الإنساني في اختياره للمباحث النظرية السهلة وما يجلبه ذلك من ضرر فيقول: "كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والاجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي الذي ساد في القرن الثامن عشر على نتائج العلم الواضحة، فارتضينا أن نأسن وسط "المعاني المجردة" ولعل كسل الإنسان الطبيعي هو الذي دفعه إلى اختيار المعاني المجردة الهينة. وذلك لأن الملاحظة أشق من الاستدلال، وهذا هو السبب في أن البشرية كانت دائما تميل إلى اللعب بضروب التجريد" (٣).ثم يؤكد على أن الفلسفة ومناهجها هي التي تزري بالمناهج الأصلية للبشرية في العلم والعمل: "ولا شك أن فلاسفة عصر النور – أي عصر النهضة – هم الذين مكنوا لعبادة الحرية بصورة عمياء في أوربا وأمريكا، فراحوا باسم العقل يزرون بجميع النظم التقليدية، وبذلك وسموا هذه القيود في أعين الناس بميسم الشناعة، وحينئذ بدأت المرحلة الأخيرة من الصراع ضد القواعد التي رضي أسلافنا بأن تهيمن على سلوكهم" (٤).
стр. 1826
وسبحان الله العظيم! كيف يدور الزمن دورته فيحاول "فلاسفة" عصرنا و"علمائه" أن يعيدوا تمثيل ما حدث في أوربا منذ ثلاثة قرون أو أكثر، فيمكنوا لعبادة "الحرية" ويزدروا مناهج سلفنا الصالح! أليس ذلك كفعل الببغاء الذي عقله في أذنيه!؟. ثم يعلن كاريل في قوة ووضوح أن زيف المباحث النظرية هو السبب الأصيل وراء تدهور الحضارة فيقول: "ولذلك كان انتصار المذاهب النظرية تأكيدا نهائيا لهزيمة الحضارة" (١).وإن كان كاريل قد شهد بذلك، فإننا نسوق شهادة واحد من أعتى المستشرقين وأكثرهم حقدا على الإسلام وأهله، وهو هاملتون جب حيث يقول: "إن تركيز الفكر العربي على الأحداث الفردية، جعل العلماء المسلمين معدين للتعمق في المنهج الاختياري العلمي أكثر من أسلافهم الإغريق والإسكندرانيين. إن الملاحظات المفصلة التي قام بها باحثوا الإسلام قد ساهمت بشكل ملموس في تقدم المعرفة العلمية، بل إنها المصدر الذي أعاد المنهج التجريبي إلى أوربا في العصر الوسيط" (٢).
فيا للعجب! ألم يكن أجدر "بفلاسفتنا" أن يدركوا من روح الإسلام ما أدركه ذلك الخبيث!! وصدق القائل (عدو عاقل. .).
ونكتفي بهذا القدر من الشهادة لاثنين من أكابر علماء الغرب، وما كنا لننقل عن أحد من تلك الأمم، ولكن الشهادة التي يقر بها المخالف أكبر قيمة - في صدقها – من تلك التي يدلي بها الموافق. وإن في الحضارة الغربية آفات قاتلة تتركز في مناهجها ونظرياتها وسلوكياتها، وإن كان فيها من المباحث العلمية والمناهج التطبيقية والتقدم التكنولوجي ما يجب على المسلمين الأخذ به والتسابق في تعلمه وتطويره – إن أمكن – فهم أولى البشر بالأخذ بأسباب القوة وتجنب مواطن الضعف.
وإنها لحكمة جد عزيزة غالية نقدمها للمخلصين من أبناء هذا الجيل من الإسلاميين؛ أن لا تقيموا وجهة نظركم على الرفض الكامل، ولا على الموافقة التامة في كل الأحوال بل إن التوسط والاعتدال هو سبيل هذه الطائف الناجية المنصورة بإذن الله.
إن هناك دائما حق بين صفوف الباطل، وحيثما وجد الحق فنحن أولى به من الغير إذ أنه ينتمي لأمة الإسلام دون غيرها.
إن القدرة على أن نفرق بين ما نأخذ وما ندع، من ذلك الحصاد الهائل للبشرية إنما يكمن - في حقيقته - في إدراك المنهج الإسلامي الصحيح وما يدعو إليه، وفي دراسة سيرة سيد المرسلين ﷺ دراسة واعية لأحداثها وعبرة تلك الأحداث، والله سبحانه وحده هو القادر على أن يكشف عن المسلمين الغمة، وأن يعيد إليهم القدرة على صحة الحكم، ودقة النقد فهم جد محتاجين إلى ذلك في مواجهة تلك التيارات التي يعج بها العصر. إنه سميع مجيب.
المصدر: المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص ١٤١
стр. 1827
الفصل الأول: وجود الخوارج في الماضي والحاضر الخوارج فرقة كبيرة من الفرق الاعتقادية، وتمثل حركة ثورية عنيفة في تاريخ الإسلام السياسي. شغلت الدولة الإسلامية فترة طويلة من الزمن، وقد بسطوا نفوذهم السياسي على بقاع واسعة من الدولة الإسلامية في المشرق وفي المغرب العربي، وفي عمان وحضرموت وزنجبار (١)
وما جاورها من المناطق الإفريقية وفي المغرب العربي، ولا تزال لهم ثقافتهم المتمثلة في المذهب الإباضي المنتشر في تلك المناطق.
ولا يخفى كذلك أن بعض أفكار الخوارج - ولا سيما الأزارقة - المتعلقة بتكفير العصاة لا يزال لها أتباع يمثلون تنطع الخوارج وتشددهم في وقتنا الحاضر، مما يستدعي عرض ودراسة هذه الفرقة، وما أنتجت من آراء وأفكار، وبيان ما جناه أتباعها على الإسلام والمسلمين.
ومما يجدر ذكره بالنسبة لكتب الخوارج أنها تكاد أن تكون مفقودة تماماً إذا ما استثنينا الإباضية منهم، فلم تعرف لهم مؤلفات موفورة كبقية الفرق، وأكثر ما نرجع في ذلك إلى ما كتبه العلماء من أهل السنة، مع ثقتنا بصحة ما نقلوه عنهم لمعايشتهم لهم، وكذلك لاحتمال أنهم عثروا على كتب للخوارج لم تصل إلينا، على أن ما وصل من كتب الإباضية تدل على مصداق أولئك في نقلهم لمذهب الخوارج.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٢٦
стр. 1828
المبحث الأول: تعريف الخوارج لغة الخوارج في اللغة جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وقد أطلق علماء اللغة كلمة الخوارج في آخر تعريفاتهم اللغوية في مادة (خرج) على هذه الطائفة من الناس؛ معللين ذلك بخروجهم عن الدين أو على الإمام علي، أو لخروجهم على الناس (١).
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٢٧ وقد أطلقت كلمة الخوارج هذه في كتب اللغة على طائفة من أهل الآراء والأهواء لخروجها على الدين أو على الإمام علي ﵁. فيقول الأزهري في (تهذيب اللغة): والخوارج: قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة. وهو تعريف ابن منظور والفيروزآبادي أيضاً (٢). ويقول الزبيدي عنهم: هم الحرورية والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف سموا به لخروجهم على الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه بعد صفين (٣) ...
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص١٩
стр. 1829
المبحث الثاني: تعريف الخوارج اصطلاحا
اختلف العلماء في التعريف الاصطلاحي للخوارج، وحاصل ذلك:
منهم من عرفهم تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمن كان. قال الشهرستاني: (كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان) (١).ومنهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي ﵁. قال الأشعري: (والسبب الذي سُمّوا له خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب) (٢).زاد ابن حزم بأن اسم الخارجي يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام عليّ أو شاركهم في آرائهم في أي زمن. وهو يتفق مع تعريف الشهرستاني (٣).وعرفهم بعض علماء الإباضية بأنهم طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين أولهم نافع بن الأزرق (٤).، ولم أر هذا التعريف عند أحد غير الإباضية.
وهذا التعريف لأبي إسحاق أطفيش يريد منه أن لا علاقة بين المحكمة الأولى –الذين لا يعتبرهم خوارج لشرعية خروجهم كما يزعم- وبين من بعدهم إلى قيام نافع سنة ٦٤هـ، وهذا التعريف غير مقبول حتى عند بعض علماء الإباضية، ويبقى الراجح هو التعريف الثاني؛ لكثرة من مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداء من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضاً مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقاديه أحدثت في التاريخ الإسلامي دوياً هائلاً.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٢٧
وأما في اصطلاح علماء الفرق فيؤخذ وجهات نظر ثلاثة في التعريف بالخوارج:
- من يرى أنهم الخارجون على الإمام الحق في أي زمان.
- من يرى أنهم الخارجون عن الإمام علي ومن يرون رأيهم.
- ومن يرى أنهم الخارجون بعد الإمام علي ابتداءً من الأزارقة.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩
стр. 1830
وتعريف الشهرستاني هذا تعريف عام يشمل أقسام الخروج، ولا يخص فرقة الخوارج، إذ الخروج على إمام المسلمين ينقسم إلى أقسام: أولا: من خرج لمنازعة في الملك، ولكنه خرج غضبا للدين، ومن أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة، مثل الحسين بن علي (١)، وأهل المدينة في وقعة الحرة، وزيد بن علي زين العابدين (٢).ثانيا: من خرج على ولي الأمر بتأويل سائغ (٣) يقره الكتاب والسنة، وهذا ما كان من أصحاب الجمل وصفين إذ خرجوا على علي ﵁ لا معاندين مطالبين بالملك، بل لرأي رأوه واجتهاد صاروا إليه من طلب القصاص من قتلة عثمان ﵁ (٤).ثالثا: من خرج لطلب الملك فقط، وكان القتال على الدنيا وهؤلاء هم البغاة حقا (٥).وقد جاء الوعيد والذم لهذه الطائفة المفرقة للأمة السافكة لدماء المسلمين من أجل الدنيا والملك. رابعا: من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة للدعاء إلى معتقدهم (٦)، فخروج هؤلاء نابع من مخالفة لأصول في الشريعة الاعتقادية أو العلمية (٧).والقسم الرابع هذا الخارج للدعاء إلى معتقده هو الذي وردت فيه نصوص نبوية في ذمه، والأمر بقتاله لأن خطره عظيم على الأمة المسلمة وهو أخطر أقسام الخروج السابقة، يقول ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق الصحابة والعلماء بعدهم على قتال هؤلاء (٨)، فإنهم بغاة على جميع المسلمين سوى من وافقهم على مذهبهم، وهم يبدؤون المسلمين بالقتال، ولا يندفع شرهم إلا بالقتال، فكانوا أضر على المسلمين من قطاع الطريق؛ فإن أولئك مقصودهم المال، فلو أعطوه لم يقاتلوا، وإنما يتعرضون لبعض الناس، وهؤلاء يقاتلون الناس على الدين حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن ... وهم شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم ولا اليهود ولا النصارى؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة" (٩).
стр. 1831
إذا الخوارج بتعريف عام: "كل من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة بالسيف للدعاء إلى معتقده وكان خروجه نابعا من مخالفة الأصول في الشريعة" فهذا التعريف أقرب لتعريف الخوارج كفرقة من الفرق، أما من خرج لغير ذلك مما تقدم فيطلق عليهم اسم الخروج العام، ويطلق عليهم خوارج "كحكم شرعي، وصفة لفعلهم. ونجد د/ ناصر العقل يعرف الخوارج كفرقة من الفرق أنهم: "الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم" (١). وهذا التعريف عام وإن كان أخص مما ذكره الشهرستاني إلا أنه يشمل كل من سار على هذا المنهج، وإن تسمى باسم آخر غير الخوارج، أو انتمى إلى فرقة أخرى، إذ كل من خرج على إمام المسلمين وجماعتهم بالسيف، وكان الدافع لهذا الخروج عقيدة يعتقدها من تكفير المخالفين أو بدعة يدعو إليها يسمى خارجيا، ويعتبرون خوارج ويلحقهم الذم الوارد في النصوص (٢)، لذلك يطلق على فرقة الرافضة خوارج مارقة بهذا المعنى (٣).وإن كانت الخوارج والرافضة كلها تكفر بالمعاصي (٤)، وترى الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم على خلاف فيما بينهم في تفصيل ذلك إلا أن الفيصل بينهما هو القول في علي ﵁، فالخوارج الحرورية تكفره، والرافضة تتولاه. لذا إذا أردنا أن نعرف الخوارج الحرورية بتعريف خاص بهم كفرقة من الفرق، لا كحكم شرعي فيهم أو تعريف عام لهم نقول: هم كل من كفر علي بن أبي طالب ﵁ وعثمان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، وهم الذين يكفرون بالمعاصي (٥)، ويرون الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم، ويتولون فرقة المحكمة الأولى (٦).فهؤلاء هم الخوارج الحرورية وهم المرادون في هذا المبحث والله أعلم، والخوارج فرق متعددة، عدها بعضهم وأوصلها إلى العشرين (٧).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٣٩٣
стр. 1832
الفصل الثالث: نشأة الخوارج
اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:
أنهم في عهد النبي ﷺ .
أنهم نشأوا في عهد عثمان ﵁.
أنهم نشأوا في عهد علي ﵁ حين خرج عليه طلحة والزبير، كما يزعم بعض علماء الإباضية.
أو حين خرج الخوارج من المحكمة عن جيشه كما هو الراجح.
أنهم ظهروا في عهد نافع بن الأزرق ابتداء من سنة ٦٤هـ، كما تقدم في التعريف بهم. وفيما يلي مناقشة تلك الأقوال وبيان الصحيح منها:
أما بالنسبة للقول الأول، فإن المقصود به ما وقع للرسول ﷺ من قيام ذي الخويصرة- عبد الله ذي الخويصرة التميمي- في إحدى الغزوات في وجه الرسول معترضاً على قسمة الرسول ﷺ للفيء، وأنه لم يعدل - حاشاه - في قسمتها.
وقد قال بهذا القول كثير من العلماء منهم: الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي، والآجري، إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي. فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيماً للخوارج، لأن فعلته حادثة فردية- تقع للحكام كثيراً- ولم يكن له حزب يتزعمه ولا كان مدفوعاً من أحد - إلا طمعه وسوء أدبه مع الرسول ﷺ ، ومع هذا فيمكن القول بأن نزعة الخروج قد بدأت بذرتها على عهد رسول الله ﷺ (١) وأما بالنسبة للقول الثاني، فهو رأي لبعض العلماء أيضاً كابن كثير وابن أبي العز (٢) , ولكن يرد على هذا أن أولئك الثوار البغاة كان هدفهم قتل عثمان وأخذ المال، ولا ينطبق عليهم وصف فرقة ذات طابع عقائدي خاص، ولهذا اندمجوا مع المسلمين بعد تنفيذ جريمتهم ولم يشكلوا فرقة مستقلة –وإن كان فعلهم يعتبر خروجاً عن الطاعة وخروجاً على الإمام –إلا أنهم ليسوا هم الخوارج كفرقة عقائدية سياسية لما تقدم. وأما بالنسبة للقول الثالث؛ وهو للورجلاني الإباضي، فأنه قول مردود؛ فإن طلحة والزبير ﵄ لا يصح وصفهما بالخوارج ولا ينطبق عليهما وصف الخوارج كفرقة، وكان معهما أيضاً أم المؤمنين عائشة ﵂، وقد شهد الله لها بالإيمان، وطلحة والزبير ﵄ من العشرة المبشرين بالجنة (٣).
وأما بالنسبة للقول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق؛ فإنه لم يقل به غير من ذكرنا من علماء الإباضية؛ لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن سار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق. والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي ﵁ والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة (٤).
ومما نذكره هنا محاورات بين علي ﵁ والخوارج، تصور لنا مدى التعنت الذي اتصف به الخوارج.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣٢
стр. 1833
يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي ﷺ أو في عهد عثمان أو في عهد علي ﵄ أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام ٦٤هـ؟
وسوف نتناول أقوال المؤرخين في هذا المقام بالعرض والدراسة واختيار ما نراه صحيحا منها.
القول الأول: أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي الذي بدأ الخروج بالاعتراض على النبي ﷺ في قسمة الفيء واتهامه إياه بعدم العدل وقد ورد في حديث البخاري تحت باب (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه) عن أبي سعيد قال: ((بينا النبي ﷺ يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمى فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شىء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال مثل البضعة - تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ . قال فنزلت فيه وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)) (١)، فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج وأن رسول الله ﷺ قد ترك قتله للتألف. وقد أخرج الإمام مسلم ﵀ هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ (٢) وقد اقتصر في تسمية ذلك الخارجي الأول على (ذي الخويصرة) بينما هو في البخاري عبد الله بن ذي الخويصرة وربما رجع ذلك إلى اشتهار عبد الله باسم أبيه ذي الخويصرة فاقتصر مسلم على الشهرة بينما ذكر البخاري اسمه كاملاً. وسواء كان الخارج على النبي هو عبد الله أو أباه؛ فإن الحادثة قد وقعت بهذه الصورة وقد أورد مسلم عدة روايات حول هذه القضية ولكنه لم يصرح بالاسم إلا في رواية أبي سعيد، وفي بعض الروايات التي ذكرها الإمام مسلم عن أبي سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر اسمه كما في قوله: ((بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ ، فقسمها الرسول ﷺ بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله ﷺ : إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله ﷺ : فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تؤمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ (٣) هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٤).
стр. 1834
وقد أخبر علي بن أبي طالب ﵁ ببعض أوصافهم التي أخبره بها رسول الله ﷺ ، ووقع مصداق ذلك حين قتلهم علي بن أبي طالب في معركة النهروان، كما جاء في كلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ (أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله قال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب ﵁ قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم: زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود) (١).وقد ذهب إلى القول بأن أول الخوارج هو ذو الخويصرة كثير من العلماء منهم ابن الجوزي وذلك في قوله: أن " أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة ". وقوله: " فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ﷺ ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (٢).ومنهم ابن حزم (٣)، وهو رأي الشهرستاني أيضاً حيث يقول: وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية (٤)، واعتبر اعتراض ذي الخويصرة خروجا صريحا؛ إذ إن الاعتراض على الإمام الحق يسمى خروجاً فكيف بالاعتراض على رسول الله ﷺ ؟! ويقول بعد أن ذكر حديث ذي الخويصرة: وذلك خروج صريح على النبي ﷺ ، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً (٥).وينقل الطالبي عن أبي بكر محمد بن الحسن الآجري أنه يرى أن أول الخوارج كان في عهد النبي ﷺ ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قدموا المدينة فقتلوا عثمان، ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٦).
القول الثاني: وهو للقاضي علي بن علي بن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية)، الذي يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان ﵁ في تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى – يقول: فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى (٧).ويسمي ابن كثير الذين ثاروا على عثمان وقتلوه خوارج فيقول: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا (٨).
القول الثالث: وهو للورجلاني حيث يعتبر أن نشأة الخوارج بدأت منذ أن فارق طلحة والزبير علياً ﵁ وخرجا عليه بعد مبايعتهما له، ثم يقول: وشرعا دين الخوارج دينا؛ فلهما أجور الخوارج وأوزارهما (٩).
стр. 1835
القول الرابع: أن نشأة الخوارج بدأت سنة ٦٤هـ بقيادة نافع بن الأزرق في أواخر ولاية ابن زياد وهذا الرأي لعلي يحيى معمر الإباضي (١). وهو في هذا الرأي يتابع قطب الأئمة أبي إسحاق أطفيش الإمام الإباضي الذي يرى أن ما حدث بين الإمام علي وبين الطائفة التي انفصلت عن جيشه والتي سميت فيما بعد بالمحكمة إنما هو نوع من أنواع الفتن الداخلية التي وقعت بين المسلمين في ذلك العصر؛ حيث اعتبرت تلك الطائفة أن علياً ﵁ قد زالت عنه الإمامة الشرعية حينما قبل التحكيم، ولهذا فقد ولوا عبد الله بن وهب الراسبي في زهده وتقواه ودعى هذا بدوره عليا للدخول في طاعته بعد أن اختاره من معه من الصحابة وغيرهم (٢) – كما يدعي الخوارج.
فلم يكن ما حدث بين علي ومن معه في نظر أصحاب هذا الرأي إلا فتنة انتهت على نحو ما انتهت عليه وليس خروجا على الإمام، كما هو المعنى الحقيقي للخروج الذي يرون أنه لم يبتدئ إلا بخروج نافع بن الأزرق. أما ما كان قبل ذلك من حركات ثورية على علي ﵁ والأمويين من بعده فهي مجرد ثورات ومواقع حربية دارت بين الفريقين وليست خروجا بالمعنى الصحيح. يقول في هذا أبو إسحاق أطفيش: " الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين رؤوسهم: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك " (٣). ويقول علي يحيى معمر: " سبق إلى أذهان أكثر الناس – بسبب خطأ المؤرخين في ربط الأحداث – أن المحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة النهروان هم أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ؛ فإن المحكمة قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد، ثم ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا، حتى ظهر الخوارج في أواخر ولاية ابن زياد سنة ٦٤ هـ, بقيادة نافع بن الأزرق، فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب والمحكمة (٤). ومما يجدر بالذكر أنه قد استبعد أن يكون الناجون من حرب النهروان تسعة فقط كما يأتي ذلك فيما بعد. وهنا أثبت ذلك العدد تأكيدا لرأيه في بدء نشأة الخوارج.
القول الخامس: أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي ﵁ وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم: " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب (٥).وقد تابعه في صنيعه البغدادي؛ حيث بدأ التاريخ للخوارج بذكر الخارجين على علي ﵁ (٦). وكذلك يرى أبو الحسين الملطي أن الفرقة الأولى للخوارج هي المحكّمة (٧).
стр. 1836
وقد سار على هذا الرأي أصحاب المعاجم ودوائر المعارف (في مادة الخروج) والكتاب المحدثون الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية كالأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة والغرابي ﵏ وغيرهم، والمؤرخون في تأريخهم لأحداث الفتنة الكبرى. يقول الأستاذ أحمد أمين: واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه (١).ويقول الشيخ أبو زهرة: اقترن ظهور هذه الفرقة (أي الخوارج) بظهور الشيعة، فقد ظهر كلاهما كفرقة في عهد علي ﵁ وقد كانوا من أنصاره (٢). وصاحب كتاب (الأديان) وهو إباضي يعتبر خروج الخوارج إنما كان على علي حينما حكم (٣).
وقد أصبح إطلاق اسم الخوارج على الخارجين عن الإمام علي أمرا مشتهرا بحيث لا يكاد ينصرف إلى غيرهم بمجرد ذكره.
هذه هي الأقوال في بدء نشأة الخوارج، وعلينا في اختيار ما نراه صحيحا منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
والواقع أن نزعة الخروج – أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج – قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله ﷺ باعتراض ذي الخويصرة عليه. لكن هل كان خروجا حقيقيا أم كان مجرد حادثة فردية اعترض فيها واحد من المسلمين على طريقة تقسيم الفيء طمعا في أن يأخذ منه نصيبا أكبر؟ وهو الأمر الذي سنرجحه فيما بعد.
أما تعبير النبي ﷺ عن ذي الخويصرة بأن له أصحابا فقد يجوز:
أن يكون النبي ﷺ قد توقع وجود أصحاب يؤيدون هذا الرجل حيث استطاع الاعتراض على صاحب الدعوة، فامتنع عن قتله تألفا له ولهم.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك القول كان توقعاً من النبي ﵇ وإخبارا عما سيكون من عاقبة هذا الرجل وأمثاله؛ إذ إن الاعتراض على شخصيته ﷺ يجعل من المتوقع أن يوجد الاعتراض على الخلفاء من بعده والخروج عليهم من باب أولى.
ويجوز أن يكون قصد النبي ﷺ بالأصحاب لهذا الرجل هم من يكونون على شاكلته في مستقبل الأيام بحيث يكونون متابعين له على فكرته، وإن لم يتزعم قيادتهم في هذا الخروج على النبي ﷺ وعلى الخلفاء.
لقد مضى عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ﵄ ولم يكن لذي الخويصرة ذكر في هذه العهود بعد تلك الحادثة لا بنفسه ولا مع من يمكن أن يكونوا على شاكلته. ولم يذكر التاريخ - فيما اطلعت عليه – أنه كان كذلك من الثائرين على عثمان ﵁ أو أنه كان له أبناء أو أصحاب ينتسبون إليه في تلك الثورة مع أن الفارق الزمني بين ورود الحديث فيه وبين أحداث الفتنة الكبرى يسمح بمثل هذا لو كان.
كل هذا يجعل من هذه الحادثة التي ارتكبها ذو الخويصرة حادثة فردية في وقتها؛ حيث لم يشتهر بالخروج ولم تعرف له آراء خاصة يتميز بها ولم يكون له حزبا سياسيا معارضا وإن لم يمنع هذا من اعتباره الفيء لمجرد نزعة الخروج في صورة ساذجة، إذا صح أن يكون الاعتراض على تقسيم الفيء خروجا.
وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان ﵁، فلا شك أن ما حدث كان خروجا عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدي خاص لها آراء وأحكام في الدين، غاية ما هنالك أن قوما غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.
стр. 1837
وفيما يتعلق بالقول بأن طلحة والزبير ﵄ كانا أول الخارجين على علي – كما يقول الورجلاني – فمن الصعب عليه إثبات ذلك. فقد كان معهما أم المؤمنين عائشة ومن معهم من المسلمين، وعلى كل فقد انتهت موقعة الجمل واندمج من بقي منهم في صفوف المسلمين دون أن تجمعهم رابطة فكرية معينة كتلك التي حدثت بين الخوارج على علي في جيشه فيما بعد، وكان خروجهم باسم المطالبة بدم عثمان ﵁ فإذا كان قد بدئ الخروج على علي بخروج أصحاب موقعة الجمل فإنه لا ينطبق عليهم مصطلح الخوارج كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الدينية الخاصة، وطلحة والزبير من العشرة الذين بشرهم الرسول ﷺ بالجنة، فكيف يجوز أن يعتبرا من الخوارج ويطبق عليهما أحاديث المروق الواردة في الخوارج؟!
أما القول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق فإنه لم يقل به غير علي يحيى معمر تبعا لقطب الأئمة الإباضية أبي إسحاق أطفيش لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن ثار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق بحيث يظهر أن الأولين هم سلف الخوارج جميعا، كما سنبين هذا عند الكلام عن حركات الخوارج وفرقهم.
وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجا عن طاعة الإمام، وبين الخروج في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة؛ كخروج الذين خرجوا على علي ﵁ منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذي نختاره ونسير عليه في هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.
والواقع أن هذا هو ما يشهد له واقع تلك الحركة التي أحدثت دويا هائلا في تاريخ هذه الأمة الإسلامية عدة قرون تميزت فيها بآراء ومعتقدات وأنظمة لفتت إليها أنظار علماء التاريخ والفرق الإسلامية، بخلاف ما سبقها من حركات فإنها لم يكن لها أثر فكري أو عقائدي يذكر.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٧
стр. 1838
الفصل الرابع: أسماء الخوارج
١ - الخوارج
.. وهو أشهر أسمائهم، هم يقبلونه باعتبار وينفونه باعتبار آخر، يقبلونه على أساس أنه مأخوذ من قول الله : وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء: ١٠٠]. وهذه تسمية مدح.
وينفونه إذا أريد به أنهم خارجون عن الدين أو عن الجماعة أو عن علي ﵁؛ لأنهم يزعمون أن خروجهم على علي ﵁ كان أمراً مشروعاً بل هو الخارج عليهم في نظرهم.
والإباضيون بخصوصهم يسمونها فتناً داخلية بين الصحابة. قال نور الدين السالمي الإباضي عن تسميتهم خوارج على سبيل المدح: (ثم لما كثر بذل نفوسهم في رضى ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف – سُمُّوا خوارج، وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله) (١).وقال أحد شعراء الخوارج (٢).
كفى حزناً أن الخوارج أصبحوا ... وقد شتت نياتهم فتصدعوا
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٢٩ ويقول محمد بن عبد الله السالمي أيضاً: وكان اسم الخوارج في الزمان الأول مدحاً لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال : وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:٤٦]، ثم صار ذماً لكثرة تأويل أحاديث الذم فيمن اتصف بذكر آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها فمن ثم نرى الإباضية لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة (٣).وقال الأصم الضبي قيس بن عبد الله يرثي الخوارج الذين قتلوا عند الجوسق (٤):
إني أدين بما دان الشراة به ... يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
النافرين على منهاج أولهم ... من الخوارج قبل الشك والريب
وقد أجمع مؤرخو الفرق على تسميتهم بهذا الاسم (الخوارج).وإذا ذكرهم أحد المؤلفين باسم من أسمائهم الأخرى فإنه يفسره بالخوارج، أو يذكرهم مرة بهذا الاسم ومرة أخرى باسم الخوارج.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص٢٦
٢ - الحرورية
نسبة إلى المكان الذي خرج فيه أسلافهم عن علي، وهو قرب الكوفة. قال شاعرهم مقارناً بين جحف الثريد أي أكله وبين جحف الحروري بالسيف أي ضربه به:
ولا يستوي الجحفان جحف ثريدة ... وجحف حروري بأبيض صارم (٥)
ووردت هذه التسمية في قول عائشة ﵂: (أحرورية أنت) (٦).
قالته للمرأة التي استشكلت قضاء الحائض والصوم دون الصلاة.
стр. 1839
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣٠ وقد وردت هذه التسمية في (الصحيحين) عن مصعب قال سألت أبي قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: ١٠٣] , هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا ﷺ وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين (١).وعن أبى سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدرى فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي ﷺ . قال: لا أدري ما الحرورية سمعت النبي ﷺ – يقول: ((يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم - يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء)) (٢) وعن عبد الله بن عمر - وذكر الحرورية - فقال قال النبي ﷺ – ((يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)) (٣).
٣ - الشراة
نسبة إلى الشراء الذي ذكره الله بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:١١١]
وهم يفتخرون بهذه التسمية ويسمون من عداهم بذوي الجعائل: أي يقاتلون من أجل الجُعْل الذي بذل لهم. قال شاعرهم عيسى بن فاتك:
فلما استجمعوا حملوا عليهم ... فظل ذوو الجعائل يقتلونا (٤)
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣٠ أما هم فليسوا كذلك بل هم – عند أنفسهم – شراة باعوا أنفسهم لله يقول معاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي (٥):
ألا أيها الشارون قد حان لامرئ ... شرى نفسه لله أن يترحلا
ويقول كعب بن عميرة في أبي بلال يرثيه (٦):
شرى ابن حديد نفسه لله فاحتوى ... جناناً من الفردوس جماً نعيمها
ويقول الأشعري في سبب تسميتهم بالشراة: والذي له سموا شراةً: قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة (٧).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص٣٣
٤ - المارقة
وأما (هذه) التسمية فهي من خصوم الخوارج، لتنطبق عليهم أحاديث المروق الواردة في (الصحيحين) في مروقهم من الدين كمروق السهم من الرمية. قال ابن قيس الرقيات من أبيات له:
إذا نحن شتى صادفتنا عصابة ... حرورية أضحت من الدين مارقة (٨).
стр. 1840
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣١ عن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)) (١) وهي تسمية قديمة قد أطلقها عليهم مخالفوهم منذ خروجهم عن جيش الإمام علي. ويروي أبو الحسين الملطي إجماع الأمة إجماعاً لا يختلف فيه ناقل ولا راوٍ أن النبي ﷺ سماهم مارقة، وفسر المارقة بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (٢)، وربما كان مستنده في حكاية هذا الإجماع وصف النبي ﷺ للخارجين بالمروق وانطباق أوصافهم على هؤلاء الخوارج كما ظهر ذلك للإمام علي والمسلمين معه ... قال صعصعة بن صوحان من خطبته أمام جمع من قومه يذم الخوارج في كلام طويل: ولا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة (٣). وقال الشهرستاني: وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان (٤).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص٣٤
٥ - المحكمةهي من أول أسمائهم التي أطلقت عليهم، وقيل: إن السبب في إطلاقها عليهم إما لرفضهم تحكيم الحكمين، وإما لتردادهم كلمة (لا حكم إلا لله) (٥) وهو الراجح، وهي كلمة حق أريد بها باطل، ولا مانع أن يطلق عليهم لكل ذلك، غير أن السبب الأول ينبغي فيه معرفة أن الخوارج هم الذين فرضوه أولاً، وهم يفتخرون بهذه التسمية كما قال شاعرهم شبيل بن عزرة:
حمدنا الله ذا النعماء أنّا ... نحكم ظاهرين ولا نبالي (٦)
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣١ وقد صارت هذه الكلمة (لا حكم إلا لله) شعاراً لهم عندما يريدون الخروج عن طاعة الولاة أو الهجوم على خصومهم في المعركة فكانت إنذاراً شديد الخطورة لمن تقال له. وهم يفخرون بهذا الاسم على خصومهم كما قال سميرة بن الجعد الخارجي في وصف الخوارج (٧):
ينادون بالتحكيم لله أنهم ... رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا ... بحبلٍ شديد المتن ليس بناهج
وقال عبيدة بن هلال وهو أحد فرسانهم من أبيات يرد بها على عمرو بن عبد الله بن معمر التميمي (٨):
ولكن نقول الحكم لله وحده ... وبالله نرضى والنبي المقرب.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص٣٥
٦ - النواصب
وأما تسميتهم بالنواصب فلمبالغتهم في نصب العداء لعلي بن أبي طالب ﵁.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣١
٧ - أهل النهروان
نسبة إلى المكان الذي قاتلهم فيه علي وهم الحرورية المحكمة
المصدر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص٢٩
٨ - المكفِّرة
لأنهم يكفرون بالكبائر ويكفّرون من خالفهم من المسلمين، وهذا وصفٌ لكل من نهج هذا النهج في كل زمان.
المصدر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص٣٠
٩ - السبئية
لأن منشأهم من الفتنة التي أوقدها ابن سبأ اليهودي، وهذا وصف لأصول الخوارج الأولين ورؤوسهم.
المصدر: الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص٣٠
١٠ - الشكاكيةوذلك أنهم لما رفضوا التحكيم، قالوا لعلي: شككت في أمرك وحكمت عدوك من نفسك، فسموا بذلك الشكاكية (٩).
المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٠٢
تلك أسماء الخوارج وألقابهم وهم يحبون هذه الأسماء كلها ولا ينكرون غير اسم واحد وهو تسميتهم بالمارقة، فإنهم لا يرضون به لأنهم يعتبرون أنفسهم على الهدى والحق وأما من عداهم فإنهم ظالمون أهل جورٍ وكفر. قال الأشعري: وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٥
стр. 1841
تمهيد
لقد حدث في تاريخ هذه الأمة الإسلامية أحداث مؤلمة مزقت كلمتهم وجعلتهم أحزابا وشيعا، كثيرا ما تدور المعارك فيما بينهم.
فقد قوبل الإسلام في نشأته الأولى بمعارضات شديدة وتيارات جارفة للقضاء عليه منذ بزوغ فجره من قبل العناصر الدينية والشعوبية المناوئة له ولكن باءت تلك المحاولات بالفشل. ولكن أعداء الإسلام – وقد فشلوا – لا يمكن أن يقر لهم قرار أو تفوتهم فرصة من الفرص التي تحدث عند غفلة المسلمين؛ لا يمكن أن يفوتهم ذلك دون أن يحاولوا الفت في عضده بأي سلاح كان حسيا أو معنويا؛ ولهذا فقد حدثت فتن كثيرة بسبب تلك المؤامرات الخفية من تلك العناصر. وما حدوث تلك الفتنة الهوجاء التي حيرت ألباب ذوي النهى والتي راح ضحيتها آلاف المسلمين بين علي ومعاوية ﵄ فمن بعدهما إلى يومنا هذا – إلا جزء من تلك المؤامرات البعيدة. ولقد صدق الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ حين قال للثائرين عليه: "فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، ولا تصلون بعدي جميعا، ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا" (١).
ومن هنا فقد حدثت بعد ذلك ظواهر هامة في تاريخ هذه الأمة كان من أهمها قيام الخوارج بحركتهم، وهي من أهم الظواهر التي برزت في الحياة الإسلامية، وقد شملت هذه الظاهرة كل النواحي الدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية عند المسلمين، ولكل ظاهرة اجتماعية أسبابها المباشرة والبعيدة، وكلما تعقدت الظاهرة وشملت جوانب متعددة في الحياة كلما حملت على ظهورها أسباب معقدة وعوامل متشابكة.
وفي البحث عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور حركة الخوارج يختلف المفكرون في تحديد هذا السبب أو ذاك، وفي تحديد مدى فاعلية بعض الأسباب وسوف نعرض فيما يلي أهم الأسباب التي يضعها المفكرون أمام ظاهرة حركة الخوارج.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٩٩
стр. 1842
المبحث الأول: النزاع حول الخلافة
ونقصد بذلك وقوع النزاع المسلح بين المسلمين حول الخلافة من جهة، ونزاع الخوارج مع غيرهم في طريقة تولية الخليفة وشروط قيامه بمهمته من جهة أخرى.
فمن حيث وقوع النزاع بين المسلمين حول الخلافة فإن هناك من الباحثين من يعتبر الخوارج كالشيعة حزبا سياسيا ظهر في فجر الإسلام، وإن ظهورهم يرجع أولا وبالذات إلى الخلاف حول الإمامة العظمى. يقول الدكتور عبد الحليم محمود ﵀: "إذا كان السبب في ظهور الشيعة والخوارج هو الاختلاف على الإمامة؛ فإن السبب في ظهور الفرق – يشير إلى المشبهة والمعتزلة .. إلخ – هو البحث والجدل في العقيدة الدينية" (١).
والواقع أن خلاف المسلمين حول الإمامة العظمى بعد مقتل سيدنا عثمان ﵁ لم يكن سببا في نشأة الخوارج والشيعة وحدهم، بل كان سببا قريبا أو بعيدا في نشأة فرق أخرى كالمرجئة والقدرية. . الخ. لكن أثره في نشأة الشيعة والخوارج آكد وأظهر.
فقد كان الخوارج – قبل خروجهم عن الإمام علي – يكونون جزءا كبيرا من جيشه في حربه مع معاوية، وأدت قضية التحكيم – كما سنرى فيما بعد – إلى خروجهم على علي ومعاوية جميعا. ولولا هذا الخلاف الواقع بين المسلمين حول الإمامة لما كان هناك لتلك العوامل الأخرى التي دفعت بالخوارج إلى الخروج فاعليتها المؤثرة في ظهور الخوارج، على نحو ما صار إليه أمرهم فيما بعد. فلو استقرت الأمور للإمام علي لسار في الناس بسيرة النبي والخليفتين من بعده ولما كانت هناك مبررات لهذا الخروج الذي انتهى بالأمر إلى أن يصبح صراعا مسلحا مع الدولة الإسلامية في عهودها.
فالصراع حول الإمامة إذا له أثره البالغ في إيجاد الاستعداد العام من جهة والعوامل المباشرة من جهة أخرى لخروج الخارجين وثورة الثائرين على هذا الفريق أو ذاك أو عليهما معا، وإذا كنا سنتحدث هنا عن أسباب أخرى للخروج؛ فالواقع أنها ما كانت لتدفع بهم إلى الخروج على هذا النحو لو تجردت من الجو العام الذي أحدثه الصراع حول الإمامة، وحتى لو كانت بذور الثورة كامنة في نفوس الناس - كما قيل - منذ عهد عثمان ﵁.
فقد كان استقرار أمر الخلافة بعد ذلك خليقا أن يجعل لهذه الثورة منافذ هادئة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون الخروج المسلح على الخلفاء والأمة معهم على هذا النحو الذي كان عليه الخوارج.
وهناك جانب آخر من جوانب النزاع حول الخلافة التي دفعت بالخوارج إلى الخروج على بني أمية وبني العباس، وهو رأيهم في طريقة اختيار الخليفة وشروط صحة خلافته وكيفية قيامة بأمر الخلافة، وكان من أكبر الدوافع التي تدفعهم إلى الخروج تلك الطريقة التي كان يتم بها اختيار الخلفاء الأمويين والعباسيين عن طريق الوراثة. وهي طريقة تخالف ما يراه الخوارج من ضرورة اختيار الخليفة ممن يصلح للحكم عن طريق الانتخاب الحر من المسلمين، كما سنرى في بحث الخلافة. يقول أحمد أمين: "وقد وضعوا نظرية للخلافة هي: أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين. . إلى أن يقول: وهذه النظرية هي التي دعتهم إلى الخروج على خلفاء بني أمية ثم العباسيين؛ لاعتقادهم أنهم جائرون غير عادلين لم تنطبق عليهم شروط الخلافة في نظرهم" (٢).أضف إلى هذا ما كان في نفوسهم من الحسد لقريش على استقرار الخلافة والنبوة فيهم حسب ما ذهب إليه الأستاذ أبو زهرة من أن الخوارج "كانوا يحسدون قريشا على استيلائهم على الخلافة" (٣). وأن السبب في هذا الحسد يرجع إلى أن الخوارج كانت أكثريتهم من القبائل الربعية المنافسة للقبائل المضرية قبل الإسلام، وسوف نزيد هذه المسألة وضوحا عند دراستنا للعامل الرابع من عوامل أسباب خروجهم، وهو عامل العصبية. لقد وصل الحال بالخوارج إلى أن يعتبروا خيرة الصحابة كعثمان وعلي ﵄ في مقياسهم "أئمة زائفين - على حسب تعبير فلهوزن – يريد الخوارج أن يستبدلوا بهم أئمة صالحين" (٤). وهذا الموقف يعبر عن هذه الحساسية التي كانوا عليها تجاه الخلفاء وسياستهم في الحكم، فلقد كانت مسألة الخلافة نصب أعينهم في كل لحظة، وكان الخليفة (أي خليفة) أقرب إلى الاتهام عندهم منه إلى البراءة، ففي كل وقت كان مهددا بالخروج عليه إن زلت به قدم أو صدرت منه فلتة لسان.
وهكذا كان نزاع المسلمين حول الخلافة ودخول الخوارج طرف في هذا النزاع، وما كان لهم في موضوع الخلافة من رأي – كان كل ذلك من أول عوامل خروجهم على الإمام علي ومن جاء بعده من الخلفاء، إلى جانب أن هذا النزاع أوجد عاملا مباشرا فجر ثورة الخروج على الإمام علي وهو التحكيم.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٠٠
стр. 1843
المبحث الثاني: قضية التحكيم
ولقد وقع التحكيم في معركة صفين، وذلك حينما رضي علي – مُكرهاً – بالتحكيم وبتحكيم أبي موسى الأشعري أيضا وعمرو بن العاص ﵄ في هذه القضية.
وقد انتهينا إلى أن علياً كان مكرها على قبوله، ومع ذلك فقد نقم عليه الخوارج قبوله له وجعلوه من أسباب خروجهم عن طاعتهم ثم زادت نقمتهم عليه حينما ظهرت النتيجة في غير صالحه، ونسوا أنهم هم الذين أرغموه على قبوله، ولهذا فقد رفضوا الدخول تحت خلافته بل خرجوا عليه.
واعتبار التحكيم سببا مباشرا في خروج الخوارج على الإمام علي هو ما يذهب إليه عامة علماء الفرق والمؤرخين. وهو ما يظهر في محاورة الخوارج للإمام علي حول خروجهم حين قالوا له: " إنا حكمنا فلما حكما أثمنا وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء؛ إن الله لا يحب الخائنين (١)، فهم يرون أن التحكيم كفر يخرج عن الملة ويجب الخروج على من يعتقده. وهذا ما نراه في جوابهم لأبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري حين قال لهم في محاورته لهم ليرجعوا إلى الطاعة: عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل (٢). وهو أيضا جوابهم لابن عباس إذ إنهم خرجوا كما يقولون غضبا؛ لأن التحكيم غير مطلوب في هذه القضية؛ لأن معاوية وأصحابه - في نظرهم – يجب جهادهم دون أدنى شك، فكان من ضمن جوابهم لابن عباس قولهم له: وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم بينكم الموادعة وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية. بل صارحوا عليا نفسه حين سألهم عن سبب خروجهم قائلا لهم: " فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين (٣).وقد وصل التحدي بزرعة بن البرج الطائي أن يقول للإمام علي: " يا علي – ولم يناده بإمرة المؤمنين – لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله تعالى (٤). وقد تابع جولد زيهر علماء الفرق الإسلامية في اعتبار التحكيم سببا في خروج الخوارج، بل هو عنده السبب الأول وفي ذلك يقول: " وقد كانت موافقة علي على التحكيم الباعث الأول لظهور إحدى الفرق الدينية في الإسلام (٥).ولكننا نجد الدكتور عبد الرحمن بدوي يقلل من قيمة كون التحكيم سببا مباشرا في خروج الخوارج فيقول: " بيد أن هذا السبب المباشر هو أوهى الأسباب؛ فإن نزعة الخروج كانت كامنة في النفوس بسبب ما آل إليه أمر الخلافة على عهد عثمان وما انتهى إليه أمر الجماعة الإسلامية بعد مقتله؛ من تفرق الأمة إلى فريقين متعارضين متحاربين (٦).
والواقع أن التحكيم ليس هو أوهى الأسباب كما قال، بل هو السبب الذي فجر الموقف وشطر جيش الإمام علي شطرين كبيرين مؤيدين له وخارجين عليه، وما كان الموقف ليكون على الصورة التي كان عليها بدون هذا السبب، فلو فرضنا أن الإمام علي لم يقبل التحكيم وانتصر بجيشه على جيش معاوية وتمت السيطرة له على جميع الأمصار الإسلامية – لو فرضنا ذلك -؛ فإن من المستبعد أن تقوم حركة الخوارج على نحو ما قامت عليه إذا استقرت الأوضاع للإمام علي على هذا النحو.
أما نزعة الخروج التي كانت كامنة بين الناس فما كان لها أن تحدث نتائجها الكبيرة بدون أسباب قوية تدعو إلى تلك النتائج، ربما كانت هذه النزعة تؤدي إلى نقد بعض الأوضاع والتذمر منها والرغبة في إصلاحها – وهو شأن المحكومين دائما مع حكامهم -، ولكنها لا تؤدي إلى الخروج بالمعنى الحقيقي إلا إذا كانت هناك أسباب مباشرة قوية تدفع الناس إليه بما في نفوسهم من استعداد سابق له.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٠٣
стр. 1844
المبحث الثالث: جور الحكام وظهور المنكرات بين الناس
هكذا يقول الخوارج عن أنفسهم؛ أنهم إنما خرجوا لهذا السبب حتى يقيموا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعودوا بالناس إلى ربهم وإلى دينهم. ولقد كان هذا المعنى من أول المعاني التي يستعلن بها زعماء الخوارج فيحركون عامتهم للخروج وحمل السلاح ويستشيرونهم لتحقيق تلك الغاية. ومن هذا ما قاله عبد الله بن وهب الراسبي مخاطبا أتباعه من الخوارج بعد أن حمد الله وأثنى عليه: " أما بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا، التي الرضى بها والركون إليها والإيثار إياها عناء وتبار؛ آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق. . فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضللة " (١).ومثله قول حرقوص بن زهير لإخوانه من الخوارج: " إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (٢).وهكذا قول حيان بن ظبيان مخاطبا أصحابه، وقد كانوا خرجوا إلى الري فلما بلغهم نبأ مقتل علي سرهم ذلك جدا – فقال لهم حيان يحثهم على الخروج: " فانصرفوا بنا رحمكم الله، فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب؛ فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا، ولنا بأسلافنا أسوة " (٣).ولم يكن الخوارج يرون أن جور الخلفاء الأمويين والعباسيين وظهور المعاصي والمنكرات والمظالم في عهودهم هو الذي حركهم للخروج، بل كانوا يرون أن هذه الحال قد بدأت منذ عهد الإمام علي ﵁؛ فهم يعتبرون خلافته شرعية وأنهم يتطلعون إلى رجل مثل عمر في عدله وحزمه وكفاءته، وهذا هو ما نسمعه على لسان عبد الله بن شجرة السلمي الخارجي عندما قال له ولأصحابه قيس بن عبادة: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم - يعني قتلة عبد الله بن خباب - وأدخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم، وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين ". فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: " إن الحق قد أضاء لنا فلسنا نتبعكم أو تأتونا بمثل عمر " (٤).
ورأي الخوارج في علي لا يقل عن رأيهم في بقية الخلفاء من بعده؛ فهو عندهم – كما سبق – متهم بالكفر والظلم ومجانبة الحق، وأن جهاده بزعمهم قربة إلى الله، وهذا هو الذي دفعهم كما يقولون إلى الخروج عليه لعدم استحقاقه الخلافة، ولما عليه أتباعه من الضلال بزعمهم. وقد بينوا أيضاً أن من أسباب خروجهم عليه بعد التحكيم منعه لهم عن السبي يوم الجمل ظانين أنه بهذا المنع قد ظلمهم حقهم الذي استحقوه بجهادهم فيما يرون، وذلك في قولهم له: " أول ما نقمنا منك أن قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا من سبي نسائهم " (٥).
стр. 1845
والواقع إنهم ما كان ينبغي لهم أن يتعللوا بمثل هذا السبب في خروجهم عليه؛ إذ إن استرقاق المسلمين في حروبهم لبعضهم لا يجوز مطلقا فما بالك بنسائهم وذراريهم؟!
فإذا كانوا قد استحلوا الخروج على الإمام علي – مع عدله وفضله – فما ظنك بغيره؟! والواقع أن إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب على المسلمين، ولكنه لا يمكن أن يكون مبررا صحيحا لخروج الخوارج على هذا النحو الذي خرجوا عليه؛ فهناك ضوابط إسلامية في الإنكار على الولاة وإحقاق الحق بين الناس، حتى تؤتي هذه القاعدة الشرعية ثمرتها المرجوة في إصلاح الحكم والمجتمع؛ إذ لو جاز لكل إنسان أن يزيل ما يراه منكرا بأنكر منه لأفضى هذا العمل بالناس إلى الفساد والفوضى والخروج عن الجماعة. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) (١) وقد أخبر ﷺ بأن الأمراء سيكون منهم تارة الخير وتارة الشر، ومع هذا فإنه لا يجوز الخروج عليهم. فعن عرفجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ستكون في أمتي هنات وهنات وهنات - أي شرور وفساد - فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) (٢).وحين أخبر ﷺ أصحابه عن أمراء قائلا لهم: ((تعرفون منهم وتنكرون: قالوا له: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)) (٣).وفي رواية عند مسلم: ((قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف. فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة)) (٤).
وإذا كنا قد أمرنا بطاعة أولي الأمر وعدم جواز الخروج عليهم، فليس معنى ذلك أننا مأمورون بطاعتهم في كل ما يأمرون به، بل هناك أحاديث قد بينت الحد الذي تنتهي عنده طاعتهم وذلك فيما إذا أمروا بمعصية أو ظهر منهم كفر بواح؛ فحينئذ لا طاعة لهم؛ إذ إنه قد انتفى ما يوجب طاعتهم وهو عدم تمسكهم بالشرع. وسنزيد هذا وضوحا في بحث الإمامة إن شاء الله.
أما أن يتخذ جور الحكام وظهور المعاصي بين الناس سببا لحكم الخوارج على الناس بالكفر واستباحة دمائهم وأموالهم وإشاعة المظالم والمفاسد بينهم أكثر مما كانوا عليه؛ أما أن يتخذ ذلك فإن فيه مجانبة للحق والصواب.
وسنرى عنه في حديثنا عن خصائصهم نماذج كثيرة من أعمالهم التي ارتكبوها مما لا تمت إلى العدل وإبطال المنكر بسبب، ولقد كان اعتقادهم الباطل بتكفير غيرهم من المسلمين سببا في استباحة دماء وأموال هؤلاء الذين قالوا إنهم خرجوا حماية لهم من ظلم الحكام، وإذا كانت لهؤلاء الحكام مظالمهم بين الناس، فما ذنب المحكومين؟!
стр. 1846
ومن العجب أنهم مع إقرارهم بأن عمر بن عبد العزيز كان إماما عادلا وأنه أبطل مظالم بني أمية، إلا أنهم ظلوا على خروجهم عليه، وقد كان الأحرى أن يعاونوه على إقامة العدل وإشاعة الأمن بين الناس، فمن أسباب خروجهم عليه في نظرهم أنه لم يقر على آبائه بالكفر ويلعنهم كما طلبوا، وما كان ينبغي أن يكون إحجامه عن لعن آبائه دافعا لهم إلى الخروج عليه، فقد قال عمر لوفدهم الذي يمثله اثنان: أحدهما حبشي والآخر عربي: " أخبراني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا وما نقمتم علينا؟ فتكلم الذي فيه حبشية فقال: والله ما نقمنا عليك في سيرتك وإنك لتجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك. فقال عمر وما هو؟ قال: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها المظالم وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلالة فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق. هذا هو موقفهم معه وهو موقف يتسم بغاية التنطع والتمسك بالرأي دون رؤية أو تحر للحق؛ لقد أثبتوا على أنفسهم أنهم لا يعيبون عليه أي شيء في سيرته غير أنهم سيفارقونه إن لم يلعن آباءه، ولو أن هذا الطلب قدم إلى أفسق رجل وأخلع رجل لرفضه؛ ولهذا رد عليهم عمر ﵀ ردا مفحما، رد رجل عاقل عالم فقد قال لهم: " أرأيتم لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها؟! فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون؟! قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك لم لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق، ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم. ويحكم أنتم قوم جهال (١).
وفعلا كانوا كما ذكر، فقد اعترفوا في نهاية المحاورة برجوعهم إلى الحق، وأن الصواب مع عمر ﵀، ولئن كان جور الحكام وشيوع المنكرات بين الناس سببا دافعا للخروج فإنهم قد انحرفوا في الاستجابة لهذا السبب ولم يحققوا ما قصدوا إليه، بل زادوا عدد المظالم والمنكرات بأقبح منها وأشنع.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٠٦
стр. 1847
المبحث الرابع: العصبية القبلية
كان للعصبية بين قبائل العرب سلطان قوي قبل الإسلام، فلما بزغ نوره أخفت صوتها وأوهن قوتها فسكنت زمنا، ولكنها ظهرت من جديد شيئا فشيئا حتى استحكمت في خلافة عثمان وما بعدها فقد كادت العصبية أن تطل برأسها بعد وفاة الرسول ﷺ ومنذ بدء خلافة أبي بكر ﵁؛ فقد أراد أبو سفيان أن يحييها حيث أثارها بين بني هاشم محرضا لهم على عدم الرضا بخلافته وهو ليس بهاشمي وجعلها في علي، كما يحدثنا عن ذلك الطبري – إن صحت الرواية – عن عوانة أنه قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول:" والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟ علي والعباس، وقال: أبا حسن ابسط يديك حتى أبايعك، فأبى علي عليه، فجعل يتمثل بشعر المتلمس:
ولن يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته ... وذا يشج فلا يبكي له أحد
فزجره علي وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً لا حاجة لنا في نصيحتك (١).
ومن هذا يتبين موقف من مواقف العصبية البغيضة ظهر مبكرا، فلو أن أبا سفيان وجد من يصغي لكلامه ويقبله؛ لكانت شرور وفتن لا تنطفئ إلا بالدماء الجارية كما أرادها أبو سفيان حسب قوله. لقد كان علي إذا أحق بالخلافة حسب قانون العصبية؛ ولهذا فقد استعظم والد أبي بكر أبو قحافة حين سمع بتولية ابنه خليفة فقال: أو رضيت بنو عبد مناف وبنو مخزوم (٢).وفي عهد عثمان ﵁ وجدت العصبية الجو قد تهيأ لقبولها والتأثر بها؛ لأنها وجدت متنفسا في عهده عن كبتها الذي فرضه عليها أبو بكر وعمر ﵄، قال الطالبي: وفي عهد عثمان ﵁ وجدت العصبية مرتعا خصبا لما أن كثرت مجالات التنافس على المناصب في الولايات المختلفة وعلى الأموال أيضا (٣).وقد اتهم عثمان ﵁ بتولية أقربائه عصبية لبني أمية حتى كتب إليه مالك الأشتر قائلا له في كتابه: واحبس عنا سعيدك ووليدك ومن يدعو إليه الهوى من أهل بيتك (٤)، وهو اتهام له بالعصبية في تولية هؤلاء الذين ذكرهم الأشتر. ويبدو العنف قوياً في اتهام الخوارج الثائرين لعثمان بتولية قرابته وإيثارهم بذلك حين يقولون له على لسان جبلة بن عمرو: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. قال عثمان: أي بطانة؟! فوالله إني لأتخير الناس. فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد تخيرته! (٥). وكانت هذه الحجة، أي إيثاره قرابته من أشهر حججهم وأقواها عندهم وهي حجة واهية فأي مانع في أن يحب الشخص أقاربه ويدنيهم، ما دام أن ذلك لم يكن فيه محذور.
стр. 1848
ومن ظن بعثمان أنه ولى قرابته أمور دولته عصبية بغض النظر عن صلاحهم؛ فهو كاذب مفتر، فعثمان قد صدق والله أنه تخير، وأن من ذكرهم جبلة بن عمرو على قصد الذم هم خير منه وأصلح وهم من أبطال المسلمين المشهورين ورافعي راية الإسلام، والتاريخ يشهد لهم بهذا، ومن جهل فضلهم فليراجع سيرهم بعد أن يتجرد عن التعصب والهوى، وليراجع كتب التاريخ ليرى إجابة عثمان عن كل تلك الاتهامات الكاذبة التي وجهها إليه الثوار. والواقع أن الأمر قد صار بالمسلمين بعد أن وصفهم الله بالألفة والأخوة في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣]، وفي قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٣]- صار بهم الأمر إلى عصبيات فرقتهم شيعا وأحزابا، وقد وصف ابن العربي حالتهم بعد هياج تلك العصبيات بقوله: " وصارت الخلائق عزين في كل واد من العصبية يهيمون، فمنهم بكرية – نسبة إلى أبي بكر-، وعمرية – نسبة إلى عمر بن الخطاب-، وعثمانية – نسبة إلى عثمان بن عفان-، وعلوية – نسبة إلى علي بن أبي طالب-، وعباسية – نسبة إلى العباس، كل تزعم أن الحق معها وفي صاحبها والباقي ظلوم غشوم مقتر من الخير عديم، وليس ذلك بمذهب ولا فيه مقالة، وإنما هي حماقات وجهالات أو دسائس للضلالات، حتى تضمحل الشريعة وتهزأ الملحدة من الملة، ويلهو بهم الشيطان ويلعب، قد سار بهم في غير مسير ولا مذهب " (١).وفيما يتعلق بموضوعنا وهو استمرار ظهور العصبية في عهد الإمام علي ومدى اعتبارها كسبب محرك لظهور الخوارج - فيما يتعلق بذلك نرى أن العصبية قد استمرت في هذا العهد بين القبائل وأنها كانت تحكم تصرفات الخوارج مع الإمام علي منذ البداية، فيروي نصر بن مزاحم المنقري أن أهل العراق وخصوصا الأشعث الذي عده الشهرستاني من الخوارج الذين خرجوا على علي (٢)؛ منعهم التعصب من قبول أي مضري حكما من قبل الإمام علي، وأبى إلا أحد اليمنيين وهو أبو موسى الأشعري؛ فيذكر نصر أن الأشعث قال لعلي: " لا والله لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة، ولكن اجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا من مضر. فقال علي: إني أخاف أن يخدع يمنيكم؛ فإن عمرا ليس من الله في شيء إذا كان له في أمر هوى. فقال الأشعث: والله لأن يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان (٣).ولهذا امتنعوا أيضا من إرسال عبد الله بن عباس للمفاوضة حين طلب إليهم علي ذلك لأنه قرشي ومن قرابته، ولم يقبلوا إلا أبا موسى وكانت لهم الكلمة في جيش علي. فيذكر المبرد أن جيش علي كان جله من اليمنيين (٤)، ويذكر الطبري أن بين اليمانية والمضرية عصبية (٥).
стр. 1849
بل لقد كانت العصبية بين أهل القبيلة الواحدة أمرا قائما حتى ولو اختلف ولاؤهم كما وقع لخثعميين قتل أحدهما الآخر في موقعة صفين، حين حمل شمر بن عبد الله الخثعمي (من خثعم الشام) على أبي كعب (رأس خثعم العراق) فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي، ويقول: يرحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحما منهم وأحب إلي منهم نفسا، ولكن والله لا أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ولا أرى قريشا إلا وقد لعبت بنا (١). ومنها ما وقع أثناء قراءة الأشعث لكتاب التحكيم حين ضرب عروة عجز دابة الأشعث، فقد أرادت العصبية أن تثور بين النزارية واليمانية غضبا لتلك الضربة فلولا انشغالهم بقضية التحكيم لكان لهم شأن آخر (٢).
وقد حدث أن الخوارج فيما بعد – كما ذكر ابن الأثير – أنهم بقيادة شبيب خرجوا في مكان يسمى (بهر سير)، وكان الوالي لتلك الجهة مطرف بن المغيرة وكان يكره ظلم الحجاج وعبد الملك، فراسل الخوارج وطلب منهم إرسال وفد إليه لينظر فيما يدعون وحين سألهم عن دعوتهم قالوا له: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق وما نقمتم إلا جورا ظاهرا أنا لكم متابع فتابعوني على ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم. فقالوا: اذكره فإن يكن حقا نجبك إليه. قال: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على أحداثهم وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين يؤمرون من يرتضونه على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم. فقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه وقاموا من عنده وترددوا بينهم أربعة أيام فلم تجتمع كلمتهم (٣). فحين سمعوا بتولية أحد القرشيين نفروا عنه وعن استمالته إليهم.
ويذكر الأستاذ أبو زهرة أن العصبية والحسد هما الحافز القوي لخروج الخوارج، وقد كرر هذا المعنى في أكثر من موضع من كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، فهو يذكر أن العصبية كانت مختفية في زمن النبي ﷺ ثم ظلت مختفية إلى أن جاء عهد عثمان ﵁، فانبعثت في آخر عهده قوية لجية عنيفة، وكان انبعاثها له أثر في الاختلاف بين الأمويين والهاشميين أولا، ثم الاختلاف بين الخوارج وغيرهم، فقد كانت القبائل التي انتشر فيها مذهب الخوارج من القبائل الربعية لا من القبائل المضرية، والنزاع بين الربعيين والمضريين معروف في العصر الجاهلي، فلما جاء الإسلام أخفاه حتى ظهر في نحلة الخوارج، فكان من الطبيعي أن يكون الحسد من أول ثمار هذه العصبية ومن الأسباب التي حفزت الخوارج إلى الخروج. ويقول أيضا: ومن أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه - أنهم كانوا يحسدون قريشا على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم بها دون الناس (٤).
стр. 1850
وقد أورد الأستاذ أحمد أمين ﵀ أمثلة كثيرة لهياج العصبية بين الناس في عهد الدولة الأموية ثم العباسية. وقد قال المأمون في إجابته لرجل من أهل الشام حين طلب إليه الرفق بهم: وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاربا (١). ومن هنا فإننا لا نوافق على ما قاله فلهوزن مبرئا للخوارج من العصبية، وأنهم كما قال: كانوا حزبا ثوريا يعتصم بالتقوى لم ينشأوا عن عصبية العروبة بل عن الإسلام (٢). ولقد تطورت تلك العصبيات فيما بعد إلى أن كانت من أسباب تقويض ملك بني أمية (٣).ونحب أن نشير هنا إلى أن الخوارج فيما بعد قد انمحت لديهم العصبية القبلية والإقليمية، وحلت محلها العصبية للعقيدة والرأي، كما وقع في حوادث عدة كان الخوارج من القبلية يحاربون إخوانهم المخالفين لهم من نفس القبيلة حربا لا هوادة فيها، كما وقع لبني تميم من محاربة إخوانهم من بني تميم أيضا (٤).وكما نتبين هذا أيضا من استعطاف عتاب بن ورقاء الرياحي للزبير بن علي بن الماحوز رئيس الخوارج الذين حاصروا عتاب بن ورقاء يغادونه القتال ويراوحونه حتى ضاق بهم ذرعا وأيقن بالهلاك، فبعث عتباب بن ورقاء الرياحي إلى الزبير بن علي: أنا ابن عمك ولست أراك تقصد في انصرافك من كل حرب غيري. فبعث إليه الزبير: أن أدني الفاسقين وأبعدهم في الحق سواء (٥).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١١١
стр. 1851
المبحث الخامس: العامل الاقتصادي
ونعني بهذا العامل أن الخوارج خرجوا مدفوعين - كما قيل - بنقمتهم على ما ظنوه جورا في توزيع الفيء والغنائم، فقاموا بما قاموا به طلبا للمال. ويرى الطالبي أن العامل الاقتصادي في ظهور الخوارج عامل له أهميته وخطورته إلى جانب عامل العصبية، وينقل في ذلك عن ابن حجر أن أبا عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري ترجم في مسنده للأحاديث الواردة في الخوارج بقوله: بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك (١).والواقع أن النقمة بسبب تقسيم الفيء بدأت حتى منذ عهد رسول الله ﷺ كما وقع من ذي الخويصرة حيث اعتبرها الشهرستاني وابن الجوزي (٢) من عوامل نشأة الخوارج، وإن خروجهم يبتدئ من هذا الوقت، وإن كانت فيما يظهر لي أنها من الوقائع اليومية التي تجري بها العادة بين الناس لما جبلت عليه النفوس من حب المال والتطلع إلى الإكثار منه، وأنها مرت في حياة المسلمين مرورا عاديا دون أن تكون لها نتائج مباشرة؛ ذلك أن ذا الخويصرة لم يكن مدفوعا فيما قاله للنبي ﷺ بعصبة تحرضه على ذلك وإنما دفعته – كما قلنا – نزعته الفردية ولا سيما وأنه يعرف من عطف النبي صلوات الله وسلامه عليه ورحمته ما شجعه على ذلك.
ولهذا فإننا نلغي من حسابنا هذه الواقعة في دراسة مدى تأثير العامل الاقتصادي على قيام الخوارج، بل لقد ألغيناها سابقا كبدء لظهور فرقة الخوارج، وإن عددنا سابقة من السوابق التاريخية في تطلع الناس إلى الغنائم ونقمتهم على تقسيمها. ولقد ظهر ذلك بصورة واضحة كعامل من العوامل المحركة للثورة على عثمان ﵁؛ فبعد الهجوم عليه وقتله من قبل الثائرين تنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان - كما يقول الطبري، أو كان فيه مال كثير كما يقول ابن كثير - فقالوا: النجا النجا، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه (٣).
ولقد كان عثمان ﵁ متهما عند هؤلاء الثائرين عليه بإيثار قرابته بالعطايا على حساب بقية المسلمين، من بيت المسلمين ومن ذلك ما يرويه صاحب كشف الغمة من أن عثمان أعطى مروان من بيت المال مائة ألف وأنه أنفق على نفسه ودوره من بيت المال، وأنه جعل الصدقة لنفسه ولأهل بيته دون من جعلها الله لهم، ونقص أهل بدر أعطياتهم كل واحد ألفا ألف عما فرض لهم عمر ﵁، وكنز الذهب والفضة ... إلخ تلك الافتراءات التي اعتبروا فيها عثمان قد جار في توزيع الأموال، وأنه يستحق بذلك الخروج عليه. وقد أورد ابن أبي الحديد روايات في إعطاء عثمان أقاربه وأهله من بيت المال الشيء الكثير، ثم قال: والذي نقول نحن: إنها وإن كانت أحداثا إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه. وذكر أيضا في موضع آخر من كتابه شرح (نهج البلاغة) دفاعا عن عثمان للقاضي عبد الجبار وردا عليه من المرتضى (٤).
стр. 1852
ولسنا في مقام تحقيق ما ينسب إلى عثمان ﵁ في هذا الجانب أو في بيان نقده أو ذكر محامله الشرعية، فذلك له مقام آخر، وإنما نقصد هنا بيان أثر العامل الاقتصادي في ثورة الثائرين عليه. ومما لا شك فيه أن بعض عماله ﵁ قد ساعدوا على تحريك هذا العامل في نفوس الناس بما وقع من فلتات كلامهم أو بعض تصرفاتهم، ونذكر في هذا المقام ما قاله سعيد بن العاص والي العراق من قبل عثمان وهو يسامر بعض وجوه أهل الكوفة فقد قال لهم: إنما هذا السواد – يعني به سواد العراق – بستان لقريش. فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاء الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك، والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا إلا أن يكون كأحدنا. وتكلم معه القوم (١).ومن هنا بدأت الفتنة في الاشتعال وبدأ سب الولاة والخليفة نفسه، وكانت هذه الحادثة نواة لأحداث أثمرت فيما بعد الهجوم على الخليفة نفسه في المدينة حتى قتلوه، ويصف معاوية ﵁ أولئك الناقمين على عثمان في العراق في كتاب بعث به إليه يقول عنهم: إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة (٢).
وهكذا يتبين لنا أن للعامل الاقتصادي أثره في الثورة على عثمان ﵁، فهل كان الدافع لخروج الخوارج على علي أيضا هو العامل الاقتصادي؟ الجواب نعم ... إنه كان سببا من أسباب خروجهم عليه، وذلك حين منعهم من سبي أهل الجمل، بل هو أول ما نقموا عليه من الأمور كما عبروا عن هذا بقولهم له: " أول ما نقمنا منك أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا سبي نسائهم وذراريهم (٣).
ونقول: إن العامل الاقتصادي كان من أسباب خروج الخوارج على الإمام علي، ولكنه لم يكن السبب الوحيد كما ظهر لنا من استعراض الأسباب الأخرى. وكما قلنا من أن كل ظاهرة اجتماعية معقدة تكمن وراءها أسباب دينية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١١٨
стр. 1853
المبحث السادس: الحماس الديني يرى بعض العلماء أن سبب خروج الخوارج كان رد فعل لتمسكهم الشديد بالقرآن والسنة، وهو ما ذكره الطالبي بقوله: " فالتقوى والتمسك بالقرآن والسنة تمسكا شديدا من أسباب الخروج ودواعي الإنكار، إنكار جميع الأوضاع من أساسها ونبذ الفريقين المتقاتلين جميعا، فالتقوى والتمسك بالعقيدة في أصلها أدى بالخوارج إلى الثورة العنيفة على كل شيء " (١).وهو أيضا رأي لفلهوزن حيث يذكر أن الباعث على خروج الخوارج إنما كان ناتجا عن تقوى شديدة ورغبة في التوبة الفعلية من خطئهم في صفين حين قبلوا التحكيم، ولهذا فقد طالبوا الإمام عليا أن يتوب توبة فعلية ليرجعوا إلى طاعته، بل يرى أن التشدد في مبادئ الإسلام يفضي بهم إلى أن يتجاوزوا بنقدهم إلى النبي نفسه (٢).ويقول أحمد أمين: " وقد حملهم شديد إيمانهم أن ينتهزوا كل فرصة للدعوة إلى مبادئهم جهرا، ويرسلوا الرسل إلى خلفاء بني أمية يدعونهم ولم يضنوا بأي نوع من أنواع التضحية (٣).ويرى الأستاذ أبو زهرة كذلك أن تلك العاطفة الدينية الجياشة التي جعلتهم يندفعون إلى الخروج إنما كانت نابعة من حياتهم البدوية الساذجة فيقول: " كان أكثرهم من عرب البادية وقليل منهم من كان من عرب القرى، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبل الإسلام، ولما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسنا؛ لأنهم استمروا في باديتهم بشدتها وصعوبة الحياة فيها وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة في التفكير وضيق في التصور وبعد عن العلوم، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة بضيق نطاق العقول ومتهورة مندفعة؛ لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة لأنها لم تجد " (٤).
وبغض النظر عن مدى صحة ما علل به الأستاذ أبو زهرة عاطفتهم الدينية المتعصبة من الفقر والبداوة في أكثر الخوارج؛ فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن هذه العاطفة الدينية كانت بالفعل من الأسباب القوية المحركة لكثير من الخوارج في خروجهم، كما ينبئ عن ذلك غلوهم في العبادة وهو من أهم خصائصهم, وإن لم يمنعنا ذلك من أن نأخذ عليهم أن عاطفتهم الدينية المتحمسة قد دفعتهم إلى أعمال كثيرة خارجة عما يقتضيه التدين الصحيح المتسم بالتروي وعدم التعصب في معاملة الآخرين.
هذه هي أهم الأسباب التي عرضت في تعليل خروج الخوارج على الإمام علي وعلى الخلفاء من بعده، ولعل فيما قدمناه في هذا الفصل توضيحا لمدى أثر كل سبب من تلك الأسباب، سواء منها ما كان مباشراً أو غير مباشر.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٢١
стр. 1854
تمهيد
بعد أن عرضنا لوضع الخوارج الفكري والحربي والسياسي نبدأ الآن بالحديث عن فرق الخوارج؛ متى بدأ تكونها، وما هي الأسباب التي أدت إلى افتراق الخوارج بعد أن كانوا على رأي واحد، وما هي مناهج مؤرخي الفرق المختلفة في التاريخ لها؟
وأخيرا نقدم عرضا موجزا لتاريخ هذه الفرق، مرجئين بيان آرائها ومناقشتها في تلك الآراء إلى الباب التالي، اللهم إلا ما نذكره عرضا عن بعض آراء الفرق الفرعية.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٨٩
стр. 1855
المبحث الأول: نشأة فرق الخوارج وأسبابها
بدأ تكون فرق الخوارج – كما قلنا سابقا – بظهور نافع بن الأزرق وجماعته التي تنتسب إليه والتي عرفت باسم الأزارقة وذلك في أوائل الستينات، وتتابع بعد ذلك ظهور تلك الفرق سواء الفرق الكبرى أو ما تشعب عنها من فرق صغرى.
ولقد كان لهذا الافتراق أسبابه الظاهرة والخفية وإن لم تكن في أغلب الأحيان أسبابا لها قيمتها، فقد عرفنا عنهم أنهم كانوا يختلفون ويفترقون لأتفه الأسباب، ومهما يكن من أمر فإلى جانب اختلافهم حول سلوك بعضهم على هذا النحو أو ذاك كانت هناك أسباب لهذا الاختلاف ترجع إلى اختلافهم في الآراء الدينية وفي مواقفهم من الجماعة الإسلامية.
فقد كان الخوارج في مبدأ أمرهم لا يعرفون تلك التفاصيل في مذهبهم التي أحدثت بينهم الخلافات فيما بعد وفرقتهم فرقا متعددة ذات آراء مختلفة، كالاختلاف في القعدة والتقية والهجرة من دار مخاليفهم إلى دارهم، كذلك حكم أطفال مخالفيهم هل هو تابع لحكم آبائهم أم يختصون بحكم مستقل مع الاختلاف في حكم هؤلاء الآباء المخالفين. . الخ.
وقد أثرت فيهم هذه الاختلافات في الآراء حين حدثت فتعددت طوائفهم، واختلفت بتعدد هذه الآراء واختلافهم. وقد اختلف العلماء في الشخصية التي أحدثت هذه الخلافات بين صفوف الخوارج وفرقت كلمتهم وجعلت بعضهم يبرأ من بعض؛ فقيل إن أول من أحدث الخلاف بين الخوارج هو نافع الأزرق الحنفي، وقيل إن أول من أحدثها عبد ربه الكبير أو رجل يسمى عبد الله بن الوضين، وأن نافعا كان من المخالفين له في مبدأ أمره ولكنه بعد وفاته تبين له أن الحق كان معه فرجع إلى الأخذ بقوله وأكفر من يخالفه بعد ذلك. وأما من خالفه قبل ذلك – أي قبل أن يرى نافع أن قوله صحيح – فليس بكافر وكأن الحكم يبتدئ عنده من يوم أن تبين له صحة رأي ابن الوضين، وقيل إن أول من أحدثها عبد ربه الصغير (١).
والحقيقة كما يظهر لي أن خلاف الخوارج لم يشتد ولم يأخذ شكله الحاد إلا حين تبنى نافع بن الأزرق آراءه الخاصة في تلك المسائل التي لم يعرفها سلف الخوارج ولم يخوضوا فيها بالتفصيل، وحينما أخذ نافع في تطبيقها اعتبرها الخوارج آراء متطرفة لم يقل بها سلفهم من أهل النهروان ولا غيرهم؛ فمثلا حرم التقية واعتبرها خشية من غير الله لا تجوز بحال مستدلا بقوله تعالى: إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء: ٧٧].
وعلى هذا فإن القعدة الذين يستندون إلى التقية غير مؤمنين في نظره، واعتبر كل مخالفيه مشركين كفرة لا تحل مناكحتهم ولا موارثتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجب رد أماناتهم إليهم. ويحل أيضا قتل نسائهم وأطفالهم كما قال تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:٢٧]. وعندما وصل إلى هذا الحد انفصلت عنه النجدات بقيادة نجدة بن عامر؛ لأنهم رأوا أن هذه الآراء مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وسلفهم القديم قائلين له: " أحدثت ما لم يكن عمله السلف من أهل النهروان وأهل القبلة "، فأجابهم بأن هذه حجة عرفها وقامت عليه وينبغي الأخذ بها (٢). قال عبد الرحمن النجم: " إن الآراء الشديدة الغاية التي تبناها نافع بن الأزرق وضعت الخوارج في بداية مرحلة خطيرة، فقد فتحت مجالا واسعا أمام مجتهديهم لمناقشات نظرية واسعة استمرت فترة من الزمن وأدت إلى ظهور آراء متباينة ومواقف مختلفة وكانت سببا في تفرقهم، ولا ريب أن الاتجاه المعتدل الذي يمثله النجدات هو أقرب إلى آراء عامة المسلمين " (٣).وابن عبد ربه يرى أن الخوارج قبل وجود نافع بن الأزرق كانوا لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ حتى جاء نافع فأوجد فجوات ينهم؛ يقول ابن عبد ربه: " الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي وكانوا قبل على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ " (٤).
ومهما يكن من اختلاف العلماء حول تحديد أول من أحدث الافتراق بين الخوارج فقد كان لهذه الاختلافات أثرها السيء على مجرى حياتهم؛ إذ أخذ كل فريق منهم يشنع على مخالفيه قوله كما سيتبين لنا ذلك فيما بعد.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٠
стр. 1856
المبحث الثاني: مناهج مؤرخي الفرق في ذكر فرق الخوارج
عندما يريد الباحث حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يفاجأ بكثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبدا على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعا، وبعضهم يعدها خمسا، وبعضهم يعدها سبعا، وبعضهم يعدها ثماني، وآخرون خمسا وعشرين ... إلخ.
وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها:
أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة المضطهدة من جهة خصومهم وهم عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم.
أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفا عليها منهم أو ضنا بها عنهم وهي قليلة جدا قلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم.
أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصرا صحيحا.
أنهم كانوا – كما قلنا سابقا – سريعي التفرق؛ إذ حصول أقل سبب تافه كان كافيا لتفرقهم إلى فرق.
ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين.
وقد ذكر العلماء أقوالا كثيرة في ندرة كتبهم وفي صعوبة الوصول إلى حقيقة أمرهم وشكوا من هذا الأمر الذي يوقف الباحث أمام مشكلة هامة، وقد مر بنا الحديث في هذه المسألة في مقدمة الرسالة. وقد نتج عن سرعة تفرقهم لأقل سبب يحدث أن كثر رؤساؤهم وفرقهم كثرة اختلط أمرهم بسببها على المؤرخين، وفي هذا يقول أحمد أمين عنهم: والخوارج لم يكونوا وحدة، ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحا فيهم الطبيعة العربية البدوية فسرعان ما يختلفون وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة (١).وكذلك يقول الشيخ أبو زهرة؛ فإنه يرجع سبب تفرقهم إلى فرق متباينة إلى " كثرة الاختلاف فيما بينهم وتحيز كل فرقة لما ارتأت وتجمعها حوله حتى صاروا مذاهب وجماعات متباينة" (٢). ويقول الأستاذ محمد الطاهر النيفر عنهم: وكانوا كثيري التشاجر فيما بينهم لأتفه الأسباب، وربما كان هذا هو السر في انهزامهم مع قوة شكيمتهم في القتال (٣).
وفيما يلي بيان للاختلاف البعيد بين علماء الفرق في عد فرق الخوارج. فالأشعري يرى أنهم أربع فرق: الأزارقة، والنجدات، والإباضية والصفرية. ثم يقول: وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية " (٤).ويشاركه في هذا الحصر ابن عبد ربه، إلا أنه ذكر البهيسية مكان النجدات فهي عنده من فرقهم الكبرى (٥)، بينما هي عند غيره فرقة فرعية. ويرى صاحب إبانة المناهج أنها خمس فرق رئيسية وذكر الفرق التي تقدمت عند الأشعري وابن عبد ربه مثبتا أن الكل من كبار فرقهم، ويلاحظ عليه أنه اختلط عليه اسم عبد الله بن إباضي بعبد الله بن يحيى طالب الحق فنسب الإباضية إليه، وهو خطأ تاريخي (٦).ويرى البعض أنها سبع فرق رئيسية ومنهم محيي الدين الدبسي حيث أضاف إلى ما تقدم في إبانة المناهج فرقة المحكمة والعجاردة (٧)، وذكر أن فروع الإباضية عنده أربع فرق والعجاردة عشر فرق، ومثله الشاطبي فهو يعدها سبع فرق وهي: المحكمة، والبيهسية، والأزارقة، والحراث، والعبدية، والإباضية.
стр. 1857
والغريب في هذا التقسيم ذكر فرقة الحراث فلم يذكرها غيره في فرق الخوارج لا الرئيسية ولا الفرعية. وجوز الشيخ محمد رشيد رضا أن تكون هي النجدات وقد صحفها النساخ. وأيضا ذكر الشاطبي العبدية وهي كذلك مذكورة عند المؤرخين في فرق الخوارج، إلا أن يكون قصده المعبدية فهي وإن كانت من فرق الخوارج إلا أنها فرقة فرعية صغيرة من فرق الثعالبة، وقد ذكرها هو نفسه بأنها من فرق الثعالبة حين ذكر تقسيم الثعالبة، وقد قسم الإباضية إلى أربع فرق، والعجاردة إلى إحدى عشرة فرقة، والثعالبة التي هي إحدى فرق العجاردة أربع فرق (١).ويعدها الشهرستاني ثماني فرق وهي كبار فرق الخوارج عنده مضيفا إلى ما ذكره الدبس فرقة الثعالبة بأنها من فرقهم الكبار، وبعد أن ذكر تلك الفرق قال: " والباقون فروعهم " (٢).أما البغدادي فقد أوصلها إلى عشرين فرقة ذاكرا لها جميعا في موضعين من كتابه (الفرق بين الفرق)، وكان ذكره لفرق الخوارج في كل منهما عاما؛ لم يبين الفرق التي يعتبرها أصولا ولا الفرق التي يعتبرها فروعا، وإنما قال: " وأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة وهذه أسماؤها " (٣). ثم شرع في بيان تلك الأسماء سردا. أما عند الرازي فهم إحدى وعشرون فرقة (٤)، بينما هم عند الملطي خمس وعشرون فرقة (٥).
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام اختلاف العلماء في هذا العدد الكثير من فرق الخوارج، كل واحد قد اختار لنفسه العدد الذي وصل إليه اجتهاده ونظره، ولقد صدق الأستاذ الغرابي حين قال: " ونتيجة لما تقدم من أن الخوارج يكونون على رأي واحد ثم لا يلبث أن يحصل بينهم خلاف على رأي فينقسمون ويخرجون على إمامهم – قد انقسمت الخوارج إلى فرق كثيرة لم يتفق المؤرخون على عددهم ".
ويقول: " والحق أنه لا يمكن معرفة فرق الخوارج ولا ضبطها؛ لأن الخلافات كانت توجد بينهم على أقل شيء ". ويقول أيضا: " وأنه كما قلت ليس من السهل الاتفاق على كيفية تقسيم فرق الخوارج وأيها فروع، كما أنه ليس من السهل ضبط عدد فرقها كذلك لكثرة اختلافاتها وتقلباتها وخروج بعضها على بعض لأمر قد يكون بسيطا " (٦).
وعلى كل فسوف أقدم هنا تعريفا موجزا بجميع الفرق التي ذكرها المؤرخون سواء ما اتفقوا على ذكره أو اختلفوا فيه، وسواء ما اتفقوا كذلك على كونه أصليا أو فرعيا وما اختلفوا فيه، مركزين على الجانب التاريخي لكل فرقة، أما آراؤهم فموضعها القسم الثاني من هذا البحث إن شاء الله.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٣
стр. 1858
المطلب الأول: المحكمة
وهو أول تجمع يعد بمثابة التجمع الأم والأساس لكل الفرق التي أتت بعدها، وهذه – كما لا يخفى – انفصلت عن جيش الإمام علي بن أبي طالب ﵁ حين تمت الموافقة على التحكيم، ثم اشتد انفصالها بعد أن ظهرت النتيجة في غير ما كانوا يؤملون. وحينما خرجوا إلى حروراء كانوا يعاملون المسلمين الذين يخالفونهم في الرأي أبشع المعاملات وأقساها، يصفهم الملطي بقوله: " فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهي المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا، وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة " (١).
وهو يقصد بخروج الخارجي للتحكيم أن يحمل سيفه ثم يخرج مناديا في الناس: لا حكم إلا لله. وكان أول رئيس لهم هو عبد الله بن وهب الراسبي الذي قاد المعركة ضد علي بن أبي طالب في النهروان فقتلوا هناك شر قتلة. ومن أبشع جرائمهم قتلهم عبد الله بن خباب ابن صاحب رسول الله ﷺ بعد أن حدثهم بحديث يوجب القعود عن الفتن، فذبحوه على حافة النهر وبقروا بطن امرأته وكانت حبلى، وكان الذي تولى قتله - فيما يذكر الأشعري (٢) - مسعر بن فدكي، ويذكر البغدادي (٣) أنه رجل يسمى مسمعا؛ ويمكن الجمع بينهما بأن يقال إن مسعر بن فدكي الذي تولى رئاسة الوفد الذاهب إلى البصرة أمر مسمعا بقتل عبد الله بن خباب فقتله (٤)، ولعلهما شخص واحد حصل التصحيف في اسمهما لتقارب الشكل.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٨
стр. 1859
المطلب الثاني: الأزارقة زعيم هذه الفرقة هو نافع بن الأزرق المشهور بمساءلة ابن عباس، وقد ذكره بهذا الاسم كل من كتب في التاريخ والفرق إلا من شذ، وكنيته أبو راشد وهو من بني حنيفة، ومن الذين أخطأوا في اسمه الملطي ﵀، فقد سماه عبد الله بن الأزرق خلافا لتسمية الجمهور (١).
ومما يذكر عن ابتداء ظهور نافع بن الأزرق أنه اجتمع بالخوارج الذين يرون رأيه وطلب إليهم أن ينضموا إلى ابن الزبير لمقاتلة جيوش أهل الشام الذين حاصروا مكة، قائلا لهم من خطبة له: " وقد جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولوا العداء والغشم وهذا من ثار بمكة فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا "، فأطاعوه وخرجوا إلى مكة.
وأخيرا وبعد أن امتحنوا ابن الزبير وتبين لهم خلافه لرأيهم خرجوا عنه سنة ٦٤هـ، فخرجوا من مكة إلى جهتين جهة إلى البصرة وهم نافع بن الأزرق، وعبد الله بن الصفار السعدي، وعبد الله بن إباضي، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز عبد الله وعبيد الله بن الزبير، وجهة إلى اليمامة وهم أبو طالوت، وعبد الله بن ثور أبو فديك، وعطية الأسود اليشكري.
فأما أهل البصرة فقد أمروا عليهم نافع بن الأزرق وأقام بالبصرة إلى أن خشي من أهلها، فخرج إلى الأهواز وتبعه أتباعه إلى هناك. وأما أهل اليمامة فولوا عليهم أبا طالوت ثم خلعوه وولوا عليهم نجدة بن عامر، وقد استقر الأمر بنافع ومن معه في الأهواز " فغلبوا عليها وعلى كورها وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير، وقتلوا عماله بهذه النواحي " (٢)، إلى أن قتل نافع في سنة خمس وستين في شهر جمادى الآخرة عندما اشتدت المعركة بينه وبين جيش أهل البصرة بقيادة مسلم بن عبيس ابن كريز بن ربيعة في ناحية الأهواز الذي جهزه عامل البصرة من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن الحارث الخزاعي، وبعد قتل نافع في هذه المعركة ولى الخوارج أمرهم قطري بن الفجاءة الذي انشقت عليه الأزارقة فيما بعد (٣).وقد تابع حرب الأزارقة المهلب بن أبي صفرة الذي عينه ابن الزبير لحربهم فأثخن فيهم وأوهن قوتهم على ماتميزوا به من قوة وكثرة؛ يقول البغدادي: " ولم يكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة " (٤)، ولهذا فقد كان الناس منهم على وجل وفتنة لأنهم كانوا يتابعون عليهم الغارات في كل مكان لا يعرفون الهدوء ولا السلم. ويقول ابن حزم أنهم " إنما كانوا أهل عسكر واحد أولهم نافع بن الأزرق وآخرهم عبيدة بن هلال العسكري، واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة " (٥)، والمشهور في هذا الاسم الذي ذكره ابن حزم أنه عبيدة بن هلال اليشكري وليس العسكري كما قال.
وتعتبر فرقة الأزارقة أم الفرق بعد المحكمة إذ أن النجدات انشقت عن النجدات العطوية، وانشقت عن العطوية العجاردة، وهكذا. ويعد نافع بن الأزرق من مشاهير الخوارج فقد كان هو وفرقته السبب في تشعب آراء الخوارج على هذا النحو، فهو أول من فتح أبواب الخلاف بين الخوارج بتلك الأحداث التي بينها صاحب كتاب (الأديان) بقوله: " ولم يزالوا على ذلك – أي على الاتفاق – إلى أن مرق عليهم نافع بن الأزرق فشتت كلمتهم وفرق جماعتهم وخالف أمرهم وحاد عن اعتقادهم، أحدث أمورا خالف فيها المسلمين وأهل الاستقامة في الدين – يعني بهم الإباضية – وتتابعت الخوارج وافترقت إلى ستة عشرة فرقة بفرقة أهل الاستقامة ". ويقول عن مخالفة نافع لما عرف عند الخوارج من اعتقاد – إنه " أول من خالف اعتقاد أهل الاستقامة وشق عصا المسلمين وفرق جماعتهم؛ انتحل الهجرة وسبى أهل القبلة وغنم أموالهم وسبى ذراريهم وسن تشريك أهل القبلة وتبرأ من القاعد ولو كان عارفا لأمره تابعا لمذهبه، واستحل استعراض الناس بالسيف، وانتحل المهجرة وحرم مناكحتهم وذبائحهم وموارثتهم وابتدع اعتقادات فاسدة وآراء حايدة، خالف فيها المسلمين وأهل الاستقامة في الدين، وخرج من البصرة إلى الأهواز فغلب عليها وعلى ما والاها من بلاد فارس وكرمان وسجستان ومكران " (٦).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٩
стр. 1860
المطلب الثالث: النجدات
تنتسب النجدات إلى زعيمهم الأول نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي أو الثقفي كما يقول بعضهم. وقد سمي أتباعه بالنجدات العاذرية لعذرهم أهل الخطأ في الاجتهاد إذا كانوا جاهلين بوجه إذا كانوا جاهلين بوجه الصواب فيه، وقد كان نجدة مع نافع يدا واحدة إلى أن نقم عليه أشياء رأى نجدة أنها من البدع المضلة ففارق نافعا واستقل عنه بمن تبعه من أصحابه. ويختلف النقل في مكان خروجه؛ فبعضهم يرى أنه كان من اليمامة ومنها انتشر أمره إلى بقية البلدان وهذا هو المشهور (١)، بينما يذكر الملطي أنه خرج من جبال عمان (٢)، ولم أر فيما تيسر لي الاطلاع عليه أن غير الملطي قد قال بقوله، ويوصف نجدة بأنه كان شجاعا يتابع الغارات على من حوله حتى بلغ ملكه صنعاء جنوبا والبحرين والقطين، أي أنه أخذ مساحات واسعة من الدولة الإسلامية.
ولم يزل في قوته إلى أن اختلف عليه أصحابه وكان أشدهم عليه أبو فديك، وكان نجدة حين علم بتآمره ومن معه على قتله استخفى في قرية من قرى حجر، إلا أنه اكتشف أمره فاستخفى عند أخواله من بني تميم وعندها عزم على المسير إلى عبد الملك بن مروان فأتى بيته ليعهد إلى زوجته بما يلزم، ولكن الفديكية غشوه فقتلوه، وكان يقاتلهم بشجاعة نادرة وهو يتمثل بهذا البيت:
وإن جر مولانا علينا جريرة صبرنا لها إن الكرام الدعائم
وكان قتله في السنة الثانية والسبعين من الهجرة.
وقد تعددت الأسباب التي ثار من أجلها أصحاب نجدة عليه وهي أسباب وقعت متفرقة، إلا أن الحقد الذي امتلئت به قلوب الخارجين عليه ساعد على تجميعها وتضخيمها حتى صارت بحيث لم يطق الفديكيون الصبر على طاعة نجدة فدبروا قتله وقد تم لهم ذلك. ومن هذه الأسباب ما يلي:
أن أبا سنان، ويسمى حي بن وائل، أشار على نجدة بأن يقتل كل من أجابه تقية بعد أخذهم، ولكن نجدة قابله بعنف وشتمه قائلا له: كلف الله أحدا علم الغيب؟ قال: لا، قال: فإنما علينا أن نحكم بالظاهر.
أن نجدة سير سريتين الأولى منهما بحرا والثانية برا، وعند القسمة فضل سرية البحر على سرية البر فأغضب ذلك عطية بن الأسود أحد أتباعه وغضب نجدة أيضا عليه وشتمه، فأخذ هذا يحرض الناس على الخروج عن طاعة نجدة وعصيانه.
ونقم عليه أصحابه بأنه عطل حد الخمر وكان سبب ذلك أن رجلا من عسكره كان يشرب الخمر فبلغوا أمره إلى نجدة، فقال لهم: " إنه رجل شديد النكاية على العدو وقد استنصر رسول الله ﷺ بالمشركين "، ولكن هذا الجواب كان غير مقنع لهم.
أنه حين أغار على مدينة رسول الله ﷺ وقعت جارية من بنات عثمان بن عفان في يد أحد جنوده فاشتراها منه وردها إلى عبد الملك بن مروان، فأغضب هذا أتباعه وقالوا له: إنك " رددت جارية لنا على عدونا ".
أنه جرت بينه وبين عبد الملك مكاتبات كان عبد الملك يطلب منه الدخول في طاعته وأن يوليه اليمامة ويهدر له كل ما أصاب من مال أو دماء، فقال عطية: ما كاتبه عبد الملك إلا وهو يعرف أنه مداه في الدين.
ومنها أن بعض قومه فارقوه وشرطوا لعودتهم أن يتوب علينا ففعل ذلك، ولكنهم عادوا فقالوا: إنه لا ينبغي لنا أن نستتيبه وهو الإمام وطلبوا منه أن يتوب من توبته تلك؛ فوقع بينهم الاختلاف.