← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

المبحث الثاني: مناهج مؤرخي الفرق في ذكر فرق الخوارج عندما يريد الباحث حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يفاجأ بكثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبدا على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعا، وبعضهم يعدها خمسا، وبعضهم يعدها سبعا، وبعضهم يعدها ثماني، وآخرون خمسا وعشرين ... إلخ. وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها: أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة المضطهدة من جهة خصومهم وهم عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم. أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفا عليها منهم أو ضنا بها عنهم وهي قليلة جدا قلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم. أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصرا صحيحا. أنهم كانوا – كما قلنا سابقا – سريعي التفرق؛ إذ حصول أقل سبب تافه كان كافيا لتفرقهم إلى فرق. ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين. وقد ذكر العلماء أقوالا كثيرة في ندرة كتبهم وفي صعوبة الوصول إلى حقيقة أمرهم وشكوا من هذا الأمر الذي يوقف الباحث أمام مشكلة هامة، وقد مر بنا الحديث في هذه المسألة في مقدمة الرسالة. وقد نتج عن سرعة تفرقهم لأقل سبب يحدث أن كثر رؤساؤهم وفرقهم كثرة اختلط أمرهم بسببها على المؤرخين، وفي هذا يقول أحمد أمين عنهم: والخوارج لم يكونوا وحدة، ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحا فيهم الطبيعة العربية البدوية فسرعان ما يختلفون وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة (١).وكذلك يقول الشيخ أبو زهرة؛ فإنه يرجع سبب تفرقهم إلى فرق متباينة إلى " كثرة الاختلاف فيما بينهم وتحيز كل فرقة لما ارتأت وتجمعها حوله حتى صاروا مذاهب وجماعات متباينة" (٢). ويقول الأستاذ محمد الطاهر النيفر عنهم: وكانوا كثيري التشاجر فيما بينهم لأتفه الأسباب، وربما كان هذا هو السر في انهزامهم مع قوة شكيمتهم في القتال (٣). وفيما يلي بيان للاختلاف البعيد بين علماء الفرق في عد فرق الخوارج. فالأشعري يرى أنهم أربع فرق: الأزارقة، والنجدات، والإباضية والصفرية. ثم يقول: وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية " (٤).ويشاركه في هذا الحصر ابن عبد ربه، إلا أنه ذكر البهيسية مكان النجدات فهي عنده من فرقهم الكبرى (٥)، بينما هي عند غيره فرقة فرعية. ويرى صاحب إبانة المناهج أنها خمس فرق رئيسية وذكر الفرق التي تقدمت عند الأشعري وابن عبد ربه مثبتا أن الكل من كبار فرقهم، ويلاحظ عليه أنه اختلط عليه اسم عبد الله بن إباضي بعبد الله بن يحيى طالب الحق فنسب الإباضية إليه، وهو خطأ تاريخي (٦).ويرى البعض أنها سبع فرق رئيسية ومنهم محيي الدين الدبسي حيث أضاف إلى ما تقدم في إبانة المناهج فرقة المحكمة والعجاردة (٧)، وذكر أن فروع الإباضية عنده أربع فرق والعجاردة عشر فرق، ومثله الشاطبي فهو يعدها سبع فرق وهي: المحكمة، والبيهسية، والأزارقة، والحراث، والعبدية، والإباضية.

стр. 1857

والغريب في هذا التقسيم ذكر فرقة الحراث فلم يذكرها غيره في فرق الخوارج لا الرئيسية ولا الفرعية. وجوز الشيخ محمد رشيد رضا أن تكون هي النجدات وقد صحفها النساخ. وأيضا ذكر الشاطبي العبدية وهي كذلك مذكورة عند المؤرخين في فرق الخوارج، إلا أن يكون قصده المعبدية فهي وإن كانت من فرق الخوارج إلا أنها فرقة فرعية صغيرة من فرق الثعالبة، وقد ذكرها هو نفسه بأنها من فرق الثعالبة حين ذكر تقسيم الثعالبة، وقد قسم الإباضية إلى أربع فرق، والعجاردة إلى إحدى عشرة فرقة، والثعالبة التي هي إحدى فرق العجاردة أربع فرق (١).ويعدها الشهرستاني ثماني فرق وهي كبار فرق الخوارج عنده مضيفا إلى ما ذكره الدبس فرقة الثعالبة بأنها من فرقهم الكبار، وبعد أن ذكر تلك الفرق قال: " والباقون فروعهم " (٢).أما البغدادي فقد أوصلها إلى عشرين فرقة ذاكرا لها جميعا في موضعين من كتابه (الفرق بين الفرق)، وكان ذكره لفرق الخوارج في كل منهما عاما؛ لم يبين الفرق التي يعتبرها أصولا ولا الفرق التي يعتبرها فروعا، وإنما قال: " وأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة وهذه أسماؤها " (٣). ثم شرع في بيان تلك الأسماء سردا. أما عند الرازي فهم إحدى وعشرون فرقة (٤)، بينما هم عند الملطي خمس وعشرون فرقة (٥). وهكذا يجد الباحث نفسه أمام اختلاف العلماء في هذا العدد الكثير من فرق الخوارج، كل واحد قد اختار لنفسه العدد الذي وصل إليه اجتهاده ونظره، ولقد صدق الأستاذ الغرابي حين قال: " ونتيجة لما تقدم من أن الخوارج يكونون على رأي واحد ثم لا يلبث أن يحصل بينهم خلاف على رأي فينقسمون ويخرجون على إمامهم – قد انقسمت الخوارج إلى فرق كثيرة لم يتفق المؤرخون على عددهم ". ويقول: " والحق أنه لا يمكن معرفة فرق الخوارج ولا ضبطها؛ لأن الخلافات كانت توجد بينهم على أقل شيء ". ويقول أيضا: " وأنه كما قلت ليس من السهل الاتفاق على كيفية تقسيم فرق الخوارج وأيها فروع، كما أنه ليس من السهل ضبط عدد فرقها كذلك لكثرة اختلافاتها وتقلباتها وخروج بعضها على بعض لأمر قد يكون بسيطا " (٦). وعلى كل فسوف أقدم هنا تعريفا موجزا بجميع الفرق التي ذكرها المؤرخون سواء ما اتفقوا على ذكره أو اختلفوا فيه، وسواء ما اتفقوا كذلك على كونه أصليا أو فرعيا وما اختلفوا فيه، مركزين على الجانب التاريخي لكل فرقة، أما آراؤهم فموضعها القسم الثاني من هذا البحث إن شاء الله. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٣

стр. 1858

المطلب الأول: المحكمة وهو أول تجمع يعد بمثابة التجمع الأم والأساس لكل الفرق التي أتت بعدها، وهذه – كما لا يخفى – انفصلت عن جيش الإمام علي بن أبي طالب ﵁ حين تمت الموافقة على التحكيم، ثم اشتد انفصالها بعد أن ظهرت النتيجة في غير ما كانوا يؤملون. وحينما خرجوا إلى حروراء كانوا يعاملون المسلمين الذين يخالفونهم في الرأي أبشع المعاملات وأقساها، يصفهم الملطي بقوله: " فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهي المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم فيمن يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا، وكان الواحد منهم إذا خرج للتحكيم لا يرجع أو يقتل فكان الناس منهم على وجل وفتنة " (١). وهو يقصد بخروج الخارجي للتحكيم أن يحمل سيفه ثم يخرج مناديا في الناس: لا حكم إلا لله. وكان أول رئيس لهم هو عبد الله بن وهب الراسبي الذي قاد المعركة ضد علي بن أبي طالب في النهروان فقتلوا هناك شر قتلة. ومن أبشع جرائمهم قتلهم عبد الله بن خباب ابن صاحب رسول الله ﷺ بعد أن حدثهم بحديث يوجب القعود عن الفتن، فذبحوه على حافة النهر وبقروا بطن امرأته وكانت حبلى، وكان الذي تولى قتله - فيما يذكر الأشعري (٢) - مسعر بن فدكي، ويذكر البغدادي (٣) أنه رجل يسمى مسمعا؛ ويمكن الجمع بينهما بأن يقال إن مسعر بن فدكي الذي تولى رئاسة الوفد الذاهب إلى البصرة أمر مسمعا بقتل عبد الله بن خباب فقتله (٤)، ولعلهما شخص واحد حصل التصحيف في اسمهما لتقارب الشكل. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٨

стр. 1859

المطلب الثاني: الأزارقة زعيم هذه الفرقة هو نافع بن الأزرق المشهور بمساءلة ابن عباس، وقد ذكره بهذا الاسم كل من كتب في التاريخ والفرق إلا من شذ، وكنيته أبو راشد وهو من بني حنيفة، ومن الذين أخطأوا في اسمه الملطي ﵀، فقد سماه عبد الله بن الأزرق خلافا لتسمية الجمهور (١). ومما يذكر عن ابتداء ظهور نافع بن الأزرق أنه اجتمع بالخوارج الذين يرون رأيه وطلب إليهم أن ينضموا إلى ابن الزبير لمقاتلة جيوش أهل الشام الذين حاصروا مكة، قائلا لهم من خطبة له: " وقد جرد فيكم السيوف أهل الظلم وأولوا العداء والغشم وهذا من ثار بمكة فاخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل، فإن يكن على رأينا جاهدنا معه العدو وإن يكن على غير رأينا دافعنا عن البيت ما استطعنا ونظرنا بعد ذلك في أمورنا "، فأطاعوه وخرجوا إلى مكة. وأخيرا وبعد أن امتحنوا ابن الزبير وتبين لهم خلافه لرأيهم خرجوا عنه سنة ٦٤هـ، فخرجوا من مكة إلى جهتين جهة إلى البصرة وهم نافع بن الأزرق، وعبد الله بن الصفار السعدي، وعبد الله بن إباضي، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز عبد الله وعبيد الله بن الزبير، وجهة إلى اليمامة وهم أبو طالوت، وعبد الله بن ثور أبو فديك، وعطية الأسود اليشكري. فأما أهل البصرة فقد أمروا عليهم نافع بن الأزرق وأقام بالبصرة إلى أن خشي من أهلها، فخرج إلى الأهواز وتبعه أتباعه إلى هناك. وأما أهل اليمامة فولوا عليهم أبا طالوت ثم خلعوه وولوا عليهم نجدة بن عامر، وقد استقر الأمر بنافع ومن معه في الأهواز " فغلبوا عليها وعلى كورها وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير، وقتلوا عماله بهذه النواحي " (٢)، إلى أن قتل نافع في سنة خمس وستين في شهر جمادى الآخرة عندما اشتدت المعركة بينه وبين جيش أهل البصرة بقيادة مسلم بن عبيس ابن كريز بن ربيعة في ناحية الأهواز الذي جهزه عامل البصرة من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن الحارث الخزاعي، وبعد قتل نافع في هذه المعركة ولى الخوارج أمرهم قطري بن الفجاءة الذي انشقت عليه الأزارقة فيما بعد (٣).وقد تابع حرب الأزارقة المهلب بن أبي صفرة الذي عينه ابن الزبير لحربهم فأثخن فيهم وأوهن قوتهم على ماتميزوا به من قوة وكثرة؛ يقول البغدادي: " ولم يكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة " (٤)، ولهذا فقد كان الناس منهم على وجل وفتنة لأنهم كانوا يتابعون عليهم الغارات في كل مكان لا يعرفون الهدوء ولا السلم. ويقول ابن حزم أنهم " إنما كانوا أهل عسكر واحد أولهم نافع بن الأزرق وآخرهم عبيدة بن هلال العسكري، واتصل أمرهم بضعا وعشرين سنة " (٥)، والمشهور في هذا الاسم الذي ذكره ابن حزم أنه عبيدة بن هلال اليشكري وليس العسكري كما قال. وتعتبر فرقة الأزارقة أم الفرق بعد المحكمة إذ أن النجدات انشقت عن النجدات العطوية، وانشقت عن العطوية العجاردة، وهكذا. ويعد نافع بن الأزرق من مشاهير الخوارج فقد كان هو وفرقته السبب في تشعب آراء الخوارج على هذا النحو، فهو أول من فتح أبواب الخلاف بين الخوارج بتلك الأحداث التي بينها صاحب كتاب (الأديان) بقوله: " ولم يزالوا على ذلك – أي على الاتفاق – إلى أن مرق عليهم نافع بن الأزرق فشتت كلمتهم وفرق جماعتهم وخالف أمرهم وحاد عن اعتقادهم، أحدث أمورا خالف فيها المسلمين وأهل الاستقامة في الدين – يعني بهم الإباضية – وتتابعت الخوارج وافترقت إلى ستة عشرة فرقة بفرقة أهل الاستقامة ". ويقول عن مخالفة نافع لما عرف عند الخوارج من اعتقاد – إنه " أول من خالف اعتقاد أهل الاستقامة وشق عصا المسلمين وفرق جماعتهم؛ انتحل الهجرة وسبى أهل القبلة وغنم أموالهم وسبى ذراريهم وسن تشريك أهل القبلة وتبرأ من القاعد ولو كان عارفا لأمره تابعا لمذهبه، واستحل استعراض الناس بالسيف، وانتحل المهجرة وحرم مناكحتهم وذبائحهم وموارثتهم وابتدع اعتقادات فاسدة وآراء حايدة، خالف فيها المسلمين وأهل الاستقامة في الدين، وخرج من البصرة إلى الأهواز فغلب عليها وعلى ما والاها من بلاد فارس وكرمان وسجستان ومكران " (٦). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٩٩

стр. 1860

المطلب الثالث: النجدات تنتسب النجدات إلى زعيمهم الأول نجدة بن عامر بن عبد الله بن ساد بن المفرج الحنفي أو الثقفي كما يقول بعضهم. وقد سمي أتباعه بالنجدات العاذرية لعذرهم أهل الخطأ في الاجتهاد إذا كانوا جاهلين بوجه إذا كانوا جاهلين بوجه الصواب فيه، وقد كان نجدة مع نافع يدا واحدة إلى أن نقم عليه أشياء رأى نجدة أنها من البدع المضلة ففارق نافعا واستقل عنه بمن تبعه من أصحابه. ويختلف النقل في مكان خروجه؛ فبعضهم يرى أنه كان من اليمامة ومنها انتشر أمره إلى بقية البلدان وهذا هو المشهور (١)، بينما يذكر الملطي أنه خرج من جبال عمان (٢)، ولم أر فيما تيسر لي الاطلاع عليه أن غير الملطي قد قال بقوله، ويوصف نجدة بأنه كان شجاعا يتابع الغارات على من حوله حتى بلغ ملكه صنعاء جنوبا والبحرين والقطين، أي أنه أخذ مساحات واسعة من الدولة الإسلامية. ولم يزل في قوته إلى أن اختلف عليه أصحابه وكان أشدهم عليه أبو فديك، وكان نجدة حين علم بتآمره ومن معه على قتله استخفى في قرية من قرى حجر، إلا أنه اكتشف أمره فاستخفى عند أخواله من بني تميم وعندها عزم على المسير إلى عبد الملك بن مروان فأتى بيته ليعهد إلى زوجته بما يلزم، ولكن الفديكية غشوه فقتلوه، وكان يقاتلهم بشجاعة نادرة وهو يتمثل بهذا البيت: وإن جر مولانا علينا جريرة صبرنا لها إن الكرام الدعائم وكان قتله في السنة الثانية والسبعين من الهجرة. وقد تعددت الأسباب التي ثار من أجلها أصحاب نجدة عليه وهي أسباب وقعت متفرقة، إلا أن الحقد الذي امتلئت به قلوب الخارجين عليه ساعد على تجميعها وتضخيمها حتى صارت بحيث لم يطق الفديكيون الصبر على طاعة نجدة فدبروا قتله وقد تم لهم ذلك. ومن هذه الأسباب ما يلي: أن أبا سنان، ويسمى حي بن وائل، أشار على نجدة بأن يقتل كل من أجابه تقية بعد أخذهم، ولكن نجدة قابله بعنف وشتمه قائلا له: كلف الله أحدا علم الغيب؟ قال: لا، قال: فإنما علينا أن نحكم بالظاهر. أن نجدة سير سريتين الأولى منهما بحرا والثانية برا، وعند القسمة فضل سرية البحر على سرية البر فأغضب ذلك عطية بن الأسود أحد أتباعه وغضب نجدة أيضا عليه وشتمه، فأخذ هذا يحرض الناس على الخروج عن طاعة نجدة وعصيانه. ونقم عليه أصحابه بأنه عطل حد الخمر وكان سبب ذلك أن رجلا من عسكره كان يشرب الخمر فبلغوا أمره إلى نجدة، فقال لهم: " إنه رجل شديد النكاية على العدو وقد استنصر رسول الله ﷺ بالمشركين "، ولكن هذا الجواب كان غير مقنع لهم. أنه حين أغار على مدينة رسول الله ﷺ وقعت جارية من بنات عثمان بن عفان في يد أحد جنوده فاشتراها منه وردها إلى عبد الملك بن مروان، فأغضب هذا أتباعه وقالوا له: إنك " رددت جارية لنا على عدونا ". أنه جرت بينه وبين عبد الملك مكاتبات كان عبد الملك يطلب منه الدخول في طاعته وأن يوليه اليمامة ويهدر له كل ما أصاب من مال أو دماء، فقال عطية: ما كاتبه عبد الملك إلا وهو يعرف أنه مداه في الدين. ومنها أن بعض قومه فارقوه وشرطوا لعودتهم أن يتوب علينا ففعل ذلك، ولكنهم عادوا فقالوا: إنه لا ينبغي لنا أن نستتيبه وهو الإمام وطلبوا منه أن يتوب من توبته تلك؛ فوقع بينهم الاختلاف.

стр. 1861

أنه حكم بالشفاعة؛ وذلك حينما كلمه أصحابه في رجل فأعطاه فرسا. ونقموا عليه أيضا عطاءه مالك بن مسمع ما يقدر بعشرة آلاف درهم حين أمر عامله هميان بن عدي السدوسي بذلك (١). وهكذا ألقت تلك الأسباب الظاهرة وغيرها جوا من العداء المستحكم لنجدة، وهي في ظاهرها حجج واضحة إن صحت نسبتها إليه، ولكن الحقيقة هو أن تلك الأسباب كان لها ما يغذيها وهو التعصب القبلي بين بني حنيفة وبني قيس بن ثعلبة الذي ينتسب إليهم أبو فديك؛ حيث أراد هؤلاء نقل السلطة من يد بني حنيفة إليهم هم، وفعلا تم لهم ما أرادوا وذلك بعد تولية أبي فديك مكان نجدة الحنفي. ثم نقل أبو فديك عاصمة الحكم من اليمامة إلى البحرين مقر قبيلته قيس بن ثعلبة، وبعد قتل نجدة أصبح النجدات على ثلاث فرق؛ فريق ما زال على تأييده له، وفريق مع أبي ثور، وفريق مع عطية بن الأسود الحنفي. أما أبو فديك فقد قتل سنة ٧٣هـ حين أرسل له عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن الزبير معمر في عشرة آلاف مقاتل، ساروا حتى التقوا بأبي فديك في البحرين بالمشقر فدارت بينهم معركة أسفرت عن قتل أبي فديك ونزل أصحابه على حكم عمر بن عبيد الله، وقد قتل منهم نحو ستة آلاف وأسر ثمانمائة (٢). وانتهى أمر أبي فديك. أما عطية فقد لاحقته جيوش المهلب بن أبي صفرة وهو يفر من قطر إلى آخر، حتى لحقته بالسند فقتل هناك وانتهى أمره. ولقد كانت فرقة النجدات من الفرق المشهورة كالأزارقة، وحينما يذكر العلماء سيرتهم يختلفون، فبينما هم عند المطلي ومن يرى رأيه خرجوا يقتلون الأطفال ويسبون النساء ويهرقون الدماء ويستحلون الفروج والأموال، وإذا هم عند آخرين من الرحماء يجوزون التقية ويرون رد الأمانات إلى أهلها وجوبا، ولم يقبلوا بقتل الأطفال، ويرون المقام بين مخالفيهم لا بأس به، وأنهم يمثلون الاتجاه المعتدل الذي يقربهم إلى آراء عامة المسلمين. وهذا نموذج لتضارب أقوال العلماء عنهم فمنهم من اشتد عليهم حتى حكم عليهم بالكفر الصريح، ومنه من قال عنهم غير ذلك. ومن الذين وقفوا منهم موقف التشدد ونسبوا إليهم الأفعال القبيحة التي تخرج الشخص من الإسلام غير الملطي، صاحب كتاب (الأديان) والدبسي (٣). ومن الذين قالوا عنهم خيرا ونسبوا إليهم الاعتدال واللين في مسامحة مخالفيهم من المسلمين: ابن الجوزي، والأشعري، والبغدادي، والشهرستاني، وغيرهم (٤). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٠٢

стр. 1862

المطلب الرابع: الإباضية زعيمهم الأول والحقيقي الذي يقدمونه على كل أحد هو جابر بن زيد الأزدي – كما تذكر مصادرهم – ونسبوا إلى عبد الله بن إباض لشهرة مواقفه مع الحكام المخالفين لهم، وقد اشتهروا بهذا الاسم عند جميع من كتب عن الفرق، لم يخالف في هذا إلا من شذ. اتفقوا جميعا على أنه عبد الله بن يحيى بن إباض المري من بني مرة بن عبيد وينسب إلى بني تميم، ولكن سماه الملطي " إباض بن عمرو" (١). وهذا خروج على ما ذكره الجمهور من صحة اسمه، والغريب أن الملطي ذكر بعد صفحات اسمه الصحيح فقال: " ومنهم الإباضية سموا بعبد الله بن إباض" (٢).أما صاحب إبانة المناهج فقد سماه يحيى بن عبد الله بن الإباضي (٣)، وقد كان ابن إباض معاصرا لابن الزبير مع الخوارج الذين حاربوا معه ضد جيوش الشام كما يذكر ذلك الحافظ ابن كثير (٤). ولعل شبهة من سماه يحيى بن عبد الله أن التبس عليه اسم إباض باسم يحيى بن عبد الله طالب الحق – كما ذكرنا من قبل-، وهو الذي ثار بالجزيرة العربية باليمن. ولعل هذا الاختلاف في اسمه هو الذي حدا بابن حزم إلى أن يذكر أن الإباضية لا يعرفون ابن إباض وأنه شخص مجهول (٥). وهو بلا شك مبالغ في هذا الحكم، والصحيح أنهم يعرفونه ويعترفون به كما تذكر مصادرهم ذلك. فقد رد عليه علي بن يحيى معمر في كتابه الإباضية لا يعرفون عبد الله بن إباض غير صحيح بل يعرفونه ويعرفون كل تاريخه، وأن قول إنهم يتبرأون منه تناقض من ابن حزم إذ كيف يتبرأون من إنسان لا يعرفونه؟! (٦).ثم نتساءل من أين لهم نسبة الإباضية إذا لم يكن ابن إباض من أوائلهم، ويقول البغدادي في هذا: " اجتمعت الإباضية على القول بإمامة عبد الله بن إباض " (٧). ويقول السالمي: إنا ندين بتصويب الأولي نكروا ... حكومة الحكمية حينما جهلا والراسبي أولي بعد جملتهم ... ومن به نسب الإسلام قد وصلا عنيت نجل إباض فهو حجتنا ... أما ترى فخره للمسلمين جلا (٨). ويرى الشهرستاني أن خروج عبد الله بن إباض كان في زمن مروان بن محمد فوجه إليه عبد الله بن محمد بن عطية فقاتله بتبالة (٩)، ولكن هذا غير صحيح؛ فإن عبد الله بن إباض توفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان. وفي هذا يقول علي يحيى معمر: " كثير من المؤرخين وأصحاب المقالات يحسبون أن عبد الله بن إباض خرج في أيام مروان بن محمد وأنه قتل في معركة تبالة، وهو خطأ تاريخي؛ لأن عبد الله بن إباض الذي تنسب إليه الإباضية توفي في أواخر أيام عبد الملك وهو أكبر من جابر في السن وتابع له في المذهب والرأي، ونسب المذهب إليه لأنه كان أكثر ظهورا في الميدان السياسي عند الدولة الأموية والتسمية منها " (١٠).

стр. 1863

وهكذا يقول عمرو خليفة النامي في مقدمة كتاب (أجوبة ابن خلفون)، فهو يذكر أن مؤسس المذهب الإباضي هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي وهو من أخص تلاميذ ابن عباس. ثم يذكر أن نسبة المذهب الإباضي إلى ابن إباض – وهو تابعي أيضا عاصر معاوية وتوفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان – نسبة عرضية كان سببها بعض المواقف الكلامية والسياسية التي اشتهر بها ابن إباض وتميز بها فنسب المذهب الإباضي إليه، ولم يستعمل الإباضية في تاريخهم المبكر هذه النسبة فكانوا يستعملون عبارة " جماعة المسلمين " أو " أهل الدعوة "، وأول ما ظهر استعمالهم لكلمة الإباضية كان في أواخر القرن الثالث الهجري (١)، حسبما يذهب إليه ابن خلفون. أما فرقة الإباضية نفسها فقد اشتهرت باللين والمسامحة تجاه مخالفيهم وهذا ما يذكره أكثر علماء التاريخ والفرق، ولكن نجد بين العلماء من يذكر خلاف هذا كالملطي فإنه يقول عنهم: " الإباضية أصحاب إباض بن عمرو، خرجوا من سواد الكوفة فقتلوا الناس وسبوا الذرية وقتلوا الأطفال وكفروا الأمة وأفسدوا في العباد والبلاد " (٢).أما الدبسي فهو لا يقل عنه عنفا فقد قال: " الفرقة السادسة من فرق الخوارج: الإباضية، يجب تكفيرهم لأنهم كفروا عليا ﵁ وأكثر الصحابة " (٣). بينما نراهم عند بعض العلماء أهل تواضع فهم " لا يسمون إمامهم أمير المؤمنين ولا أنفسهم مهاجرين " (٤).ونرى أن منهم من يذكر أن قول عبد الله بن إباض هو أقرب الأقاويل إلى السنة (٥)، كما يستفيض النقل عنهم بأن معاملتهم لمخالفيهم تتسم بكثير من التسامح واللين وهكذا. ويقول الأستاذ أبو زهرة: " الإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض وهم أكثر الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو، ولذلك بقوا ولهم فقه جيد وفيهم علماء ممتازون (٦). . الخ ".والواقع أن الإباضية شديدو التمسك بمذهبهم يبغضون غيره من المذاهب ويرون أنها كلها باطلة ما عدا مذهبهم، وفي ذلك يقول العيزاني: " الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات، فنقول معشر الإباضية الوهبية: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا، لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصدق " (٧).وهذا نموذج ومن أراد الزيادة في هذا فليراجع كتب الإباضية مثل: اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وكتاب (الدليل لأهل العقول)، وكذا مخطوطة المارغيني (٨) .. الخ. وهذا وقد انقسمت الإباضية إلى فرق منها ما يعترفون بها ومنها ما ينكرونها. وأولى هذه الفروق:

стр. 1864

الحفصية: وزعيمهم يسمى حفص بن أبي المقدام وله أقوال تخرجه عن الإسلام: كإنكاره النبوة وإنكاره الجنة والنار واستحلال كثير من المحرمات. وقد أثبت علماء الفرق بأنها أولى فرق الإباضية (١)، ولكن علي يحيى معمر ينفي أن تكون هذه الفرقة من الإباضية أشد النفي بل ويشك فيها وفي وجودها، وينكر أن يكون لهذه الفرقة أو زعيمها ذكر في كتب الإباضية (٢).والفرقة الثانية من الإباضية تسمى اليزيدية نسبة إلى إمامهم المسمى يزيد بن أنيسة أو ابن أبي أنيسة كما يسميه بعضهم. وليزيد هذا من الأقوال ما تخرجه عن الإسلام صراحة، كاعتقاده مجيء رسول غير محمد ﷺ (٣) وكقوله: إن في هذه الأمة شاهدين عليها هو أحدهما والآخر لا يدري من هو ولا متى هو، ولا يدري لعله قد كان قبله (٤) ... إلى غير هذا من الخلط. ورغم أن علماء الفرق قد قالوا بأن هذه الفرقة من الإباضية إلا أن علي يحيى معمر ينفيها كما نفى الفرقة السابقة وهي الحفصية (٥)، ويستغرب من أبي الحسن كيف نسبها إلى الإباضية مع أنه حكم عليها بالكفر في قوله: " فترك يزيد بن أنيسة شريعة محمد ﷺ ودان بشريعة غيرها ".والفرقة الثالثة تسمى الحارثية نسبة إلى حارث بن يزيد الإباضي. وهذه الفرقة تزعم أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبد الله بن إباض وبعده حارث بن يزيد الإباضي (٦)، ورغم هذا فإن علي يحيى معمر يقول عنه: " وهذا الحارث أيضا لم يحرث عن الإباضية ولم يزرع لا آراء ولا حبوبا ولم يحصد الإباضية عنه أو عن فرقته شيئا إن كان حقا حرث في أي مكان" (٧).والفرقة الرابعة من فرق الإباضية يسميها أصحاب المقالات " أصحاب طاعة لا يراد بها الله؛ وذلك لاعتقادهم بأن الشخص قد يفعل شيئا من أوامر الله دون قصد الله بذلك العمل ولا إرادة له في تنفيذ أمر الله، ولكنه مع هذا يكون مطيعا لله، وهي مسألة تافهة لا يخرج الناظر فيها بفائدة. وهذه الفرقة من الفرق التي تنسب إلى الإباضية حسب ما ذكره الأشعري والبغدادي والشهرستاني والدبس (٨).غير أن علي يحيى معمر الذي نفى تلك الفرق السابقة نفى هذه أيضا ورد على من قال بإدخالها في الإباضية ردا عنيفا، كما في قوله وهو يرد على الأشعري: " ويبدو أن أبا الحسن لم يجد لهذه الفرقة إماما فلم يذكر لها إماما وإنما جاء يسوق أتباعها لها كما يساق القطيع حتى أدخلهم في حظيرة الإباضية وتركهم. . وعلى كل حال فهذه فرقة ليس لها إمام وليس لها اسم وكل ما في الأمر أنه نسب إليها قول يناقض مناقضة كاملة ما عند الإباضية في هذا الموضوع " (٩). وفيما يتعلق بنفي علي يحيى معمر لصحة انتساب الفرق السابقة إلى الإباضية فإن انحراف زعماء هذه الفرق في آرائهم لا يقوم دليلا قاطعا على عدم انتسابهم إلى الإباضية؛ إذ يجوز أن يكون هؤلاء الزعماء كانوا في صفوف الإباضية ثم انفصلوا عنها بآرائهم الشاذة وبمن شايعهم على تلك الآراء، وتظل نسبتهم إلى الإباضية بعد ذلك ثابتة نظرا لكونهم في صفوف الإباضيين في الأصل.

стр. 1865

وهناك ست فرق للإباضية في المغرب، هي: النكار، النفاثية، الخلفية، الحسينية، السكاكية، الفرثية. الفرقة الأولى: النكار: وتسمى أيضا النكاث والنجوية والشغبية، ظهرت سنة ١٧١هـ بزعامة أبي قدامة يزيد بن فندين الذي انشق عن الإباضية لسبب سياسي، وذلك أن عبد الرحمن بن رستم حينما أحس بدنو أجله عين لمن يلي الخلافة بعده سبعة أفراد يختار الناس من بينهم من ارتضوه، وكان من بين هؤلاء السبعة ولده عبد الوهاب وأبو قدامة، وبعد الخوض في الموضوع انتخبوا عبد الوهاب، وحين أريد أبو قدامة للمبايعة بايع ولكنه شرط في بيعته قوله: " نبايع على ألا يقضي في شيء دون مشورة جماعة مخصوصة من الناس "، ولكن رد عليه أحد الحاضرين بقوله: " لا نعرف شرطا للبيعة إلا العمل بكتاب الله وسيرة السلف الصالحين ". ثم أغفل هذا الموضوع وتمت البيعة لعبد الوهاب، إلا أن يزيد بن فندين كان يستثيره التطلع إلى الخلافة والحكم فأعلن أن بيعة عبد الوهاب باطلة لأنه لم ينفذ الشرط الذي اشترطه يزيد وهو استشارة تلك الجماعة، ثم قام بمحاولة انقلاب كان هو نفسه ضحيتها، وقد أوضحنا ذلك عند كلامنا عن دولة الخوارج بالمغرب. ثم تزعم النكار بعده رجل يسمى أبا معروف شعيب بن معروف ومن هنا أخذت حركة النكار في التوسع إلى أن قضى عليها العبيديون في حروب طاحنة، ومن أهم مبادئها أنه لا تصح إمامة المفضول مع وجود الأفضل منه، وأنه يصح الاشتراط عند مبايعة الحاكم وإذا خالف تلك الشروط بطلت بيعته. ولهذا فهم يبررون خروجهم على عبد الوهاب بأنه لم يف بتلك الشروط التي اشترطوها حين البيعة. وقد كفرهم المارغيني وذكر عددا من رجالاتهم بقوله: " قالت المشائخ بتكفير النكار الفرقة الملحدة في الأسماء، وأولهم عبد الله بن يزيد الفزاري، وعبد الله بن عبد العزيز، وأبو المؤرخ عمرو بن محمد السدومي، وشعيب بن معروف، وحاتم بن منصور، ويزيد بن فندين، وأبو المتوكل ". ثم استرسل في ذكر كثير من آرائهم التي نقمها عليهم وإن لم يذكر منها شيئا صالحا لتبرير ما ذهب إليه في تكفيرهم. ويقول أبو إسحاق أطفيش: إنهم سموا نكاثا لنكثهم بيعة الإمام عبد الوهاب، وسموا نجوية لكثرة تناجيهم ليلة تآمرهم على قتل الإمام. ولمزيد من الإيضاح لتلك الوقائع المؤلمة بين ابن فندين والإمام عبد الوهاب ارجع إلى " الأزهار الرياضية "، فقد توسع كثيرا في هذا الموضوع، ولترى الحيلة التي دبرها ابن فندين وأتباعه لاغتيال عبد الوهاب، وكيف نجا منها، وهي حيلة إن صحت فهي أشبه ما تكون بحيل الصبيان السذج. الفرقة الثانية: النفاثية: هذه الفرقة تنسب إلى رجل يسمى فرجان نصر النفوسي ويعرف بنفاث، وسماه المارغيني نفاث بن نصر النفوسي ويوصف بأنه كان على جانب كبير من الذكاء والفهم العجيب، وكانت نفسه ميالة إلى أن يتولى منصبا كبيرا في دولة إمام الإباضية أفلح بن عبد الوهاب وبالذات ولاية فنطرار المنطقة التي يعيش فيها فرجان، وحين خاب أمله أخذ في انتقاد الإمام أفلح علنا، فكتب الإمام إلى أهل مملكته بمقاطعته وهجره، وحين ضاقت على فرجان السبل ذهب إلى بغداد وأقام مدة ولكنه لم يطب له المقام فرجع إلى بلده، وهنا تختلف الرواية عنه فبعضهم يرى أنه تاب وبعضهم يرى أنه كان يعمل في السر ضد أفلح. وأهم ما أثاره من آراء: أنه أنكر الخطبة في الجمعة وقال إنها بدعة. وأنكر إرسال الإمام الجباة لأخذ الزكاة. وأنه يرى أن ابن الأخ الشقيق أحق بالميراث من الأخ لأب. وأن بيع المضطر بالجوع لا ينفذ. وهناك انتقادات على أفلح بخصوصه وهي انتقادات شخصية، وقد كفرهم المارغيني بعد أن ذكر غير هذه الأقوال. الفرقة الثالثة: الخلفية:

стр. 1866

من فرق الإباضية بالمغرب الخلفية، هذه الفرقة تنسب إلى خلف بن السمح بن أبي الخطاب عبد الأعلى المعافري، كان جده إماما للإباضية في المغرب، ثم عين السمح واليا من قبل إمام الإباضية حينذاك عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ثم توفي السمح فبادر الناس بتولية خلف دون استشارة الإمام وبدأ يتصرف تصرف الولاة. ولكن حين بلغت هذه الأحداث الإمام عبد الوهاب رأى أن هذا التصرف غير صحيح ولا يمكن التغاضي عنه فكتب إلى خلف يلومه على تصرفه بتلك العجلة وأمره باعتزال أمر الناس، ولكن خلفا قد ذاق حلاوة الحكم فلم يمتثل لأمره، وهنا بدأت الفتنة في الظهور وصار كل واحد يعد العدة للآخر ووقعت الحروب الطويلة بينهما التي انتهت بانتصار الإمام وهزيمة خلف ونهايته. هذا ما قاله علي يحيى معمر. ويقول المارغيني عنهم: " فليس بيننا وبينهم مسائل إلا واحدة وهي قولهم لكل حوزة إمام لا يعدوها إلى غيرها، وضلوا ضلالا بعيدا لخلافهم الإجماع ونقضهم ما سارت به الأمة أجمعين ". الفرقة الرابعة: الحسينية: أما الفرقة الرابعة من تلك الفرق فهي الحسينية وتنسب إلى رجل يسمى أحمد بن الحسين الأطرابلسي ويلقب أبا زياد، ظهر في القرن الثالث الهجري ويذكر أن له مؤلفات ولكن لم تعرف، وقد امتزجت فرقته بفرقة أخرى تسمى العمدية تنتسب إلى عبد الله بن مسعود، وهي فرقة غامضة فيما يظهر ولهم بعض الآراء كقولهم بأنه يسع الشخص جهل معرفة محمد ﵊، وأباحوا الزنا وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك يتقي بها ويغرم بعد ذلك، وأن حجة الله تنال بالتفكر في دين الله اضطرارا، وقالوا بأن الله لم ينه المشركين والبالغين عن غير الشرك ولم يأمرهم بغير التوحيد، فإذا وجدوا لزمتهم جميع الفرائض ونهوا عن جميع المعاصي. . الخ آرائهم. ولهم عند المارغيني أقوال أخرى غير هذه، وقد كفرهم أيضا. الفرقة الخامسة: السكاكية: تنسب هذه الفرقة إلى عبد الله السكاك اللواتي وهو من سكان بلدة فنطرار، كان صائغا ماهرا وله إلمام واسع بالكتب فخالف الإباضية في مسائل كثيرة ووجد له أتباعا كثيرين. وكانت الإباضية تعامل أتباعه بأقسى المعاملة بحيث أنهم كانوا إذا مات فيهم سكاكي ربطوا في رجليه حبلا ثم جروه إلى حفرة فيلقى فيها دون صلاة ولا كفن، وقد حكموا على أتباعه بأنهم مشركون وبعضهم يقول بأنهم منافقون، وكانت لهم آراء في غاية البعد والسقوط ومنها: أنهم أنكروا السنة والإجماع والرأي، وزعموا أن الدين يفهم من القرآن فحسب. ويقولون بأن صلاة الجماعة بدعة. ويقولون بأن الآذان بدعة فإذا سمعوه قالوا نهق الحمار. ويقولون لا تجوز الصلاة إلا بمعرفة تفسيره من القرآن. الفرقة السادسة: الفرثية:

стр. 1867

وأخيرا تأتي الفرقة السادسة من فرق الإباضية بالمغرب وهي فرقة الفرثية، وتنسب إلى عالم من علماء الإباضية وهو أبو سليمان بن يعقوب بن أفلح كان بيته بيت علم وفتوى وقد انفرد أو خرج عن جمهور الإباضية ببعض الآراء التي جرت عليه نقمتهم، ومن هذه الآراء أنه كان يرى أن الزكاة لا ينبغي إخراجها عن قرابة المزكي، وأن أكل الجنين لا يجوز، وحرم الديمقراطية العروق ولو بعد غسل مكان الذبح، وكان يرى بأن عرق الجنب والحائض نجسان. ومع أن مؤرخي الفرق يعدون هذه الفرق الست من الإباضية فإن علي يحيى معمر قد نفى كونها من الإباضية، ونفى أن تكون بعضها مجرد فرقة بل هم عنده أناس غضبوا على الحكم فخرجوا عنه كما يخرج غيرهم عن حكامهم، بينما المارغيني منهم يقول بعد نهايته لبحثهم: " وهذه فرق ست من الإباضية قد بينا ما ألحدوا فيه ولم يقصدوا " (١).العجاردة: تنسب العجاردة إلى رجل يسمى عبد الكريم بن عجرد، وقد اختلف في مبدأ أمره فذهب الأشعري والبغدادي إلى أنه كان من أصحاب عطية بن الأسود الحنفي (٢).وذهب صاحب كتاب (الأديان) (٣) إلى أنه ينتسب إلى رجل يسمى أبا سعيد ثم خالفه، وذهب الشهرستاني (٤) إلى أنه - على قول – كان من أصحاب أبي بيهس ثم خالفه، ويذكر بعضهم أنه كان من أهل بلخ. والعجاردة أو الجردية كما يسميها الملطي (٥) فرقة من فرق الخوارج الكبيرة، وقد انقسمت فيما بينها إلى فرق كثيرة اختلف أهل المقالات في عددهم لكثرة تفرعهم، وكان تجمعهم في منطقة خراسان وهم أكثر الخوارج بها. وفرقهم إجمالا عند الأشعري (٦) خمس عشرة فرقة بما في ذلك الفرق الفرعية للثعالبة إحدى فرق العجاردة وهي الفرقة الأولى منهم:

стр. 1868

الميمونة/الخلفية/الحمزية/الشعيبية/الخازمية/المعلومية/المجهولية/الصلتية/الثعالبة/الأخنسية/المعبدية/الشيبانية/الرشيدية/ المكرمية. أما عند البغدادي (١) فهي عشر فرق. وزاد الشهرستاني (٢) على الأشعري فذكر فرقة تسمى الأطرافية منفصلة عن الحمزية. وعند الدبسي (٣) عشر فرق إلا أنه سمى الصلتية المصلبة ولم يكفر من تلك الفرق إلا الشيبانية، وذلك " لأنهم قالوا بالجبر ونفي القدرة الحادثة كالجبرية "، وقد جعل ابن حزم (٤) العجاردة فرقة من الصفرية وذكرها غيره بأنها فرقة قائمة بنفسها انشقت عن العطوية أو البيهسية كما تقدم. وفيما يلي نقدم تعريفا موجزا بفرق العجاردة السابقة. الفرقة الأولى منهم ذكرها الأشعري وذكر لها رأيا واحدا في الأطفال، وهو أنهم " يزعمون أنه يجب أن يدعى الطفل إذا بلغ، وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام ويصفه هو " (٥). الميمونية: وهم أتباع ميمون بن خالد كان من العجاردة وهو من أهل بلخ كما ذكر الأشعري، وقد خرج ميمون عن العجاردة بسبب ميله إلى القدرية وقوله بأن خير العبد وشره من نفسه، وإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا، ووافقهم في الاستطاعة وقال بأنها تكون قبل الفعل وفي الإرادة أيضا؛ فقد قال بأن الله تعالى يريد الخير ولا يريد الشر وأنه لا يريد معاصي العباد ولا مشيئة له في ذلك. وقد كفرهم علماء الفرق لما عرف عنهم من أقوال تخرج صاحبها عن الإسلام كاستحلالهم نكاح ذوات المحارم، وإنكار سورة يوسف أنها من القرآن (٦).الخلفية: وهي الفرقة الثالثة من فرق العجاردة قال الأشعري إنهم " أصحاب رجل يقال له خلف "، وقال الشهرستاني: " الخلفية أصحاب خلف الخارجي وهم خوارج كرمان ومكران " (٧). الحمزية: تنسب هذه الفرقة إلى رجل يسمى حمزة بن أكرك أو أدرك كما يقول الشهرستاني، ظهر سنة ١٧٩ في خلافة هارون الرشيد وغلب على خراسان وسجستان ومكران وقهستان وكرمان، وكان له أتباع كثيرون وكان له معارك عنيفة مع بعض فرق الخوارج وهزم الجيوش، وعاث في الأرض فسادا لا يقف في طريقه أحد إلا استحل دمه فخافه الناس وكانوا على وجل منه.

стр. 1869

فكان كلما أرسل إليه جيش لمحاربته هزمه إلى أن انتصب لحربه والي خراسان علي بن عيسى بن ماديان فنصره الله عليه وقتل من قواده ستين قائدا سوى أتباعه، فانهزم إلى سجستان ومنها إلى نهر شعبة، ثم بسط نفوذه على خراسان وكرمان وقهستان وسجستان إلى أن تمكن المأمون من إخماد الثورات التي كانت تشغله، فكتب إلى حمزة كتابا يدعوه فيه إلى الدخول في طاعته فتعاظم حمزة هذا الأمر واستكبر، فأرسل إليه المأمون قائده الشجاع طاهر بن الحسين فدارت بينهم معارك رهيبة انهزم في نهايتها حمزة وهرب إلى كرمان، ثم عاد طاهر بن الحسين فطمع حمزة حينئذ في استعادة ملكه وخرج بجيشه من كرمان ولكن الله قيض له والي نيسابور عبد الرحمن النيسابوري حيث خرج إليه في عشرين ألف مقاتل فهزمه وقتل أكثر جيشه، فنجا حمزة من هذه المعركة مستخفيا بنفسه حيث مات بعد ذلك فاستراح منه الناس وتفرق من بقي من أتباعه. يقول الملطي عن فرقة الحمزية: "وأما الفرقة الثامنة فهم الحمزية يقولون بكل قول الحرورية غير إنهم لا يستحلون أخذ مال أحد حتى يقتلوه، فإن لم يجدوا صاحب المال لم يتناولوا من ذلك المال شيئا دون أن يظهر صاحبه فيقتلوه، فإذا قتلوه حينئذ استحلوا ماله، قد جعلوا هذا شريعة لهم" (١). ولعلهم يبنون استحلالهم للمال بعد قتل صاحبه على أنه غنيمة حربية. ويقول عنهم الدبس: "الفرقة الثانية من العجاردة الحمزية يجب تكفيرهم لأنهم وافقوا الميمونة إلا أنهم قالوا أطفال الكفار في النار".ومن الحمزية فرقة تسمى الأطرافية ورئيسهم يسمى غالب بن شباذك السجستاني، وقد سموا الأطرافية نسبة إلى مذهبهم القاضي بعذر أهل الأطراف في ترك ما لم يعرفوه ولو كان من صميم الشريعة، إذا فعلوا بعقولهم ما يوجبه العقل من الأمور (٢). ٥ - الشعيبية: هذه فرقة صغيرة تنسب إلى رجل يسمى شعيب بن محمد كان من جملة العجاردة إلا أنه خرج حين قال بالقدر ووافق القدرية، وقد كفرهم الدبس أيضا كسابقتها. ٦ - الخارمية: يسميها الأشعري الخازمية بالخاء، ومثله البغدادي، ويسميها الشهرستاني الحازمية وهم أتباع حازم بن علي وهم أكثر عجاردة سجستان، وقد كفرهم الدبس، وكانوا يعتقدون في القدر بالإثبات كأهل السنة وبأن الولاية والعداوة من صفات الله الذاتية، وقالوا بأن الله يتولى الشخص بحسب ما يصير إليه بعد موته. ٧ - ٨ - المعلومية والمجهولية: هاتان الفرقتان كانتا من الخازمية ثم انفصلتا عن الخازمية لآراء أحدثوها، ثم انفصلت كل منهما عن الأخرى وكفرت إحداهما الأخرى في مسألة معرفة الله بجميع أسمائه فالمعلومية ترى "أن من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه فهو جاهل به والجاهل به كافر"، بينما ترى المجهولية أن "من عرف الله ببعض أسمائه فقد عرفه" وبهذا كفرت المعلومية" (٣).

стр. 1870

٩ - الصلتية: اختلف أهل المقالات في اسم زعيم هذه الفرقة؛ فهو عند الأشعري والشهرستاني عثمان بن أبي الصلت، وهو من العجاردة الحمزية ولكنه خرج عنهم بما قرره من آراء تخالفهم. وفرقته عند أهل المقالات تسمى الصلتية ولكن الملطي سماها الصليدية وسماها الدبس المصلبة ثم كفرها. ويقول الملطي عن هذه الفرقة: "والفرقة التاسعة الصليدية من الحمزية أيضا، يقولون بقول الحرورية والحمزية ويقتلون ويستحلون الأموال على الأحوال كلها، وهم أشر الخوارج وأقذرهم وأكثرهم فسادا ولهم عدد وجمع بناحية سجستان ونواحيها" (١). ١٠ - الثعالبة: الثعالبة فرقة من العجاردة ولكنها انفصلت عنها بزعامة ثعلبة بن مشكان كما سماه البغدادي، والشهرستاني سماه ثعلبة بن عامر، وسبب انفصال ثعلبة عن عبد الكريم أن رجلا خطب بنت ثعلبة فطلب من ثعلبة بيان المهر، وقيل أن يخبره الخاطب بالمهر أرسل امرأة لترى البنت هل هي بالغ معترفة بالإسلام على الشرط المطلوب أم لا. فقالت أمها للمرأة: هي مسلمة سواء بلغت أم لا. وتطور الأمر إلى أن بلغ عبد الكريم بن عجرد وثعلبة، فكان رأي عبد الكريم أن من كان دون البلوغ في حكم البراءة إلى أن يبلغ فيقر بالإسلام وحينئذ تتم ولايته وإلا فيتبرأ منه، ولكن ثعلبة خالفه وقال: نحن على ولايتهم صغارا وكبارا إلى أن يتبين أمرهم، واشتد بينهما النزاع حتى تبرأ كل واحد من الآخر وانفصل كل واحد بمن وافقه عن الآخر، وصارت الثعالبة فرقة برأسها. وقد انقسمت هذه الفرقة أيضا إلى الفرق الآتية: الفرقة الأولى: الأخنسية: وينسبون إلى رئيسهم الأخنس بن قيس وقد خرج عن قول الثعالبة حين توقف عن جميع من في دار التقية من منتحلي الإسلام وأهل القبلة، وحرم الاغتيال والقتل قبل الدعوة فبرئت منهم الثعالبة (٢).الفرقة الثانية: المعبدية: تنسب هذه الفرقة إلى رجل يسمى معبد بن عبد الرحمن، وكان من الثعالبة ثم من الأخنسية، ولكنه خالف الثعالبة والأخنسية فبرئت منه كلتا الفرقتين، خالف الثعالبة في تجويزهم أخذ زكاة عبيدهم وإعطاءهم منها إذا افترقوا، وخالف الأخنسية في الخطأ الذي وقع له في تزويج المسلمات من مشرك، وهذه عبارة الشهرستاني ولم يذكر غيره أن الأخنس جوز تزويج المسلمات من المشركين (٣).الفرقة الثالثة من الثعالبة: الشيبانية: تنسب هذه الفرقة إلى شيبان بن سلمة، خرج من أيام أبي مسلم الخراساني فأعان شيبان وناصره في حربه، وناصر أيضا علي بن الكرماني على نصر بن سيار وكان من الثعالبة. فعند ذلك برئت منه الثعالبة وقالوا إنه قتل الموافقين لنا في المذهب وأخذ أموالهم، فادعى قوم من الثعالبة أن شيبان قد تاب ولكن الزيادية من الثعالبة أتباع زياد بن عبد الرحمن رفضوا توبته بحجة أن ذنوبه كانت من مظالم العباد التي لا تسقط بالتوبة، ثم انقسموا فيه فمن قبل توبته صار شيبانيا وقال بقوله، ومن رفضها برئ منه (٤). الفرقة الرابعة: الرشيدية أو العشرية: وهم ينسبون إلى رشيد الطوسي الذي خرج عن الثعالبة حين أصر على أن زكاة ما سقي بالأنهار والقنى العشر، فبرئت منه الثعالبة وسموهم العشرية، وكان الذي أفتى بأن فيها العشر هو زياد بن عبد الرحمن وكان فقيه الثعلبية ورئيسهم، وكانت له فرقة تسمى الزيادية وهم أعظم الثعالبة وأكثرهم عددا. أما الفرقة الخامسة والأخيرة من الثعالبة ومن العجاردة أيضا: المكرمية: تنسب هذه الفرقة إلى رجل يسمى مكرم بن عبد الله العجلي كما قال الشهرستاني، وسماه الأشعري وابن حزم أبا مكرم وكان ثعلبيا إلا أنه تفرد عنهم بآراء فبرئت منه الثعالبة عند ذلك (٥). المصدر: انظر عن الإباضية أيضا ما يأتي في فرقة الخوارج المعاصرة مبحث دولة الخوارج (الإباضية)

стр. 1871

المطلب الخامس: البيهسية وهي إحدى الفرق الرئيسية للخوارج وتنسب إلى أبي بيهس وقد اقتصر الأشعري وابن حزم وصاحب إبانة المناهج على هذه الكنية، ولكنه عند البغدادي هيصم بن عامر، وعند الشهرستاني ابن جابر، وهو أحد بني سعد بن ضبيعة. وأما الملطي فيسميه هيصم بن بيهس بن عامر، وهو خلط في الاسم، ويسميه محمد رشيد رضا بيهس بن جابر، وعند صاحب كتاب (الأديان) الهيضم – بالضاد – بن جابر. وقد أحدث أمورا غضب عليه الحجاج بسببها وذلك في خلافة الوليد بن عبد الملك، فطلب الحجاج أبا بيهس فهرب إلى المدينة فطلبه بها عثمان بن حيان المزيني فظفر به فأودعه السجن، وكان له علاقة وصحبة ومسامرة مع عثمان ولكن هذه الصحبة فقدت عندما جاء الأمر من الوليد بقطع يدي أبي بيهس ورجليه ثم بقتله بعد ذلك؛ فنفذ عثمان هذا الأمر، ومثل بأبي بيهس تلك المثلة المنكرة ثم قتله. يقول صاحب كتاب (الأديان) عنه أنه "ابتدع أشياء لم يبتدعها أحد قبله، منها أنه استحل الهدي قبل محله، والله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ [المائدة:٢]، ولم يزل بهم الشيطان حتى استحلوا نكاح المجوس ما لم يستحله أحد ممن مضى، واستحل أكل كل ذي مخلب من الطير وذي ناب من السباع. وذهب إلى قوله تعالى: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: ١٤٥] , وما سوى ذلك عنده حلال". إلى أن يقول: "ومن عجائبه أن الإمام إذا كفر كفرت الرعية الشاهد منهم والغائب". . الخ ما حكاه عنه (١).وقد قال الدبس بأن "الفرقة الثانية من الخوارج البيهسية يجب تكفيرهم لأنهم وافقوا القدرية في إسناد أفعال العباد إليهم " (٢).وقد جعل الأشعري ومثله الشهرستاني والبغدادي وصاحب (كتاب الأديان) والملطي (٣) هذه الفرقة من فرق الخوارج الرئيسية ولم يعزوها إلى إحدى الفرق، ولكن ابن حزم يقول فيهم: "وهم من فرق الصفرين" (٤)، ولكن الأكثرية على خلافه كما هو ظاهر.

стр. 1872

المطلب السادس: الصفرية هذه الفرقة الخارجية تنسب إلى زياد بن الأصفر عند الأشعري (١)، والبغدادي (٢)، والشهرستاني (٣)، وصاحب (كتاب الأديان) (٤)، وغيرهم. وقد ترجم لهم الشهرستاني باسم الصفرية الزيادية، وقد نسبهم الأشعري في قول ضعيف فيما يظهر إلى عبيدة وهو شخص لم يوضحه قال إنه "كان ممن خالف نجدة ورجع من اليمامة". فحينما كتب نجدة إلى أهل البصرة وجاء الكتاب وقرئ عليهم وكان هناك ابن إباض وعبيدة هذا، فاختلفوا بسبب ما جاء فيه نحو مخالفيهم؛ إذ كان يرى ابن إباض أن مخالفيهم كفار نعمة، وكان عبيدة يرى أن مخالفيهم مشركون، السيرة فيهم السيرة من أهل حرب رسول الله ﷺ الذين حاربوه من المشركين. أما الملطي فقد خلط ﵀ في نسبة هذه الفرقة وفي اسم زعيمها بما خالف به كل من كتب عن الصفرية، فهو يقول عنهم: "الصفرية وهم أصحاب المهلب بن أبي صفرة، خرجوا على الحجاج مع يزيد بن المهلب فقاتلوا الحجاج ولم يؤذوا الناس ولا كفروا الملة ولا قالوا بشيء من أقوال الخوارج الذين تقدم ذكرهم، حتى هزمهم الحجاج وأبادهم ودخل يزيد في طاعته بعد ذلك" (٥).فنسبة هذه الفرقة إلى المهلب بن أبي صفرة غير صحيح إذ كان المهلب من أعدى أعداء الخوارج وهو الذي فتك بهم فتكا ذريعا في عدة معارك رهيبة، وقد عاد الملطي بعد عدة صفحات من قوله هذا فقال: "ومنهم صنف يقال لهم الصفرية سموا بعبيد بن الأصفر" (٦). ولعل هذا هو الذي أشار إليه الأشعري. وقد قدمنا أنه كان لهذه الفرقة دولة في المغرب ظهرت بسبب وصول عكرمة مولى ابن عباس فكان يدعو إلى ذلك المذهب، فتأثر البربر كثيرا به إذ كان هو منهم أيضا ويفهم طبيعتهم وما ينسجم معهم ليكون أدعى لقبولهم. وقد أنشأ حلقة تدريس في مسجد القيروان وتركه بنو أمية يعمل ظاهرا في الحياة العامة، مما يدل على أن دعوته كانت سرية وإلا لما تركوه يواصل تدريسه، ثم أخذت الدعوة تنتشر بكثرة الدعاة حتى شملت كثيرا من البربر (٧).وقد نسب ابن حزم إليهم (٨) فرقة الفضيلية وهي الفضلية عند الأشعري (٩)، ومن أقوالهم أن من تلفظ بقول وهو يريد به خلافه في قرارة نفسه فإنه لا يكفر ولو كان هذا الكلام الذي أضمر المقصود منه يؤدي إلى الكفر في حقيقته. وقد بين الملطي اسم صاحب هذه الفرقة بأنه يسمى فضلا أو فضيلا كما قال بعضهم.

стр. 1873

هذا وفي بيان تلك الفرق المشهورة أحب أن أذكر أن هناك فرقا صغيرة لم يهتم أصحاب المقالات بها اهتماما كبيرا ولم ينسبوها إلى إحدى الفرق المشهورة، وهي: الحسينية: يقول الأشعري عنها فيما يحكيه عن اليمان بن رباب: "وذكر أن صنفا منهم يدعون الحسينية ورئيسهم رجل يعرف بأبي الحسين (١)، ولعله يقصد بها فرقة الحسينية التي ظهرت في المغرب. البدعية: قال الشهرستاني: "البدعية أصحاب يحيى بن أصدم" (٢)، وكان من اعتقادهم أنهم من أهل الجنة قطعا، من قال: إن شاء الله فهو شاك بل يجب القطع بأنهم من أهل الجنة كما يزعمون لأنفسهم. الجعدية: قال الملطي: "ومنهم الجعدية: وإنما سموا بمسلم بن الجعد وكان من أهل الكوفة" (٣).التغلبية: قال الملطي أيضا عن هذه الفرقة: "ومنهم التغلبية سموا بتغلب رأسهم" (٤). وذكر فرقة أخرى تسمى العزرية، فقال: "ومنهم العزرية سموا برأسهم ابن عزرة". وذكر أيضا فرقة لم ينسبها إلى أحد وهي السرية، فقال: "ومنهم السرية". وقد ذكر الملطي أيضا فرقة سماها النجرانية ولم ينسبها إلى أحد، ولعلها فرقة شبيب النجراني، وقد ذكر لهذه الفرقة سببا قال بأنه كان من أسباب تفرقهم وتكفير بعضهم بعضا، وهو سبب تافه بل من أتفه الأمور وأحقرها حيث قال: "ومنهم النجرانية افترقوا في امرأة يقال لها أم نجران – ولعل الملطي نسب هذه الفرقة إليها، غير أن المتبادر إلى الذهن نسبتها إلى شبيب لشهرة فرقته – هاجرت إلى بعض خوارجهم فتزوجت رجلا في الهجرة بالبصرة من قومها، ثم استخفت فتزوجت رجلا من أصحابها سرا، ثم ظهر عليها زوجها الأول من قومها فقربها إليه، فتبرأ منها بعضهم وتولاها بعضهم وكفروا من خالفهم بعضهم بعضا" (٥). وهكذا على هذا السبب يبلغ بهم التناحر والعداء، فإن لم يكن قد تحامل عليهم الملطي فهم حقا جديرون بكل ما قيل فيهم من ذم. وذكر صاحب كتاب (الأديان) فرقة تسمى الأعسمية نسبة إلى رئيسهم زياد بن الأعسم، وكان من أمره أنه خرج غاضبا على الأزارقة والنجدات والعطوية على أحداثهم التي أحدثوها والتي رأى أنهم استوجبوا بها البراءة منهم (٦). هذا هو الوضع التاريخي لفرق الخوارج الأصلية والفرعية قدمناه أمام عرضنا لآرائهم ومناقشاتنا لها في الباب التالي إن شاء الله. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٠٦

стр. 1874

تمهيد أشرنا فيما مضى إلى أن الخوارج قد كونوا لهم دولة وصار لهم نفوذ، وإذا تتبعنا حركاتهم الثورية فإننا نجدها متصلة عنيفة، ابتداءً من خروج المحكِّمة على الإمام علي ومن خرج بعدهم على الإمام عليّ في شكل جماعات حربية تثور هنا وهناك عليه وعلى الحكام الأمويين من بعده حرب عصابات، إلى أن جاء نافع بن الأزرق سنة ٦٤هـ، وبدأ الخوارج يظهرون كفرق كبيرة امتدت إلى عصر الدولة العباسية، لا يقر للخوارج قرار أو يستكينون إلا ريثما يتم عددهم وعدتهم يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث، وتلك الحركات مدونة في كتب التاريخ والفرق مما لا نرى التطويل بذكره؛ لأنها أحداث تاريخية. إن الخوارج منذ موقعة النهروان كانوا نواة لحركات ثورية قامت ضد الخلافة الإسلامية ابتداء من عهد الإمام علي وامتدادا إلى العصر الأموي فالعصر العباسي، ونواة لتكوين فرق عقائدية متعددة. ونعني بفرق الخوارج تلك التي كان لكل منها كيانها الخاص واسمها الذي تتميز به عن غيرها من الفرق نتيجة للاختلافات التي حدثت بينها في الآراء الاعتقادية وفي موقف كل منها من الجماعة الإسلامية، ولم يكن الخوارج على هذا النحو بعد موقعة النهروان مباشرة، وإنما بدأت تلك المرحلة من تاريخ الخوارج بظهور نافع بن الأزرق وبدء تكوين فرقة الأزارقة وذلك في أوائل الستينات من الهجرة، وبه وبفرقته يبتدئ مؤرخو الفرق – بعد كلامهم على المحكمة الأولى – من التأريخ لفرق الخوارج وذكر آرائها المختلفة – بل المتناقضة أحيانا -، سواء منها الفرق الكبرى أو ما تشعب عن كل منها من فرق صغرى. أما ما قبل هذه المرحلة وهي الفترة التي تقع بين موقعة النهروان وظهور الأزارقة، فقد كان الخوارج فيها مجرد جماعات حربية تثور هنا وهناك على الإمام علي ﵁ أو على الحكم الأموي من بعده، وكانوا جميعا على رأي واحد في المطالبة بتحكيم كتاب الله ورفع المظالم والعدل في تقسيم الفيء، إلى غير ذلك مما مضى عليه سلفهم من أهل النهروان، دون أن تكون بينهم خلافات عقائدية، وليس معنى هذا أن حركات الخوارج انتهت بقيام نافع بن الأزرق وفرقته، بل ظلت تلك الحركات الثورية جنبا إلى جنب مع وجود الفرق العقائدية طوال الحكم العباسي والأموي. ولقد انتشر هؤلاء الخوارج في بقاع كثيرة من الدول الإسلامية وكثير عددهم، وبديهي أن ذلك لا يرجع إلى مجرد هؤلاء التسعة الذين قيل عنهم إنهم هم الذين نجوا من موقعة النهروان، وإنما يرجع – كما قلنا سابقا – إلى وجود هذا العدد الكبير من الخوارج الذين لم يلتحقوا بجيش النهروان وإلى وجود من بقي من هذا الجيش بعد المعركة، وكانوا عددا كثيرا كما رجحنا من قبل، ثم إلى وجود هؤلاء الذين اعتزلوا حرب النهروان من الخوارج شكا منهم في مدى صحة موقفهم في قتال علي مثل فروة بن نوفل وغيره، وقد رأينا أنهم زادوا على ١٧٠٠ رجل. وكذلك الذين طلبوا الأمان من الخوارج فأمنهم الإمام علي، أضف إلى ذلك الفارين من وجه العدالة والموالي وطلاب الرياسة والمطالبين بالثارات؛ فقد كان هؤلاء جميعا يشكلون حركات خروج على الإمام علي والحكم الأموي من بعده ثم الحكم العباسي. وكان معظمهم من خوارج النهروان وما قبله ولهذا فليس هناك انفصال بين خوارج النهروان والفرق التي ظهرت فيما بعد كما يقول البعض. وإنما تاريخ الخوارج ممتد من أسلاف الخوارج إلى أخلافهم، ولا يمنع هذا من أن الأوضاع التالية في الحكم الأموي والعباسي قد ساعدت على تعميق معنى الخروج وتكثير عدد الخوارج ممن لم يكونوا من المحكمة الأولى. فالخروج دعوة وحركة وأتباع، وكل هذا ينتشر تلقائيا بقوة الدفعة الأولى وامتدادا مع التاريخ وتأثرا بكل الظروف والأوضاع الجديدة. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٢٥

стр. 1875

المبحث الأول: حركات الخوارج على الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ بعد النهروان ولقد أخذ هؤلاء الخوارج الذين انتشروا في مختلف البقاع الإسلامية – كما قلنا - في الخروج على الإمام علي ﵁، ودارت بين الفريقين معارك صغيرة متعددة انتهت بالقضاء على هؤلاء الخوارج على الإمام. ومن هؤلاء الخوارج: أشرس بن عوف الشيباني خرج مع جماعته في موضع يقال له الدسكرة وكانوا مئتين، ولما وصل الأنبار أرسل له علي الأبرش بن حسان مع ثلاثمائة رجل، فلما التقوا انهزم الخوارج وقتل أشرس بالأنبار في ربيع الأول عند الأشعري أو ربيع الآخر من السنة الثامنة والثلاثين عند ابن الأثير (١).وخرج عليه أيضا هلال بن علفة في ماسبذان مع أكثر من مائتين من أتباعه، فوجه إليهم علي ﵁ معقل بن قيس الرياحي، ولما التقوا انهزم الخوارج وقتلوا في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة والثلاثين (٢).ثم خرج الأشهب بن بشر أو الأشعث البجلي في ١٨٠ رجلا فذهب إلى مكان المعركة التي أصيب فيها سلفه هلال بن علفة فصلى عليهم ودفن من قدر عليه منهم، فأقام بجرجرايا من أرض جوخى، فأرسل إليه علي جيشا عليه جارية بن قدامة أو حجر بن عدي، وذلك في جمادى الآخر سنة ٣٨ فقتل الأشهب وأصحابه (٣).ثم خرج سعيد أو سعد بن قفل التيمي في رجب بالبندنيجين مع مائتين من الخوارج، ثم ذهب إلى درزبنجان وهي على فرسخين من المدائن فكتب علي إلى عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، فخرج إليهم فقتل الخوارج في رجب سنة ٣٨هـ (٤). وأخيرا خرج عليه رجل من أعتى الخوارج مع جيش كله من الموالي ليس فيه من العرب إلا رئيسهم، وهو هذا الخارجي ويسمى أبو مريم السعدي وخمسة آخرون؛ خرج بشهرزور وكان معه مائتا رجل أو أربعمائة كما قيل، وقد اقترب من الكوفة لشجاعته حتى لم يبق بينه وبينها إلا فرسخان أو خمسة فراسخ وقد أرسل إليه علي من يطلب إليه الرجوع إلى الطاعة ودخول الكوفة، فقال: ليس بيننا غير الحرب. فأرسل لهم علي بن أبي طالب شريح بن هانئ في سبعمائة رجل فشد عليهم الخوارج حتى هربوا ولم يبق إلا شريح مع مائتين. فرأى علي أن يخرج بنفسه إليهم وقبل وصوله قد أرسل جارية بن قدامة السعدي يحذرهم العصيان والحرب فلم يسمعوا منه، ولما وصل إليهم علي دعاهم أيضا إلى الطاعة والجماعة فأبوا، فحمل عليهم علي بجيشه فقتلوهم ولم يسلم منهم غير خمسين رجلا طلبوا الأمان، وذلك في شهر رمضان. وأدخل معه إلى الكوفة أربعين رجلا منهم لمداواتهم حتى برئوا (٥). ونلحظ هنا أن أولئك الخوارج الذين خرجوا على علي قد قضى عليهم جميعا في سنة ٣٨هـ. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٢٧

стр. 1876

المبحث الثاني: حركات الخوارج الثورية ضد الحكم الأموي وقد ظل الخوارج يتتابعون في الخروج بعد الإمام علي وخلال الحكم الأموي، وظل حالهم على نحو ما كانوا عليه خلال خلافة الإمام علي؛ ذلك أنه لما استتب الأمر لمعاوية واجتمعت عليه الكلمة – كان الخوارج قد اشتعلت جذوتهم وثبت في أذهانهم فكرة الخروج على بني أمية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، فأخذوا في التجمع والتربص للخروج في أي فرصة كانت؛ إذ كان معاوية في نظرهم مغتصبا للحكم لا شك في قتاله، بل هو في نظرهم قربة لله بعكس الإمام علي، فقد كان بعضهم مترددا في مواجهته كما سنرى في تعبير فروة بن نوفل عن هذا التردد. لهذا فبمجرد وفاة الإمام علي انفتحت على معاوية وحكام بني أمية من بعده ثورات وحروب طاحنة، لا يقر للخوارج قرار ولا يستخفون بأنفسهم إلا ريثما تتم عدتهم ويكتمل عددهم؛ فكانوا شوكة في جنب الدولة شغلتهم فترة من الزمن فهم بهذا يمثلون المعارضة بالتعبير الحديث أتم تمثيل. وسنتناول ما اشتهر من أخبار أولئك الخارجين على بني أمية بإيجاز. وكان أول هؤلاء الخارجين: فروة بن نوفل الأشجعي، وسماه البغدادي قرة (١)، خرج سنة ٤١هـ، كان هذا الرجل ممن اعتزل قتال علي وانحاز معه خمسمائة فارس من الخوارج إلى شهرزور قائلا: " والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه ". أي أنه كان شاكا في قتال علي، أما معاوية فقد بين موقفه منه بقوله: " قد جاء الآن ما لا شك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه ". ثم ذهبوا إلى النخيلة فعسكروا بها وهي مكان قريب من الكوفة، فأرسل لهم معاوية جيشا من أهل الشام ولكن الخوارج هزموه، فلجأ معاوية إلى حيلة يرمي فيها عصفورين بحجر فقال لأهل الكوفة: " والله لا أمان لكم عندي حتى تكفوهم "، فوقع هذا التهديد منهم موقعا عظيما، فخرجوا لقتالهم وكفهم عن الخروج وعندما رآهم الخوارج قالوا لهم: " أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا نقاتله فإن أصبنا كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا "؛ فلم يقتنعوا بقولهم هذا، فقالت الخوارج: رحم الله إخواننا من أهل النهر هم كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة، ثم اختطف أشجع صاحبهم وأدخلوه مقهورا إلى الكوفة. ثم مكنته الفرصة فيما بعد فخرج على المغيرة بن شعبة فأرسل له المغيرة شبث بن ربعي أو معقل بن قيس مع فرسان، فلما التقوا قتل فروة بشهرزور أو ببعض سواد العراق (٢). وله من الشعر قوله: ما أن نبالي إذا أرواحنا سلمت ... ماذا فعلتم بأجساد وأبشار تجر المجرة والنسران بينهما ... والشمس والقمر الساري بمقدار لقد علمتم وخير العلم أنفعه ... أن السعيد الذي ينجو من النار وابن الأثير ينسب هذه الأبيات إلى عبد الله بن أبي الحوساء وأنه قالها حينما ولي أمر الخوارج وخوف من السلطان أن يصلبه (٣). وقوله: وفارقنا أبا حسن عليا ... فما من رجعة أخرى الليالي فحكم في كتاب الله عمرا ... وذاك الأشعري أخا الضلال وقد رثى الخوارج بقوله يصفهم: لطافا براها الصوم حتى كأنها ... سيوف إذا ما الخيل تدمى كلومها (٤)

стр. 1877

وأما جيش فروة فقد ولوا عليهم عبد الله بن أبي الحوساء الطائي وسماه البغدادي عبد الله بن جوشا (١). وقد ثار هذا الخارجي على معاوية بعد أن أوثق أهل الكوفة صاحبهم فروة فولاه الخوارج أمرهم وكان تهديد معاوية لا يزال له رنين في آذان أهل الكوفة فقاتلوهم حتى قتلوهم هم ورئيسهم ابن أبي الحوساء في ربيع الأول أو الآخر سنة ٤١هـ (٢)، في موضع خروجهم بالنخيلة. ثم خرج عليه حوثرة بن وداع الأسدي في برازلروز، وذلك بعد قتل ابن أبي الحوساء سنة ٤١هـ؛ حيث اجتمع الخوارج فولوه أمرهم وكان لا يشك في أن قتال علي بن أبي طالب حق، ولهذا عبد الله بن فروة حين شك في ذلك. ولما اجتمع له مائة وخمسون رجلا أتى النخيلة مكان هزيمة سلفه ابن أبي الحوساء، فانضم إليه من بقي من جنود أبي الحوساء وهم عدد قليل. فأراد معاوية أن يضربه بأبيه فأرسله إليه وقال له: اخرج إلى ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وناشده وذكره فلم يقبل منه، فأراد أن يثير فيه عطف الأبوة فقال: ألا أجيئك بابنك فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه، فرد عليه حوثرة رد المستميت قائلا له: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أنقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني. فيئس أبوه منه وأخبر معاوية خبره فقال له: يا أبا حوثرة عتا هذا جدا. فأرسل إليه معاوية جيشا بقيادة عبد الله بن عوف في ألفين وكان معه أبا حوثرة، وفي المعركة دعا ابنه إلى البراز فقال له حوثرة: يا أبت لك في غيري سعة. واشتد القتال وتبارز حوثرة: وعبد الله بن عوف، فطعن ابن عوف حوثرة فأراده قتيلا وقتل أصحابه إلا خمسون رجلا دخلوا الكوفة، وقد رأى ابن عوف أن قتيله حوثرة بوجهه أثر السجود فندم على قتله وقال شعرا: قتلت أخا بني أسد سفاها ... لعمر أبي فما لقيت رشدي قتلت مصليا محياء ليل ... طويل الحزن ذا بر وقصد قتلت أخا تقي لا نال دنيا ... وذاك لشقوى وعثار جدي فهب لي توبة يا رب واغفر ... لما قارفت من خطأ وعمد (٣). ويذكر البغدادي أنه كان من المستأمنين إلى علي يوم النهروان (٤). ويذكر ابن عبد ربه أن حوثرة الأقطع كان أول من خرج من الخوارج بعد قتل علي، والصحيح أن فروة بن نوفل، وقد قال حوثرة حين رأى تجمع أهل الكوفة عليه: " يا أعداء الله أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه، واليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه " وكان يرتجز في حملاته عليهم بقوله: أحمل على هذي الجموع حوثرة ... فعن قريب ستنال المغفرة

стр. 1878

ويذكر ابن عبد ربه أيضا أن القاتل له رجل من طيئ وأنه ندم حينما رأى أثر السجود في جبهته (١).ثم أراد الخروج عليه سنة ٤١هـ رجل من محارب يسمى معنا فصغر إلى معين بن عبد الله، كان يريد الخروج وذلك في زمن ولاية المغيرة بن شعبة، فلما علم ذلك المغيرة أرسل إليه وعنده جماعة فأخذه وحبسه وكتب في شأنه إلى معاوية، فكتب إليه معاوية أن يستشهده فإن شهد أن خلافة معاوية حق أطلقه فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين. فأجابه جواب من هانت عنده المنايا قائلا له في غير مبالاة: " أشهد أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ". فأمر به فقتله قبيصة الهلالي الذي لاقى فيما بعد حتفه على أيدي الخوارج الذي ائتمروا به (٢) انتقاما لقتله معنا. ثم خرج أبو مريم وهو مولى لبني الحارث بن كعب وقد أحب أن يشرك النساء معه في الخروج؛ إذ كانت معه امرأتان قطام وكحيلة، فكان يقال لهم يا أصحاب كحيلة وقطام تعبيرا لهم، وقد أراد بهذا أن يسن خروجهن فعابه أبو بلال فقال له: قد قاتل النساء مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين بالشام وسأردهما، فردهما وكان بموضع يقال له بادوربا فوجه إليه المغيرة جابر البجلي فقاتله حتى قتله وانهزم أصحابه (٣). ثم خرج رجل يقال له أبو ليلى، أسود طويل الجسم، وقبل أن يعلن خروجه دخل مسجد الكوفة وأخذ بعضادتي الباب، وكان في المسجد عدة من الأشراف، ثم صاح بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، فلم يعترض له أحد، ثم خرج وخرج معه ثلاثون رجلا من الموالي بسواد الكوفة، فبعث له المغيرة معقل ابن قيس الرياحي فقتله سنة ٤٢هـ (٤). ثم خرج المستورد بن علفة التيمي، وكان بدء خروجهم سنة ٤٢هـ عندما بدءوا يتشاورون في ذلك، ولما جاءت سنة ٤٣هـ أعلنوا الخروج المسلح انتقاما لمصارع إخوانهم، فقد كانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا فيذاكرون مصارع إخوتهم بالنهر، فيترحمون عليهم ويحض بعضهم بعضا على الخروج للانتقام من حكامهم الجورة الذين عطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، فاجتمع رأيهم على ثلاثة نفر منهم لتولي قيادتهم المستورد بن علفة التيمي، ومعاذ بن جويني الطائي، وحبان بن ظبيان السلمي الذي كان منزله مكانا لا جتماعاتهم، ولكن كل واحد من هؤلاء الثلاثة دفع تولي الخلافة عن نفسه، وأخيرا اتفقوا على أن يتولاها المستورد هذا، وكانوا أربعمائة شخص ونادوه بأمير المؤمنين، وكان المستورد ناسكا كثير الصلاة وله آداب وحكم مأثورة، واتفق على أن يكون الخروج غرة شعبان سنة ٤٣هـ. ولما علم بذلك المغيرة بن شعبة أرسل مدير شرطته قبيصة بن الدمون إلى مكان اجتماعهم وهو منزل حيان كما تقدم، فأخذوهم وجاءوا بهم إلى المغيرة فأودعهم السجن بعد استجوابهم وإنكارهم أن يكون اجتماعهم لشيء غير مدارسة كتاب الله. ثم خرج المستورد إلى الحيرة وصار ملجأ للخوارج فأخذوا يختلفون إليه، فلما خاف أن يفتضح أمرهم لجأ إلى دار صهره سليم بن محدوج، ولكن المغيرة بن شعبة علم بأن الخوارج قد عزموا على الخروج قريبا، فقام في الناس خطيبا فذكر لطفه بهم ومحبته لهم وأنهم سيضطرونه إلى تعديل رأيه فيهم حتى يأخذ الحليم بالسفيه، فأجابه رؤساء القبائل بأنهم مستعدون للقيام معه بمجاهدة من يخالفه ويشق عصى الطاعة.

стр. 1879

فوصل كل ما دار في هذا الاجتماع إلى المستورد من غير ابن محدوج الذي رجع كئيبا مهتما، فسأل ابن محدوج عن كل هذا فأخبره وقال له: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال: له المستورد. قد أكرمت المثوى وأحسنت ونحن مرتحلون عنك. فلما بلغ هذا إلى مسامع الذين في سجن المغيرة قال معاذ بن جوين بن حصين يتحسر: ألا أيها الشارون قد حان لامرئ ... شرى نفسه لله أن يرتحلا أقمتم بدار الخاطئين جهالة ... وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا فشدوا على القوم العداة فإنما ... إقامتكم للذبح رأيا مضلالا فيا ليتني فيكم على ظهر سابح (١) ... شديد القصيري (٢) دارعا (٣) غير أعزلا وياليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيني كأس المنية أولا يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين (٤) منصلا ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ... أثرت إذا بين الفريقين قسطلا (٥) فيا رب جمع قد فللت وغارة ... شهدت وقرن قد تركت مجدلا في أبيات له يتحسر على ما أصاب الخوارج من محن. ثم أرسل المستورد إلى أصحابه أنه مكان الاجتماع سورا وعليهم أن يخرجوا متفرقين مستخفين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل ثم انتقلوا إلى الصراة. ولما علم المغيرة بهذا الأمر استشار الناس فيمن يلي حربهم، وكان عنده رؤساء الشيعة، فكل واحد منهم ترجى المغيرة أن يكون هو المتولي حربهم فولى معقل بن قيس الرياحي وجهز معه ثلاثة آلاف رجل هم نقاوة الشيعة وفرسانهم. وقد صار الخوارج إلى بهرسير وأرادوا الدخول إلى المدينة التي كانت بها منازل كسرى، وكان الوالي عليها سماك بن عبيد الأزدي فمنعهم فكتب إليه المستورد هذا الكتاب: " من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد أما بعد: فقد نقمنا على قومنا الجور في الأحكام وتعطيل الحدود والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وولاية أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمان وعلي لإحداثهما في الدين وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإلا تقبل فقد بالغنا في الإعذار إليك وقد آذناك بحرب فنبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين ". فلما قرأ سماك كتابه قال: بئس الشيخ أنا إذا، ثم كتب للمستورد كتابا يدعوه فيه إلى الدخول في الجماعة، وأن يأخذ له الأمان فلم يجبه وأصر على ما هو عليه. وسار معقل إليه، فلما علم به جمع أصحابه واستشارهم قائلا لهم: " إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين فأشيروا علي برأيكم؟ ". فافترقوا في رأيهم بين قائل بالحرب وآخر بدعاء الناس إلى صفهم وإقامة الحجة على مخالفيهم. ولكن كان رأي المستورد غير هذا وهو أن يستعمل المطاولة في حربهم فيخرج من مكان إلى آخر حتى يبددهم، ثم يلقاهم وقد تعبوا فكان هذا رأيهم فصاروا يتنقلون من محل إلى آخر، وكانت تقع بعض المناوشات بينهم وبين رجل كان معه قوة من الفرسان يلازمهم من أصحاب معقل، ولما انتهى به المطاف إلى ديلمايا كانت المعركة النهائية حيث تبارز المستورد مع معقل فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرا ميتين، وهزمت الخوارج وقتلوا شر قتلة فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة (٦)، وقتل المستورد سنة ٤٣هـ.

стр. 1880

ثم كان خروج سهم بن غالب الهجيمي والخطيم واسمه يزيد بن مالك سنة ٤٦هـ عند الطبري، وعند ابن الأثير إن بدء خروجهما كان سنة ٤١هـ ونهايته كانت سنة ٤٦هـ، فلما اجتمع لسهم سبعون رجلا خرجوا على ابن أبي عامر الوالي من قبل معاوية. خرج هؤلاء فنزلوا بين الجسرين والبصرة، وهناك أخذوا في ارتكاب جرائم القتل، وكانوا أشرارا يقتلون من يقول إنه مسلم ويتركون من يقول إنه من أي ملة كان، ففي أثناء ذلك الخروج مر بهم الصحابي عبادة بن فرص الليثي راجعا من غزو الكفار، ومعه ابنه وابن أخيه فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله ﷺ مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني، قالوا: أنت كافر وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. وقد خرج لقتالهم ابن عامر بنفسه فقتل منهم وانتصر عليهم واستأمن بقيتهم، وكان فيهم سهم والخطيم فآمنهم، فلما تولى زياد البصرة – وقيل في ولاية ابن زياد – خاف سهم منه وخرج إلى الأهواز واجتمع إليه الناقمون على بني أمية، ثم أقبل يريد أخذ البصرة ولحسن الحظ أن جيشه قد تفرق عنه حين دخل البصرة حتى لم يبق إلا هو وحده فطلب الأمان لنفسه، ولكن صادف رجلا لا يعرف الرحمة فأخذه وقتله وصلبه في داره، وأما الخطيم فإن زيادا سيره إلى البحرين ثم أذن له في الرجوع إلى البصرة على أنه إذا بات ليلة خارج داره فقد أذن في قتله، وذات ليلة لم يبت في بيته فجاء مسلم بن عمرو وقال لزياد: إن الخطيم لم يبت الليلة في بيته، فأخذه زياد وقتله وانتهت حركتهم. وقد رثى أحد الخوارج سهما بقوله: فإن تكن الأحزاب باءوا بقتله ... فلا يبعدن الله سهم بن غالب (١) ثم خرج قريب بن مرة وزحاف بن زحر الطائي سنة ٥٠هـ. وكان هذان الرجلان ابني خالة وكانا من العابدين المجتهدين بالبصرة، ولما غلبت عليهما شقوتهما خرجا بقلوب تغلي غيظا على المجتمع وقد اختلف في أيهما كان الرئيس، وذلك في ولاية ابن زياد على الكوفة، فحينما خرجا أخذا يستعرضان الناس استعراضا، وكانا قد أشاعا القتل والخوف فيهم لا يبالون بمن قتلوه كائنا من كان ما دام قد وجد أمامهم، حتى إنهم مروا بشيخ ناسك من بني ضبيعة يسمى رؤية الضبعي أو حكاك، فقال حين رآهم: مرحبا بأبي الشعثاء، فلم تشفع له شيخوخته عندهم بل قتلوه، وكانوا إذا مروا ببلد يهرب أهل تلك البلد إلى بيوتهم ويتنادون: الحرورية الحرورية، النجا النجا. وكان رجل من بني قطيعة حين سمع بهم أخذ سيفه فناداه الناس: الحرورية! انج بنفسك، فنادوه: لسنا حرورية نحن الشرط فلا تخف؛ فوقف، فلما أخذوه قتلوه وصاروا يتنقلون بين القبائل فلا يمرون بقبيلة إلا قتلوا من تمكنوا من أخذه، ولما مروا ببني علي من الأزد وكان هؤلاء رماة مهرة وكان فيهم مائة يجيدون الرمي وقفوا لهم ورموهم رميا شديداً، حتى صاح الخوارج: يا بني علي، لا رماء بيننا البقيا. ولكن هذا النداء لم يسمع منهم، فقال رجل يحرض عليهم: لا شيء للقوم سوى السهام ... مشحوذة (٢) في غلس الظلام فهربت الخوارج منهم وأتوا مقبرة لبني يشكر ثم أتوا إلى مزينة فقتلهم الناس عن آخرهم. ولما بلغ خبرهما إلى أبي بلال الخارجي لم يرضه اعتراضهما الناس على هذه الصورة الوحشية، فقال: قريب لا قربه الله من الخير، وزحاف لا عفا الله عنه فلقد ركباها عشواء مظلمة. أو نحو هذا الكلام.

стр. 1881

ويذكر الطبري وابن الأثير أن خروجهما كان سنة ٥٠ بالبصرة وأن زيادا حين بلغه خروجهما قال لأهل البصرة: والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت منهم رجل واحد لا تأخذون العام من عطائكم درهما. أما البغدادي فيذكر أن خروجهما كان على عبيد الله بن زياد فأرسل إليهم عباد بن الحصين الحبطي فقتلهم (١).ثم خرج زياد بن خراش العجلي في مكان يسمى مسكن من أعمال سواد العراق ومعه ثلاثمائة فارس، فأرسل زياد فرقة من الجيش قتلته ومن معه سنة ٥٢هـ (٢). ثم خرج طواف بن غلاق سنة ٥٨هـ. وقد كان بالبصرة رجل اسمه جدار يجتمع إليه الخوارج فيعيبون خلافة بني أمية، فلما علم بهم ابن زياد أخذهم وحبسهم ثم اخترع طريقة في العفو عنهم وهي أن يقتتلوا فيما بينهم فمن نجا أطلق سراحه، فقام بعضهم بقتل بعض كأنهم كلاب مسعورة، وكان فيمن نجا طواف بن غلاق. ولما خرجوا عابهم أصحابهم قائلين لهم: قتلتم إخوانكم؟ فقالوا: أكرهنا، وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان، فعرضوا الدية على أولياء المقتولين فأبوها، ثم عرضوا عليهم القصاص فأبوا؛ فعظم الندم في نفوسهم على فعلتهم هذه، وكانوا يبكون ويقولون: أما من توبة، وكان طواف قد بلغ به الجزع والحزن مبلغا عظيما فأتى رجلا يسمى الهثهاث فقال له: أما ترى لنا من توبة؟ فقال له: لا أجد لكم إلا آية في كتاب الله وهي ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: ١١٠]. فخرج طواف في يوم عيد الفطر ومعه سبعون رجلا فأخذوا يقتلون الناس مستعرضين لهم، فاجتمع عليهم الناس فقتلوهم عن آخرهم فقال رجل منهم يرثيهم: يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت ... واكف المهم فأنت الرازق الكافي حتى أبيع التي تفنى بآخرة ... تبقى على دين مرداس وطواف وكهمس وأبى الشعثاء إذا نفروا ... إلى الإله وذي الإخبات زحاف (٣) ثم كان خروج أبي بلال مرداس بن أدية الحنظلي سنة ٦١هـ. خرج أبو بلال في أربعين شخصا بناحية الأهواز في توج، وكان عظيم القدر عند الخوارج لا يعدلون به أحدا. كان عابدا مجتهدا كل الخوارج تتولاه وكل فريق ينسبه لنفسه، حتى الشيعة فقد ادعت أنه خرج غاضبا لآل البيت وكان حين خرج يقول لمن لقيه: " إنا لا نريد قتال ولا نروح أحدا، وإنما هربنا من الظلم ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا ولا نقاتل إلا من قاتلنا ". وقد مر به مال لعبيد الله بن زياد فاستوقفه وأخذ أعطيات أصحابه ثم ترك الباقي، وقال لمن يحملون ذلك المال: " قولوا لصاحبكم إنما أخذنا أعطياتنا "، فقال له أصحابه: لماذا تترك الباقي؟ قال: " إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا تقاتلوهم ما داموا على الصلاة ".

стр. 1882

وحين بلغت أخبارهم ابن زياد وجه إليهم جيشا مكونا من ألفي رجل بقيادة أسلم بن زرعة الكلابي أو زرعة بن مسلم العامري، ويذكر الطبري أنه ابن حصن التميمي، فالتحموا مع الخوارج في معركة حامية انهزم فيها جيش الخلافة شر هزيمة، فلما وصل المنهزمون إلى ابن زياد غضب عليهم، ثم وجه إلى الخوارج قائدا آخر هو عباد بن أخضر التميمي، وفي أثناء المعركة – وكان يوم جمعة – طلب أبو بلال من عباد وجيشه إمهالهم حتى تؤدى الصلاة فأجابوهم، فلما دخلوا في الصلاة شدوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم سنة ٦١هـ، وهم بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، فرجع القائد عباد ظافرا إلا أنه قد نال منيته على أيدي بعض الخوارج الذين كانوا في البصرة منهم عبيدة بن هلال؛ فقد استوقفوا عبادا كأنهم خصماء فيما بينهم في رجل قتل أخاهم ولم ينصفهم أحد فقال لهم عباد: اقتلوه قتله الله؛ فنزلوا عليه ضربا بالسيوف حتى قتلوه. وقد رثى الخوارج مرداسا رثاء محزنا خصوصا تلك القتلة التي تمت بالغدر، ومن هذه المراثي قول عمران بن حطان: أصبحت عن وجل مني وإيجاس (١) ... أشكو كلوم جراح ما لها آسي يا عين ابكي لمرداس ومصرعه ... يا رب مرداس اجعلني كمرداس أبقيتني هائما أبكي لمرزئتي ... في منزل موحش من بعد إيناس أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس أما شربت بكأس دار أولها ... على القرون فذاقوا جرعة الكاس فكل من لم يذقها شارب عجلا ... منها بأنفاس ورد بعد أنفاس ومما يجدر ذكره أن أبا بلال كان مع جيش علي في صفين أثناء الحرب بين علي ومعاوية. وقد قيل عن سبب خروجه أن ابن زياد قد توعد امرأة خارجية يقال لها البثجاء فقال لها مرداس: إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. قالت: أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها، ولما أخذها ابن زياد قطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فمر أبو بلال في السوق فرأى زحام الناس فجاء فلما شاهد البثجاء عض على لحيته، وقال يخاطب نفسه: " هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء ". فكانت أمنيته أن يموت كميتة البثجاء التي جادت بنفسها في جهاد ابن زياد (٢). وكان أبو بلال شخصية مثالية عند الشيعة والخوارج والمعتزلة، فكل فرقة من هذه الفرق تدعيه كما تقدم. يقول ابن أبي الحديد في هذا: " وكان أبو بلال عابدا ناسكا شاعرا ومن قدماء أصحابنا من يدعيه لما كان يذهب إليه من العدل وإنكار المنكر، ومن قدماء الشيعة من يدعيه أيضا" (٣). وفي أوائل الستينات وأثناء خروج أبي بلال الذي تحدثنا عنه آنفا ظهر نافع بن الأزرق بفرقته ثم تتابع ظهور الفرق بعده. ومع ذلك فقد ظل ظهور الخوارج بحركاتهم الحربية التي قدمناها – ظل ظهورهم يتتابع خلال بقية الحكم الأموي.

стр. 1883

وفي عهد عبد الملك بن مروان بدأ خروج الصالحية التي يجعلها بعض العلماء فرقة من الفرق، بينما هي في الحقيقة حركة ثورية – أكثر منها فرقة دينية – من تلك الحركات التي كانت تحدث بين آونة وأخرى على الخلفاء الأمويين تزعمهم صالح بن مسرح أو ابن مشروح كما يسميه بعضهم، حين خرج في هلال شهر صفر سنة ٧٦هـ، وكون له جماعة حارب بهم جيش الأمويين، وكانت له بعض الآراء التي أخذها من أسلافه من الخوارج قبله. يقول عنه صاحب كتاب (الأديان): " الفرقة السادسة: الصالحية أصحاب صالح بن مشروح استحل من قومه ما استحله منهم ابن العسم من القتل والسبا وغنيمة الأموال، ولم يزل كذلك حتى أهلكه الله ". ويقول الأشعري: " ومن الخوارج أصحاب صالح ولم يحدث صالح قولا تفرد به ويقال إنه كان صفريا ". هذا ما ذكره عنهم الأشعري ولم ينسب إليهم شيئا من الآراء، إلا ما قال عنهم من أنهم أوصلوا الذنب المغلظ إلى أنه عبادة للشيطان، ويذكر ابن الأثير أن اسم زعيمهم هو صالح بن مسرح التميمي وأنه كان رجلا ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة قد تزعم أصحابه يقرئهم القرآن ويعلمهم الفقه والقصص. فلما اجتمع له أقل ما يريد قيل: (١٢٠) وقيل: (١١٠) دعاهم إلى الخروج وكاتب شبيبا في ذلك فأجابه شبيب وأقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى دارا، وحينئذ عزم صالح على الخروج، ولكن تلك الجهات قد تحصنت منه، ولما بلغ محمد بن مروان (١) مخرجهم – وهو أمير الجزيرة حينذاك – أرسل إليهم جيشا يقوده عدي بن عدي الكندي في ألف فارس، ولكن صالحا باغتهم فانهزموا هزيمة منكرة وهرب عدي فانتهب الخوارج ما وجدوا في معسكر عدي، وحين أقبلت فلول عدي غضب عليهم محمد بن مروان، فأرسل لهم قائدين أيهما وصل الأول فهو أمير صاحبه أحدهما خالد بن جزء السلمي في ألف وخمسمائة فارس، والثاني الحارث بن جعونة العامري وبعثه في ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا بصالح في آمد. ولكن صالحا قسم جيشه إلى قسمين أيضا قسم بقيادة شبيب وكان من أشجع الفرسان وجهه إلى الحارث بن جعونة، وقسم بقيادته هو وتوجه إلى خالد فنشبت المعركة من وقت العصر إلى الليل وكثر الجرحى والقتلى في جيش الخلافة، وقتل من أصحاب صالح ثلاثون رجلا، وفي الليل تم رأيهم على أن يذهبوا إلى الدسكرة. وحين وصلت أخبارهم إلى الحجاج بعث لهم جيشا من أهل الكوفة يبلغ ثلاثة آلاف بقيادة الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني، وحين وصلوا إلى صالح بن مسرح بدأت المعركة وكان صالح في تسعين رجلا واشتدت المعركة جدا فقتل صالح فيها وكاد شبيب أن يقتل وحينذاك نادى من بقي من أصحابه وكانوا ٧٠ رجلا: إلي يا معاشر المسلمين؛ فلاذوا به فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه، حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا. وفعلا تقدموا إلى الحصن وتحصنوا به فأمر الحارث بالباب أن يحرق فحرق فقال لأصحابه: إنهم لا يقدرون في الخروج منه ومصبحهم غدا فنقتلهم، وقد بايع الخوارج شبيبا في ليلتهم تلك، ثم أتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث ومن معه إلا والخوارج يضربون رؤوسهم بالسيوف فصرع الحارث فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن هاربين، فأخذ شبيب كل ما بقي في معسكر الحارث (٢).

стр. 1884

وشبيب هذا هو شبيب بن نعيم بن يزيد الشيباني ويكنى بأبي الصحاري، وله من الشجاعة والمعرفة بفنون الحرب ما يكاد يكون خيالا. لقد كان قائدا فذا مجربا للحروب يروغ روغان الثعلب ويهجم هجمة الأسد، قتل من جيش الخلافة الآلاف والعديد من القواد رغم قلة جيشه. ويختلف النقل في كيفية تولي شبيب القيادة بعد صالح؛ فالبغدادي يذكر أن صالحا حين أحس بالموت قال لأصحابه: قد استخلفت عليكم شبيبا وأعلم أن فيكم من هو أفقه منه ولكنه رجل شجاع مهيب في عدوكم فليعنه الفقيه منكم بفقهه. ثم مات وبايع أتباعه شبيبا ". بينما يذكر بعضهم ومنهم ابن الأثير وابن جرير الطبري أن شبيبا تولى أثناء حصار الخوارج في الحصن الذي ألجأهم إليه الحارث بن عميرة في تلك الليلة (١) وبعد مقتل صالح كما تقدم. وتعرف هذه الفرقة أيضا بأصحاب السؤال، فإذا ذكر بعضهم أصحاب السؤال فالمقصود بهم الشبيبية، وقد نسبهم الأشعري إلى البيهسية، ونسبهم غيره إلى الصالحية. وقد خالف شبيب صالحا في مسألة جواز تولي المرأة الإمامة العظمى؛ إذ كان شبيب يجيزها إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، ولهذا فقد تولت غزالة قيادتهم بعد مقتل شبيب. وقد اشتهر شبيب بالشجاعة وخوض الحروب فقد دوخ بني أمية وهزم لهم أكثر من عشرين جيشا في خلال سنتين. وجه أول جيش إليه من قبل الحجاج بقيادة عبيد الله بن أبي المخارق ومعه ألف فارس فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه عتاب بن ورقاء التميمي فقتله شبيب هو وزهرة بن حوية. ويذكر الشهرستاني أن شبيبا قتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميرا كلهم أمراء الجيوش. فكم يكون القتل من أتباعهم؟! وقد استطرد الطبري وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين في تفاصيل حروب شبيب وهي كثيرة تركت منها ما يتعلق بدقائق أخبار المعارك والخطط الحربية فيها وذكر المغامرين في اقتحامها، وكلها تشير إلى أنه قلما ينهزم شبيب في معركة إلا لحيلة أو الإعداد لكرة أخرى، في كل تلك المعارك التي خاضها مع جيوش الخلافة وحتى البدو لم يسلموا من شبيب؛ فقد أغار عليهم وأرهبهم في عدة غزوات لهم، وقد داهم الحجاج في عقر داره بالكوفة؛ فقد دخلها هو وأمه غزالة، أو زوجته في قول آخر، وخطبت على منبر الكوفة وفاء بنذرها، وصلى أيضا الصبح في مسجد الكوفة. وقد تنقل في ليلته تلك في أكثر من مساجد الكوفة لا يجد أحدا إلا قتله. وقد خبأ الحجاج نفسه فلم يخرج تلك الليلة إلى أن اجتمع له أربعة آلاف من جنده ثم خرجوا يقتتلون في سوق الكوفة، حتى كثر القتل في أصحاب شبيب فانهزم إلى الأنبار وقد عير الحجاج بتلك الحادثة فقيل فيه: أسد علي وفي الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... أم كان قلبك في جناحي طائر وفي السنة السابعة والسبعين من الهجرة أو الثامنة والسبعين (على قول) كانت نهاية شبيب إذ مات غريقا، وذلك أنه حين أراد الانصراف من قتال أهل الشام إلى الجهة الأخرى من جسر دجيل الأهواز أمر أصحابه فتقدموا أمامه وتأخر هو في آخرهم وفي أثناء عبوره كان راكبا على حصان وكانت أمام الحصان فرس أنثى فنزا فرسه عليها، فخرج حافره على حرف السفينة فسقط في الماء.

стр. 1885

وقد قيل في غرقه سبب آخر وهو ضعيف لا يعتد به، ومفاده أن بعض جيشه كان حانقا عليه لما قتل من أقوامهم فحين تخلف في آخر جيشه قال هؤلاء: ننتهز الفرصة ونقطع به الجسر فندرك ثأرنا، فنفدوا هذا الرأي وأغرقوه. وانتهت حركته وتفرق من بقي من أتباعه (١). وفي عهد عمر بن عبد العزيز سنة ١٠٠هـ خرج بسطام اليشكري ويعرف بشوذب وهو رجل من بني يشكر خرج بالعراق، وكان الوالي على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. خرج بسطام في مكان يسمى جوخى ومعه ثمانون فارسا أغلبهم من ربيعة، ولما بلغ أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد أن يبعث إليهم رجلا حازما وألا يحركهم بشيء إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا في الأرض، فبعث إليهم عبد الحميد محمد بن جرير في ألفي رجل من أهل الكوفة وأمره بما قال عمر. ثم كتب عمر إلى بسطام يدعوه إلى الطاعة ويسأله عن سبب خروجه ويطلب إليه أن يبعث من قبله من يناظره لتظهر الحجة على أحدهما، فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت ثم بعث وفدا من قبله إلى عمر فتناظرا فظهرت الحجة لعمر ولكن وجهوا إلى عمر سؤالا محرجا قائلين له: " أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ فاعتذر بأنه لم يوله هو وإنما ولاه غيره "، ولكن هذا الجواب لم يكن كافيا عندهم في هذه المسألة فقال له الخوارج: " أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك؟ "، فقال لمن تولى المحاورة وكانا اثنين: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده. وحين علم بنو أمية بهذا خافوا خروج الخلافة عنهم فيقال إنهم دسوا له سما فتوفي في تلك الأيام الثلاثة، ومناظرتهم مشهورة في كتب التاريخ. وبعد وفاة عمر أمر عبد الحميد محمد بن جرير بمناجزتهم قبل أن يبلغ الخوارج موت عمر وقبل أن يرجع وفدهم فعلموا حينذاك أن حدثا قد حدث في الخليفة وأنه قد مات، فحملت الخوارج على محمد بن جرير فهزموه شر هزيمة فأرسل لهم يزيد، تميم بن الحباب في ألفين ولما التقوا قال لهم تميم: إن يزيد لا يفارقكم على ما فارقكم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد معه، ونشبت المعركة فانهزم تميم وجيشه، فوجه إليهم يزيد جيشا آخر بقيادة الشحاج بن وداع في ألفين فكان مصيره مصير من سبقه، وهكذا وقفوا كأنهم القدر المحتوم لا يستطيع أحد أن ينال منهم مطلبا إلى أن جاء مسلمة بن عبد الملك الكوفة فشكا أهلها إليه ما لاقوه من شوذب وخوفوا مسلمة منه، فأرسل مسلمة حينذاك قائدا شجاعا هو سعيد بن عمرو الحرشي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا في معركة حامية الوطيس كانت فيها نهاية الخوارج؛ فقد أفنوهم عن آخرهم وانتهى بسطام وانتهت حركته (٢).

стр. 1886

وفي سنة ١٠٥هـ, خرج عقفان ومعه ثمانون رجلا في خلافة يزيد بن عبد الملك فأشير على يزيد أن لا يرسل جيشا لمحاربته بل يرسل إلى كل رجل مع عقفان رجلا من أقاربه حتى يرده عن الخروج بالاستعطاف والتلطف إليه، وفعلا نجحت هذه الخطة حتى بقي عقفان وحده فأرسل إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده عن الخروج، وانتهت فتنة كادت أن لا تنتهي إلا بضحايا كثيرة. فلما توفي يزيد وتولى هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فاشتد حتى أنه لم يرحم ولده الذي جاء من خراسان غاضبا على الخليفة فقد قبض عليه عقفان وأرسله إلى هشام مقيدا، فقال هشام: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ثم عفا عنه لأبيه وولى عقفان أمر الصدقة (١). وهذه هي الطريقة التي ينبغي اتباعها ولو أن خلفاء بني أمية سلكوا هذه الطريقة الحسنة لكان الأمر عكس ما وقع من فتن قتل فيها الآلاف المؤلفة بين مستحق وغير مستحق. ثم خرج مسعود العبدي سنة ١٠٥هـ أيضا. هذا الخارجي يسمى مسعود بن أبي زينب العبدي ومكان خروجه البحرين، وقد أخذ في التوسع إلى أن بلغ اليمامة فخرج إليه عاملها سفيان بن عمرو العقيلي فالتقوا بالخضرمة واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل مسعود فتولى بعده رجل يسمى هلال بن مدلج، واستمرت المعركة يوما آخر كاملا إلى أن جاء المساء فتفرق الخوارج منهزمين حتى بقي هلال ومعه جماعة قليلة تحصن بحصن كان هناك، ولكن لم يدم بقاؤه فيه فقد نصبت السلالم عليه وأخذ هلال فقتل واستأمن من بقي منهم (٢).وفي نفس السنة خرج مصعب بن محمد الوالبي، خرج هو ومن معه إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى حزة من مقاطعة الموصل فأرسل لهم هشام جيشا فالتقوا هناك في معركة انتهت بقتل مصعب وكثير من الخوارج (٣). ثم خرج الصحاري بن شبيب سنة ١١٩هـ. جاء هذا الرجل إلى خالد بن عبد الله والي العراق من قبل هشام بن عبد الملك يسأله الفريضة مع أهل الشرف فهزئ به خالد وقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟، فلم يظهر الصحاري أي تغير ثم ودع خالدا وخرج، ولكن ذلك الخروج قد هز ضمير خالد فخاف أن يفتق عليه أمرا يكرهه فأرسل في طلبه من يرده فقال لهم: أنا كنت عنده آنفا فأبوا أن يتركوه فجرد سيفه عليهم فتركوه فذهب مستخفيا بنفسه إلى أن وصل إلى مكان يسمى جبل كما يقول الطبري، أو حبل كما يقول ابن الأثير، ينزله ناس من بني تيم اللات من ثعلبة فاستمالهم إليه فقبل منه بعضهم، وتوقف آخرون، وأبى غيرهم وقالوا: نحن في عافية، فخرج الصحاري بمن أطاعه وكانوا ثلاثين فارسا حتى أتى المناذر، وحين بلغ أمره خالدا قال: قد كنت خفتها منه فأرسل إليهم جيشا التحم معهم في معركة انتهت بالقضاء على الصحاري ومن معه جميعا (٤). وفي هذه السنة أيضا خرج كثارة. ويسمى بهلول بن بشر ويلقب كثارة، كان عابدا مجتهدا وكان على جانب عظيم من الشجاعة والخبرة الحربية، وكان السبب في خروجه أنه ذات يوم أرسل غلاما ليشتري له من أحد المحلات خلا بدرهم، فجاء الغلام بخل وكان قد التبس على صاحب المحل الاسم ولم يتأكد من الغلام فسارع وأعطاه خمراً، وحين جاء الغلام بالخمر إلى كثارة وقال لغلامه: ارجع فخذ الدرهم. فامتنع البائع من رد الدرهم.

стр. 1887

وأراد الله أن يتطور هذا النزاع فذهب كثارة إلى حاكم تلك المنطقة ليشكو أمره فأجابه الحاكم بغاية القسوة قائلا له: "الخمر خير منك ومن قومك. وعندها عقد بهلول العزم على الخروج ولكنه أخفى ذلك حتى يتم حجه، فذهب إلى مكة وفيها قابل بعض أصدقائه والذين يرون رأيه فعزموا على الخروج معه وتحت إمرته واتعدوا مكانا سموه من نواحي الموصل، فلما اجتمعوا في تلك القرية أجمع رأيهم على أن لا يمروا بأحد إلا قالوا له بأنهم راجعون من عند الخليفة هشام وأنهم ذاهبون إلى خالد لتولي بعض الأعمال وكانوا يأخذون في طريقهم دواب البريد إلى أن وصلوا تلك القرية التي اشترى فيها الخل. قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقتله، وقال أصحابه: إن الغرض الأهم هو قتل خالد. فقال كثارة له: إني لأرجو أن أقتل هذا وخالدا فبدأ وقتله وبلغت أخبارهم خالدا فحذرهم الناس، ثم خرج خالد إلى الحيرة ومنها أرسل لهم ثمانمائة رجل، وعندما بدأت الحرب بينهم انهزموا أمام الخوارج. فلما وصلت أخبارهم خالدا بعث إليهم جيشا آخر يقوده رجل من بني شيبان وحين لقيهم بهلول شد عليهم فقال له ذلك القائد: نشدتك بالرحم فإني جانح مستجير فكف عنه. وانهزم أصحابه ثم طمحت نفس كثارة إلى قتل الخليفة هشام نفسه ما دام كثارة قد خرج لله، ثم عزم على السير لقتل هشام ولكن عمال هشام خافوا إن وصل كثارة إلى الشام أن ينتقم منهم الخليفة، فجند له خالد جندا من أهل العراق ومثله عامل الجزيرة، ووجه إليه هشام أيضا جندا من أهل الشام لاستغاثة عامل الموصل به، فبلغت الأمداد عشرين ألفا يقابلهم الخوارج وهم سبعون رجلا، كما ذكر المؤرخون، فنشبت معركة بينهم حامية قتل فيها كثارة وتفرق من بقي من أتباعه منهزمين إلى الكوفة، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم (١). ثم خرج الضحاك بن قيس سنة ١٢٧هـ، وقتل سنة ١٢٨هـ. خرج الضحاك بالعراق وكثر أتباعه حتى بلغوا مائة وعشرون ألفا فاستولى على عدة مناطق، وكان ذلك في زمن مروان بن محمد بن محمد ولم يستطع أحد من قواد مروان إيقافه، وأخيرا قرر الضحاك الذهاب لملاقاة مروان فاجتمعوا في مكان من كفر نوثا يسمى الغز فدارت معركة قتل فيها الضحاك. فولى الخوارج عليهم رجلا يسمى الخبيري صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك، وبدأت معركة بين الخبيري وجند الخلافة وفيهم مروان نفسه، فانتصر الخبيري على القلب من جيش مروان حتى دخل فيهم ووصل إلى حجرة مروان، فانهزم مروان حتى خرج عن العسكر بستة أميال منهزما وكانت ميمنة مروان وميسرته ثابتة، فاقتحم بعض جيش مروان على الخبيري ومن معه فقتل الخبيري، وأخبر بذلك مروان فرجع. وانصرف أهل عسكر الخبيري، وولوا عليهم شيبان بن عبد العزيز ثم ارتحلوا من ذلك المكان، فتبعهم مروان يقيم عليهم إذا أقاموا ويحاربهم إذا حاربوا فصاروا يتنقلون من مكان إلى مكان وهم ينقصون ما بين متسلل بنفسه وبين مقتول، إلى أن تفرقوا وذهب كل إلى جهة فأخذ شيبان في بعض تلك الجهات فقتل بعمان (٢).

стр. 1888

وأخيرا كان خروج عبد الله بن يحيى الملقب "بطالب الحق" سنة ١٢٨هـ، وقتل سنة ١٣٠هـ، وهو من حضرموت، كان مشهورا بأنه من العباد المجتهدين وكان السبب في ظهوره هو أبا حمزة الشاري، فقد كان أبو حمزة يحج في كل سنة ويدعو من يتوسم فيه الإجابة إلى خلاف مروان بن محمد والخروج عليه، وكان ممن التقى بهم طالب الحق فدعاه إلى رأيه وحسن له الخروج على مروان، فقال له عبد الله بن يحيى: "يا رجل أسمع كلاما حسنا وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي"، فخرج معه إلى حضرموت وهناك بايعه أبو حمزة على الخلافة وعلى الخروج على مروان، فكتب إلى علماء البصرة من الإباضية يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا من لنصرة دينه، ويخص بالشهادة منهم من يشاء. وهنا عزم على الخروج وبدأ في التوسع، فأخذ منطقة حضرموت وامتد سلطانه إلى صنعاء، حين سار إليها في ألفين، فقابله عامل مروان على صنعاء القاسم بن عمر في مكان يسمى لحج، ودارت بينهم معركة انتصر فيها الخوارج، وواصلوا زحفهم إلى صنعاء، فمكث فيها طالب الحق شهرا يحسن السيرة في أهلها، وألان جانبه لهم فكثر أتباعه ووافاه الخوارج من كل مكان وبسط سيطرته على تلك المناطق، فبعث إليه مروان بن محمد عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فالتقى هو وطالب الحق فدارت معركة قتل فيها طالب الحق وحمل رأسه إلى مروان بالشام سنة ١٣٠هـ (١). وكان هذا هو آخر عهد بني أمية بالخوارج حيث انتهت دولتهم في عام ١٣٢هـ بقيام الدولة العباسية. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٢٩

стр. 1889

المبحث الثالث: حركات الخوارج الثورية على الدولة العباسية رأينا سابقا كيف أن الخوارج منذ أن فارقوا علي بن أي طالب ﵁ أخذوا في تضخيم السخط على مخالفيهم والحث الشديد على محاربتهم وتضخيم خطاياهم، في كل مسألة ينادون بأعلى أصواتهم لا حكم إلا لله لا لعلي ولا لبني أمية ولا لبني العباس ولا لأحد، الحرب، الحرب، لهذا فقلما يجتمع منهم جماعة إلا وسارعوا وأعلنوها حربا شعواء لا يمكن أن تنتهي إلا بمنتصر ومهزوم. فقد خاضوا مع بني أمية كما تقدم حربا لا هوادة فيها كلفوا أنفسهم خسائر ضخمة، وكلفوا الخلافة من الأنفس والأموال ما لو أنفق في جهاد الكفار لكان مفخرة إسلامية. استمر الخوارج طوال عهد الدولة الأموية وهم في صراع حاد معها فأوهنوا قوتها وأوهنت قوتهم، وكانوا كالشجا في حلق كل خليفة لا يخف ألمه إلا ليبدأ من جديد، وهكذا إلى أن غير الله الحال وانتهت الدولة الأموية برأسها وخلفتها الدولة العباسية ولا زال مرجل الخوارج يغلي ولكنه يغلي على بقية جمر كاد أن يصير رمادا واختلف خوارج اليوم عن خوارج الأمس، فالخوارج على بني أمية كانوا أكثر جمعا وأشد بأسا، أما الخوارج على بني العباس فكانوا كما وصفهم أحمد أمين بقوله: "كانوا الخوارج في حالة الاحتضار وحركاتهم التي أتوا بها في العهد العباسي تشبه حركة المذبوح" (١). ومن هنا توالت عليهم الهزائم فلا يخرجون على خليفة إلا ورماهم بكل ما لديه من ثقل إلى أن أصبحوا في وضع لا يمكنهم فيه أن يلفتوا إليهم نظرا، فلا يخشى بأسهم ولا يحسب لقوتهم مثل ما كان لأسلافهم. يقول أحمد أمين في نتيجة هزائمهم: "وكانت هذه الهزائم المتوالية للخوارج سببا في ضعف أمرهم وقلة شأنهم؛ فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير" (٢). ولنبدأ الآن بذكر أشهر الخارجين على الدولة العباسية، وأول الخارجين كان: هو الجلندي الذي خرج على السفاح، ويسمى الجلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي، فقد أراد هو وأصحابه من أهل عمان صد جيش الخلافة عن دخول بلادهم، وكان قائد جيش الخليفة أبي العباس السفاح، رجلا يسمى خازم بن خزيمة فالتقوا في الصحراء فاقتتلوا قتالا شديدا يوما كاملا، ثم استأنفوا القتال في اليوم الثاني في معركة لا تقل عن اليوم الأول، ثم هدأت الأمور قليلا ولكنهم استأنفوها على أشدها. وقد فكر جيش خازم في حيلة أشار بها عليهم رجل من أهل الصغد وهي أن يجعل كل جندي على طرف سنانة مشاقة، وهي ما خلص من القطن والكتان والشعر، ويرووها بالنفط ثم يشعلوا فيها النيران ثم يقذفوها على بيوت الجلندي وأصحابه، وتمت هذه الفكرة بنجاح فاشتعلت النار في البيوت وكانت من خشب فاشتغل أصحاب الجلندي بإخراج أهلهم وأموالهم عن النار، وعندها مال عليهم جيش خازم يقتلونهم كيف شاءوا وانتهت المعركة بقتل عشرة آلاف منهم، ثم أخذت رؤوسهم وبعث بها إلى البصرة فمكثت أياما ثم بعث بها إلى الكوفة إلى أبي العباس كما هي عادة أهل التجبر والقهر في من يقع تحت سطوتهم" (٣). وخرج بعد ذلك ملبد بن حرملة الشيباني على المنصور بناحية الجزيرة بالعراق، وكان فيه شجاعة شبيب ودهائه وخبرته بالحرب وأنواعها.

стр. 1890

خرج إليه في أول الأمر ألف فارس من المرابطين في الجزيرة فهزمهم، ثم تتابعت الجيوش بعد ذلك على حربه فسارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه، وعجز الناس عنه فبعث إليه أبو جعفر المنصور مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند فهزمهم، ثم وجه إليه آنذاك آخر خراسانيا يسمى نزارا فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن مشكان فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن صبيح فانهزم أيضا، ثم سار إليه حميد بن قحطبة فهزمه هو الآخر. فأرهب الناس وأهمهم أمره، ثم وجه إليه أبو جعفر عبد العزيز بن عبد الرحمن وضم إليه زياد بن مشكان فانهزما أيضا، فبعث إليه المنصور خازم بن خزيمة في ثمانية آلف فدارت بينهم معركة قتل في نهايتها ملبد وأكثر جيشه وهرب من بقي منهم متسللين بأنفسهم (١). وقد خرج على المنصور أيضا أهل المغرب بقيادة أبو حاتم الإباضي. ويسمى يعقوب بن حبيب، وكان عامل تلك الجهة وهي طرابلس يسمى الجنيد بن بشار فكتب إلى عمر بن حفص القائد العام لإفريقية يستمده فأمده بعسكر التقى مع الإباضية في معركة فانهزموا أمام أبي حاتم إلى قابس، فلحقهم وحاصرهم فيها، ثم حاصر القيروان وكثر أتباعه وضيق عليها الحصار مدة ثمانية أشهر حتى أكلوا دوابهم وكلابهم. وفي هذه الأثناء جاءهم الخبر بوصول عمر بن حفص فاستبشروا وجاء عمر حتى نزل مكانا يسمى الهريش، فلما علم أبو حاتم ترك حصار القيروان وحول جمعه لملاقاة عمر، فلما علم بهم عمر، وكان في سبعمائة فارس ذهب إلى تونس فتبعه البربر فعاد إلى القيروان مسرعا وأدخل إليها كل ما يلزم من دواب وطعام وغير ذلك، فجاء أبو حاتم إلى القيروان وحاصرها كحصار المرة الأولى حتى أجهدها وكانوا في أثناء الحصار تحصل بينهم مناوشات غير مجدية، وهنا عزم عمر على منازلتهم كيفما كانت النتيجة ثم التحم معهم في معركة قتل فيها، فقام بالأمر بعده أخوه لأمه حميد بن صخر فوادع الثائرين ريثما يجيء مدد الخليفة المكون من ستين ألفا على رأسهم يزيد بن حاتم بن قتيبة ابن المهلب، ثم حصلت حروب عدة قضي فيها على تلك الحركات جميعها في معارك بلغت ٣٧٥ معركة فيما قيل (٢).ثم خرج الصحصح بالجزيرة على الرشيد، وكان عامله على الجزيرة يسمى أبو هريرة محمد بن فروخ فوجه إليه الصحصح جيشا ولكنه انهزم، ثم توسع الصحصح وخرج إلى الموصل فلقيه عسكرها واقتتلوا فقتل منهم كثيرا، ثم رجع إلى الجزيرة فسير إليه الرشيد جيشا القتوا به في دورين في معركة قتل فيها الصحصح وأصحابه (٣). ثم خرج على الرشيد أيضا الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة واستولى عليها وعلى نصيبين ووصل إلى أرمينية وأذربيجان وحلوان وأراضي السواد، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني وقد أراد يزيد أن يطاوله ليضعفه ويمكر به، إلا أن البرامكة كانت في نفوسهم حزازة عليه فقالوا للرشيد: إنما يتجافى يزيد عن الوليد للرحم لأنهما كليهما من وائل وأخذوا يهونون أمر الوليد فكتب إليه الرشيد كتاب مغضب وقال له: "لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب، وأقسم بالله إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك"، فقام يحرض أصحابه قائلا لهم: "فداكم أبي وأمي إنما هي الخوارج ولهم حملة فاثبتوا، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا"، ثم نشبت المعركة فقتل الوليد، فرثته أخته بقصيدة منها: بتل تباثا رقم قبر كأنه ... على علم فوق الجبال منيف ألا يا لقومي للنوائب والردى ... ودهر ملح بالكرام عنيف

стр. 1891

فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت نزالا بكل شريف (١). ثم خرج عبد السلام بن هشام اليشكري بالجزيرة أيضا وكثر أتباعه بها وذلك في زمن المهدي، فبعث إليه المهدي الجيش تلو الجيش وهو يهزمهم أولا بأول، فأرسل المهدي إلى القائد الذي بحيالهم ويسمى شبيب بن واج ألف فارس، وكان المهدي قد قوى نفوسهم فجعل لكل جندي ألف درهم وألحقهم بشبيب، فلما وصلوا إليه خرج بهم في طلب عبد السلام، فانهزم منهم عبد السلام، فاتبعوه حتى أتى قنسرين فأحيط به وقتل هناك (٢). ثم كان خروج يوسف بن إبراهيم البرم على المهدي بخراسان ناقما على المهدي سيرته فتبعه خلق كثير في تلك النواحي. فبعث إليه المهدي يزيد من مزيد الشيباني فالتقوا في معركة أسر فيها البرم، فوجه به يزيد إلى المهدي ومعه وجوه أصحابه فلما وصلوا إلى المهدي أمر بقطع يدي يوسف ورجليه وضرب عنقه وعنق أصحابه الذين معه (٣). وكان آخر الخارجين على المهدي يس التميمي وكان خروجه بالموصل محكما، وكان على رأي صالح بن مسرح واجتمع له خلق كثير وأخذ في التوسع فأخذ أكثر ربيعة والجزيرة، فخرج لقتاله عسكر الموصل ولكنه هزمهم. فوجه المهدي قائدين أحدهما أبو هريرة محمد بن فروخ، والآخر هرثمة بن أعين فدارت بينهما معارك انتهت بقتله وانهزم من بقي من أتباعه (٤). وبانهزامه انتهت حركات الخوارج ضد الدولة العباسية في المشرق والمغرب، وإن أصبحت للإباضية منهم دولة في عمان والمغرب نتناولها بالدراسة في الفصل التالي. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٥٥

стр. 1892

المبحث الأول: شجاعتهم وسرعة اندفاعهم لقد بلغ الخوارج القمة في الإقدام على الموت في ساحات القتال لا يهابون بطش أحد ولا يقف دون غضبهم حاجز، وقد اشتهروا شهرة لا يخطئها مطلع على أحوالهم في مجال الشجاعة النادرة والاستبسال في المعارك، وقد ساعد على شجاعتهم النادرة وجود العدة الكافية من خيل جياد وأسلحة تامة؛ ذلك أنهم كانوا سريعي الإغارة والتحرك من مكان إلى مكان، فكانوا يتخيرون ركوب الخيل الجياد. وأعتقد أن تلك الشجاعة وذلك الاستبسال لو وجه وجهة صحيحة لكان له أثر بالغ في مجرى التاريخ فكانوا جنودا عاملين في نشر الفتوحات الإسلامية بدلا من حربهم للمسلمين وإضعافهم لقوة الدولة الإسلامية، وكذلك لو عومل الخوارج معاملة حسنة بالصبر والحكمة لخفت تلك الثورة العنيفة، ولكن موقف الحكام تجاههم كان موقفا عنيدا زاد الطين بلة، فلو عولجوا ببعض الحكمة والرأفة لقل أو لربما انعدمت تلك المعارك التي ذهب ضحيتها آلاف البشر مما لا يحصيهم إلا الله. وهذا يذكرنا بموقف يزيد بن عبد الملك حين أرسل إلى الخارجي عقفان أخاه يستعطفه حتى رده عن خروجه، فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه من خراسان غاضبا فشده وثاقا وبعث به إلى هشام فأطلقه لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقى عليها إلى أن توفي هشام (١). فبنو أمية وبعدهم بنو العباس لو كانوا قد سلكوا معهم مثل هذا المسلك لتغير الوضع بالنسبة لهم أو لم يكن - على أقل تقدير – يمثل ما كانوا عليه من الحدة والعنف، ولكنهم كانوا لا يراعون في الخوارج إلا ولا ذمة يقتلونهم قتلا تقشعر منه الجلود، مستعملين في ذلك كل ما استطاعوه من بطش وإرهاب ضدهم. ومن هنا جاش غضب الخوارج إضافة إلى ما كان في اعتقادهم من أن المجتمع قد فسد، والحكام قد خرجوا عن طاعة الله وتحكيم كتابه فأطاعوا الشيطان وخرجوا عن حكم الله – كما كانوا يتصورون-، فكانت شجاعتهم واستبسالهم أمرا طبيعيا إزاء هذه الأوضاع. .... ومن الشنائع التي تروى أيضا في شدتهم على مخالفيهم وغلظ قلوبهم عليهم ما يروى عنهم من أنهم أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها وكانت جميلة، ثم أرادوا قتلها فقالت: أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فقال قائل منهم: دعوها. فقالوا: قد فتنتك ثم قدموها فقتلوها (٢). وكما اشتهر رجالهم بالشجاعة اشتهرت نساؤهم كذلك فاشتهرت عدة منهن بمواقف عجيبة في الثبات، كانت المرأة يؤتى بها أسيرة حتى يوقف بها أمام الحجاج ذلك الجبار المخيف فلا تخضع له بل ترى وكأنها غير مكترثة به ....... وهكذا أدت الشجاعة بالخوارج إلى التهور في الحرب وسفك الدماء إلى هذا الحد السيء. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٣١

стр. 1893

المبحث الثاني: مبالغتهم في العبادة والزهد اشتهر الخوارج بالمبالغة في العبادة فقد بلغوا فيها مبلغا عظيما، وكذلك كان لهم اشتغالهم الدائم بقراءة القرآن قد لا يدركه الكثير من غيرهم. يصفهم جندب الأزدي بقوله: " لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس – أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة- " (١).وقد وصف زعيم منهم وهو عبد الله بن وهب بأنه ذو الثفنات (٢) لشدة عبادته واجتهاده وكثرة سجوده، حتى أصبحت يداه كثفنات الإبل من كثرة وضعها على الأرض. وهذا أبو بلال مرداس كان من عبادهم وزهادهم مر بأعرابي وهو يداوي بعيره بالقطران فهرج البعير من شدة القطران، فوقف عليه أبو بلال فلما رآه غشي عليه، فقام الأعرابي يرقيه ظانا أن به مسا فلم أفاق قال له: قد رقيتك، قال له: ليس بي شيء مما خفته علي، وإنما ذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت (٣).بل لقد وصل الاجتهاد في العبادة ببعضهم إلى حد المغالاة والخروج عن الرفق بالنفس إلى الأمر المذموم، فقد طلب ابن زياد من مولى عروة بن حدير أن يصف له أمر عروة بعدما قتله قائلا له: صف لي أمره واصدق، فقال:: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط. قال الشهرستاني بعد أن ذكر هذه الحادثة: " هذه معاملته واجتهاده وذلك خبثه واعتقاده " (٤)، وقد ذكر ابن أبي الحديد في ترجمته المختصرة له أنه كان له أصحاب وأتباع وشيعة (٥).وحتى نافع بن الأزرق وهو المشهور بسفك الدماء يكتب إلى أهل البصرة ويذم في كتابه الدنيا ويصفها بأنها غرارة مكارة ينبغي الحذر منها ومن الركون إليها، في كلام عذب أخاذ عليه فصاحة العرب وقوة حجتهم، فمنه قوله: " فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرارة مكارة لذتها نافذة ونعمتها بائدة، حفت بالشهوات اغترارا وأظهرت حبره وأضمرت عبره، فليس آكل منها أكلة تسره ولا شارب شربة تؤنقه إلا دنا بها درجة إلى أجله وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله دارا لمن تزود منها إلى النعيم المقيم والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا، فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " (٦).

стр. 1894

وأما خلفه أبو حمزة الخارجي فله خطبة مشهورة خطبها حين دخل المدينة المنورة غازيا وصف في هذه الخطبة أصحابه بالعبادة قائلا: " يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا أحداثا، شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا: خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة ". ........ وقد روي عن ابن ملجم ما يحير العقل من تناقضهم في سلوكهم الديني، فبينما هم شديدو الغلو في الدين والعبادة إذا هم شديدو الحقد على خيار الصحابة ومستحلون لدمائهم. فهذا ابن ملجم يقتل علي بن أبي طالب، ومع ذلك يقف عند القصاص منه كأثبت الناس وأعبدهم، يقول ابن الجوزي: " فلما مات علي ﵁ أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: ١ - ٣] حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع، فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله " (١).ومثله في هذا عروة بن حدير الذي تحدثنا عنه آنفا، فبينما هو يتبرأ من خيار الصحابة علنا دون خوف أحد إذا به من أعبد الناس وأصومهم، وقد قتله ابن زياد بعد أن تمت بينهما المناقشة الحادة التي يحكيها الشهرستاني بقوله: " وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتي به إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر ﵄ فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن أمير المؤمنين علي ﵁، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك، فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق، فقال: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، فقال: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط " (٢). .......... ولقد كان خليقا بهم وهم على هذه الدرجة من العبادة والورع أن يعفوا عما وقعوا فيه من المحارم وما لغوا فيه من دماء المسلمين، ولكن تدينهم على هذا النحو الذي كانوا عليه ليس هو الصورة الصحيحة للتدين المثمر الذي يحول بين صاحبه وبين محارم الله. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٠

стр. 1895

المبحث الثالث: فصاحتهم وقوة تأثيرهم وقد اشتهر الخوارج بالفصاحة وقوة الأسلوب وعرض مذهبهم والدعاء إليه بصورة شيقة تجذب إليهم القلوب وتتأثر بكلامهم أيما تأثر، فلهم خطب وأشعار وأمثال ومناظرات مشهورة في كتب الأدب تتميز بفصاحتها وقوة تأثيرها، ومن أمثلة ذلك: " إن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى منه ما شاء الله أدبا ودهيا، فرغب فيه واستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا، فزاده في الاستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل: فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة ووقر في قلبي من الحق فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطني الله في الدنيا ومكن لنا فيها وأراك لست تجيب بالقول. والله لأقتلنك إن لم تطع" (١) الخ. وقد وصف ابن زياد أسلوب الخوارج وقوة بيانهم بقوله: "لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع " (٢).ويصفهم الشيخ أبو زهرة بقوله إنهم " اتصفوا بالفصاحة وطلاقة اللسان والعلم بطرق التأثير البياني، وكانوا ثابتي الجنان لا تأخذهم حبسة فكرية ويقول: " وكانوا يحبون الجدل والمناقشة ومذاكرة الشعر وكلام العرب، وكانوا يذاكرون مخالفيهم حتى في أزمان القتال "، ويقول أيضا:" وقد كان التعصب يسود جدلهم فهم لا يسلمون لخصومهم بحجة ولا يقتنعون بفكرة مهما تكن قريبة من الحق وواضحة الصواب، بل لا تزيدهم قوة الحجة عند خصومهم إلا إمعانا في اعتقادهم وبحثا عما يؤيده " (٣). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٥
следующие страницы →