← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني ... أرى الموت نزالا بكل شريف (١). ثم خرج عبد السلام بن هشام اليشكري بالجزيرة أيضا وكثر أتباعه بها وذلك في زمن المهدي، فبعث إليه المهدي الجيش تلو الجيش وهو يهزمهم أولا بأول، فأرسل المهدي إلى القائد الذي بحيالهم ويسمى شبيب بن واج ألف فارس، وكان المهدي قد قوى نفوسهم فجعل لكل جندي ألف درهم وألحقهم بشبيب، فلما وصلوا إليه خرج بهم في طلب عبد السلام، فانهزم منهم عبد السلام، فاتبعوه حتى أتى قنسرين فأحيط به وقتل هناك (٢). ثم كان خروج يوسف بن إبراهيم البرم على المهدي بخراسان ناقما على المهدي سيرته فتبعه خلق كثير في تلك النواحي. فبعث إليه المهدي يزيد من مزيد الشيباني فالتقوا في معركة أسر فيها البرم، فوجه به يزيد إلى المهدي ومعه وجوه أصحابه فلما وصلوا إلى المهدي أمر بقطع يدي يوسف ورجليه وضرب عنقه وعنق أصحابه الذين معه (٣). وكان آخر الخارجين على المهدي يس التميمي وكان خروجه بالموصل محكما، وكان على رأي صالح بن مسرح واجتمع له خلق كثير وأخذ في التوسع فأخذ أكثر ربيعة والجزيرة، فخرج لقتاله عسكر الموصل ولكنه هزمهم. فوجه المهدي قائدين أحدهما أبو هريرة محمد بن فروخ، والآخر هرثمة بن أعين فدارت بينهما معارك انتهت بقتله وانهزم من بقي من أتباعه (٤). وبانهزامه انتهت حركات الخوارج ضد الدولة العباسية في المشرق والمغرب، وإن أصبحت للإباضية منهم دولة في عمان والمغرب نتناولها بالدراسة في الفصل التالي. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٥٥

стр. 1892

المبحث الأول: شجاعتهم وسرعة اندفاعهم لقد بلغ الخوارج القمة في الإقدام على الموت في ساحات القتال لا يهابون بطش أحد ولا يقف دون غضبهم حاجز، وقد اشتهروا شهرة لا يخطئها مطلع على أحوالهم في مجال الشجاعة النادرة والاستبسال في المعارك، وقد ساعد على شجاعتهم النادرة وجود العدة الكافية من خيل جياد وأسلحة تامة؛ ذلك أنهم كانوا سريعي الإغارة والتحرك من مكان إلى مكان، فكانوا يتخيرون ركوب الخيل الجياد. وأعتقد أن تلك الشجاعة وذلك الاستبسال لو وجه وجهة صحيحة لكان له أثر بالغ في مجرى التاريخ فكانوا جنودا عاملين في نشر الفتوحات الإسلامية بدلا من حربهم للمسلمين وإضعافهم لقوة الدولة الإسلامية، وكذلك لو عومل الخوارج معاملة حسنة بالصبر والحكمة لخفت تلك الثورة العنيفة، ولكن موقف الحكام تجاههم كان موقفا عنيدا زاد الطين بلة، فلو عولجوا ببعض الحكمة والرأفة لقل أو لربما انعدمت تلك المعارك التي ذهب ضحيتها آلاف البشر مما لا يحصيهم إلا الله. وهذا يذكرنا بموقف يزيد بن عبد الملك حين أرسل إلى الخارجي عقفان أخاه يستعطفه حتى رده عن خروجه، فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه من خراسان غاضبا فشده وثاقا وبعث به إلى هشام فأطلقه لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقى عليها إلى أن توفي هشام (١). فبنو أمية وبعدهم بنو العباس لو كانوا قد سلكوا معهم مثل هذا المسلك لتغير الوضع بالنسبة لهم أو لم يكن - على أقل تقدير – يمثل ما كانوا عليه من الحدة والعنف، ولكنهم كانوا لا يراعون في الخوارج إلا ولا ذمة يقتلونهم قتلا تقشعر منه الجلود، مستعملين في ذلك كل ما استطاعوه من بطش وإرهاب ضدهم. ومن هنا جاش غضب الخوارج إضافة إلى ما كان في اعتقادهم من أن المجتمع قد فسد، والحكام قد خرجوا عن طاعة الله وتحكيم كتابه فأطاعوا الشيطان وخرجوا عن حكم الله – كما كانوا يتصورون-، فكانت شجاعتهم واستبسالهم أمرا طبيعيا إزاء هذه الأوضاع. .... ومن الشنائع التي تروى أيضا في شدتهم على مخالفيهم وغلظ قلوبهم عليهم ما يروى عنهم من أنهم أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها وكانت جميلة، ثم أرادوا قتلها فقالت: أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فقال قائل منهم: دعوها. فقالوا: قد فتنتك ثم قدموها فقتلوها (٢). وكما اشتهر رجالهم بالشجاعة اشتهرت نساؤهم كذلك فاشتهرت عدة منهن بمواقف عجيبة في الثبات، كانت المرأة يؤتى بها أسيرة حتى يوقف بها أمام الحجاج ذلك الجبار المخيف فلا تخضع له بل ترى وكأنها غير مكترثة به ....... وهكذا أدت الشجاعة بالخوارج إلى التهور في الحرب وسفك الدماء إلى هذا الحد السيء. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٣١

стр. 1893

المبحث الثاني: مبالغتهم في العبادة والزهد اشتهر الخوارج بالمبالغة في العبادة فقد بلغوا فيها مبلغا عظيما، وكذلك كان لهم اشتغالهم الدائم بقراءة القرآن قد لا يدركه الكثير من غيرهم. يصفهم جندب الأزدي بقوله: " لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس – أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة- " (١).وقد وصف زعيم منهم وهو عبد الله بن وهب بأنه ذو الثفنات (٢) لشدة عبادته واجتهاده وكثرة سجوده، حتى أصبحت يداه كثفنات الإبل من كثرة وضعها على الأرض. وهذا أبو بلال مرداس كان من عبادهم وزهادهم مر بأعرابي وهو يداوي بعيره بالقطران فهرج البعير من شدة القطران، فوقف عليه أبو بلال فلما رآه غشي عليه، فقام الأعرابي يرقيه ظانا أن به مسا فلم أفاق قال له: قد رقيتك، قال له: ليس بي شيء مما خفته علي، وإنما ذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت (٣).بل لقد وصل الاجتهاد في العبادة ببعضهم إلى حد المغالاة والخروج عن الرفق بالنفس إلى الأمر المذموم، فقد طلب ابن زياد من مولى عروة بن حدير أن يصف له أمر عروة بعدما قتله قائلا له: صف لي أمره واصدق، فقال:: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط. قال الشهرستاني بعد أن ذكر هذه الحادثة: " هذه معاملته واجتهاده وذلك خبثه واعتقاده " (٤)، وقد ذكر ابن أبي الحديد في ترجمته المختصرة له أنه كان له أصحاب وأتباع وشيعة (٥).وحتى نافع بن الأزرق وهو المشهور بسفك الدماء يكتب إلى أهل البصرة ويذم في كتابه الدنيا ويصفها بأنها غرارة مكارة ينبغي الحذر منها ومن الركون إليها، في كلام عذب أخاذ عليه فصاحة العرب وقوة حجتهم، فمنه قوله: " فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرارة مكارة لذتها نافذة ونعمتها بائدة، حفت بالشهوات اغترارا وأظهرت حبره وأضمرت عبره، فليس آكل منها أكلة تسره ولا شارب شربة تؤنقه إلا دنا بها درجة إلى أجله وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله دارا لمن تزود منها إلى النعيم المقيم والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا، فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " (٦).

стр. 1894

وأما خلفه أبو حمزة الخارجي فله خطبة مشهورة خطبها حين دخل المدينة المنورة غازيا وصف في هذه الخطبة أصحابه بالعبادة قائلا: " يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا أحداثا، شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا: خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة ". ........ وقد روي عن ابن ملجم ما يحير العقل من تناقضهم في سلوكهم الديني، فبينما هم شديدو الغلو في الدين والعبادة إذا هم شديدو الحقد على خيار الصحابة ومستحلون لدمائهم. فهذا ابن ملجم يقتل علي بن أبي طالب، ومع ذلك يقف عند القصاص منه كأثبت الناس وأعبدهم، يقول ابن الجوزي: " فلما مات علي ﵁ أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: ١ - ٣] حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع، فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله " (١).ومثله في هذا عروة بن حدير الذي تحدثنا عنه آنفا، فبينما هو يتبرأ من خيار الصحابة علنا دون خوف أحد إذا به من أعبد الناس وأصومهم، وقد قتله ابن زياد بعد أن تمت بينهما المناقشة الحادة التي يحكيها الشهرستاني بقوله: " وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتي به إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر ﵄ فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن أمير المؤمنين علي ﵁، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك، فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق، فقال: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، فقال: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط " (٢). .......... ولقد كان خليقا بهم وهم على هذه الدرجة من العبادة والورع أن يعفوا عما وقعوا فيه من المحارم وما لغوا فيه من دماء المسلمين، ولكن تدينهم على هذا النحو الذي كانوا عليه ليس هو الصورة الصحيحة للتدين المثمر الذي يحول بين صاحبه وبين محارم الله. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٠

стр. 1895

المبحث الثالث: فصاحتهم وقوة تأثيرهم وقد اشتهر الخوارج بالفصاحة وقوة الأسلوب وعرض مذهبهم والدعاء إليه بصورة شيقة تجذب إليهم القلوب وتتأثر بكلامهم أيما تأثر، فلهم خطب وأشعار وأمثال ومناظرات مشهورة في كتب الأدب تتميز بفصاحتها وقوة تأثيرها، ومن أمثلة ذلك: " إن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى منه ما شاء الله أدبا ودهيا، فرغب فيه واستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا، فزاده في الاستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل: فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة ووقر في قلبي من الحق فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطني الله في الدنيا ومكن لنا فيها وأراك لست تجيب بالقول. والله لأقتلنك إن لم تطع" (١) الخ. وقد وصف ابن زياد أسلوب الخوارج وقوة بيانهم بقوله: "لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع " (٢).ويصفهم الشيخ أبو زهرة بقوله إنهم " اتصفوا بالفصاحة وطلاقة اللسان والعلم بطرق التأثير البياني، وكانوا ثابتي الجنان لا تأخذهم حبسة فكرية ويقول: " وكانوا يحبون الجدل والمناقشة ومذاكرة الشعر وكلام العرب، وكانوا يذاكرون مخالفيهم حتى في أزمان القتال "، ويقول أيضا:" وقد كان التعصب يسود جدلهم فهم لا يسلمون لخصومهم بحجة ولا يقتنعون بفكرة مهما تكن قريبة من الحق وواضحة الصواب، بل لا تزيدهم قوة الحجة عند خصومهم إلا إمعانا في اعتقادهم وبحثا عما يؤيده " (٣). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٥

стр. 1896

المبحث الرابع: صدقهم في الحديث ومع فصاحة الخوارج ولباقتهم، فقد اشتهروا بالصدق والنفرة عن الكذب لأنهم يعتبرونه من صفات الجبناء الذي لا مكان لهم عندهم، يقول المبرد: " قال أبو العباس: والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة " (١).وقد وصفهم ابن تيمية بأنهم " ليسوا ممن يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث" (٢)، وقال في تفضيلهم على الرافضة: وهم أصح منهم عقلا وقصدا، والرافضة أكذب وأفسد دينا " (٣).ويصفهم بأن بدعتهم لم تكن عن زندقة وإلحاد بل كانت عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب (٤). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٧

стр. 1897

المبحث الخامس: ميلهم إلى الجدل وقوتهم فيه لقد بذل الخوارج في الدفاع عن آرائهم وجعل السيطرة لها على الناس جهدا كبيرا، سواء كان ذلك بقوتهم الحربية أو كان بقوتهم الجدلية، وقد حفلت كتب التاريخ والأدب بذكر مجادلاتهم مع الإمام علي وابن عباس وغيرهما من أعلام المسلمين، كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز، ويطول بنا القول لو ذهبنا نذكر أخبار تلك المناظرات والمحاورات التي دارت بينهم وبين خصومهم، وظهر فيها قوتهم في الجدال ولددهم في الخصومة، وذلك لكثرة هذه الأخبار وطول تلك الفترة والمناظرات، وقد سبق أن ذكرنا ما دار بينهم وبين الإمام علي وابن عباس وعمر بن عبد العزيز من مناظرات تتعلق بأسباب خروجهم أو بموقفهم من قضية التحكيم إلى غير ذلك من الموضوعات التي كانت مثار خلاف بين الفريقين. ...... بل لقد كان عقلاء الخوارج ومفكروهم يشكون من كثرة انتشار الجدل بينهم الذي كان سببا مباشرا من أسباب تفرق الخوارج، على نحو ما يصفه الصلت بن مرة بقوله: قل للمحلين قد قرت عيونكم ... بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا أناسا على دين فغيرنا طول الجدال وخلط الجد باللعبما كان أغنى رجالا ضل سعيهم عن الجدال وأغناهم عن الخطب (١) هذه بعض الخصائص الدينية والخلقية والعقلية التي كانت تغلب على الخوارج، والتي كان لها أثرها الواضح في سلوكهم مع أنفسهم ومع بعضهم ومع الأمة والدولة على نحو ما عرضنا هذا السلوك في فصول هذا الباب. ولو استقامت بهم الوجهة لكان خليقا بهذه الخصائص أن تضع أقدامهم على الطريق الصحيح من العمل إلى الله والدعوة إلى دينه. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٤٨

стр. 1898

المطلب الأول: بين العقل والشرع في التحسين والتقبيح للعلماء اتجاهان في تحديد موقف الخوارج من العقل الاتجاه الأول: وهو اتجاه من يذهب إلى أن الخوارج يرون قدرة العقل على إدراك المعرفة بنفسه مستقلاً عن السمع، وأن السمع إنما يأتي مصدقاً لأحكامه، وبناء على هذا الاتجاه يصح لنا أن نصف الخوارج بأنهم عقلانيون، وذلك لأنهم قدموا العقل في كثير من القضايا مدعين أنه يستطيع أن يصل إلى معرفة الأشياء الحسنة والأشياء القبيحة بنفسه وأن العدل ما يقتضيه العقل، وهذا هو مذهب المعتزلة. وفي هذا يذكر الشيخ المفيد أن المعتزلة والخوارج والزيدية متفقون في هذا الاعتقاد، أي القول باستطاعة العقل معرفة الواجبات الشرعية، دون السمع، يقول الشيخ المفيد في هذا: " أما المعتزلة والخوارج والزيدية فعلى خلاف ذلك أجمعوا وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع" (١). وقد ظهر تمسك الخوارج بالتحسين والتقبيح والعقليين في أكثر أمورهم التي ادعوا أن العقل يدرك حقيقتها دون الرجوع إلى الحكم الشرعي فيها لتصحيح الحكم بحسنها أو قبحها، بل العقل يدرك في كل خصلة مدى قبحها أو حسنها، بما في الفعل من خاصية يدرك العقل حين وردوها عليه الحكم فيها، والشروع حين يحكم فيها بحكم إنما يأتي كمخبر عنه وليس مثبتاً للحكم فيها. وفي هذا يقول البغدادي بعد أن ذكر بعض الفرق التي اتفقت في الاعتقاد في هذا الباب وهم الثنوية والتناسخية والبراهمة والخوارج والكرامية والمعتزلة ... إلخ، اتفق هؤلاء كلهم فيما يذكر: " فصاروا إلى أن العقل يستدل به على حسن الأفعال وقبحها على معنى أنه يجب على الله الثواب والثناء على الفعل الحسن، ويجب عليه الملام والعقاب على الفعل القبيح، والأفعال على صفة نفسية من الحسن والقبيح، وإذا ورد الشرع بها كان مخبراً عنها لا مثبتاً لها" (٢).بينما الأمر عند أهل الحق في التحسين والتقبيح كما يقول: " أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعاً" (٣).وقد اعتبر ابن الجوزي الخوارج هم أول من نادى بتحسين العقل وتقبيحه، أي قبل ظهور المعتزلة، وما المعتزلة عنده إلا آخذة عن الخوارج هذا الأصل ومقلدة، لهم ويقول في ذلك: " ومن رأي هؤلاء (يعني الخوارج) أحدث المعتزلة في التحسين والتقبيح إلى العقل وأن العدل ما يقتضيه" (٤).ويقول عنهم عثمان بن عبد العزيز الحنبلي في مخطوطته "منهج المعارج": " ومن رأيهم (الخوارج) أخذت المعتزلة التحسين والتقبيح بالعقل وضرب الأمثال به، وأن العدل ما يقتضيه" (٥).

стр. 1899

وهناك فرقة من الخوارج وهي "الأطرافية" تزعم أن العقل يعرف الواجبات العقلية وأنه يعرف به أيضاً الواجبات الدينية، ولهذا فقد رأوا أن أهل الأطراف النائية من البلدان معذورون فيما لم يعرفوا عن الشرع نصاً في أمر من الأمور إذا عملوا ما يقره العقل. يقول الشهرستاني عن هذه الفرقة: إنهم " عذروا أصحاب الأطراف في ترك ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل وأثبتوا واجبات عقلية" (١)، وقد وصف الشهرستاني كذلك المحكمة الأولى بأنهم من "أشد الناس قولاً بالقياس" (٢)، والقياس استعمال للعقل في تعديه الحكم وإن كان قائماً على أساس من النص الشرعي. بل لقد رأينا يسند إلى ذي الخويصرة الذي يعتبره زعيم الخوارج الأول القول بالتحسين والتقبيح العقليين حيث يقول: " وذلك (يعني به قول ذي الخويصرة للنبي ﷺ : " هذه قسمة ما أريد بها وجه الله") خروج صريح على النبي ﷺ ، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجياً فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً، أو ليس قولاً بتحسين العقل وتقبيحه وحكماً بالهوى في مقابلة النص واستكباراً على الأمر بقياس العقل" (٣). الاتجاه الثاني: وفي مقابل القول السابق أن الخوارج يقولون بقدرة العقل على الحكم على الأشياء والأفعال؛ نجد من يعكس الأمر ويذهب إلى أن الخوارج لا ترى للعقل أي ميزة في الحكم على الأفعال من حسن وقبيح، وهذا الرأي قد قال به أحمد الصابوني الماتريدي فيما يرويه عنه الطالبي بقوله: إنه - أي الصابوني- " يزعم أن الخوارج المحكمة يرون مع الملاحدة والروافض والمشبهة أن العقل لا يعرف به شيء ولا يوجب شيئاً من الأحكام العقلية أو الشرعية لا على الأفعال ولا على الأشياء". وقد اعتبر الطالبي رأي أحمد الصابوني كأنه خبر آحاد خاصة أنه لم يبين لنا سنده ولا مصدره، بخلاف من تقدم النقل عنهم وهم القائلون بعقلانية الخوارج، فإنهم أولى – على حد تعبيره – بقبول قولهم منه لكثرة إطلاعهم على آراء الخوارج (٤).وما قاله الصابوني هنا عن الخوارج يتفق مع ما ذكره الأشعري عن حاكٍ لم يعين اسمه حكى عن الخوارج أنهم " لا يرون على الناس فرضاً ما لم تأتهم الرسل، وأن الفرائض تلزم بالرسل واعتلوا بقول الله : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] (٥). ولعلنا بعد أن عرضنا هذين الاتجاهين في تحديد موقف الخوارج بين العقل والنقل فيما يتعلق بالمعرفة وإدراك حسن الأفعال وقبحها – لعلنا بعد عرضنا لهذين الاتجاهين نجد أن الاتجاه الأول وهو القول بأن الخوارج عقليون؛ قد تضافرت على توثيقه وشرحه أقوال كثرة من العلماء لم تتوافر للاتجاه الثاني وهو القول بأن الخوارج يرجعون بالمعرفة وبالتحسين والتقبيح إلى الشرع. فالأشعري يحكي ذلك عن حاك مجهول لم يذكر اسمه كما قلنا، وقد قلنا من قبل كذلك أن الطالبي قد جعل قبول أقوال العلماء الكثيرين في الاتجاه الأول أولى من قبول كلام الصابوني الذي لم يبين مصدره ولا سنده فيه، ولا يفوتنا أن ننوه بالأسماء التي حكمت على الخوارج بأنهم عقليون كالبغدادي والشهرستاني وابن الجوزي والشيخ المفيد وعثمان الحنبلي.

стр. 1900

وإن كنا نجد من الواجب علينا أن نختم هذه الكلمة بالإشارة إلى تلك الصعوبة التي شرحناها في مقدمة هذا البحث، وهي أننا في كثير من الأحيان نأخذ آراء الخوارج من كتب غيرهم، وفيما يتعلق بهذه المسألة بالذات فإنه لم يقع لي فيما اطلعت عليه من كتب الخوارج المطبوعة والمخطوطة نص فيها، وإنما رجحنا كفة الفريق الأول من العلماء لما قدمناه من مبررات. وإذا أردنا أن نضع الاتجاه العقلي في ميزان الإسلام؛ فالواجب في هذا المقام أن يقال ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية من أن "ما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك" (١).ويجب أن يعتقد كل مسلم أن لا حسن ولا قبح ولا عقل في مقابلة الشرع، فإذا صح النص عن الله تعالى أو عن رسوله؛ وجب التسليم له دون معارضته بأي نوع من المعارضة، فإن معارضة العقل للنقل خطأ واضح معلوم الفساد كما قال ابن القيم ﵀ (٢). وأخيراً فإن مذهب السلف في هذا الباب هو الاعتقاد بأنه ليس في فعل من الأفعال معنى حسن يقتضي وجوبه أو ندبه أو ثواب فاعله أو معنى قبيح يقتضي كراهيته وحرمته وجزاء ذلك، بل الأفعال كلها سواسية، بل حسن الفعل هو أمر الله تعالى به، وقبحه هو نهي الله تعالى عنه، وليس فيه معنى يوجب ذلك حتى لو أمر بشيء كان حسناً، فإذا ما نهى عنه بعد ذلك صار قبيحاً، وبالعكس إذا نهى عن أمر كان قبيحاً، فإذا أمر به بعد ذلك كان حسناً، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا بالشرح والوحي. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٥٣

стр. 1901

المطلب الثاني: بين ظاهر النص والتأويل هل الخوارج يقولون بالتأويل أم بظاهر النص فقط؟ تعريف التأويل في اللغةيطلق التأويل في اللغة على عدة معاني، منها التفسير والمرجع والمصير والعاقبة، وتلك المعاني موجودة في القرآن والسنة: قال الله تعالى هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ [الأعراف: ٥٣] , وقال الرسول ﷺ في دعائه لابن عباس: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) (١). تعريفه في الاصطلاح: عند السلف له معنيان: ١ - يطلق بمعنى التفسير والبيان وإيضاح المعاني المقصودة من الكلام، فيقال: تأويل الآية كذا؛ أي معناها. ٢ - يطلق بمعنى المآل والمرجع والعاقبة فيقال هذه الآية مضى تأويلها، وهذه لم يأت تأويلها. والفرق بينهما: أنه لا يلزم من معرفة التأويل بمعنى التفسير معرفة التأويل الذي هو بمعنى المصير والعاقبة، فقد يعرف معنى النص ولكن لا تعرف حقيقته كأسماء الله وصفاته فحقيقتها وكيفيتها كما هي غير معلومة لأحد بخلاف معانيها. ٣ - وعند الخلف من علماء الكلام والأصول والفقه هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح. وهذا التأويل مرفوض عند السلف واعتبروه تحريفاً باطلاً في باب الصفات الإلهية، وقد ظهر هذا المعنى للتأويل متأخراً عن عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة، بل ظهر مع ظهور الفرق ودخلوا منه إلى تحريف النصوص، وكانت له نتائج خطيرة؛ إذ كلما توغلوا في تأويل المعاني وتحريفها بعدوا عن المعنى الحق الذي تهدف إليه النصوص، وبالنسبة لموقف الخوارج فإن العلماء اختلفوا في الحكم على الخوارج بأنهم نصِّيُّون أو مؤولون.١ - فذهب بعضهم إلى أن الخوارج نصيون يجمدون على المعنى الظاهر من النص دون بحث عن معناه الذي يهدف إليه، وهذا رأي أحمد أمين (٢) وأبي زهرة (٣).٢ - وذهب آخرون إلى أن الخوارج يؤولون النصوص تأويلاً يوافق أهوائهم، وقد غلطوا حين ظنوا أن تأويلهم هو ما تهدف إليه النصوص، وعلى هذا الرأي ابن عباس وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤).وابن القيم (٥).٣ - ومن العلماء من ذهب إلى القول بأن الخوارج ليسوا على رأي واحد في هذه القضية؛ بل منهم نصيون ومنهم مؤولون، كما ذهب إلى هذا الأشعري في مقالاته (٦). وهذا هو الراجح فيما يبدو من آراء الخوارج، ولا يقتصر الأمر على ما ذكره من اعتبار بعض الفرق نصيين وبعضهم مؤولين مجتهدين، وإنما يتردد أمر الخوارج بين هذين الموقفين داخل الفرقة الواحدة، والواقع أن لكل من المواقف الثلاثة ما يبرر حكمهم على الخوارج، كما يتضح ذلك جلياً في مواقف الخوارج المختلفة. ويبدو لي أن التأويل الذي نفاه الأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة رحمهما الله إنما هو التأويل الصحيح الذي يفهم صاحبه النص على ضوء مقاصد الشريعة. وأما التأويل الذي يثبته للخوارج أصحاب الاتجاه الثاني ويذمونهم به –فهو حمل الكلام على غير محامله الصحيحة وتفسيره تفسيراً غير دقيق.

стр. 1902

لعب التأويل دوراً بارزاً في مفاهيم الناس، وكانت له نتائج خطيرة في حياتهم، خصوصاً تلك التأويلات المذمومة التي جرت على المسلمين محناً شتى بسبب سوء الفهم لكثير من القضايا الإسلامية، وكانت له آثاراً سيئة إذ فرق بين كلمة المسلمين وباعد بينهم وبين جوهر الشريعة وأساسها المتين. ولقد تدرج أهل التأويل من سيئ إلى أسوأ في فهم المعاني التي يدعون معرفتها، وذلك لأنهم كلما توغلوا في تأويلٍ كلما بعدوا عن المعنى الصحيح الذي تهدف إليه النصوص، وفيما يتعلق بموقف الخوارج بين الوقوف عند ظاهر النص الشرعي وتأويله، نجد هناك أيضاً اتجاهين في تصوير موقفهم من هذه القضية: الاتجاه الأول: القول بأنهم نصيون يقفون عند ظاهر النصوص الشرعية دون تأويل لها أو اجتهاد فيها، وهذا ما يراه أحمد أمين ﵀، فهو يرى أنهم يقدمون النص على التأويل؛ لأنهم كما يذكر على بساطتهم البدوية التي لا تعرف التعمق في المعاني واستخراجها، كما هي عادة أهل المعرفة، ويذكر أنهم لو عاشوا في العصر العباسي لكانوا ظاهرية تماماً. فيقول:"ومن أكبر مظاهر بساطتهم وعدم تفلسفهم أن الناظر فيما روى لنا من جدلهم ومناظراتهم يرى أنهم التزموا حرفية الكتاب والسنة ولم يتعمقوا في التأويل، فلو أنهم عاشوا في العصر العباسي لكانوا من أهل الظاهر الذين لا يقولون بقياس ويرون اتباع ظواهر النصوص من غير تأويل، وقد أدى تمسك الخوارج بظواهر النصوص إلى سخافات" (١).ويصفهم أبو زهرة بأنهم يتمسكون بظواهر الألفاظ تمسكاً شديداً غير ملتفتين إلى المعاني التي تطلب من وراء الألفاظ، وهم على غاية ما يتصور من التحمس والاندفاع إلى تأييد ما رأوه صواباً، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم ثمناً للدفاع عن ذلك الرأي، يصف أبو زهرة هذا الاندفاع بقوله: "وهم في دفاعهم وتهورهم مستمسكون بألفاظ قد أخذوا بظواهرها وظنوا هذه الظواهر ديناً مقدساً لا يحيد عنه مؤمن" (٢).ولهذا كانت مناظرات الإمام علي لهم في بعض المواقف ليست بالرجوع إلى النصوص؛ لأنهم سطحيون في فهمها يفسرونها بما يحبون من موافقة آرائهم، وهذا ما عناه أبو زهرة بقوله: " ولأنهم يتمسكون بظواهر الألفاظ نرى علياً عندما ناقشهم في هذا لم يجادلهم بالنصوص؛ لأنهم لا يأخذون إلا بظواهرها، بل كان يناقشهم بعمل الرسول ﷺ " (٣). الاتجاه الثاني: أما الاتجاه الثاني في تصوير موقف الخوارج بين الالتزام بظاهر النص والتأويل، فيذهب أصحابه إلى القول بأن الخوارج خاضوا غمار التأويلات التي أنتجت من المآسي والحروب ما جعلهم محل بغض لدى جميع مخالفيهم. ويرد ابن القيم ﵀ افتراق الفرق الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة إلى بلية التأويل، ويرى أنه كان السبب في نشأة الخوارج وفي مقتل الخليفتين الراشدين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄، ثم أدى بالخوارج إلى تلك المعتقدات الباطلة التي اشتهرت عنهم، مثل القول بتخليد أهل الكبائر في النار، ونكرانهم شفاعة سيدنا محمد ﷺ ، وغيرهما من الأقوال الخاطئة، يقول ابن القيم مقرراً الأحداث التي وقعت بسبب التأويل ودور الخوارج فيه: هذا وأصل بلية الإسلام من ... تأويل ذي التحريف والبطلان وهو الذي فرق السبعين بل ... زادت ثلاثا قول ذي البرهان وهو الذي قتل الخليفة جامع القر ... آن ذا النورين والإحسان وهو الذي قتل الخليفة بعده ... أعني علياً قاتل الأقران ويقول أيضاً: وهو الذي أنشأ الخوارج مثل ... إنشاء أخبث الحيوان

стр. 1903

ولأجله شتموا خيار الخلق ... بعد الرسل بالعدوان والبهتان ولأجله قد خلدوا أهل الكبا ... ئر في الجحيم كعابد الأوثان ولأجله قد أنكروا شفاعة المختا ... ر فيهم غاية النكران (١) ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أهل البدع كالخوارج وغيرهم هم أهل أهواء وشبهات يتبعون فيما يحبون ويبغضون ما تحبه أنفسهم ويوافق أهواءهم من تأويلات فاسدة، " فكل فريق منهم قد أصل لنفسه ديناً وضعه إما برأيه وقياسه الذي يسميه عقليات، وإما بذوقه وهواه الذي يسميه ذوقيات، وإما بتأوله القرآن ويحرف فيه الكلم عن مواضعه ويقول إنه إنما يتبع القرآن كالخوارج". ولكن بدعة الخوارج كما يقولون: " كان قصد أهلها متابعة النص والرسول، لكن غلطوا في فهم النصوص وكذبوا بما يخالف ظنهم من الحديث ومعاني الآيات" (٢).ويقول ابن حجر عن انحراف الخوارج في التأويل مع كثرة العبادة والزهد: "وكان يقال لهم القراء لشدة احتياجهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك " (٣).وقد وصف ابن عباس الخوارج الذين اشتهروا بقراءتهم للقرآن وعبادتهم التي يبالغون في أدائها بأنهم "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه" (٤)؛ وذلك بسبب ما أخطؤوا فيه من تأويلات باطلة معتقدين صحتها، وبالتالي طبقوها في أقوالهم وأفعالهم التي تميزت بالانحراف البين في كثير من الآراء. وقد أرسله علي بن أبي طالب إليهم ليراجعهم ويطلب منهم العودة، فلما رجع قال له علي ﵁: " ما رأيت؟ فقال ابن عباس: والله ما سيماهم بسيما المنافقين، إن بين أعينهم لأثر السجود وهم يتأولون القرآن" (٥).وكان من نتيجة تأويلهم القرآن وتتبعهم لمتشابهه أن كفروا الناس وأئمة مخالفيهم؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله فاستحقوا الكفر - بزعمهم -، وهذا هو الباعث لهم على تكفير غيرهم فيما يراه سعيد بن جبير، كما أخرج عنه ابن المنذر أنه قال: "المتشابهات آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكر فرقة يقرأون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] , ثم يقرأون معها ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١].، فإذا رأو الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، فمن كفر عدل بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك به؛ فهذه الأئمة مشركون" (٦).وقال السيوطي أيضاً ومثله الشوكاني: " وأخرج عبدالرازق وأحمد وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] قال: " هم الخوارج" (٧).

стр. 1904

وقد أخبر عمر بن عبد العزيز عن بعض جرائم الخوارج متأولين القرآن على غير وجهه؛ وذلك في قوله لوفد الخوارج الذين أرسلوهم لمناظرته في المسائل التي نقموها على بني أمية، فكان من كلام عمر أن قال لهم: " فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي حين خرج من البصرة هو وأصحابه يريدون أصحابكم بالكوفة، فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة فقتلوا الرجال وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل، وتأولوا قول الله: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٧] ,، فلم يسعهم إلا الاعتراف بذلك" (١).ومن أقبح تأويلات الخوارج وأحقها بالمقت ما ذكره علماء الفرق كالأشعري والبغدادي والشهرستاني وغيرهم عن فرقة الأزارقة والحفصية من الإباضية من تأويلهم لبعض الآيات كذباً وافتراء بتأويلاتهم الباطلة، كما وقع لهم في حق الإمام علي ﵁ (٢)، مما سنذكره عند عرض موقفهم من الخلفاء الراشدين ﵃. ومما تقدم بيانه نعرف مدى تعلق الخوارج بالتأويل، وأنه كان السبب في كثير من أخطائهم الجسيمة التي ارتكبوها بحجة أن القرآن يطلب منهم ذلك، حين فتحوا لأنفسهم باب التأويل الذي لم يسبقهم إليه أحد فيما يرى الطالبي، ويقرر ذلك بقوله: "ونحن نزعم أن الخوارج هم أول من فتح باب التأويل في تاريخ الفرق الإسلامية وفي تاريخ هذه الملة، وكان لتأويلاتهم نتائج عملية خطيرة أقبتها بدورها آراء نظرية". ويرى أيضاً أن تطور آراء الخوارج منذ نشأتهم كان أساسه التأويل والجدل ومجاوزة ظاهر النصوص إلى ما يوافق ما يرونه من آراء وما يعتقدونه من اعتقادات (٣).وكان من مذهب قطري – وهو من رؤساء الخوارج – أن المتأول المخطئ معذور لا ينبغي معاقبته، ولهذا فقد قال لمن طلب واليه أن يقتل المقعطر وهو أحد شجعانهم بقتيل منهم، فقال لهم قطري معتذراً له: "رجل تأول فأخطأ في التأويل ما أرى أن تقتلوه" (٤).والتأويل مظهر من مظاهر التفكير الحر الذي تميز به الخوارج ولجؤوا إليه في معارضة المذاهب الأخرى، وهذا هو ما يراه جولد زيهر حيث يقول: " وفي العهد الذي كان المذهب الخارجي فيه لا يزال مضطرباً مهوشاً لم يبلغ درجة التماسك والاستقرار، ولم يصبح نظاماً وضعياً محكماً كانت قد ظهرت عند فقهاء الخوارج نزعات عقلية دفعت بهم إلى التفكير في المسائل الدينية تفكيراً حراً، وذلك عندما غلبت على مذهبهم المظاهر السلبية التي عارضوا بها مذهب أهل السنة" (٥).وهكذا نجد أنفسنا في تصوير موقف الخوارج من النصوص الشرعية بين الوقوف عند ظاهرها وإعمال العقل فيها بالاجتهاد والتأويل – نجد أنفسنا في هذه القضية بين هذين الاتجاهين السابقين، ولكنا في الوقت ذاته نرى الإمام الأشعري لا يطلق أياً من هذين الحكمين على الخوارج جميعاً، بل يمايز بين النصيين منهم والاجتهاديين فيقول: "وهم صنفان، فمنهم من يجيز الاجتهاد في الأحكام كنحو النجدات وغيرهم، ومنهم من ينكر ذلك ولا يقول إلا بظاهر القرآن وهم الأزارقة" (٦).بل إننا نجد أن لا يؤاخذه على أي فعل يفعله الإنسان حتى ولو كان نكاح المحرمات مادام ذلك صادراً عن اجتهاد خاطئ. وهذا ما يرويه عنه ابن أبي الحديد في قوله عند بيان الأحداث التي أحدثها نجدة فجرت عليه نقمة أتباعه ...

стр. 1905

" ومنها قوله: إن المجتهد المخطئ بعد الاجتهاد معذور ... فمن استحل محرماً من طريق الاجتهاد فهو معذور" (١). والواقع أن الإمام الأشعري كان على حق عندما أدرك أنه لا يمكن وصف جميع الخوارج بأنهم نصيون أو بأنهم مؤولون، ولا يقتصر الأمر على ما ذكره من اعتبار بعض الفرق نصيين وبعضهم مؤولين مجتهدين، وإنما يتردد أمر الخوارج بين هذين الموقفين داخل الفرقة الواحدة وعلى حسب اختلاف مواقفهم من مسائل العقيدة. ويبدوا أن الذين حكموا على الخوارج بأنهم نصيون كان- لهم ما يبرر حكمهم مما وجدوه في موقف الخوارج من بعض مسائل الخلاف، وأن الذين حكموا عليهم بأنهم متأولون للنصوص على غير تأويلها الصحيح، حاملون لها على غير محاملها- وجدوا في مواقف الخوارج من بعض مسائل العقيدة ما يبرر حكمهم هذا، وكل نظر إلى ناحية معينة. ولو نظرنا في آرائهم واستدلالاتهم لوجدنا هاتين الظاهرتين موجودتين عند الخوارج، فمرة يقفون هذا الموقف ومرة يقفون ذاك، بل ربما أدى بهم التمسك بظاهر النص دون تأويل صحيح له ودون جمع بينه وبين غيره من النصوص، ربما أدى بهم ذلك إلى حمله على غير محمله الصحيح، وسوف يتبين لنا ذلك بوضوح بعد عرضنا لمختلف أراء الخوارج ومواقفهم، وأنهم يقفون من النصوص أحد هذين الموقفين تبعاً لما يخدم أغراضهم ويساير آراءهم. ويبدو لي أن التأويل الذي نفاه الأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة إنما هو التأويل الصحيح الذي يفهم فيه صاحبه النص الشرعي على ضوء الجمع بينه وبين غيره من النصوص الأخرى، وعلى ضوء مقاصد الشريعة العامة. أما التأويل الذي يثبته للخوارج أصحاب الاتجاه الثاني فهو حمل الكلام على غير محامله الصحيحة وتفسيره تفسيراً غير دقيق، وهذا النوع من التأويل لا أظن أن أحمد أمين وأبا زهرة كانا يطلبانه من الخوارج عندما ذموهم بأنهم كانوا نصيين لا مأولين، وإنما كانا يقصدان التأويل الصحيح الذي ذكرناه من قبل. وهذا النوع الفاسد من التأويل مذموم شرعاً وهو أساس انحراف الفرق الضالة عن جادة الصواب في آرائها وأحكامها، وهو الذي ذم الله به أقواماً تتبعوا متشابه القرآن ابتغاء تأويله، وما دخل على الفلاسفة والصوفية والمعتزلة وغيرهم من المأولين للنصوص على هذا النحو الفاسد- ما دخل عليهم خطؤهم في الرأي وفهم الشرع إلا من قبل ميلهم إلى التأويل وإخراج النص عن ظاهره وهو الأمر الذي أدى بهم إلى حمل النصوص على غير محاملها الصحيحة وتفسيرها بغير ما يصح فيها من تفسير. وقد وصف ابن القيم التأويل بأنه شر من التعطيل لأنه - كما يذكر - يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها (٢). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٥٨

стр. 1906

تمهيد لم يكن للخوارج بصفة عامة بحوث مدونة في المسائل الكلامية التي تتعلق بالإلهيات والنبوات والسمعيات، اللهم إلا ما حكي عنهم من آراء قليلة في بعض المسائل الاعتقادية، مما لا يشكل مذهباً متكاملاً في العقيدة كمذاهب الفرق الأخرى، وسوف نورد في هذا المبحث بعض مسائل الإلهيات وما كان للخوارج أو لبعضهم فيها من رأي. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٦٧

стр. 1907

١ - صفات الله تعالى هذه المسألة لم أجد فيما تيسر لي الاطلاع عليه من كتب علماء الفرق بياناً لرأي الخوارج فيها بصفة عامة. وقد ذكر الشهرستاني عن فرقة الشيبانية قولاً لأبي خالد زياد بن عبد الرحمن الشيباني في صفة العلم لله أنه قال: ((إن الله لم يعلم حتى خلق لنفسه علما، وأن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها)) (٤١٧). وأما بالنسبة لفرقة الإباضية بخصوصهم –فقد تبين من أقوال علمائهم أنهم يقفون منها موقف النفي أو التأويل؛ بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبهة فيها كما تقدم. وموضوع الصفات والبحث فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة، وبالرجوع إلى أي كتاب من كتب السلف يتضح الحق فيها بكل يسر وسهولة. وأما بالنسبة لما ذكر عن رأي زياد بن عبد الرحمن أو الإباضية؛ فلا شك أنه لا يتفق مع المذهب الحق- مذهب السلف- ولو كان الأمر يخص زياد بن عبد الرحمن وحده لما كان له أدنى أهمية، ولكن الأمر أخطر من ذلك، فقد اعتقدت الجهمية ذلك أيضاً. وبطلان هذا القول ظاهر والتناقض فيه واضح. فإن صفات الله قديمة بقدمه غير مخلوقة، وما يخلق الله من الموجودات فإنما يخلقه عن علم وإرادة؛ إذ يستحيل التوجه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟ هذا تناقض ظاهر. لم أجد- فيما اطلعت عليه – من كتب علماء الفرق بياناً لرأي الخوارج في الصفات الإلهية بصفة عامة والصفات الخبرية بصفة خاصة، اللهم إلا ما ذكره الشهرستاني عن رأي فرقة الشيبانية في صفة العلم بقوله: "وينقل عن زياد بن عبد الرحمن الشيباني ابن خالد أنه قال: إن الله تعالى لم يعلم حتى خلق لنفسه علماً، وإن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها" (١). وبطلان هذا القول ظاهر؛ فصفات الله قديمة بقدمه غير مخلوقة وما يخلق الله من الموجودات إنما يخلقه عن علم وإرادة، فيستحيل التوجيه إلى الإيجاد مع الجهل، ثم كيف علم الله أنه بغير علم حتى يخلق لنفسه علماً؟! هذا تناقض ظاهر. وأما الإباضية فقد رجعنا إلى كتبهم هم أنفسهم لنرى رأيهم في الصفات الإلهية، فتبين لنا أنهم يقفون منها موقف النفي أو التأويل بحجة الابتعاد عن اعتقاد المشبهة فيها، ويرون أن إثباتها يؤدي إلى التشبيه المذموم الذي حذروه – بزعمهم- بينما هو لم يخطر على بال الصحابة الذين تلقوا تعليمهم الصافي من فم رسول الله ﷺ طرياً قبل أن تعرف تلك التعقمات الباطلة والخوض في تلك المهامه المقفرة من علم الكلام. وخلاصة القول ما يذهب إليه الإباضية في هذا المقام هو أنهم يرجعون صفات العلم والقدرة والإرادة .. إلخ تلك الصفات التي أثبتها الله لنفسه، والتي هي صفات كمال، من لم يتصف بها كان فيه من النقص والعيب ما لا يدرك إلا في الجمادات - أرجعوا تلك الصفات، إلى الذات فقالوا: إنه عالم بذاته وقادر بذاته .. وهكذا، كما يقول صاحب كتاب (الأديان) الإباضي: "وقال أهل الاستقامة: إن الله سبحانه عالم بذاته، وقادر بذاته لا بقدرة سواه، وحي بذاته، ومريد بذاته، ومتكلم بذاته، وسميع وبصير بذاته، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (٢). وقال أحمد بن النضر وهو من الإباضية أيضاً: وهو السميع بلا أداة تسمع ... إلا بقدرة قادر وحداني وهو البصير بغير عين ركبت ... في الرأس بالأجفان واللحظان جل المهيمن عن مقال مكيف ... أو أن ينال دراكه بمكان أو أن تحيط به صفات معبر ... أو تعتريه هماهم الوسنان (٣) ويقول السالمي: أسماؤه وصفات الذات ليس بغير ... الذات بل عينها فافهم ولا تحلا ولا يحيط به سبحانه بصر ... دنيا وأخرى فدع أقوال من نصلا

стр. 1908

وهو على العرش والأشياء استوى وإذا ... عدلت فهو استواء غير ما عقلا وإنما استوى ملك ومقدرة ... له على كلها استيلاء وقد عدلا كما يقال استوى سلطانهم فعلا ... على البلاد فحاز السهل والجبلا (١) وأنهم يشاركون في تأويل الصفات الخبرية غيرهم من الفرق المأولة كالمعتزلة والأشاعرة وفيما يتعلق بالصفات الخبرية التي ذكرنا تأويلها التي أولها السالمي في أبياته السابقة. فقد شنع الورجلاني أيضاً على الذين يثبتونها لله مدعياً أنهم رجعوا بذلك إلى التشبيه الذي وقع فيه عباد الأوثان ومن هذه الصفات التي أوردها صفات: اليد، والوجه، والجنب، والساق، والعين، واليمين، والاستواء، وهو يرى أن مخالفي الإباضية المثبتين لتلك الصفات يمتنعون - كما يقول - من مذهب المسلمين الذين صرفوا هذه المعاني إلى ما يليق بالباري وموجود في لغة العرب أن اليد النعمة والقدرة والوجه ذاته، واليمين القدرة والقوة، والجنب والكتف والساق والشدة".ثم قال أيضا: "ولم يصرحوا (أي الإباضية) بالمعنى المكروه والأولون (أي المثبتون لتلك الصفات بدون تأويل) قد ردوا على الله قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تجاهلوا فهم جاهلون" (٢).وقد استدل العيزابي عقلياً على ضرورة تأويل تلك الصفات بقوله في الاستواء: "الحمد لله الذي استوى على العرش أي ملك الخلق واستولى عليه وإلا لزم التحيز وصفات الخلق" (٣).وقال في الحجاب: "الحمد لله الذي احتجب عن خلقه لا بحجاب إذ الحجاب من صفات خلقه بل بمنه إياهم عن مشاهدته" (٤). وهكذا قال في النزول والمجيء وغيرها من صفات أخرى ذكرها ثم أولها تأويلاً باطلاً لا معنى له غير التعطيل. وقد عقد الربيع بن حبيب فصلاً في مسنده "الجامع الصحيح" أورد فيه عدة أحاديث عن الصحابة، كلها تشير إلى التأويل المحض للصفات التي تقدم ذكرها، وغيرها عن علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما من الصحابة بما لا يمكن استقصاؤه هنا. فقد فسر فيما يرويه عن ابن عباس وغيره قوله تعالى وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] , أي في ملكه، وفسر اليد "بالملك والقدرة" ومثلها اليمين، وأن قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ أي بل رزقه مبسوط على جميع خلقه. وفسر مجيء الله بمجيء أمره لفصل القضاء. وأول قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] , إلى معنى ارتفاع ذكره، وثناؤه على خلقه. وفسر الوجه بالذات، والعين بالحفظ، والنفس بالعلم، والسابق بالشدة، وهكذا يورد الربيع بن حبيب الأحاديث والآثار الكثيرة في تأويل الصفات وإنكار الرؤية (٥). والواقع أن موضوع الصفات الإلهية من أهم الموضوعات في مباحث الإلهيات؛ وذلك لعلاقته بتوحيد الله تعالى في ذاته وصفاته. ولسنا بصدد عرض اختلافات المذاهب في تلك القضية بين التعطيل والتمثيل والتأويل، ولكننا نقتصر في المقام على مجرد التعقيب على رأي الإباضية مبينين ما فيه من زيف وبطلان على هدي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح ﵃.

стр. 1909

ففيما يتعلق بنفيهم لصفات الكمال الإلهي من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة وغيرها، وأنه ليس هناك إلا الذات مجردة عن صفاتها القائمة بها؛ فإن الله قد أثبت لنفسه تلك الصفات، وقال تعالى في إثبات صفة العلم: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦] , وقال تعالى: حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة: ٦] , وقد سمى الله تعالى نفسه بالأسماء الحسنى كالحي القيوم، وعالم الغيب والشهادة، والقوي المتين، والسميع البصير، إلى غير ذلك من الأسماء المشتقة التي يستحيل تسمية الله تعالى بها بدون أن تقوم بها مصادرها الاشتقاقية وهي الصفات القائمة بذاته تعالى من العلم والحياة والسمع والبصر .. إلخ، ولو لم يكن إلا الذات لكان العلم قدرة، والقدرة إرادة، ثم كيف تكون الذات الإلهية مجردة عن كمالاتها ثم يكون لها علم بالأشياء أو قوة عليها أو إرادة لها؟! إن من المستحيل وجود الذات بدون صفات، وهكذا يستحيل خلو الذات الإلهية من صفاتها القائمة بها. هذا ولم يؤثر عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أو السلف الصالح مثل هذا النفي لصفات الله تعالى عن ذاته، بل نعتوه بكل نعوت الكمال والعظمة والجلال، دون أن يجدوا فيما أثبتوه له تشبيهاً له بخلقه، فكما تنزهت ذاته عن مشابهة ذوات المخلوقين، فكذلك تتنزه صفاته عن مشابهة صفاتهم. وفيما يتعلق بالصفات الخبرية التي أولها الإباضية – سواء منها صفات الذات أو صفات الفعل- فإنهم لم يفعلوا أكثر من ترديدهم لما قاله غيرهم من المؤولة. ومذهب السلف في أمثال هذه الصفات هو ما قاله عنهم ابن تيمية من "أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، ومن غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل" (١)، وهذا هو التوحيد في الصفات كما سماه بذلك في كتابه (الرسالة التدمرية) (٢).ويقول ابن القيم: "لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمي نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويغضب ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علماً وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، وأن له يدين وأنه فوق عباده وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه قريب وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين، وأن السموات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك" (٣). ثم استمر ابن القيم بعد هذا الكلام في مناقشة المتأولة لتلك الصفات، مثبتاً في مواضع كثيرة عقيدة السلف وطريقتهم في إثبات تلك الصفات لله تعالى على ما يليق بجلال الله وعظمته دون تعطيل أو تمثيل أو تأويل، مما يطول المقام لو نقلنا كلامه فيه. ويقول ابن تيمية: "ومن تمام التوحيد أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل" (٤).

стр. 1910

فقد وصف الله نفسه بعدة صفات فقال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧]، وقال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة: ٦٤] , وقال تعالى إخباراً عن عيسى أنه قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١١٦] , وقال تعالى وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] , وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠] , وقوله: رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ [المائدة: ١٩] ,، وقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]. وقوله في الكفار وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الفتح: ٦] ,، وقوله اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد: ٢٨] ,، وقوله كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة: ٤٦] , وقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ,، وكذا قوله: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦] ,ووصفه رسوله ﷺ بقوله: ((ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)) (١)، وبقوله: ((يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة)) (٢)، وقوله: ((يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة)) (٣)، وقوله للجارية: ((أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة)) (٤).وفي إثبات ما تقدم يقول ابن قدامة ﵀: "فهذا وأمثاله مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده، ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] , وكل ما يتخيل في الذهن إن خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه" (٥). وهكذا يرد مذهب السلف في الصفات الخبرية كل ما ادعاه الإباضية وغيرهم من المأولة؛ من أن إثبات هذه الصفات يؤدي إلى التشبيه وإثبات الجوارح، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فإثبات الكتاب والسنة لتلك الصفات هو في حدود قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١ - ٢] , وهذا التنزيه لا يتنافى مع إثبات الكمالات لله تعالى، حسبك أن ترى آية التنزيه في القرآن أثبتت لله صفتي السمع والبصر مع إثبات صفات الكمال، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فسمعه وبصره ليس كأسماعنا وأبصارنا، وهكذا كل ما وصف الله به من الصفات وأسند إليه من الأفعال. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٦٧

стр. 1911

٢ - رؤية الله تعالى لقد كثر الجدل بين علماء الفرق حول مسالة رؤية الله، وأخذ كل فريق يؤيد مذهبه بأدلة يزعم أنها تؤيد ما يذهب إليه من إثبات الرؤية أو نفيها. أما فيما يتعلق بغرضنا هنا وهو بيان موقف الخوارج بصفة عامة والإباضية منهم بصفة خاصة من هذه المسألة، فإن الخوارج يذهبون إلى استحالتها تنزيهاً لله بزعمهم-يقول النووي: " زعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلاً" (١).ويقول ابن أبي العز: " المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية" (٢). وقد استدل الإباضية على نفيها من القرآن الكريم بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٣].ويصف صاحب كتاب (الأديان) هذا الدليل بأنه يقر أن " الله سبحانه نفى عن نفسه الرؤية محكمة غير متشابهة ولا متصرفة في المعاني، وهو قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ " (٣). ويستدلون أيضاً بقوله تعالى: وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣]. ويرد صاحب كتاب (الأديان) على من يحتج بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، الذي يستدل به على إثبات الرؤية – يرد عليه بتأويل الآية تأويلاً بعيداً لا يخفى فيه التكليف والتعسف وهو من التأويلات المذمومة؛ فقد فسر نَّاضِرَةٌ بأنها حسنة مشرقة مستبشرة بثواب ربها وفسر إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أي منتظرة لما يأتيها من خيره وإحسانه. واستشهد بعدة أبيات شعرية على أن ناظرة تأتي بمعنى منتظرة، ومنها قول الشاعر: فإن يك صدر هذا اليوم ولى فإن غداً لناظره قريبوبعد أن أورد تلك الشواهد قال: " فقد دل الكتاب واللغة على صحة ما ذهبنا إليه وبطلان ما ذهب إليه مخالفونا " (٤) ويعني بهم المثبتين للرؤية. أما من السنة فقد استدلوا بأحاديث منها قوله ﷺ في حديث مسروق الذي يرويه عن عائشة ﵂: (يا أمتاه هل رأى محمد ربه ليلة الإسراء؟ فقالت: لقد قف شعري (أي قام فزعاً) مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟! من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء) إلخ الحدث (٥). كما رواه صاحب (وفاء الضمانة) الإباضي (٦) .. ثم قال معقباً عليه: " والحديث دليل لأصحابنا كالمعتزله على نفي الرؤية دنيا وأخرى؛ لأن ما كان نفيه تنزيهاً يكون عاماً في الدنيا والآخرة.

стр. 1912

وقد أورد الربيع بن حبيب الإباضي في صحيحه عدة أحاديث في نفي الرؤية منها قوله: " قال الربيع: بلغني عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه خرج ذات يوم، فإذا هو برجل يدعو ربه شاخصاً بصره إلى السماء رافعاً يده فوق رأسه فقال له ابن عباس: ادع ربك بأصبعك اليمنى واسأل بكفك اليسرى واغضض بصرك، وكف يدك، فإنك لن تراه ولن تناله. فقال الرجل: ولا في الآخرة؟ قال: ولا في الآخرة، فقال الرجل: فما وجه قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، قال ابن عباس: ألست تقرأ قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ثم قال ابن عباس: إن أولياء الله تتنضر وجوههم يوم القيامة وهو الإشراق ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة بعد الفراغ من الحساب". ثم أورد روايات كثيرة عن ابن عباس في نفي الرؤية لله تعالى. والملاحظ هنا أن المؤلف أورد أولاً في هذا الحديث عن ابن عباس أنه نفى رؤية الله في الدنيا والآخرة في إجابته للسائل، ثم أورد أخيراً عن ابن عباس إثبات الرؤية لأولياء الله وذلك في قوله: (ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة) (١).وربما يقصد بنظرتهم إلى ربهم أي ينتظرون أمره وإذنه. ومن الأمثلة أيضاً قوله: " قال: حدثنا أفلح بن محمد عن أبي عمر السعدي عن علي بن أبي طالب في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، قال: تنضر وجوههم وهو الإشراق، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، قال: تنظر متى يأذن لهم في دخول الجنة ".ثم قال الربيع أيضاً: " وقال علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعائشة أم المؤمنين ومجاهد وإبراهيم النخعي ومكحول الدمشقي وعطاء بن يسار وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وأبو صالح صاحب التفسير وعكرمة ومحمد بن كعب وابن شهاب الزهري: " أن الله لا يراه أحد من خلقه " (٢).ومما يجدر ذكره هنا تعليقاً على ما أسند إلى هؤلاء الصحابة والتابعين من نفي الرؤية أن ابن تيمية نفى أن يكون قد ورد عن أحد من السلف نفي الرؤية في الآخرة بقوله: " ولم يثبت عن أحد منهم (يعني ابن عباس وعائشة وأبا ذر ﵃ إثبات الرؤية بالعين في الدنيا، كما لم يثبت عن أحد منهم إنكار الرؤية في الآخرة " (٣).وما كان للصحابة أن ينفوا الرؤية بعدما أثبتها الله لنفسه وأثبتها رسوله ﷺ ، وقد ناقش الورجلاني أيضاً بحث الرؤية بفصل طويل في كتابه (الدليل لأهل العقول) ورد على الأشعري إثباته لرؤية الله في الدار الآخرة وخطأه فيما لم يخطئ فيه (٤).ويقول صاحب كتاب (العقود الفضية) منهم كذلك نافياً إمكانية إمكان رؤية الله تعالى: " فالإباضية يمنعون ذلك، والمنع قول عائشة من الصحابة وقتادة والزمخشري وغيرهم من المعتزلة والشيعة، والحجة قوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ، والإدراك يكون بالقليل كما يكون بالكثير، فنفي ذلك عن نفسه، وبقوله تعالى لموسى ﵇: قَالَ لَن تَرَانِي، وهو يقتضي التأبيد، والأحاديث الواردة أحادية، وتقبل التأويل لتنطبق مع الآيات، ولأن يلزم من يقول بالرؤية إثبات الجهة واللون لله تعالى وهو باطل" (٥).

стр. 1913

وكل هذه الحجج التي أوردها الحارثي في حجج باطلة مردودة على من قال بها؛ لأن استدلاله بالآيات غير صحيح وليست قاطعة في نفي الرؤية في الدار الآخرة. وما أسنده إلى أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة في نفي الرؤية في الآخرة فهو غير صحيح أيضاً عند السلف كما يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١). وأما الزمخشري والمعتزلة والشيعة، فليس بحجة في مثل هذه المسائل التي لا تثبت إلا بالنقل الصحيح، والنقل الصحيح ولله الحمد إنما هو في جانب أهل الحق القائلين بإثبات رؤية ربهم يوم القيامة. نعم إن الأبصار لا تدركه تعالى ولا تحيط به ولكنها تراه كما يليق بجلاله، وهذا مالم تنفه الآية، بل قد تفيد إثبات الرؤية؛ إذ أن نفي الإدراك يقتضي إثبات الرؤية من غير إدراك ولا إحاطة، وهذا الجواب في نهاية الحسن مع اختصاره كما قاله النووي (٢).وهو ما عليه أكثر العلماء، يقول ابن تيمية: " وكذلك لا تدركه الأبصار إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء" (٣).وقد جزم إسماعيل ابن علية بأن المراد بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي في الدنيا (٤). وأما استدلاله بقول الله لموسى: لَن تَرَانِي، على نفي الرؤية مطلقاً فهو غير صحيح، وقد علق الله رؤيته على ممكن وهو استقرار الجبل، والمعلق على الممكن ممكن. وأما تفسير صاحب كتاب (الأديان) لناظرة بمعنى "منتظرة " فإنه غير صحيح في هذا المقام؛ وذلك لأن النظر " إذا وصل بإلى تعين للرؤية ولا يجوز حمله على الثواب، فإن نفي رؤية الثواب لا يكون إنعاماً، وقد أورد النظر في معرض الإنعام، واللفظ نص في رؤية البصر بعدما نفيت عنه التأويلات الفاسدة " (٥).وقال الهراس عن تأويل ناظرة بمعنى منتظرة، وإن إلى بمعنى النعمة، والتقدير ثواب ربها منتظرة قال عن هذا التأويل إنه" تأويل مضحك" (٦).ويقول العيزابي مستدلاً على نفي الرؤية: " الحمد لله الذي لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الرؤية توجب الحلول واللون والتحيز والطول والعرض والجهات والتركيب والعجز والحدوث، وغير ذلك من صفات الخلق" (٧).ويقول علي يحيى معمر إن المتطرفين من الإباضية " يفرون من كل ما يوهم التشبيه ولو بتأويل بعيد فراراً شديداً " (٨)، ويذكر عن جابر بن زيد أنه اقتدى بالصحابة في نفي الرؤية مثل حديث عائشة ﵂: " من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" (٩). والواقع أن هذا النفي هنا إنما هو في الدنيا أي أن أم المؤمنين لم تنف وقوع الرؤية في الآخرة، وإنما نفت وقوعها قبل يوم القيامة. ولكن الإباضية وهم ينفون الرؤية عمموا دلالة الحديث ليستقيم لهم الاستدلال به على نفي الرؤية مطلقاً.

стр. 1914

وقد حاول علي يحيى معمر أن يوفق بين المثبتين للرؤية من السلف والنافين لها من الخوارج المعتزلة وغيرهم من أهل البدع فذهب إلى القول بأن بعض علماء أهل السنة يقولون بأن الرؤية معناها حصول كمال العلم بالله ﵎. وعبر آخرون منهم بأن الرؤية – فيما يقول- تقع بحاسة سادسة هي كمال العلم. ثم قال: " واختلفت تعابير الكثير منهم ولكنها تتلاقى في النهاية على نفي كامل الصورة التي يتخيلها الإنسان لصورة رائي ومرئي، وما تستلزمه من حدود وتشبيه وتتفق في النهاية على الابتعاد عما يشعر بأي تشبيه في أي مراتبه بالمحدودية في كل أشكالها " (١).وقال مثبتاً رأي المعتدلين منهم في الرؤية: " المعتدلون من الإباضية لا يمنعون أن يكون معنى الرؤية هو كمال العلم به تعالى، ويمنعون الرؤية بالصورة المتخيلة عند الناس" (٢). والواقع أن كمال العلم شيء والرؤية شيء آخر؛ لأن الرؤية انكشاف تام لا يكون إلا عن طريق الأبصار، أما كمال العلم فهو بالعقل. وتفسير الرؤية بالكمال في العلم تأويل للفظها بغير ما يستعمل به في العربية. ثم إن الرؤية لا تستلزم التشبيه في جانب الله تعالى والاتصاف بأوصاف الحوادث التي ذكروها؛ لأنها رؤية الله كما يليق بذاته، ويجري الأمر في مسألة الرؤية على نحو ما يجرى عليه من صفات الله تعالى وأفعاله من تنزهه فيها عن مشابهة المخلوقين، وحيث لا تتساوى ذاته بذواتهم، فلا يلزم من رؤيتهم له ما يلزم من رؤية بعضهم لبعض.

стр. 1915

وإذا انتهينا إلى هذا الحد من الرد على المانعين لرؤية الله تعالى نقلاً وعقلاً، فإننا نقرر هنا أن السلف يذهبون إلى إثبات ما أثبته له رسوله ﷺ إثباتاً حقيقياً بعيداً عن تأويلات أهل البدع الذين يذهبون إلى نفي رؤية الله تعالى، التي ثبت صحتها ووجب اعتقادها على كل مسلم، بعد أن دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على صحة وقوعها يوم القيامة. لقد ثبت بإجماع السلف والأئمة أن الله تعالى يرى في الآخرة، يراه أهل محبته ورضوانه، وهو خير ما وعد الله به عباده المؤمنين، بل هو كمال النعيم في الدار الآخرة كما قاله ابن القيم (١) ﵀، لا يشك في صحة وقوعه إلا أهل البدع والضلالات. ويطول بنا القول لو أردنا إثبات الأدلة على الرؤية وأقوال السلف في هذا الأمر، ومن تلك الأدلة التي وردت في القرآن الكريم قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] , وقوله تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] , فقد فسرت الزيادة بأنها النظر إلى الله تعالى كما ذهب إليه علماء السلف (٢).وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ [١٥ - ١٧] , يقول الدرامي: " ففي هذا دليل أن الكفار كلهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه" (٣).ومثله قوله تعالى: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] , فسرها أنس بن مالك (بأن الله يتجلى لهم كل جمعة) (٤).ومن السنة ما جاء عن جرير قال: ((كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا)) (٥).وكذا ما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)) (٦). فلا اعتبار لكلام هؤلاء المبطلين في نفي الرؤية مع قول الله وقول الرسول الكريم وقول السلف الصالح الذين لهم القدم الراسخة في العلم. يقول الطحاوي: " والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ".ويقول ابن أبي العز معلقاً على هذا الكلام: " المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة " (٧).

стр. 1916

ويقول ابن تيمية: " إن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة، مثل ما روى اللالكائي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى الله في جنته. وعن عبدالله بن مسعود أنه قال في مسجد الكوفة وبدأ باليمين قبل الحديث فقال: (والله ما منكم من إنسان إلا أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال فيقول: " ما غرك بي يا ابن آدم (ثلاث مرات)؟ ماذا أجبت المرسلين (ثلاثا)؟ كيف عملت فيما علمت؟) (١). وعن أشهب قال: وسئل مالك عن قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ: أينظر الله ؟ قال: نعم، فقلت: إن أقواماً يقولون: ينظر ما عنده. قال: بل ينظر إليه نظراً. وعن الأوزاعي إنه قال: إني لأرجو أن يحجب الله جهماً وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حيث يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه. وعن عبدالله بن المبارك قال: ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه ثم قرأ: كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ قال: بالرؤية" (٢).ومن أراد التوسع في هذا فإن في كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية غنى لكل طالب، وقد جاء في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) بعدة أقوال عن علماء السلف كلها تثبت وقوع رؤية الله تعالى، ولابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) (٣) فصل طويل أورد فيه مالا مزيد بعده من النقل والاحتجاج لإثبات الرؤية وإبطال كل ما احتج به أهل البدع من نفيها أدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأقوال الأئمة الأربعة. وخلاصة القول في هذه المسألة أن رؤية الله تعالى تعتبر عند السلف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة لا يماري فيها أحد منهم. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٧٥

стр. 1917

٣ - القول بخلق القرآن هذه المسألة من المسائل التي أخذت من الوقت والجهد وشدة الجدال بين أرباب المذاهب الكلامية أكثر مما ينبغي لها، فقد سفكت بسببها دماء كثيرة وجرت من أجلها محن عظيمة وبلايا متتالية على العلماء في زمن المأمون والمعتصم، واشتد الأمر وغصت السجون بالمخالفين فيها القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. وكان أكبر من تزعم تلك الفتنة ابن أبي دؤاد الذي اشتهر بأنه من أكابر من ناضل في سبيل القول بخلق القرآن، فغلب المأمون على أمره ووقع تحت تأثيره، وجرى ما قد كتبه الله في سابق علمه. ولست الآن بصدد التأريخ لما حدث في تلك الفتنة وإنما نقصد هنا بيان رأي الخوارج في مسألة القول بخلق القرآن، الذي لم يعد – ولله الحمد – يذكر على لسان أحد إلا في بطون الكتب وبين مدارسات العلماء. لقد ذكر علماء الفرق أن الخوارج قد قالوا بخلق القرآن واعتقدوه حقاً لا يمارى فيه بزعمهم، ولهم شبه واهية وتأويلات بعيدة، وفي ذلك يروي الأشعري أن الخوارج كلهم يقولون بأن القرآن مخلوق بإجماع منهم على هذا الحكم فيقول: " والخوارج جميعاً يقولون بخلق القرآن" (١).ويقول ابن جميع الإباضي في مقدمة التوحيد: " وليس منا من قال إن القرآن غير مخلوق" (٢).وقد بين الورجلاني الإباضي أدلتهم على خلق القرآن، وناقش فيه المخالفين لهم بقوله: "والدليل على خلق القرآن أن لأهل الحق عليهم أدلة كثيرة، وأعظمها استدلالهم على خلقه بالأدلة الدالة على خلقهم هم فإن أبوا من خلق القرآن أبينا لهم من خلقهم، وقد وصفه الله في كتابه وجعله قرآناً عربياً مجعولاً " (٣).

стр. 1918

ثم جاء بالأدلة وهي الآيات التي ذكر فيها نزول القرآن وهي كثيرة مثل قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]، وقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان: ٣]، وغيرها من الآيات. ويقول الحارثي الإباضي في إثبات رأي الخوارج في القول بخلق القرآن أيضاً: " فعند المحققين من الإباضية أنه مخلوق إذ لا تخلو الأشياء إما أن تكون خالقاً أو مخلوقاً، وهذا القرآن الذي بأيدينا نقرؤه مخلوق لا خالق؛ لأنه منزل ومتلو وهو قول المعتزلة" (١).وفيما يتعلق بموقف السلف في هذه القضية فإنهم يمتنعون عن وصف القرآن بما لم يوصف به على لسان رسول الله ﷺ ، وعلى ألسنة الصحابة من أنه مخلوق أو غير مخلوق. وفي هذا يقول ابن تيمية مبيناً رأي السلف في هذه المسألة: " وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم، لم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمة ولا غيرهم، بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله" (٢).ويقول ابن قدامة: " ومن كلام الله تعالى القرآن العظيم وهو كتاب الله المبين وحبله المتين، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود" (٣).وقد كفر كثير من علماء السلف من قال بخلق القرآن أورد منهم الأشعري عدداً كبيراً ثم قال: " ومن قال إن القرآن مخلوق وإن من قال بخلقه كافر، من العلماء وحملة الآثار ونقلة الأخبار لا يحصون كثرة ". ويقول أيضاً: " وقد احتججنا لصحة قولنا إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله ، وما تضمنه من البرهان وأوضحه من البيان ولم نجد أحداً ممن تحمل عنه الآثار وتنقل عنه الأخبار ويأتم به المؤتمون من أهل العلم يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس وجهال من جهالهم ولا موقع لقولهم" (٤).ومثله ما أورده الدرامي والإمام أحمد بن حنبل من أقوال لعلماء السلف يكفرون فيها من قال بخلق القرآن (٥)، وهي أقوال كثيرة لا حاجة بنا إلى سردها هنا لأن مضمونها كما قلنا واحد، وهو إثبات القول بعدم خلق القرآن وتكفير من قال بخلقه. وأما احتجاج القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣]، أي خلقناه قرآناً عربياً؛ فهذا احتجاج باطل إذ أن جعل التي بمعنى خلق تتعدى إلى مفعول واحد، وهنا تعدت إلى مفعولين فهي ليست بمعنى خلق (٦). وينفض أيضاً احتجاجهم هذا قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [الزخرف: ١٩]. وكذا قوله تعالى: وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً [النحل: ٩١]. فهل يصح جعل في هاتين الآيتين وأمثالهما بمعنى خلق، هذا لا يمكن؛ فلو كانت جعل تأتي بمعنى خلق دائماً على ما قالوه لكان المعنى واضحاً وهو أن قريشاً خلقت الملائكة، وكذا الآية الأخرى وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً تعالى الله وتقدس!!

стр. 1919

وأما الاحتجاج على خلقه بإنزاله، فإن هذا لا دلالة لهم فيه وذلك أن الإنزال أو النزول لا يعرف من إطلاقه على الحقيقة إلا أنه هبوط من مكان عال إلى مكان أسفل منه، وقد أثبت الله تعالى أن القرآن منزل منه تعالى بمعنى أنه تكلم به نبيه ﵊ بواسطة جبريل ﵇ الذي نزل به إلى قلب سيد المرسلين، وهذا هو الواضح والمعروف فيه. ولهذا فقد فهمه الصحابة ولم يبحثوا فيما وراءهم لعلمهم بأنه غير مقصود، ولكن الجهلة من المبتدعة القائلين بخلقه تجاوزوا هذا الأمر الواضح وتعسفوا النصوص على ما يوافق أهواءهم المنحرفة، مع أن النزول والتنزيل والإنزال في الحقيقة كما يقول العلامة ابن القيم: "مجيء الشيء أو الإتيان به من علو إلى أسفل، هذا المفهوم منه لغة وشرعاً " (١). ولا يلزم منه خلق المنزل فقد أسند النزول إلى الله وهو قديم، كما وصفه به رسوله أنه ينزل إلى سماء الدنيا. وقد حاول علي يحيى معمر الإباضي أن يجعل الخلاف بين القائلين بخلق القرآن وبين النافين به خلافاً لفظياً، إذا أهمل جانباً التطرف- كما يقول – ويعني به أنه لما اشتد الجدل بين الطرفين في مسألة خلق القرآن انقسموا إلى فريقين " فتطرف جانب حتى زعم أن، المصاحف والحروف قديمة، وتطرف جانب آخر حتى نفى صفة الكلام عن الله ﵎ " (٢).ويرى أن " يكفي أن يلتقي المسلمون على حقيقتين في هذا الموضوع، وهي أن الله ﵎ سميع بصير متكلم، وأن القرآن الكريم كلام الله أنزله على رسوله ﷺ " (٣). ولا شيء فيما يريد علي معمر أن يجمع عليه الناس في هذه القضية، لولا أنه لم يوضح رأيه في خلق القرآن، بل اكتفى بالقول بأنه كلام الله أنزله على رسوله ﷺ وهو كذلك لولا أن الإباضية يستدلون على خلق القرآن بإنزاله، فلا يكفي إذا ما رآه كافياً للتوفيق بين القائلين بخلق القرآن أو إنزاله، وبين القائلين بعدم خلقه. هذا ولابد من الإشارة إلى أن بعض العلماء من الإباضية قد خرج عن القول بخلق القرآن، فصاحب (كتاب الأديان) وهو إباضي يرد على المعتزلة ويبطل قولهم بخلقه فيقول: " فإن عارض معارض واحتج بقول الله سبحانه: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا [السجدة: ٤]، فكل شيء بين السماء والأرض فهو مخلوق قلنا لهم: وقد قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ [الحجر: ٨٥]، فالحق الذي خلق به السموات والأرض وما بينهما هو كلامه وهو خارج عن الأشياء " (٤). ومن أئمة الإباضية القائلين بأن القرآن غير مخلوق أيضاً أبو النضر العماني فإنه كان ينكر ذلك القول إنكاراً شديداً وله قصيدة طويلة يرد بها على القائلين بخلق القرآن بلغت خمسة وسبعون بيتاً، وهي قصيدة جيدة فيها إبطال كل ما احتج به القائلون بخلقه، يقول في هذه القصيدة: يا من يقول بفطرة القرآن ... جهلاً ويثبت خلقه بلسان لا تنحل القرآن منك تكلفاًً ... ببدائع التكليف والبهتان هل في الكتاب دلالة من خلقه ... أو في الرواية فاتنا ببيان الله سماه كلاماً فادعه ... بدعائه في السر والإعلان ألا فهات وما أظنك واجداً ... في خلقه يا غر من برهان (٥)

стр. 1920

ثم يشرع في الرد بالتفصيل مبيناً أن الجعل في قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ليس نصاً صريحاً في الخلق، ثم استدل بدعاء إبراهيم الوارد في قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا [إبراهيم: ٣٥]، وقوله رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ [إبراهيم: ٤٠] ... إلخ. وعلى كل حال فإن الخوارج لم يقتصروا على القول بخلق القرآن، بل كانت منه طائفتان أقدمتا على مالم يخطر على بال مسلم يؤمن بأن القرآن كله كلام الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه كله حق من فاتحته إلى خاتمته، لم يدخله باطل في كل آياته- لم يخطر هذا القول في حسبان مسلم يؤمن بالله رباً وبمحمد نبياً، فضلاً عن اعتقاده، هاتان الطائفتان هما العجاردة والميمونية فقد أنكرتا سورة يوسف، وادعتا بأنها ليست من القرآن، وحجتهم في هذا أن القرآن جاء بالجد، وسورة يوسف اشتملت على قصص الحب والعشق. وقد جزم كثير من العلماء بصحة ما نسب إلى الميمونية والعجاردة في هذا الاعتقاد، وإن كان الأشعري قد حكى عنهم هذا القول وهو غير جازم بصحته حيث قال: "وحكى لنا عنهم مالم نتحققه أنهم يزعمون – يعني العجاردة – أن سورة يوسف ليست من القرآن" (١).وتبعه الشهرستاني فذكر هذا القول على أنه قد حكي عنهم، ولكن صاحب (كتاب الأديان) يقول عنهم: "وينكرون سورة يوسف أنها ليست من القرآن، ويقولون هي قصة من القصص خلافاً لأهل الاستقامة – يعني بهم الإباضية- يقولون: القرآن كله كلام الله" (٢).وكما قال الأشعري في العجاردة، قال في الميمونة، فحكى عنهم هذا القول وهو غير مثبت من صحته، ولكن البغدادي قد بين سند هذا القول إليهم بأنه من حكاية الكرابيسي وذلك في قوله: " وحكى الكرابيسي عن الميمونية من الخوارج أنهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، ومنكر بعض القرآن كمنكر كله" (٣).ويزيد الشهرستاني في السند الكعبي والأشعري فيقول: " وحكى الكعبي والأشعري عن الميمونية إنكار كون سورة يوسف من القرآن " (٤). ويجزم صاحب كتاب (الأديان والفرق) بأن ميموناً أنكر سورة يوسف أنها من القرآن، وذلك في قوله عنه: "وأنكر سورة يوسف أنها ليست من القرآن على قول عبدالكريم بن عجرد" (٥). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٨٦

стр. 1921

٤ - القدر الخوارج في مسألة القدر ثلاث طوائف: الطائفة الأولى منهم ذهبت إلى القول بإنكار القدر، والقول بخلق الإنسان لأفعاله الاختيارية، وهم بهذا الرأي يذهبون إلى قول القدرية. وتضم هذه الطائفة من فرق الخوارج الميمونية، والحمزية، والحارثية، والشبيبية. وقد ذهبت الميمونية إلى القول بأن الله تعالى لما خلق الخلق أودع فيهم القدرة على اختيار كل ما يريدون من أفعال وأعمال ليس لله مع مشيئتهم مشيئة، فهم الخالقون لأفعالهم خيرها وشرها دون أن يكون لله في ذلك أي أثر. قال الأشعري عنهم: " والذي تفردوا به القول بالقدر على مذهب المعتزلة، وذلك أنهم يزعمون أن الله سبحانه فوض الأعمال إلى العباد وجعل لهم الاستطاعة إلى كل ما كلفوا، فهم يستطيعون الكفر والإيمان جميعاً، وليس لله في أعمال العباد مشيئة وليست أعمال العباد مخلوقة لله " (١).ومثل هذا ما أورده البغدادي عنهم (٢)، ويقول عنهم الشهر ستاني: "الميمونية أصحاب ميمون بن خالد، كان من جملة العجاردة، إلا أنه تفرد عنهم بإثبات القدر خيره وشره من العبد، وإثبات الفعل للعبد خلقاً وإبداعاً، وإثبات الاستطاعة قبل الفعل، والقول بان الله تعالى يريد الخير دون الشر وليس له مشيئة في معاصي العباد" (٣).وبمثل قول الميمونية في القدر قالت الحمزية، فصارت هذه الفرقة قدرية، وهم ينسبون إلى زعيمهم حمزة بن أكرك الذي كان في الأصل من العجاردة الخازمية، فلما قال في القدر بقول القدرية أكفرته الخازمية وتبرأت منه (٤).وقد خرجت عن فرقة الإباضية فرقة تسمى الحارثية أتباع حارث الإباضي، هذه الفرقة قد مالت إلى القدرية فقالوا بقولهم مخالفين سائر فرق الإباضية، فيذكر الأشعري عنهم أنهم " قالوا في القدر بقول المعتزلة وخالفوا فيه سائر الإباضية" (٥)، ولكن" أكفرهم سائر الإباضية في ذلك " (٦).وممن قال في القدر بقول القدرية من الخوارج أيضاً الشبيبية، وهم أتباع شبيب، فقد قالت هذه الفرقة بقول المعتزلة، فبرئت منهم البيهسية وكانت تقول: " إن الله تعالى فوض إلى العباد، فليس لله في أعمال العباد مشيئة" (٧).الطائفة الثانية: وهم الذين ذهبوا إلى القول بالجبر كما قال جهم بن صفوان، وهم طائفة من الأزارقة زعموا أن العبد مجبر على أفعاله، وأنه لا استطاعة له أصلاً، وقد ذكرهم ابن حزم ووصفهم بأنهم يوافقون قول جهم بن صفوان في هذا الباب (٨).ومثل هذه الطائفة من الأزارقة فرقة الشيبانية، فإنها تقول بالجبر أيضاً كالجهم فيما يذكر الشهرستاني عنهم بقوله: "ومن مذهب شيبان أنه قل بالجبر ووافق جهم بن صفوان في مذهبه إلى الجبر" (٩).

стр. 1922

أما الطائفة الثالثة: فهم المعتدلون الذين قالوا بقول أهل السنة في إثبات القدر خيره وشره، حلوه ومره، ومن الله تعالى، وأن الله خالق كل شيء وأن الإنسان فاعل لأفعاله الاختيارية مكتسب لها محاسب عليها. وقد ذهب إلى هذا القول بعض فرق الخوارج كالإباضية، وكفرق أخرى مثل الشعيبية أصحاب شعيب الذي انفصل عن الميمونية فأثبت شعيب خلافاً لميمون خلق الله لأعمال العباد وعموم مشيئته، كما قال الأشعري ومثله البغدادي والشهرستاني في حكايتهم لاعتقاده بأنه يقول: " إن الله تعالى خالق أعمال الخلق، والعبد مكتسب لها قدرة وإدارة، مسئول عنها خيراً أو شراً، مجازى عليها ثواباً وعقاباً، ولا يكون شيء في الوجود إلا بمشيئة الله تعالى " (١).وعلة مثل هذا الاعتقاد فرقة الخلفية، أصحاب خلف، هذه الفرقة أثبتت القدر والاستطاعة والمشيئة، وقالت في هذه الثلاثة بقول أهل السنة فأضافوا القدر خيره وشره إلى الله تعالى (٢)، وكانت لهم معارك حامية مع الحمزية أتباع حمزة بن أكرك في بلاد كرمان حرباً وجدالاً. ومثلها تماماً في الاعتقاد فرقة الخازمية كما نص على ذلك الأشعري والبغدادي والشهرستاني فقالوا: لا خالق إلا الله ولا يكون إلا ما شاء الله وإن الاستطاعة مع الفعل، وكفروا الميمونية لميلهم إلى القدرية في هذا الباب. وممن قال بإثبات القدر وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى من فرق الخوارج المجهولية، كما أثبت الأشعري والشهرستاني وغيرهما من علماء الفرق عنهم ذلك الاعتقاد أما رأي الإباضية في باب القدر فهم يؤمنون بأن الله خالق كل شيء خلق العبد وفعله، وهم يبتعدون عن مذهبي الجبرية والقدرية فيقولون: أفعالنا خلق من الله ونحن المكتسبون لها، والمجازون عليها ثواباً من الله أو عقاباً، يقول النفوسي في متن عقيدة التوحيد الإباضية: فأفعالنا خلق من الله كلها ... ومنا اكتساب بالتحرك بالبدن (٣) ويقول السالمي: وبالقضاء وبالرحمن قدره ... وأنه خالق أفعالنا جللا لكنه لا بجبر كان منه لنا ... وعلمه سابق في كل ما جهلا وإنما الفعل مخلوق ومكتسب ... فالخلق لله والكسب لمن فعلا (٤)

стр. 1923

وقال العيزابي منهم: " الحمد لله الذي أفعالنا خلق منه وكسب منا لا جبر، ولو كانت إجباراً لم يكن عليها مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، ولا أمر ولا نهي، ولا كتاب ولا رسول، ولا نصب دليلاً" (١).ويقول علي يحيى معمر في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية): " يبدوا أنه لا خلاف بين الإباضية وأهل السنة في موضوع القدر" (٢).ثم قال في موضع آخر مبيناً عقيدة الإباضية في القدر وأن من اعتقادهم: " أن الإيمان لا يتم حتى يؤمن المسلم بالقدر خيره وشره أنه من الله ﵎، وأن أفعال الإنسان خلق من الله واكتساب من الإنسان، ويبتعدون عن رأي المجبرة كما يبتعدون عن رأي من يقول الإنسان يخلق أفعاله" (٣).وهكذا في كتابه الآخر (الإباضية في موكب التاريخ)، وزاد مستدلاً على ذلك بالآيات الآتية: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣] , اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢] , (٤).وقد نقل عنهم علماء الفرق هذا الرأي كالأشعري والشهرستاني (فيما يحكيه عن الكعبي) والبغدادي (٥).والاستطاعة عند جمهورهم مع الفعل وليس قبله، وهي التي يحصل بها الفعل، قال قطب الأئمة: " وأما الاستطاعة فيه عندنا مع الفعل لا قبله" (٦).ويقول الحارثي في بيانه لاعتقاداتهم: " ومن ذلك أنهم يؤمنون بالقضاء والقدر أنه من الله، وأن الخير والشر من الله، وكسب من العباد، وهم يوافقون أهل السنة في هذا، والحجة قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، ولو ثبت للعباد خلق لزم ثبوت شريك، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (٧). والواقع أن الرأي الأخير وهو القائم على الإيمان بالقدر الأزلي، وخلق الله لكل شيء في الكون، وفعل العبد لأفعاله الاختيارية ومسئوليته عنها، وهو مذهب السلف الصالح- والواقع أن هذا المبدأ هو الحق وهو أصح المبادئ في هذا المقام، فهو مقتضى الإيمان بالله المتفرد بالربوبية والألوهية في الكون، ومقتضى ما جاء في الشرع من التكليف والجزاء، فمذهب كل من الجبرية والقدرية مردود، وقد أخطأ الخوارج الذين قالوا بهذين المذهبين الباطلين. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٩٣

стр. 1924

١ - وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة ينكر الخوارج وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، يقولون إن خلقهما لا يتم إلا في الدار الآخرة، وهذا ما ذكره ابن حزم عنهم بقوله: "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقا بعد".ويقول عن أدلتهم على دعواهم هذه: " وما نعلم لمن قال إنهما لم يخلقا بعد حجة أصلاً أكثر من أن بعضهم قال: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال وذكر أشياء من أعمال البر من عملها غرس له في الجنة كذا وكذا شجرة، ويقول الله تعالى حاكياً عن امرأة فرعون أنها قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. قالوا: ولو كانت مخلوقة لم يكن في الدعاء في استئناف البناء والغرس معنى" (١).والواقع أن الجدال فيك كونهما موجودتين الآن أو غير موجودتين جدال لا ينبغي أن يحتدم بهذه الحدة بين أولئك النافين لوجودهما الآن سواء كانوا من الخوارج أو من غيرهم، فالجنة والنار موجودتان قد أعدت كل منهما لأهلها كما تقرره الآيات البينات والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو مذهب جمهور المسلمين كما حكاه ابن حزم (٢). وأما ما احتج به المنكرون سابقاً من أن الجنة لو كانت موجودة الآن لما ذكر في الأحاديث أن الأعمال الصالحة يغرس بها لصاحبها شجر في الجنة، فهو قول غير صحيح إذ أن البيت الجميل المتكامل البناء والحسن لا يمنع أن يزداد فيه من أنواع التحسينات والنقوش والزخرفة ما يزده جمالاً وحسناً. وأما الأدلة على وجودهما الآن فهي كثيرة جداً من الكتاب والسنة، وقد ذكر العلماء كثيراً من تلك الأدلة، ومن ذلك قوله تعالى عن الجنة إنها أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، وعن النار إنها أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٣].ومن الأحاديث قوله ﷺ في حديث الإسراء والمعراج: ((ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) (٣).ومنها قوله ﷺ : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) (٤).وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه رأى الجنة وتناول منها عنقوداً وقال لهم: ((ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) (٥).وعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: ((اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) (٦). .وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (٧). إلى آخر ما ورد من الأحاديث في هذا الباب تدحض رأي القائلين بعدم وجود الجنة والنار الآن كالخوارج ومن قال بقولهم من المعتزلة والقدرية. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٩٨

стр. 1925

٢ - عذاب القبر وأما عذاب القبر فأكثر الخوارج تنكره، وتزعم أنه غير صحيح ولم يلتفتوا إلى ما جاء فيه من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد ثبوته. يقول الأشعري: " والخوارج لا يقولون بعذاب القبر ولا ترى أحداً يعذب في قبره" (١).ويقول ابن حزم كذلك: " قال أبو محمد: ذهب ضرار بن عمرة الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر وهو قول من لقينا من الخوارج " (٢). وأما الإباضية فإنهم غير متفقين على نفي عذاب القبر أو ثبوته، بل انقسموا إلى فريقين؛ فريق يقول بثبوته وآخر ينفيه، وهذا ما يذكره النفوسي بقوله: وأما عذاب القبر ثبت جابر ... وضعفه بعض الأئمة بالوهن وأما ورود الناس للنار إنه ... ورود يقين العلم واللمح بالعين (٣) وأما مذهب السلف في عذاب القبر فهو الاعتقاد بأن ذلك كائن لا محالة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وأن الشخص يعذب فيه أو ينعم على هيئة لا يعلمها إلا الله تعالى وحده، وهذا العذاب هو جزء يسير من عذاب يوم القيامة كما قال تعالى في ثبوت ذلك عن آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب [غافر: ٤٦].يقول الطبري عن تعذيب آل فرعون: " إنهم لما هلكوا وأغرقهم الله جعلت أرواحهم في أجواف طير سود فهي تعرض على النار كل يوم مرتين غدواً وعشياً إلى أن تقوم الساعة" (٤). وقد جاءت الأحاديث بصحة القول بوجود عذاب القبر أو نعيمه بروايات عديدة توجب الاعتقاد الجازم بصحة وقوعه ومنها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ يدعو: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)) (٥).٢ - ما ورد عنه ﷺ من أنه دعا لجنازة بدعاء قال فيه: ((وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر- أو: من عذاب النار)) (٦).٣ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: "استعيذوا من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا)) (٧). والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً كلها تدل دلالة واضحة لا لبس فيها ولا غموض على حقيقة عذاب القبر، فلا يكذب به بعد ورود هذه الأحاديث إلا من هلك، فالإيمان بذلك عند السلف من الضروريات المسلمة، يقول ابن أبي العز عن حديث البراء الآنف الذكر: " وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح".ثم أورد عدة شواهد للبخاري وأبي حاتم ثم قال: "وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في هذه الدار" (٨).وأما إنكار من ينكر عذاب القبر بحجة أن الميت يفنى فيه ويصبح تراباً، أو بحجة أن من أحرق أو أكلته السباع لا يمكن تعذيبه، فإنه أمر لا ينبغي اعتباره في مقابلة النصوص الثابتة، إذ أن الله قادر على أن يعذب الميت ويحاسبه في أي صورة كان؛ فإن التعذيب ليس على الجسد المعهود فقط فإذا ذهب انتهى عذابه، وإنما الروح هو الذي يعذب أو ينعم في القبر قبل يوم القيامة، ولا مانع في قدرة الله أن يصل العذاب إلى الجسد بأي طريقة وعلى أي نحو كان؛ لأن " عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به" (٩)، وليس على الله شيء مستحيل. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٠

стр. 1926

٣ - الشفاعة ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله ﷺ في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية. قال ابن حزم: " قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من تبع أن لا يخرج أحد من النار بعد دخولها " (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ". ويقول أيضاً: " وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها " (٢).ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا ﷺ وغيره في أهل الكبائر" (٣).ويقول المرداوي: " شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات قد وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبل ظهور الخوارج الذين ينكرون الشفاعة" (٤).وقد ذكر صاحب إحدى الرسائل المخطوطة في الفرق الإسلامية اعتقاد طائفة من الخوارج فقال: "وهم قوم يرون القرآن مخلوقاً وينكرون الميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر، وقولهم قول المعتزلة" (٥). وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة، ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة: قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وقوله تعالى فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة: ٢٥٤]، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة (٦). أما الشفاعة عند الإباضية فإنهم يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي أحوج إلى الشفاعة من المؤمن المذنب في رأيهم. يقول صاحب كتاب الأديان منهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين" (٧). وقال السالمي: وما الشفاعة إلا للتقي كما ... قد قال رب العلا فيها وقد فصلا " (٨) وقد استشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي في مسنده بما رواه عن جابر بن زيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى"، " يحلف جابر ابن زيد عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار".

стр. 1927

ويقول الربيع أيضاً: " حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين".واستشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي أيضاً بما رواه من قوله ﷺ ((يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون؛ ألا لا أعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم الدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغنى عنكما من الله شيئاً)) (١).وهذا ما قرره الحارثي أيضاً في نفي الشفاعة في كتابه (العقود الفضية) (٢).والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه (٣)، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات. وأما ما ورد في مسند الربيع بن حبيب فهو خال من السند الصحيح ومعارض بما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله ﷺ أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله ﷺ : ((يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) (٤).ومنها قوله ﷺ : ((يخرج من النار .. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم)) (٥).ومنها ما ورد في حديث أنس ﵁ وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء ﵈ من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً ﷺ فيشفع لهم عند ذلك (٦).وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله ﷺ فيما يرويه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (٧).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٨). على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب. والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها ... الخ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج. والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله ﷺ بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح ﵃ جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة". ويقول أيضاً: " والرسول ﷺ يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من لا يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب".ويقول أيضاً: " ومذهب أهل السنة والجماعة أن يشفع في أهل الكبائر، ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان، بل يخرج من النار من في قلبه حبة إيمان أو مثقال ذرة " (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٣

стр. 1928

٤ - الميزان أما الميزان فيعتقد الإباضية أنه ليس ميزاناً له عمود وكفتان ولسان كما هو المشهور، وإنما يثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ وأن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد. يقول النفوسي الإباضي في متن النونية: فوزن أفاعيل العباد تميز ... لينظر في عقبى مسيء ومحسن وليس بميزان العمود وكفه ... بل الوزن للنيات من كل دين (١) ويقول السالمي: وما هنالك ميزان يقام كما ... قالوا عمود وكفات لما عملا وإنما الوزن حق منه عز ألم ... تسمع إلى آية الأعراف محتفلاً (٢) وقد أراد معمر أن يوفق بين معتقد الإباضية ومعتقد أهل السنة فقال: " كلا من الإباضية وأهل السنة مؤمنون أن الله يوم الجزاء يفصل بين عباده، وإن قوله تعالى الفصل، ووزنه الحق، وحكمه العدل، وكفى هذا لقاءً بينهما" (٣). ولكن هذا التوفيق غير كامل لنفيهم حقيقة الميزان الثابت بالكتاب والسنة وإن كان هناك اتفاق بينهم على ما ذكر من المعاني الأخرى. والواقع أن الآيات والأحاديث كلها تشير إلى أن هناك ميزاناً توضع فيه الحسنات والسيئات، وذلك أن الله تعالى قال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]، ويعتقد علماء السلف أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد (٤) بناء على الأحاديث الواردة في ذلك – وإن امتنعوا عن تكييفهما -، فقد أخبر ﷺ بذلك كله لا ينكره إلا أهل البدع. يقول الأصفهاني: " كل ما أخبر به محمد ﷺ من عذاب القبر، ومنكر ونكير، وغير ذلك من أهوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار؛ فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر الصادق فليزم صدقه" (٥).ويقول ابن تيمية: " أنه قد استفاضت بأخبار يوم القيامة تلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ولم ينكرها إلا أهل البدع من خوارج ومعتزلة " (٦). ويقول علي بن علي الحنفي مثبتاُ وزن الأعمال والعباد أنفسهم وكفتي الميزان: " والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان". ثم استدل بحديث صاحب البطاقة قال: " فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات" (٧). وقد أراد الله تعالى لبيان كمال عدله وظهور أمره للعيان أن ينصب الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل. وأما نفي وزن الأعمال بأي حجة من الحجج كالقول بأنها أعراض لا تقبل الوزن بخلاف الأجسام فإن هذا قول خاطئ سببه قياس قدرة الله تعالى بقدرة العبد الضعيفة، فلا يستحيل على الله تعالى أن يزن الأعمال وزناً ظاهراً يرى للعيان، بل ويوزن العبد نفسه كما جاء في الحديث: " توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفه"، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. قال: اقرءوا إن شئتم فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)) [الكهف:١٠٥]. وقال ﷺ في حق ابن مسعود حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) (٨) (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٨

стр. 1929

٥ - الصراط وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه ليس بجسر على ظهر جهنم كما وصف في الأحاديث النبوية، يقول السالمي: وما الصراط بجسر مثل ما زعموا ... وما الحساب بعد مثل من ذهلا (١) أما السلف فإنهم يعتقدون بأن الصراط هو جسر جهنم، وقد بوب البخاري ﵀ على هذا بقوله: " باب الصراط جسر جهنم" ثم أورد عدة أحاديث منها حديث عن أبي هريرة ﵁ وفيه يقول ﷺ : ((ويضرب جسر جهنم. قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو)) (٢).ويقول ابن قدامة: " والصراط حق وتجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار" (٣).ويقول ابن حجر عن الصراط إنه " الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة (٤)،، وكذا عند الشوكاني (٥)، وهذا هو اعتقاد السلف فيه (٦). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣١٠

стр. 1930

تمهيد بحث العلماء في حقيقة الإيمان واختلفوا في ذلك أشد الاختلاف، فمنذ أن خرج الخوارج والنزاع قائم فيه بين عامة الطوائف كما قال ابن تيمية (١). واختلافهم في حقيقته، وفي الفرق بينه وبين الإسلام، هل هما سواء أو هما مختلفان أو بينهما عموم وخصوص؟ وهل الإيمان يزيد وينقص أم أنه لا يتغير؟ وهل الأعمال من الإيمان وداخلة في حقيقته أم إنها من مكملاته؟ وقد بحث الخوارج في موضوع الإيمان على هذا النحو كما بحثه غيرهم. وقد رتب الخوارج على بحثهم فيه نتائج خطيرة ولا سيما في حكمهم على مرتكبي الذنوب وما إذا كان قد بقي من إيمانهم أو زال عنهم. والواقع أنهم - شأن غيرهم من الفرق- قد اختلفوا فيما بينهم في مبحث الإيمان كاختلافهم في غيره من المباحث، واختلفوا كذلك فيما بينهم فيما رتبوه على آرائهم في الإيمان من أحكام وإن كنا سنرى أن كل هذه الاختلافات في الرأي لم تكن لفرق رئيسية فيهم، وإنما كان بعضهم لأفراد ولطوائف شذت عن معظمهم في الرأي، وهذا هو ما سنبينه في عرضنا التالي لآرائهم في حقيقة الإيمان ومنزلة العمل منه. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣١٣
следующие страницы →