← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

٣ - الشفاعة ينكر معظم الخوارج ما ورد عن رسول الله ﷺ في ثبوت الشفاعة في أهل المعاصي من أمته، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة والآيات القرآنية. قال ابن حزم: " قال أبو محمد: اختلف الناس في الشفاعة فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج، وكل من تبع أن لا يخرج أحد من النار بعد دخولها " (١). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ". ويقول أيضاً: " وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها " (٢).ويقول علي بن علي الحنفي شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا ﷺ وغيره في أهل الكبائر" (٣).ويقول المرداوي: " شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات قد وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوي وانعقد عليها إجماع أهل الحق، قبل ظهور الخوارج الذين ينكرون الشفاعة" (٤).وقد ذكر صاحب إحدى الرسائل المخطوطة في الفرق الإسلامية اعتقاد طائفة من الخوارج فقال: "وهم قوم يرون القرآن مخلوقاً وينكرون الميزان والصراط والشفاعة والحوض وعذاب القبر، وقولهم قول المعتزلة" (٥). وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة، ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة: قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وقوله تعالى فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة: ٢٥٤]، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة (٦). أما الشفاعة عند الإباضية فإنهم يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي أحوج إلى الشفاعة من المؤمن المذنب في رأيهم. يقول صاحب كتاب الأديان منهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين" (٧). وقال السالمي: وما الشفاعة إلا للتقي كما ... قد قال رب العلا فيها وقد فصلا " (٨) وقد استشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي في مسنده بما رواه عن جابر بن زيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى"، " يحلف جابر ابن زيد عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة؛ لأن الله قد أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار".

стр. 1927

ويقول الربيع أيضاً: " حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين".واستشهد الربيع بن حبيب لهذا الرأي أيضاً بما رواه من قوله ﷺ ((يا بني عبدالمطلب إن الله أمرني أن أنذركم فإني لا أغني عنكم الله شيئاً، ألا إن أوليائي منكم المتقون؛ ألا لا أعرفن ما جاء الناس غداً بالدين فجئتم الدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغنى عنكما من الله شيئاً)) (١).وهذا ما قرره الحارثي أيضاً في نفي الشفاعة في كتابه (العقود الفضية) (٢).والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه (٣)، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات. وأما ما ورد في مسند الربيع بن حبيب فهو خال من السند الصحيح ومعارض بما ورد في الصحيحين من الأحاديث التي تثبت لرسول الله ﷺ أنواع الشفاعات المختلفة، ومن ذلك قوله ﷺ : ((يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)) (٤).ومنها قوله ﷺ : ((يخرج من النار .. بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلت: ما الثعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمه فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعت جابر بن عبدالله يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: يخرج بالشفاعة من النار؟ قال: نعم)) (٥).ومنها ما ورد في حديث أنس ﵁ وهو حديث طويل ورد في طلب أهل الموقف من الأنبياء ﵈ من يشفع لهم إلى الله لفصل القضاء، وكل يعتذر بذنب أصابه حتى يأتوا نبينا محمداً ﷺ فيشفع لهم عند ذلك (٦).وقد أخرج الإمام مسلم أحاديث كثيرة في ثبوت الشفاعة فذكر منها قوله ﷺ فيما يرويه عنه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) (٧).وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً)) (٨). على غير هذا من الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في هذا الباب. والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، ولسنا بصدد البحث في تفاصيل الشفاعة من أقسامها وشروطها ... الخ، وإنما الغرض هو إثبات وجودها الذي ينفيه الخوارج. والإيمان بثبوت الشفاعة لرسول الله ﷺ بناء على ما صح فيها من الأحاديث هو إجماع الأمة، وهو مذهب السلف الصالح ﵃ جميعاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأل الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة". ويقول أيضاً: " والرسول ﷺ يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم، وفي أن يدخلهم الجنة، ويشفع في أهل الكبائر من أمته، ويشفع في بعض من لا يستحق النار أن لا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها، ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب".ويقول أيضاً: " ومذهب أهل السنة والجماعة أن يشفع في أهل الكبائر، ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان، بل يخرج من النار من في قلبه حبة إيمان أو مثقال ذرة " (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٣

стр. 1928

٤ - الميزان أما الميزان فيعتقد الإباضية أنه ليس ميزاناً له عمود وكفتان ولسان كما هو المشهور، وإنما يثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ وأن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد. يقول النفوسي الإباضي في متن النونية: فوزن أفاعيل العباد تميز ... لينظر في عقبى مسيء ومحسن وليس بميزان العمود وكفه ... بل الوزن للنيات من كل دين (١) ويقول السالمي: وما هنالك ميزان يقام كما ... قالوا عمود وكفات لما عملا وإنما الوزن حق منه عز ألم ... تسمع إلى آية الأعراف محتفلاً (٢) وقد أراد معمر أن يوفق بين معتقد الإباضية ومعتقد أهل السنة فقال: " كلا من الإباضية وأهل السنة مؤمنون أن الله يوم الجزاء يفصل بين عباده، وإن قوله تعالى الفصل، ووزنه الحق، وحكمه العدل، وكفى هذا لقاءً بينهما" (٣). ولكن هذا التوفيق غير كامل لنفيهم حقيقة الميزان الثابت بالكتاب والسنة وإن كان هناك اتفاق بينهم على ما ذكر من المعاني الأخرى. والواقع أن الآيات والأحاديث كلها تشير إلى أن هناك ميزاناً توضع فيه الحسنات والسيئات، وذلك أن الله تعالى قال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]، ويعتقد علماء السلف أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد (٤) بناء على الأحاديث الواردة في ذلك – وإن امتنعوا عن تكييفهما -، فقد أخبر ﷺ بذلك كله لا ينكره إلا أهل البدع. يقول الأصفهاني: " كل ما أخبر به محمد ﷺ من عذاب القبر، ومنكر ونكير، وغير ذلك من أهوال القيامة والصراط والميزان والشفاعة والجنة والنار؛ فهو حق لأنه ممكن وقد أخبر الصادق فليزم صدقه" (٥).ويقول ابن تيمية: " أنه قد استفاضت بأخبار يوم القيامة تلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ولم ينكرها إلا أهل البدع من خوارج ومعتزلة " (٦). ويقول علي بن علي الحنفي مثبتاُ وزن الأعمال والعباد أنفسهم وكفتي الميزان: " والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان". ثم استدل بحديث صاحب البطاقة قال: " فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات" (٧). وقد أراد الله تعالى لبيان كمال عدله وظهور أمره للعيان أن ينصب الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل. وأما نفي وزن الأعمال بأي حجة من الحجج كالقول بأنها أعراض لا تقبل الوزن بخلاف الأجسام فإن هذا قول خاطئ سببه قياس قدرة الله تعالى بقدرة العبد الضعيفة، فلا يستحيل على الله تعالى أن يزن الأعمال وزناً ظاهراً يرى للعيان، بل ويوزن العبد نفسه كما جاء في الحديث: " توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفه"، وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. قال: اقرءوا إن شئتم فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)) [الكهف:١٠٥]. وقال ﷺ في حق ابن مسعود حين ضحك الصحابة من دقة ساقيه: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) (٨) (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٠٨

стр. 1929

٥ - الصراط وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه ليس بجسر على ظهر جهنم كما وصف في الأحاديث النبوية، يقول السالمي: وما الصراط بجسر مثل ما زعموا ... وما الحساب بعد مثل من ذهلا (١) أما السلف فإنهم يعتقدون بأن الصراط هو جسر جهنم، وقد بوب البخاري ﵀ على هذا بقوله: " باب الصراط جسر جهنم" ثم أورد عدة أحاديث منها حديث عن أبي هريرة ﵁ وفيه يقول ﷺ : ((ويضرب جسر جهنم. قال رسول الله ﷺ : فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله ومنهم المخردل ثم ينجو)) (٢).ويقول ابن قدامة: " والصراط حق وتجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار" (٣).ويقول ابن حجر عن الصراط إنه " الجسر المنصوب على جهنم لعبور المسلمين عليه إلى الجنة (٤)،، وكذا عند الشوكاني (٥)، وهذا هو اعتقاد السلف فيه (٦). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣١٠

стр. 1930

تمهيد بحث العلماء في حقيقة الإيمان واختلفوا في ذلك أشد الاختلاف، فمنذ أن خرج الخوارج والنزاع قائم فيه بين عامة الطوائف كما قال ابن تيمية (١). واختلافهم في حقيقته، وفي الفرق بينه وبين الإسلام، هل هما سواء أو هما مختلفان أو بينهما عموم وخصوص؟ وهل الإيمان يزيد وينقص أم أنه لا يتغير؟ وهل الأعمال من الإيمان وداخلة في حقيقته أم إنها من مكملاته؟ وقد بحث الخوارج في موضوع الإيمان على هذا النحو كما بحثه غيرهم. وقد رتب الخوارج على بحثهم فيه نتائج خطيرة ولا سيما في حكمهم على مرتكبي الذنوب وما إذا كان قد بقي من إيمانهم أو زال عنهم. والواقع أنهم - شأن غيرهم من الفرق- قد اختلفوا فيما بينهم في مبحث الإيمان كاختلافهم في غيره من المباحث، واختلفوا كذلك فيما بينهم فيما رتبوه على آرائهم في الإيمان من أحكام وإن كنا سنرى أن كل هذه الاختلافات في الرأي لم تكن لفرق رئيسية فيهم، وإنما كان بعضهم لأفراد ولطوائف شذت عن معظمهم في الرأي، وهذا هو ما سنبينه في عرضنا التالي لآرائهم في حقيقة الإيمان ومنزلة العمل منه. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣١٣

стр. 1931

المطلب الأول: حقيقة الإيمان في بيان حقيقة الإيمان عند الخوارج نجد أن لهم في ذلك اتجاهين أما الاتجاه الأول: فهو ما يراه أبو بيهس زعيم فرقة البيهسية ووافقته عليه فرقة الشبيبية إحدى فروع البيهسية وهو أن الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار، المعرفة بالله ورسله وما جاء به محمد جملة، والولاية لأولياء الله سبحانه والبراءة من أعداء الله والإقرار بكل ذلك. يقول الأشعري في تقريره لرأي أبو بيهس هذا: "وزعم أبو بيهس أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله، معرفة رسوله ومعرفة ما جاء به محمد، والولاية لأولياء الله سبحانه والبراءة من أعداء الله" (٢). ويقول الشهرستاني في بيانه لآراء بيهس: "والإيمان هو أن يعلم كل حق وباطل، وأن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل، ويحكى عنه أنه قال: الإيمان هو الإقرار والعمل وليس هو أحد الأمرين دون الآخر. وعامة البيهسية على أن العلم والإقرار والعمل كله إيمان" (٣). أي أنهم يخالفون أبا بيهس في حقيقة الإيمان. ومما يجدر ذكره أن أبا بيهس انفرد عن أكثر الخوارج بهذا الرأي، وهو إخراج العمل من الإيمان، بينما أن دخول العمل في حقيقة الإيمان هو ما يقول به عامة الخوارج كما سنرى فيما بعد. وهكذا عند الشبيبية حيث "زعموا أن الرجل يكون مسلما إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وتولى أولياء الله وتبرأ من أعدائه، وأخد بما جاء من عند الله جملة وإن لم يعلم سائر ما افترض الله سبحانه عليه مما سوى ذلك أفرض هو أو لا، فهو مسلم حتى يبتلى بالعمل به فيسأل" (٤). ونحو هذا عند الشهرستاني إلا أنه قال في تمام النص أنهم يقولون: "ولا يضره أن لا يعلم حتى يبتلى به فيسأل" (٥). وتعبير الشبيبية هنا بالإسلام لا يختلف عن تعبير سابقيهم بالإيمان فهما عند الخوارج بمعنى واحد كما سنرى فيما بعد، وإذا كانوا قد أضافوا الشهادتين كجزء منه ولا يكون ذلك إلا نطقا باللسان إلا أنهم كما رأينا لا يذكرون العمل بأنه جزء من الإسلام، بل يكون الشخص مسلما حتى يبتلى بالعمل فيسأل كما يقول الأشعري والشهرستاني. وفي هذا تظهر موافقتهم لأبي بيهس. أما الاتجاه الثاني: فهو اتجاه عامة الخوارج وهو أن حقيقة الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بكل ما جاء به الشرع، فلا إيمان لأحد عندهم لا يتحقق فيه القول والعمل بأوامر الشرع ونواهيه، وهو مالا طريق لنا سواه للاستدلال على ما في قرارة نفسه من تصديق. يقول ابن حزم: "وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب وبالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح". ويثبت ابن حزم أيضا أن الخوارج "يقولون بذهاب الإيمان جملة بإضاعة الأعمال" (٦). أي أن الإيمان لا يتجزأ فإما أن يأتي به الشخص كاملا، وحينئذ يسمى مؤمنا أو ينقص منه بعض الأعمال فيخرج عن الإيمان. ويثبت ابن تيمية أن الخوارج ترى أن "الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، وأنه لا يتبعض". فمتى ذهب بعض ذلك فيلزم تكفير أهل الذنوب (١) كما قال. ويقول أحمد أمين: "وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أن العمل بأوامر الدين من صلاة وصيام وصدق وعدل جزء من الإيمان وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر – فهو كافر" (٢).

стр. 1932

ويقول الشيخ عبدالعزيز المحمد السلمان: "وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يسمى مؤمنا إلا من أدى الواجبات واجتنب الكبائر، ويقولون: إن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد، ولكن لا يزيد ولا ينقص. فمن أتى كبيرة كالقتل واللواط وقذف المحصنات ونحوها كفر عند الحرورية واستحلوا منه ما يستحلون من الكفار" (٣)؛ لأنه في نظرهم قد خرج عن الإيمان بفعل هذه المعاصي التي عملها والتي أيضاً تحل منه ما يحل من الكفار. ويقول صاحب كتاب (الأديان) مثبتا لحقيقة الأعمال في الإيمان: "ولا ينفع إيمانا إلا بالعمل كما قال المسلمون: الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان" (٤). والخوارج يتفقون في الرأي مع مذهب السلف في حقيقة الإيمان من أنه تصديق وقول وعمل. وقد أشار القاسم بن سلام إلى عدم انفراد الخوارج في قولهم بدخول الأقوال والأعمال في حقيقة الإيمان وإلى مشابهتهم للسلف في ذلك وإن اختلفوا عنهم في ما رتبوه على ذلك من نتائج، يقول في كتابه (الإيمان): "ولم ينفرد الخوارج بالقول بأن الإيمان قول وعمل، وإنما هو قول أهل السنة، وكل ما انفرد به الخوارج أنهم كفروا من لم يعمل وأقر باللسان" (٥). واعتبار العمل جزءاً من الإيمان هو ما أطبق عليه السلف جميعاً. يقول الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح صحيح البخاري عن دخول الأقوال والأعمال في حقيقة الإيمان: "مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ... فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص" (٦). ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا إيمان بلا عمل فيقول: "ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان لم يأت بالعمل مواضع كثيرة، ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة" (٧). ثم ذكر تعاريف السلف للإيمان وأنهم يعرفونه بعبارات مختلفة وكلها صحيح ومؤداها واحد، فهم "تارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. وكل هذا صحيح" (٨). وقد عرفه الشيخ بدر الدين الحنبلي في مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية بقوله: "وهو قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة والحسنات، وينقص بالفسوق والعصيان" (٩). وقال البخاري: "وهو قول وفعل" (١٠). وقال علي بن علي الحنفي: "ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول التصديق بالقلب والإقرار باللسان" (١١). ويروي ابن حجر عن أبي القاسم اللالكائي قوله: "وروى بسنده الصحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص" (١٢). ونحو هذا عند الشافعي فقد"قال الحاكم في مناقب الشافعي: حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (١٣). ثم قال: "وقد استدل الشافعي وأحمد وغيرهما على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ – إلى قوله- دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ١: ٥]. قال الشافعي: ليس عليهم أحج من هذه الآية" (١٤). وقد اورد البخاري في صحيحه عدة تراجم كلها تشير إلى أن الأعمال من الإيمان، كقوله: "باب قيام ليلة القدر من الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، باب تطوع قيام رمضان من الإيمان، باب صوم رمضان احتساباً من الإيمان، باب الصلاة من الإيمان" (١). إلى آخر ما ذكره من أمثال هذه التراجم.

стр. 1933

ويقول النووي عن دخول الأعمال في الإيمان عند السلف: "وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣]، وأجمعوا على أن المراد صلاتكم" (٢). وإذا كانت الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان عند السلف – كما رأينا – فإن ذلك باعتبارها شرط كمال فيه، قال ابن حجر بعد أن عرف الإيمان عند السلف بأنه "هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان"، قال: "وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص" (٣). بينما هي عند الخوارج جزء من حقيقة الإيمان، ولهذا رتبوا عليها كفر مرتكبي الذنوب، وبناءً على اعتبار العمل شرطاً في كمال وجود الإيمان، فإن السلف لا يطلقون اسم الإيمان الكامل على أحد إلا إذا كان غير مرتكب لكبيرة، ولا يطلقون على من أخل بفريضة من فرائض الإسلام الإيمان إلا مقيداً بمعصية، فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. قال النووي: "ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقاً يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهراً إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ : ((لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) (٤) (٤) أي كامل الإيمان. ويذكر ابن تيمية في حق من لم يستكمل الإيمان أن التحقيق عنده فيه "أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يعطى الاسم المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره، وإنما الكلام في اسم المدح المطلق" (٥). ويقول السلمان في هذا الحكم: "وأما أهل السنة فقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"، وإن "من أتى كبيرة فهو عندهم مؤمن ناقص الإيمان، وبعبارة أخرى مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله" (٦). وهكذا يتضح لنا مذهب الخوارج بصفة عامة في حقيقة الإيمان، ومشابهتهم للسلف في قولهم بدخول الأقوال والأعمال في تلك الحقيقة، وإن اختلفوا عنهم في جعل الأعمال جزءا حقيقياً من الإيمان يضيع الإيمان، بضياعه، وفيما رتبوه على ذلك من أحكام تتصل بمرتكب الكبيرة كما سنرى فيما بعد، بينما جعله السلف جزءاً مكملاً يتوقف عليه كمال الإيمان. وإن كان لنا ملاحظة على تعبير ابن حجر، فهو اعتباره شرطا للكمال جزءاً من الحقيقة. وليس الأمر كذلك، وإلا للزمه ما رتبه الخوارج من ضياع الحقيقة بضياع جزئها، ثم إن شرط الشيء غير جزئه، لأن الشرط خارج عن الحقيقة، والجزء داخل فيها. وإذا كنا قد ذكرنا فيما سبق إجماع كتاب المقالات على أن الخوارج يعتبرون العمل جزءاً أساسياً من الإيمان، بل لا يكون الإيمان إلا بالعمل عندهم، فإننا نجد أن الدكتور عبدالحليم محمود ﵀، في كتابه (التفكير الفلسفي في الإسلام) يخرج عن هذا الإجماع ويقرر بأن الخوارج لم يبحثوا مسألة الإيمان مسألة الإيمان والعمل، وذلك في قوله: "إن الخوارج باعتبارهم خوارج لا رأي لهم خاصاً بهم في مسألة الدين الأساسية من إيمان بالله، ومن بحث في صفاته، ومن دراسة في البعث" (٧). والواقع أن الخوارج باعتبارهم خوارج كان لهم رأيهم الخاص في الإيمان وعلاقة العمل به، وهو الذي بنوا عليه موقفهم من الخلفاء خاصة والمسلمين عامة، الذين خرجوا عليهم، حيث كفرهم الخوارج واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفار، على أساس رأيهم في دخول العمل في حقيقة الإيمان كما ذكرنا، فهو مبحث متصل بقضية الخروج نفسها، إلى جانب مبحث الإمامة العظمى، وغيرها مما يتصل بخروجهم، أو يكون من مباحث الدين، وإن لم يكن له علاقة بذلك الخروج. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٥٨

стр. 1934

المطلب الثاني: زيادة الإيمان ونقصه وبناءً على ما قدمنا من أن الخوارج يقولون باعتبار العمل جزءاً من الإيمان، يقوم رأيهم في مسألتي زيادة الإيمان ونقصه وحكم مرتكب الكبيرة، وسوف نبين رأيهم في حكم مرتكب الكبيرة في الفصل التالي. أما فيما يتعلق بالمسألة الأولى وهي زيادة الإيمان ونقصه، فإن الخوارج ينقسمون فيها إلى فريقين: الإباضية منهم بصفة خاصة، وبقية غيرهم من الخوارج بصفة عامة، فغير الإباضيين من الخوارج يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو إما أن يبقى كله، وإما أن يذهب كله (٨)، وذهاب الإيمان عندهم يكون بنقص بعض الأعمال، أو ارتكاب بعض الكبائر، وعلى هذا فإن نقص البعض يؤدي إلى ذهاب الكل في نظرهم. وقد سبق أن ذكرنا عند عرضنا لحقيقة الإيمان عندهم ما أثبته ابن حزم عنهم من أنهم "يقولون بذهاب الإيمان جملة بإضاعة الأعمال"، أي أنه ليس هناك زيادة ولا نقص فيه. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيانه لأهل البدع في زيادة الإيمان ونقصانه: "وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق، كما قال أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء، فيخلد في النار" (١). ويستطرد ابن تيمية في هذا الموضوع، ويكرر أن رأي الخوارج هو القول بذهاب الإيمان جملة عن أهل الذنوب، وأنهم متى خرجوا عن الإيمان خرجوا عن الإسلام أيضاً، إذ لا فرق بين الإسلام والإيمان عندهم فيقول: "وأما الخوارج والمعتزلة فيخرجونهم من اسم الإيمان والإسلام، فإن الإيمان والإسلام عندهم واحد، فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام. ومما يجدر ذكره هنا أن الخوارج وإن أشبهوا المعتزلة في قولهم بعدم زيادة الإيمان ونقصه، وخروج مرتكب الكبيرة من مفهوم الإيمان، إلا أن المعتزلة يجعلونه في منزلة بين المنزلتين، ويحكمون عليه بالخلود في النار، وأما الخوارج فإنهم يحكمون عليهم بالكفر، كما سنفصل رأيهم بعد قليل في حكم مرتكب الكبيرة. ويقول بدر الدين الحنبلي في مختصره لفتاوى ابن تيمية عن رأي الخوارج في زيادة الإيمان ونقصه: "فأولئك – يعني بهم الخوارج والمعتزلة – اعتقدوا أن الإيمان متى ذهب بعضه ذهب جميعه" (٢). وعلى هذا فإن الإيمان عندهم لا ينقص بالمعصية، بل إن الشخص يخرج عن الإيمان ويحبط ما قدم من خير بمجرد أن يرتكب أي كبيرة؛ لأن الإيمان إما أن يبقى جملة أو يذهب جملة، فلا زيادة ولا نقص ولا مغفرة لكبيرة، فهي تهدم الإيمان ولا تنقصه. كما يقول أيضاً في تأكيد ما سبق: "وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا: إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتماً، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة، ويستحق التخليد في النار، لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها" (٣).

стр. 1935

أما الفريق الثاني من الخوارج – وهم الإباضية كما قلنا – فإنهم يرون أن الإيمان يزيد وينقص، وهم بذلك يخالفون عامة الخوارج، ويتفقون في هذا القول مع مذهب السلف، ومن يذهب إليه من غيرهم من المتكلمين. يقول علي يحيى معمر الإباضي: "يرى الأشاعرة أن الإيمان يزيد وينقص، ويرى الحنفية وإمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص، ويتفق الإباضية مع الأشاعرة في هذه المقالة" (١).وقد أورد الربيع بن حبيب في مسنده الجامع الصحيح (وهو أصح كتب الحديث عند الإباضية) هذين الحديثين اللذين يدلان على أن الإيمان يتفاضل، فقال: ((وسئل النبي ﷺ أي المؤمن أفضل إيمانا؟ فقال: أحسنهم خلقا)) (٢)، وقال ﷺ : ((الإيمان مائة جزء، أعظمها قول: لا إله إلا الله: وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) (٣). وسوف نرى عند دراستنا التالية لحكم مرتكب الكبيرة عند الخوارج، كيف أن الإباضية مع موافقتهم في القول بزيادة الإيمان ونقصه للسلف والأشعرين، أنهم وإن لم يحكموا على مرتكب الكبيرة بالكفر كفر ملة كبقية الخوارج إلا أنهم يخالفون السلف والأشعريين، فيحكمون عليه بالكفر كفر نعمة. ولقد كان مقتضى القول بزيادة الإيمان ونقصه أن لا يخرج مرتكب الكبيرة عن حقيقة الإيمان عند الإباضية، وهذا هو ما ذهبوا إليه فعلاً – كما ذهب إليه السلف والأشعريون، إلا أن الإباضية خالفوهم، فقالوا بالحكم عليه بلقب الكفر، وإن لم يكن كفر ملة كما قلنا، وبغض النظر عن ما يبنيه الخوارج من أحكام على ما يرونه في مسألة زيادة الإيمان ونقصه – مما سيكون موضع دراستنا وتعقيبنا قريباً – فإنه يتبين لنا مما سبق أنهم يذهبون في هذه المسألة إلى رأيين: الرأي الأول: هو القول بعدم زيادته ونقصه، بل هو إما أن يبقى كله أو يذهب كله بذهاب بعضه، وهذا رأي عامة الخوارج. الرأي الثاني: وهو القول بزيادة الإيمان ونقصه، وهو ما تقول به الإباضية منهم، والواقع أن الحق الذي يؤيده الكتاب والسنة، ويشهد له صحيح المعقول، وتؤكده أقوال السلف في هذه المسألة، هو القول بزيادة الإيمان ونقصه، فإن الناس يختلفون في أداء الأوامر واجتناب النواهي، وفي الرضى بما قدر الله، واليقين به تعالى، والتوكل عليه على درجات يلحظها الشخص في نفسه وفي غيره، ففي بعض الأوقات يحس الإنسان أن إيمانه وثقته بالله أقوى منها في بعض الأحيان. وهذا هو ما دل عليه كلام الله، وكلام رسول الله، وكلام العلماء من سلف الأمة وخلفها، قال تعالى إخباراً عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض في مساءلتهم غيرهم عند نزول الآيات: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤]، وقال تعالى في وصف المؤمنين عندما رأوا الأحزاب من حولهم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: ٢٢]، وقال تعالى مبيناً حالة الرسول ﷺ وأصحابه حينما خوفوا من قريش وغيرهم: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً [آل عمران: ١٧٣].

стр. 1936

وقال تعالى في السبب الذي من أجله جعل أصحاب النار ملائكة، وفي عدتهم أيضاً وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١]، وقال تعالى في أصحاب الكهف: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: ١٣]، وقال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله تعالى، وإذا ثبتت الزيادة، فإن مقابلها وهو النقص ثابت أيضا؛ لأن ما قبل الزيادة يقبل النقص، وقد استدل البخاري ﵀ في صحيحه بهذه الآيات، وأثبت أن الإيمان "يزيد وينقص" (١). وأما الأدلة من الحديث فقد وردت على لسان رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة تشير إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه. قال ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٢). قال علي الحنفي: "والمراد نفي الكمال" ((٣)، وقد وصف ﷺ النساء بنقصان العقل والدين؛ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين (٤). فقد وصفهن ﵇ بنقص الدين، وذلك بسبب نقص الطاعات. قال النووي: "وإذا ثبت هذا، علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه" (٥).أما نقص الإيمان بالمعاصي، فقد وردت عدة أحاديث فيها ذكر مجموعة من المعاصي، تنقص إيمان من ارتكب منها واحدا، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ وهو أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (٦)، وفي رواية عن أبي هريرة: ((ولا ينتهب نهبة ذات شرف، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) (٧). إلا أن هذا الحديث وما في معناه ليس المراد به نفي الإيمان مطلقاً كما تقول الخوارج، ولكن المقصود به نفي كمال الإيمان. يقول النووي: "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله" (٨).

стр. 1937

وورد في الحديث أن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها يفضل بعضها، والمفضول يكون ناقصاً عن الفاضل، كما يشير إليه حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في روايته الآتية: "قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده".وقد أورده البخاري شاهداً على قبول الإيمان للزيادة والنقص (١)؛ لأنه كما قال ابن حجر: "الإسلام والإيمان عنده مترادفان" (٢).ويشهد لهذا أيضاً حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحيا – أو: الحياة – شك مالك، وهو أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (٣).وقد وردت عن السلف أقوال كثيرة في زيادة الإيمان ونقصه، أورد منها البخاري ما قاله معاذ لأحد الصحابة: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، وقول ابن مسعود: "اليقين الإيمان كله"، وقول ابن عمر: "لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر" (٤). ومثل ما سبق عند البخاري ما ورد عن أبي الدرداء ﵁، حيث قال: "من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص".وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: "اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً" (٥). وقد استفاض النقل عن السلف أنهم يرون الإيمان يزيد وينقص. يقول بدر الدين الحنبلي في مختصر الفتاوى، بعد أن عرف الإيمان بأنه قول وعمل – قال: وهو – أي الإيمان – "يزيد وينقص، يزيد بالطاعة والحسنات وينقص بالفسوق والعصيان" (٦).ويقول أيضاً: "والإيمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه" (٧).ويقول الأشعري في إبانة قول أهل الحق والسنة – إنهم يقولون: إن "الإيمان يزيد وينقص" (٨)، وهذا هو ما يذهب إليه أصحاب الحديث وأهل السنة ويقرون به ((٩). وأخيراً نقول: إن ما يراه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله يتفاضلون فيه كل بما رزقه الله ووفقه وشرح صدره، لذلك هو ما يشهد به العقل ويثبته الواقع، إذ أن من أول البديهيات التي تدل على تفاضل الناس في الإيمان ما يشاهد من إخلاص بعضهم وقوة صبرهم على احتمال أوامر الله ونواهيه بصدر رحب، وطمأنينة تامة، بينما نر البعض الآخر لا يؤدي ما أوجبه الله عليه إلا بكره من نفسه وكسل تام، وهذا أمر ظاهر. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم وهم خير الأمة يعرفون تفاضلهم فيه، كما تشهد بذلك أقوالهم، وإنه لمن غير الإنصاف والعدل أن نقول: إن إيمان ويقين أي شخص كان كإيمان أبي بكر ويقينه، وحبه للرسول ﷺ ، وتعظيمه له، إلا إذا كابرنا الحق وتجنبنا الطريق الواضح، كما هو رأي الخوارج في عدم زيادة الإيمان ونقصه، وقد قدمنا كثيرا من النصوص والبراهين التي تبطل زعمهم هذا، ويكفي دليلاً على بطلانه – بعد تلك الأدلة- ما رتبوه عليه من نتائج خطيرة، كتكفيرهم لعصاة المسلمين، والقول بتخليدهم في النار، واستحلالهم أخذ أموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، كما سنبين هذا في بحث الكبيرة إن شاء الله. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٢٥٨

стр. 1938

المطلب الثالث: العلاقة بين الإسلام والإيمان لا يرى الخوارج أن هناك فرقاً بين مفهومي الإيمان والإسلام، فهما بمعنى واحد عندهم، وفي هذا يقول ابن تيمية في معرض بيانه لأقوال الناس في الإيمان والإسلام: "وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج وطائفة من أهل الحديث والسنة" (١).ويقول الطالبي: "ومن هنا فإن الخوارج وحدوا بين مفهوم الإيمان ومفهوم الإسلام، أي بين الاعتقاد والفعل – على حد تعبيره – ففلسفتهم فلسفة عملية واقعية" (٢).وقد وافق الخوارج بهذا القول ما يراه بعض أهل السنة، كالبخاري ﵀، فإنه يرى أن الإسلام والإيمان مترادفان كما نقل عنه ابن حجر ذلك (٣).وهو أيضاً رأي لبعض علماء الفرق، كابن حزم الظاهري، فإنه يرى أن الإسلام هو الإيمان، والإيمان هو الإسلام، لا فرق بينهما، واستدل بهذه الآية الكريمة: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥ – ٣٦]، قال: "فهذا نص جلي على أن الإسلام هو الإيمان، وقد وجب قبل بما ذكرنا أن أعمال البر كلها هي الإسلام، والإسلام هو الإيمان، فأعمال البر كلها إيمان، وهذا برهان ضروري لا محيد عنه" (٤).ويذكر الأشعري أن من اعتقاد أصحاب الحديث، وأهل السنة أن الإسلام عندهم غير الإيمان (٥).وقد قال الشهرستاني أيضاً بالتفريق بين معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وذلك في قوله: "فكان الإسلام مبدأ والإيمان وسطاً والإحسان كمالاً" (٦).ويرى ابن تيمية أن بين الإسلام والإيمان تداخلاً، فالإيمان أخص من الإسلام وإذا ثبت الأخص ثبت الأعم، ولا عكس، بحيث لا يوصف بالإيمان من ثبت له وصف الإسلام فقط إلا بدليل منفصل، يقول ابن تيمية: "فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم ثم مؤمن ثم محسن، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين" (٧).ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى أيضاً بقوله: "الإسلام فرض، والإيمان فرض، والإسلام داخل فيه، فمن أتى بالإيمان الذي أمر به فلابد أن يكون قد أتى بالإسلام المتناول لجميع الأعمال الواجبة، ومن أتى بما سمي إسلاماً لم يلزم أن يكون قد أتى بالإيمان إلا بدليل منفصل" (٨).

стр. 1939

وقد أكثر في كتابه (الإيمان)، من إثبات الفرق بين مسمى الإيمان ومسمى الإسلام، ومن جعل مسمى هذا، مسمى هذا فنصوص الكتاب والسنة تخالف ذلك (١). ويثبت أنه إذا ذكر الإيمان مع الإسلام، فإنه يجعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة، كالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم .. إلخ، ويجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله .. إلخ. وإذا ذكر اسم الإيمان مجرداً، فإنه حينئذ يدخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة ((٢).وهذا ما يؤكد أيضاً الشيخ بدر الدين الحنبلي في مختصره لفتاوى ابن تيمية حيث يقول: "فالإيمان المطلق يدخل الإسلام، كما في (الصحيحين) عن النبي ﷺ ، أنه قال لوفد عبد القيس: ((أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم)) (٣). فأما إذا اقترن لفظ الإيمان بالعمل وبالإسلام، فإنه يفرق بينهما، واستدل على هذا بقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وبحديث جبريل حيث سأل الرسول ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم قال: "ففرق بين الإيمان والإسلام، لما فرق السائل بينهما، وفي ذلك النص – يعني به حديث عبدالقيس – أدخل الإسلام في الإيمان لما أفرده بالذكر" (٤). وغاية القول عند ابن تيمية أن الإيمان إذا ذكر وحده كان الإسلام لازماً له وداخلاً فيه دون العكس، إلا بدليل منفصل، أما إذا ذكرا معاً فإنه يجب التفريق بينهما في المفهوم، وهذا خلاف ما رواه الخوارج من الترادف بينهما مجتمعين أو متفرقين. وللشوكاني رأي يخالف كل ما تقدم من آراء، فيقول موضحاً الفرق بين الإسلام والإيمان، ومعتبراً ما عداه أقوالاً مضطربة متناقضة: " وقد أوضح الفرق رسول الله ﷺ بين الإسلام والإيمان في الحديث في (الصحيحين) وغيرهما، الثابت من طرق، أنه سئل عن الإسلام فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وسئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره)) (٥)، فالمرجع في الفرق بينهما هو هذا الذي قاله الصادق المصدوق، ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة متناقضة. وأما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان، فذلك باعتبار المعاني اللغوية والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ ، وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها" (٦). والشوكاني بهذا القول يوافق بعض المتكلمين الذين يجعلون الإيمان هو التصديق فقط، ويجعلون العمل خارجاً عن حقيقته. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٣٠

стр. 1940

المطلب الأول: الحكم بتكفير العصاة كفر ملة الحكم بتكفير العصاة كفر ملة، وأنهم خارجون عن الإسلام ومخلدون في النار مع سائر الكفار. وهذا رأي أكثرية الخوارج. وعلى هذا الرأي من فرق الخوارج: المحكِّمة والأزارقة والمكرمية والشبيبية من البيهسية واليزيدية والنجدات، إلا أنهم مختلفون في سبب كفره: فعند المكرمية أن سبب كفره ليس لتركه الواجبات أو انتهاك المحرمات، وإنما لأجل جهله بحق الله إذ لم يقدره حق قدره. وأما النجدات فقد فصلوا القول بحسب حال المذنب، فإن كان مصراً فهو كافر، ولو كان إصراره على صغائر الذنوب، وإن كان غير مصر فهو مسلم حتى وإن كانت تلك الذنوب من الكبائر، وهو تفصيل بمحض الهوى والأماني الباطلة. وهذا هو الرأي الأول: وهو أنهم كفار ملة خارجون عن الإسلام بارتكابهم الكبائر، مخلدون في النار مع سائر الكفار بتلك المعاصي، وهذا رأي الأزارقة بالإجماع، كما يذكر الشهرستاني فيقول: "اجتمعت الأزارقة على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ملة خرج به عن الإسلام جملة، ويكون مخلداً في النار مع سائر الكفار" (١).ويقول الأشعري عنهم كذلك: "والأزارقة تقول إن كل كبيرة كفر ... وإن كل مرتكب معصية كبيرة ففي النار خالداً مخلداً"، وهذا هو ما يذكره عنهم غيره من العلماء كالملطي، وابن الجوزي، والجيطاني من الإباضية، وابن تيمية، وابن حزم، وغيرهم" (٢).ويذكر الشهرستاني أن العجاردة أيضاً كالأزارقة يكفرون أهل الكبائر، إلا أنه لم يبين نوع الكفر الذي يقولون به، فقال في معرض تعداده لآرائهم: "ويكفرون بالكبائر" (٣). وهذا يتبادر منه إلى الذهن أنهم يكفرونه كفر ملة، ولكن صاحب كتاب (الأديان) الإباضي يذكر أن رأي العجاردة هذا ورأي أهل الاستقامة – ويعني بهم الإباضية – واحد، وهو الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر كفر نعمة، على حسب ما تقوله الإباضية، وذلك في قوله الآتي: "ويكفرون أهل الكبائر كفر نعمة على قول أهل الاستقامة" (٤). ومن الفرق الأخرى التي توافق الأزارقة أيضاً في الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر- المكرمية، إلا أنهم يختلفون عنهم في سبب كفره، فعند المكرمية أن كفره ليس من حيث تركه للواجبات التي أمر الله بها، أو ارتكابه للمحظورات، بل من حيث أنه جهل حق الله عليه، فلم يقدره حق قدره، وذلك في كل كبيرة يرتكبها، بينما هو عند الأزارقة كافر، بسبب ما ارتكب من محظورات. يقول الأشعري عن رأي المكرمية هذا: ومما تفردوا به أنهم زعموا أن تارك الصلاة كافر، وليس هو من قبل تركه الصلاة كفر، ولكن من قبل جهله بالله، وكذلك قالوا في سائر الكبائر، وزعموا أن من أتى كبيرة فقد جهل الله وبتلك الجهالة كفر لا بركوبه المعصية". وكذلك نقل عنهم البغدادي والشهرستاني وابن حزم (٥).

стр. 1941

ولم يكن الأزارقة هم أول من كفر مرتكب المعاصي من الخوارج، بل إن ذلك الحكم عند المحكمة الأولى الذين يسميهم الملطي بالشراة، ويذكر عنهم بأنهم يكفرون أهل الكبائر والمعاصي، فإذا كانت المحكمة تكفر بالمعاصي، فإن الأزارقة قد قالوا بقولهم أيضاً، ولم يشتهر القول بتكفير المحكمة لأهل الذنوب كاشتهاره عند الأزارقة. قال الملطي: "والشراة كلهم يكفرون أصحاب المعاصي ومن خالفهم في مذهبهم، مع اختلاف أقاويلهم ومذاهبهم" (١).ومثل هذا عند البغدادي أيضا، فقد ذكر عن المحكمة الأولى أنهم يكفرون أهل الكبائر وخيار الصحابة رضوان الله عليهم بقوله: "فهذه قصة المحكمة الأولى وكان دينهم إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل ومعاوية وأصحابه والحكمين، ومن رضي بالتحكيم وإكفار كل ذي ذنب ومعصيته" (٢).وتكفير أهل الذنوب هو رأي الشبيبية من البيهسية، إلا أنها غالت فيه، فحكمت بالكفر على من اجترح ذنبا، ولو كان جاهلاً الحكم فيه، فقالوا: إن من "واقع حراماً لم يعلم تحريمه فقد كفر" (٣).ونجد نحو هذه المقالات عند يزيد بن أنيسة وأصحابه حيث يكفرون كل مذنب، حتى مرتكب الصغيرة، فعنده أن "أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون، وكل ذنب صغير أو كبير فهو شرك" (٤). أما النجدات فقد فصلوا القول في مرتكب الذنوب وجزائه، وذلك باختلاف حاليه: الإصرار على الذنب وعدمه، فهم يرون أن من ارتكب من المعاصي شيئاً وهو مصر عليه فهو كافر مشرك، ولو كانت هذه المعاصي من صغائر الذنوب، كالنظرة الصغيرة، والكذبة الصغيرة، وأن من ارتكب من تلك المعاصي شيئاً وهو غير مصر عليه فهو مسلم، ولو كانت هذه المعاصي من كبائر الذنوب كالزنى والسرقة وشرب الخمور وغيرها. يقول الأشعري: "وزعموا أن من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة، ثم أصر عليها فهو مشرك، وأن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم" (٥). وكذا عند البغدادي والشهرستاني وابن حزم.

стр. 1942

ولهم تفصيل آخر بالنسبة لمرتكبي الذنوب إذا كانوا من موافقيهم أو مخالفيهم، وهو أن مرتكب الكبيرة إذا كان منهم فهو غير كافر، بل هو من أهل الولاية. وإذا كان من مخالفيهم فهو كافر من أهل النار، ثم زعموا أن موافقيهم إن عذبهم الله فلعله يعذبهم بذنوبهم في غير نار جهنم، ثم يدخلهم الجنة. قال الأشعري: "وتولوا أصحاب الحدود والجنايات من موافقيهم، وقالوا: لا ندري لعل الله يعذب المؤمنين بذنوبهم، فإن فعل فإنما يعذبهم في غير النار بقدر ذنوبهم ولا يخلدهم في العذاب، ثم يدخلهم الجنة". وبنحو هذا قال البغدادي والشهرستاني (١) وقال ابن حزم عنهم: "وقالوا (أي النجدات): أصحاب الكبائر منهم ليسوا كفارا، وأصحاب الكبائر من غيرهم كفار" (٢).هذا بالنسبة لارتكاب الكبائر، أما الصغائر فلا يكفرون بها، كما قال عنهم الجيطالي في نصه الآتي: "وقالت النجدية منهم: الكبائر كلها شرك، وأما الصغائر فلا" (٣).ومثل هذه التفرقة في حكم مرتكب الكبيرة بين من يكون من الخوارج ومن يكون من غيرهم نجدها عند الحسينية، وهم من إباضية المغرب، فيرجئون الحكم في موافقيهم، وأما مخالفوهم المرتكبون للكبائر فهم عندهم كفار مشركون، وهذا هو ما يرويه الأشعري عن اليمان بن رباب من أن الحسينية يقولون "بالإرجاء في موافقيهم خاصة، كما حكي عن نجدة، ويقولون فيمن خالفهم: إنهم بارتكاب الكبائر كفار مشركون" (٤). وكأنهم بهذا الحكم الخاطئ يحاكون اليهود والنصارى فيما ذكره الله عنهم بقوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:١٨]، والغريب في هذا التفكير أن يتصور الشخص أن صدور ذنب ما من الذنوب ثم يختلف الناس في حكم ارتكابه، فبعضهم يكفر به، والبعض الآخر لا يكفر به، أو مسكوت عنه، مع أن الكل من أهل التكليف، هذا هو اتباع الهوى والأماني الباطلة. ولا شك أن النجدات بقولهم هذا يجمعون بين الخطأ في الرأي والتناقض في المذهب، فإلى جانب خطئهم في القول بتكفير مرتكبي الذنوب -كما سنبين ذلك فيما بعد- يتناقضون مع أنفسهم فيفرقون في ذلك الحكم بين من هو منهم، ومن هو من غيرهم، بينما لا فرق بين الاثنين في ارتكاب كل منهما للمعصية، وهو مناط الحكم بالكفر عندهم، بل لقد كان من هو منهم أولى بالتزام الشريعة والتكفير إذا اقترفت معصية ما دام رأيهم تكفير مرتكبي الكبيرة، بخلاف غيرهم ممن لا يرون هذا الرأي، ولا مجال للعصبية المذهبية في التفرقة بينهم وبين غيرهم ما دام مناط الحكم بالتكفير واحدا. وإلا فهو التفرقة بين المتماثلين، والتناقض في الجمع بين النقيضين: التكفير وعدمه في حق مرتكب الكبيرة ومثل ما قلناه هنا عن النجدات، نقوله عن الحسينية، فلا معنى للإرجاء والتوقف في حكم مرتكب الكبيرة إذا كان منهم ما دام مناط الحكم بالتكفير كما قلنا واحدا، وهو ارتكاب الكبيرة، وإلا فهو التفرقة بين المتماثلين والعصبية المذهبية.

стр. 1943

ورغم ما تقدم من أقوال مؤرخي الفرق من أن النجدات يكفرون أهل الكبائر، إلا أن هناك روايات تخالف ما ذكر عنهم، وهو أنهم لا يكفرون صاحب الكبيرة، أو يكفرونه كفر نعمة لا كفر ملة، على نحو ما تقوله الإباضية. وهذا ما أشار إليه الطالبي بقوله: "وأما النجدات فيروى عنهم أنهم لا يكفرون صاحب الكبيرة، وأنهم لا يكفرون عليا" (١)، ثم عزا هذا الرأي إلى عثمان العامري الحنبلي في كتابه المخطوط (منهج المعارج).وقد ذكر البغدادي عنهم تكفيرهم لمرتكبي الكبيرة كفر نعمة فقال: "وقالت النجدات منهم: إنه – يعني صاحب الكبيرة – كافر بنعمة، وليس بمشرك" (٢). وهذا القول قاله البغدادي في كتابه (أصول الدين) بينما هو يذكر في كتابه (الفرق بين الفرق) كما أشرنا إليه سابقاً أن المصر على الذنب يكون مشركاً، وإن صغر هذا الذنب وكما فرق القائلون بتكفير مرتكبي الذنوب بين مرتكب الكبيرة أو الصغيرة، وكذلك بين من كان مصراً ومن لم يكن كذلك، إلى غير ذلك من الاعتبارات السابقة – فإن هناك من أصحاب هذا الرأي من يفرقون في هذا الحكم حسب اعتبارات أخرى. فالصفرية - كغيرهم من الفرق السابقة - يرون أن أهل الذنوب كفار، قال الأشعري: "ومن قول الصفرية وأكثر الخوارج أن كل ذنب مغلظ كفر وكل كفر شرك، وكل شرك عبادة للشيطان"، ونحوه عند البغدادي والجيطالي (٣).لكن قوماً من الصفرية يذهبون إلى التفرقة بين من ارتكب ذنباً فحد عليه، وحينئذ يكفر، أو لم يحد عليه، فيبقى على الإيمان إلى أن يحد، وهذا ما يرويه الأشعري حكاية عن اليمان بن رباب الخارجي بقوله: "وحكى اليمان بن رباب الخارجي أن قوماً من الصفرية وافقوا بعض البيهسية على أن كل من واقع ذنباً عليه حرام لا يشهد عليه بأنه كفر حتى يرفع إلى السلطان ويحد عليه، فإذا حد عليه فهو كافر، إلا أن البيهسية لا يسمونهم مؤمنين ولا كافرين حتى يحكم عليهم. وهذه الطائفة من الصفرية يثبتون لهم اسم الإيمان حتى تقام عليهم الحدود. وهكذا عند البغدادي (٤). وينظر بعض الصفرية في الحكم بالتكفير إلى العمل نفسه، فإن وجد له حد في كتاب الله، كالزنا والسرقة والخمر والقتل، فلا يسمى صاحبه إلا بذلك الاسم، فيقال له: زان وسارق وشارب خمر هكذا، وحكمه أنه غير كافر، ولكنه ليس بمؤمن أيضاً، وفي هذا رفع للنقيضين كما لا يخفى. أو لم يوجد له حد مبين في كتاب الله، كترك الصلاة والحج والصوم ونحو ذلك، فمرتكبه كافر وليس بمؤمن كذلك. يقول البغدادي: "وقد زعمت فرقة من الصفرية أن ما كان من الأعمال عليه حد واقع لا يسمى صاحبه إلا بالاسم الموضوع له، كزان وسارق وقاذف وقاتل عمد وليس صاحبه كافراً ولا مشركاً، وكل ذنب ليس فيه حد كترك الصلاة والصوم- فهو كفر وصاحبه كافر، وأن المؤمن المذنب يفقد اسم الإيمان في الوجهين جميعا" (٥). ونحو هذا عند الشهرستاني وابن حزم. وفيما يتعلق بالبيهسية، فإنهم يرون أن أهل الذنوب مشركون، ومثلهم من جهل الدين، إلا في ذنب لم يحكم الله فيه بتغليظ عذاب فاعله، فهذا مغفور.

стр. 1944

والتائبون من الذنوب في مواضع الحدود المقرون على أنفسهم بارتكابها هؤلاء مشركون كفرة أيضاً؛ لأن الحدود عندهم لا تقع إلا على كافر معلوم الكفر، وبإقراره وتوبته علم كفره حينذاك، وهذا من أغرب ما يكون، أي أن نحكم على الشخص حين يعلن توبته. قال الأشعري: "وقالت البيهسية: الناس مشركون بجهل الدين، مشركون بمواقعة الذنوب، وإن كان ذنب لم يحكم الله فيه حكماً مغلظاً، ولم يوقفنا على تغليظه فهو مغفور ... وقالوا: التائب في موضع الحدود وفي موضع القصاص، والمقر على نفسه يلزمه الشرك، إذا أقر من ذلك بشيء وهو كافر؛ لأنه لا يحكم بشيء من الحدود والقصاص إلا على كل كافر يشهد عليه بالكفر عند الله" (١).ويقابل هذا التشدد منهم تساهل وتسامح مع السكارى، حتى كان السكران حين يرتكب جريمة سكر تسقط عنه جميع التكاليف الشرعية، وجميع ما يصدر عنه في تلك الحال من آثام، "وكل ما كان في السكر من ترك الصلاة، أو شتم الله سبحانه، فهو موضوع لا حد فيه، ولا حكم، ولا يكفر أهله بشيء من ذلك، ما داموا في سكرهم" (٢). إلا أن طائفة منهم تسمى العوفية تقول: "السكر كفر إذا كان معه غيره من ترك الصلاة ونحوه" (٣).وبعض البيهسية يقولون: "من واقع زنا لم نشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد" (٤). وقبل الرفع إلى الإمام أو الوالي يبقى حكمه معلقاً لا مؤمناً ولا كافراً، والبغدادي ينسب هذا الرأي لكل البيهسية، وكأن الطهارة من الآثام بالحدود لا ترفع عنه الإثم. وهذا خلاف ما عليه المسلمون، فإن وقوع الحد على المذنب وخصوصاً التائب المقر بذنبه تجعله في عداد التائبين الذين عفى الله عنهم، كما قال ﵊ في حق ماعز: ((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم)) (٥)، وفي حق الغامدية قال ﵇ لعمر حين سأله عن الصلاة عليها: ((لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)) (٦)، وقال ﵊ في بيان أن الحدود كفارة لمن وقعت عليه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا – وقرأ هذه الآية كلها: - فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه)) (٧).ولا يستبعد منهم هذا التشدد والتنطع، فقد خالفوا ما قرره القرآن في بعض الأحكام، فبينما الله تعالى يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨] , إذا بهم يقررون أنه إذا كفر الإمام كفرت الرعية (٨).ويجدر بنا في نهاية سياقنا لآراء الخوارج القائلين بتكفير العصاة أن نذكر أن منهم من تردد بين الحكم بتوليهم، أو التبرؤ منهم، أو التوقف في شأنهم، وهم فرقة الضحاكية من الخوارج، وهذا ما ذكره الأشعري عن هذه الفرقة بقوله: "واختلفوا في أصحاب الحدود، فمنهم من برئ منهم، ومنهم من تولاهم، ومنهم من وقف، واختلف هؤلاء في أهل دار الكفر عندهم، فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط فلا نتولى إلا من عرفنا فيه إسلاماً، ونقف فيمن لم نعرف إسلامه، وتولى بعض هؤلاء بعضاً على اختلافهم، وقالوا: الولاية تجمعنا" (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٣٦

стр. 1945

المطلب الثاني: الحكم بتكفير العصاة كفر نعمة وعلى هذا المعتقد فرقة الإباضية كما تقدم. ومع هذا فإنهم يحكمون على صاحب المعصية بالنار إذا مات عليها، ويحكمون عليه في الدنيا بأنه منافق، ويجعلون النفاق مرادفاً لكفر النعمة ويسمونه منزلة بين المنزلتين أي بين الشرك والإيمان وأن النفاق لا يكون إلا في الأفعال لا في الاعتقاد. وهذا قلب لحقيقة النفاق؛ إذ المعروف أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله كان نفاقهم في الاعتقاد لا في الأفعال، فإن أفعالهم كانت في الظاهر كأفعال المؤمنين. أدلتهم: تلمس الخوارج لما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب بعض الآيات والأحاديث، وتكلفوا في رد معانيها إلى ما زعموه من تأييدها لمذاهبهم، وهي نصوص تقسم الناس إلى فريقين: مؤمن وكافر، قالوا: وليس وراء ذلك الحصر من شيء. ونأخذ من تلك الأدلة قوله تعالى: ١ - هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن: ٢]. ٢ - وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]. ٣ - ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ: ١٧]. إلى غير ذلك من الآيات. ووجه استدلالهم بالآية الأولى: أن الله تعالى حصر الناس في قسمين: قسم ممدوح وهم المؤمنون، وقسم مذموم وهم الكفار، والفساق ليسوا من المؤمنين، فإذاً هم كفار لكونهم مع القسم المذموم واستدلالهم هذا لا يسلم لهم؛ أن الناس ينحصرون فقط في الإيمان أو الكفر. فهناك قسم ثالث وهم العصاة لم يذكروا هنا، وذكر فريقين لا يدل على نفي ما عداهما، والآية كذلك واردة على سبيل التبعيض بمن، أي بعضكم كفار وبعضكم مؤمن. وهذا لا شك في وقوعه، ولم تدل الآية على مدعي الخوارج أن أهل الذنوب داخلون في الكفر. وأما وجه استدلالهم بالآية الثانية: فقد زعموا أنها شاملة لكل أهل الذنوب؛ لأن كل مرتكب للذنب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله. وقد شملت الفساق؛ لأن الذي لم يحكم بما أنزل الله يجب أن يكون كافراً، والفاسق لم يحكم بما أنزل الله حين فعل الذنب. وهذا الاستدلال مردود كذلك؛ لأن الآية قد تكون واردة على من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أما أن يدعي الشخص إيمانه بالله ويعترف بأن الحق هو حكم الله فليس الكافر، وإنما هو من أصحاب المعاصي حتى تقام عليه الحجة (١). وأما وجه استدلالهم بالآية الثالثة: فهو أن صاحب الكبيرة لا بد وأن يجازى –على مذهبهم- وقد أخبر الله في القرآن الكريم أنه لا يجازي إلا الكفور، والفاسق ثبت مجازاته عندهم فيكون كافراً. وهذا الدليل مردود عليهم، وينقضه أن الله يجازي الأنبياء والمؤمنين وهم ليسوا كفاراً، وبأن الآية كانت تعقيباً لبيان ذلك العقاب الذي حل بأهل سبأ، وهو عقاب الاستئصال، وهذا ثابت للكفار لا لأصحاب المعاصي (٢).وأما ما استدلوا به من السنة على بدعتهم في تكفير العصاة من المسلمين فقد أساءوا فهم الأحاديث وحمَّلُوها المعاني التي يريدونها، ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)) (٣). ولهم أدلة أخرى نكتفي منها بهذا الحديث.

стр. 1946

فقد فهموا من هذا الحديث نفي الإيمان بالكلية عن من فعل شيئاً مما ذكر في الحديث، وهذا لا حجة لهم فيه، فإن الحديث –كما يذكر العلماء- إما أن يكون وارداً فيمن فعل شيئاً مما ذكر مستحلاً لتلك الذنوب، أو أن المراد به نفي كمال الإيمان عنهم، أو أن نفي الإيمان عنهم مقيد بحال مواقعتهم لتلك الذنوب. ولو كانت تلك الكبائر تخرج الشخص عن الإيمان لما اكتُفي بإقامة الحد فيها، ولهذا فقد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاء، ولا يخاض في معناها. وقال الزهري في مثل هذه الأحاديث: (أمروها كما أمرها من قبلكم) (١).وقد جاء في حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر)) (٢). والكلام في أهل الكبائر مبسوط في موضعه من كتب التوحيد وكتب الفرق، والمقصود هنا هو التنبيه على خطأ الخوارج فيما ذهبوا إليه من تكفير أهل الذنوب من المسلمين، مخالفين ما تضافرت النصوص عليه من عدم كفر مرتكبي الذنوب كفر ملة إلا بتفصيلات مقررة في مذهب السلف. وهذا هو الرأي الثاني من آراء الخوارج وهو للإباضية، وهم يرون في ذلك أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فهو موحد إذ أنه غير مشرك لكنه ليس بمؤمن إذ أنه يخلد في النار خلود الكافرين إذا مات وهو على كبيرته، وهو لذلك كافر كفر نعمة لا كفر ملة. يقول قطب الأئمة منهم في رسالته (المخطوطة) لدى سالم بن يعقوب الجبري: "وأما كون مرتكب الكبيرة موحداً غير مؤمن فهو مذهبنا" (٣).ويقول الأشعري عنهم: "وقالوا إن كل طاعة إيمان ودين وإن مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين" (٤).وقال أيضاً: "والإباضية يقولون: إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإن كل كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها" (٥).وكذا الشهرستاني فيما يرويه عن الكعبي أن هذا الرأي هو رأي الإباضية بالإجماع، وهو ما أكده الحارثي الإباضي (٦). ولا ندري وجهاً للتفرقة بين التوحيد والإيمان في حكم مرتكب الكبيرة، حيث يثبتون له التوحيد وينفون عنه الإيمان. فالتوحيد إيمان بالله الواحد، اللهم إلا أن يكون مرادهم هو وصفه بالتوحيد لمجرد نطقه بكلمة التوحيد ولو ظاهراً. ثم إنهم عندما ينفون عن المذنب الإيمان يلزمهم القول بتكفيرهم له كفر ملة فنفي أحد النقيضين يستلزم ثبوت الآخر، فما وجه حكمهم على الذنب بالتكفير كفر نعمة لا كفر ملة وهو عندهم غير مؤمن ومخلد في النار كما هو مذهب عامة الخوارج، ثم إنهم يستدلون على عدم إيمانه بخلوده في النار، بينما أن خلوده في النار إنما هو نتيجة لعدم إيمانه وهذا خلط وتناقض في الرأي وما ذكرناه سابقاً من حكم الإباضية على مرتكبي الكبائر بالخلود في النار خلود الكافرين إنما هو في شأن من مات مصراً على كبيرته، وفي هذا يقول النفوسي من علمائهم: ودنا بإنفاذ الوعيد وحكمه ... وتخليد أهل النار في النار والهون فحد الكبير الحد في عاجل الدنا ... وسوء عذاب النار يا شر مسكن

стр. 1947

ثلاثة أسماء معان تجاوزت ... كبير وكفر والعقاب بمقرن فمن مات من أهل الكبائر آبياً ... مصراً فما أقصاه عن جنة العدن (١) وصاحب (كتاب الأديان) وهو إباضي أيضاً بعد أن استشهد بقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:٧٣]، وقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:٧١]، وقوله تعالى: وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، قال: "فقد سمى الله من دخل النار كافراً لعيناً، وكل من عصى الله بكبيرة ومات مصراً عليها فقد كفر بنعمة الله ويخلد في النار بكبيرته" (٢).ثم أثبت أيضاَ أن هذا هو اعتقاد أهل الاستقامة ويعني بهم الإباضية وأن من اعتقادهم "أن صاحب الكبيرة إذا مات مصراً يرى حسناته محبطة وسيئاته مثبتة، وصاحب التوبة والإقلاع عن المعصية يرى حسناته مثبتة وسيئاته محبطة" (٣).وفي هذا يقول الأشعري أيضاً: "وقالوا الإصرار على أي ذنب كان كفر" (٤). وهو عندهم في منزلة البراءة والبعد حتى يتوب من ذنبه كما تقول مصادر الإباضية (٥). والحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر كفر ملة لا كفر نعمة قائم على تفرقتهم بين التكذيب بالعقائد وارتكاب الكبائر بحيث يستوجب أولهما الشرك وثانيهما مجرد كفرالنعمة، وفي هذا يذكر السالمي: أن الكفر عند الإباضية ينقسم إلى كفر شرك وإلى كفر نعمة ومثل لكلا النوعين بأمثلة، فمثل لكفر الشرك بالله "بالتكذيب بشيء من كتب الله أو تكذيب بنبي من أنبيائه، أو رد حرف من كتب الله، وكإنكار الموت والبعث أو الحشر أو الحساب أو الجنة". ومثل لكفر النعمة "بارتكاب شيء من كبائر الذنوب من المعاصي الظاهرة، أو الباطنة".

стр. 1948

ومثل للمعاصي الباطنة "بالعجب والكبر والحسد والرياء وما تولد منها من الأخلاق الرديئة".ومثل للمعاصي الظاهرة أو الكبائر الظاهرة "بالزنا والربا وظلم العباد وإيذاء المسلمون وتخويفهم ومكابرة الحق ومعاندة أهله وشرب الخمر ولبس الذهب والحرير" (١) إلخ. ومع ما قدمنا من تكفير الإباضية لمرتكب الكبيرة كفر نعمة لا كفر ملة، فإننا نجد بعضهم يخرج عن هذا المبدأ بل يغالي في خروجه فيعتبر ارتكاب صغيرة من الصغائر شركاً، وهذا هو ما يذكره ابن حزم عن فرقة الحارثية من الإباضية ويعده من حماقاتهم فيقول: "ومن حماقاتهم قول بكر ابن أخت عبدالواحد بن زيد؛ فإنه كان يقول: كل ذنب صغيراً أو كبيراً ولو كان أخذ حبة خردل بغير حق أو كذبة خفيفة على سبيل المزاح - فهي شرك بالله وفاعلها كافر مشرك مخلد في النار إلا أن يكون من أهل بدر، فهو كافر مشرك من أهل الجنة وهذا حكم طلحة والزبير ﵄ عندهم" (٢).وقد رد عليه علي يحيى معمر الإباضي رداً عنيفاً مدعياً بأن هذا البكر المجهول النسب الذي لا يعرف إلا بابن أخت عبد الواحد شخص مجهول لا يعرفه الإباضية، وإنما أثبته ابن حزم من الإباضية لأنه - على حد تعبير معمر- لم يجد له مكاناً فوضعه مع الإباضية وكأنه لقيط مجهول، فقد قال ما نصه: " وهذه كما يرى القارئ الكريم ليست من حماقات الإباضية، وإنما هي من حماقات العالم الكبير ابن حزم الأندلسي وللعلماء الكبار حماقاتهم ... إن العالم الكبير أبا محمد بن حزم وهو يصنف المسلمين على فرق يعثر على هذا الرجل فلا يجد له مكاناً، ثم يأتي به يسوقه حتى يجد فراغاً بين صفوف الإباضية فيلقيه هناك ثم ينسبه إليهم ثم يلقي عليهم تبعة حماقاته" (٣).ومهما يكن من رأى علي يحيى في رواية ابن حزم عن الحارثية هؤلاء، فإن ابن حزم يروي عنهم كذلك أن العصاة أهل الحدود يجب استتابتهم بعد إقامة الحد عليهم فإن تابوا تركوا وشأنهم وإن أبوا فيجب قتلهم، وذلك في قوله الآتي: "وقالت طائفة من أصحاب الحارث الإباضي أن من زنا أو سرق أو قذف فإنه يقام عليه الحد ثم يستتاب مما فعل، فإن تاب ترك، وإن أبى التوبة قتل على الردة" وقد رد علي معمر على ابن حزم في ذلك أيضاً فقال: "ولم يذكر أحد أن أئمة الإباضية تجاوزوا حدود الله في إقامة الحد فقتلوا من لا يلزمه القتل. والإباضية لا يحكمون على من لزمه الحد بالردة تاب أو لم يتب، وإسناد هذا القول إليهم كذب عليهم" ثم ذكر أن الشخص المحدود "لا يخلو إما أن يقام عليه الحد بعد اعترافه وإعلانه للتوبة كماعز مثلاً فهذا لا يختلف اثنان في صدق توبته ووجوب ولايته، وإما أن يجب عليه الحد ويقام وهو مصر على معصيته ولا يعلن التوبه مما ارتكب، وهذا لا خلاف بين اثنين من الإباضية في وجوب البراءة منه". والواقع أن مذهب السلف هو أنهم لا يبرأون ممن أقيم عليه الحد ولا يعتبرونه كافراً، فقد كان الرسول ﷺ نفسه والصحابة من بعده يصلون على من مات في الحد بل ويترحمون عليه كما قال ﵊ لأصحابه: ((استغفروا لماعز بن مالك قال الراوي: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك)).

стр. 1949

وإلى جانب من ينكر عن الإباضية - ما عدا الحارثية منهم - حكمهم على مرتكب الكبيرة بكفر النعمة - نجد من ينسب إليهم القول بأنه منافق وأنهم يوافقون بذلك أهل السنة، وهذا هو ما يذكره علي يحيى معمر وغيره من الإباضية - كما سيأتي - من أن رأي الإباضية في مرتكب الكبائر أنه منافق وليس بمشرك، وأن أهل السنة والإباضية يتفقون ويلتقون لقاء كاملاً - كما قال- في أن مرتكب الكبيرة يدخل النار، وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فأحكامه لا تختلف عن أحكام المسلمين، وأنهم في هذا تبع لرأي الحسن البصري. ونفى أن يكون رأي الإباضية في أهل الكبائر كرأي الخوارج، فإن الإباضية فيما يقول: " لا يرون رأي الخوارج وإنما يرون رأي الحسن البصري فيعتبرون مرتكب الكبيرة منافقاً وليس مشركاً، وهنا يلتقي الإباضية وأهل السنة لقاءً كاملاً بقطع النظر عن التسميات؛ فيتفقون جميعاً عن غيرهم من المسلمين". والواقع أن قول معمر باتفاق الإباضية وأهل السنة على دخول مرتكب الكبيرة النار ليس على إطلاقه، فأهل السنة يقولون: إنه تحت المشيئة إن شاء الله عذبه ثم أدخله الجنة وإن شاء عفا عنه. ثم إنه أغفل القول بالتخليد في النار وعدمه مكتفياً بحكمه على مرتكب الكبيرة بدخول النار، بينما رأينا أن الإباضية يحكمون بخلوده فيها كما هو مذهب عامة الخوارج، ويقول قطب الأئمة مفرقاًبين النفاق والشرك: "ونحن لا نتوقف في النفاق بل نجزم أنه غير شرك ونقطع بذلك". بينما الأشعري يذكرأنهم لم يجزموا بحكم فيه بل اختلفوا على ثلاث فرق: الفرقة الأولى منهم يزعمون أن النفاق براءة من الشرك - زاد البغدادي قوله: "براءة من الشرك والإيمان جميعاً" -، واحتجوا في ذلك بقول الله : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء [النساء: ١٤٣]. والفرقة الثانية منهم يقولون: إن كل نفاق شرك لأنه يضاد التوحيد. والفرقة الثانية منهم يقولون: لسنا نزيل اسم النفاق عن موضعه وهو دين القوم الذين عناهم الله بهذا الإسم في ذلك الزمان ولا نسمي غيرهم بالنفاق ... وقال القوم الذين زعموا أن المنافق كافر وليس بمشرك: إن المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين، وكانوا أصحاب كبائر. زاد الشهرستاني: "فكفروا بالكبيرة لا بالشرك" وننتهي من عرضنا لرأي الإباضية في حكم مرتكب الكبيرة - إذا استثنينا قول الحارثية بتكفيره كفر ملة - أنهم يحكمون عليه بكفر النعمة والنفاق فهل هما بمعنى واحد عندهم فلا يكون بينهم خلاف في هذا الحكم؟ وهل يعتبر كفر النعمة والنفاق منزلة بين منزلتي الشرك والإيمان؟ هذا ما تجيب عليه أقوال الإباضيين في بحثنا التالي عن حقيقة القول بالمنزلة بين المنزلتين عندهم. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي- ص٣٤٥

стр. 1950

المطلب الثالث: حقيقة القول بالمنزلة بين المنزلتين عند الإباضية يقف الإباضية من هذه المسألة بين أمرين، بين النفي من جهة، والإثبات من جهة أخرى. وذلك باعتبارين مختلفين: فإثباتهم للمنزلة بين المنزلتين يقصدون به النفاق الذي يحكمون به على مرتكب الكبيرة - كما قدمنا - حيث يثبتونه منزلة بين منزلة الإيمان والشرك، ويبدو كذلك أن النفاق عندهم معنى مرادفاً لمعنى كفر النعمة، بل هذا هو ما يؤكده كلام أبي إسحاق الإباضي مثبتاً رأيهم في أنهم يطلقون النفاق على الكبائر المرادفة لكفر النعمة حيث يقول: "ولهذا أطلق أصحابنا النفاق عليها - يعني بها الكبائر - كما أطلقوا الكفر، فصار النفاق فيها مرادفاً لكفر النعمة" (١) وكذلك يعتبر تبغورين الإباضي أن الحكم بالنفاق على مرتكبي الكبائر يتساوى مع الحكم عليهم بكفر النعمة، فهو يقسم الناس إلى ثلاث فرق: مؤمنون ومشركون ومنافقون، وهذا القسم الأخير يعتبرهم موحدين وليسوا بمشركين ولا بمؤمنين، وهو يقول في ذلك: "الفريق الثالث - ويعني بهم المنافقين - هم قوم أعلنوا كلمة التوحيد وأقروا بالإسلام ولكنهم لم يلتزموا به سلوكاً وعبادة فهم ليسوا مشركين لأنهم يقرون بالتوحيد، وهم ليسوا بمؤمنين لأنهم لا يلتزمون ما يقتضيه الإيمان" (٢) ... إلى أن يقول: "وقد أطلق الإباضية على هذا القسم الثالث اسم المنافقين وكفار النعمة" (٣) فالنفاق كما هو واضح مرادف لكفر النعمة وهو المراد بالمنزلة بين المنزلتين عندهم، وقد قال أيضاً في تأكيد هذا: "الأصل الخامس في المنزلة بين المنزلتين وهو النفاق بين الشرك والإيمان" (٤) ويقول الجناوني أيضاً في هذا المعنى - بالإضافة إلى بيان تبغورين السابق: "وأما المنزلة بين المنزلتين فهي منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك" (٥). ثم استدل بقوله تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:٧٣]. فالإباضية يعتبرون المنافق في منزلة بين المنزلتين هما منزلة الشرك والإيمان كما قدمنا، ثم يجعلون المنافق موحداً، فمنزلة التوحيد هذه تقع إذاً بين منزلتي الشرك والإيمان، كما قال أبو محمد عبدالله بن سعيد السدويكشي في حاشيته على متن الديانات لأبي ساكن عامر بن علي الشماخي؛ شارحاً ما قاله أبو ساكن في هذا الموضوع: "قوله: ندين بأن منزلة النفاق بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك: يعني أن المنافق ليس بمشرك ولا بؤمن بل هو موحد".ثم يمضي في شرحه إلى أن يقول: "الحاصل أنا نقول بمنزلة النفاق بين منزلة الإيمان والشرك، ونقول بأن لا منزلة بين الإيمان والكفر" (٦) ثم إن الإباضية يرون بعد هذا أن النفاق لا يكون إلا في الأفعال لا في الاعتقاد كما يقول السدويكشي أيضاً: "والذي عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الاعتقاد" (٧).

стр. 1951

والمعروف أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ كان نفاقهم في الاعتقاد، وأما الأفعال فكانت أفعالهم كأفعال المؤمنين ظاهراً وإنما كان النفاق فيهم في اعتقادهم أن طريقة رسول الله ﷺ غير صحيحة وأنهم على الهدى والحق مع إتيانهم بأفعال الإسلام، ولعل هذا هو الذي جعل السدويكشي يربط النفاق بالأفعال حيث جاءت منهم على غير تصديق وإذعان. وغاية القول في هذا المقام أن الإباضية حينما يحكمون على مرتكب الكبيرة بالنفاق؛ فإنهم يجعلونه في منزلة بين منزلتي الشرك والإيمان ويساوون بينه وبين ما يحكمون به على مرتكب الكبيرة من كفر الملة. أما نفي الإباضية للمنزلة بين المنزلتين في بعض أقوالهم فمرادهم به في أن يكون بين الإيمان والكفر منزلة، فهما ضدان لا يتقابلان تضاد الحياة والموت والحب والبغض بإجماع الأئمة عندهم، وفي ذلك يقول تبغورين الإباضي فيما ينقله عنه علي بن يحيى في كتابه (الإباضية بين الفرق): "الأصل السادس: لا منزلة بين المنزلتين، وذلك أن معناه لا منزلة بين المنزلتين أي بين الإيمان والكفر، وهما ضدان كالأضداد كلها شبه الحركة والسكون والحياة والموت، وقد أجمعت الأمة في أصلهم على أن من ليس بمؤمن فهو كافر" (١). ولقائل أن يقول: إن هذا هو رأي الخوارج الذين تتبرأ منهم الإباضية، أي القول بأن الشخص إما أن يكون مؤمناً بفعل الطاعات أو كافرا بارتكاب المعاصي، وقد استدل تبغورين بالآيات والأحاديث الآتية التي هي أدلة الخوارج أنفسهم الذين يكفرون أهل الذنوب كفر ملة، ومن الآيات التي استدل بها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن:٢]، وقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:٣]، وقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦ – ١٠٧] وقوله تعالى: وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس: ٣٨ - ٤٢].واستدل من السنة بقوله ﷺ : ((ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة)) (٢)، ((ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٣)، ((الرشا في الحكم كفر)) (٤) ... إلخ. وبما قدمناه عن الإباضية من إثباتهم للنفاق أنه منزلة بين منزلتي الشرك والإيمان وأنه لا منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان - يظهر لنا خطأ الجناوني عندما فسر نفيهم للمنزلة بين المنزلتين بأنهم ينفون وقوعها بين الشرك والإيمان وهو خلاف ما ذكره غيره من الإباضية؛ حيث يقول: "وأما قولهم: لا منزلة بين المنزلتين - أي لا منزلة بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك - بدليل قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٣] , أي إما مقر بالوحدانية وإما جاحد لها" (٥). وقد قدمنا أن إثبات المنزلة بين المنزلتين يريدون به إثبات النفاق منزلة بين منزلتي الإيمان والشرك - وقد نقلناه عن الجناوني سابقا - وأن نفي تلك المنزلة إنما يقصدون به نفي وجود منزلة بين الكفر والإيمان، وبهذا يظهر تناقض الجناوني مع نفسه بالإضافة إلى خطئه في التفسير. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٥٢

стр. 1952

المطلب الرابع: وجوب الوعد والوعيد ظهر فيما سبق أن الخوارج يقولون بأن العصاة من أهل الكبائر إذا ماتوا على كبائرهم دون توبة - إنهم ليس لهم إلا مصير واحد وهو النار مخلدين فيها، وقولهم هذا وقول المعتزلة في هذا الموضوع قول واحد وهو تخليدهم في النار، إلا أن الخوارج يرون أن عذابهم كعذاب الكفار، والمعتزلة تخالفهم في هذا وترى أن عذابهم ليس كعذاب الكفار (١)، بل هم أقل منهم في الدرجة حتى مع خلودهم في النار. قال الأشعري: "وأجمع أصحاب الوعيد من المعتزلة أن من أدخله الله النار خلده فيها" (٢). فالخوارج كما هو المشهور عنهم وكما تبين مما سبق بحثه أنهم من أشد الفرق الإسلامية مبالغة في مسألة ارتكاب الذنوب وإخراج أهلها من الإيمان؛ إذ أن الإيمان قول وعمل، فإذا خالف عمله الحق بارتكاب بعض الذنوب فلا بقاء لإيمانه وهو من أصحاب النار، وقد وصف الله نفسه بأنه عدل يجازي كل واحد بما عمل وهو علام الغيوب، فلا يمكن أن يكون المؤمن والكافر والطائع والعاصي والبر والفاجر في ميزانه تعالى واحدا؛ فهذا خلاف العدل الذي تنزه الله عنه وإلا كان الأمر بالإيمان والطاعة والنهي عن الكفر والمعاصي لا معنى له. ثم قالوا: إن الله صادق، وقد قال في كتابه الكريم: إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:٩]، وقال تعالى: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٨،٢٩]، فلا يتصور أن يخلف الله وعده أو وعيده وإلا جاز عليه القول بأنه يقول شيئا ثم يبدو له أن المصلحة في خلافه فيترك الأول، وهذا مستحيل على الله، وهو من صفات الناس لنقص عقولهم وتجدد الأمور لديهم.

стр. 1953

كذلك فإن المعروف بداهة أن من استحق العذاب لا يستحق الثواب، ومن استحق الإحسان لا يستحق الإساءة وإلا لزم الجمع بين النقيضين، وعلى هذا فإن الناس في الدار الآخرة ينقسمون إلى قسمين: شقي وسعيد. فمن استحق الشقاء لا يستحق السعادة، ومن استحق السعادة لا يستحق الشقاء - قال تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٦ - ١٠٨]، وكذا قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧]. إلى غير هذه الآيات التي في هذا السياق. وبهذه النظرة الضيقة "يكونون غير مراعين لآيات الرحمة والعفو، لأن الرحمة كما يقال فوق العدل، ومذهبهم هذا يؤدي إلى شيء من اليأس في ظاهر الأمر ولكنهم يقولون إن من تاب فقد نجا" (١). وبهذا يفتحون للمذنب طريقا إلى الرحمة وأملا ضعيفا إلا أنه طريق محفوف بالمخاطر فأقل زلة قد تجعله من أهل النار. والإباضية في ذلك كبقية الخوارج يرون أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده، كما قال صاحب كتاب (الأديان) الإباضي: "ومن اعتقاد أهل الاستقامة أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده" (٢). ويقول علي معمر أيضا في هذه المسألة: "كما لا يجوز خلف الوعد كذلك لا يجوز خلف الوعيد" (٣). فهم مجمعون على أن الله لا يخلف وعده ولا وعيده، كما قال تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [ق: ٢٩]. وهذا هو استدلالهم من القرآن. واستدلوا من الشعر العربي ببيت لأحد الشعراء وهو قوله: قوم إذا وعدوا أو أوعدوا عمروا ... صدق الرواية ما قالوا بما فعلوا وهذا ما يعبر عنه الجناوني في قوله: "وأما الوعد والوعيد فقد اتفق الموحدون كلهم على أن الله صادق في وعده ووعيده" (٤). ثم استدل بالآية السابقة وبقول الشاعر المتقدم. ويرد أبو إسحاق أطفيش على القائلين بتخلف وعد الله بأن هذا القول والقول بالبداء على الله واحد لا فرق بينهما، فقال: "والحق أنه لا دليل على تخلف وعد الله بل هو من القول بالبداء على الله" (٥). ويقول النفوسي منهم مثبتا اعتقادهم في هذا الباب: ودنا بإنفاذ الوعيد وحكمه ... وتخليد أهل النار في النار والهون (٦) وفيما يتعلق بوجوب الوعد والوعيد فإن أهل السنة يقولون إن إخلاف الوعد مذموم، وذلك غير إخلاف الوعيد فهو كرم وتجاوز كما يفعل أهل الشرف بعبيدهم حين يتوعدونهم ثم يعفون عنهم ويخلفون ما توعدوهم به من العقاب؛ ولهذا فقد "قال أهل السنة: وإخلاف الوعيد كرم ويمدح به بخلاف الوعد" (٧). وقد أجاب أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد القدري حين قال له ابن عبيد: "وقد ورد من الله تعالى الوعد والوعيد والله تعالى يصدق وعده ووعيده" قال البغدادي: "فأراد بهذا الكلام أن ينصر بدعته التي ابتدعها في أن العصاة من المؤمنين خالدون مخلدون في النار" - أجاب أبو عمرو بن العلاء عن قول ابن عبيد بقوله: "فأين أنت من قول العرب: إن الكريم إذا أوعد عفا وإذا وعد وفى، وافتخار قائلهم بالعفو عند الوعيد حيث قال:

стр. 1954

وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فعده من الكرم لا من الخلق المذموم" (١).ووجوب الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب عند الإباضية لا يرجع إلى الإيجاب على الله لأن أحدا لا يوجب عليه شيئا بل هو مقتضى الحكمة الإلهية. فيرون وجوب الثواب والعقاب في حق الحكمة لأن الحكمة تقتضي أن يثاب المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويرون أن الذين يقولون بوجوب الثواب والعقاب على الله وهم المعتزلة قد أساءوا الأدب مع ربهم لأنهم لم يحترزوا بكلمة "في حق الحكمة"، وهذا ما قاله أحد أئمتهم أبو يعقوب يوسف ابن إبراهيم الوارجلاني: "إن الله لا يجب عليه شيء لأنه لا موجب عليه، وإنما الوجوب في الحكمة، واجب عليه الثواب في حق الحكمة والعقاب كذلك (٢). ويقول أيضا في إيضاح وجوب الثواب والعقاب إضافة إلى ما تقدم: "وأما الصنف الثاني من المكلفين بنو آدم والجن، فهؤلاء من واجب الحكمة أن يجب لهم الأجر والثواب على الله تعالى من جهة الحكمة ومقتضاها لا من جهة إيجاب موجب" (٣).والقول بإيجاب شيء على الله فيه إساءة أدب لا يليق بجناب الله كما قال الوارجلاني أيضا يرد على الموجبين: "فالذين قالوا إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب، إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا: حتم في واجب الحكمة" (٤) إلخ. بعد بيان هذا الاختلاف عند الخوارج في حكم مرتكبي الذنوب أحب أن أشير إلى أن ما ذكره الدكتور عبدالحليم محمود والشيخ أبو زهرة رحمهما الله عن الخوارج، من أنهم على رأي واحد في أمر العصاة وهو حكمهم عليهم جميعا بالتكفير فيه تساهل؛ فقد رأينا كيف اختلفوا في موقفهم من أهل الكبائر بين تكفيرهم كفر ملة أو تكفيرهم كفر نعمة، وكذلك اختلف حكمهم على مرتكبي المعاصي من حيث هي كبيرة أو صغيرة ومن حيث الإصرار عليها وعدمه، وكذلك من حيث كون العصاة منهم أو من غيرهم ... إلخ. فقول الدكتور عبدالحليم: "ورأيهم في مرتكب الكبيرة يتفقون جميعا عليه" (٥)، وقول الشيخ أبي زهرة: "فالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة ويعدونه مخلدا في النار" (٦) -لا يتفق مع تلك الأحكام المختلفة. ولعلهما استندا في هذا القول إلى الكعبي - وهو من شيوخ المعتزلة - الذي ادعى إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب، وكذلك ابن أبي الحديد حيث يقول: "واعلم أن الخوارج كلها تذهب إلى تكفير أهل الكبائر" (٧)، وذلك يخالف قول الأشعري: "وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات فإنها لا تقول ذلك" (٨).ولهذا قال البغدادي: "والصواب ما حكاه شيخنا أبو الحسن عنهم، وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم" (٩).ومثل هذا التعميم في إطلاق الأحكام على الخوارج ما نراه عند القاضي عبدالجبار في ادعائه أن الخوارج جميعا لا يفرقون بين الصغيرة والكبيرة، بل يعتبرون كل الذنوب من الكبائر فيقول: "وقد أنكرت الخوارج أن يكون في المعاصي صغيرة وحكمت بأن الكل كبيرة" (١٠). وقد رأينا من قبل تفرقتهم جميعا بين الصغيرة والكبيرة وتفرقتهم كذلك بين مرتكب كل منهما في الحكم، اللهم إلا الحارثية من الإباضية. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٥٧

стр. 1955

المطلب الخامس: أدلة الخوارج على تكفير العصاة والرد عليها • أ- أدلتهم من الكتاب والرد عليها:. • ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها:.

стр. 1956

أ- أدلتهم من الكتاب والرد عليها: استدل الخوارج على مذهبهم بقوله تعالى: ١ - وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤].ووجه استدلالهم بالآية أنهم ادعوا شمولها للفساق لأن الفاسق لم يحكم بما أنزل الله فيجب أن يكون كافرا كما هو ظاهر الآية، "وهذا نص صريح في موضع النزاع" (١). كما قالوا: لأن كل مرتكب للذنوب لابد وأنه قد حكم بغير ما أنزل الله فهو داخل تحت هذا الخطاب. والرد عليهم أنا نقول لهم: إما أن يكون الشخص مستح للحكم بغير ما أنزل الله ولم يجعله له دستورا ولم يرجع إليه بالكلية؛ فهذا لا شك في كفره ولا خلاف حينئذ، وإما أن يكون الشخص غير مستحل للحكم بغير ما أنزل الله ويعترف بأن القرآن هو المرجع الوحيد للأحكام ولكنه يحكم في بعض أموره بغير ما أنزل الله فهذا لا يخرج عن دائرة الإيمان ما دام أنه غير مستحل لمخالفته الكتاب والسنة، بل يدعي أنه مسلم وأنه يطبق حكم الله ولكنه يخرج عنه أحيانا. وفي هذا يقول ابن عباس في معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ ... إلخ الآية: "من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق" (٢).وقال أيضا: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل دون كفره" (٣).وقال عطاء بن أبي رباح معنى قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ... هُمُ الظَّالِمُونَ ... هُمُ الْفَاسِقُونَ -: "قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (٤).وقد أورد الشوكاني في معناها عدة أقوال ومنها أن هذا الحكم "محمول على أن الحكم بغير ما انزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا" (٥). وقد أجاب أبو جعفر بن أحمد عن استدلال الخوارج بالآية هذه بقوله: "وجوابنا أن هذا مما لا يصح لكم التعلق به؛ لأن صريح هذه الآية ينطق بأن من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر؛ لأن "ما" تقتضي العموم والاستغراق وهذا مما لا نخالفكم فيه فإنا نقول: من لم يحكم بكل ما أنزل الله فهو كافر ولكن ليست هذه حال الفاسق الذي اختلفنا فيه؛ فإنه ما من فاسق إلا وقد حكم بكثير مما أنزل الله".ثم بين وجها آخر لمعنى الآية وهو أن تكون واردة في المستحل - كما قدمنا - قال: "فيتأول الآية على ما ذكرناه أولا من أن من لم يحكم بشيء مما أنزل الله فهو كافر، وعلى أن من لم يحكم بما أنزل الله مستحلا ورادا على الله فهو كافر" (٦).ويقول القاضي عبدالجبار: "إن الآية وردت في شأن اليهود ولا شك في كفر اليهود" (٧). وهو قول لبعض المفسرين؛ فقد أورد الطبري ﵀ في تفسيره لهذه الآية أربعة أقوال في المراد بهذه الصفة، ونسب كل قول إلى من قال به من السلف. وهذه الأقوال الأربعة نلخصها بإيجاز فيما يلي: القول الأول: أن لاكفر في هذا الموضع يراد به اليهود بخصوصهم لجحدهم الكثير من الأحكام التي كانت في التوراة، كحكمهم في الزانين المحصنين وكتمانهم الرجم، وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية على حسب هواهم، وكحكمهم في الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية.

стр. 1957

القول الثاني: إن الله عني بالكافرين أهل الإسلام وبالظالمين اليهود وبالفاسقين النصارى. القول الرابع: أن معنى الكفر في الآية أي "ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به، فأما الظلم والفسق فهو للمقر به" (١).وقد قصر ابن أبي الحديد حكم الآية على اليهود فقط فقال: "والجواب أن هذا مقصور على اليهود لأن ذكرهم هو المقدم في الآية" (٢). ٢ - واستدل الخوارج على ما اعتقدوه من كفر مرتكب الذنب بقوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:١٤ - ١٦]، ووجه استدلالهم بها أن الله تعالى قد أخبر بأن هذه النار التي تتلظى هي لشقي مكذب متول عن أمر الله، فهو فاسق والفاسق في النار، وقد بين الله تعالى أن النار أعدت للكافرين، وصاحب الكبيرة الفاسق من أهل النار وإذا كان من أهل النار فهو كافر لأنها أعدت لهم لا للمؤمنين. والجواب عن هذا: أن الله وصف هذا الذي يصلى هذه النار بأنه مكذب ومتول عن أمر الله ونهيه، ولا شك أن من كانت هذه صفته فهو كافر، ولكن هذه الصفة لا تنطبق على فاسق مصدق بآيات الله وهذا ما ننازعهم فيه، بل إن هذا الدليل هو عليهم أكثر مما هو لهم كما يرى القاضي عبدالجبار، حيث يقول جوابا عن الاستدلال بهذه الآية: "وجوابنا لا تعلق لكم بظاهر الآية؛ لأنه قال: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٥،١٦]، وليس هذا حال الفاسق فإذا لو كنا مستدلين بها عليكم لكان أولى" (٣).على أن العصاة وإن دخلوا النار بذنوبهم فإن دخولهم ليس بلازم لهم يقول الشوكاني في معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى: "أي لا يصلاها صليا لازما على جهة الخلود إلا الأشقى وهو الكافر، وإن صليها غيره من العصاة فليس صلية كصلية" (٤). وقد أجاب ابن أبي الحديد وجعفر بن أحمد بجواب آخر: يقول ابن أبي الحديد: "وغير ممتنع أن يكون في الآخرة نار مخصوصة لا يصلاها إلا الذين كذبوا وتولوا، ويكون للفساق نار أخرى غيرها" (٥).ويقول جعفر بن أحمد: "وجوابنا أن الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه لأنه ذكر النار بلفظ التنكير، فصريح الخطاب يقتضي أن في جهنم نارا مخصوصة لا يصلاها إلا شقي مكذب، فمن أين أنه ليس هناك نار أخرى يصلاها الفاسق، وهذا الكلام لا يقتضي نفيها بل قد ثبت أن في جهنم طبقات ودركات، بعضها يختص بالكفار وبعضها يختص بالفساق. على أن الله تعالى وصف هذا الأشقى المذكور بصفة لا توجد في الفاسق وهو كونه مكذبا ومتوليا عن أمر الله، وهذه ليست حال الفاسق فإن كلامنا معهم في فاسق مصدق بآيات الله وهو موضع الخلاف. فأما المكذب فلا خلاف بيننا وبينهم في أنه كافر" (٦). وهذا الجواب منهم قائم على أساس ما يراه المعتزلة من وجود نار خاصة بالفاسقين، والقول في هذا أن الله يعذب الفاسق في أي مكان أراد من النار ثم يعفو إذا شاء عنه ويدخله الجنة ولا يدخله في النار، كما تقول الخوارج ومن يرى رأيهم. وقد فسر الطبري معنى قوله تعالى: لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل: ١٥،١٦]: "أي الذي كذب بآيات الله وأعرض عنها ولم يصدق بها" (٧). وعلى هذا فإن الفاسق ليس ممن كذب بآيات ربه وأعرض عنها ولم يصدق بها؛ فإن هذا كافر وهو ما وردت الآية فيه بخلاف الفاسق فإنه لا زال تحت كلمة الإسلام وتحت مشيئة الله تعالى.

стр. 1958

٣ - واستدل الخوارج بقوله تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:١٧]، ووجه استدلالهم بالآية: أن صاحب الكبيرة لابد أن يجازى وقد أخبر تعالى أنه لا يجازى إلا الكافر، والفاسق ثبتت مجازاته عندهم فيكون كافرا بثبوت الجزاء، فلا فرق بينهما. ومفهومهم لهذا الدليل مردود عليهم؛ إذ أنه ينتقض بأن الله يجازي الأنبياء والمؤمنين وليسوا كفارا، وبأن الآية كانت تعقيبا لبيان ذلك العقاب الذي حل بأهل سبأ وهو عقاب الاستئصال وهذا ثابت للكفار كما أوضحت الآية. يقول ابن أبي الحديد: "والجواب أن المراد بذلك: وهل نجازي بعقاب الاستئصال إلا الكفور؛ لأن الآية وردت في قصة سبأ لكونهم استؤصلوا بالعقوبة" (١).وفي هذا يقول أيضا جعفر بن أحمد: "ظاهر الآية يقتضي أن المجازاة لا تثبت إلا لمن هو كافر وقد أجمعنا على خلافه؛ فإن الأنبياء والمؤمنين يجازون وليسوا بكفار" - إلى أن قال: "فمتى قالوا إنا أثبتنا مجازاة الأنبياء والمؤمنين بدلالة أخرى، قلنا: فنحن أيضا نثبت مجازاة الفساق بدلالة أخرى، فأما هذه الآية فإنها محمولة عندنا على عقاب الاستئصال وفيه وردت، فإن الله تعالى ذكرها في آخر قصة سبأ وعقب بها حكاية حالهم وما جرى لهم وعليهم" (٢). ٤ - واستدلوا بقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: ١٠٦]، ووجه استدلالهم بذلك أن مسودي الوجوه هم الكفرة، والفساق ليسوا ممن ابيضت وجوههم فيلحقون بمن اسودت وجوههم وهم الكفرة بدليل أن الله قسم المكلفين إلى قسمين: قسم ابيضت وجوههم فهم مؤمنون في الجنة، وقسم اسودت وجوههم فهم كفار في النار، خصوصا وأن الله قد نص على كفرهم وهذا ما يثبت أن الفاسق كافر. والحقيقة أن هذه الآية لا تدل على الحصر المانع من وجود قسم آخر وذلك لما يأتي: ١ - إن ذكر فريقين بخصوصهما لا يدل على الحصر ونفي ما عداهما كما يشهد لهذا آيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء [النور: ٤٥]، فالآية لا تدل على حصر جميع المخلوقات فيها، بل قد ثبت بالمشاهدة أن فيه دواباً تمشي على أكثر من أربع، فتخصيص الآية بذكر هذين الفريقين لا ينفي وجود فريق ثالث وهم العصاة من المؤمنين، ويكون عذابهم غير عذاب الكفار الأصليين أو المرتدين المخلدين في النار.

стр. 1959

٢ - إن الله تعالى ذكر في هذه الآية المرتدين بعد إيمانهم ولم يذكر بقية أصناف الكفار من يهود ونصارى ووثنيين وغير هؤلاء من أناف الكفار، فهي ليست حاصرة لأصناف الكفار، فضلا عن أن تكون حاصرة لأصناف الناس بصفة عامة في المؤمنين والكافرين فقط. وقول جعفر بن حمد: "وجوابنا أن هذه الآية لا تدل على شيء مما ذهبوا إليه ولا تبين عن موضع الخلاف؛ لأن غاية ما فيها أنه ذكر فريقين موصوفين بصفتين، وذلك لا يقتضي نفي ما عداهما من ثالث ورابع؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداهما" - إلى أن يقول: "فبان أن تخصيص الله تعالى بهذين الفريقين بالذكر لا يقتضي نفي ما عداهما؛ فيجوز على هذا أن يكون الفسقة فريقا ثالثا يوكون حكمهم المصير إلى النار وإن لم يذكرهم في هذه الآية، بل قد ذكرهم في آيات أخر ولا يدل على كفرهم، على أن الله تعالى ما ذكر في هذه الآية من الكفار إلا المرتدين بعد الإسلام بدليل قوله تعالى: أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، ولم يذكر فيها الكافر الأصلي كالملحد والوثني واليهودي والنصراني، فإذا لم يكن تخصيصه للمرتدين بالذكر دلالة على نفي من عداهم من أهل الكفر ولا على دخولهم في جملة الكفار" (١).وقال القاضي عبدالجبار مجيبا عن هذا الاستدلال ورادا على الخوارج قولهم: "ثم نقول لهم: ليس في تخصيص الله تعالى بعض مسودي الوجوه بالذكر ما يدل على أن لا مسودي الوجوه غيره، فإن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه" (٢). ٥ - واستدلوا بقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، وقوله: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ [الآيات الحاقة ١٩ - ٢٥]. ويقوم استدلالهم بهذه الآيات ونحوها على أن الله تعالى قسم الناس إلى قسمين: القسم الأول يؤتى كتابه بيمينه وهم المؤمنون، والقسم الآخر يؤتى كتابه بشماله وهم الكافرون، والفاسق لا يؤتى كتابه بيمينه بل بشماله فإذ هو كافر. ويرد عليهم بأن الله ذكر فريقين ثم وصفهما بهذه الصفات فلا يمنع أن يكون هناك فريق آخر لم يذكره له صفة أخرى وهم الفساق، ثم إن قوله تعالى فيما بعد في شأن من أوتي كتابه بشماله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٣٣] يدل على أنه غير مؤمن وهذا لا شك في كفره، ولا خلاف، وإنما الخلاف في الفاسق المؤمن بالله والذي يعترف بأن الله سبحانه سيجازيه على أعماله ولا يجحد تحريمها وإنما غلبت عليه شهوته، وهذا ما لم تذكره الآية (٣)، وهو تحت المشيئة. ٦ - واستدلوا بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ [التغابن: ٢] على أن الله تعالى حصر الناس في هذين القسمين إما مؤمن أو كافر، وقد امتدح المؤمنين وذم الكفار، والفساق ليسوا من القسم الممدوح وهم المؤمنون، فإذا هم من القسم الآخر المذموم وهم الكفار، ولأن الفاسق ليس بمؤمن فيكون كافرا. ويرد عليهم: ١ - بما تقدم في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ من أن التخصيص لا ينفي ما عدا المخصص وإثبات الصنفين لا يدل على نفي الثالث.

стр. 1960

٢ - أن الآية واردة على سبيل التبعيض بمن أي أن بعضكم كافر وبعضكم مؤمن، وهذا لا شك في وقوعه إلا أن أهل الكبائر لم يذكروا هنا كما يدعي الخوارج. يقول جعفر بن أحمد: "وهذا لا يمنع من أن يكون بعض منهم فاسقا، ألا تر أنه لو ذكره عقب قوله: وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ لم يكن مناقضا في الكلام. ولو كان تخصيصه لمن ذكره يدل على نفي من عداه لكان متى ذكر الفاسق مناقضا، وهذا مما لا شك في فساده" (١).ويقول الملطي في بيان احتجاجهم بالآية مع قوله تعالى: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: ٥] وقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٣]، وما رد من أمثال هذه الآيات إنهم يقولون: "لم يجعل الله بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك والإيمان رأس الأعمال وأول الفرائض في عمل، ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله وإيمانه ومن حبط عمله فهو بلا إيمان والذي لا إيمان له مشرك كافر" (٢).وقد رد عليهم الملطي بأن الفاسق له منزلة بين الإيمان والكفر، واستدل بآية القذف وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٤]، ثم قال: "فهم فساق لا مؤمنون ولا كافرون - وهو رأي المعتزلة - كما قال الله وأجمعت عليه الأمة، مجمعة على اسم الفسق لأهل الكبائر" (٣). ونود هنا أن ننبه إلى أننا إذا كنا قد رددنا على احتجاج الخوارج بالآيات السابقة بأنها لا تمنع وجود قسم ثالث وهم الفاسقون؛ فنحن لا نقول بقول من نقلنا عنهم في رد الاحتجاج بهذه الآيات بأن هؤلاء الفاسقين في منزلة بين المنزلتين؛ منزلتي الإيمان والكفر، فذلك أصل المعتزلة لا نقول به، وإنما نقول بأن هؤلاء الفاسقين فريق غير كاملي الإيمان، فهم كفار وغير كاملي الإيمان، بل يقال لأحدهم: إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأنهم من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. ٧ - ومما استدلوا به على تكفير مرتكبي الكبائر أن تارك الحج - وهو مرتكب للكبيرة بتركه الحج - وقد سماه الله كافرا فقال تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]. ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم قالوا إن الله تعالى قد نص على أن تارك الحج كافر، وهذا الاستدلال لا يسلم لهم وذلك لأن الآية مجملة فيها احتمال أنه يريد تارك الحج، وفيها احتمال أنه يريد تارك اعتقاد وجوبه لأن الله تعالى لم يذكر الترك، فلم يقل: "ولله على الناس حج البيت ومن تركه فقد كفر"، وإنما بين أن الحج واجب على المستطيع، ثم أثبت أن من كفر بالله فالله غني عنه. أويكون المراد به ترك الحج مستحلا لتركه فهو كافر وهذا لا شك في كفره. وهذا ما أجاب به كثير من العلماء عن هذه الشبهة من شبه الخوارج في تكفير أهل الذنوب. يقول جعفر بن أحمد: "هذه الآية لا تدل على ما راموه لأنه لا ذكر فيها لترك الحج ولا لذكر تاركه، وإنما ذكر الله تعالى فيها أن من كفر فإن الله غني عنه وبين فيها وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، فإن أوجبوا تعليق آخر الآية بأولها ودأبوا على ذلك لم يضرنا تسليمه، فإن المذكور في أول الآية هو وجوب الحج لأن لفظة "على" موضوعة للإيجاب، ولا شك أن من لم يعترف بوجوب الحج ولم يقر بلزومه فهو كافر، وهذه ليست حال الفاسق، فإن الخلاف واقع بيننا وبينهم في فاسق أقر بوجوب الحج ولم يفعله. وليس في هذا ذكر حكم هذا" (٤).وقد أجاب الطبري عن معنى الآية بقوله: "يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جحد ما ألزمه الله من فرض حج بيته فأنكره وكفر به؛ فإن الله غني عنه وعن حجه وعمله وعن سائر خلقه من الجن والإنس". وقد ذكر أقوالا أخرى إلا أن هذا القول هو أجمعها (٥). ويقول الأستاذ أبو زهرة في الرد على الخوارج في استدلالهم بهذه الآية: "وآية الحج ليس الكفر وصفا لمن لم يحج، إنما الكفر فيها لمن أنكر فريضة الحج".وقال في تفنيد تلك الأدلة التي استدل بها الخوارج: "وكل هذه الدلائل تمسك بظواهر النصوص، وأكثرها كان الحديث فيه عن مشركي مكة فهي أوصاف لهم" (٦).

стр. 1961

ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها: قدمنا فيما مضى أدلة الخوارج من القرآن الكريم على بدعتهم في تكفير العصاة من أهل الذنوب، والآن سنستعرض أدلتهم من السنة النبوية مع إبطال ما استدلوا به ورد شبهاتهم حول الأحاديث التي استندوا إليها في تلك البدعة (١). ومن هذه الأحاديث:١ - حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه عند البخاري ((أن رسول الله ﷺ قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)) (٢). فقد فهم الخوارج من هذا الحديث نفي الإيمان عن مرتكبي هذه المعاصي نفيا تاما، وإذا نفي عنهم الإيمان فإنهم يكونون من الكفار ذلك أن الكفر والإيمان نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. والواقع أن قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني .. إلخ)) (٣) - جاء مقيدا لنفي الإيمان بحين مواقعة الزنا، ومقتضاه كما يقول ابن حجر: "أنه لا يستمر بعد فراغه" قال: "وهذا هو الظاهر" (٤). ويؤيد هذا ما ورد من روايات كثيرة عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ تفيد رفع الإيمان عن الشخص المقترف لجريمة الزنا في حالة مواقعته له ويكون فوقه كالظلة، فإذا أقلع عاد إليه. وهذا المعنى على فرض أن الحديث لا كلام في صحته، بينما الواقع أن فيه كلاما كثيرا للعلماء، قال الطبري: "اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون ﷺ قاله" (٥).ويرى ابن حجر أن الحديث مصروف عن ظاهره وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، فقال: "ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء" (٦).

стр. 1962

ويذكر النووي أن "هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه"، ثم يذكر أن الصحيح من هذه المعاني هو نفي أن يكون الفاعل كامل الإيمان ولا عبرة عنده بتلك الاختلافات، "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان".ثم يذكر أن السبب الحامل له على هذا التأويل ورود نصوص كثيرة تشهد بخلافه فيقول: "وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) (١). وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: ((أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا ... إلى آخره. ثم قال لهم ﷺ : فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)) (٢). فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله : إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة. وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه". وهذا التأويل كما يقول: "ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا"، وهناك أقوال للعلماء في تأويله تلمسوها باجتهادهم وهي محتملة إلا أن بعضها غلط، قال النووي ينبغي تركه فقد "تأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه"، وبعضهم قال: "ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق". "وحكي عن ابن عباس ﵄ أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وقال المهلب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاءت ولا يخاض في معناها وإنا لا نعلم معناها. وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم".وقال النووي بعد أن أورد تلك الآراء: "وقيل في معنى الحديث غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل بعضها غلط فتركتها، وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولاً" (٣). وقد زاد ابن حجر فذكر أقوالا منها: ١ - أن هذا الحديث "خبر بمعنى النهي"، والمعنى: لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن. وقد أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبدالله بن عمر. ٢ - "أن يكون بذلك منافقا نفاق معصية لا نفاق كفر"، ويعزى هذا الرأي إلى الأوزاعي. ٣ - أن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله. ٤ - معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به. ٥ - معنى نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله. ٦ - أن المراد به الزجر والتنفير ولا يراد ظاهره.

стр. 1963

٧ - أنه يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه. وقد تبين المازري فائدة هذه التأويلات بأنها "تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار؛ فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم" (١).وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى الجمع بين حديث: ((لا يشرب الخمر وهو مؤمن))، وبين قوله ﷺ في رجل يسمى عبدالله ويلقب حمارا كان يشرب الخمر، فلما جلده رسول الله ﷺ قال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ : ((لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله)) (٢): أن المراد به – كما قال ابن حجر- نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة (٣).٢ - واستدل الخوارج على تكفير أهل الذنوب بما ورد في الأحاديث التي يدل ظاهرها على تكفير المسلمين المتقاتلين فيما بينهم، وذلك كما جاء في حديث جابر بن عبدالله ﵄ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٤)، فحملوه على أنه وارد في تكفير الموصوفين بما ذكر. وللعلماء في معنى هذا الحديث سبعة أقوال وهي: ١ - أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق. ٢ - أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام. ٣ - أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. ٤ - أنه فعل كفعل الكفار. ٥ - المراد حقيقة الكفر، ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين. ٦ - حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، وهذا بعيد فيما يظهر.٧ - وهو للخطابي أيضا أن معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا (٥).وقد رجح النووي من تلك الأقوال القول الرابع وهو أن فعل القتل يشبه فعل الكفار، ويقول ابن حزم أن الحديث على ظاهره وإنما في هذا اللفظ النهي على أن يرتدوا بعده إلى الكفر فيقتتلوا في ذلك فقط، وليس في هذا اللفظ أن القاتل كافر" (٦). وهذا – حسب ما ظهر لي- هو أحسن الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث أي أن المنع متوجه إلى النهي عن أن يرتدوا إلى الكفر، الذي يترتب عليه ضرب بعضهم رقاب بعض لعدم المانع لهم حينئذ وهو الإسلام. ومثل قول ابن حزم في القوة الأول والسابع من الأقوال التي ذكرها النووي ﵀. وقول الخوارج بتكفير المتقاتلين غير سديد، فقد سمى الله المتقاتلين من المؤمنين إخوانا مع أنهم من أهل الكبائر بتلك المقاتلة، فقال تعالى مخاطبا جميع المؤمنين بما فيهم القتلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨].

стр. 1964

فقد خاطب الله الناس بوجوب القصاص واصفا لهم جميعاً بالإيمان بما فيهم القتلة، وقد نص تعالى في هذه الآية على أن القاتل الذي وجب عليه القصاص وولي المقتول أخوان، وقد سمى المتقاتلين مؤمنين بقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:١٠].٣ - واستدلوا أيضاً بحديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (١). يطلق الفسق في الشرع على الخروج عن الطاعة. والسباب من الأمور القبيحة وأقبح ما يكون إذا كان بغير حق فإنه "حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر النبي ﷺ ". قال النووي: "وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله، فإذا تقرر هذا فقيل في تأويل هذا الحديث أقوال: أ- أنه في المستحل. ب- أن المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود. ج- أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه. د- أنه كفعل الكفار.٤ - واستدل الخوارج بقوله ﷺ : ((أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) (٢)، وما ورد في معناه من أحاديث، مذهب السلف أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي والسباب نوع من أنواع المعاصي، ولهذا فقد ذكر النووي ﵀ أن "هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد". ثم ذكر أوجهاً لتأويله وهي: ١ - أن يكون الحديث وارداً في حق من استحل تكفير أخاه المسلم معتقداً ذلك. ٢ - أن يكون المراد رجوع معصية تكفيره ونقيصته عليه هو.٣ - التحذير من أن يسترسل الشخص في مثل هذا القول فيؤول به إلى الكفر؛ لأن المعاصي كما قيل بريد الكفر (٣).٤ - واستدل الخوارج على تكفير مرتكبي الكبائر بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) (٤). قال النووي: "وأما قوله ﷺ فهو في نار جهنم خالدا مخلداً فيها أبداً فقيل فيه أقوال: ١ - أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم، فهذا كافر وهذه عقوبتهم. ٢ - أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال: خلد الله ملك السلطان.٣ - أن هذه جزاؤه ولكن تكرم فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلماً" (٥).وأهل السنة على أن قاتل نفسه ليس بكافر كما في حديث جابر ﵁: ((أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة، قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار". فلما هاجر النبي ﵇ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه (٦)، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنه ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﵇. فقال: ما لي أراك مغطياً يديك، قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ : اللهم وليديه فاغفر)) (٧).قال النووي: إن في الحديث "حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة"، قال: "وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر" (٨). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٦٣

стр. 1965

المطلب السادس: أدلة الإباضية على تكفير المذنبين كفر نعمة والرد عليها أما أدلة الإباضية على تكفيرهم المذنبين من أهل القبلة كفر نعمة فقد قال ابن حزم: "قال أبو محمد: وما نعلم لمن قال: هو منافق- حجة أصلا. ولا لمن قال إنه كافر نعمة، إلا أنهم نزعوا بقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩]، قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لأن كفر النعمة عمل يقع من المؤمن والكافر" (١). والواقع أن الربيع بن حبيب الإباضي أورد في مسنده أحاديث كثيرة يستدل لها على صحة مذهب الإباضية، وكثير منها قد استدل به غيرهم من الخوارج على تكفير العصاة كفر ملة، فقد أورد المؤلف تحت قوله: "باب الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين" عدة أحاديث تحت هذه الترجمة لم يذكر أسانيد الكثير منها، نذكر منها ما يأتي:١ - قال ﷺ ((إذا قال رجل لرجل: أنت عدوي فقد كفر أحدهما)) (٢).٢ - قال ﷺ يوماً لأصحابه: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٣).٣ - وكان ابن مسعود يروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((الرشوة في الحكم كفر)) (٤).٤ - وقال ﷺ : ((إذا زنا الزاني سلب الإسلام، فإذا تاب ألبسه)). (٥) ثم قال المؤلف: "فهذه الأحاديث كلها تثبت الكفر لأهل القبلة وهي أكثر من أن تحصى" (٦).٥ - عن النبي ﷺ قال: ((لا إيمان لمن لا صلاة له)) (٧).٦ - عن النبي ﵇ قال: ((ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة)) (٨)، وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأحاديث أو بعضها فإن الوصف بالكفر الوارد في هذه الأحاديث وغيرها قد حمله الإباضية على كفر النعمة لا كفر الملة. وفيما يتعلق بأدلة الخوارج – أي الإباضية – على مذهبهم من القرآن الكريم؛ فقد ذكر علي يحيى معمر منها قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:٤٠]، وقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤].وقد أول كل ما ورد في هذه النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على أنها واردة في كفر النعمة ولهذا يقول: "يحسب كثير ممن لا علم له أن الإباضية يتفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولا يعرفون أن الإباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين الذين ينتهكون حرمات الله ويقصدون بذلك كفر النعمة" (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٨٤
следующие страницы →