← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

ب- أدلة الخوارج من السنة والرد عليها: قدمنا فيما مضى أدلة الخوارج من القرآن الكريم على بدعتهم في تكفير العصاة من أهل الذنوب، والآن سنستعرض أدلتهم من السنة النبوية مع إبطال ما استدلوا به ورد شبهاتهم حول الأحاديث التي استندوا إليها في تلك البدعة (١). ومن هذه الأحاديث:١ - حديث أبي هريرة ﵁ ولفظه عند البخاري ((أن رسول الله ﷺ قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن)) (٢). فقد فهم الخوارج من هذا الحديث نفي الإيمان عن مرتكبي هذه المعاصي نفيا تاما، وإذا نفي عنهم الإيمان فإنهم يكونون من الكفار ذلك أن الكفر والإيمان نقيضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. والواقع أن قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني .. إلخ)) (٣) - جاء مقيدا لنفي الإيمان بحين مواقعة الزنا، ومقتضاه كما يقول ابن حجر: "أنه لا يستمر بعد فراغه" قال: "وهذا هو الظاهر" (٤). ويؤيد هذا ما ورد من روايات كثيرة عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ تفيد رفع الإيمان عن الشخص المقترف لجريمة الزنا في حالة مواقعته له ويكون فوقه كالظلة، فإذا أقلع عاد إليه. وهذا المعنى على فرض أن الحديث لا كلام في صحته، بينما الواقع أن فيه كلاما كثيرا للعلماء، قال الطبري: "اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون ﷺ قاله" (٥).ويرى ابن حجر أن الحديث مصروف عن ظاهره وذلك لاختلاف الحكم في حد الزنا وتنوعه، فقال: "ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد، فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة؛ لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء" (٦).

стр. 1962

ويذكر النووي أن "هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه"، ثم يذكر أن الصحيح من هذه المعاني هو نفي أن يكون الفاعل كامل الإيمان ولا عبرة عنده بتلك الاختلافات، "فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان".ثم يذكر أن السبب الحامل له على هذا التأويل ورود نصوص كثيرة تشهد بخلافه فيقول: "وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) (١). وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور: ((أنهم بايعوه ﷺ على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا ... إلى آخره. ثم قال لهم ﷺ : فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)) (٢). فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح، مع قول الله : إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء: ٤٨]، مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة. وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه". وهذا التأويل كما يقول: "ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا"، وهناك أقوال للعلماء في تأويله تلمسوها باجتهادهم وهي محتملة إلا أن بعضها غلط، قال النووي ينبغي تركه فقد "تأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه"، وبعضهم قال: "ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال: سارق، وزان، وفاجر، وفاسق". "وحكي عن ابن عباس ﵄ أن معناه ينزع منه نور الإيمان، وقال المهلب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاءت ولا يخاض في معناها وإنا لا نعلم معناها. وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم".وقال النووي بعد أن أورد تلك الآراء: "وقيل في معنى الحديث غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل بعضها غلط فتركتها، وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولاً" (٣). وقد زاد ابن حجر فذكر أقوالا منها: ١ - أن هذا الحديث "خبر بمعنى النهي"، والمعنى: لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن. وقد أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبدالله بن عمر. ٢ - "أن يكون بذلك منافقا نفاق معصية لا نفاق كفر"، ويعزى هذا الرأي إلى الأوزاعي. ٣ - أن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله. ٤ - معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به. ٥ - معنى نفي الإيمان نفي الأمان من عذاب الله. ٦ - أن المراد به الزجر والتنفير ولا يراد ظاهره.

стр. 1963

٧ - أنه يسلب الإيمان حال تلبسه بالكبيرة، فإذا فارقها عاد إليه. وقد تبين المازري فائدة هذه التأويلات بأنها "تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار؛ فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم" (١).وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى الجمع بين حديث: ((لا يشرب الخمر وهو مؤمن))، وبين قوله ﷺ في رجل يسمى عبدالله ويلقب حمارا كان يشرب الخمر، فلما جلده رسول الله ﷺ قال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي ﷺ : ((لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله)) (٢): أن المراد به – كما قال ابن حجر- نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة (٣).٢ - واستدل الخوارج على تكفير أهل الذنوب بما ورد في الأحاديث التي يدل ظاهرها على تكفير المسلمين المتقاتلين فيما بينهم، وذلك كما جاء في حديث جابر بن عبدالله ﵄ أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٤)، فحملوه على أنه وارد في تكفير الموصوفين بما ذكر. وللعلماء في معنى هذا الحديث سبعة أقوال وهي: ١ - أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق. ٢ - أن المراد كفر النعمة وحق الإسلام. ٣ - أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. ٤ - أنه فعل كفعل الكفار. ٥ - المراد حقيقة الكفر، ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين. ٦ - حكاه الخطابي وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح، وهذا بعيد فيما يظهر.٧ - وهو للخطابي أيضا أن معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا (٥).وقد رجح النووي من تلك الأقوال القول الرابع وهو أن فعل القتل يشبه فعل الكفار، ويقول ابن حزم أن الحديث على ظاهره وإنما في هذا اللفظ النهي على أن يرتدوا بعده إلى الكفر فيقتتلوا في ذلك فقط، وليس في هذا اللفظ أن القاتل كافر" (٦). وهذا – حسب ما ظهر لي- هو أحسن الأقوال وأقربها إلى معنى الحديث أي أن المنع متوجه إلى النهي عن أن يرتدوا إلى الكفر، الذي يترتب عليه ضرب بعضهم رقاب بعض لعدم المانع لهم حينئذ وهو الإسلام. ومثل قول ابن حزم في القوة الأول والسابع من الأقوال التي ذكرها النووي ﵀. وقول الخوارج بتكفير المتقاتلين غير سديد، فقد سمى الله المتقاتلين من المؤمنين إخوانا مع أنهم من أهل الكبائر بتلك المقاتلة، فقال تعالى مخاطبا جميع المؤمنين بما فيهم القتلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨].

стр. 1964

فقد خاطب الله الناس بوجوب القصاص واصفا لهم جميعاً بالإيمان بما فيهم القتلة، وقد نص تعالى في هذه الآية على أن القاتل الذي وجب عليه القصاص وولي المقتول أخوان، وقد سمى المتقاتلين مؤمنين بقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩]، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:١٠].٣ - واستدلوا أيضاً بحديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (١). يطلق الفسق في الشرع على الخروج عن الطاعة. والسباب من الأمور القبيحة وأقبح ما يكون إذا كان بغير حق فإنه "حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر النبي ﷺ ". قال النووي: "وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه في مواضع كثيرة إلا إذا استحله، فإذا تقرر هذا فقيل في تأويل هذا الحديث أقوال: أ- أنه في المستحل. ب- أن المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام لا كفر الجحود. ج- أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه. د- أنه كفعل الكفار.٤ - واستدل الخوارج بقوله ﷺ : ((أيما امرىء قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)) (٢)، وما ورد في معناه من أحاديث، مذهب السلف أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي والسباب نوع من أنواع المعاصي، ولهذا فقد ذكر النووي ﵀ أن "هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات من حيث أن ظاهره غير مراد". ثم ذكر أوجهاً لتأويله وهي: ١ - أن يكون الحديث وارداً في حق من استحل تكفير أخاه المسلم معتقداً ذلك. ٢ - أن يكون المراد رجوع معصية تكفيره ونقيصته عليه هو.٣ - التحذير من أن يسترسل الشخص في مثل هذا القول فيؤول به إلى الكفر؛ لأن المعاصي كما قيل بريد الكفر (٣).٤ - واستدل الخوارج على تكفير مرتكبي الكبائر بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) (٤). قال النووي: "وأما قوله ﷺ فهو في نار جهنم خالدا مخلداً فيها أبداً فقيل فيه أقوال: ١ - أنه محمول على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بالتحريم، فهذا كافر وهذه عقوبتهم. ٢ - أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام كما يقال: خلد الله ملك السلطان.٣ - أن هذه جزاؤه ولكن تكرم فأخبر أنه لا يخلد في النار من مات مسلماً" (٥).وأهل السنة على أن قاتل نفسه ليس بكافر كما في حديث جابر ﵁: ((أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة، قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار". فلما هاجر النبي ﵇ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه (٦)، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنه ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﵇. فقال: ما لي أراك مغطياً يديك، قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ : اللهم وليديه فاغفر)) (٧).قال النووي: إن في الحديث "حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار، بل هو في حكم المشيئة"، قال: "وهذا الحديث شرح للأحاديث التي قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر" (٨). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٦٣

стр. 1965

المطلب السادس: أدلة الإباضية على تكفير المذنبين كفر نعمة والرد عليها أما أدلة الإباضية على تكفيرهم المذنبين من أهل القبلة كفر نعمة فقد قال ابن حزم: "قال أبو محمد: وما نعلم لمن قال: هو منافق- حجة أصلا. ولا لمن قال إنه كافر نعمة، إلا أنهم نزعوا بقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩]، قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لأن كفر النعمة عمل يقع من المؤمن والكافر" (١). والواقع أن الربيع بن حبيب الإباضي أورد في مسنده أحاديث كثيرة يستدل لها على صحة مذهب الإباضية، وكثير منها قد استدل به غيرهم من الخوارج على تكفير العصاة كفر ملة، فقد أورد المؤلف تحت قوله: "باب الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين" عدة أحاديث تحت هذه الترجمة لم يذكر أسانيد الكثير منها، نذكر منها ما يأتي:١ - قال ﷺ ((إذا قال رجل لرجل: أنت عدوي فقد كفر أحدهما)) (٢).٢ - قال ﷺ يوماً لأصحابه: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٣).٣ - وكان ابن مسعود يروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((الرشوة في الحكم كفر)) (٤).٤ - وقال ﷺ : ((إذا زنا الزاني سلب الإسلام، فإذا تاب ألبسه)). (٥) ثم قال المؤلف: "فهذه الأحاديث كلها تثبت الكفر لأهل القبلة وهي أكثر من أن تحصى" (٦).٥ - عن النبي ﷺ قال: ((لا إيمان لمن لا صلاة له)) (٧).٦ - عن النبي ﵇ قال: ((ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة)) (٨)، وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأحاديث أو بعضها فإن الوصف بالكفر الوارد في هذه الأحاديث وغيرها قد حمله الإباضية على كفر النعمة لا كفر الملة. وفيما يتعلق بأدلة الخوارج – أي الإباضية – على مذهبهم من القرآن الكريم؛ فقد ذكر علي يحيى معمر منها قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:٤٠]، وقوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤].وقد أول كل ما ورد في هذه النصوص من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على أنها واردة في كفر النعمة ولهذا يقول: "يحسب كثير ممن لا علم له أن الإباضية يتفقون مع الخوارج في تكفير العصاة كفر شرك، ولا يعرفون أن الإباضية يطلقون كلمة الكفر على عصاة الموحدين الذين ينتهكون حرمات الله ويقصدون بذلك كفر النعمة" (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٨٤

стр. 1966

المطلب السابع: تعقيب على آراء الخوارج في أمر العصاة إن الاجتراء على تكفير أحد يدعي الإسلام بذنب من الذنوب لا يجوز، إلا إذا جاء بما يدل على كفره بمقتضى الأحكام الشرعية التي يثبت بها كفره في الدنيا وعذابه في الآخرة، وليس للعقل الحكم بكفر أحد بسبب معصية من المعاصي إلا بدلالة شرعية تبين ما يستحق الشخص المسلم بفعله الكفر وما لا يستحق من كتاب الله أو سنة نبيه أو إجماع العلماء عليه. ونقول: إن الكفر لا يجوز إطلاقه على أحد إلا بحق، لأن الكفر له أحكام خاصة، فتهرق به دماء وتبطل به حقوق، وغير ذلك من أحكام الدنيا، وفي الآخرة قد توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، لهذا فلا يجوز الاجتراء على القول بكفر أحد وتخليده في النار إلا بما وافق الحق. ولهذا كان لابد من التفرقة الواضحة بين الكفر والفسق، حتى نبطل تكفير الخوارج لأصحاب الذنوب، فالواقع أن دراستنا السابقة لمذهب الخوارج في حكم العصاة وأدلتهم – تدلنا على أنهم خلطوا بين حقيقتي الكفر والفسق، فسموا الفاسق كافر وأثبتوا له أحكامه. ونحب أن نكشف هنا عن خطئهم في هذا المقام؛ ذلك أن توحيدهم بين الكفر والفسق يكون على أحد وجهين: ١ - إما أن يكون التوحيد بينهما في اللفظ فقط دون إثبات أحكام أحدهما للآخر؛ فيسمون الفسق كفراً أو الفاسق كافرا ولو لم يثبت له شيء من أحكام الكفار، وهذا الوجه لم يقل به الخوارج وهو باطل في نفسه كذلك، لأن الكفر في الشرع قد ورد لمعاصي مخصوصة فلا يسمى كافرا إلا من ارتكبها كالكفر بالله واستحلال محارمه وإنكار ما عرف من دينه بالضرورة، بخلاف الفسق الذي يتمثل في ارتكاب الذنوب الأخرى دون استحلال لها. وقد مايز الله تعالى بين الكفر والفسق والعصيان بقوله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:٧]، فقد فصل الله تعالى بين الكفر والفسق وجعل كل واحد مستقلاً بنفسه والمعطوف غير المعطوف عليه؛ فصار الكفر نوعا والفسق نوعا آخر، والعصيان كذلك، فكرهها جميعا إلى قلوب المؤمنين وحبب إليهم الإيمان. وفي بيان هذه الأنواع يقول محمد بن نصر المروزي: "لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر فرق بينهما فجعلهما ثلاثة أنواع: منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرها كلها إلى المؤمنين. ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان، وليس فيها شيء خارجا عنه لم يفرق بينها، فيقول: حبب إليكم الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ، فدخل في ذلك جميع الطاعات" (١) الخ. ويقول الشوكاني في تفسيره الآية: "أي جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم، والعصيان جنس ما يعصى الله به" (٢). ٢ - وإما أن يكون توحيدهم بين الكفر والفسق لفظا ومعنى وحكما، فيدعون أن أحكام الكفار وأحكام العصاة الفسقة سواء، لا فرق بينهما في الحكم الدنيوي والأخروي.

стр. 1967

وهذا هو ما يذهب إليه الخوارج وهو باطل أيضا، لأن الله تعالى قد أثبت الإيمان للعصاة الفسقة في أحكام كثيرة نذكر منها على سبيل المثال ما ورد في آية اللعان بين الزوجين فإن مما لا شك فيه أن أحد الزوجين كاذب فيما نفاه عن نفسه، وإذا كان كاذباً –والكذب كبيرة- فإنه فاسق كما نص القرآن الكريم على فسقه إن كان كاذبا، وقد شرع الله بينهما اللعان لأن بقاء الزوجية قبل اللعان غير منتف مع فسق أحد الزوجين – كما قلنا. قال في إبانة المناهج: "فلو كان الفسق كفرا والكافر فاسقا لكانت الزوجية مرتفعة بينهما؛ إذ لا مناكحة بين مؤمن وكافر سيما إذا كان كفره ردة بعد إسلام متقدم، فكان يجب أن لا يصح وقوع الملاعنة بينهما؛ لأن الملاعنة إنما شرعت بين الزوجين لا بين الأجنبيين. فلما علمنا صحة اللعان بين القاذف وزوجته؛ علمنا أنه لم يكفر واحد منهما مع أن أحدهما فاسق بلا مرية، وذلك يوضح بطلان مذهب الخوارج في أن كل فاسق كافر وفي ذلك غنى لكل منصف" (١). ثم إنه لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين أنهم حكموا في الفساق بحكم الكفار في الحقوق والواجبات، بل اعتبروا الفاسق مسلما وعاملوه معاملة المسلمين في جميع الحقوق. يقول جعفر بن أحمد مبينا الفرق بين معاملة الكافر والمسلم عند سلف الأمة: "ومما يدل على ذلك ما ظهر من إجماع الصحابة والتابعين؛ فإنه معلوم من أحوالهم أنهم لم يحكموا في الفاسق بأحكام الكفار فلم يحرموا ميراثه من المسلمين، ولا حكموا بحرمة زوجته عليه لأجل فسقه، ولا منعوا من دفنه في مقابر المسلمين، وهذا أظهر من أن يخفى على متأمل لولا شدة الميل عن الصواب والانحراف وقوة التعصب للآباء والأسلاف" (٢). هذا وقد تبين مما سبق أنه لا حجة للخوارج في كل ما استدلوا به من أحاديث على كفر مرتكب الكبيرة إذ أن تلك الأحاديث لم تدل دلالة صريحة على كفره كفر ملة، بينما نجد في الجانب الآخر ما يضاد هذا القول من نصوص صريحة واضحة لا تحتمل أي تأويل أو جدل؛ ذلك أن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [النساء:٤٨]، فهذه الآية بيان واضح بأن الله يغفر الذنوب كلها ما عدا الشرك به تعالى، وهذا هو القول الحق في هذا الباب وهو الاعتقاد بأن الله يغفر الذنوب مهما كانت ما دام أن العبد قد اجتنب الإشراك بربه الذي هو المحبط الوحيد للعمل. وأما من مات على كبيرة غير تائب فأمره إلى الله إن شاء عذبه ثم أخرجه إلى الجنة برحمته، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النار غير الكافرين (٣).

стр. 1968

وأما ما استدلوا به من تلك الأحاديث السابقة فهي كما رأينا كلها إما أن تحمل على أنها واردة في حق المستحل لذلك، أو تكون واردة للزجر، أو غير ذلك مما قاله العلماء، على أنه قد وردت أحاديث صريحة في أن العصاة تحت المشيئة إذا ماتوا من دون توبة، ووردت أحاديث أخرى تدل دلالة صريحة على أن أهل الكبائر يدخلون الجنة وإن عذبوا بالنار بقدر ذنوبهم لكنهم يخرجون منها ولا يخلدون خلود الكافرين، وهذا هو ما يقتضيه العدل، ومن هذه الأحاديث:١ - ما جاء عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه)) (١). فالحديث صريح في أن النبي ﷺ لم يحكم على مرتكب الكبيرة الذي مات قبل أن يتوب بأنه كافر وإنما قال: "فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه"؛ فالاحتمال قائم في أن يعفو الله عنه تلك الذنوب ما دام قد اجتنب الشرك. وأما ما ورد عن رسول الله ﷺ من أن أهل النار يجازون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها، فمثل قوله ﵇: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياء: أو الحياة- شك مالك، أحد رواة الحديث- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (٢).ويقول ﷺ : ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير))، وفي رواية: ((من إيمان)) بدل: ((خير)) (٣).وقال ﷺ : ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، رجل يخرج من النار حبوا)) إلخ الحديث (٤).وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنا وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق- ثلاثا- ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر. قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر)) (٥).

стр. 1969

ولا يخفى أن رسول الله ﷺ كان يأتيه مرتكب الكبيرة فيقيم عليه الحد ولا يطلب إليه أن يعلن إسلامه من جديد، ولو كان مرتكب الكبيرة كافرا لاستتابه ﵊، ولطلب منه إعلان إسلامه من جديد. وهذا ما لم يروه أحد عن رسول الله ﷺ لا في كبيرة ولا في صغيرة، على ما روي عنه ﷺ من جلد الزناة أو رجمهم، وجلد أهل الخمر. كما أنه لم ينقل عن الصحابة ولا عن أحد من العلماء أنه قال بتكفير أهل الذنوب كفر ملة، أو قال بتخليدهم في النار. وأما ما ورد من الأحاديث التي تصف من اقترف عملا من أعمال الجاهلية بأنه منهم، كقول النبي ﷺ لأبي ذر حين عير رجلا بأمه: ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) (١)؛ فإن هذا لا يدل على أن من وجدت فيه خصلة من خصال الجاهلية أنه يكفر بذلك، وقد بوب البخاري ﵀ على هذا الحكم بقوله: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك" (٢)، فلا دلالة للخوارج على تكفير أهل الذنوب وتخليدهم في النار. فمذهب أهل السنة والجماعة إذا أنه لا يخلد أحد من المؤمنين في النار مهما كان جرمه، فإن تاب فلا كلام فيه، وإن لم يتب فأمره مفوض لربه. قال النووي: "واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال ... وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً ... وإن شاء عذبه القدر الذي يريده ثم يدخله الجنة ... وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص يحصل بها العلم القطعي، فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع" (٣). ولكن لماذا تمسك الخوارج ببدعة القول بتكفير العصاة وتخليدهم في النار، يقول الدكتور عزت عطية جوابا عن هذا السؤال:"الواقع أن القول بهذه البدعة كان وسيلة ساذجة لتجويز قتل المخالفين من المسلمين والتنفيس عن الأحقاد الكامنة في النفوس والوصول إلى أغراض أخرى لهم عن هذا الطريق" (٤).ومع موقف الخوارج هذا من خصومهم من المسلمين إلا أننا نستبعد أن يكون هو الدافع إلى تكفيرهم العصاة، فقولهم هذا مبني على مذهبهم في الإيمان وعلاقة العمل به، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الذي حمل الخوارج على القول بتخليد أهل الكبائر في النار أنهم اعتقدوا أن المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله، فمتى ذهب بعض ذلك فيلزم تكفير أهل الذنوب" (٥) والقول بذهاب الإيمان بذهاب بعض الأعمال قد نفاه أهل السنة ولم يقولوا به؛ قال ابن تيمية: "فإن هذا القول من البدع المشهورة، وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضا على أن نبينا ﷺ يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته" (٦). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٨٦

стр. 1970

تمهيد هذه هي مشكلة الخوارج الكبرى منذ نشأوا: وطوال عهد الدولة الأموية وزمن متقدم من عهد الدولة العباسية، شغلتهم قضية الإمامة عملياً، فجردوا السيوف ضد الحكام المخالفين لهم، ناقمين عليهم سياستهم في الرعية من عدم تمكينهم من اختيار إمامهم بأنفسهم، ثم سياستهم الداخلية في الناس، وشغلتهم فكرياً بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره في المجتمع، وكانوا يظهرون بمظهر الزاهد عن تولي الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم وحرباً لا هوادة فيها ضد المخالفين لهم. حكم الإمامة عند الخوارج: الإمامة منصب خطير وضرورة اجتماعية؛ إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالأمن وتستقر الحياة إلا بحاكم يكون هو المرجع الأخير لحل الخلافات وحماية الأمة، وقد أطبق على هذا جميع العقلاء. أما بالنسبة للخوارج فقد انقسموا فيها إلى فريقين: ١ - الفريق الأول: وهم عامة الخوارج. هؤلاء يوجبون نصب الإمام والانضواء تحت رايته والقتال معه ما دام على الطريق الأمثل الذي ارتأوه له. ٢ - الفريق الثاني: وهم المحكّمة والنجدات والإباضية فيما قيل عنهم. وهؤلاء يرون أنه قد يستغنى عن الإمام إذا تناصف الناس فيما بينهم وإذا احتيج إليه فمن أي جنس كان مادام كفئاً لتولي الإمامة (١). ومن مبرراتهم: ١ - استنادهم إلى المبدأ القائل: لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقاً. ٢ - أن الحكم ليس من اختصاص البشر بل تهيمن عليه قوة علوية. ٣ - إن الضروري هو تطبيق أحكام الشريعة، فإذا تمكن الناس من تطبيقها بأنفسهم فلا حاجة إلى نصب خليفة. ٤ - ربما ينحصر وجود الإمام في بطانة قليلة وينعزل عن الأغلبية فيكون بعيداً عن تفهم مشاكل المسلمين فلا يبقى لوجوده فائدة. ٥ - أن النبي ﷺ لم يشر صراحة ولا وضع شروطاً لوجود الخلفاء من بعده.٦ - أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام، وإنما أبان وأمرهم شورى بينهم (٢).هذه مبرراتهم، فهل بقي القائلون بالاستغناء عن نصب الإمام على مبدأهم؟ والجواب بالنفي؛ فإن المحكمة حينما انفصلوا ولوا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي، والنجدات حينما انفصلوا تزعمهم نجدة بن عامر، وأما ما قيل عن الإباضية من أنهم يقولون بالاستغناء عن نصب الإمام (٣).فإن مصادرهم التي تيسرت لي قراءتها تذكر أن هذا القول إنما نسبه إليهم خصومهم، بقصد الإشاعة الباطلة عنهم (٤). وأما تلك المبررات التي نسبت إلى من ذكرناهم فلا شك أنها مبررات واهية ولا تكفي للقول بالاستغناء عن نصب الخليفة؛ أما القول بعدم وجود الإنسان الكامل؛ فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار أفضل الموجودين.

стр. 1971

ومن التصور الساذج القول بتناصف الناس فيما بينهم. وأما انعزال الإمام فإن مدار الأمر على التزامه بواجباته الشرعية وعدم إيجاد الحجب بينه وبين رعيته، وذلك مناط الحكم بضرورة وجود الإمام شرعاً وعقلاً. وقد ذهبت الخلفية من الخوارج الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها إمامها، فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين (١) , ويكون لهذه المناطق أئمة بعدد تلك المناطق وهذا باطل ولا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه، لأن ذلك يؤدي إلى المشاحنات والعداوة وتفريق كلمة المسلمين، وحينما قرروا أن كل إقليم ينبغي أن يكون مستقلا عن الآخر لا يخضع إقليم ولا منطقة لمنطقة أخرى تجاهلوا دعوة المسلمين إلى الاتحاد الذي يكمن فيه عزهم وقوتهم. شروط الإمام: وضع الخوارج شروطاً قاسية لمن يتولى الإمامة ومنها: أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية، مخلصاً في عبادته وتقواه حسب مفهومهم. أن يكون قوياً في نفسه ذا عزمٍ نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم. أن لا يكون فيه ما يُخلُّ بإيمانه من حب المعاصي واللهو. ألا يكون قد حُدَّ في كبيرة حتى ولو تاب. أن يتم انتخابه برضى الجميع، لا يغني بعضهم عن بعض. ولا عبرة بالنسب أو الجنس كما يقولونه ظاهراً دعاية لمذهبهم وفي باطنهم يملأهم التعصب، وكون الإمام ينتخب برضى أهل الحل والعقد، وهذا مبدأ إسلامي لم يأت به الخوارج، كما يقول بعض المستشرقين دعاية للخوارج. ولم يلتفت الخوارج إلى ما صح من الأحاديث في اشتراط القرشية لتولي الخلافة وتقديم قريش فيها عند صلاحية أحدهم لها. ولم يشترط الشرع في الإمام أن يكون ليله قائماً ونهاره صائماً، أو أنه لا يلم بأي معصية، أو أن يكون انتخابه برضى كل المسلمين من أقصاهم إلى أدناهم، لا يغني بعضهم عن بعض في مبايعتهم له كما يزعمه الخوارج (٢). محاسبة الإمام والخروج عليه: يعيش الإمام عند الخوارج بين فكي الأسد –عكس الشيعة- فالخوارج ينظرون إلى الإمام على أنه المثل الأعلى وينبغي أن يتصف بذلك قولاً وفعلاً، وبمجرد أقل خطأ ينبغي عليهم القيام في وجهه ومحاسبته، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل. ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة البيهسية منهم والعوفية، فقد اعتبر هؤلاء كفر الإمام سبباً في كفر رعيته، فإذا تركه رعيته دون إنكار فإنهم يكفرون أيضاً (٣)، ولا شك أن هذا جهل بالشريعة الإسلامية، وعلى هذا فما تراه من كثرة هروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة. وقد حث الإسلام على طاعة أولي الأمر والاجتماع تحت رايتهم إلا أن يُظهروا كفراً بواحاً، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وينبغي معالجة ذلك بأخف الضرر، ولا يجوز الخروج عليهم ما داموا ملتزمين بالشريعة بأي حال.

стр. 1972

نشأ الخوارج كقوة مستقلة بعد قضية التحكيم - كما قدمنا - وصار لهم نفوذ وكلمة وقوة فعلية كان لها أثرها البالغ في شغل الخلفاء والولاة وتصدع كيان الأمة الإسلامية زمناً طويلاً، وقد كانت مشكلة الإمامة من أهم العوامل التي أدت إلى نشأتهم وشغلت أكبر قسط من نشاطهم منذ أن اختلفوا على إمامة الإمام علي ﵁ وطوال عهد الخلفاء الأمويين وإلى زمن متقدم في الدولة العباسية، وهم ناقمون على هؤلاء الخلفاء سياستهم في الرعية من عدم تمكينهم من اختيار إمامهم بأنفسهم ثم سياستهم الداخلية في الناس. وقد شغلتهم مشكلة الإمامة فكرياً بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره في المجتمع وعملياً بالسعي المتواصل ولو بالقوة في سبيل إصلاح سياسة الأئمة، ومن هنا كان الخوارج يزعمون أن خروجهم كان لأجل إسقاط الحكام الظلمة وأئمة الجور - كما يعبرون عنهم - وإقامة حكمهم العادل الذي يطبق أحكام الإسلام كما هي قولاً وفعلاً، وكان خطباؤهم وقوادهم يركزون على هذه الناحية في كل مقال لهم. فكانوا يرون أن في سكوتهم عن ولاة الدولة الأموية والعباسية وعدم مقاومتهم بكل ما يستطيعون من قوة مداهنة في الدين ورضا بالكفر، وأن دينهم يحتم عليهم مقاومة أئمة الجور مهما كانت التضحيات، ولهذا فهم.

стр. 1973

يخوضون معارك يعلمون تمام العلم أنهم لن يخرجوا منها إلا أشلاء، ولكنهم يخوضون غمارها رجاء أن يهدوا من قوة الحكام شيئاً فشيئاً، امتثالاً لما يوجبه عليهم الغضب لله وإعزاز دينه بقتال أولئك الظلمة وإسقاط حكمهم الجائر. وليس لهم – كما يقولون – مطمع من مطامع الدنيا ولا يريدون اكتساب فخر من مفاخرها البراقة التي يسعى إليها أكثر الناس، من جمع الأموال والسيطرة، وبناء القصور الفاخرة، وطلب العيشة الناعمة، التي يتهالك عليها مخالفوهم – كما يقولون -، فليس منصب الخلافة عندهم مغنماً بل هو مسئولية خطيرة أمام الله لا يستهين بها إلا جاهل لا يقدر ثقلها؛ لذا فإنهم عندما يكون الأمر لهم يزهدون عن توليها، ويتدافعون فيما بينهم هرباً من تبعاتها، فمما يذكر عن زهدهم عنها أنهم حينما أرادوا تولية عبدالله بن وهب خليفة عليهم أبى وتحرج من ذلك، ولكنهم كرروا الطلب والإلحاح عليه حتى قبلها؛ قال المبرد: " قال أبو العباس: ذكر أهل العلم من الصفرية أن الخوارج لما عزموا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي من الأزد تكره ذلك فأبوا من سواه ولم يريدوا غيره، فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم استبينوا الرأي، أي دعوه يغب" (١).ويقول الشهر ستاني: " وكان يمتنع عليهم تحرجا ويستقبلهم ويومئ إلى غيره تحرزاً فلم يقتنعوا إلا به" (٢)، وهذا موقف أول رئيس لهم فكان عمله هذا قدوة لمن بعده؛ إذ كان في نظرهم من أحق أهل الأرض بالخلافة عن جدارة ومقدرة، ومع ذلك فإنه خاف على نفسه وتحرج ولم يقبلها إلا بعد الإلحاح الصادق منهم، فقبلها كما يذكر عن نفسه لا حباً في الإمارة، ولم يدعها خوفاً من الموت، ومما يجدر ذكره أنه لم يقبلها إلا بعد أن عرضت على زملاء له في مثل قدرته وكفاءته لا يختلفون عنه ولكنهم رفضوها رفضاً باتاً، وذلك حينما قرروا الخروج إلى بعض كور الجبال فأخذوا في التشاور وتداولوا الرأي فيما بينهم في انتخاب خليفة لهم، " فقال حمزة بن سنان الأسدي – كما يروي المبرد – " يا قوم إن الرأي ما رأيتم فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنكم لابد لكم من عماد وسناد وراية تحفون بها وترجعون إليها، فعرضوها على زيد بن حسين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبى وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبدالله بن وهب فقال: هاتوها أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت؛ فبايعوه" (٣). ومثل هذا الموقف موقف آخر كان في زمن الدولة الأموية في ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة؛ حيث يروي المحل بن خليفة تدافع الخوارج عن تولي الخلافة، وكان أبرزهم ثلاثة أشخاص هم المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب وحيان بن ظبيان السلمي، ومعاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي. قال المحل بن خليفة فيما يرويه عنه الطبري: " إن الخوارج في أيام المغيرة بن شعبة فزعوا إلى ثلاثة نفر منهم: المستورد بن علفة التيمي من تيم الرباب، وإلى حيان بن ظبيان السلمي، وإلى معاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي ... فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي فتشاوروا فيمن يولون عليهم. قال: فقال لهم المستورد: يا أيها المسلمون والمؤمنون أراكم الله ما تحبون وعزل عنكم ما تكرهون، ولوا عليكم من أحببتم فوالذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ما أبالي من كان الوالي علي منكم، وما شرف الدنيا نريد وما البقاء فيما من سبيل، وما نريد إلا الخلود في دار الخلود.

стр. 1974

فقال حيان بن ظبيان: أما أنا فلا حاجة لي فيها، وأنا بك وبكل امرئ من إخواني راض، فانظروا من شئتم منكم فسموه فأنا أول من يبايعه، فقال لهم معاذ بن جوين بن حصين: إذا قلتما أنتما هذا وأنتما سيدا المسلمين وذووا أنسابهم في صلاحكما ودينكما وقدركما، فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الأمر؟! وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواءً في الفضل أبصرهم بالحرب، وأفقههم في الدين، وأشدهم اضطلاعاً بما حمل، وأنتما بحمد الله ممن يرضى بهذا الأمر فليتوله أحدكما. قالا: فتوله أنت فقد رضيناك فأنت والحمد لله الكامل في دينك ورأيك، فقال لهما: أنتما أسن منى فليتوله أحدكما، فقال حينئذ جماعة من حضرهما من الخوارج: قد رضينا بكم أيها الثلاثة فولوا أيكم أحببتم. فليس في الثلاثة رجل إلا قال لصاحبه: تولها أنت فإني بك راض وإني فيها غير ذي رغبة، فلما كثر ذلك بينهم قال حيان بن ظبيان: فإن معاذ بن جوين قال: إني لا ألي عليكما وأنتما أسن مني، وأنا أقول لك مثل ما قال لي ولك لا ألي عليك وأنت أسن مني، أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه، ثم بايعه معاذ بن جوين، ثم بايعه القوم جميعاً" (١). من هذه المحاورة يظهر عدم رغبتهم في تولي الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم، فإنهم يعتبرونها عبئاً ثقيلاً ومسئولية عظمى أمام الله يوم القيامة. ويذكر المبرد أن مرداساً وأصحابه حينما خرجوا " أرادوا أن يولوا أمرهم حريثاً فأبى فولوا مرداساً (٢).ويذكر الباروني أنه بعد وفاة الإمام عبد الرحمن بن رستم تحيروا فيمن سيقبل الخلافة من السبعة الأشخاص الذين عينهم الإمام لتوليها بعده ومن بينهم ولده عبد الوهاب، وأنهم صاروا – كما يذكر – يتداولون الأمر شهراً كاملاً دون أن يتحملها أحد لحرج موقفها فيقول في وصف ذلك: " ثم اجتمع أهل الشورى منهم والصالحون للنظر فيمن يولونه الأمر بعده، ولشدة تحريهم ﵏ لم يقصدوا أحداً إلا وتبرأ منها ودفعها علماً بحرج موقفها، وبقي الأمر كذلك موقوفاً نحو شهر كامل لم يثبت لهم فيها قرار ولم يستقر لهم رأي ... " (٣) إلخ. وأيا كان الرأي في زهدهم عن تولي الإمامة فإنها كانت – كما قلنا – أهل عامل في نشأتهم وكان إصلاح أمرها أهم ما يشغلهم، بياناً لحكمها وشرائطها وكيفية إصلاح سياسة الأئمة فيها على نحو ما سنبينه في هذا الفصل. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٩٣

стр. 1975

المطلب الأول: حكم الإمامة الإمامة منصب خطير لابد من إقامته؛ إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالحياة ويسود الأمن بينهم وتنتظم الأمور إلا بحاكم يكون المرجع في تطبيق الشرع وحماية الأمة وإقامة العدل بين أفرادها. وقد أطبق على هذا جميع العقلاء، فماذا كان موقف الخوارج إزاء هذه المسألة؟ والجواب أنا نجدهم قد انقسموا فيها إلى فريقين: الفريق الأول: وهم عامة الخوارج، وهؤلاء يوجبون نصب الإمام والانضواء تحت رايته والقتال معه ما دام على الطريق الأمثل الذي ارتأوه له. الفريق الثاني: هم المحكمة والنجدات والإباضية فيما يقال عنهم، وهؤلاء يرون أنه قد يستغنى عن الإمام ولا تعود إليه حاجة إذا عرف كل واحد الحق الذي عليه للآخر فوفاه حقه ولم يتعد أحد على أحد بظلم أو أذى، ولكنهم يقولون: إن احتيج إليه فمن أي جنس كان ما دام كفئاً لتولي الإمامة، وهو ما تقول به عامة الخوارج. قال ابن حزم: " اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ ، حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم " (١).ويقول المسعودي: إن النجدات يقولون: " إن الإمامة غير واجب نصبها" (٢).ويقول الأشعري: "وحكى زرقان عن النجدات أنهم يقولون: إنهم لا يحتاجون إلى إمام، وإنما عليهم أن يعملوا كتاب الله فيما بينهم" (٣).ويقول الشهرستاني عن النجدات حاكياً عن الكعبي: " وأجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحمله عليه فأقاموه – جاز" (٤).

стр. 1976

فالأمر إذا عندهم راجع إلى المصلحة وما تقتضيه لا إلى أنه واجب وجوباً شرعياً يتحتم عليهم إنفاذه. أما المحكمة فيقول الشهرستاني عن رأيهم في الاستغناء عن نصب الإمام: " وجوزوا أنه، لا يكون في العالم إمام أصلاً" (١)، فهم كما يذكر ﵀ كانوا أسبق إلى القول بالاستغناء عن الإمام من النجدات، ولكن لم يشتهر هذا القول على ألسنة العلماء كما اشتهر عن النجدات، اللهم إلا ما ذكره الشهرستاني عنهم. وربما كان ذلك منهم في أول أمرهم حيث نادوا: " لا حكم إلا لله " وفهم الإمام على أن من شعارهم هذا قولهم بعدم الحاجة إلى أمير، ولهذا رد عليهم قائلاً: " كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة، وأنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي؛ حتى يستريح بر ويستراح من فاجر" (٢).ولكن المحكمة لم يبقوا على هذا فيما الرأي فيما بعد، بل كان أول ما عملوه بعد انفصالهم عن الإمام علي هو تولية عبد الله بن وهب الراسبي، ولهذا قال ابن أبي الحديد مجيباً عن قول الإمام علي في الخوارج: إنهم يقولون: لا إمرة: " قيل إنهم كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإمام، ثم رجعوا عن ذلك القول لما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي " (٣).أما ما قيل عن الإباضية من أن رأيهم هو القول بالاستغناء عن نصب الإمام فقد ذهب إليه ج. ج. لوريمر وفي ذلك يقول: "ويختلف الإباضيون الأول عن كل من السنة والشيعة في رفضهم الرأي القائل بأن الإسلام في حاجة إلى رئيس ظاهر دائم". ويقول أيضاً: " وفي حين سمحوا بتعيين إمام أو زعيم روحي تعييناً قانونياً إذا ما اقتضت الظروف؛ أصروا بشكل خاص على أن يكون منتخباً في كل حالة، وإلا تكون الخلافة أو الإمامة وراثية " (٤). ولكن الإباضيين ينفون هذا القول عنهم ويعدونه من مزاعم خصومهم وأنها إشاعة من الإشاعات المغرضة، وأن " من يزعم أن الإباضية يجيزون أن تبقى الأمة المسلمة بدون دولة" مخطئ وجاهل بالمذهب الإباضي وقواعده. كما قال علي يحيى معمر. وينقل في هذا عن العلامة نور الدين السالمي في شرحه على مسند الربيع بن حبيب قوله: "والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال" (٥). ويقول السالمي في كتاب (غاية المراد): إن الإمامة فرض حينما وجبت ... شروطها لا تكن عن رفضها غفلا وباطل سيرة فيها الإمامة في اثنين ... لو بلغا في المجد ما كملا (٦) وبهذا يتبين موقف الإباضية من الإمامة، وينتهي القول إلى أنهم يوجبون نصب الإمام كغيرهم من الناس. ولابد من وقفة أمام رأي النجدات في الاستغناء عن الإمام، فهي التي تزعمت هذا القول، وإن كنا سنرى فيما بعد أنها هي أيضاً لم تطبق هذا القول ولم تعمل بمقتضاه بالفعل، حيث بايعوا نجدة بن عامر بالإمامة. إن ما ذهب إليه النجدات في هذا المقام يعتبر خروجاً على إجماع عامة الخوارج الذين يرون ضرورة نصب الإمام. والواقع أنه لا يشك إنسان عاقل في أن بقاء الأمة من دون إمام يؤدي بالحياة إلى الفوضى والظلم وتشتيت الكلمة وإثارة الحروب المدمرة. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا

стр. 1977

فالقول بالاستغناء عن الإمام قول في غاية البعد والسقوط، يقول النووي " وأجمعوا – أي المسلمون – على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع لا بالعقل" (١).ويقول القاضي عبد الجبار: " اتفقت الأمة على اختلافها في أعيان الأئمة أنه لابد من إمام يقوم بهذه الأحكام وينفذها" (٢). وهو رأي واضح لا حاجة إلى الإطالة فيه، ولكن النجدات لم تلتفت إلى الناحية الشرعية بل التفتت إلى العقل ورأت أنه لا يمنع أن يتناصف الناس فيما بينهم إذا وجدت الألفة والمحبة، وهذا أقرب إلى الخيال. يريد النجدات بزعمهم هذا أن ينشأ مجتمع مثالي يعرف فيه كل شيء واجبه تجاه مجتمعه فيقف عند حقه، تحجزه أخلاقه عن ارتكاب أي ضرر بالغير، كل شخص قد جعل القرآن إمامه وحاكمه يعرف فيه واجبه نحو الغير، ولعل هذا بعض ما يمكن أن يتعلل به القائلون من النجدات وغيرهم بالاستغناء عن نصب الإمام. فلننظر إلى الواقع: هل طبق النجدات هذا القول فاستغنوا عن نصب أمير منهم؟! لا شك أن الأمر كان بالعكس فنجده نفسه وهو أول زعيم لهم، لم يطبق هذا الرأي بل كان هو الحاكم على فرقته بعد إزاحته لأبي طالوت، ولقد كان يرسل ولأنه على المناطق التي تحت سيطرته ثم كان لا يرسل سرية أو جيشاً إلا اختار لهم أميراً، كما أرسل ابنه إلى القطيف أميراً على سرية، ومن هنا يشك الطالبي في صحة ما نسب إلى نجدة وأنه كما قال: " يمكن أن يكون أصحابه هم الذين أحدثوه من بعد، ولعلهم أولوا قول المحكمة الأولى لا حكم إلا لله وفهموا منه أنه لا حاجة إلى إمام ولا إلى حاكم ".ولكنه عاد فاعتذر لهم عن هذا الرأي الذي ينسب إليهم بأنه ناتج عن حياتهم القبلية، وذلك في قوله: " ومن وجهات النظر التي أبداها هؤلاء مبرر- يبدو أنه من طبيعة الحياة العربية القبلية – وهو أن الناس متساوون كأسنان المشط، فكيف تجب طاعة أحدهم لمن هو ند له؟! ونظير هذا بالنسبة لعامة الناس، كذلك القول بالنسبة للمجتهدين، فإذا تساووا في الفضل والتدين والاجتهاد والمعارف فكيف نستطيع أن نلزمهم بطاعة أحدهم؟! " (٣). ونضيف إلى التبرير السابق الذي قدمه الطالبي لمبدأ النجدات عوامل أخرى يرجع إليها بعض الدارسين الإباضيين، هذا المبدأ الذي يجيز النجدات فيه الاستغناء عن الإمامة فيذكر السالمي عن نظر النجدات في هذه المسألة ما حاصله: ١ - أن النظرية الأساسية التي ارتكزت عليها فكرة الخوارج وخصوصاً الأزارقة والصفرية والنجدات - كانت المبدأ القائل: لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقاً. ٢ - أن الحكم " ليس من اختصاص البشر، بل تهيمن عليه قوة علوية ". ٣ - أن الضروري هو تطبيق أحكام الشرع والتمشي بموجب القرآن الكريم والسنة، وإذا استطاع المسلمون تطبيق هذه الأحكام والتمشي حسب ما جاء به الإسلام؛ فإنه لا ضرورة مطلقاً لوجود خليفة أو إمام؛ وعلى هذا فالإمامة ليست التزاماً دينياً يجب تنفيذه. ٤ - قالوا: إن وجود الخليفة أو الإمام لا يكون مفيداً في الأوقات كلها؛ لأنه ربما يكون بسبب من الأسباب عاجزاً عن الاتصال بجميع أتباعه وينحصر في بطانة قليلة من الأفراد وينعزل عن الأغلبية ... وبالتالي يكون أبعد ما يكون عن التفهم لمشاكل المسلمين. ٥ - أن على الخليفة أن يتمتع بكفاءات معينة خاصة تجعله جديراً بتولي أمور المسلمين، ومن المحتمل أن لا يكون هذا الرجل الذي يحمل تلك الكفاءات متوفراً في جميع الأوقات، وينتج عن القول بضرورة وجود الخليفة أن نقع في مسألتين محذورتين.

стр. 1978

أ- انتخاب خليفة لا تتوفر فيه الكفاءات المطلوبة، وبذلك نخالف النصوص والمنطق. ب- أو أن لا نعين إماماً وبذلك نخالف الافتراض القائل بضرورة وجود الخليفة. ٦ - أن انتخاب الإمام قد يكون سبباً في إيجاد حرب أهلية بين المسلمين أنفسهم. ٧ - أن النبي ﷺ لم يشر صراحة أو وضع شروطاً لوجود خلفاء من بعده.٨ - أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام وإنما أبان وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (١). ولا شك أن كل تلك المبررات التي قيلت عن رأي النجدات كلها اعتذارات غير مفيدة في تبرير رأيهم هذا في مقابل إجماع السلف وعامة الأمة ومنهم الخوارج على وجوب نصب الإمام، وما استند إليه هذا الوجوب من أدلة شرعية وضرورات اجتماعية. قال ابن حزم بعد أن ذكر أن القول بوجوب الإمامة قد أجمعت عليه جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج: " قال أبو محمد: وقول هذه الفرقة (يعني النجدات) ساقط يكفي من الرد عليه وإبطاله إجماع كل من ذكرنا على بطلانه" (٢). والواقع أن تلك المبررات التي ذكرت لرأي النجدات مبررات باطلة فليس الناس سواءً، بل هم متفاوتون في الكمال، بحيث يمكن اختيار أفضلهم لإمامة الجماعة الإسلامية، والتزام الناس بالأحكام الشرعية يمنع من وقوع الحرب الأهلية بينهم بسبب اختيار الإمام كما يقال. وأما القول بعدم وجود الإنسان الكامل فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار لهذا المنصب أفضل الموجودين، ومن التصور الساذج القول بتناصف الناس فيما بينهم وقيامهم بواجباتهم وحفظهم لحقوق الآخرين، دون وجود قيادة حاكمة يرجع إليها الناس في كل ذلك طوعاً أو كرهاً حتى تستقيم أمور الأمة ومدار الأمر بعد ذلك على التزام الإمام بواجباته الشرعية فلا يجعل بينه وبين الأمة من الحجب ما يحول بينه وبين رعاية مصالحهم؛ فذلك مناط الحكم بضرورة الإمام شرعاً وعقلاً. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٣٩٧

стр. 1979

المطلب الثاني: وحدة الإمامة يرى أكثر الخوارج كغيرهم من الفرق أن الإمامة يجب أن تسند إلى إمام واحد، وأن البيعة تلزم للمتقدم، فمهما كان صلاح الأخير وفضله لا ينبغي العدول إليه، بل يجب قتاله حتى يعود إلى من رضيت به الأمة، والقول بإقامة إمام واحد مسألة بدهية أطبق عليها جميع العقلاء، إذ لا يمكن أن تتحقق المصلحة وتجتمع الكلمة إلا برجوع الجميع إلى إمام واحد تختاره الجماعة من أهل الحل والعقد، يرعى المصالح ويرد الظالم عن ظلمه ويوصل كل حق إلى صاحبه فهل خرج عن هذا الأمر الواضح أحد؟ نعم لقد خرج عنه بعض الخوارج وهم الحمزية والخلفية من الإباضية فجوزوا أن يجتمع إمامان في وقت واحد، فيذكر الشهرستاني عن رئيس فرقة الحمزية قول: " وجوز حمزة إمامين في عصر واحد مالم تجتمع الكلمة ولم تقهر الأعداء" (١).أما الخلفية من الخوارج الإباضية فقد رأت أن كل إقليم ينبغي أن يكون مستقلاً عن الآخر لا يخضع إقليم لإقليم أو منطقة لمنطقة أخرى، ويكون لهذه المناطق أئمة بعدد مناطق تلك الحوزة من الأرض، قال أبو حفص عمرو بن جميع الإباضي: "وذهبت الخلفية من الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها إمامها فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين" (٢). والواقع أن هذا مما لا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه، فإن تاريخ المسلمين الأوائل لم يعد فيه منهم إلا اختيار إمام واحد للمسلمين جميعاً، ويكون الذي يعين ولاته على الأمصار والجهات المختلفة فلا يستقل كل وال بإقليمه وإنما يكونون جميعاً تحت قيادة هذا الإمام الواحد، ولأن المؤمنين أمة واحدة فلا ينبغي أن يكون لها إمام واحد، وتعدد الأئمة في الأقاليم المختلفة كما تدعو إليه الخلفية لا ينتج عنه إلا كثرة المشاحنات وظهور الاختلافات بين هذه الأقاليم وضعف المسلمين كما يدلنا تاريخهم عندما تفرقت دويلاتهم وانفردت كل مجموعة من الناس برئيس حتى ضعفوا. وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) (٣). وفي حديث آخر قال ﵊: ((من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعمه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)) (٤). وهذا يرشدنا إلى المنع من تعدد الأئمة الذي نتج عنه كثرة الاختلافات والمشاحنات كما يدل عليه تاريخ المسلمين قديماً وحديثاً حتى تفرقت كلمة المسلمين وضعفت الرابطة الإسلامية التي كانت مصدر عز الإسلام وقوته. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٠٦

стр. 1980

المطلب الثالث: شروط الإمام يشترط الخوارج في من يرتضونه إماماً أن تتوفر فيه عدة صفات تجعله جديراً بحمل الأمانة، وأهم هذه الشروط مما يأتي: ١ - أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية مخلصاً في عبادته وتقواه كثير التعبد والطاعات – على طريقتهم. ٢ - أن يكون قوياً في نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم، كما يقول السالمي: وليك ذا شجاعة وحزم ... مرتدياً بعفة وحلم وغيره على انتهاك الحرم ... وذا وفا بعده والذمم (١). ٣ - أن لا يكون فيه ما يخل بإيمانه من حب المعاصي واللهو واتباع الهوى، يقول السالمي أيضاً: ولم يكن على كبير حدا ... وحتى ولو تاب وأبدى الرشدا (٢). ٤ - أن يكون انتخابه برضى الجميع لا يغني بعضهم عن بعض في ذلك. ٥ - لا عبرة بالنسب أو الجنس أو اللون. هذه بعض شروطهم التي ذكرتها المصادر عنهم، وقد وصف الأستاذ أبو زهرة موقفهم من طريقة اختيار الخليفة بأنه من آرائهم السديد المحكم، فقال في معرض بيانه للآراء التي تجمع فرق الخوارج " وأول هذه الآراء – وهو من بين آرائهم السديدة المحكمة – أن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر صحيح يقوم به عامة المسلمين لا فريق منهم " (٣).ويقول فيه الدكتور عبد الحليم محمود: " أما رأيهم في الإمامة فإنه هو الرأي الذي يؤيد الاتجاه الحديث، ويؤيده كل مخلص لدينه ووطنه" (٤). ويكون هذا المنتخب من أي جنس كان، سواء كان عربياً أم أعجمياً، قرشياً أو غير قرشي، بل يرون أن الأفضل تولية من لا نسب له ولا عشيرة معه ليسهل توجيهه إلى ما يريدون، ويسهل أيضاً خلعه أو قتله عندما يستحق ذلك في نظرهم."وليست لعربي دون أعجمي والجميع فيها سواء بل يفضلون أن يكون الخليفة غير قرشي ليسهل عزله أو قتله إن خالف الشرع وحاد عن الحق، إذ لا تكون له عصبية تحميه ولا عشيرة تؤويه، وعلى هذا الأساس اختاروا منهم عبد الله بن وهب الراسبي وأمروه عليهم وسموه أمير المؤمنين وليس بقرشي" (٥).ويقول ابن الجوزي عن شروط الخوارج في الخليفة: (ومن رأي الخوارج أنه لا تختص الإمامة بشخص إلا أن يجتمع فيه العلم والزهد فإذا اجتمعا كان إماماً نبطياً" (٦) (أي من أخلاط الناس وأوباشهم).وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه يولون جانب الشجاعة والمهارة اهتماماً خاصاً، كما عبر عن هذه المسألة معاذ بن جوين الخارجي حين يقول: " وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين وأشدهم اضطلاعاً بما حمل" (٧).أي إن الخوارج يرون أن المهارة الحربية والشجاعة من صفات الخليفة الضرورية وذلك نظراً لحروبهم الدائمة مع مخالفيهم، وهذا ما يعبر عنه الإباضية بالإمام الشاري وهو بمعنى الفدائي، وقد عرفه السالمي بقوله: "هو الذي يتمتع بالثقة المطلقة من قبل أتباعه جميعاً ويعلن الجهاد ولا يجوز له الهرب من ساحة الميدان، ويقوده شعاران في المعركة: النصر أو الموت" (٨). لأن الأئمة عند الخوارج ينحصرون في أربعة: ١ - الإمام الشاري، وقد تقدم تعريفه. ٢ - إمام الدفاع: وهو الذي يتولى القيادة وعامة أتباعه في الحرب في الظروف العصيبة. ٣ - إمام الظهور: وهو الذي تتم بيعته في السلم عن اختيار ورضى جميع المسلمين. ٤ - إمام الكتمان: وهو الإمام الذي ترجع إليه الإباضية في حل مشكلاتهم عندما يكونون تحت سيطرة حكومية من غير الإباضية ولا يستطيعون مناوءتها بالقوة.

стр. 1981

وقد رأينا فيما سبق أن الخوارج ينادون بالاختيار الحر لرئيس الأمة، ويكون من بين أفرادها، لا يتمتع بأي ميزة غير كفاءته في إدارة شؤون المسلمين، وقد وصفوا بذلك بأنهم جمهوريون وأنهم ديمقراطيون إلخ ... وإن نظرتهم هذه تستند إلى قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. يقول الطالبي: " تعتبر الخوارج ممثلة للنزعة الإجماعية أو الاتجاه الجمهوري في الفقه السياسي، وهي نظرة قرآنية لأن مصدر السلطة في الشريعة الإسلامية إنما هو اختيار الأمة وانتخابها، ومبدأ الشورى نص عليه القرآن بلا نزاع ولا فرق في ذلك بين مسلم ومسلم ولا نظر إلى الجنس أو اللون" (١).وقد زعم الأستاذ ألبير نصري بأن الخوارج هم أول من نادى بأن الأمة هم مصدر السلطة، وبالتالي كانوا أول من نادى بالاختيار الحر للإمام – فيقول: " إن الخوارج هم أول من ادعى في الإسلام أن الأمة هي مصدر السلطة فكان موقفهم هذا خطوة أولى نحو القول بحق الاختيار الحر رئيس الأمة، وهذا هو لب الديمقراطية، وإن جعلوا هذه الديمقراطية محدودة " (٢).ويقول السالمي عن الإمامة في عمان: " كانت الإمامة تستند إلى قواعد وجذور قوية، كانت تستند إلى أساس ديمقراطي يتساوى فيه الغني والفقير والقوي والضعيف أمام قوانين الشريعة السمحاء؛ ولذا فإن بذور الحكم الجمهوري قد نبتت في عمان ومجتمعها الإباضي وكانت بذور صالحة في تربة صالحة" (٣).وقال أيضاً: " ولذا فإن بذور الديمقراطية قد نشأت في هذا المجتمع وتطورت في سبيل مصلحة الشعب نفسه" (٤).والواقع أن ما زعمه ألبير نصري من أن الخوارج هم أول من نادى بالانتخاب الحر للإمام - زعم باطل تاريخياً وموضوعياً؛ فإننا بتتبعنا لتاريخ المسلمين الأول نجد أنهم قد اختاروا الخلفاء اختياراً حراً كما في اختيارهم للخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، وأنهم لم يخرجوا عن قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فإذا ليس الخوارج هم أول من نادى باختيار الخليفة عن طريق الشورى ورضى الناس، يقول رفعت فوزي: " ولم يكن الخوارج هم أول من نادى بأن تكون الخلافة شورى بين المسلمين " (٥). أما القول الذي انفرد به الخوارج في موضوع الإمامة، فهو عدم اشتراط القرشية فيها، فمسألة أحقية قريش بالخلافة غير واردة في مفهوم الخوارج إذ أنها مسؤولية عظمى يتساوى الناس في صلاحيتهم لتوليها، فما معنى ربطها بأناس بخصوصهم؟! وهم في هذا الاتجاه لا ينظرون إلى ما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ولا إلى ما قاله جمهور الصحابة والتابعين وسلف الأمة، بل حكموا فيها مجرد رأيهم وما تميل إليه نفوسهم. يقول الأشعري: " ويرون أن الإمامة في قريش وغيرهم إذا كان القائم بها مستحقاً لذلك ولا يرون إمامة الجائر" (٦).واعتبر الشهرستاني تجويز الخوارج للإمامة في غير قريش من بدعهم التي خرجوا من أجلها في الزمن الأول، فبعد أن ذكر خرافتهم في القول بالاستغناء عن الإمام قال مصوراً رأيهم: "وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبداً أو حراً أو نبطياً أو قرشياً" (٧).وقال ابن حزم: " وذهبت الخوارج كلها وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشياً كان أو عربياً أو ابن عبد" (٨).

стр. 1982

وهذا الرأي قد قام به قدماء المعتزلة أيضاً فيما يرويه ابن أبي الحديد بقوله: "وقد اختلف الناس في اشتراط النسب في الإمامة، فقال قوم من قدماء أصحابنا - يعني المعتزلة -: إن النسب ليس بشرط فيها أصلاً وإنها تصلح في القرشي وغير القرشي، إذا كان فاضلاً مستجمعاً للشرائط المعتبرة، واجتمعت الكلمة عليه وهو قول الخوارج" (١).ويقول ابن حجر: "وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة، يجوز أن يكون الإمام غير قرشي وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنة سواء أكان عربياً أو أعجمياً" (٢).ولهذا فهم كما يذكر تسموا بالخلفاء لأنهم لا يعتبرون القرشية شرطاً في الخلافة كما ينص على هذا بقوله: " إن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحداً بعد واحد ولم يكونوا من قريش" (٣).وهذا بناء على أن " الخلافة حق لكل مسلم وغايتها إقامة الأحكام" (٤). أما رأي الإباضية في اشتراط قرشية الإمام فهو لا يخرج عن رأي عامة الخوارج في عدم اشتراط هذا الشرط وعدم ارتباطها بجنس أو لون أو أسرة أو قبيلة، بل المدار في من يصلح لها أن يكون كفئاً في دينه وخلقه وعلمه وعقله، فإذا وجد عدد من الناس فيهم هذه الكفاءة أمكن حينئذ النظر إلى ناحية الجنس وغيره من أسباب المفاضلة. وهذا ما يقوله علي معمر، ومثله الحارثي الإباضي عن الخلافة أنها: " لا يمكن أن تخضع لنظام وراثي ولا أن ترتبط بجنس أو قبيلة أو أسرة أو لون، إنما يجب أن يشترط فيها الكفاءة المطلقة، الكفاءة الدينية والكفاءة الخلقية والكفاءة العلمية والكفاءة العقلية، فإذا تساوت هذه الكفاءات في مجموعة من الناس أمكن أن تجعل الهاشمية أو القرشية أو العروبة من أسباب المفاضلة، أو من وسائل الترجيح أما في غير ذلك فليس لها حساب" (٥). ونحو هذا عند السالمي. ويقول علي معمر أيضاً: " ولم يكن الإباضية أو الخوارج هم أول من قال بهذا، وإنما سبقتهم إليه كبار الصحابة عندما ناقشوا أول خليفة في الإسلام"، واستدل المؤلف على هذا بالأدلة الآتية: ١ - قول الأنصار يوم السقيفة: " منا أمير ومنكم أمير"؛ إذ لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غير قرشي لما قالوا ذلك، ولكن هذا الدليل يتطرق إليه ضده وهو احتمال أن يكونوا قالوا هذا القول قبل أن يعرفوا النص الذي يثبت الخلافة في قريش ولهذا فقد رجعوا إلى رشدهم حين بين لهم أبو بكر هذه المسألة. ٢ - من أدلتهم أيضاً قول عمر ﵁: " لو كان سالم مولى حذيفة حياً لبايعته"؛ فلو كان غير القرشي لا يصح أن يتولى لما قال ذلك، وقد أجيب عن هذا وما في معناه مما ورد على لسان عمر ﵁ باحتمالين ذكرهما ابن حجز وهما:

стр. 1983

١ - إما أن يكون الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً. ٢ - وإما أن يكون قد تغير اجتهاد عمر في ذلك (١).٣ - استنتجوا من قول أبي بكر ﵁ – أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش – بأن هذا تعليل لطاعة العرب لهم فإذا تغير الحال تغير موضع الاختيار (٢)، وهكذا عللوه مع أنه ظاهر في أحقية قريش بالخلافة وهذا ما فهم منه الصحابة المهاجرون منهم والأنصار بدليل تسليمهم بالطاعة لأبي بكر ﵁ حينما بين لهم هذا الدليل. وهذا القول عليه أكثر المعتزلة كما يذكر ابن أبي الحديد ذلك بقوله: " وقال أكثر أصحابنا معنى قول النبي ﷺ : ((الأئمة من قريش)) (٣) أن القرشية شرط إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة، فإن لم يكن فيها من يصلح فليست القرشية شرطاً فيها" (٤).ولا يخفى أن دعوى الخوارج استحقاق الخلافة لمن كان أهلاً لها من أي طبقة كان – هذه الدعوى قد اجتذبت بعض الموالي والعجم متطلعين إلى الخلافة، ومن الدلائل على ذلك أنه لما اشتد النزاع بين الخوارج انفصل قسم كبير منهم عن قطري وولوا عليهم عبد ربه الصغير وكان أكثرهم من الموالي والعجم، وكان سبب انفصالهم هذا أنهم طلبوا من قطري أن يعزل المقعطر، " فأبى قطري أن يعزله فقال له القوم: إنا خلعناك وولينا عبد ربه الصغير، فانفصل إلى عبد ربه أكثر من الشطر وجلهم الموالي والعجم وكان هناك منهم ثمانية آلاف وهم القراء" (٥). ولنا أن نتساءل هل كان الخوارج صادقين في قولهم إن الإمامة حق مشاع لكل من كان كفئاً لها؟ وهل وصل أحد من الموالي إلى الحكم مصداقاً لهذه النظرية على كثرة عدد الموالي الذين كانوا في تلك الحروب مع الخوارج؟ والواقع أن الخوارج وإن نادوا بتلك الشعارات البراقة كانوا في غاية العصبية للعروبة، وكان أكثرهم من ربيعة وكانت تلك العصبية ظاهرة فيهم، فإن تولى أحد الموالي ولاية، فإنما هي حالة طائرة أملتها الظروف ريثما ينتخبون عربياً مكانه كما وقع لأبي طالوت وثابت التمار وغيرهما من الموالي. يقول عبدالرحمن النجم: " وقد انضم إلى الخوارج عدد من الموالي واشتركوا في الثورات التي قامت ضد الحكم الأموي، ووصل بعضهم إلى مركز الرئاسة ومنهم أبو طالوت سالم بن مطر الذي قاد الحركة في مراحلها الأولى في اليمامة، وثابت التمار الذي اختاره الخوارج رئيساً لهم بعد عزل نجدة ولكنه خلع بسرعة" (٦). وقد أرجع النجم هذه السرعة في عزله إلى العصبية التي كانت مستعرة بين عرب الخوارج (٧). وقد رد كثير من العلماء على الخوارج رأيهم في جواز تولي الإمامة من غير قريش بناء على الأحاديث الواردة في أحقية قريش بالخلافة، وهذه الأحاديث منها ما جاء خبراً مطلقاً عن الخلافة أنها في قريش، ومنها ما جاء مقيداً بشرط.

стр. 1984

أما الأحاديث المطلقة فمنها: ١ - جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)) (١).٢ - حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((الناس تبع لقريش في هذا الشأن؛ مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم)) (٢).٣ - حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) (٣).فهذه هي الأحاديث العامة، وقد ورد ما يقيد عمومها باستقامة قريش على الدين والمحافظة عليه كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ أنه قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين)) (٤). وقد أورد ابن حجر ﵀ روايات عدة في حصر الخلافة في قريش ثم استشهد بكلام العلماء في هذا الباب، ومنه قول القرطبي: " هذا الحديث - يشير إلى حديث: " ما بقي منهم اثنان" المتقدم - خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقريش مهما وجد منهم أحد".

стр. 1985

وقال القاضي عياض: " اشتراك كون الإمام قرشياً مذهب العلماء كافة، وقد عدوها في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار".ولكن ابن حجر يذكر أنه لا يتم القول بالإجماع إلا بتأويل ما ورد عن عمر ﵁ في إرادته جعل الخلافة في معاذ بن جبل وهو أنصاري ليس من قريش، وذلك في قوله: (إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته ... فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) – فأجاب ابن حجر عن دعوى الإجماع هذه التي ذكرها القاضي بأنه: " لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً أو تغير اجتهاد عمر في ذلك" (١).وقد ذكر الإجماع على حصر الخلافة في قريش النووي، فقال بعد ذكره للأحاديث الدالة على ذلك: "هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة " (٢).وقال أيضا: "ولا اعتداد النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش" (٣).ويذكر البغدادي أن من أصول السلف أنهم " قالوا من شرط الإمامة النسب من قريش" (٤).ويؤكد هذا المعنى أيضاً ابن حزم الأندلسي فيقرر عن عدد من الفرق الإسلامية أنهم يرون وجوب جعل الإمامة في قريش في ولد فهر بن مالك، وأن من هذه الفرق فرقة أهل السنة فقال: "ثم اختلف القائلون بوجوب الإمامة على قريش؛ فذهب أهل السنة وجميع الشيعة وبعض المعتزلة وجمهور المرجئة إلى أن الإمامة لا تجوز إلا في قريش خاصة من كان ولد فهر بن مالك ... " (٥).ثم قال: " فصح أنه ليس يجوز البتة أن يوقع اسم الإمامة مطلقاً ولا اسم أمير المؤمنين إلا على القرشي لجميع أمور المؤمنين كلهم أو الواجب له ذلك وإن عصاه كثير من المؤمنين ... وكذلك اسم الخلافة بإطلاق لا يجوز أيضاً إلا لمن هذه صفته" (٦).وقد جعل الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الحنبلي الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة بأنها تدل على أن قريشاً يشتركون جميعهم في استحقاقها؛ حيث قال: " من الأحكام ما تشترك فيه قريش كلها نحو الإمامة الكبرى" (٧).ومع ما ورد من الأحاديث في هذا المقام وأقوال العلماء فإن الخوارج لم يبعثوا بذلك، يقول الدكتور عزت عطية: "وأما الخوارج فلم يبعثوا بالنصوص والأخبار الواردة في ذلك وتمسكوا ببدعتهم" (٨). ولا شك أن الخوارج أو بعضهم قد سمع ما قيل في يوم السقيفة إذ أن هذا الموقف كان معروفاًً في ذهن كل واحد، فإنه لازال طرياً في مسامع الناس حين خرج الخوارج على علي، فيبعد أن لا يسمع أحد منهم بما روي هناك من أن الأئمة في قريش. ويقول ابن حجر مبطلاً احتجاج من احتج بتولية الرسول ﷺ لعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم على أن الخلافة غير لازمة في قريش – بقوله: " وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبدالله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته" (٩).

стр. 1986

ولنا أن نتساءل هل شرط القرشية على إطلاقه؟ وهل الأحاديث الواردة في ذلك دالة على الوجوب مطلقاً أم أن هناك احتمالات أخرى في الموضوع؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل نورد ما ذكره ابن حجر من أن الأحاديث التي وردت في استحقاق قريش الخلافة جاءت على ثلاثة أوجه وهي:١ - وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به؛ لقوله ﷺ : ((الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله)) (١). قال ابن حجر: وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم.٢ - وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم لقوله ﷺ : ((يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب)) (٢). يقول ابن حجر: " وليس في هذا أيضاً تصريح بخروج الأمر عنهم وإن كان فيه إشعار به ".٣ - الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم لقوله ﷺ : ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زارعين أشقياء)) (٣). وهذا الحديث صريح في جواز الخروج عليهم عندما ينطبق عليهم حكمه وهو عدم استقامتهم؛ إذ أنهم حينئذ كغيرهم من أهل الضلال عندما انتفى عنهم موجب تقديمهم وهو لزوم شرع الله ولا يلتفت إلى نسبهم. ولعل هذا هو ما يمكن أن يكون المدار الذي تجتمع عليه الأحاديث بحيث يقال إنهم أولى بالإمامة من غيرهم إذا كانوا صالحين، وإن كان في المجتمع غيرهم من أهل الصلاح، وأما إذا لم يكونوا كذلك وكان غيرهم أصلح منهم وجب تولية الصالح حيث لم يأمرنا الرسول ﷺ بتولية غير الصالحين من قريش أو من غيرهم. والأمر بين في هذا لولا أن الخوارج غلب عليهم الحقد واتباع ما تهوي أنفسهم فأنفوا من الرجوع إلى ما تقتضيه الأحاديث من أولوية قريش إذا كانوا صالحين وحكموا بالأولوية لغير قريش. ولا ينبغي جحد فضل قريش وميزتهم على غيرهم عند صلاحهم، فقد وردت أحاديث كثيرة في بيان ذلك ويكفيهم فضلاً اختيار الله لرسوله منهم. ويشهد لما ذهبنا إليه في مدى اشتراط القرشية في الإمام ما انتهى إليه اجتهاد الشيخ أبي زهرة ﵀ في هذا الأمر، فقد جمع بين الأحاديث التي توجب طاعة ولي الأمر مهما كان جنسه وإن كان عبداً حبشياً، وبين قوله ﵊: ((إن هذا الأمر في قريش)) (٤). وغيره من الأحاديث - بأن "النصوص في مجموعها لا تستلزم أن تكون الإمامة في قريش وأنه لا تصح ولاية غيرهم، بل إن ولاية غيرهم صحيحة بلا شك، ويكون حديث ((الأمر في قريش)) من قبيل الإخبار بالغيب كقول النبي ﷺ : ((الخلافة بعدي ثلاثون ثم تصير ملكاً عضوضاً)) (٥)، أو يكون من قبيل الأفضلية لا الصحة)) (٦). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٠٨

стр. 1987

المطلب الرابع: محاسبة الإمام والخروج عليه يرى الخوارج أن الإمام هو المثل الأعلى، ولهذا فيجب أن يكون متصفاً بذلك قولاً وفعلاً، فإن خطأه ليس كخطأ غيره من الناس، فإذا أخطأ خطيئة ما يجب فوراً محاسبته والخروج عليه، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل ولو أدى هذا إلى قتله؛ فإنه حق مشروع لهم حينئذ. وهكذا يعيش الإمام عندهم بين فكي الأسد يحاسب على كل ما يصدر منه محاسبة دقيقة لا تأخذهم فيه لومة لائم فلا طاعة لجائر؛ لأنهم ينكرون الجور أشد الإنكار ولا يعترفون بإمام يعتقدون أنه قد جار في حكمه، قال الأشعري: " ولا يرون إمامة الجائر" (١)، ويحل عليه الخروج عندهم إذا ارتكب ذنباً ولم يتب منه، أو أظهر جور في حكمه، أو كان فيه تقصير عن إقامة الحدود؛ فإن الخروج عليه حينئذ يكون واجباً وقتاله حق واستشهاد، " فهم مشهور بتشددهم وصرامتهم وجرأتهم في محاسبة رؤسائهم" (٢).وإشهار السيف في وجهه ووجوه أتباعه من إقامة الدين وإظهاره عالياً؛ لأن الظلمة لا ولاية لهم، ولا تجب طاعتهم؛ فقد قال تعالى: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]، وهذا دليل واضح عندهم على وجوب إقصائه عن الحكم إذا ظلم في حكمه أو جار. يقول الشهرستاني في بيانه لموقف الخوارج من الإمام: " وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله" (٣).ويقول البغدادي فيما يرويه عن الكعبي: إن من الأمور التي أجمعت عليها الخوارج إجماعهم على " وجوب الخروج على الإمام الجائر" (٤). وهم كما سبق لا يرون للإمام ميزة إلا إقامة الأحكام الشرعية، ولهذا فمراجعته وانتقاده أمر عادي، ولقد أدت هذه النظرية من سلفهم القديم إلى المغالاة والشطط التي دفعت بذي الخويصرة بغير حق إلى نقد النبي ﷺ نفسه فيما توهمه ظلماً في توزيع الغنائم. قال ابن حزم في كلامه عن خروج الخوارج على علي ومحاربته وعدم الرضى بخلافته وأن هذا كان بسبب جهلهم وقلة علمهم قال: " ولكن حق لمن كان إحدى يمينه ذو خويصرة الذي بلغ ضعف عقله وقلة دينه إلى تجويره رسول الله في حكمه والاستدراك، ورأى نفسه أورع من رسول الله ﷺ ، هذا وهو يقر أنه رسول الله ﷺ إليه، وبه اهتدى وبه عرف الدين، ولولاه لكان حماراً أو أضل" (٥).

стр. 1988

فإذا كانت هذه حال سلفهم مع رسول الله ﷺ ، فكيف بمن بعده من الخلفاء؟! ولهذا فهم قلما يثبتون على إمام ويخضعون له خضوعاً تاماً إلا قليلاً، فنتج عن هذا الموقف ثم من المواقف الأخرى، وهو كثرة حروبهم مع مخالفيهم أو مع بعضهم البعض – كثرة أئمتهم. ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة العوفية فقد اعتبرت كفر الإمام سبباً في كفر رعيته، وذلك في قولهم: "إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد" (١)؛ لهذا فينبغي أن يحال بينه وبين الحكم عندما يبدو منه أمر مكفر بأي وسيلة كانت، وإلا فقد كفروا هم أيضاً، فلا أشد من هذه المبالغة في تكفير الناس بغير حق، فإذا كفر الإمام بالمشرق فمن أي وجه تكفر رعيته بالمغرب، بل من أي وجه يكفر حتى ولده الذي هو في بيته مادام متمسكاً بالإسلام؟! ومن هذا القبيل ما قاله الملطي حاكياً عن رئيس البيهسية هيصم بن عامر بأنه قد افترى " فزعم أن حكم الإمام بالكوفة حكماً يستحق به الكفر، ففي تلك الساعة يكفر من كان في حكم ذلك الإمام بخراسان والأندلس، وعلى الإمام إذا أبصر كفره فتاب منه أرسل إلى أهل حكمه كلهم يستتيبهم من الكفر وإن لم يشعروا به، فإن أبي أن يتوب منه وقال ما لي أن أتوب مما لا شك فيه ولم أعلم به ضربت عنقه" (٢).

стр. 1989

وهذه أحكام خاطئة لا تصدر إلا عن عقول جاهلة بمعاني الشريعة وأحكامها، وعلى هذا فما تراه من كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة تجاه الإمام؛ فهو عندهم مراقب مراقبة صارمة لا تغتفر له خطيئته، ولا يقبل له عذر في الخطأ إلا بعد الاعتراف والتوبة، أمام طائفة من المؤمنين. فقد " كان المجتمع الإباضي - كما يقول السالمي - يحرص حرصاً شديداً على مراقبة أئمته طيلة الوقت ... فقد كانت جميع خطواته محسوبة عليه، وغلطة بسيطة غير متعمدة تبدر منه عفواً كانت كافية لإثارة الضجة من حوله، وربما أدت إلى عزله وإن كان الخطأ بسيطاً جداً، فعليه أن يعترف به أمام كبار أعلام المسلمين وأن يطلب المغفرة من الله وأن يتوب إليه، وقد قيل بأن كبار العلماء قاموا بمحاسبة الإمام عزان بن قيس لأنه أرسل إلى بلده الرستاق بعض القطع النحاسية التي كسبوها في المعركة، وقد اعترف بخطئه وطلب المغفرة من الله" (١).ومع أن النص يشير إلى الغلو والتشدد المفرط، إذ أن الخطأ اليسير غير المتعمد يكون كافياً لإثارة الضجة والمداولات العنيفة التي قد تؤدي إلى عزل الإمام وسقوطه، وما يتبع سقوطه من فتن ومخاوف- لا يرى الإباضية أن هذا تشدداً بل هو مثل عليا تمثل عصر الخلفاء الراشدين في بساطتهم وعدلهم، كما يذكر السالمي ذلك عن فرقة الإباضية فيقول: " وبحكم بساطتها وعدم غلوها ومثلها العليا استطاعت أن تعيش حتى يومنا هذا، واستطاعت أن تقيم حكم الإمامة الذي انقطع بموت الخلفاء الراشدين وأن توصل حبله" (٢).وإضافة إلى ما ذكره السالمي فيما سبق فإن الأشعري يقول عنهم: " ولكنهم يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغير السيف" (٣).ولكننا نجد من علماء الإباضية من ينكر أن يكون من رأيهم وجوب الخروج على الأئمة الجورة، بل من رأيهم جواز الخروج وعدمه، وأيضاً يستثنون من جواز الخروج إذا لم يؤد ذلك إلى فتنة أكبر من فتنة الخروج عليه، وإن نازعهم في صحة هذا الاستثناء بعض الكتاب المحدثين، مثل أحمد صبحي الذي اعتبر قول الإباضية المتأخرين وخصوصاً علي يحيى معمر بأنه يجوز الخروج إذا لم يؤد ذلك إلى فتنة أكبر- أنه لم يكن من آراء الخوارج الأصلية – بما فيهم الإباضية واتهم علي يحيى معمر بتقريب مذهب الإباضية إلى مذهب الأشعرية القائلين بهذا التحفظ (٤). ولكننا نجد نصوصاً كثيرة من علماء الإباضية تشهد لما ذهب إليه علي يحيى من جواز الخروج على الأئمة ما لم تكن فتنة أكبر. قال أبو يعقوب الوارجلاني: " وأجزنا الخروج عليهم والكون معهم، فإن خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزيل ظلمهم على البلاد والعباد، وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا" (٥).ويقول قطب الأئمة محمد يوسف أطفيش: " ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا " (٦).ويقول علي يحيى معمر: " يجب على الأمة المسلمة أن تقيم دولة عادلة، فإذا كانت الدولة القائمة جائزة جاز البقاء تحت حكمها وتجب طاعتها في جميع ما لا يخالف أحكام الإسلام، على أنه ينبغي للمسلمين أن يستنيموا على الظلم وإنما ينبغي لهم أن يحاولوا تغيير الحكم إذا كان ذلك لا يسبب في إحداث أضرار جسيمة بالأمة " (٧).

стр. 1990

ويقول أبو يعقوب الوارجلاني أيضاً: " اعلم يا أخي أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك والظلمة والسلاطين الجورة جائز وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم أولى. قالوا: وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قول أهل الدعوى أنه جائز الخروج عليهم وقتالهم ومناصبتهم والامتناع من إجراء أحكامهم علينا إذا كنا في غير حكمهم، وأما إذا كنا تحت حكمهم فلا يسعنا الامتناع في كثير من أحكامهم، وإن أردنا الشراء والخروج جاز لنا" (١).ويقول الثعاريتي عن الإمام: " وللأمة عزله بموجب كأن يقع منه ما يخل بأمور المسلمين، فإن أدى عزله إلى الفتنة ارتكب أخف الضررين" (٢). وبعد فهل كان الخوارج فيما ذهبوا إليه من وجوب الخروج على الحكام – هل كانوا فيه على صواب أم على خطأ؟ وذلك بالاستناد إلى ما ورد من نصوص واضحة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقبل إيراد بعض تلك النصوص نقول: إنه لا يخفى على أحد مقدار الخسارة التي تلحق بالأمة حين يخرج بعض الناس على الإمام الشرعي، ويؤيده البعض الآخر وما ينتج عن هذا من تشتت الكلمة ودخول الأهواء في كل أمر، وتعاظم الحقد في صدور الناس وسفك الدماء المستحقة والبريئة على حد سواء من جراء تلك الفتن الأهلية، كما وقع ذلك في كل وقت من الأوقات التي يغلب فيها الجهل على العلم والظلم على العدل ولهذا فقد حث الإسلام على الوحدة واجتماع الكلمة. يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: ١٠٣]، ويقول الله تعالى آمراً عباده بالتعاون فيما بينهم على الخير واجتناب الشر: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]. وقد أمر الله بطاعة أولي الأمر إذ أنه لابد لكل مجتمع من وال لأمرهم يكون مرجعاً في قضاياهم، وإلا لفسد الأمر واختل النظام ووقعت الفوضى وبطل تنفيذ شرع الله، فلهذا أوجب طاعتهم التامة بعد أن أمر بطاعته هو جل وعلا وطاعة رسوله الكريم ﷺ في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء: ٥٩] والولاة من أولي الأمر. وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى وجوب طاعة أولي الأمر وتحريم الخروج عليهم، ومنها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) (٣)، أي أنه اعتبر طاعة الأمير كأنها طاعة له وعصيانه كأنه عصيان له.٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) (٤)؛ فقد أوجب ﷺ طاعة الأمير مهما كان جنسه أو لونه أو منزلته عند الناس، ما دام أنه قد نصب أميراً شرعياً على الأمة.٣ - قال ﷺ في التحذير من مفارقة الجماعة بالخروج على الإمام: عن ابن عباس يرويه قال: قال النبي ﷺ : ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية)) (٥).

стр. 1991

والأحاديث في هذا الباب كثيرة كلها توجب طاعة أولي الأمر لتتم وحدة الأمة ويقوم كيانها به، على أنه وإن تظاهرت الأحاديث بطاعة أولي الأمر والرضا بحكمهم، إلا أن تلك الطاعة ليست على إطلاقها فقد قيدت طاعة الحاكم بما إذا كان ملتزماً لحكم الله غير آمراً بالمعصية، أما إذا كان بخلاف ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية خالقه تعالى. يقول ﷺ : ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (١).٤ - عن علي ﵁ قال: ((بعث النبي ﷺ سرية وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي ﷺ أن تطيعوني قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي ﷺ فراراً من النار أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف)) (٢). وهذا اللفظ في البخاري وقد أورد مسلم عدة روايات في مثل هذا المعنى، وهي واضحة في عدم طاعتهم في المعصية المحرمة. إلا أنه لا ينبغي أن يفهم منها أنه بمجرد ارتكاب الحاكم المعصية يباح الخروج عليه كما ترى ذلك الخوارج، إذ أن المعاصي لا يمكن أن يخلو عنها بشر، فإذا أبيح الخروج على الحاكم لأنه عصى سترتكب حينئذ من المعاصي أضعاف ما ارتكب، إضافة إلى أن خلفه الذي سينصب لابد وأن يعصي معصية ما فيفضي ذلك إلى الفوضى وارتكاب المنكرات فيضعف الدين، وتبطل حكم التشريع الربانية. فلا يجوز الخروج على الحكام ما داموا ملتزمين بالشريعة محافظين على الصلاة وسائر شعائر الإسلام، إلا أن يظهروا كفراً بواحاً فيه دليل لنا عليه من كتاب الله وسنة نبيه، أو أن يأمروا الناس بترك شعيرة من شعائر الإسلام كالصلاة أو الحج وغيرهما من شعائر الإسلام، أو يأمرونهم بفعل المعاصي. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٢٢

стр. 1992

المطلب الخامس: رأي الخوارج في إمامة المفضول اختلف الخوارج في صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين: ذهب فريق منهم إلى عدم الجواز، وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل. وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك، وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، كما هو الصحيح (١). اختلف الخوارج في صحة إمام المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين متقابلين: ١ - فذهب الفريق الأول منهم إلى عدم الجواز وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل.٢ - وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، وفي هذا يقول أبو محمد بن حزم: " ذهبت طوائف من الخوارج، وطوائف من المعتزلة، وطوائف من المرجئة، منهم محمد بن الطيب الباقلاني ومن اتبعه وجميع الرافضة من الشيعة إلى أنه لا يجوز إمامة من يوجد في الناس أفضل منه. وذهبت طائفة من الخوارج وطائفة من المعتزلة وطائفة من المرجئة وجميع الزيدية من الشيعة وجميع أهل السنة إلى أن الإمامة جائزة لمن غيره أفضل منه " (٢).والإباضية من هذا الفريق الثاني الذي يجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، قال الثعاريتي الإباضي: " وتجوز (أي الإباضية) إمامة المفضول مع وجود الفاضل خلافاً لقوم كالإمامية، هذا ما عليه أصحابنا وهو بعينه مذهب الأشاعرة " (٣).ومن هنا فإن الطالبي لم يكن دقيقاً عندما أطلق الحكم بأن الخوارج بصفة عامة لا يجيزون إمامة المفضول مع وجود الفاضل، عندما قال: " ولا يجوز عند الخوارج أن، يتولى الإمامة شخص مفضول إذا وجد من هو أفضل منه" (٤). فقد تبين لنا مما سبق من كلام ابن حزم والثعاريتي أن بعضهم يجيز ذلك. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٣٠

стр. 1993

المطلب السادس: رأي الخوارج في إمامة المرأة إمامة المرأة: الإمامة مسئولية عظمى وعبء ثقيل يتطلب سعة الفكر وقوة البصيرة ورباطة الجأش، ويتطلب أيضاً مزايا عديدة جعل الله معظمها في الرجال دون النساء، ولقد علم بالضرورة أن الخلفاء والقواد العظام الذين سطرت لهم الصفحات البيضاء في التاريخ كان معظمهم من الرجال، ولا أدل على هذا من اختيار الله جل وعلا لرسالته والتبليغ عنه ممن علم فيه الكفاءة والكمال وذلك من جنس الرجال فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً [الأنبياء: ٧]، وما ذاك إلا لما يعلم من تحمل الرجال لمتاعب المسؤولية العظمى وما أودعه في تركيبهم من أسرار. وقد أطبق جميع العقلاء على أن الخلافة لا يصلح لها النساء، وقد روي ابن حزم في قوله الآتي اتفاق جميع المسلمين على عدم جواز تولي المرأة الإمامة العظمى فقال: "قال أبو محمد: وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة المرأة " (١).ولكن نجد فرقة من فرق الخوارج وهي الشبيبة كان لها تأثير بالغ في محاربة جيش الخلافة وانتصارهم عليه مرات عديدة – تذهب إلى جواز تولي المرأة الإمامة العظمى، وذلك أن شبيب بن يزيد الشيباني زعيم هذه الطائفة كان في جيش صالح بن مسرح الذي ثار على الخلافة الأموية في زمن عبد الملك بن مروان، فقابله جيش الخلافة على باب حصن جلولا فانهزم صالح جريحاً، فلما أشرف على الموت استخلف شبيباً هذا فأحدث في زمنه القول بجواز تولي المرأة الإمامة العظمى فيذكر عنه البغدادي: " إنه مع أتباعه أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت، واستدلوا على ذلك بأن شبيباً لما دخل الكوفة أقام أمه على منبر الكوفة حتى خطبت" (٢). وهنا يسجل العلماء على هذه الفرقة تناقضهم واتباعهم الهوى في انتقادهم أم المؤمنين عائشة ﵂ حين خرجت تطالب بدم عثمان أول الأمر مجتهدة فتأولوا عليها قول الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣]، فقالوا إنها خالفت ما أمرها الله به من الستر والحجاب والقرار في البيت، فإذا كانوا ينتقدون خروج عائشة وهي مع محرمها محجبة تقية، فكيف أجازوا لنسائهم تولية الإمامة العظمى والخروج على الحكام يحاربن معهم في ميادين القتال، فقد كانت نساؤهم – كما ذكرنا في خصائصهم – يقلدن السيوف ويركبن ظهور الخيل ويحضرن المعارك ويبارزن الشجعان حتى اشتهرن بتلك الصفات. وعائشة ﵂ خرجت مع جندها الذي كل واحد منهم محرم لها، لأنها أم جميع المؤمنين بنص القرآن، ولم تخرج لطلب الإمامة العظمى، وقد أخبر ﷺ عن المرأة بأنها ناقصة عقل ودين، فكيف يجوز إلقاء مصير الأمة على عاتق امرأة واحدة لا تقبل شهادتها بمفردها على رغم أنوف دعاة المرأة إلى الخروج عن قانونها الذي جعلها الله فيه، وقد ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (٣). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٣٢

стр. 1994

المطلب السابع: الفرق بين الخوارج والشيعة في الإمامة وإذا أردنا أن نقارن بين آراء الخوارج والشيعة في الإمامة نجد أن بينهم بوناً شاسعاً في هذه القضية كما نتبين ذلك فيما يأتي: ١ - فالخوارج منهم من يقول بالاستغناء عن الإمام، والشيعة على العكس ترى أن وجود إمام من آل البيت أصل من أصول الدين. ٢ - الإمامة عند الخوارج حق مشاع بين كل طبقات المجتمع إذا وجد الكفء، بينما الشيعة تحصر الخلافة في علي ونسله من بعده. ٣ - الخوارج لا تقول بعصمة الأئمة والشيعة تدعى عصمتهم.٤ - لا يعتقد الخوارج رجعة أحد أئمتهم، والشيعة تعتقد رجعة الإمام المنتظر، والقول بعدم رجعة أحد هو قول عامة الخوارج إلا فرقة شذت عنهم تسمى الخلفية ورئيسهم يسمى مسعود بن قيس، ففي أثناء محاربة حمزة بن أكرك لهذه الفرقة وهزيمتها هرب مسعود بن قيس فغرق في واد ومات غريقاً، إلا أن طائفته لم تصدق بموته واعتقدوا رجعته، وصاروا ينتظرونه (١) انتظار الشيعة للإمام المنتظر الذي يسألون له الرجوع وتعجيل الخروج في كل لفظة يذكر فيه المهدي ويرمزون لذلك بحرفي " عج".٥ - يرى الخوارج جواز الخروج مع أي شخص كان مادام مستقيماً على الحق، بينما الشيعة يرون أنه لا يجوز الخروج على مخالفيهم إلا مع وجود الإمام الحق، وبدونه لا يجب ولا يلزم بل هو إضرار بالغير، ولا صحة لإمامة من ليس من أهل البيت، فمتى وجد هؤلاء جاز الخروج معهم على الحكام الجائرين وبدونهم لا يجوز (٢).٦ - التقية عند الشيعة واجبة ويحضون على التزامها دائماً وخصوصاً عندما تقتضي الظروف، أما الخوارج فلا مكان لها عند الأزارقة منه ولا مكان للتقية العملية عند الصفرية كذلك، أما الشيعة فإنهم جميعاً يوجبونها، يقول أحمد أمين: " وعلى عكس الشيعة في القول بالتقية الخوارج "، ويقول: " وحياة الشيعة والخوارج السياسية مظهر من مظاهر قولهم في التقية، فالخارجي يعلن الخروج على الإمام في صراحة ولو كان وحده " (٣). ٧ - يرى الزيدية من الشيعة جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وهم بذلك يخالفون معظم الخوارج الذين يمنعون ذلك. وإذا كانت هذه الفوارق تمثل اختلافاً حاداً بين الخوارج والشيعة في كثير من مسائل الإمامة، فإن هذا الخلاف لم يكن جديداً فيما بينهم فقد بدأ حاداً في قضية الإمامة منذ أول أمرهم حينما انفصل الخوارج عن الشيعة على عهد الإمام علي ﵁. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٣٥

стр. 1995

المبحث السادس: آراء الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي لا يماري فيه مسلم لوروده في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . قال الله تعالى: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة. ويقول ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (١).وهذا الأمر عام لكل من يصلح له هذا الخطاب، ويقول ﵊ موجباً – حتى على الجالسين على الطرقات – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يرويه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إياكم والجلوس بالطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال رسول الله ﷺ : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، فقالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٢). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقد اتفق على القول بوجوب تغيير المنكر كل الفرق – وإن اختلف بعضهم عن بعض في الطريقة التي يتم بها – ومنهم الخوارج، يقول ابن حزم في هذا: " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك" (٣).ويقول القاضي عبدالجبار: " وجملة ما نقول في هذا الموضع أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٤). وقد اتفق أهل العلم على أنهما فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الآخرين. يقول الحنبلي في مختصر الفتاوى لابن تيمية: " والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، وكل واحد من الأمة مخاطب بقدر قدرته، وهو من أعظم العبادات" (٥).والخوارج – كما قدمنا – كغيرهم من الفرق الإسلامية التي تنادي بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم غالوا في تطبيقه فأوجبوا الخروج تغييراً للمنكر ولو لأدنى سبب وعلى أي حال، حتى ولو كان السبب إهمال الإمام لسنة من السنن مهما كانت، ويقول الشهرستاني: إنهم " يرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقاً واجباً" (٦).ويقول صاحب إبانة المناهج: إن من أصولهم " القول بالخروج على الإمام الجائر" (٧)، ويقول فلهوزن: "وتغيير المنكر واجب على كل فرد بلسانه وبيده، وهذا المبدأ إسلامي عام، ولكن تحقيقه بمناسبة وغير مناسبة كان علامة دالة على الخوارج" (٨). وسنتبين طريقتهم فيما يأتي من عرض أقوالهم. يقول أول رئيس للخوارج وهو عبد الله بن وهب الراسبي مخاطباً أتباعه حين اجتمعوا في منزله موجباً عليهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخروج من أجله: "وما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء؛ آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق، فاخرجوا بنا" (٩).

стр. 1996

وهذا النص يوضح تمام الوضوح نظرهم إلى فكرة تغيير المنكر وحمل الناس على التزام المعروف كما يريدون، فهو يدعو إلى الخروج المسلح وترك شهوات الدنيا والرغبة في الآخرة وخوض المعارك والاستشهاد في سبيل الله؛ لأجل تغيير المنكرات التي يرونها في مجتمعهم ذلك. والخوارج – وهو ما تميزوا به كما قلنا – أرادوا بإقامة هذا الأمر حمل كافة الناس على قبول آرائهم واعتبار كل شيء لا يوافق ما يعتقدونه منكراً يجب الامتناع عنه، وكانوا يولون ذلك أكبر الاهتمام والمحافظة البالغة على تطبيقه تطبيقاً كاملاً صغر الأمر أو كبر دون هوادة في ذلك مهما كانت النتائج، ولو أدى تغيير المنكر إلى الجهاد الجماعي لمخالفيهم بامتشاق السيف وخوض الحروب، خصوصاً إذا كان المرتكب لذلك المنكر – في نظرهم – أحد حكام المسلمين الذي يمثل بطبيعة وظيفته الخلافة الإسلامية، ويناط به الحكم بما أنزل الله، فإن الخروج عليه أوجب وأولى، وفي هذا يقول أحد علمائهم وهو سليمان ابن عبد الله الباروني أن الشراة هم الذين "اشتروا آخرتهم بدنياهم، بمعنى أنهم تخلوا عن الدنيا وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت ولو أدى بهم ذلك إلى القتال" (١). وكان زعماؤهم يرددون في كل خطبة لهم على مسامع إخوانهم الخوارج أن تغيير المنكر من الأمور الواجبة عليهم التي لا يعذر الله من قصر في القيام بها؛ نظراً لما شاع في المجتمع من المظالم وإضاعة معالم الدين. يقول حيان بن ظبيان وهو أحد رؤسائهم يخاطب أصحابه: " فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصر فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون" (٢).ويقول أيضاً معاذ بن جوين الطائي في "دوافع خروجهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الإعذار في ذلك: " يا أهل الإسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين" (٣).

стр. 1997

ويجري هذا المجرى في بيان دوافع الخوارج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يقوله صالح بن مسرح مخاطباً جماعته: "ما أدري ما تنتظرون؟! حتى متى أنتم مقيمون؟ هذا الجور قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ما تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلواً وعتواً وتباعداً عن الحق وجرأة على الرب، فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون".ويقول شبيب مخاطباً صالح بن مسرح المذكور: " اخرج بنا رحمك الله، فوالله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً" (١).فدوافع الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جرت على ألسنتهم دوافع دينية تتمثل في ما بدا لهم من شيوع المنكرات والمظالم بين الناس والحكام ومن اندراس معالم الدين في المجتمع، بل إن نافع بن الأزرق كان يرى أن مخالفيهم كفار يجب جهادهم كجهاد الكفار الذين لم ينطقوا بكلمة الشهادة، فقد جاء في كتابه إلى أهل البصرة قوله يحثهم على الخروج: " والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار؟ ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد" (٢) إلخ. ويقول الطبري: " وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضاً ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان، ويرون في الإقامة الغبن والوكف وأن في جهاد أهل القبلة الفضل والأجر" (٣).وقد بالغوا في حب الجهاد والاستبسال فيه إلى حد وصفه أبو زهرة بأنه هوس واضطراب في أعصابهم وليس مجرد شجاعة كما يرى فيقول: " بل هناك صفات أخرى منها: حب الفدا، والرغبة في الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع قوي يدفع إلى ذلك، وربما كان منشؤه هوساً عند بعضهم واضطراباً في أعقابهم لا مجرد الشجاعة " (٤).فكانوا إذا دعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستعملون في سبيل تحقيقه كل ما لديهم من قدرة، ولا ينظرون إلى العواقب أياً كانت تلك العواقب، وكانوا كما يصفهم أحمد أمين " أشد وأقسى وأعنف، فمتى اعتقدوا الحق في شيء نفذوه بالسيف، ولهذا كان تاريخهم سلسلة حروب وخروج على الخليفة". ويقول أيضاً: " فالواجب في نظر الخوارج يجب أن يفعل ثم لتكن النتيجة ما تكون، وظلوا مخلصين لهذا المبدأ طوال العهد الأموي وصدر الدولة العباسية حتى أبيدوا " (٥).وقد اعتبر العلامة ابن القيم هذا الاندفاع والعنف في تحقيق ما يريدون بأنه من تعصب أهل البدع لبدعهم، وأنهم يخرجون بعدهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع، فيرى أن الخوارج أخرجت استحلال قتال الناس في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في قوله: " وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٦).

стр. 1998

فهو يختلف مع الأستاذ أبي زهرة في تعليل ذلك الاندفاع الذي تميز به الخوارج. وأياً كانت دوافع الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد كانوا متحمسين في القياس به مستعملين في ذلك كل ما في إمكانهم من قول وفعل، فقد كانوا يستعملون فصاحتهم وقوة بيانهم لإظهار معايب خصومهم واضحة أمام الناس لإثارة مشاعرهم ضدهم وبالتالي لتهوين الخروج المسلح عليهم بحجة أنهم ظلمة جائرون مرتكبون لما حرم الله من معاص ومنكرات يجب عليهم تغييرها كما يفرضه عليهم الدين، يصفهم صاحب (كتاب الأديان والفرق) بأنهم: " أول من أنكر المنكر على من عمل به، وأول من أبصر الفتنة وعابها على أهلها لا يخافون في الله لومة لائم " (١). وهكذا فقد اعتبروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً جماعياً يجب على الكل القيام به في أي وقت وعلى أي حال، كما يشهد بذلك فعلهم. والواقع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما ذكرنا من قبل – أصل من أصول الدين، مجمع على وجوبه بين الأمة لما ورد من نصوص في كتاب الله وسنة نبيه توجب القيام به؛ حفظاً لكيان الأمة من التردي في مسالك الرذيلة، ونصحاً للناس؛ لئلا يصبح المجتمع على اتفاق فيما بينهم على ارتكاب الجرائم وانتهاك الأعراض، فتحل عليهم نقمة الله وغضبه. ومن لطف الله أن جعل وجوبه على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الجميع، وأنه لم يكلف أحداً بهداية أحد بل أوجب تعالى إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل نتيجة ذلك إليه تعالى وحده؛ لئلا يهن الشخص وييأس من استجابة الناس له؛ فيترك فضيلة القيام الأمر. وقد يخدع الشيطان بعض الناس فيريه أنه هو نفسه على محذور فكيف ينصح الآخرين، وهذا من وساوس الشيطان ومكائده التي يريد بها حصر كل إنسان في نفسه فقط؛ ولهذا فيجب على الشخص أن يدعو إلى ذلك وإن كان على تقصير في نفسه إذ الكمال لله وحده تعالى، ولعل في نهيه لغيره ما يعود عليه بالخير فيرتدع عن كثير مما ينهي الناس عنه حياء من الله. وقد يظن بعض الناس بأن القيام بتلك المهمة إنما يتولاها من كان من أهل السلطة فقط، وهذا خطأ؛ إذ أن الله لم يسند القيام به إلى أحد بخصوصه، سواء كان حاكماً أو محكوماً، أفراداً أو جماعات، فإن كل واحد يتعين عليه القيام بما يعرف من أمر الإسلام؛ لأن هناك منكرات ظاهرة يعرفها كل شخص فلا يعذر بترك الإنكار حين يتعين عليه ذلك بحجة أنه غير عالم. وهناك منكرات قد تخفى على بعض الناس بحيث لم يتبين له الحكم فيها، وهنا يسقط عنه وجوب تغييره، وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يسير على ما نهج رسول الله ﷺ من طرق في ذلك؛ حيث جعل لتغيير المنكر مراتب ودرجات وأولها التغيير باليد وهو أجدى الطرق وأحسنها، فإن لم يتيسر ذلك انتقل إلى ذلك إلى الدرجة الثانية وهو التغيير باللسان فحسب أثمر ذلك أم لم يثمر، فإن كان المجتمع قد تشبع بحب الفساد ووصل الحال إلى حد لا يمكن معه الإصلاح باليد أو باللسان؛ انتقل إلى أضعف الدرجات وهو الإنكار بالقلب، وهو إن كان ليس تغييراً للمنكر إلا استشعار للمسؤولية وإنكار على المفسدين حتى يشعروا بأنهم عزلة عن المجتمع الإسلامي، ولابد أن يقلعوا عن فسادهم إذا أرادوا العودة إلى مجتمعهم، ومن ناحية أخرى فإن في الإنكار بالقلب ضمان لعدم تأثر الصالحين بفساد المفسدين. وفيما يتعلق بمسلك الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء ما قدمنا من حدود الشريعة؛ فإننا نجد أن الخوارج لا لوم عليهم في مناداتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يلامون على ما تميزوا به من اندفاع وتهور في تغيير المنكر على أي حال دون النظر في عواقب الأمور من تحقيق لمصلحة أو دفع لمضرة، فكانوا يمتشقون السيوف بمجرد ظهور أي مظلمة أو ذنب مهما كان، ولهذا فقد ارتكبوا في سبيل تحقيق ذلك أفظع الجرائم وأشنعها، وارتكبوا من المنكرات في إزالة ما يرونه منكراً ما يزيد على أضعافه، وجلبوا من المضار أكثر مما أرادوا النفع، وهذا هو ما يبعد بهم عن هدي الإسلام في إقامة تلك القاعدة الجليلة. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٣٧

стр. 1999

تمهيد: إن الصراحة في القول والجهر بما تنطوي عليه النفس دون مراعاة أحد أو الخوف منه سواء كان حاكما أو محكوما يتمثل في أوضح صورة لدى الخوارج؛ فهم يرون أن عدم الجهر بالقول الذي يعتقده الشخص حقا ليس من صفات الرجل الواثق من عقيدته، بل هو من صفات المنافقين المرتابين، وقد كانت سيرتهم في الخروج والكفاح مثلا واضحا، لذلك كما رأينا في تاريخنا لحركات الخوارج الثورية وما ذكرناه من أمثلة شجاعتهم وصراحتهم في إعلان الخروج. ولقد كان نافع بن الأزرق أقوى معبر عن ذلك بما ذهب إليه من تحريم التقية وما أقام على ذلك من أدلة، وإن كان هناك من أجازها مطلقا من بعض فرق الخوارج الأخرى مخالفة له في ذلك، ومن توسط في أمرها كما سنبين ذلك فيما بعد. ولقد كان الاختلاف في شأن التقية من الأسباب التي فرقت بين نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة وبين نجدة زعيم النجدات وهما من أوائل الخوارج وأشدهم بأسا، قال الشهرستاني مبينا سبب ذلك الاختلاف بينهما: "وكان سبب اختلافهما أن نافعا قال: التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر" – إلى أن يقول: "وخالفه نجدة وقال: التقية جائزة" (١). وعلى أساس آراء الخوارج المختلفة في التقية منعا أو تجويزا، تختلف مواقفهم من القعدة منهم بين مخالفيهم على سبيل رفضا لقعودهم أو إقرارا لهم عليه، ولهذا فإننا نبدأ فيما يلي ببيان رأي الخوارج في التقية قبل أن نحدد مواقفهم المختلفة من القعدة. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٤٧

стр. 2000

أ- القول بعدم جواز التقية وهذا هو رأي الأزارقة، فقد كان نافع بن الأزرق زعيمهم من أشد المبغضين لها ويرى أنها تنافي وجوب الجهاد الذي رفضه الله على المسلمين لقوله تعالى: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً [التوبة:٣٦]، إذ إن القائل بالتقية لا يمكن أن يندفع إلى قتالهم ما دام يجد ملجأ في التقية وبالتالي فإنه يضعف فيه ذلك العزم والصدق الذي أراده الله من المجاهد، ولذلك فقد "برئوا من أهل التقية" (١) كما قال الأشعري، وبالتالي فلا محل لها عندهم ولا منزلة لها بينهم سواء كانت في الأقوال أو الأفعال. وقد عد الشهرستاني هذا القول من بدعهم وضلالتهم أي قولهم: "إن التقية غير جائزة في قول ولا عمل" (٢).ويقول أحمد أمين مقارنا بين الخوارج والشيعة في الأخذ بالتقية: "وعلى عكس الشيعة في القول بالتقية الخوارج فقالوا: لا تجوز بحال من الأحوال ولو عرضت النفس والمال والعرض للأخطار، وحياة الشيعة والخوارج السياسية مظهر من مظاهر قولهم في التقية، فالخارجي يعلن الخروج على الإمام في صراحة ولو كان وحده ويحاربه ولو كان في نفر قليل مهما بلغ عدوه من العدد" (٣). وكلام أحمد أمين يصدق على الأزارقة وأصحاب الحركات الثورية من الخوارج، وقد يصدق على غيرهم من الفرق الأخرى التي ترفض التقية وإن لم يروي المؤرخون في ذلك عنهم شيئا بخلاف من يجيزون التقية كالنجدات والصفرية والإباضية وغيرهم ممن سنعرض رأيهم في هذا الفصل. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٤٨
следующие страницы →