وهذا النص يوضح تمام الوضوح نظرهم إلى فكرة تغيير المنكر وحمل الناس على التزام المعروف كما يريدون، فهو يدعو إلى الخروج المسلح وترك شهوات الدنيا والرغبة في الآخرة وخوض المعارك والاستشهاد في سبيل الله؛ لأجل تغيير المنكرات التي يرونها في مجتمعهم ذلك. والخوارج – وهو ما تميزوا به كما قلنا – أرادوا بإقامة هذا الأمر حمل كافة الناس على قبول آرائهم واعتبار كل شيء لا يوافق ما يعتقدونه منكراً يجب الامتناع عنه، وكانوا يولون ذلك أكبر الاهتمام والمحافظة البالغة على تطبيقه تطبيقاً كاملاً صغر الأمر أو كبر دون هوادة في ذلك مهما كانت النتائج، ولو أدى تغيير المنكر إلى الجهاد الجماعي لمخالفيهم بامتشاق السيف وخوض الحروب، خصوصاً إذا كان المرتكب لذلك المنكر – في نظرهم – أحد حكام المسلمين الذي يمثل بطبيعة وظيفته الخلافة الإسلامية، ويناط به الحكم بما أنزل الله، فإن الخروج عليه أوجب وأولى، وفي هذا يقول أحد علمائهم وهو سليمان ابن عبد الله الباروني أن الشراة هم الذين "اشتروا آخرتهم بدنياهم، بمعنى أنهم تخلوا عن الدنيا وعاهدوا الله على إنكار المنكر والأمر بالمعروف بدون مبالاة ولا خوف من الموت ولو أدى بهم ذلك إلى القتال" (١).
وكان زعماؤهم يرددون في كل خطبة لهم على مسامع إخوانهم الخوارج أن تغيير المنكر من الأمور الواجبة عليهم التي لا يعذر الله من قصر في القيام بها؛ نظراً لما شاع في المجتمع من المظالم وإضاعة معالم الدين. يقول حيان بن ظبيان وهو أحد رؤسائهم يخاطب أصحابه: " فانصرفوا بنا رحمكم الله إلى مصر فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب، فإنه لا عذر لنا في القعود وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون" (٢).ويقول أيضاً معاذ بن جوين الطائي في "دوافع خروجهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم الإعذار في ذلك: " يا أهل الإسلام إنا والله لو علمنا أنا إذا تركنا جهاد الظلمة وإنكار الجور كان لنا به عند الله عذر لكان تركه أيسر علينا وأخف من ركوبه، ولكنا قد علمنا واستيقنا أنه لا عذر لنا وقد جعل لنا القلوب والأسماع حتى ننكر الظلم ونغير الجور ونجاهد الظالمين" (٣).
стр. 1997
ويجري هذا المجرى في بيان دوافع الخوارج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يقوله صالح بن مسرح مخاطباً جماعته: "ما أدري ما تنتظرون؟! حتى متى أنتم مقيمون؟ هذا الجور قد فشا، وهذا العدل قد عفا، ما تزداد هذه الولاة على الناس إلا غلواً وعتواً وتباعداً عن الحق وجرأة على الرب، فاستعدوا وابعثوا إلى إخوانكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحق مثل الذي تريدون فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أي وقت إن خرجنا نحن خارجون".ويقول شبيب مخاطباً صالح بن مسرح المذكور: " اخرج بنا رحمك الله، فوالله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً" (١).فدوافع الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جرت على ألسنتهم دوافع دينية تتمثل في ما بدا لهم من شيوع المنكرات والمظالم بين الناس والحكام ومن اندراس معالم الدين في المجتمع، بل إن نافع بن الأزرق كان يرى أن مخالفيهم كفار يجب جهادهم كجهاد الكفار الذين لم ينطقوا بكلمة الشهادة، فقد جاء في كتابه إلى أهل البصرة قوله يحثهم على الخروج: " والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد، ففيم المقام بين أظهر الكفار؟ ترون الظلم ليلاً ونهاراً، وقد ندبكم الله إلى الجهاد" (٢) إلخ. ويقول الطبري: " وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضاً ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان، ويرون في الإقامة الغبن والوكف وأن في جهاد أهل القبلة الفضل والأجر" (٣).وقد بالغوا في حب الجهاد والاستبسال فيه إلى حد وصفه أبو زهرة بأنه هوس واضطراب في أعصابهم وليس مجرد شجاعة كما يرى فيقول: " بل هناك صفات أخرى منها: حب الفدا، والرغبة في الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع قوي يدفع إلى ذلك، وربما كان منشؤه هوساً عند بعضهم واضطراباً في أعقابهم لا مجرد الشجاعة " (٤).فكانوا إذا دعوا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستعملون في سبيل تحقيقه كل ما لديهم من قدرة، ولا ينظرون إلى العواقب أياً كانت تلك العواقب، وكانوا كما يصفهم أحمد أمين " أشد وأقسى وأعنف، فمتى اعتقدوا الحق في شيء نفذوه بالسيف، ولهذا كان تاريخهم سلسلة حروب وخروج على الخليفة". ويقول أيضاً: " فالواجب في نظر الخوارج يجب أن يفعل ثم لتكن النتيجة ما تكون، وظلوا مخلصين لهذا المبدأ طوال العهد الأموي وصدر الدولة العباسية حتى أبيدوا " (٥).وقد اعتبر العلامة ابن القيم هذا الاندفاع والعنف في تحقيق ما يريدون بأنه من تعصب أهل البدع لبدعهم، وأنهم يخرجون بعدهم في قوالب متنوعة بحسب تلك البدع، فيرى أن الخوارج أخرجت استحلال قتال الناس في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في قوله: " وأخرجت الخوارج قتال الأئمة والخروج عليهم بالسيف في قالب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " (٦).
стр. 1998
فهو يختلف مع الأستاذ أبي زهرة في تعليل ذلك الاندفاع الذي تميز به الخوارج. وأياً كانت دوافع الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد كانوا متحمسين في القياس به مستعملين في ذلك كل ما في إمكانهم من قول وفعل، فقد كانوا يستعملون فصاحتهم وقوة بيانهم لإظهار معايب خصومهم واضحة أمام الناس لإثارة مشاعرهم ضدهم وبالتالي لتهوين الخروج المسلح عليهم بحجة أنهم ظلمة جائرون مرتكبون لما حرم الله من معاص ومنكرات يجب عليهم تغييرها كما يفرضه عليهم الدين، يصفهم صاحب (كتاب الأديان والفرق) بأنهم: " أول من أنكر المنكر على من عمل به، وأول من أبصر الفتنة وعابها على أهلها لا يخافون في الله لومة لائم " (١).
وهكذا فقد اعتبروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً جماعياً يجب على الكل القيام به في أي وقت وعلى أي حال، كما يشهد بذلك فعلهم.
والواقع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما ذكرنا من قبل – أصل من أصول الدين، مجمع على وجوبه بين الأمة لما ورد من نصوص في كتاب الله وسنة نبيه توجب القيام به؛ حفظاً لكيان الأمة من التردي في مسالك الرذيلة، ونصحاً للناس؛ لئلا يصبح المجتمع على اتفاق فيما بينهم على ارتكاب الجرائم وانتهاك الأعراض، فتحل عليهم نقمة الله وغضبه.
ومن لطف الله أن جعل وجوبه على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الجميع، وأنه لم يكلف أحداً بهداية أحد بل أوجب تعالى إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعل نتيجة ذلك إليه تعالى وحده؛ لئلا يهن الشخص وييأس من استجابة الناس له؛ فيترك فضيلة القيام الأمر.
وقد يخدع الشيطان بعض الناس فيريه أنه هو نفسه على محذور فكيف ينصح الآخرين، وهذا من وساوس الشيطان ومكائده التي يريد بها حصر كل إنسان في نفسه فقط؛ ولهذا فيجب على الشخص أن يدعو إلى ذلك وإن كان على تقصير في نفسه إذ الكمال لله وحده تعالى، ولعل في نهيه لغيره ما يعود عليه بالخير فيرتدع عن كثير مما ينهي الناس عنه حياء من الله.
وقد يظن بعض الناس بأن القيام بتلك المهمة إنما يتولاها من كان من أهل السلطة فقط، وهذا خطأ؛ إذ أن الله لم يسند القيام به إلى أحد بخصوصه، سواء كان حاكماً أو محكوماً، أفراداً أو جماعات، فإن كل واحد يتعين عليه القيام بما يعرف من أمر الإسلام؛ لأن هناك منكرات ظاهرة يعرفها كل شخص فلا يعذر بترك الإنكار حين يتعين عليه ذلك بحجة أنه غير عالم.
وهناك منكرات قد تخفى على بعض الناس بحيث لم يتبين له الحكم فيها، وهنا يسقط عنه وجوب تغييره، وعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يسير على ما نهج رسول الله ﷺ من طرق في ذلك؛ حيث جعل لتغيير المنكر مراتب ودرجات وأولها التغيير باليد وهو أجدى الطرق وأحسنها، فإن لم يتيسر ذلك انتقل إلى ذلك إلى الدرجة الثانية وهو التغيير باللسان فحسب أثمر ذلك أم لم يثمر، فإن كان المجتمع قد تشبع بحب الفساد ووصل الحال إلى حد لا يمكن معه الإصلاح باليد أو باللسان؛ انتقل إلى أضعف الدرجات وهو الإنكار بالقلب، وهو إن كان ليس تغييراً للمنكر إلا استشعار للمسؤولية وإنكار على المفسدين حتى يشعروا بأنهم عزلة عن المجتمع الإسلامي، ولابد أن يقلعوا عن فسادهم إذا أرادوا العودة إلى مجتمعهم، ومن ناحية أخرى فإن في الإنكار بالقلب ضمان لعدم تأثر الصالحين بفساد المفسدين.
وفيما يتعلق بمسلك الخوارج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء ما قدمنا من حدود الشريعة؛ فإننا نجد أن الخوارج لا لوم عليهم في مناداتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما يلامون على ما تميزوا به من اندفاع وتهور في تغيير المنكر على أي حال دون النظر في عواقب الأمور من تحقيق لمصلحة أو دفع لمضرة، فكانوا يمتشقون السيوف بمجرد ظهور أي مظلمة أو ذنب مهما كان، ولهذا فقد ارتكبوا في سبيل تحقيق ذلك أفظع الجرائم وأشنعها، وارتكبوا من المنكرات في إزالة ما يرونه منكراً ما يزيد على أضعافه، وجلبوا من المضار أكثر مما أرادوا النفع، وهذا هو ما يبعد بهم عن هدي الإسلام في إقامة تلك القاعدة الجليلة.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٣٧
стр. 1999
تمهيد:
إن الصراحة في القول والجهر بما تنطوي عليه النفس دون مراعاة أحد أو الخوف منه سواء كان حاكما أو محكوما يتمثل في أوضح صورة لدى الخوارج؛ فهم يرون أن عدم الجهر بالقول الذي يعتقده الشخص حقا ليس من صفات الرجل الواثق من عقيدته، بل هو من صفات المنافقين المرتابين، وقد كانت سيرتهم في الخروج والكفاح مثلا واضحا، لذلك كما رأينا في تاريخنا لحركات الخوارج الثورية وما ذكرناه من أمثلة شجاعتهم وصراحتهم في إعلان الخروج.
ولقد كان نافع بن الأزرق أقوى معبر عن ذلك بما ذهب إليه من تحريم التقية وما أقام على ذلك من أدلة، وإن كان هناك من أجازها مطلقا من بعض فرق الخوارج الأخرى مخالفة له في ذلك، ومن توسط في أمرها كما سنبين ذلك فيما بعد. ولقد كان الاختلاف في شأن التقية من الأسباب التي فرقت بين نافع بن الأزرق زعيم الأزارقة وبين نجدة زعيم النجدات وهما من أوائل الخوارج وأشدهم بأسا، قال الشهرستاني مبينا سبب ذلك الاختلاف بينهما: "وكان سبب اختلافهما أن نافعا قال: التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر" – إلى أن يقول: "وخالفه نجدة وقال: التقية جائزة" (١).
وعلى أساس آراء الخوارج المختلفة في التقية منعا أو تجويزا، تختلف مواقفهم من القعدة منهم بين مخالفيهم على سبيل رفضا لقعودهم أو إقرارا لهم عليه، ولهذا فإننا نبدأ فيما يلي ببيان رأي الخوارج في التقية قبل أن نحدد مواقفهم المختلفة من القعدة.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٤٧
стр. 2000
أ- القول بعدم جواز التقية وهذا هو رأي الأزارقة، فقد كان نافع بن الأزرق زعيمهم من أشد المبغضين لها ويرى أنها تنافي وجوب الجهاد الذي رفضه الله على المسلمين لقوله تعالى: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً [التوبة:٣٦]، إذ إن القائل بالتقية لا يمكن أن يندفع إلى قتالهم ما دام يجد ملجأ في التقية وبالتالي فإنه يضعف فيه ذلك العزم والصدق الذي أراده الله من المجاهد، ولذلك فقد "برئوا من أهل التقية" (١) كما قال الأشعري، وبالتالي فلا محل لها عندهم ولا منزلة لها بينهم سواء كانت في الأقوال أو الأفعال. وقد عد الشهرستاني هذا القول من بدعهم وضلالتهم أي قولهم: "إن التقية غير جائزة في قول ولا عمل" (٢).ويقول أحمد أمين مقارنا بين الخوارج والشيعة في الأخذ بالتقية: "وعلى عكس الشيعة في القول بالتقية الخوارج فقالوا: لا تجوز بحال من الأحوال ولو عرضت النفس والمال والعرض للأخطار، وحياة الشيعة والخوارج السياسية مظهر من مظاهر قولهم في التقية، فالخارجي يعلن الخروج على الإمام في صراحة ولو كان وحده ويحاربه ولو كان في نفر قليل مهما بلغ عدوه من العدد" (٣).
وكلام أحمد أمين يصدق على الأزارقة وأصحاب الحركات الثورية من الخوارج، وقد يصدق على غيرهم من الفرق الأخرى التي ترفض التقية وإن لم يروي المؤرخون في ذلك عنهم شيئا بخلاف من يجيزون التقية كالنجدات والصفرية والإباضية وغيرهم ممن سنعرض رأيهم في هذا الفصل.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٤٨
стр. 2001
ب- القول بجواز التقية قولا وعملا وهو رأي النجدات، قال الشهرستاني فيما يحكيه عن الكعبي: "وحكى الكعبي عن النجدات أن التقية جائزة في القول والعمل كله وإن كان في قتل النفوس" (١). وتحليل النجدات للتقية، والرضى عن القعدة إنما هو لهم، أما أهل الذمة فإنهم لا ينفعهم القول بالتقية، بل يستحلون دماءهم وأموالهم ومن لم يحرمها فهو منهم في منزلة البراءة، وفي هذا يقول الأشعري: "وحكي عنهم أنهم استحلوا دماء أهل المقام وأموالهم في دار التقية وبرئوا ممن حرمها" (٢). وهذا بخلاف ما عرف عن الخوارج من تسامح مع أهل الذمة وتواصيهم بهم خيرا في أنفسهم وأموالهم كما اشتهرت بذلك أكثر فرقهم. ومن القائلين بجوازها من الخوارج أيضا: أبو بلال مرداس، الشخصية المثالية المحبوب لدى كل فرقهم، ويتبين تجويزه لها من موقفه مع البلجاء المرأة الخارجية المشهورة بمواقفها العنيدة من ابن زياد، فقد قال لها أبو بلال مشفقا عليها من بطش ابن زياد: "إن الله قد وسع على المؤمنين التقية فاستتري؛ فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك" (٣).وممن أجازها أيضا من الفرق الأخرى الإباضية فهي جائزة، بل قد تكون واجبة كما يظهر من الأحاديث التي ذكرها الربيع بن حبيب في مسنده، قال الربيع بن حبيب: "باب ما جاء في التقية. ثم أورد الحديث الآتي: قال جابر: سئل ابن عباس عن التقية فقال: قال النبي ﷺ : ((رفع الله عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما لم يستطيعوا، وما أكرهوا عليه)) (٤). قال: "وقال ابن مسعود: ما من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا تكلمت بها، وليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضرب أو عذب أو حبس أو قيد" (٥)، أي وهو يجد خلاصا في الأخذ بالتقية.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٤٩
стр. 2002
ج- القول بجواز التقية القولية دون العملية وهو قول الصفرية الذين توسطوا بين الأزارقة والنجدات، حيث أجازوا التقية في الأقوال لا في الأعمال حسبما ذكر الشهرستاني عنهم ذلك بقوله: "وقالوا التقية جائزة في القول دون العمل" (١).بل تختلف الأحكام عندهم في حال التقية عنها في حال العلانية، فقد جوز الضحاك وهو من الصفرية التزوج في حال التقية من مخالفيهم ومنعها في دار العلانية والغلبة لهم، ويختلف أيضا تنظيم الزكاة وسهامها في دار التقية، فقد جعلها زياد بن الأصفر سهما واحدا في حال التقية، كما يذكر ذلك الشهرستاني أيضا في قوله: "ونقل عن الضحاك منهم أنه جوز تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية دون دار العلانية، ورأى زياد بن الأصفر جميع الصدقات سهما واحدا في حال التقية" (٢)
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٥٠
стр. 2003
د- أدلة المانعين للتقية
استدل نافع على تحريم التقية بآيات من القرآن الكريم وردت في الأصل، إما في المشركين أي مشركي العرب وغيرهم، وإما في المنافقين، ولكن نافعا جعل حكمها شاملا لمخالفيه من أهل القبلة ومنطبقا عليهم، فاستدل على منع التقية بقوله تعالى: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً، وبما جاء في أمر الله المؤمنين بالجهاد على ما تيسر من حال بعد أن قطع العذر في التخلف فقال: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً، أي أن الله أمر بقتل المشركين أمرا عاما دون استثناء لحال من الأحوال يجوز فيه القعود عن قتالهم على سبيل التقية. واستدل أيضا بقوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ [النساء:٩٥]، وذلك أن الله تعالى وإن كان قد عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون ومن كانت إقامته لعلة، إلا أنه فضل مع ذلك المجاهدين، وأخبر أنهم لا يستوون عنده في الثواب (١) مع غيرهم من أصحاب الأعذار ومنهم القاعدون عن القتال تقية، وقد استدل نافع كذلك على تحريم التقية بما وصف الله به القعدة في قوله تعالى: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:٩٠]، أي أن القعود عندهم من صفات المكذبين لله ورسوله وهم غير المؤمنين. واستدل أيضا بأن الله قد ذم الذين يخشون غيره من الناس أو تكون خشيتهم من الناس أشد من خشيتهم من الله وهو من لوازم صفات أهل التقية، وذلك في قوله تعالى: إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:٧٧]، ثم مدح تعالى نقيض هؤلاء وهم المجاهدون الذين لا يبالون بغيرهم فقال تعالى: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤] (٢).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٥١
стр. 2004
هـ - أدلة القائلين بجواز التقية
وقد استدل نجدة على جواز التقية بقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:٢٨]، وبقوله تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر:٢٨]، وبقوله تعالى: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:٩١]، وبقوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٩٥].فقال: إن الله قد جعلهم وهم قعدة كما صرحت الآية بذلك مؤمنين وإن كان قد فضل عليهم المجاهدين فإنه ليس دليل على تحريمها؛ إذ لو كانت محرمة لما سماهم مؤمنين، ولما كانت مفاضلة بينهم، ولعل هذا التوجيه للآية أولى من استدلال نافع بها على تحريم التقية كما قدمنا (١).
والسلف يرون أن التقية رخصة أباحها الله بشروطها لمن احتاج إليها، والذين أجازوا اعتمدوا على ظاهر قوله تعالى: إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً، ولا يرى بها بأسا ما دامت الغلبة للكفار حيث لا ينجي صاحب التقية منهم إلا إظهار ولائه لهم وموافقته إياهم في الظاهر. وبعضهم قال: إن التقية لا تجوز، خصوصا بعد أن أعز الله الإسلام وانتشر بين الناس وصار المسلمون أهل قوة ومنعة، يقول الشوكاني بعد إيراده الآية إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً: "وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا، وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام (٢).والذين أجازوها من السلف يرون أنها لا تكون إلا باللسان فقط لا يتعدى حكمها إلى العمل بحال، كما نقل ذلك عنهم ابن جرير في تفسيره (٣) فقد استشهد بأقوال عدد من العلماء كلهم لا يجيز في التقية إلا القول باللسان مع إضمار عداوة الكفار، وهكذا السيوطي ﵀، فقد أورد عدة روايات في حكم التقية وأنها لا تكون إلا باللسان فقط عندما تقتضي الضرورة ذلك (٤).
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٥٢
стр. 2005
المطلب الثاني: موقف الخوارج من القعدة
اختلف موقف الخوارج تجاه القعدة وتباينت أقوالهم فكانوا فيهم على رأيين:
أ- الرأي الأول: هو اعتبار القعدة من أهل البراءة وأنهم كفار كمخالفيهم من بقية الناس، وهذا الرأي قد ذهبت إليه الأزارقة وعلى رأسهم نافع بن الأزرق وهو من إحداثه التي عددها الأشعري في قوله عنه: "والذي أحدثه البراءة من القعدة والمحنة لمن قصد عسكره وإكفار من لم يهاجر إليه" (١).وقد جاء في كتابه إلى أهل البصرة الذين عابهم فيه بالقعود بين مخالفيهم الظالمين، غير ملتفتين إلى ما يناديهم به القرآن الكريم من آيات تحثهم على الخروج وعلى وجوب جهاد مخالفيهم وتذم القعود – جاء في هذا الكتاب قوله لهم: "والله إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة والدين واحد ففيم المقام بين أظهر الكفار؟ ترون الظلم ليلا ونهارا، وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال: وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً [التوبة: ٣٦]، ولم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الحال فقال: انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً [التوبة: ٤١] , وإنما عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون ومن كانت إقامته لعلة، ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ [النساء: ٩٥] , (٢).
وقد اشتد عنف الأزارقة على القعدة فأجمعوا على أنهم مشركون وإن كانوا من موافقيهم في الرأي، يقول البغدادي: "ومنها – يعني من بدع الأزارقة – قولهم: إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة إليهم مشركون، وإن كانوا على رأيهم". وهكذا عند الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي وابن الأثير وغيرهم من علماء الفرق والتاريخ.
ب- الرأي الثاني:
هو القول بأن القعدة غير كفار ولا مشركين، وأن القعود ليس فيه بأس ما دام الشخص على عقيدة راسخة وولاء تام وكره لمخالفيهم، وعلى هذا بعض فرق الخوارج، ومن هؤلاء: النجدات وهم من قدماء الخوارج، فقد رأوا أن القعود بين المخالفين تحت ستار التقية أمر لا غبار عليه حتى ولو بلغت التقية قتل من هم على رأيهم تنفيذا لأوامر مخالفيهم المقيمين معهم. ولقد كان قول نافع بإكفار القعدة سببا في رجوع نجدة عن الانضمام إليه، وذلك أنه قد أراد اللحاق بعسكر نافع للانضمام إليه، ولكنه في أثناء الطريق لقيه جماعة من أصحاب نافع الذين كانوا في جيشه فأخبروه بأن نافعا قد ابتدع بدعا منكرة ومنها تكفيره للقعدة وأنهم خرجوا عنه بسبب ما أحدث من أحداث، وكان من بين هؤلاء: أبو فديك وعطية الحنفي وراشد الطويل ومقلاص وأيوب الأزرق وغيرهم، ثم ثنوا نجدة عن عزمه ورجع إلى اليمامة ناقما على نافع تلك الأحداث ومنها تكفيره القعدة، وقد اشتد في خلافه مع نافع في هذه المسألة فاعتبر القول بإكفار القعدة كفرا من قائله، يقول البغدادي عن النجدات: "وكفروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم" (٣).ويقول الشهرستاني في هذا حاكيا عن الكعبي: "وحكى الكعبي عن النجدات أن التقية جائزة في القول والعمل كله وإن كان في قتل النفوس" (٤).
стр. 2006
وقد جاء في كتاب نجدة الذي وجهه إلى نافع عتاب شديد له بسبب تكفيره القعدة، يقول فيه: "وأكفرت الذين عذرهم الله في كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم فقال جل ثناؤه وقوله الحق ووعده الصدق: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ١٩]، ثم سماهم بأحسن الأسماء فقال: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ... " إلخ. فلما قرأ نافع كتاب نجدة أجاب عن كل مسألة فيه، أما بخصوص القعدة فقد قال مدافعا عن رأيه: "وعبت علي ما دنت به من إكفار القعدة وقتل الأطفال واستحلال الأمانة، وسأفسر لك لم ذلك إن شاء الله أما هؤلاء القعدة فليسوا كمن ذكرت ممن كان بعهد رسول الله ﷺ لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلا ولا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا، وهؤلاء قد فقهوا في الدين وقرأوا القرآن، والطريق لهم نهج واضح وقد عرفت ما يقول الله فيمن كان مثلهم إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ٩٧]، وقال: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ [التوبة: ٨١]، وقال: وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٩٠]، فخبر بتعذيرهم وأنهم كذبوا الله ورسوله، وقال: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٩٠] , فانظر إلى أسمائهم وسماتهم" (١). وهكذا تباين موقف الأزارقة والنجدات في القعدة. ولكن نجد بعض العلماء يذكر عن النجدات خلاف ما تقدم، فالأشعري يذكر عنهم قولهم: إن "من ثقل عن هجرتهم فهو منافق" (٢).ويقول ابن حزم عنهم كذلك "وقالوا من ضعف عن الهجرة إلى عسكرهم فهو منافق، واستحلوا دم القعدة وأموالهم" (٣).
فهناك حكمان: الأول هو تجويزهم القعود على سبيل التقية، والثاني الذي يذكره الأشعري وابن حزم هنا أنهم يرون أن من ضعف عن الهجرة إليهم فهو منافق، وهذا يشير إلى أنهم يحرمون القعود باعتباره نفاقا، مع العلم بأن قعود المستضعف لا يكون إلا تقية، والتقية عند النجدات جائزة لا شيء فيها، فهل هم يجيزون التقية ويحرمون القعود على سبيل التقية؟ وهذا تناقض، وهو خلاف المشهور عنهم من تجويزهم القعود والتقية.
стр. 2007
وقد سبق القول – كما ذكرنا آنفا- أنهم لا يرون بالقعود بأسا، بل إنهم يعتبرون من يكفر القاعد عن الهجرة إليهم كافرا، وبذلك يتضح أن الحكم الأول أولى بالقبول عن النجدات لكثرة رواته عنهم وشهرتهم به واتساقه مع مذهبهم في القول بالتقية، بخلاف رواية الأشعري وابن حزم التي تتناقض مع قولهم هذا وهو تجويز التقية، بالإضافة إلى أن ما ذكر على لسان نجدة في أمر القعدة في خطابه إلى نافع بن الأزرق لا ينبغي أن يقابل برواية أخرى تخالفه. أما العوفية من البيهسية فقد أجازت القعود كالنجدات ورأت أن لا بأس به إلا لمن قد هاجر أو خرج مهاجرا، فإنهم اختلفوا فيه على فرقتين: "فرقة تقول: من رجع من دار هجرتهم ومن الجهاد إلى حال القعود نبرأ منهم، وفرقة تقول: لا نبرأ منهم؛ لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالا لهم" (١). وهذا نص الأشعري ومثله البغدادي والشهرستاني. وقد أجازت القعود فرقة المعلومية أيضا فتولوا القعدة، قال البغدادي: "وهذه الفرقة – يعني المعلومية – تدعي إمامة من كان على دينها وخرج بسيفه على أعدائه من غير براءة منهم عن القعدة عنهم" (٢).أما الصفرية فإنهم لم يكفروا القعدة إذا كانوا من موافقيهم، يقول الشهرستاني عنهم: "إنهم لم يكفروا القعدة عن القتال إذا كانوا موافقين في الدين والاعتقاد" (٣)، بل غالوا في تجويزها حتى صار عامتهم قعدا كما ذكر المبرد (٤).وهكذا العجاردة فإنهم قد اعتبروا القعدة المعروفين بحب الدين والتمسك به من أهل ولايتهم وإن كانوا مقيمين بين مخالفيهم، إلا أنهم فضلوا الهجرة إليهم ولم يوجبوها كالأزارقة، فهم "يتولون القعدة إذا عرفوهم بالديانة ويرون الهجرة فضيلة لا فريضة"، وهذا القول موافق لما تقوله الإباضية في هذا الباب كما يقول صاحب كتاب (الأديان الإباضي) (٥).
ولعل موقف أصحاب هذا الرأي الأخير من القعدة أكثر تسامحا من موقف الأزارقة المتشدد إلى درجة الغلو حتى مع من هم على مثل رأيهم بمجرد وجودهم مع المخالفين لهم من عامة المسلمين.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٥٤
стр. 2008
تمهيد في الولاية والبراءة عند الخوارج
الحب في الله والبغض في الله والولاية لأولياء الله والبراءة من أعداء الله، هذه مبادئ إسلامية مقررة، وعلى أساس تقريرها والالتزام بها يتحدد موقف المسلم من غير توليا أو تبريا، والخوارج بصفة عامة يلتزمون بهذا المبدأ ولكنهم ينحرفون في تطبيقه على مخالفيهم من المسلمين فيتبرأون منهم ولا يتولون إلا أنفسهم، فعلى أساس ضرورة الالتزام بمبدأ الولاية والبراءة يزن الخوارج أعمال مخالفيهم فيحددون موقفهم منهم وآراءهم فيهم، وإن كانوا –كما قلنا- ينحرفون في نظرتهم إلى غيرهم وما ينبني عليها من أحكام.
ونحب قبل أن نحدد رأي الخوارج في مخالفيهم وموقفهم منهم أن نقدم هذه الكلمة عن مبدأ الولاية والبراءة في نظر الخوارج بصفة عامة والإباضية بصفة خاصة، حيث عنيت مصادر هؤلاء ببيان حقيقتها وأهميتها ووجوبها والشرائط الموجبة لها والأدلة الشرعية على ذلك كله. يقول المبرد: "والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة" (١)، ومعروف أن الخوارج يعتبرون كل من سواهم، من أصحاب المعاصي الظاهرة.
والولاية والبراءة عند الإباضية تأتي في الأهمية بعد التوحيد، فمن لم يوال أو يعاد فإنه لا دين له، إذ أن صاحب الدين لابد أن يكون على أحد أمرين: إما مواليا لأولياء الله فهو مؤمن، أو مبغضا لهم فهو غير مؤمن.
ونوجز الحديث عنهم بما تدعو إليه الحاجة في هذا المقام مستغنين عن تفصيلاتهم الكثيرة في هذا الموضوع. فقد عرف الجيطالي الولاية بقوله: "والولاية في الشريعة: إيجاب الترحم والاستغفار للمسلمين" (٢).
وعرفها النفوسي الإباضي بقوله:
فإن قيل ما معنى الولاية قل له ... دعاؤك بالغفران والحب بالضمن (٣)
стр. 2009
ويستشهد الجيطالي على تفسيره للولاية والبراءة ووجوبهما من القرآن بقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:١٩].ومن السنة بقول الرسول ﷺ لابن مسعود: ((يا ابن مسعود أي عرى الإسلام أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: الولاية في الله والبغض في الله)) (١)(٢).ويستشهد الإباضية كذلك على وجوبها بما روي عن ابن عمر أنه قيل له: إن فلانا يقرئك السلام، فقال ﵁: (لقد بلغني أنه يقول بالقدر فإذا كان باقيا على شيء من ذلك فلا تبلغه عني السلام). وبما روى أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (من رأينا منه خيرا وظننا فيه خيرا، قلنا فيه خيرا وتوليناه، ومن رأينا منه شرا وظننا فيه شرا، قلنا فيه شرا وتبرأنا منه). وبقوله ﷺ : ((من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان)) (٣)، وكذلك قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَه (٤) [المجادلة:٢٢].والولاية في الله والبراءة في الله كذلك تتمثل فيها حقيقة الإيمان، يقول الجيطالي في ذلك "وكذلك عند أصحابنا ﵏ الولاية في الله والبغض في الله هي حقيقة الإيمان، فمن لم يدن بها فلا دين له ولا ولاية له عندهم" (٥)، ومن ثم كانت الولاية والبراءة من أوجب الواجبات بعد التوحيد، يقول النفوسي:
ومما يلي التوحيد في الضيق فرضه ... براءة موسى مع ولاية محسن
فمن لم يوال أو يعاد فإنه ... من الدين صفر الكف واهي التدين (٦)
وتجب معرفة الولاية والبراءة عندهم عند بلوغ الشخص سن التكليف، فحينئذ لا عذر لمن يجهلها، وتكون في حقه "فريضة مضيقة من لم يعتقد فرضيتها فهو مشرك" (٧)، ويجب على المكلف القيام بولايتين: ولاية جملة وهي باتفاق الأمة، وولاية أشخاص، وهذه فيها خلاف عندهم، وفي هذا يقول الجيطالي: "فليس بين الأمة اختلاف في ولاية الجملة، وإنما الاختلاف بينهم في ولاية الأشخاص" (٨).وفي ذلك يقرر قطب الأئمة أن ولاية الجملة وبراءتها فرض على كل مسلم بنص الكتاب والسنة والإجماع، ولا يوجد خلاف إلا في ولاية الأشخاص وبراءتها هل هي واجبة أم غير واجبة؟ ثم يرجح أنها واجبة، بخلاف غيرهم فإنه لم يوجبها ويوضح هذا بقوله: "ولاية الجملة وبراءتها فريضتان بالكتاب والسنة والإجماع على كل مكلف عند بلوغه إن قامت عليه الحجة"، ثم قال: "وأما ولاية الأشخاص وبراءتها فواجبتان قياسا عليهما، ولورود أحاديث في حب الإخوان في الله ومدح حبهم في القرآن" (٩).
ويقسم الإباضية الولاية إلى أقسام:١ - ولاية الجملة: ويمثلون لها بالأنبياء والرسل وأصحاب الكهف وأصحاب الأخدود والسحرة (١٠) وأمثالهم.
стр. 2010
٢ - ولاية الأفراد: وهذه تنقسم إلى قسمين: مسمى كآدم، وغير مسمى كمؤمن آل فرعون وأمثالهما.
٣ - ولاية الذكور وهم نوعان: الأنبياء والأولياء.
٤ - ولاية الإناث وهي نوعان أيضا: مسميات كمريم بنت عمران، وغير مسميات كامرأة فرعون وأمثالها.
وهذه الأقسام هي التي وردت في القرآن للأولياء الموصوفين بالعصمة والاصطفاء كما قال الجيطالي.
٥ - ولاية البيضة: أي ولاية الإمام العادل الذي لم يظهر منه ما يخل بإسلامه في أقوال وأفعاله.
٦ - ولاية الخارج من الشرك إلى الإسلام، وتكون عندما يدخل المشرك في الإسلام ويترك اقتراف المعاصي.٧ - ولاية الخارج من مذهب مخالفيهم إلى مذهب أهل الوفاق (أي الإباضية)، وهذا لا يخلو إما أن يكون من المتدينين سابقا أو من غير المتدينين، فإذا كان من غير المتدينين فيكفي لولايته توبته ورجوعه إلى المسلمين، وأما إن كان من المتدينين فقد أوثقوه باجتيازه لشروط وامتحان عسير لولايته، يقول الجيطالي: "فالمتدين تكون ولايته حتى يرجع من مقالته إلى مقالة المسلمين قصدا، وأيضا يعدد أخطاءه ويتوب منها ويعترف فيها بالخطأ واحدة بعد أخرى" (١).
وكأن هذه الشروط وضعت للمتدين حتى لا يرجع إلى تدينه القديم على مذهب مخالفيهم الذي تاب منه ودخل في المذهب الإباضي معترفا بخطئه فيما سلف.
وليست الولاية في الله لأي إنسان اتفق، بل لابد فيها من شروط دينية دقيقة إذا توفرت في شخص ما حق له الولاية وفي هذا يقول السالمي:
ثم الولاية توحيدا تكون ... وأخرى طاعة إن شرطها حصلا
كذا البراءة والشرط الذي وجبت ... به الولاية أن تلفيه ممتثلا (٢)
ومن شروط الإباضية التي يشترطونها في من يكون أهلا للولاية:
١ - أن يظهر حلية وحالة ترضاها العين.
٢ - أن ينقل عنه الوفاء في الدين قولا وعملا.٣ - سكوت القلب إلى ما تؤدي إليه الحواس لقوله ﷺ : ((استفت قلبك)) (٣).
ويقول أبو راس: إنه يجمعها قول الشيخ أبي نصر – أحد علمائهم:
إذا رضيت إذن وعين بما رأت ... ووافق في دين الإله المهيمن (٤)
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٥٩
стр. 2011
١ - موقفهم من الخلفاء الراشدين ﵃
لا يعترف الخوارج بالإمامة الكاملة لأحد من الصحابة إلا بإمامة أبي بكر وعمر ﵄ إمامة شرعية لا شك في صحتها ولا ريب في شرعيتها، وأنها كانت برضى المؤمنين ورغبتهم، وقد سارا على الطريق المستقيم الذي أمر الله به لم يغيرا ولم يبدلا حتى توفاهما الله على ما يرضي الله من العمل الصالح والنصح للرعية، وهذا حق، فلقد كانا ﵄ كذلك لا يشك في ذلك إلا هالك، ولقد كان موقف الخوارج إزاءهما موفقا. ثم بعد وفاتهما انتخبت الأمة خليفتين آخرين هلك فيهما الخوارج وخرجوا عن الحق والصواب في تقديرهم لهما ولم يوفقوا في القول فيهما وأكثروا من الافتراءات الكاذبة عليهما، ووصفوهما بما كرمهما الله عنه وقد بلغ بعضهم في بغضهم إلى المغالاة التي تؤدي إلى الكفر الصريح، وفي هذا يقول الأشعري: "والخوارج بأسرها يثبتون إمامة أبي بكر وعمر، وينكرون إمامة عثمان - رضوان الله عليهم - في وقت الأحداث التي نقم عليه من أجلها، ويقولون بإمامة علي قبل أن يحكم وينكرون إمامته لما أجاب إلى التحكيم" (١).ويقول ج. ج لوريمر: "وقد وافقوا السنة في اعتبار أبي بكر وعمر من الخلفاء المنتخبين، وبالتالي فهما جديران بالاحترام، ولكنهم اختلفوا مع السنة والشيعة في رفضهم لباقي الخلفاء واعتبارهم مغتصبين" (٢).بل يذكر الجيلاني أن الخوارج أنكرت إمامة علي مطلقا (٣)، - كما قال الطالبي في اعتذاره عن مبالغة الجيلاني هذه.
أما فيما يتعلق بموقفهم من عثمان ﵁ – وهو موقف كما قلنا في غاية الخطأ والبعد عن الحق – فنحن لا نذكره عنهم افتراء بل ننقله من كتبهم، ومن أهمها كتاب (كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)؛ فإن قارئه يحس أنه أمام خصم عنيد لا يتورع عن اتهام خصمه وإقامة الحجة عليه بأي قول كان، وسنورد من أقواله ما يبين صحة ما قدمنا. فمنها قوله يصفه بأنه أشد فتنة من الدجال وذلك حسب روايته التي اختلقها على لسان ابن مسعود ﵁ فيقول: "وبلغنا أنه – يعني ابن مسعود – ذكره أي ذكر عثمان – حديثا قال النبي ﷺ لقوم وفيهم عثمان وعبدالله وكانوا يتذاكرون الدجال، فقال النبي ﷺ : ((فيكم من هو أشد على أمتي من الدجال وأعظم فتنة. فقال ابن مسعود: أفلان يا رسول الله؟ قال: أفلان؟ قال: لا، حتى استكملهم ولم يبق إلا هو وعثمان، وفي كلهم يقول النبي: لا، قال ابن مسعود لعثمان: أما هذا فهذا آخر أيامي من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة وأنت صاحبها يا عثمان)) (٤). فهذه روايته عن ابن مسعود المفتراة التي يكذبها شهادة رسول الله ﷺ لعثمان بالجنة، ويكذبها حب الرسول له وتاريخه في نصرة الإسلام.
стр. 2012
أما روايته عن عائشة فيقول فيها: "وقالت عائشة ﵂: ما رأيت شيخا أقر على نفسه بمثل ما أقر عثمان، وخرجت بمصحف كان معها وقالت أشهد بالله بأن عثمان كفر بما في هذا المصحف". فهل تشهد عليه بالكفر المستوجب للنار في مقابلة شهادة رسول الله ﷺ له بالجنة وثنائه عليه في كثير من المناسبات؟! ثم ينقل بعد ذلك الأقوال قولا للمقداد بن الأسود يحذر فيه الصحابة من تولية عثمان لأنه لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم أحد فقال: (وأقبل المقداد بن الأسود الكندي فناشدهم الله وقال: لا تولوا أمركم رجلا لم يشهد بيعة الرضوان وفر يوم الأحد (١) – يعني عثمان بن عفان). فهل يعقل أن يقف الصحابي الجليل من صحابي مثله هذا الموقف وهو يعرف قدره ومنزلته بين المسلمين؟! وهل يعيره بعدم حضوره بيعة الرضوان وقد بايع بيعة غبطه عليها جميع المسلمين؛ فقد بايع عنه رسول الله ﷺ حيث ضرب بيمينه على شماله وقال: ((هذه لعثمان)) (٢)؟! وقد كان غياب عثمان في أنبل وأشرف مهمة وهي الوساطة للصلح بين الرسول وقريش، وأما فراره يوم أحد فما كان ليعيره بما عفى الله عنه وهو يتلوه في كل حين.
ثم يلمزه المؤلف باللقب الذي سماه به خصومه نعثل، ويضيف هذا اللقب إلى المسلمين عموما، وهو اللقب الذي كان يكرهه عثمان ويتبرأ منه، فقال المؤلف: "ولقبه المسلمون نعثلا حين أحدث الأحداث".
وقد افترى عليه فزعم أنه عطل الحدود واستعمل السفهاء من قرابته وحرق كتاب الله، وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو من أفسد أهل زمانه –على الكوفة، وارتقى المنبر في موضع رسول الله ﷺ .
إلى أن يقول: "وتجبر وتكبر فقيل: إنه كان يمر بخيلائه وجنوده على بيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فتخرج قميص رسول الله فتقول: يا عثمان هذه برد رسول الله ﷺ لم تبل وسنته قد بليت، فيقول لها: اسكتي يا حميراء وإلا سلطت عليك من لا يرحمك"!! إلى آخر ما قاله من سباب وفحش يطول نقله نثرا ونظما.
وهذه الافتراءات لا تقل عن افترائه على علي بن أبي طالب بأنه كان في مسجد رسول الله ﷺ يحرض الناس وعليه سلاحه ومثله طلحة بن عبيد الله، ورد على الذين يقولون بأن علي بن أبي طالب غير راض بقتله بأنهم على خطأ. وجاء في كتاب (الكفاية) قوله: "فإن قال: ما قولكم في عثمان بن عفان؟ قلنا له: في منزلة البراءة عند المسلمين". ثم أورد كلاما فارغا واحتجاجا محجوجا على أن عثمان يستحق أن يكون في منزلة البراءة عندهم (٣).
ومثل ما تقدم في (كشف الغمة) نجده في (كتاب الأديان) إلا أنه زاد عليه فذكر موقف الأمة تجاه قتله، وأنهم انقسموا فيه إلى ثلاث فرق: فرقة قتلته، وفرقة وقفت عنه، وفرقة طالبت بدمه.
ثم يبين موقف هذه الفرق بقوله المفترى: "فالفرقة القاتلة له فعلي بن أبي طالب وأصحابه من أهل المدينة والمهاجرون والأنصار". وهذا كلام ظاهر الافتراء إذ أن القاتلين له هم أهل الأهواء الذين جاؤوا من مصر والعراق واجتمعوا في المدينة وغلبوا أهلها على أمرهم وأخافوهم خوفا شديدا وكانت لهم السيطرة الفعلية فيها حتى تولى الإمام علي.
стр. 2013
ويذكر أن "الفرقة الواقفة عند سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ومحمد ابن مسلمة وأسامة بن زيد، والفرقة الطالبة بدمه فطلحة بن عبدالله والزبير بن العوام بن أبي سفيان".وبعد هذا البيان للأشخاص سمى كل فرقة باسم مختلق يناسب ميول الخوارج تجاه عثمان فيقول: "فسميت الفرقة الأولى وهي القاتلة أهل الاستقامة، والفرقة الواقفة الشكاك، والفرقة الطالبة بدمه العثمانية" (١) وكما تقدم نجد مثله عند الورجلاني (٢) لترى موقفهم من خلفاء المسلمين الراشدين الذين توفي الرسول ﷺ وهو عنهم راض، الذين اتبعوه في ساعة العسرة والذين لو أنفق أحد ممن بعدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وقد وصفوا عثمان ﵁ بأوصاف يخيل فيها للسامع أنه أمام إمبراطور عنيد لم يدخل الإسلام قرارة نفسه، ولقد ردوا قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:١٠]، فاعتبروا خيرة السلف الذين قام الإسلام بفضل الله ثم بجهادهم في منزلة البراءة ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد جاء في كتاب عبدالله بن إباض ذكْرٌ تٌهَمٍ كثيرة وجهها إلى عثمان ثم قال بعدها: "فلو أردنا أن نخبرك بكثير من مظالم عثمان لم نحصها إلا ما شاء الله، وكل ما عددت لك بعمل عثمان يكفر الرجل أن يعمل ببعض هذا، وكان من عمل عثمان أنه لم يحكم بما أنزل الله وخالف سنة النبي ﷺ والخليفتين الصالحين أبي بكر وعمر" (٣). فهل يتصور أن يترك عثمان الحكم بما أنزل الله ويحكم رسول الله بغيره؟! ولماذا لم يبين ابن إباض بأي قانون حكم إن كان ما زعمه صحيحا؟!
ولولا إرادة إثبات موقف الخوارج عموما والغلاة من الإباضية خصوصا من عثمان لما كان هناك ما يدعو إلى ذكر تلك المفتريات الكاذبة.
والواقع أن موقف الخوارج من عثمان موقف خاطئ، فعثمان ﵁ كان من السابقين الأولين إلى الإسلام الذين مدحهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسول الله ﷺ ومن الذين جاهدوا مع رسول الله في غزواته لإعلاء كلمة الله، وكان على غاية من الكرم والإحسان، وقد زوجه الرسول ﷺ بابنتيه، وأهم من هذا كله فقد شهد له الرسول بالجنة وبشره بها وهو حي يمشي على الأرض، وله مناقب عديدة مشهورة ولا يقع فيه بالذم أو التنقيص إلا من سفه نفسه وهو أشهر من أن يمدح، ولقد صدق عليه قول الشاعر:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
ولقد امتحن الله هؤلاء الناقصين بذمه؛ لهوانم عليه لما في قلوبهم من الجفاء والغلظة لأصحاب رسول الله ﷺ .
وأما فيما يتعلق بموقف الخوارج من الإمام علي ﵁ فقد اعترفوا بأنه خليفة شرعي إلى أن حكم ومن هنا خرج عن الصراط المستقيم في نظرهم، ولم يعد خليفة للمسلمين، ولا سمع ولا طاعة له على أحد، لأنه حكم البشر في كتاب الله فكفر- كما زعموا -.
стр. 2014
وكما كان عثمان في منزلة البراءة عندهم كان علي مثله أيضا في منزلة البراءة كما ذكر صاحب كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان: "فصل من كتاب (الكفاية) – قوله: "فإن قال: ما تقولون في علي بن أبي طالب؟ قلنا له: إن عليا مع المسلمين في منزلة البراءة". ثم ذكر الأسباب التي توجب البراءة منه، وهي تركه حرب معاوية والتحكيم وقتاله أهل النهروان. ويزعم أنه كان يضع الأحاديث لمصلحته، وذلك حين يورد المحاورة الآتية بين علي وابن عباس وما نتج عنها بقوله: "ثم إن عليا ندم على قتل أهل النهروان وقال لابن عباس: ما صنعنا؟ قتلنا خيارنا وقرءانا، وأظهر للناس الندامة فأتوه وقالوا: كأنهم يحاجونه: أمرتنا بقتلهم ثم تندم، فإنك مقتول، ففزع من هذا فأخذ في تسكين أصحابه بالكذب فقال: لولا أن تنظروا (١) لأحدثكم بما جعل لكم من المخرج على لسان نبيه؛ إذ قال: "سيخرج من بعدي قوم صعاب شبابهم قصارى شأنهم يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية". فالمؤلف يزعم أن هذا الحديث – وهو من أحاديث المروق الصحيحة – يزعم أنه من وضع علي بن أبي طالب إرضاء للعامة.
وما جرأه على هذا الافتراء إلا سوء معتقده وعدم معرفته بقدر الصحابة وورعهم، فيظن أنهم يتقولون على رسول الله لمصلحتهم الشخصية وحاشاهم من ذلك. وكذا قوله: "وإن عليا قال: إن في قتلاهم – يعني أهل النهروان – شيطانا وهو يعني به الورع الناسك" – يشير إلى ذي الثدية، حيث قال بعد أسطر: "فلما تذكر من ثدي الرجل ذكره قال له ابنه: يا أبت ذلك مولا (٢) تأمله من أصحاب رسول الله ﷺ قال: اسكت يا بني، إن الجواب خدعة، ففتح لأصحابه أبواب الكذب فاتخذوها خلقا"!!
стр. 2015
فهل يعتقد مسلم يعرف قدر الصحابة أن عليا سيبلغ إلى هذا الحد الذي لا يجرؤ عليه إلا من قل حظه من الدين ولا يبالي بالكذب ووضع الأحاديث؟! ولكن نجد إماما آخر من أئمتهم هو العيزابي الإباضي يأتي بحديث المروق فلا يتجاسر على نسبته إلى علي بأنه وضعه ويرى أن الحديث ثابت، ولكنه يرد معناه إلى الصفرية وأنهم هم المعنيون به (١) ويقول الورجلاني "وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر ثم رجع على عقبيه وقال: من لم يرض بالحكومة كافر، فقاتل من رضي الحكومة وقتله، وقاتل من أنكر الحكومة وقتله، وقتل أربعة آلاف أواب من أصحابه واعتذر، فقال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم، فقد قال الله فيمن قتل مؤمنا واحدا: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا إلى قوله: عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، فحرمه الله من سوء بخته الحرمين وعوضه دار الفتنة العراقين، فسلم أهل الشرك من بأسه وتورط في أهل الإسلام بنفسه" (٢).وقد اشتهر عن الخوارج تكفيرهم لعلي ﵁ وأنهم مجمعون على كفره هو وعثمان وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية وعمرو بن العاص وأهل التحكيم (٣).ويقول ج. ج لوريمر عن موقف الإباضية وأنهم يكفرون عليا كما قلنا وإن هذا الموقف قد سجله عليهم حتى علماء هذا العصر – يقول لوريمر عن جماعة المطاوعة منهم: "ويعتقد المطوعون أن الخليفة عليا لم يكن مسلما على الإطلاق بل كان كافرا" (٤). ويقصد لوريمر بالمطوعين فرقة من الإباضية في عمان في غاية التشدد في أمور الدين وذكر بعض الأمثلة على ذلك، وقد كان لهؤلاء المطوعين دور هام في توجيه سياسة الحكام في عمان. بل لقد بلغت الجرأة بحفص بن أبي المقدام – زعيم الحفصية من الإباضية – أن يتأول آيات القرآن بما يتفق مع بغضهم للإمام علي ﵁ وما يلصقونه به من تهم فيزعم – وهو كاذب في هذا، مفتر على الله غير الحق – أن قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا [الأنعام:٧١] – أن الحيران هو علي بن أبي طالب، وأن الأصحاب الذين يدعون إلى الهدى هم أهل النهروان، وقد قال بقول نافع في زعمه أن الآية: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، والآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ أنهما نزلتا في علي وابن ملجم (٥) كما سيأتي بيانهما في الرد على نافع.
стр. 2016
ومن الغريب أن ابن أبي الحديد الشيعي يذكر فيما يحكيه عن أبي جعفر – من شيوخه – أن معاوية هو الذي أغرى سمرة بن جندب حتى يقول بأن نزول هاتين الآيتين كان في علي وابن ملجم، وهذا بعيد كل البعد أن يتدنى الصحابة إلى هذا السخف، وهو ما يثبته ابن أبي الحديد بقوله: "قال أبو جعفر: وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم، حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إلى وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥]، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهو قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ [البقرة: ٢٠٧]، فلم يقبل فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروي ذلك" (١).
وكلا القولين: أي قول حفص وقول أبي جعفر باطل، بل هو من أشنع الأباطيل وأكذب الكذب.
ومع هذا فلابد أن نذكر أنه قد اعتدل فريق من الإباضية في حق الإمام علي ﵁، وأورد شواهد في فضائله وأن الذين يسبونه ويشتمونه هم الصفرية لا الإباضية فقد أورد مؤلف كتاب (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) الحديث الآتي:"قال رسول الله ﷺ : ((من سب الأنبياء قتل، ومن سب أصحابي جلد، ومن سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله)) (٢)(٣)، ثم قال: "أشار إلى الصفرية الذين يحكمون بشركه لقتله أهل النهر كما قال ﷺ له: ((تهلك فيك طائفتان مفرطة – يعني الصفرية -، وغالية - يعني الروافض-))، وكان لعلي من يبغضه ويشتمه على عهد رسول الله ﷺ حسدا بما لا يستحق الشتم به، وليس من الشتم أن يقال: استحق كذا بفعله كذا فإن ذلك لحكم الله وقياما بالحق" (٤).وقد أورد علي يحيى معمر فصلا طويلا بين فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم ويترضون عنهم ويرون السكوت عما جرى بينهم، وأنهم لا يبغضون الإمام عليا ولا ينقصونه قدره، ومن هذه النقول ما قاله عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: "أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاف" (٥).ثم قال: "ولم يكن يوما من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم إلا من بغض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب" (٦).ويقول عن الثعاريتي أنه كان يقول: "وكيف يجوز لمن يؤمن بالحي الذي لا ينام أن يكفر صهر نبيه ﵇ الذي لم يسجد قط للأصنام" (٧).
ويقول البدر الثلاثي من أبيات في ديوانه:
بنت الرسول زوجها وابناها ... أهل لبيت قد فشى سناه
رضى الإله يطلب الثلاثي ... لهم جميعا ولمن عناها
وكذا ما قاله أيضا أبو حفص عمرو بن عيسى التندميرتي الإباضي من أبيات قال فيها:
وعلى الهادي صلاة نشرها ... عنبر ما خب ساع ورمل
وسلام يتوالى وعلى ... آله والصحب ما الغيث هطل
سيما الصديق والفاروق والجامع ... القرآن والشهر البطل (٨)
стр. 2017
وقد وردت عن الإباضية أقوال كثيرة في مدح الصحابة عموما، وأنهم لا يختلفون في موالاتهم ولكنهم يرون أنه" لا غبار على من صرح بخطأ المخطئ منهم بدون الشتم والثلب بعد التثبت من ذلك والتبين، وإن أمسك لعموم الأحاديث الواردة فيهم وترك الأمر إلى الله فهو محسن" (١). كما قاله أبو إسحاق أطفيش.
ولعل كلمة أبي إسحاق هذه تصلح عذرا عن الإباضية بأن المبغضين لعلي منهم إنما هم الغلاة منهم، وأما أكثريتهم فتقول بموالاته، ويكون اعتبار المبغضين له شواذا، وهذا ما يقرب بينهم وبين السلف. أما الشخصية الهامة في الخوارج فهو نافع بن الأزرق، فإنه لم يختلف عن بقية الخوارج في غلوه في بغض الإمام علي حيث زعم أن الله تعالى أنزل فيه آية تتلى إلى يوم القيامة تصفه بأقبح الصفات من نفاق وعداوة للإسلام، حين زعم أن الله تعالى أنزل في شأنه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: ٢٠٤]، وفي المقابل أشقى خلق الله يصفه بأن الله أنزل فيه وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة: ٢٠٧] , (٢)، وهذا لا يشك مسلم أنه محض افتراء على الله لا يصدقه عاقل.
أولاً لما عرف عن علي من فضائل وأعلاها حب الله ورسوله، وثانيا أن الله أنزل القرآن منجما على حسب الحوادث وقد عرف أهل العلم سبب نزول كل آية، فهل حادثة علي وعبدالرحمن بن ملجم وقعت في حياة الرسول حتى يمكن القول بأنها نزلت فيها؟! وأهل التفسير يذكرون أن سبب نزول الآية الأولى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ إلخ الآية الكريمة كانت في الأخنس بن شريق على أحد الأقوال، وأما الآية الثانية هنا وهي قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ؛ فقد نزلت في صهيب حين هاجر إلى مكة على أحد الأقوال (٣)، فلم يكن سبب النزول هو ما يراه نافع، ولكن البغض والجهل يخرج المرء عن الحقيقة، فقد كانوا في غاية البغض لعلي ﵁ كما قال عمران بن حطان مفتيهم وشاعرهم الأكبر في ابن ملجم:
يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
أني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا
ومثل نافع صالح بن مسرح، فقد جاء في كتابه قوله مبينا رأيه في عثمان وعلي معا ﵄: "وولي المسلمين من بعده – يعني بعد عمر- عثمان، فاستأثر بالفيء وعطل الحدود وجار في الحكم، واستذل المؤمن وعزز المجرم فثار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين، وولي أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال وشك في أهل الضلال وركن وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء" (٤).
وما قلناه من الدفاع عن عثمان سابقا نقوله عن علي ﵁، وما قيل فيه من ذم فإنه من مزاعم المفتري عليه وهي أكذب من أن يصدقها أو يهتم بردها أحد، وما ظنك بابن عم رسول الله ﷺ وصهره ومن تربى على يديه وفي بيت النبوة، ومن شهد مع الرسول ﷺ مشاهده واشتهر فيها بأنه الشجاع المقدام؟!
لقد أسلم ﵁ مبكرا فلم تلحقه تلك الاعتقادات الجاهلية، وقد زوجه الرسول ﷺ ابنته فاطمة أم الحسن والحسين ﵄، وبشره رسول الله ﷺ بالجنة، وما نسب إليه من رضاه بقتل عثمان، أو إدهانه في تحكيم كتاب الله، فهذا كذب محض وافتراء من حاقد جاهل، وهو بريء من هذه الأكاذيب، ولو رجع هؤلاء لعقولهم وحكموها لكانت رادعة لهم عن تنقصه، زاجرة لهم عن شتمه، فضلا عن رجوعهم إلى النصوص الشرعية.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٦٤
стр. 2018
ب- موقفهم من بعض كبار الصحابة
يعتقد الخوارج تكفير بعض الصحابة ﵃ مع أن بعضهم من المشهود لهم بالجنة، ولكن الخوارج حسب اعتقادهم المعكوس فهم يرون أنهم قد كفروا ببعض الذنوب التي اقترفوها مع أنها كانت في الحقيقة لم تكن ذنوبا أو كانت ناتجة عن اجتهاد كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد، نقول هذا عنهم ونحن نقطع بأنه لا عصمة لبشر عن الذنوب بعد الأنبياء. وأول من اشتد الخوارج في تكفيرهم من الصحابة – بعد عثمان وعلي ﵄ – معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وأهل التحكيم ومن رضي بهم من غيرهم، قال الأشعري: "ويكفرون معاوية وعمر بن العاص وأبا موسى الأشعري" (١).وقد وقفوا موقف العداء المستحكم من معاوية وعمرو بن العاص فكفروهما، ووصفوهما بكل صفة سوء ونفوا عنهما كل خير، بل وأثبتوا لهما النار، كما يقول الورجلاني: "وأما معاوية ووزيره عمرو بن العاص فهما على ضلالة لانتحالهما ما ليس لهما بحال، ومن حارب المهاجرين والأنصار فرقت بينهما الدار وصار من أهل النار (٢)، ولا يستبعد منهم أن يقفوا هذا الموقف، بل وأشد منه ما داموا قد وقفوا ممن هو خير منهما ذلك الموقف المشين ..
وقد وصف زعيم الإباضية عن عبدالله بن إباض معاوية بن أبي سفيان – كما جاء في كتابه إلى عبدالملك – بعدة صفات يزعم فيها أن الرجل يكفر بأقل منها، فقد جاء في ذلك الكتاب قوله: "فلا تسأل عن معاوية ولا عن عمله ولا صنيعه، غير أنا قد أدركناه ورأينا عمله وسيرته في الناس، ولا نعلم من الناس شيئا لأحد أترك من الغنيمة التي قسم الله، ولا يحكم بحكم حكمه الله، ولا أسفك لدم حرام منه، فلو لم يصب من الدماء إلا دم ابن سمية لكان في ذلك ما يكفره".ثم قال مبينا رأي الإباضية في عثمان ومعاوية ويزيد جميعا: "فإنا نشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا ونموت عليه إذا متنا ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله" (٣).وفي كل ما تقدم مخالفة صريحة لقوله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (٤)؛ مما يقتضي عفة لسان المسلم عن أن يخوض في أعراض هؤلاء الصحابة على هذا النحو الشائن، فضلا عن مخالفتهم لما ورد في معاوية وعمرو بن العاص من ثناء الرسول ﷺ ، بل يجب أن نكل أمرهما إلى الله في ما اجتهدا فيه من أمر.
стр. 2019
أما موقف الخوارج من الحسن ﵁ فإنه هو نفس موقفهم من أبيه، فالمراجع لكتاب (كشف الغمة) يجد المؤلف يكيل الافتراءات ويغمز فيه بما لا يصح؛ فيذكر أن الحسن لما تولى الخلافة خدعه معاوية كما خدع أباه من قبل بما حمل إليه من أوقار الذهب ومناه بالخلافة بعده، وأنه ترك ما كان يطلب بالأمس من كتاب الله وسنة نبيه وقتال الفئة الباغية، وأن أهل النخيلة اجتمعوا لحرب معاوية ولكنه وبمساعدة أهل الكوفة والحسن قتلوهم، مع أن المؤرخين يذكرون أن الحسن امتنع عن تولي محاربتهم وقال لمعاوية: لو كنت أريد قتال أحد من أهل القبلة لبدأت بك، ولكن تركتها حقنا للدماء. فمن أين لمؤلف (كشف الغمة) أن الحسن تولى قتال أهل النخيلة؟! ثم يوالي افتراءه الذي يدل على عدم احترامه للسلف الصالح فيلمز الحسن بأنه باع آخرته بدنياه، وحرض أصحابه على الدخول في طاعة معاوية، وأن ابن عباس غضب عليه غضبا شديدا وقال له: إنكم لأحقر أهل بيت من العرب ثم شبههم ببني إسرائيل وجبنهم حين أبوا ملاقاة عدوهم فضربهم الله بالتيه (١).وفي كتاب (الكفاية): "فإن قال: ما تقولون في الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب؟ قلنا: إنهما في البراءة، فإن قال: من أين أوجبتم عليهما البراءة وهما ابنا فاطمة بنت رسول الله؟ قلنا: أوجبنا عليهما البراءة بولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه وجوره، وبقتلهما عبدالرحمن بن ملجم ﵀، وتسليمهما الإمامة لمعاوية بن أبي سفيان، وليس قرابتهما من رسول الله ﷺ بمغنية عنهما شيئا؛ لأن النبي محمداً ﷺ قال في بعض ما يوصي به قرابته: ((يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، ويا بني هاشم؛ اعملوا لما بعد الموت)) (٢).هذا ما حكاه المؤلف عن كتاب (الكفاية)، أما هو فيقول: "ثم إن الحسن بن علي ولي أمر أبيه من بعده، فباع دينه وأمر ربه بأواق من الذهب والفضة" (٣). فإذا كان قصد الحسن جمع الذهب والفضة – كما يزعم مؤلف كشف الغمة – فمما لا شك فيه أن توليه الخلافة هو الأفضل لجمعهما لا التنازل عنها، ولم يعلم صاحب (كشف الغمة) أن تنازل الحسن كان تصديقا لقول النبي ﷺ فيه: ((ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) (٤)، وقد وقع كما قال ﵇، فلم يفسر صاحب (كشف الغمة) تنازل الحسن إلا لانخداعه برؤية بريق أواقي الذهب والفضة.
стр. 2020
وما قاله عن الحسن فإنه رد عليه، فلقد كان الحسن ﵁ ذا خلق فاضل ودين وورع، لا يهمه شرف الخلافة ولا العلو في الأرض، فقد فضل أن تحقن دماء المسلمين وينعم الناس بالأمن والهدوء، ولو كان ذلك على هضم حقه في الخلافة بعد أن تمت له البيعة بها، فقد كان ﵁ لا يوازن بين مصلحته ومصلحة المسلمين بل يقدم مصلحة المسلمين ويبقى مصلحته ذخرا عند الله؛ لينال ثوابها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أما موقف غلاة الإباضية من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام فهو لا يقل عن موقفهم من علي وعثمان فهما عندهم في منزلة البراءة والبعد، وينسبون هذا الموقف الخاطئ إلى جميع المسلمين، كما جاء في كتاب (الكفاية)، "فإن قال قائل: فما تقولون في طلحة والزبير بن العوام؟ قلنا: إنهما عند المسلمين بمنزلة البراءة" (١).ويوضح الورجلاني أيضا موقف الإباضية منهما بأنهما ممن أوجب الله لهما النار وحرم عليهما الجنة بعكس ما نطق به من لا ينطق عن الهوى، فقد بشرهما الرسول ﷺ بالجنة وهم يبشرونهما بالنار!! – يقول الورجلاني: "وأما علي بن أبي طالب فإن ولايته حق عند الله تعالى – يعني به قبل التحكيم – وكانت على أيدي الصحابة وبقية الشورى، ثم قاتل طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين فقتاله حق عند الله لشقهم العصا عصا الأمة، ونكثهم الصفقة، فسفكوا الدماء وأظهروا الفساد، فحل لعلي قتالهم وحرم الله عليهم الجنة، فكانت عاقبتهما إلى النار والبوار" (٢)
فسبحان الله العظيم! ما أجرأ أهل الزيغ على شتم الصحابة الأخيار الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وكانوا من جنوده البواسل في ساعة العسرة، قبل أن يوجد آباء وأجداد هؤلاء المعتدون الذين ينتقصونهم ويحكمون عليهم بالنار، لقد كان طلحة والزبير ﵄ من خيار الصحابة ومن المشهود لهم بالجنة من رسول الله ﷺ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولهم مواقف مشرفة مع رسول الله ﷺ سواء كانت في السلم أو في الحرب من طاعة وتضحية وإقدام في مجاهدة الكفار، وما أحرى بالمسلم أن يترك تنطع الخوارج والشيعة في موقفهم من الصحابة، فإنه لا يقف موقفهم أحد فيسلم إلا أن يتداركه الله برحمته ويلهمه التوبة.
يجب علينا أن نحسن الظن بالصحابة وأن نعتبر ما جرى بينهم من فتن لأمور وحكم أرادها الله، ونكل أمرهم فيها إلى الله ولا نقول فيهم إلا خيرا ونترحم عليهم وهم سلفنا وخيارنا ﵃ أجمعين.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٧٦
стр. 2021
المطلب الثاني: موقف الخوارج من عامة المسلمين المخالفين لهم
• أ- موقف الغلاة منهم:.
• ب- موقف المعتدلين منهم:.
стр. 2022
أ- موقف الغلاة منهم: يذكر الأشعري أن الخوارج مجمعون على أن مخالفيهم يستحقون السيف حلال دماؤهم، إلا فرقة الإباضية فإنها لا ترى ذلك إلا مع السلطان كما عبر عن هذا بقوله: "وأما السيف فإن الخوارج جميعا تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، ولكن يرون إزالة أئمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغير السيف" (١).ويقول الشاطبي في كلامه عن الاختلافات الضالة التي أدت بالمسلمين إلى تكفير بعضهم بعضا وسفكوا بسببها دماءهم - قال: "ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبي ﷺ في قوله: ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) (٢).وقد اختلف علماء الفرق في تحديد أول من حكم بتشريك أهل القبلة وتكفيرهم، هل هم الأزارقة أم هم المحكمة الأولى؟، فهناك من يرى أن الأزارقة هم الذين ابتدعوا القول بإكفار المسلمين، يقول الأشعري: "وأول من أحدث الخلاف بينهم نافع بن الأزرق الحنفي، والذي أحدثه البراءة من القعدة والمحنة لمن قصد عسكره وإكفار من لم يهاجر إليه" (٣).ويرى البغدادي أن الأزارقة هم الذين ابتدعوا القول بتشريك المسلمين، أما المحكمة فلم يحكموا عليهم إلا بالكفر، وذلك حسب قوله: "ومنها - أي من بدع الأزارقة - قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون، وكانت المحكمة الأولى يقولون إنهم كفرة لا مشركون" (٤).ومثل ما ذكره البغدادي في هذا المقام نجده عند صاحب كتاب (الأديان الإباضي)، فإنه يرى أن نافعا لم يسبقه أحد بالقول بتشريك المخالفين واستحلال دماء أطفال مخالفيه، ويرى أن الخوارج كلهم على حق وصواب أحربهم في الخروج، لولا زلة الخوارج نافع بن الأزرق وخروجه على أهل الحق، كما يرى المؤلف (٥).
стр. 2023
والواقع أنه سيتبين لنا فيما يأتي من دراستنا لما صدر عن المحكمة الأولى من أقوال وأفعال، وما دار بينهم وبين مخالفيهم من محاورات ومناظرات، أنهم كانوا سابقين إلى تكفير مخالفيهم من المسلمين وتشريكهم ومعاملتهم على هذا الأساس، وأن الأزارقة لم يكونوا في ذلك إلا تبعا لهم، وإن كانوا قد غالوا في هذا الموقف غلوا شديدا كما سنرى فيما بعد. وأول ما نستشهد به على موقف المحكمة الأولى من مخالفيهم من المسلمين هو ما ذكره قيس بن سعد بن عبادة في محاورته لهم ليرجعوا إلى الطاعة والجماعة، ويخطئهم في موقفهم تجاه المسلمين حين اعتبروهم مشركين؛ فسفكوا دماءهم واستحلوا حرماتهم ومنه قوله يقرر عليهم أفعالهم: "فإنكم ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم، وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين" (١). فهذه شهادة من شاهد عيان بأن المحكمة الأولى كانوا يعدون مخالفيهم مشركين، هذا ما رواه عنه الطبري. ويذكر نصر بن مزاحم المنقري أن المحكمة قالوا بتشريك مخالفيهم وعلى رأسهم الإمام علي، فبرئ علي منهم وبرئوا منه وافترقوا على هذا، وذلك في قوله عنهم: "فبرئوا من علي وشهدوا عليه بالشرك وبرئ علي منهم" (٢)، وكما أشرك - في نظرهم- الإمام علي أشرك كذلك ابنه الحسن ﵄؛ فقد أقبل عليه الجراح بن سنان - وذلك بعد مصالحته معاوية - وقال له: "أشركت كما أشرك أبوك، ثم طعنه في أصل فخده" (٣).فالمحكمة كما ظهر مما سبق قد حكمت بالشرك على مخالفيهم، وقد حكموا أيضا عليهم بالكفر كما يرويه عنهم الملطي بقوله: "والفرقة السابعة: الحرورية، يقولون بتكفير الأمة" (٤). ومن الحوادث التي تثبت تكفيرهم لمخالفيهم وبالتالي استحلالهم لدمائهم ما هو معروف مشهور من قتلهم عبدالله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ وغيره من المسلمين. فقد ورد أن علي بن أبي طالب ﵁ "بعث إلى أهل النهروان أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم بهم ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل الشام، فلعل الله يقلب قلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم، فبعثوا إليه: كلنا قتلهم وكنا نستحل دماءهم ودماءكم" (٥). فلو لم يكونوا معتقدين كفرهم وخروجهم عن الإسلام في زعمهم لما استحلوا دماءهم. وقد كان رجل يسمى الخريت بن راشد من أشد الخارجين على علي وعلى المسلمين عموما، فقد كان في طريقه يقتل كل من يقول إنه مسلم ويخلي سبيل من لا يعتقد الإسلام، وكان هذا الفعل منه مصداقا للحديث القائل: ((يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان))، أو كما قال ﵇ (٦).هذا الرجل خرج على الإمام علي فيمن أطاعه من قومه وغيرهم، وفي أثناء سيرهم نحو قرية يقال لها نفر- حدث ما بينه كتاب أحد عمال أمير المؤمنين علي ﵁ ويسمى قرظة بن كعب الأنصاري يخبره فيه بمسير الخوارج، قال فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر وأن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد صلى يقال له: زاذان فروخ أقبل من قبل أخواله بناحية نفر فعرضوا له، فقالوا: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم قالوا: فما قولك في علي؟ قال: أقول فيه خيرا، أقول: إنه أمير المؤمنين وسيد البشر، فقالوا له: كفرت يا عدو الله. ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه" (٧).
стр. 2024
بل إنهم قالوا في تكفير الناس لأقل سبب حتى حكموا على أنفسهم بالكفر حين قبلوا التحكيم أول الأمر، ففي أثناء محاورتهم مع علي أقروا على أنفسهم أنهم قد كفروا ثم تابوا، وأن هذا الحكم عام على الجميع حتى على نفسه، فإن عليه إذا أراد الإسلام أن يعلن كفره وتوبته، هكذا بلغ بهم العناد والجهل فقالوا له: "إنا حكمنا، فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين وقد تبنا، فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين"، فأجابهم علي ﵁ بقوله: "أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر - أي أحد -! أبعد إيماني برسول الله ﷺ وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر؟! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين" (١).
وهكذا يتبين لنا مما سبق ومن غيره مما لم نرد إطالة القول بذكره ثبوت تكفير المحكمة وتشريكهم لأهل القبلة، ومعاملتهم لهم على هذا الأساس، وقد تابعهم على ذلك الخوارج فيما بعد ولا سيما نافع بن الأزرق. ويذكر المبرد أن نافعا كان لا يرى أول الأمر أن مخالفيه مشركون، ولا يرى أيضا قتل الأطفال حتى جاء مولى لبني هاشم فقال له تلك المقالة، فانتهره بادي الأمر ولكنه ما زال به حتى أقنعه بذلك الرأي الخاطئ، ومن هنا أخذ في تطبيقه بكل قسوة وعنف، يقول المبرد: "ولم يزالوا على رأي واحد يتولون أهل النهر ومرداسا ومن خرج معه، حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع فقال له: إن أطفال المشركين في النار وإن من خالفنا مشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال، قال له نافع: كفرت وأدللت على نفسك، قال له: إن لم آتك بهذا من كتاب الله فاقتلني: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٦، ٢٧]، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم، فشهد نافع أنهم جميعا في النار ورأى قتلهم" (٢).
стр. 2025
وأيا كان الأمر، فإن كون هذا الموقف لنافع ابتداء أو بعد تلك المحاورة، فالمهم أنه اقتنع به، بل وغالى فيه حتى أصبح الأزارقة هم أكبر من تزعم القول بتشريك المخالفين وإخراجهم عن الملة واستباحة كل شيء منهم، وقد أتبعوا قولهم بالفعل فسفكوا الدماء، وانتهكوا المحرمات، وقتلوا مخالفيهم كبارهم وصغارهم، لم يراعوا في ذلك فيهم إلا ولا ذمة، وقد تواترت أقوال العلماء في ذلك يؤيد بعضهم بعضا على أن الأزارقة هم شر الفرق وأشدهم على أهل الإسلام. وقد ذكر موقفهم من مخالفيهم علماء الإسلام، ومنهم الأشعري حيث قال في معرض بيانه لأقوال الأزارقة: وإنهم يقولون: "إن الدار دار كفر، يعنون دار مخالفيهم" (١). وما دام مخالفوهم بهذه الصفة، فلا بأس في حقهم حتى في ارتكاب ما ينافي الأخلاق والعرف بين الناس، فيجوز خيانة الأمانة، وعدم أدائها إليهم، "واستحلوا خفر الأمانات التي أمر الله بأدائها، وقالوا: قوم مشركون لا ينبغي أن تؤدى الأمانة إليهم" (٢).ويقول البغدادي: "وزعم نافع وأتباعه أن دار مخالفيهم دار كفر" (٣).ويقول الملطي: "فصنف منهم يقال لهم الأزارقة وهم أصعب الخوارج وأشرهم فعلا وأسوأهم حالا" (٤)؛ وذلك بما اعتقدوه في الناس وما فعلوه بهم، بل إنهم يعتبرون حتى أنفسهم مشركين بمخالطتهم مخالفيهم والإقامة معهم حتى يخرجوا عنهم فيثبت إسلامهم عند ذاك، وإلا فهم مثلهم مشركون، كما يقول ابن الجوزي مبينا ذلك: "وكان أصحاب نافع بن الأزرق يقولون: نحن مشركون ما دمنا في دار الشرك، فإذا خرجنا فنحن مسلمون، قالوا: ومخالفونا في المذهب مشركون" (٥) وهذا يدل على غاية جهلهم وتعصبهم لرأيهم، فهل كان الرسول ﷺ حين كان في مكة قبل الهجرة بين المشركين مشركا بسبب مقامه؟! هذا منهم ضلال إضافة إلى ضلالتهم في اعتبارهم المسلمين المخالطين لهم مشركين، ولكن الله قد جعل بأسهم بينهم يقتل بعضهم بعضا ويغنم بعضهم مال بعض شأن أهل الأهواء والبدع، بقول صاحب كتاب (الأديان): "واجمعوا على تشريك أهل القبلة وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم، ومنهم من يستحل قتل السريرة والعلانية، واعترضوا الناس بالسيف على غير دعوة ومنهم من لا يستحل قتل السريرة وهم مختلفون فيما بينهم، يقتل بعضهم بعضا، ويغنم بعضهم مال بعض، ويبرأ بعضهم من بعض" (٦).
стр. 2026
وقد استدل نافع بالآيات التي وردت في المشركين زاعما أنها تشمل مخالفيه من المسلمين، وذلك حين قام خطيبا في أصحابه يذكرهم بنعمة الله عليهم حيث عرفهم من الحق ما لم يعرفه غيرهم، وأنه لا ينبغي لهم ولاية أحد من مخالفيهم، فلا يجوز التزوج منهم، أو موارثتهم، أو حتى الإقامة معهم، ومن قوله في ذلك: "فقد أنزل الله ﵎: بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:١]، وقال: وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:٢٢١]، فقد حرم الله ولايتهم، والمقام بين أظهرهم، وإجازة شهادتهم وأكل ذبائحهم، وقبول علم الدين عنهم، ومناكحتهم وموارثتهم، وقد احتج الله علينا بمعرفة هذا وحق علينا أن نعلم هذا الدين الذين خرجنا من عندهم ولا نكتم ما أنزل الله، والله يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ [البقرة:١٧٤] ".قال الطبري: "فاستجاب له إلى هذا الرأي جميع أصحابه" (١) وقد أورد الشاطبي ﵀ قصة عجيبة لهم تدل على فساد اعتقادهم وخروجهم عن الجادة بقتلهم من يقول إنه مسلم دون التحقيق من صدقه أو كذبه، وكأنما قول المخالف لهم: أنا مسلم يساوي قوله أنه كافر، كما سنراهم حين يأخذون عبادة بن قرط الذي رجع من غزو الكفار الحقيقيين، والذي جاءهم حين سمع الأذان لا ليشاهد كيفية الصلاة ولكن ليدخل في الصلاة مسلما مؤمنا بربه ونبيه، هذه القصة عبر عنها الشاطبي بقوله: "روي في حديث خرجه البغوي في معجمه عن حميد بن هلال أن عبادة بن قرط غزا فمكث في غزاته تلك ما شاء الله ثم رجع مع المسلمين منذ زمان، فقصد نحو الأذان يريد الصلاة، فإذا هو بالأزارقة - صنف من الخوارج - فلما رأوه قالوا: ما جاء بك يا عدو الله؟ قال: ما أنتم يا إخوتي، قالوا: أنت أخو الشيطان لنقتلنك، قال: أما ترضون مني بما رضي به رسول الله ﷺ ؟! قالوا: وأي شيء رضي منك؟ قال: أتيته وأنا كافر، فشهدت أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ﷺ فخلى عني. قال: فأخذوه فقتلوه" (٢).
стр. 2027
فهل بعد فعلتهم هذه حماقة أو جهالة؟! رجل يحدثهم بموقفه مع رسول الله ﷺ وهو أشد من موقفه معهم، فيقبل منه رسول الله ﷺ إسلامه بغض النظر عما سلف منه وهم لا يقبلونه، فهل كانوا أحرص على الإسلام وأغير من رسول الله ﷺ على الإسلام؟! ويذكر ابن حزم تفرقتهم بين المسلمين والذميين في المعاملة فيقول: "وقالوا باستعراض كل من لقوه من غير أهل عسكرهم ويقتلونه إذا قال: أنا مسلم، ويحرمون قتل من انتمى إلى اليهود أو إلى النصارى أو المجوس، وبهذا شهد رسول الله ﷺ عليهم بالمروق من الدين كما يمرق السهم من الرمية، إذ قال ﵇ إنهم يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، وهذا من أعلام نبوته ﷺ إذ أنذر بذلك، وهو من جزئيات الغيب فخرج كما قال" (١).ويقول ابن عبد ربه كذلك: "فقال نافع باستعراض الناس والبراءة من عثمان وعلي وطلحة والزبير، واستحلال الأمانة وقتل الأطفال" (٢).وقد عاب نجدة بن عامر على نافع ما ذهب إليه من تكفيره للقعدة واستحلاله قتل الأطفال، ثم رأيه في عدم أداء الأمانة إلى من ائتمنه من مخالفيه، واستدل عليه في كل ما تقدم بأدلة من القرآن (٣)، وذلك في كتاب أرسله نجدة إليه. وقد أجاب نافع عن كتاب نجدة بكلام جاء فيه بالنسبة لمخالفيهم قوله: "وأما استحلال الأمانات، فمن خالفنا فإن الله أحل لنا أموالهم كما أحل لنا دماءهم، فدماؤهم حلال طلق، وأموالهم فيء للمسلمين" (٤). وفي هذا تبرير منه لأمر باطل بأمر باطل مثله، فما أحل الله له دماء المسلمين حتى يبني عليه استحلاله لأموالهم. وقد وصف سليمان مظهر معاملتهم لمخالفيهم بأنهم "كانوا يأتون بأفظع المنكرات، كأنهم لا يدينون بإله ولا يعرفون شفقة ولا رحمة" (٥).ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم يستحلون من مخالفيهم المسلمين ما لا يستحلون من الكافر الأصلي (٦).ومثل تشدد الأزارقة تجاه مخالفيهم في حكمهم عليهم بالشرك واستحلال دمائهم وأموالهم - ما نجده عند طائفة من فرقة البيهسية فهي تقول بأن مخالفيهم مشركون حلال دماؤهم وأموالهم، وهي لا تقل في ذلك عنفا عن الأزارقة، يقول الأشعري مبينا أقوال هذه الطائفة: "وقالت: الدار دار شرك وأهلها جميعا مشركون، وتركت الصلاة إلا خلف من تعرف، وذهبت إلى قتل أهل القبلة وأخذ الأموال، واستحلت القتل والسبي على كل حال" (٧).ثم زاد هذا تأكيدا في موضع آخر عن حاك لم يعينه يذكر أن هذا الحكم هو ما يعتقده جميع البيهسية، فهو يقول: "وحكي أن البيهسية تقول بقتل أهل القبلة وأخذ الأموال، وترك الصلاة إلا خلف من تعرف، والشهادة على الدار بالكفر" (٨).ومثل هذه الطائفة من البيهسية التي استحلت قتل مخالفيهم وغنيمة أموالهم مثلها طائفة من الصفرية إلا أن هذه الطائفة تفوق تلك بتعمقها بدرجة أكبر في الفوضوية والجهل، فهي تعتبر القتل مقصودا لذاته من أي ملة كان، سواء كان مؤمنا في ميزانهم أم كافر، من غير تمييز، وذلك فيما يذكره ابن حزم بقوله: "وقالت طائفة من الصفرية بوجوب قتل كل من أمكن قتله من مؤمن عندهم أو كافر، وكانوا يؤولون الحق بالباطل" (٩). فإذا كانوا بهذه المثابة فكيف يمكن أن يتعايشوا مع الناس، بل كيف يمكن تعايشهم أيضا فيما بينهم؟! اللهم إلا كتعايش الحيوانات المتوحشة في الغابات. ونضيف إلى هؤلاء الغلاة المتشددين من الخوارج مع غيرهم بل مع الخوارج أنفسهم حمزة بن أكرك، فمع أنه كان لا يرى قتل مخالفيه إلا بعد إعلان الحرب؛ إلا أنه بلغت به الشدة على من لا يوافقه على آرائه أن يعتبره كافرا مشركا وإن كان من الخوارج القعدة الذين يواليهم، وكان مفسدا متجاوزا حد الرحمة مع مخالفيه، وهو ما يذكره عنه البغدادي في قوله: "ثم إنه والى القعدة من الخوارج مع قوله بتكفير من لا يوافقه على قتال مخالفيه من فرق هذه الأمة مع قوله بأنهم مشركون، وكان إذا قاتل قوما وهزمهم أمر بإحراق وعقر دوابهم، وكان مع ذلك يقتل الأسرى من مخالفيهم" (١٠).
وله مواقف عديدة وحروب عنيفة مع فرق الخوارج الذين أبوا من موافقته والدخول في طاعته، فقد تابع عليهم الحملات حتى أباد كثيرا منهم في معارك رهيبة تمثلت فيها غاية القسوة والبطش.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي- ص٤٨١
стр. 2028
ب- موقف المعتدلين منهم: ورغم ما تقدم من تشدد الخوارج تجاه مخالفيهم إلا أننا نجد بعض الفرق منهم قد خففت من وطأتها وإن كان تخفيفا لا يكاد يذكر، فنجد مثلا الأخنسية منهم يحرمون الغدر وشبهه بمخالفهم، أو قتله قبل الدعوة ما دام شخصا مجهول الحال، أما إذا عرف بما يوجب قتله عندهم فإنه يقتل كيف ما كان، وهذا ما يقوله الأشعري عنهم: "ويحرمون الاغتيال والقتل في السر، وإن يبدأ بأحد من أهل البغي من أهل القبلة بقتال حتى يدعى إلا من عرفوه بعينه" (١).بل وصل بهم التسامح إلى أن جوزوا تزويج المسلمات من مخالفيهم المشركين أهل الكبائر والذنوب، وهذا ما يرويه الشهرستاني عنهم بقوله: "وقيل إنهم جوزوا تزويج المسلمات من مشركي قومهم أصحاب الكبائر" (٢).ويؤيد ما قاله الشهرستاني عنهم ما جاء في كتاب (الأديان) لمؤلفه الإباضي؛ حيث يذكر أنهم في حكمهم المتقدم يوافقون الإباضية إلا في مسألة سبي وغنيمة مخالفيهم، فإنهم على مذهب الخوارج كما قال عن رئيسهم الأخنس: "وجوز تزويج نساء أهل الكبائر من قومهم على أصول أهل الاستقامة، إلا أنه خالفهم في السبي والغنيمة من أهل القبلة على مذهب الخوارج" (٣).
ومثل هذا التسامح الضئيل من الأخنسية نجده عند الحمزية من العجاردة أو العجاردة كلهم على ما جاء في تعبيرات بعض علماء الفرق عنهم، نجد هذه الفرقة لا تبيح قتل مخالفيهم من أهل القبلة أو استحلال أموالهم، إلا بعد إعلان الحرب وخوضها، فإذا قامت الحرب فإن الأموال لا تباح حتى يقتل أصحابها، فيعتبر قتل صاحب المال تحليلا ورفعا للإثم في أخذ ماله، أي أن ارتكاب جريمة القتل تبيح جريمة استحلال ماله في ميزانهم المعكوس. يقول الأشعري فيما يحكيه عن أحد الرواة المسمى زرقان: "وحكى زرقان أن العجاردة أصحاب حمزة لا يرون قتل أهل القبلة ولا أخذ المال في السر حتى يبعث الحرب" (٤).أما البغدادي فيعمم الحكم على جميع العجاردة بقوله: "والعجاردة لا يرون أموال مخالفيهم فيئا إلا بعد قتل صاحبه" (٥).وأما الشهرستاني فيجعل الحكم ليس للعجاردة ولا للحمزية ولكنه من أقوال عبدالكريم بن عجرد رئيس العجاردة، وأنه مما تفرد به عبدالكريم كما هو الظاهر من قوله عنه: "ولا يرى المال فيئا حتى يقتل صاحبه" (٦).
стр. 2029
ولعل أكثر الخوارج اعتدالا تجاه مخالفيهم وأكثر تسامحا معهم والشخصية المثالية لدى الخوارج بل والشيعة أيضا هو أبو بلال مرداس بن أدية، فقد كان معتدلا زاهدا مجتهدا في العبادة معظما عند كل الخوارج، وكان مسالما، فعندما خرج بأصحابه فارا بدينه من أحكام الظلمة – يعني حكام بني أمية – لقيه أحد أصدقائه فأشار عليه بعدم الخروج خوفا عليه من بطش زياد، فطمأنه بأنه سوف لا يخيف آمنا ولا يجرد سيفا إلا على من قاتله. وكان مما أثار هيجانه وجعله يخرج أن زيادا ذات يوم خطب على المنبر وكان مرداس يسمعه، فكان من قوله: "والله لآخذن المحسن منكم بالمسيء، والحاضر منكم بالغائب، والصحيح بالسقيم". وهذا بالطبع ما لا تحتمله الخوارج، إذ يعلن جوره في أحكامه علانية غير مبال بالخوف من الله أو على الأقل من فتنة الناس، فثارت ثائرة مرداس "فقام إليه مرداس فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان، وما هكذا ذكر الله عن نبيه إبراهيم ﵇ إذ يقول: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى [النجم: ٣٧ - ٤١] وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي، ثم خرج عقب هذا اليوم" (١).ويثبت المبرد هنا أن المعتزلة والشيعة تنتحله، وأنه حينما أراد الخروج بعدما عيل صبره وانتهى أمله في صلاح حكامه – قال: "والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظلمة تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفصل، والله إن الصبر على هذا لعظيم وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكننا ننتبذ عنهم ولا نجرد سيفا ولا نقاتل إلا من قاتلنا" (٢).
стр. 2030
فهو يرى أنه بين خيارين: إما أن يستكين لظلم الولاة وهذا عظيم أو يجرد السيف في وجوههم وهذا عظيم أيضا لما يترتب عليه من سفك الدماء، ولكنه أراد حلا وسطا وهو الهرب بدينه وعدم تجريد السيف، ولكن هذا الحل لا يمكن أن يقبله الحكام الأمويون بالبداهة. ومن المعتدلين من الخوارج أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعي، ولكنه اعتدال غير كامل، فقد أحل المقام بين مخالفيه وجوز مناكحتهم وموارثتهم ولكنه اعتبرهم في الأحكام الدنيوية منافقين يظهرون الإسلام ويخفون النفاق، وأما حكمهم عند الله، فقد زعم بأنه حكم المشركين (١).وكذلك صالح بن مسرح، فقد كان يرى أنه يجب دعوة مخالفيه قبل قتالهم؛ لأنه أقطع للعذر وأبلغ في الحجة عليهم، بينما كان شبيب وهو الزعيم الثاني بعد صالح يحبذه على القول بالفتك بمخالفيهم قبل الدعوة، فحينما اجتمع شبيب بصالح بعد المكاتبة بينهما واتفاقهما على الخروج – يروي بنفسه ما جرى بينه وبين صالح بن مسرح فيقول: "لما هممنا بالخروج، اجتمعنا إلى صالح بن مسرح ليلة خرج، فكان رأيي استعراض الناس لما رأيت من المنكر والعدوان والفساد في الأرض، فقمت إليه فقلت يا أمير المؤمنين: كيف ترى في السيرة في هؤلاء الظلمة؛ أنقتلهم قبل الدعاء أو ندعوهم قبل القتال؟ وسأخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني فيهم برأيك، أما أنا فأر أن نقتل كل من لا يرى رأينا قريبا كان أو بعيدا، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغين قد تركوا أمر الله واستحوذ عليهم الشيطان، فقال: لا بل ندعوهم، فلعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك وليقاتلنك من يرزي عليك والدعاء أقطع لحجتهم وأبلغ في الحجة عليهم، قال: فقلت له: فكيف تر فيمن قاتلنا فظفرنا به؟ ما تقول في دمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا وإن تجاوزنا وعفونا فموسع علينا ولنا. قال: فأحسن القول وأصاب رحمة الله عليه وعلينا" (٢).
فهذه المحاورة الفقهية السياسية في شأن مخالفيهم تعلقت بأمور هي: هل عليهم دعوة مخالفيهم قبل القتال أو لا؟ وهل الأسرى يجب قتلهم أو استبقاؤهم؟ ثم الحكم في الأموال ثم الغنائم، وهكذا. وهذا يفيد أنهم نوعا ما كانوا أخف وطأة من الأزارقة وإن كانوا قد عقدوا العزم على قتال مخالفيهم أو يذعنوا لطاعتهم؛ لأنهم في نظرهم خارجون عن تطبيق الإسلام الصحيح، فيجب أن توضع الحلول لتلك المسائل التي تعلقت بمخالفيهم، ولهذا فقد أنكر صالح على نافع بن الأزرق غلوه وعلى ابن إباض في تقصيره في الحكم على مخالفيهم، فقال لابن إباض: "برئ الله منك فقد قصرت، وبرئ من ابن الأزرق فقد غلا" (٣).
ونحب أن نذكر هنا موقف الإباضية من مخالفيهم، سواء ما قاله علماء الفرق أو ما قالوه هم عن أنفسهم، لنرى مدى التقارب أو التباعد بينهم وبين غيرهم من فرق الخوارج في هذه المسألة.
والواقع أن حكم الإباضية في مخالفيهم قد تميز بنوع من الاعتدال وحب التقارب مع غيرهم، فهم لا يحكمون عليهم بالشرك، وإن كانوا لا يعتبرونهم كاملي الإسلام بل هم كفار.
стр. 2031
وهذا التعبير هو ما يستعمله الأشعري والبغدادي والشهرستاني. يقول الأشعري: "وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين" (١).وهكذا عند البغدادي، فقد ذكر أنهم يرون أن مخالفيهم "براء من الشرك والإيمان وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار" (٢). وكذا عند الشهرستاني (٣).وقد زاد البغدادي حكما آخر عن الإباضية وهو أنهم يعتبرون مخالفيهم محاربين لله ولرسوله، فيكون قد تميز بذكر حكمين لمخالفيهم، أي أنهم كفار وأنهم محاربون، وذلك في قوله: "وزعموا أنهم – يعني مخالفي الإباضية – في ذلك محاربين لله ولرسوله لا يدينون دين الحق" (٤).
ولكن هل يطبقون حكم المحاربين عليهم؟ سنرى فيما بعد ما يقوله الإباضية عن أنفسهم. وقد انتقد على معمر هذا الأسلوب في حكم الإباضية على مخالفيهم ووصفه بأنه أسلوب موهم غامض، وأن كثيرا مما قيل عن الإباضية في هذا الباب "إنما هو – كما يقول معمر – تشنيعات وتلفيقات من ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالا في غاية الغموض والإبهام؛ لإثارة الرأي العام ضدهم ... إلخ" (٥).
ومن هذه الإيهامات – كما يرى – ذلك التعبير الذي تقدم عند الأشعري ومن أخذ عنه، حيث لم يبينوا ما إذا كان المسلمون في نظر الإباضية كفار ملة أو كفار نعمة.
وقد تقدم أن الإباضية يرون أن مخالفيهم من المسلمين كفار نعمة لا كفار ملة، ولا ندري كيف جمع الأشعري والبغدادي بين القول بتكفير الإباضية لمخالفيهم تكفيرا مطلقا، والقول باعتبار دارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان؟! يقول الأشعري في هذا: "وزعموا أن الدار – يعنون دار مخالفيهم – دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر، يعني عندهم" (٦). وهكذا عند البغدادي إلا أنه قصر الدار على مكة، فهي دار التوحيد عندهم إلا معسكر السلطان، فالأشعري يذكر أنهم عمموا الحكم على جميع دور مخالفيهم، والبغدادي خصصها بدور مكة والتناقض في هذه الرواية عن الإباضية ظاهر إذا كانا يقصدان هنا بتكفير الإباضية لمخالفيهم أنه كفر ملة، وإلا كان تساهلا منهم في التعبير عن مذهب الخوارج.
أما رأي الإباضية في الدار فإنهم يقسمونها إلى قسمين: دار إسلام ودار كفر، ودار الكفر لا تنطبق بأي حال على دور مخالفيهم من المسلمين، سواء في ذلك عامة الناس أو معسكر السلطان، خلافا لما ذكره الأشعري وغيره من اعتبارمعسكر السلطان دار كفر عند الإباضية، ودار الإسلام لا تخلو عندهم عن أربع صور هي:
١ - أن يكون أهل الوطن كلهم مسلمين والسلطان عادل ملتزم بالمنهج الإسلامي، وفي هذه الصورة تكون الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام.
٢ - أن يكون أهل الموطن مسلمين ولكن حاكمهم وصل إلى الحكم بطرق غير مستكملة للشروط، ولكن بعد أن تسلم زمان الحكم التزم المنهج الإسلامي، وهذه الصورة في الحكم كسابقتها.
стр. 2032
٣ - أن يكون أهل الوطن مسلمين ويصل حاكمهم إلى الحكم بطرق شرعية، ولكنه بعد أن يتم له الأمر ينحرف، وفي هذه الصورة تكون الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغي وظلم.٤ - أن يكون أهل الوطن مسلمين ويصل حاكمهم إلى الحكم بطرق غير شرعية ولم يلتزم المنهج الإسلامي، ففي هذه الحال "تعتبر الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام، إلا أنه معسكر بغي وظلم وعدوان" (١).
فالإباضية إذا لا يرون في هذه الصور من صور الحكم في بلاد الإسلام صورة يعتبرون فيها دار المسلمين من غيرهم دار كفر ولا معسكر سلطانهم كذلك، وأقصى ما وصفوا به معسكر السلطان هو البغي والظلم والعدوان.
أما ما يذكره أهل الفرق عن معاملة الإباضية لغيرهم فهو القول بأن الإباضية يعتبرون أن مخالفيهم حلال مناكحتهم وموارثتهم ... وحرام قتلهم وسبيهم في السر إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به ... وأنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم وحرموا الاستعراض إذا خرجوا وحرموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم.
هكذا قيل عن سماحة الإباضية في حالة السلم، أما في حالة الحرب فيوصفون بأنهم لا يستحلون من أموال مخالفيهم بعد المعركة غير عدة الحرب وما يتقوى به عليه من السلاح والخيل ونحوهما.
стр. 2033
كذلك من عاداتهم أنهم لا يتبعون المنهزمين في الحرب إذا كانوا من أهل القبلة، إلا أن يكونوا من المشبهة، فهم عندهم كأهل الردة يجوز قتلهم وسبيهم وغنيمة أموالهم واتباع المنهزم منهم. وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة (١).ومع هذا التسامح الذي ذكره الأشعري وغيره عن الإباضية إلا أنه يقول عنهم: "وقالوا جميعا أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله" (٢). ويبقى هنا إشكال في هذا التعبير وهو: هل يستتيبون جميع المخالفين لهم عندما يكونون في دارهم أو في غير دارهم؟ أم أن هذا خاص بالأسرى؟ ومهما كان فكيف يبلغ بهم التشدد والتعصب حتى إنهم يقتلون من خالفهم، ولو كان هذا الخلاف فيما يسعه جهله، فإن هذا تشدد ظاهر. والواقع أن كتاب الإباضية ينفون هذه المعاملة لمخالفيهم عن أنفسهم، فيرى علي يحيى معمر – وهو أكبر من تزعم الدفاع عن الإباضية – أن الأشعري لم يلتزم بتحري الحقيقة في آراء الإباضية وإنما أخذها عن أناس مغرضين كانوا يهدفون إلى تشويه الإباضية عند مخالفيهم والتشنيع عليهم، واعتبر أن قول الأشعري: "وقالوا جميعا أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل"، وبين قوله عنهم: "ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حرام قتلهم وسبيهم" – اعتبر ذلك من أمثلة تناقض أهل المقالات والمؤرخين – وبالذات الأشعري – في شأن الإباضية، إلا أنه لم يجعل المسئولية كاملة على الأشعري، وإنما على من ألقى إليه هذه المعلومات الخاطئة حسب زعمه (٣).ويشهد لما تقدم من رأي علي يحيى معمر ما رد به صاحب كتاب (الأديان والفرق) الإباضي على الأزارقة؛ من تخطئتهم في تشريكهم أهل القبلة ثم معاملتهم لهم على هذا الأساس الذي لا يقره الإباضية الذين أجازوا التعامل مع مخالفيهم في كل المجالات، وأن الإباضية لا يستحلون من مخالفيهم غير دمائهم في الحرب إذا وقعت بينهم – فقال: "وأما نقض ما احتجوا به – يعني الأزارقة – من تشريك أهل القبلة واستعراضهم بالسيف، فإن الله سبحانه حكم في أهل القبلة خلاف ما حكم به في المشركين، وأنه لم يحكم في أهل البغي بالسبي والغنيمة، وإنما حكم فيهم بدمائهم وحلها، ولم يحل منهم غير دمائهم، ولما قتل المسلمون عثمان لم يستحلوا منه غير دمه ولم يسبوا له عيالا ولا غنموا له مالا" (٤).ونحو ما تقدم نجده عند عالم آخر من علمائهم هو أبو زكريا يحى بن الخير الجناوني، فقد أجاز معاملة المخالفين معاملة حسنة غير أنه ينبغي أن يدعوا إلى ترك ما به ضلوا، فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم (٥).
стр. 2034
ولعل هذا الاستثناء يؤيد ما قاله الأشعري من ضرورة استتابة المخالفين وإلا قتلوا، وإن جعله معمر من التهم التي قيلت في الإباضية. ويوضح السالمي أيضا موقف الإباضية من مخالفيهم بإيضاح بين، وذلك في قوله: "لا نرى الفتك بقومنا - يعني مخالفيهم - ولا قتلهم غيلة في السر؛ لأن الله لم يأمر به في كتابه ولم يفعله أحد من المسلمين". ويقول أيضا: "نرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا". ويقول عن الاستعراض الذي تدين به الأزارقة: "ولا نرى استعراض الناس بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة" (١).ويقول الورجلاني عن مخالفيهم وما يكون عليه الإباضية في ساحة الحرب تجاههم: "وإن حاربناهم فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان لبيت المال، فإنا نحوزه على وجهه ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظاليم عندنا إذا كان جائزا في مذهبهم وما كان في أيديهم من بيت مال المسلمين فإنا نأخذه ولا نرده إليهم، ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها". ويرى الثعاريتي - وهو أحد علماء الإباضية - أن ما قيل عن الإباضية من تحليلهم لغنيمة أموال مخالفيهم من سلاحهم وكراعهم عند الحرب غير صحيح، "إذ تآليف أصحابنا - كما يقول - كلها ناطقة بتحريم أموال أهل القبلة في الحرب وغيرها للغني والفقير" (٢).
وأما ما حكاه الأشعري وغيره عنهم من استباحتهم قتل المشبهة وسبيهم وغنيمة أموالهم واتباع موليهم باعتبار أنهم مرتدون، فإن الإباضية لا تقر هذا التعبير على عمومه، بل يرون أنه صيغ بهذا الالتواء بقصد التشنيع على الإباضية كما يرى معمر، وذلك لأنه يشمل بعض من يعاملهم الإباضية معاملة المسلمين وإن اعتبروهم من المشبهة بسبب خطئهم في التعبير عن ذات الله تعالى، ذلك أن المشبهة عندهم ثلاثة أقسام: مجسمة وهم الذين يصفون الله بأنه جسم كالأجسام ثم يحددونه، وشبه مجسمة وهم كالمجسمة يحددونه، ولكن يحتجزون بقولهم "ونحن لا نعرف ذلك" كما عبر علي معمر، فأهل هذين القسمين هم عند الإباضية مشركون مرتدون، يقول معمر عن رأي الإباضية فيهم: "فالمجسمة يعتبرهم الإباضية مشركين لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان بسبب تصورهم وتصويرهم لإلههم بصورة المخلوق المحدود".أما القسم الثالث فهم الذين "يثبتون المعاني الحرفية لبعض الكلمات التي وردت في القرآن تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين والساق والمجيء والنزول والاستواء والمسرة والضحك، فيمسكون عن تأويلها بالمعنى المناسب ويقولون: كما أراد الله". وأهل هذا القسم يعتبرهم الإباضية مشبهة بسبب خطئهم في التأويل ولكنهم يعاملونهم معاملة المسلمين، ولا يطلقون عليهم اسم المشبهة إلا في مواطن الجدل العنيف (٣).
وهكذا يتضح لنا ما قلناه سابقا من تسامح الإباضية في حكمهم على مخالفيهم ومعاملتهم لهم، حتى كانو بذلك أقرب فرق الخوارج إلى الجماعة الإسلامية.
ولقد اعتبر هذا الموقف المتسامح عند الإباضية بمثابة تغير في موقف قدماء الخوارج المتشدد من مخالفيهم.
ولقد علل الغرابي ﵀ تساهل الإباضية فأرجعه إلى سببين:
الأول: هو أنهم ضعفوا لكثرة حروبهم، فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئا فشيئا حتى لا تقوم بينهم الحرب.
стр. 2035
الثاني: هو "أنهم لما اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير؛ كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم من سلفهم".ولكنه لم يجزم بواحد من هذين السببين بل قال: "ولا مانع من أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معا" (١).
والمهم هنا هو أن نعرف موقف الإباضية من هذا التحليل السابق الذكر هل يعترفون بأنهم أكثر تساهلا من خلفهم؟ وهل فعلا أضعفتهم الحروب الدموية مع مخالفيهم؛ فأحبوا التقرب إليهم اتقاء شرهم؟ وهل يعترفون بأن سلفهم كانوا على جانب من البداوة التي كانت تظهر في سذاجتهم وعدم عمق في تفكيرهم الذي كان سطحيا يأخذ الأمور ببراءة البدوي وطباعه أم أنهم كانوا ضد ذلك وضد تلك الصفات؟ سنجد أن المدافع الأكبر عن الإباضية – علي يحيى معمر – يتصدى للرد على هذه التهم كلها ويصفها بأنها افتراضات غير صحيحة، وأن القول بسلف متشدد وخلف متساهل كان من جزاء ربط الإباضية بالخوارج، وهو ربط يصفه المؤلف بأنه انسياق مع كتاب المقالات من غير رجوع إلى كتب الإباضية ومصادرها.
ثم يذكر أنه لا مانع من تغير الاجتهادات في غير القطعيات، بل هو من محاسن الشريعة، ولم يخل منها مذهب من المذاهب الإسلامية، إلى أن يقول عن الغرابي بخصوصه: "ومع هذا فأنا أؤكد للأستاذ الغرابي أن المسائل التي أوردها لم يتغير فيها رأي خلف الإباضية عن سلفهم، فيما عدا مسألة واحدة هي مسألة أطفال المشركين، فقد كانت عند السلف خلافية، ورجح الخلف أنهم من أهل الجنة خدما للمسلمين طبقا للأحاديث الواردة في الموضوع". وقد استشهد بعدة أمثلة تبين اجتهاد الخلف وتيسيرهم في بعض المسائل. أما القول بأن الحروب أضعفتهم فأحبوا مسالمة الناس، فقد نفى معمر صحة هذا، ولم يثبت من حروبهم غير الحركة التي قام بها طالب الحق في الجزيرة العربية طيلة عهد الدولة الأموية، ثم جاء ببيان لدول الإباضية التي قامت في الشرق والغرب أثبت من خلاله أن الإباضية كانوا لا يعتدون على أحد من مجاوريهم (٢)، ومن ثم فلم يكن تسامحهم عن غيرهم ناشئا عن ضعف. ويجدر بنا أن نقرر هنا أن الإباضية لم يكونوا جميعا على هذا القدر الذي تقدم من التسامح في الحكم على مخالفيهم في معاملتهم لهم، بل كان منهم المغالون في التشدد تجاه مخالفيهم، ومن الشواهد على ذلك ما رواه الجيطالي الإباضي عن الإمام عبدالوهاب: "أنه قال: سبعون وجها تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا، من أين هذا؟ وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرون وجها تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس ﵀ إلا أربعة أوجه، وقد شدد علي فيهم" (٣).وقد اعتبر علي معمر معرفة الإمام عبدالوهاب بهذه الأوجه الكثيرة التي تحل بها دماء المسلمين أهل القبلة من باب السعة في العلم – كما يرى (٤).