← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وهذا التعبير هو ما يستعمله الأشعري والبغدادي والشهرستاني. يقول الأشعري: "وجمهور الإباضية يتولى المحكمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين" (١).وهكذا عند البغدادي، فقد ذكر أنهم يرون أن مخالفيهم "براء من الشرك والإيمان وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار" (٢). وكذا عند الشهرستاني (٣).وقد زاد البغدادي حكما آخر عن الإباضية وهو أنهم يعتبرون مخالفيهم محاربين لله ولرسوله، فيكون قد تميز بذكر حكمين لمخالفيهم، أي أنهم كفار وأنهم محاربون، وذلك في قوله: "وزعموا أنهم – يعني مخالفي الإباضية – في ذلك محاربين لله ولرسوله لا يدينون دين الحق" (٤). ولكن هل يطبقون حكم المحاربين عليهم؟ سنرى فيما بعد ما يقوله الإباضية عن أنفسهم. وقد انتقد على معمر هذا الأسلوب في حكم الإباضية على مخالفيهم ووصفه بأنه أسلوب موهم غامض، وأن كثيرا مما قيل عن الإباضية في هذا الباب "إنما هو – كما يقول معمر – تشنيعات وتلفيقات من ناس يريدون أن يوقدوا نار الفتنة ضد الإباضية، وأن يجعلوهم مكروهين من بقية إخوانهم المسلمين فينسبون إليهم عقائد ومقالات يبرأون منها وممن يقول بها، ويسوقون عنهم أقوالا في غاية الغموض والإبهام؛ لإثارة الرأي العام ضدهم ... إلخ" (٥). ومن هذه الإيهامات – كما يرى – ذلك التعبير الذي تقدم عند الأشعري ومن أخذ عنه، حيث لم يبينوا ما إذا كان المسلمون في نظر الإباضية كفار ملة أو كفار نعمة. وقد تقدم أن الإباضية يرون أن مخالفيهم من المسلمين كفار نعمة لا كفار ملة، ولا ندري كيف جمع الأشعري والبغدادي بين القول بتكفير الإباضية لمخالفيهم تكفيرا مطلقا، والقول باعتبار دارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان؟! يقول الأشعري في هذا: "وزعموا أن الدار – يعنون دار مخالفيهم – دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر، يعني عندهم" (٦). وهكذا عند البغدادي إلا أنه قصر الدار على مكة، فهي دار التوحيد عندهم إلا معسكر السلطان، فالأشعري يذكر أنهم عمموا الحكم على جميع دور مخالفيهم، والبغدادي خصصها بدور مكة والتناقض في هذه الرواية عن الإباضية ظاهر إذا كانا يقصدان هنا بتكفير الإباضية لمخالفيهم أنه كفر ملة، وإلا كان تساهلا منهم في التعبير عن مذهب الخوارج. أما رأي الإباضية في الدار فإنهم يقسمونها إلى قسمين: دار إسلام ودار كفر، ودار الكفر لا تنطبق بأي حال على دور مخالفيهم من المسلمين، سواء في ذلك عامة الناس أو معسكر السلطان، خلافا لما ذكره الأشعري وغيره من اعتبارمعسكر السلطان دار كفر عند الإباضية، ودار الإسلام لا تخلو عندهم عن أربع صور هي: ١ - أن يكون أهل الوطن كلهم مسلمين والسلطان عادل ملتزم بالمنهج الإسلامي، وفي هذه الصورة تكون الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام. ٢ - أن يكون أهل الموطن مسلمين ولكن حاكمهم وصل إلى الحكم بطرق غير مستكملة للشروط، ولكن بعد أن تسلم زمان الحكم التزم المنهج الإسلامي، وهذه الصورة في الحكم كسابقتها.

стр. 2032

٣ - أن يكون أهل الوطن مسلمين ويصل حاكمهم إلى الحكم بطرق شرعية، ولكنه بعد أن يتم له الأمر ينحرف، وفي هذه الصورة تكون الدار دار إسلام ومعسكر السلطان معسكر إسلام إلا أنه معسكر بغي وظلم.٤ - أن يكون أهل الوطن مسلمين ويصل حاكمهم إلى الحكم بطرق غير شرعية ولم يلتزم المنهج الإسلامي، ففي هذه الحال "تعتبر الدار دار إسلام، ومعسكر السلطان معسكر إسلام، إلا أنه معسكر بغي وظلم وعدوان" (١). فالإباضية إذا لا يرون في هذه الصور من صور الحكم في بلاد الإسلام صورة يعتبرون فيها دار المسلمين من غيرهم دار كفر ولا معسكر سلطانهم كذلك، وأقصى ما وصفوا به معسكر السلطان هو البغي والظلم والعدوان. أما ما يذكره أهل الفرق عن معاملة الإباضية لغيرهم فهو القول بأن الإباضية يعتبرون أن مخالفيهم حلال مناكحتهم وموارثتهم ... وحرام قتلهم وسبيهم في السر إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به ... وأنهم أجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم وحرموا الاستعراض إذا خرجوا وحرموا دماء مخالفيهم حتى يدعوهم إلى دينهم. هكذا قيل عن سماحة الإباضية في حالة السلم، أما في حالة الحرب فيوصفون بأنهم لا يستحلون من أموال مخالفيهم بعد المعركة غير عدة الحرب وما يتقوى به عليه من السلاح والخيل ونحوهما.

стр. 2033

كذلك من عاداتهم أنهم لا يتبعون المنهزمين في الحرب إذا كانوا من أهل القبلة، إلا أن يكونوا من المشبهة، فهم عندهم كأهل الردة يجوز قتلهم وسبيهم وغنيمة أموالهم واتباع المنهزم منهم. وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة (١).ومع هذا التسامح الذي ذكره الأشعري وغيره عن الإباضية إلا أنه يقول عنهم: "وقالوا جميعا أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله" (٢). ويبقى هنا إشكال في هذا التعبير وهو: هل يستتيبون جميع المخالفين لهم عندما يكونون في دارهم أو في غير دارهم؟ أم أن هذا خاص بالأسرى؟ ومهما كان فكيف يبلغ بهم التشدد والتعصب حتى إنهم يقتلون من خالفهم، ولو كان هذا الخلاف فيما يسعه جهله، فإن هذا تشدد ظاهر. والواقع أن كتاب الإباضية ينفون هذه المعاملة لمخالفيهم عن أنفسهم، فيرى علي يحيى معمر – وهو أكبر من تزعم الدفاع عن الإباضية – أن الأشعري لم يلتزم بتحري الحقيقة في آراء الإباضية وإنما أخذها عن أناس مغرضين كانوا يهدفون إلى تشويه الإباضية عند مخالفيهم والتشنيع عليهم، واعتبر أن قول الأشعري: "وقالوا جميعا أن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل"، وبين قوله عنهم: "ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين، حلال مناكحتهم وموارثتهم، حرام قتلهم وسبيهم" – اعتبر ذلك من أمثلة تناقض أهل المقالات والمؤرخين – وبالذات الأشعري – في شأن الإباضية، إلا أنه لم يجعل المسئولية كاملة على الأشعري، وإنما على من ألقى إليه هذه المعلومات الخاطئة حسب زعمه (٣).ويشهد لما تقدم من رأي علي يحيى معمر ما رد به صاحب كتاب (الأديان والفرق) الإباضي على الأزارقة؛ من تخطئتهم في تشريكهم أهل القبلة ثم معاملتهم لهم على هذا الأساس الذي لا يقره الإباضية الذين أجازوا التعامل مع مخالفيهم في كل المجالات، وأن الإباضية لا يستحلون من مخالفيهم غير دمائهم في الحرب إذا وقعت بينهم – فقال: "وأما نقض ما احتجوا به – يعني الأزارقة – من تشريك أهل القبلة واستعراضهم بالسيف، فإن الله سبحانه حكم في أهل القبلة خلاف ما حكم به في المشركين، وأنه لم يحكم في أهل البغي بالسبي والغنيمة، وإنما حكم فيهم بدمائهم وحلها، ولم يحل منهم غير دمائهم، ولما قتل المسلمون عثمان لم يستحلوا منه غير دمه ولم يسبوا له عيالا ولا غنموا له مالا" (٤).ونحو ما تقدم نجده عند عالم آخر من علمائهم هو أبو زكريا يحى بن الخير الجناوني، فقد أجاز معاملة المخالفين معاملة حسنة غير أنه ينبغي أن يدعوا إلى ترك ما به ضلوا، فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم (٥).

стр. 2034

ولعل هذا الاستثناء يؤيد ما قاله الأشعري من ضرورة استتابة المخالفين وإلا قتلوا، وإن جعله معمر من التهم التي قيلت في الإباضية. ويوضح السالمي أيضا موقف الإباضية من مخالفيهم بإيضاح بين، وذلك في قوله: "لا نرى الفتك بقومنا - يعني مخالفيهم - ولا قتلهم غيلة في السر؛ لأن الله لم يأمر به في كتابه ولم يفعله أحد من المسلمين". ويقول أيضا: "نرى أن مناكحة قومنا وموارثتهم لا تحرم علينا ما داموا يستقبلون قبلتنا". ويقول عن الاستعراض الذي تدين به الأزارقة: "ولا نرى استعراض الناس بالسيف ما داموا يستقبلون القبلة" (١).ويقول الورجلاني عن مخالفيهم وما يكون عليه الإباضية في ساحة الحرب تجاههم: "وإن حاربناهم فإنا لا نتبع مدبرا ولا نجهز على جريح، وأموالهم مردودة عليهم إلا ما كان لبيت المال، فإنا نحوزه على وجهه ولا نتورع عن جميع ما في أيديهم من المظاليم عندنا إذا كان جائزا في مذهبهم وما كان في أيديهم من بيت مال المسلمين فإنا نأخذه ولا نرده إليهم، ونصرفه في وجوهه، وإن كان مظلمة رددناها إلى أهلها". ويرى الثعاريتي - وهو أحد علماء الإباضية - أن ما قيل عن الإباضية من تحليلهم لغنيمة أموال مخالفيهم من سلاحهم وكراعهم عند الحرب غير صحيح، "إذ تآليف أصحابنا - كما يقول - كلها ناطقة بتحريم أموال أهل القبلة في الحرب وغيرها للغني والفقير" (٢). وأما ما حكاه الأشعري وغيره عنهم من استباحتهم قتل المشبهة وسبيهم وغنيمة أموالهم واتباع موليهم باعتبار أنهم مرتدون، فإن الإباضية لا تقر هذا التعبير على عمومه، بل يرون أنه صيغ بهذا الالتواء بقصد التشنيع على الإباضية كما يرى معمر، وذلك لأنه يشمل بعض من يعاملهم الإباضية معاملة المسلمين وإن اعتبروهم من المشبهة بسبب خطئهم في التعبير عن ذات الله تعالى، ذلك أن المشبهة عندهم ثلاثة أقسام: مجسمة وهم الذين يصفون الله بأنه جسم كالأجسام ثم يحددونه، وشبه مجسمة وهم كالمجسمة يحددونه، ولكن يحتجزون بقولهم "ونحن لا نعرف ذلك" كما عبر علي معمر، فأهل هذين القسمين هم عند الإباضية مشركون مرتدون، يقول معمر عن رأي الإباضية فيهم: "فالمجسمة يعتبرهم الإباضية مشركين لا فرق بينهم وبين عبدة الأوثان بسبب تصورهم وتصويرهم لإلههم بصورة المخلوق المحدود".أما القسم الثالث فهم الذين "يثبتون المعاني الحرفية لبعض الكلمات التي وردت في القرآن تثبت له الحركة أو الجوارح كاليد والعين والساق والمجيء والنزول والاستواء والمسرة والضحك، فيمسكون عن تأويلها بالمعنى المناسب ويقولون: كما أراد الله". وأهل هذا القسم يعتبرهم الإباضية مشبهة بسبب خطئهم في التأويل ولكنهم يعاملونهم معاملة المسلمين، ولا يطلقون عليهم اسم المشبهة إلا في مواطن الجدل العنيف (٣). وهكذا يتضح لنا ما قلناه سابقا من تسامح الإباضية في حكمهم على مخالفيهم ومعاملتهم لهم، حتى كانو بذلك أقرب فرق الخوارج إلى الجماعة الإسلامية. ولقد اعتبر هذا الموقف المتسامح عند الإباضية بمثابة تغير في موقف قدماء الخوارج المتشدد من مخالفيهم. ولقد علل الغرابي ﵀ تساهل الإباضية فأرجعه إلى سببين: الأول: هو أنهم ضعفوا لكثرة حروبهم، فهم يريدون أن يتقربوا من مخالفيهم شيئا فشيئا حتى لا تقوم بينهم الحرب.

стр. 2035

الثاني: هو "أنهم لما اتسعت مداركهم وعرفوا ما لم يكن يعرفه سلفهم الذين كانوا من عرب البادية وفيهم سذاجة وعدم عمق في التفكير؛ كانوا أكثر تسامحا مع مخالفيهم من سلفهم".ولكنه لم يجزم بواحد من هذين السببين بل قال: "ولا مانع من أن يكون قد اجتمع لديهم السببان معا" (١). والمهم هنا هو أن نعرف موقف الإباضية من هذا التحليل السابق الذكر هل يعترفون بأنهم أكثر تساهلا من خلفهم؟ وهل فعلا أضعفتهم الحروب الدموية مع مخالفيهم؛ فأحبوا التقرب إليهم اتقاء شرهم؟ وهل يعترفون بأن سلفهم كانوا على جانب من البداوة التي كانت تظهر في سذاجتهم وعدم عمق في تفكيرهم الذي كان سطحيا يأخذ الأمور ببراءة البدوي وطباعه أم أنهم كانوا ضد ذلك وضد تلك الصفات؟ سنجد أن المدافع الأكبر عن الإباضية – علي يحيى معمر – يتصدى للرد على هذه التهم كلها ويصفها بأنها افتراضات غير صحيحة، وأن القول بسلف متشدد وخلف متساهل كان من جزاء ربط الإباضية بالخوارج، وهو ربط يصفه المؤلف بأنه انسياق مع كتاب المقالات من غير رجوع إلى كتب الإباضية ومصادرها. ثم يذكر أنه لا مانع من تغير الاجتهادات في غير القطعيات، بل هو من محاسن الشريعة، ولم يخل منها مذهب من المذاهب الإسلامية، إلى أن يقول عن الغرابي بخصوصه: "ومع هذا فأنا أؤكد للأستاذ الغرابي أن المسائل التي أوردها لم يتغير فيها رأي خلف الإباضية عن سلفهم، فيما عدا مسألة واحدة هي مسألة أطفال المشركين، فقد كانت عند السلف خلافية، ورجح الخلف أنهم من أهل الجنة خدما للمسلمين طبقا للأحاديث الواردة في الموضوع". وقد استشهد بعدة أمثلة تبين اجتهاد الخلف وتيسيرهم في بعض المسائل. أما القول بأن الحروب أضعفتهم فأحبوا مسالمة الناس، فقد نفى معمر صحة هذا، ولم يثبت من حروبهم غير الحركة التي قام بها طالب الحق في الجزيرة العربية طيلة عهد الدولة الأموية، ثم جاء ببيان لدول الإباضية التي قامت في الشرق والغرب أثبت من خلاله أن الإباضية كانوا لا يعتدون على أحد من مجاوريهم (٢)، ومن ثم فلم يكن تسامحهم عن غيرهم ناشئا عن ضعف. ويجدر بنا أن نقرر هنا أن الإباضية لم يكونوا جميعا على هذا القدر الذي تقدم من التسامح في الحكم على مخالفيهم في معاملتهم لهم، بل كان منهم المغالون في التشدد تجاه مخالفيهم، ومن الشواهد على ذلك ما رواه الجيطالي الإباضي عن الإمام عبدالوهاب: "أنه قال: سبعون وجها تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا، من أين هذا؟ وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرون وجها تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس ﵀ إلا أربعة أوجه، وقد شدد علي فيهم" (٣).وقد اعتبر علي معمر معرفة الإمام عبدالوهاب بهذه الأوجه الكثيرة التي تحل بها دماء المسلمين أهل القبلة من باب السعة في العلم – كما يرى (٤).

стр. 2036

أما المارغيني فإنه يحكم على مخالفيهم بالهلاك والنار في الدار الآخرة وأن الشخص ليس على شيء ما دام غير متمسك بالمذهب الإباضي قولا وعملا حتى يلقى الله به سعيدا مقبول العمل. يقول المارغيني في رسالته عن مشائخهم: "وقالت المشائخ: إن هذا الدين الذي دان به الوهبية من الإباضية من المحكمة دين المصطفى ﷺ هو الحق عند الله، وهو دين الإسلام، من مات مستقيما عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار" (١).فقد قصر الإسلام عند الله على المذهب الإباضي ومن جاء بغيره فهو على هلاك وتبار؛ بل ويتبرأون ممن لا يدين بالقول بخلق القرآن من أهل السنة، كما في قول ابن جميع الإباضي: "وليس منا من قال إن القرآن غير مخلوق ... ولا من قال إن جميع من يحل دمه يحل ماله" (٢).ومما جاء في تزكية مذهبهم وإبطال ما خالفه قول العيزابي الإباضي: "الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات، فنقول معشر الإباضية الوهبية: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصدق" (٣).

стр. 2037

أما الوارجلاني من علمائهم المشهورين فقد قضى على أمة أحمد بالهلاك والثبور، ولم ينج منهم إلا من كان على المذهب الإباضي، ويورد أدلة على ذلك واستشكالات، ثم يذكر جوابها مدعيا أن حديث افتراق الأمم قد نص على هلاك من عدا الإباضية، وأن السبب في بقاء الإباضية على الحق هو أنهم لم يقلدوا الآباء دون محاسبتهم كما كان الحال عند غيرهم، بل اتبعوهم تقييدا لا تقليدا. ومن تساؤلاته قوله: "فإن قال قائل: هذه أمة أحمد ﷺ قد قضيتم عليها بالهلاك وبالبدعة والضلال، وحكمتم عليها بدخول النار ما خلا أهل مذهبكم. قلنا: إنما قضاه رسول الله ﷺ لا نحن بقوله حيث يقول: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية، كلهم يدعي تلك الواحدة)) (١).ولئلا يستعظم المستمع هذا الكلام جاء بما يجول في خاطره من أسئلة وأهمها ما ذكره بقوله: "فإن قال قائل: هذه أمة أحمد قد أصيبت باتباع أوائلها وما يدريكم لعلكم أنتم أيضا ممن أصيب باتباع أوائله، ولم قضيتم أن أوائلكم على الهدى وأوائل غيركم على الردى، وأوائلكم غير معصومين كأوائل غيركم؟ ". هذا سؤال ولا شك مهم، ولكن المؤلف قد أجاب بما لا مقنع فيه، أجاب بما حاصله أن الإباضية اتبعوا أوائلهم بعد المحاسبة لهم، وأن أوائلهم عولت على الوزن بالقسطاس المستقيم والبرهان القويم وهو الكتاب والسنة ورأي المسلمين، وذلك أنهم كانوا دائما مع الفرقة المحقة، ولا شك أن هذه الدعوى بطبيعة الحال تدعيها كل فرقة، وهذا ديدن أصحاب المذاهب، ولهم أن يفخروا بما يرون أنه من مفاخرهم، ولكن ماذا معهم من الفخر حين يفخرون بأنهم كانوا في جانب الجيش الذين قتلوا عثمان، ثم في جانب الجيش الذين خرجوا على علي؟! كما ذكر المؤلف (٢).وقد أورد صاحب (العقود الفضية) كثيرا من النصوص عن علمائهم تشهد بأن المذهب الإباضي هو خير المذاهب وأصوبها، لا يقبل الله من غيره أي مذهب، وأن من خالفه فليس له إلا النار وبئس المصير، ومن تلك النصوص ما جاء عن أبي الحسن علي بن محمد البسياني قوله: "فَحصْتُ الأديان ظهرا وبطنا فلم أجد دينا أصفى من ديننا، ولو علمنا غيره خيرا منه لما سمحنا لجهنم بأنفسنا"، إلى أن يقول: "فعلمنا أنه هو الدين الذي لا يرضى الله إلا به، لأنه مذهب منزه صريح صحيح واضح من طريق الشريعة لا من طريق اللغة" (٣).ومنها قول السالمي: "والله الذي لا إله إلا هو إن الحق لمع هذه العصابة" (٤). ومنها قول جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي: "إني لأقسم بالله قسم من بر في يمينه فلا حنث، أن من مات على الدين الإباضي الصحيح غير ناكث لما عاهد الله عليه من قبل ولا مغير حقيقته، كلا ولا مبدل طريقته – أنه من السعداء، ومن أهل الجنة مع الأنبياء والأولياء، وأن من مات على خلافه فليس له في الآخرة إلا النار وبئس المصير" (٥).

стр. 2038

ويقول مؤلف (كشف الغمة) في تشنيعه على مخالفيهم: "ووجدنا من خالفنا يجمع بين الأضداد، ويساوي بين أهل الصلاح والفساد، ويجمع بين القاتل والمقتول، والظالم والمظلوم، فيتولونهم ويستغفرون لهم ... فهذا من أوضح السبل وأبين الأدلة وأقوى حجة على من خالفنا" (١). ومن أجل كتبهم الفقهية عندهم وأكبرها كتاب (النيل وشفاء العليل)، هذا الكتاب يذكر فيه مؤلفه عن معاملة الإباضية لمخالفيهم بأنهم يعاملونهم على حسب ظاهر الفرق ومعتقداتها: "ويحكم فيهم بحكم التوحيد من دعاء إلى ترك ما به ضلوا، وما هم عليه من إظهار بدعتهم، ومن جواز مناكحتهم ومؤاكلة لذبائحهم والحج معهم". أما الأئمة فإنهم يقفون منهم موقفا صلبا لا هوادة فيه، فالحكم فيهم أن "يبرأ من إمامهم وقائدهم وعسكرهم ومقويهم على خلافهم، وإن مؤذنا أو قاضيا؛ لما في ذلك من الآثار والأحاديث فيمن كثر سواد قوم فهو منهم، ومن ثم كره الغزو والجهاد معهم وحضور جوامعهم ومجالسهم".ثم يتطرق إلى مسائل فرعية لا ترتفع إلى درجة البراءة أو عدمها لتفاهة الخلاف فيها فيقول: "وهل يبرأ منهم بعلامات انفردوا بها كرفع اليدين وترك التسمية في الصلاة والقنوت فيها ونحو ذلك أو لا؟ قولان" (٢).ويذكر في موضع آخر بعض المسائل في الأسماء والصفات، وبعض المسائل الكلامية التي دانوا بها، وأن من خالفهم فيها "حل قتله"، وقد يستغرب السامع حينما تمر عليه تلك الخلافات الكلامية التي أحل المؤلف بها سفك دماء مخالفيهم، وذلك في قوله الآتي: "ومن قصد لخصلة مما دانوا به وخالفوا فيه غيرهم، كقدم الأسماء والصفات ونفي زيادتها على الذات، والرؤية، وحدوث الكلام، وإثبات الخلود والكسب للعبد، والخلق والأمر لله تعالى، وخطئها، أو ما اجتمعت عليه الأمة – حل قتله" (٣). ولكن يكون في دور الظهور والغلبة لهم لا في دور الكتمان. وهكذا نجد بعض أصوات الإباضية ترتفع بمثل هذا التشدد في الحكم على مخالفيهم واستحلال دمائهم، والتبرؤ منهم مما لا يتفق مع ما هو معروف عن المذهب الإباضي من أنه أكثر مذاهب الخوارج تسامحا مع غيرهم من المسلمين، وهذا يدل على أن في الإباضية من قد خرج عن تلك التعاليم التي توحي إليهم بالتسامح مع مخالفيهم، ولين جانبهم معهم. ومما تجدر الإشارة إليه أن أولئك العلماء الذين قدمنا ذكرهم، من أفاضل العلماء عند الإباضية ومن المعتبرين عندهم في المذهب من قدماء علمائهم، ولكن يبدو أن هذا الاتجاه المتشدد عندهم لم يكن هو السائد في الأوساط الإباضية، بل كان السائد هو التسامح، ولهذا اعتبر المذهب الإباضي – كما قلنا- أقرب المذاهب إلى الجماعة الإسلامية، وكان ذلك سببا في بقائه وبقاء أتباعه حتى الآن دون فرق الخوارج الأخرى. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٤٩١

стр. 2039

المطلب الثالث: موقف الخوارج من أهل الذمة ومن غريب أمر الخوارج أن تلك الشدة التي اتصفوا بها وتلك الاستهانة المتناهية بسفك الدماء، إنما كانت على من يخالفهم ممن يقول إنه مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فكأنهم يقاتلون المسلمين لينشروا الإسلام بزعمهم، وفي مقابل ذلك نجد أن معاملتهم لأهل الذمة كانت على النقيض من معاملتهم للمسلمين، فقد كانوا معهم على ما لا يتصور من اللين والمسامحة. والشواهد على هذه الدعوى كثيرة في كتب الفرق والمؤرخين، وقد سبق أن ذكرنا قصة زاذان فروخ الذي جاء ذكره في كتاب أحد عمال علي ﵁ حينما خرج الخريت بن راشد عن طاعة علي وأعلن الحرب عليه، ففي أثناء سيرهم وجدوا هذا الرجل فعرضوا له يسألونه: أمسلم أنت أم كافر؟ فقال: بل أنا مسلم، فسألوه عن علي، فأجابهم بالحق فقالوا له: كفرت يا عدو الله، ثم حملوا عليه فقطعوه قطعا وأشلاء متناثرة، ويضيف الطبري قائلا: "ووجدوا معه رجلا من أهل الذمة فقالوا: ما أنت؟ قال: رجل من أهل الذمة، قالوا: أما هذا فلا سبيل عليه" (١).وحين بلغ عليا ﵁ هذا الموقف الخاطئ منهم أجاب عن كتاب عامله بجواب جاء فيه: "أما بعد، فقد فهمت ما ذكرت من العصابة التي مرت بك فقتلت البر المسلم وأمن عندهم المخالف الكافر، وأن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا، وكانوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا؛ فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم" (٢).بل إنهم كانوا إذا وجدوا غير مسلم يتواصون به خيرا كما حدث في أثناء خروجهم إلى النهروان فقد "لقوا مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصراني خيرا، وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم" (٣).وقد استراب من موقفهم هذا حتى من لا يدين بالإسلام من النصارى وغيرهم، فقد حدث أثناء سيرهم إلى النهروان أن مروا بنخل فساموا رجلا نصرانيا جنى نخلته فوهبها لهم، ولكنهم استعفوا عن أكلها بالمجان و"قالوا: ما كنا نأخذها إلا بثمن" فتعجب النصراني وقال لهم: "ما أعجب هذا! أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون مني جني نخلة إلا بثمن؟! " (٤).ويذكر ابن الأثير من أعاجيبهم أنهم ساروا "حتى نزلوا تحت نخل مواقير فسقطت منه رطبة فأخذها أحدهم فتركها في فيه فقال آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن، فألقاها، ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة، فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه" (٥).

стр. 2040

وقد حدث هذا وعبد الله بن خباب ينظر إليهم، فلما شاهد فعلهم ظن أن وراءه دينا وعقلا؛ فطمع في العفو عنه وإطلاقه من قبضتهم؛ لأنهم اعتبروا قتل الخنزير من الفساد في الأرض فما الظن بقتل ابن صاحب رسول الله ﷺ ؟! ولكنهم كانوا على عكس ما رأى منهم وأمل، فقد ذبحوه ولم يندموا على قتله كما ندموا على قتل الخنزير، وكان الأولى بهم أن يندموا على قتل النفس المحرمة، ولكنه الجهل واتباع الهوى. وقد كان الاتصاف باليهودية والنصرانية من الأمور المنجية من قتلهم، فمن قال إنه يهودي أو نصراني أو على أي دين كان آمن عندهم، غير مدعي الإسلام؛ فمما يذكر من حيل الناس في النجاة من قبضتهم ما يرويه الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: "بينما ابن عرباض يمشي مقدما لطيه إذ استقبلته الخوارج يجزون الناس بسيوفهم، فقال لهم: هل خرج إليكم في اليهود شيء؟ قالوا: لا، قال: فامضوا راشدين، فمضوا وتركوه" (١).ويصف المبرد بعض تلك المواقف الخاطئة بما يحكيه عن واصل بن عطاء حينما كان هو ورفقته سائرين فاجتازوا بالخوارج؛ يقول المبرد: "وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا: شأنك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم، قال: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا، قال: ليس ذلك لكم قال الله ﵎: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ [التوبة: ٦]، فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلك لكم، وصاروا بأجمعهم حتى بلغوهم المأمن" (٢). وقد مر رجل يسمى الفرز بن مهزم العبدي بجماعة من الأزارقة فسألوه عن خبره وأرادوا قتله، فأقبل على قطري وقال: إني مؤمن مهاجر فسأله عن أقاويلهم فأجاب إليها، فخلوا عنه، وفي ذلك يقول: فشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي ... إلى قطري ذي الجبين المفلق وحاججتهم في دينهم فحججتهم ... وما دينهم غير الهوى والتخلق (٣) وقال ابن الجوزي في ذلك: "قال القرشي: وحدثنا أبو جعفر المدايني قال: خرج قوم من الخوارج بالبصرة فلقوا شيخا أبيض الرأس واللحية، فقالوا له: من أنت؟ قال: أعهد إليكم في اليهود بشيء؟ أو بدا لكم في قتل أهل الذمة؟ قالوا: اذهب عنا إلى النار" (٤).ومن هنا يتبين لنا أن أحمد أمين كان محقا حين يصفهم بأنهم "محدودو النظر ضيقوا الفكر في نظرهم إلى مخالفيهم" (٥). ويجدر بنا في نهاية هذه المسألة أن نذكر أن النجدات خالفوا الخوارج في حفظهم لدماء أهل الذمة فساووا بينهم وبين مخالفيهم من المسلمين في إهدار دمائهم. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٥١٠

стр. 2041

المطلب الرابع: حكم الخوارج في أطفال مخالفيهم لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف. والخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة، ونوجز أهم آرائهم في هذه القضية فيما يلي: منهم من اعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون لا عصمة لدمائهم ولا لدماء آبائهم. ومنهم من جعلهم من أهل الجنة ولم يجوز قتلهم. واعتبرهم بعضهم خدماً لأهل الجنة ومنهم من توقف فيهم إلى أن يبلغوا سن التكليف ويتبين حالهم. والإباضية تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين، ومنهم من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين. أما القول الأول: فهو للأزارقة، واستدلوا بقول الله تعالى: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٧] , وتبعهم في هذا بعض فرق الخوارج كالعجاردة والحمزية والخلفية. وأما القول الثاني: فهو للنجدات والصفرية والميمونية، واستدلوا بقول الرسول ﷺ : ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) (١)، والذين توقفوا في الحكم عليهم قالوا: لم نجد في الأطفال ما يوجب ولايتهم ولا عداوتهم إلى أن يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه. هذه خلاصة أهم آراء الخوارج في هذه القضية، والواقع أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء. فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا على الإيمان فإن الله تعالى يدخلهم الجنة من آبائهم وإن نقصت أعمالهم عنهم لتقر أعين آبائهم بهم، فيكونون مع آبائهم في الجنة؛ تفضلاً من الله تعالى، على ضوء قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١] (٢) , ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال بأنهم في الجنة دون خلاف. وبعضهم ذهب إلى أنهم تحت المشيئة. وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم الخوارج أطفال المشركين. وأما أطفال المشركين الذين هم عبدة الأوثان ومن في حكمهم فإن العلماء اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً. فذهب بعضهم إلى التوقف في أمرهم فلا يحكم لهم بجنة ولا نار وأمرهم إلى الله. أنهم في النار. أنهم في الجنة. أنهم في منزلة بين المنزلتين، أي الجنة والنار. أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، تبعاً لآبائهم حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهم لم يحكم لأطفالهما بالنار. أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول يرسله الله إليهم، فمن أطاعه منهم دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء وانتهى إلى نصرة الرأي الأخير ثم قال: "وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي ﷺ حيث قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)) (٣).

стр. 2042

وأيَّد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة، وكذا النووي، وقد توقف شيخ الإسلام في الحكم عليهم. وأما استباحة قتل النساء والذرية –كما يرى الخوارج- فقد أخطأوا حين جوزوا ذلك سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين، فقد صحت الأحاديث بالمنع من قتلهم، إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء فلا بأس من قتلهم إذا وقع دون عمد (١) المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٩٢ هذا هو موقف الخوارج من مخالفيهم بصفة عامة، وإتماما للبحث، لابد من بيان موقفهم من أطفال مخالفيهم، لأنه لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف، ونحب أن نبين موقف الخوارج، هل كانوا جميعا على هذا المبدأ الذي قدمناه أم كان بعضهم من الجفاء بحيث لا يميز بين الصغير والكبير في الحكم والمعاملة فيهم؟ وللإجابة عن ذلك نقول بصفة إجمالية: إن الخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال، سواء كان ذلك الحكم في الدنيا أو في الآخرة، فمنهم من عاملهم أشد المعاملة وأقساها فاعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين، فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون من أهل النار كآبائهم، والمشرك بالطبع غير معصوم الدم. ومنهم من اعتبرهم أبرياء يخطئ من يستبيح قتلهم أو الحكم عليهم بدخول النار، بل هم من أهل الجنة، وقد جعلهم بعضهم خدما لأهل الجنة. ومنهم من توقف فيهم ما داموا تحت سن التكليف، إلى أن يبلغوا ويختاروا لأنفسهم الدين الذي يرتضونه، ومن هنا تحدد معاملتهم، ومنهم من تولى أطفال المؤمنين وتوقف في أطفال المشركين. فمن حكم عليهم بأنهم تابعون لآبائهم في شركهم عاملهم في الدنيا بحسب ذلك الحكم، ومن تولاهم ورأى أنهم ليسوا بكفار وأن حكمهم ليس كحكم آبائهم – عاملهم بالحسنى في الدنيا؛ فحرم قتلهم وحرم القول فيهم بأنهم من أهل النار، ومن توقف فيهم عاملهم كذلك بالحسنى إلى أن يبلغوا مبلغ التكليف. وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال:١ - أما القول باتباع أطفال المخالفين لآبائهم واعتبارهم مشركين كآبائهم تستباح دماؤهم، فهو قول الأزارقة، وقد عد العلماء هذا القول من بدع نافع بن الأزرق الذي تولى كبره هو وأتباعه، يقول الأشعري فيهم: "ويرون قتل الأطفال" (٢).ويوضح قولهم أيضا البغدادي، فيقول في بيانه لبدعهم: "ومنها أنهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم، وقتل أطفالهم، وزعموا أن الأطفال مشركون، وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار" (٣).وهكذا عند الشهرستاني وابن حزم وابن الأثير. ويقول ابن الجوزي: "وأباح هؤلاء – يعني الأزارقة – قتل النساء والصبيان من المسلمين وحكموا عليهم بالشرك" (٤). ومن البديهي أن يكون أطفال المخالفين عند الأزارقة تبعا لآبائهم في عذاب الآخرة، كما كانوا تبعا لهم في شركهم واستباحة دمائهم في الدنيا.

стр. 2043

وقد استدل الأزارقة في قولهم بتعذيب الأطفال في النار من القرآن الكريم بقوله تعالى حاكيا عن نوح ﵇ قوله: إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:٢٧].ومن السنة بما روي عن رسول الله ﷺ أن خديجة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((يا رسول الله، أين أطفالي منك؟ قال: في الجنة، قالت: فأطفالي من غيرك؟ قال: في النار. فأعادت عليه فقال لها: إن شئت أسمعتك تضاغيهم)) (١).وبما روي أيضا عنه ﷺ أنه قال: ((الوائدة والموؤودة في النار)) (٢). واستدلوا أيضا بدليل عقلي، فقالوا لمن حكم بدخولهم الجنة: إن كانوا عندكم في الجنة فهم مؤمنون؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، فإن كانوا مؤمنين فيلزمكم أن تدفنوا أطفال المشركين مع المسلمين، وأن لا تتركوه يلتزم إذا بلغ دين أبيه فتكون ردة وخروجا عن الإسلام إلى الكفر، وينبغي لكم أن ترثوه وتورثوه من أقاربه المسلمين. قال ابن حزم بعد ذكر استدلالاتهم تلك: "هذا كل ما احتجوا به، ما يعلم لهم حجة غير هذا أصلا" (٣) وممن قال بتعذيب الأطفال تبعا لآبائهم بعد الأزارقة العجاردة، فإنهم كانوا يقولون إن "أطفال المشركين في النار مع آبائهم" (٤)، وكذا الحمزية والخلفية فإنهم يعتبرون الأطفال كلهم- أي من مخالفيهم – من أهل القبلة أو من المشركين؛ هؤلاء عندهم كلهم في النار، وتعتبر الشبيبية من هذا الفريق المتشدد، حيث حكموا على أطفال المؤمنين" بأنهم مؤمنون أطفالا وبالغين حتى يكفروا، وأن أطفال الكفار كفار أطفالا وبالغين حتى يؤمنوا" (٥).

стр. 2044

٢ - وأما قول الخوارج ببراءة أطفال مخالفيهم فهو قول النجدات، أتباع نجدة ابن عامر، فإنهم كانوا لا يرون قتل الأطفال بل يرونهم معذورين بصغرهم عن تحمل التبعات التي تقع على آبائهم، ويظهر من كتاب نجدة الذي كتبه إلى نافع أنه كان يرى أن قتل الأطفال ليس من صفات الرحماء الذين مدحهم الله في كتابه، وأن القائد ينبغي عليه التمسك بالعدل وإنصاف المظلوم، وقتل هؤلاء الأطفال ظلم وإغواء من الشيطان. فمما جاء فيه قوله يعاتبه: "ثم استحللت قتل الأطفال، وقد نهى رسول الله ﷺ عن قتلهم، وقال جل ثناؤه: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٤٦] ,". فأجابه نافع بقوله: "وأما أمر الأطفال فإن نبي الله نوحا كان أعرف بالله يا نجدة مني ومنك: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٦، ٢٧]، فسماهم بالكفر وهم أطفال، وقبل أن يولدوا، فكيف جاز ذلك في قوم نوح ولا يجوز في قومنا؟! والله يقول: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر: ٤٣] " (١).ومثل النجدات في هذا الرأي ما يذهب إليه الصفرية، فإنهم لا يجوزون قتل أطفال مخالفيهم كما تفعل الأزارقة، يقول البغدادي: "غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، والأزارقة يرون ذلك" (٢). وهذا الحكم عام عندهم حتى في أطفال المشركين، فلم يروا قتلهم، وبالتالي فإنهم لا يجوزون القول بأنهم في النار، وفي ذلك يقول عنهم الشهرستاني: "ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار" (٣).ويصفهم الأشعري بأنهم: "لا يوافقون الأزارقة في عذاب الأطفال" (٤) بل يحرمونه، وقد كان هذا الحكم ناتجا عن رأيهم فيهم في الدنيا وأنهم معذورون بصغرهم الذي يوجب عدم مؤاخذتهم بما يؤاخذ به الكبار. وقريب مما ذهب إليه النجدات والصفرية قول من يذهب إلى الجزم بأن الأطفال على أي اعتقاد كان كلهم في الجنة، وهذه الفرقة القائلة بهذا القول هي فرقة الميمونة اتباع ميمون الذي كان يقول: "إن أطفال المشركين والكفار كلهم في الجنة، واحتج بقول النبي ﷺ : ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) (٥) ومن الغريب أن ميمونا كان يدين بقول القدرية، ولكنه "زعم مع ذلك أن أطفال المشركين في الجنة" (٦)، كما يذكر البغدادي والشهرستاني.٣ - وأما الذين توقفوا من الخوارج في أمر أطفال مخالفيهم فهم فريق من الصلتية حيث لم يجدوا في الأطفال ما يوجب ولايتهم ولا عدواتهم إلى أن يبلغوا، وفي ذلك يقول الشهرستاني عنهم: "ويحكى عن جماعة منهم (أي الصلتية) أنهم قالوا ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا أو ينكروا" (٧).ولعل هذا الفريق من الصلتية أوضح في التوقف في أمر الأطفال من زعيمهم عثمان بن أبي الصلت الذي كان يقول: "إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله؛ لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعوا إلى الإسلام فيقبلونه" (٨).

стр. 2045

فإذا لم يكن للأطفال من المسلمين ما يدعو إلى ولايتهم، فليس لهم من الكفر ما يدعو إلى البراءة منهم، كما ذهب إليه ابن أبي الصلت، وهذا هو ما يدعو إلى التوقف التام في شأنهم. وهذا الموقف هو نفسه موقف فرقة الثعالبة، فهم يقولون: "ليس لأطفال الكافرين ولا لأطفال المؤمنين ولاية ولا عداوة ولا براءة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكروه" (١)، وظاهر هذا الكلام أنهم توقفوا في الحكم فيهم. ولكن الأشعري بعدما ذكر ما سبق عنهم، عاد فقال بعد قليل من كلامه السابق: "ومن قول الثعالبة في الأطفال: إنهم يشتركون في عذاب آبائهم، وأنهم ركن من أركانهم، يريدون بذلك أنهم بعض من أبعاضهم" (٢). فكيف يتم هذا الحكم مع ما نقله عنهم من قولهم السابق بالتوقف في شأنهم قبل البلوغ؟! إلا أن يكون ذلك التوقف في الدنيا وأما في الآخرة فإنهم يوجبون لهم النار، وإلا لكان تناقضا في النقل عنهم. ولقد كان القول بولاية الأطفال أو عدمه قبل البلوغ هو السبب في انشقاق ثعلبة عن عبدالكريم بن عجرد زعيم العجاردة، فقد كان عبدالكريم يرى القول بالبراءة من الأطفال قبل البلوغ، بينما ثعلبة كان يقول: "نحن على ولايتهم صغارا وكبارا إلى أن يتبين لنا منهم إنكار للحق" (٣).ولكن أغلبية العجاردة فيما يظهر مختلفون في حكم الأطفال، فالذي عليه أكثرهم هو وجوب البراءة منهم قبل البلوغ، ووجوب دعوتهم إلى الإسلام حين بلوغهم، بل يذكر البغدادي أنهم مجمعون على هذا القول (٤)، أما الأقلية منهم فقد توقفوا فيهم إلى أن يبلغوا سن الرشد ويلفظوا بالإسلام، وهذه الطائفة منهم ذكرها ابن حزم (٥).٤ - وآخر أقوال الخوارج في هذا المقام هو ما يذهب إليه الإباضية، فقد تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين فلم يحكموا لهم بنعيم أو جحيم، يقول قطب أئمتهم: "منا من توقف في أطفال المشركين، ومنا من يقول إنهم في الجنة" (٦).ويقول ابن جميع منهم: "وولاية أطفال المسلمين، وأما أطفال المشركين والمنافقين فالوقوف فيهم" (٧). ويقول صاحب (كتاب الأديان): "قال أبو محمد أيده الله: اختلفت أصحابنا في أطفال المشركين والمنافقين على قولين: فقالت طائفة منهم: حكمهم في الدنيا والآخرة حكم آبائهم قياسا على حكم أولاد المؤمنين" إلى أن يقول عن هذه الطائفة: "وقالوا: لما كان أطفال المؤمنين يتنعمون مع آبائهم بالاتفاق، ولم يعملوا عملا صالحا يجاوزون عليه، جاز أن يعذب أطفال المشركين والمنافقين بما لم يعملوا، ولله أن يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. وقالت الفرقة الأخرى: أطفال المؤمنين ينعمون مع آبائهم" ثم وقفت هذه الفرقة في أطفال غير المؤمنين قالوا: لأن الله سبحانه لم يتعبدنا بأن نعلم بأنهم في الجنة أو في النار، فلما كان القول فيهم مما يسع جهله، وكانت الأخبار الواردة فيهم مختلفة أحكامها في الظاهر، رأينا الاعتصام بالسكوت عن حكمهم ورأينا الوقوف أسلم في أمرهم".ثم قال مؤلف هذا الكتاب: "وعلى هذا المذهب الأخير أدركنا أشياخنا ﵏" (٨).

стр. 2046

ويذكر الأشعري والشهرستاني أن كثيرا من الإباضية قد توقفوا في إيلام أطفال المشركين في الآخرة "فجوزوا أن يؤلمهم الله سبحانه في الآخرة على غير طريق الانتقام، وجوزوا أن يدخلهم الجنة تفضلا".ولكن يختلف الشهرستاني معه في أسباب مجازاتهم بالنار، فالأشعري يذكر أنهم يقولون: إن الله يؤلمهم ولكن ليس على سبيل الانتقام (١)، والشهرستاني يقول: إنه على سبيل الانتقام. وعلى كل حال فإن كان على طريق الانتقام فما ذنبهم حتى ينتقم الله منهم؟! وإن كان على غير طريق الانتقام، فما الداعي لتعذيبهم بدون استحقاق منهم لذلك الانتقام؟! وهناك من الإباضية من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين، فلا يتوقف فيهم، بل يقول إنهم من أهل الجنة وهو ما يقوله أطفيش في تعليقه على قول السالمي: "ولا نرى قتل الصغير من أهل قبلتنا ولا غيرهم". قال أبو إسحاق تعليقا على ذلك: "لأن حكم الأطفال أنهم من أهل الجنة لقوله ﷺ : ((سألت الله في اللاهين فأعطيناهم خدما لأهل الجنة))، وهذا رد لقول الخوارج إن الأطفال تبع لآبائهم مستدلين على زعمهم بقوله تعالى في قوم نوح: وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا حملا للآية على قاعدتهم" (٢). وإزاء اختلاف الخوارج في الحكم على أطفال مخالفيهم على هذا النحو، نحب أن نعقب ببيان رأي علماء السلف في قضية أطفال المؤمنين الذين يعتبرهم الخوارج مخالفين لهم، وكذلك أطفال المشركين. أما أطفال المؤمنين فإن بعض أهل العلم يذهب إلى أن هؤلاء الأطفال إن كانوا كبارا وقد ماتوا على الإيمان؛ فإن الله تعالى يدخلهم الجنة مع آبائهم، وإن نقصت أعمالهم عنهم، لتقر أعين آبائهم بهم وإن كانوا صغارا فإنهم مع آبائهم في الجنة تفضلا من الله تعالى عليهم، دون أن ينقص دخولهم من عمل آبائهم شيئا (٣).وقد جزم الإمام أحمد بأنهم في الجنة باتفاق العلماء، يقول شمس الدين ابن القيم: "وأما أطفال المسلمين فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد، يعني أنهم في الجنة " (٤)، وهناك من يخالف هذا الحكم على أطفال المؤمنين، ويرى أنهم تحت المشيئة، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀. ويروي السيوطي عن عبدالله بن أحمد عن علي: قال: "قال رسول الله ﷺ : ((إن المؤمنين وأولادهم في الجنة؛ وإن المشركين وأولادهم في النار)) (٥). والحكم على أطفال المؤمنين بالجنة ينقض ما ذهب إليه نافع بن الأزرق ومن على رأيه من الحكم عليهم بدخول النار، وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم ابن الأزرق ومن على رأيهم أطفال مشركين، فمخالفوهم في نظرهم مشركون، كما تقدم، وأما أطفال المشركين الذين عند أهل الحق عبدة الأوثان ومن في حكمهم؛ فإن العلماء قد اختلفوا فيهم اختلافا كثيرا حاصله:١ - التوقف في أمرهم، فلا يحكم لهم بجنة ولا نار، ويقولون فيهم: ((الله أعلم ما كانوا عاملين)) (٦). ٢ - أنهم في النار. ٣ - أنهم في الجنة.

стр. 2047

٤ - أنهم في منزلة بين المنزلتين – أي بين الجنة والنار-، وهذا قول ضعيف، إذ أن الحياة الآخرة، إما أن يكون صاحبها في الجنة أو في النار، وقد دعاهم إلى هذا القول أنهم رأوا أن هؤلاء الأطفال ليس لهم إيمان فيدخلون به الجنة، وليس لآبائهم من الفوز ما يلحقهم بهم، وليس لهم أيضا أعمال يستحقون بها النار. ٥ - أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم. ٦ - أنهم تحت مشيئة الله تعالى، يحكم فيهم بما يريد، فيجوز أن يعذبهم، وأن يرحمهم، وأن يرحم بعضهم ويعذب بعضهم، ولكن هذا لا يقال إلا بدليل ينص على أحد الأمور، وهو رأي كثير من أهل البدع كالجبرية وغيرهم. ٧ - أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، أي تبعا لآبائهم "حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهم لم يحكم لأفراطهما بالنار". ٨ - أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول الله إليهم، فمن أطاعه منهم دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فيكون بعضهم من أهل الجنة، وبعضهم من أهل النار. وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء، وانتهى من نقدها إلى نصرة هذا الرأي الأخير، وقال: "وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها، وتتوافق الأحاديث، ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي ﷺ حيث يقول: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).وقد بسط ابن القيم القول في حكم الأطفال؛ وأورد هذه الآراء وناقشها في كتابه (طريق الهجرتين) (١).وقد أيد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة، وأكثر من الاحتجاج عليه والرد على من يقول بغير ذلك، ورد على الأزارقة في كل ما احتجوا به لرأيهم، وبين أن تلك الحجج كلها غير صحيحة، أما الآية: فذكر أن نوحا لم يقل ذلك على جميع الكفار، بل عن كفار قومه الذين أخبره الله عنهم بقوله تعالى: أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ [هود: ٣٦]، وعندها أيقن بأن بقاءهم لا فائدة وراءه للإيمان، فدعى عليهم بخصوصهم، لما علم بنهاية أمرهم، وأجاب عن حديث خديجة بأنه "ساقط مطرح لم يروه قط من فيه خير"، وعن حديث الوائدة بأن تلك المؤودة كانت قد بلغت الحنث بخلاف قول من أخبره بأنها لم تبلغ الحنث، فقال هذا إنكارا لقولهما، وتمام الحديث: عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: ((أتيت أنا وأخي رسول الله ﷺ فقلنا له: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل الرحم، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال: لا، قلنا: فإن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث، فقال رسول الله ﷺ : المؤودة والوائدة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم)) (٢) (٣). وقد قال كثير من المفسرين بما أورده ابن حزم من تخصيص نوح بالدعاء على كفار قومه فقط (٤)، وأما حديث خديجة فقد ذكر ابن القيم أنه معلوم من وجهين: ١ - أحدهما أن محمد بن عثمان أحد رواة الحديث مجهول. ٢ - أن زاذان الراوي للحديث عن علي لم يدركه.

стр. 2048

وأما حديث خديجة وهو قوله ﷺ : ((إن شئت أسمعتك تضاغيهم)) – فقد حكم عليه بأنه حديث باطل موضوع. وقد قال عن حديث الوائدة: "وكونها مؤودة لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر"، وذكر أن أحسن ما يقال فيه: إن المؤودة "في النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار" (١).أما شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه يرى التوقف في أطفال المشركين، وقال بأن أصح الأوجه فيهم جواب رسول الله ﷺ كما في (الصحيحين) عنه أنه قال: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة" الحديث. قيل: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال: أعلم بما كانوا عاملين)) (٢)، فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا نار، ويرى أنهم يوم القيامة، يمتحنون في عرصات القيامة، فمن أطاع الله حينئذ دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار (٣).بل لقد جزم الإمام النووي بأن أطفال الكفار في الجنة إذا ماتوا قبل البلوغ (٤)، واختار هذا الرأي دون القول بدخولهم النار، أو بالتوقف في شأنهم، ويذكر البعلي الحنبلي أن أصحاب أحمد قد اختلفوا في الأطفال، فبعضهم قال: يعذبون تبعا لآبائهم، وبعضهم قال: يدخلون الجنة، ويذكر أن "أكثر نصوص أحمد الوقف، ولا يحكم بجنة ولا بنار" (٥). وغاية القول أن أطفال المشركين الحقيقيين، سواء في نظر المسلمين أو في نظر الأزارقة ومن معهم – غاية القول في شأنهم التوقف في الحكم عليهم، فلا يصح حكم الخوارج عليهم بدخول النار. أما مسألة جواز قتل الأطفال ومن في حكمهم من العجزة كالنساء، فقد أخطأت الأزارقة فيه حين زعموا جواز ذلك، سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين، فقد وردت أحاديث صحيحة تمنع من قتلهم، إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء، فلا بأس حينئذ في قتلهم إذا وقع دون عمد، فيكونون كآبائهم في حكم قتلهم وإهدار دمائهم. ومن الأدلة على هذا ما جاء في حديث ابن عمر ﵁ قال: ((وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان)) (٦).وكذا حديث الصعب بن جثامة قال: سئل النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: ((هم منهم)) (٧).قال النووي بعد إيراد حديث ابن عمر: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان، إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون" (٨).وقال ابن حجر في معنى قوله ﷺ : ((هم منهم)): "أي في الحكم في تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطأ الذرية، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم" (٩). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٥١٤

стр. 2049

المبحث الأول: الحوار والمناقشة وإزالة الشبه لقد حاور الصحابة ﵃ الخوارج، وحاولوا من خلال هذا الحوار مناقشة الأمور التي خالفت فيها الخوارج وكانت سبب خروجهم، وحاولوا إزالة الشبه التي عرضتها الخوارج وجعلتها مبررا ومسوغا لخروجهم. وكان هذا الحوار وتلك المناقشة أكثر من مرة، وفي أكثر من موضع ومن أكثر من شخص، وكان الحوار ناجحا إذ من خلاله زالت شبه جماعة من الخوارج، وعادوا إلى الحق، وانضموا إلى الجماعة. يروي الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أن عبد الله بن شداد (١) جاء إلى عائشة ﵂ فقالت: "يا عبدالله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، فقال: ومالي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فإن عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمين؛ خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله، واسم سماك به الله، ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله، فلما أن بلغ على ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس؛ دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف! حدث الناس. فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا؛ بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله تعالى: في كتابه في امرأة من رجل وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: ٣٥]. فأمة محمد ﷺ أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا علي أن كاتبت معاوية كتبت: علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشا .. (٢). وأكمل القصة ثم إنه بعث إليهم عبدالله بن عباس ليناظرهم. وقيل إن عليا ﵁ ذهب إليهم وناظرهم فيما نقموا عليه حتى رجعوا ودخلوا معه الكوفه، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه (٣). ونلحظ أن عليا ﵁ أراد في جمع قراء الناس أن يلزم الخوارج الحجة، وأن يبين للناس أن إدعاء الخوارج على علي ﵁ أنه حكم الرجال لا أساس له من الصحة، فأراد إيضاح حقيقة ما حصل من قبول التحكيم، وأنه عين ما يريدون من تحكيم كتاب الله ، وأنه ﵁ ما خرج عن حكم الكتاب العزيز، ولكن عقول هؤلاء الخوارج قاصرة عن إدراك حقيقة الأمر، ونظرهم محدود، قد غطت الشبهات أعينهم فما عادوا يبصرون إلا من خلالها. ولقد جاء ﵁ بالحجة المقنعة فجاء بالمصحف فوضعه بين يديه وجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس!

стр. 2050

إن كل من له عقل يعلم أن المصحف لن يرد ولن يتحدث أو يحكم، وإنما الحكم بكتاب الله يكون بالرجوع إلى العلماء الحافظين له العاملين بمعانيه ومقاصده، وهذا ما فعله علي ﵁ من تحكيم صحابيين جليلين، واشترط عليهما تحكيم الكتاب والسنة، فيرجع إلى مقتضى النصوص لا إلى الأهواء والمصالح الشخصية. وهذه مقدمة ما احتج به ﵁ وما رد به على اعتراضات الخوارج، وبنود هذه المناظرة هي التي ناظرهم بها عبدالله بن عباس ﵄ لما بعثه إلى الخوارج، فيحتمل أن ابن عباس سمع عليا ﵁ لما قال ما قال عند جمع قراء الناس، ثم سار إلى الخوارج في ديارهم، وناظرهم فيما نقموا واعترضوا، وهذا نص المناظرة التي جرت بين عبدالله بن عباس وبين الخوارج. يقول عبدالله بن عباس ﵄: (لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، وأجمعوا على أن يخرجوا على علي، فكان لا يزال يجيء إنسان، فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك. فيقول دعوهم؛ فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسوف يفعلون. فلما كان ذات يوم؛ أتيته قبل صلاة الظهر، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة؛ لعلي أكلم هؤلاء القوم. قال: فإني أخافهم عليك. قلت: كلا، وكنت رجلا حسن الخلق، لا أؤذي أحدا. فأذن لي، فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن، وترجلت، ودخلت عليهم في دار النهار وهم يأكلون، فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباهم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرحضة، مشمرين، مسهمة وجوههم. فسلمت عليهم، فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس! وما هذه الحلة عليك؟! قلت: ما تعيبون مني، فقد رأيت رسول الله ﷺ أحسن ما يكون في ثياب اليمنية، ثم قرأت هذه الآية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٢]. فقالوا: فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي ﷺ المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ﷺ وصهره - وعليهم نزل القرآن؛ فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحدا -؛ لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون.

стр. 2051

فقالت طائفة منهم: لا تخاصموا قريشا؛ فإن الله يقول بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨]. فانتحي لي نفر منهم، فقال اثنان أو ثلاثة: لنكلمنه. قلت: هاتوا؛ ما نقمتكم على أصحاب رسول الله ﷺ وابن عمه؟ قالوا: ثلاث. قلت: ما هن؟ قال: أما إحداهن؛ فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [الأنعام: ٥٧]. ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية؛ فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ إن كانوا كفارا؛ لقد حل سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين؛ ما حل سبيهم ولا قتالهم. قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ وذكر كلمة معناها. قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين؛ فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه ﷺ ما يرد قولكم؛ أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: أما قولكم: "حكم الرجال في أمر الله؛ فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله ﵎ أن يحكموا فيه. أرأيت قول الله ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ [المائدة: ٩٥]. وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال. أنشدكم بالله! أحكم الرجال في إصلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟! قالوا: بلى؛ بل هذا أفضل. وفي المرأة وزوجها: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: ٣٥]. فنشدتكم بالله! حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟! خرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم: "قاتل ولم يسب ولم يغنم"؛ أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها؛ فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا؛ فقد كفرتم: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦]. فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج. أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. وأما محي نفسه من أمير المؤمنين؛ فأنا آتيتكم بما ترضون: إن نبي الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: ((اكتب يا علي! هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله، ما قاتلناك. فقال رسول الله ﷺ : امح يا علي! اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا علي! واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله)) (١)، والله لرسول الله ﷺ خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة! أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، قتلهم المهاجرين والأنصار) (٢).

стр. 2052

لقد حوت هذه المناظرة كثيرا من شروط المناظر، وضوابط المناظرة وطرق إحكام الرد وإفحام الخصم وذلك كالآتي: شروط المناظر: ينبغي أن يختار المناظر اختيارا بأن يكون قوي الحجة، غزير العلم، ذكيا فطنا حاضر البديهة، حسن الجواب، حسن الخلق والهيئة، متواضعا حليما متأنيا، تقيا منصفا (١). ولقد توافرت هذه الشروط في حبر الأمة عبدالله بن عباس، ووجد نفسه أهلا لذلك فاستأذن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لمناظرتهم، فخاف علي عليه، فقال ابن عباس: "كلا" وعلل ذلك بما يتصف به من صفات من أنه رجل حسن الخلق لا يؤذي أحدا. وقد اهتم بمنظره وهيئته إذ أول ما يطالع الخصم هيئة المناظر قبل حديثه، لذلك لبس ﵁ حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجل. ضوابط المناظرة، وطرق إحكام الرد وإفحام الخصم: ١ - اختيار الوقت المناسب للحوار والمناظرة، وقد اختار ابن عباس وقتا مناسبا ليتمكن من الحديث معهم دون مقاطعة من أحد أو انصراف من آخر، فاختار وقت فراغهم وعدم انشغالهم لا بالعمل ولا بالعبادة، فجاءهم وهم يأكلون، والطعام موضع حديث.٢ - اختيار المكان المناسب الذي يتيح للمعارض الحديث بحرية وأمان، فيظهر كل ما يعترض عليه وما يشكل عنده، إذ غرض المناظرة والحوار إيضاح موضع الإشكال وإزالة الشبهة، فسار ابن عباس ﵁ إلى الخوارج في دارهم (٢).٣ - تحديد موضوع المناظرة، فينبغي أن يكون موضوعا محددا تدور حوله المناظرة، فإذا أجيب عنه انتقل إلى غيره، حتى لا يتشتت الذهن مع موضوعات شتى، وينبغي أن يصرح ويحدد موضوع المناظرة بوضوح حتى لا يقع إشكال من أحد الطرفين، لذلك حدد ابن عباس ﵄ مدار الحوار فقال: "هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله ﷺ وابن عمه" (٣).٤ - الإقرار بما عند الخصم من الخير والحق، فابن عباس ﵁ وصف اجتهادهم في العبادة ولم يكتمه، وهذا من الإنصاف والتجرد عن الهوى (٤).٥ - تذكير الخصم بالرغبة الصادقة في الحوار والاستماع إليه، وبيان أن الهدف هو الوصول إلى الحق، لذلك يبين ابن عباس سبب مجيئه فقال: "لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون" (٥).٦ - تحديد الأصل الذي يرجع إليه ويحتج به، وينبغي أن يكون متفق على صحته عند الخصمين، وقد حدد ابن عباس ﵁ ذلك فقال: "أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟ " (٦).٧ - توثيق المعلومات بالأدلة التي يحتج بها الطرفان (٧)، فابن عباس ﵁ لا يذكر شيئا إلا ويستدل عليه من كتاب الله أو سنة الرسول ﷺ .٨ - استماع حجة الخصم كاملة، وعدم العجلة بالجواب حتى يعلم ما عند القوم كله، ويتصور مرادهم، ووجه اعتراضهم بشكل متكامل، ثم يجيبهم بجواب يقطع حجتهم، وهذا ما فعله ابن عباس ﵁ فاستمع إلى اعتراضاتهم الثلاثة، ثم أجاب عنها واحدة واحدة (٨).

стр. 2053

٩ - العلم بحال الخصم، وتوقع ردة فعله، ومحاولة الاستفادة من ذلك في إقامة الحجة عليه، فابن عباس ﵁ كان يعلم زهد الخوارج وتقشفهم في العبادة وغلوهم في ذلك، فلما أراد السير إليهم لبس حلة من أحسن ما يكون من اليمن، فأنكروا عليه ذلك - وكان يتوقع إنكارهم – فرد عليهم أن هذا وارد في الكتاب والسنة، وفي رده عليهم قرر أمرين: الأول: جهلهم بهدي الرسول ﷺ ، الثاني: أنهم لجهلهم يعيبون وينكرون أمورا هي واردة في الكتاب والسنة، مثل هذا الأمر، ومثل إنكارهم على علي أمر التحكيم. وإن كان لم يصرح بهذين الأمرين أو يعلنهما، ولكنهما ينفذان للنفوس والأذهان.١٠ - إظهار حقيقة الخصم إن كان جاهلا بالكتاب والسنة (١) عن طريق إضعاف موقفه بالحجة والدليل، وهذا ما فعله ابن عباس أول ما قدم إليهم أنكروا عليه أمر حلته، فبين جهلهم وأنه أعلم منهم بما ورد في الكتاب والسنة، وقرر أنه شاهد ما لم يشاهدوا من حال رسول الله ﷺ . وكذلك لما سئل ما جاء بك؟ زاد في الإجابة ليؤكد هذا الأمر فقال: "أتيتكم من عند أصحاب النبي ﷺ المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد".

стр. 2054

فهو ها هنا يؤكد أمرين: الأول: فهم الصحابة ﵁ للقرآن الكريم وعلمهم بتأويله إذ عليهم نزل، بخلاف الخوارج الذين قرؤوا القرآن فظنوا أنهم ساووا الصحابة في الفهم، فبين ميزة الصحابة وتفردهم بنزول القرآن بين أظهرهم. الثاني: بيان جهل الخوارج، وإظهار حقيقتهم، وأنه ليس فيهم صحابي واحد، فبهذه المقدمة قرر أمرين: عمق علم المعترض عليهم، والذي يقتضي قوة حجتهم وقوة موقفهم، جهل المخالفين المعترضين مما يضعف موقفهم.١١ - للمناظر أن يشترط على الخصم إن هو أفحمه وأقام عليه الحجة أن يرجع عن قوله، ويقر بخطئه (١)، لذلك قال ابن عباس: "أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله ... أترجعون؟ قالوا: نعم "فاشترط عليهم وقبلوا، وهذا من إقامة الحجة عليهم.١٢ - من طرق إحكام الرد وإفحام الخصم: الاستدلال على جواز أصل ما اعترضوا عليه، والاستدلال بما يحتجون به، إذ كانوا معترضين على تحكيم الرجال في أمر الله مطالبين بتحكيم الكتاب، فبين لهم أن الله قد صير حكمه إلى الرجال في مسائل، فينبغي ألا يعارض حكم الله في تحكيم الرجال، ولو اعترضوا لصاروا هم المخالفين لحكم الله، فنقض شبهتهم وقلبها عليهم (٢).١٣ - من طرق إحكام الردود وإفحام الخصم: استخدام القياس وذلك لما قال لهم "أحكم الرجال في إصلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب" وقال: "أفضل من حكمهم في بضع امرأة"؟! وهذا من أحسن القياس وأوضحه (٣).١٤ - من طرق إحكام الردود وإفحام الخصم: نقض حجة الخصم بأن يمثل لقوله بمثال هو باطل عنده، ليعلم الخصم أن بطلان قوله كبطلان ما مثله به (٤)، وذلك حينما رد عليهم ابن عباس لما قالوا: "قاتل ولم يسب ولم يغنم"، فهذا أمر عام جاء له بمثال هم يبطلونه فقال: "أفتسبون أمكم عائشة تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ ... " (٥) ثم بين لهم اللوازم الباطلة التي تلزم من قولهم هذا، فدل على بطلان الملزوم.١٥ - إحكام النقض، للشبه المعروضة، وكشف زيفها وتصييرها هباء منثورا (٦)، فهذا ابن عباس ﵁ قد أحكم نقض شبههم وقررهم بذلك.١٦ - حسن الصياغة بالتزام اللسان العربي الفصيح، والإتيان بالكلام الطيب بعيدا عن الشتم والفظاظة في الرد، والاقتصاد في السياق، فيؤتى بالألفاظ على قدر المعاني دون تطويل لا حاجة له، أو تكرار يخل ويمل (٧). ولقد كان ابن عباس ﵁ حسن الصياغة بكل معاييرها في هذه المناظرة فتأمل. ١٧ - التنبيه إلى وجوب النظر إلى حقيقة الأمر وإلى واقع الحال، والبعد عن السطحية والغلو، فقال في جوابه عن الاعتراض الأخير في مسح علي اسم الإمرة في كتاب التحكيم، "ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه عن النبوة".

стр. 2055

١٨ - العلم بعقلية الخصم وطريقة تفكيره حتى تجري المناظرة وفق ما يناسب ذلك، فنلحظ أن ابن عباس ﵄ استمع إلى حججهم، ثم تولى الإجابة عن المسائل وهم يستمعون، وهو في أثناء ذلك ينقلهم من مسألة إلى مسألة، ومن جزئية إلى جزئية، ويجيب بشكل مباشر وواضح، ويقررهم على كل واحدة، وهم يقرون "بنعم، وبلى"، وهذا من فقه ابن عباس ﵁ وعلمه بطبيعتهم الحادة المتسرعة، ونظرتهم القاصرة، وسطحية التفكير فهم ليسوا بأهل جدل وكلام، ثم إنهم يتأثرون بالعصبية، وقد يعزلهم الصخب الجماعي عن التفكير والفهم، ومتابعة الحوار، لذلك قالوا كل اعتراضاتهم، ثم تولى الإجابة دون مقاطعات. لذلك ينبغي عند مناقشة مثل هذا النوع أن يكون الحوار فرديا لا جماعيا قدر الإمكان حتى يعزلوا عن تأثير الجماعة، وتخف وطأة العصبية (١)، ويكون المجال أرحب للتفكير والموازنة فيما يطرح عليهم، وفيما عندهم من خلفيات.

стр. 2056

وينبغي تكرار المناقشة والرد على الشبهات أكثر من مرة، ومن أكثر من شخص مع مراعاة وقت زمني بين كل مرة وأخرى، إذ في هذه الجماعات من هم مغرورون قد تأثروا بالشعارات البراقة التي يرفعها الخوارج من الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحكيم كتاب الله، فتدفع طائفة منهم العاطفة الدينية الجياشة، وحب الخير للانضمام إلى هذه الجماعات، ولكن ما إن يبدأ الحوار، وتناقش الأمور، ويفكر المرء بما يقال حوله، فالشبهة سرعان ما تزول بإذن الله. يقول جابر بن عبدالله ﵁: "بعثنا عثمان بن عفان في خمسين راكبا وأميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري (١) حتى أتينا ذا خشب، فإذا رجل معلق المصحف في عنقه، تذرف عيناه دموعا، بيده السيف وهو يقول: ألا إن هذا – يعني المصحف- يأمرنا أن نضرب بهذا يعني السيف – على ما في هذا – يعني المصحف فقال محمد بن مسلمة: اجلس، فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكلمهم – أي ابن مسلمة ﵁ – حتى رجعوا (٢).ومن مناظرات الصحابة للخوارج وإلزامهم بالأصل الذي يقرون به، ما جرى بين عبدالله بن الزبير ﵄ حيث يقول: "لقيني ناس ممن كان يطعن على عثمان ممن يرى رأي الخوارج، فراجعوني في رأيهم وحاجوني القرآن. قال: فلم أقم معهم ولم أقعد، فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له، فقال الزبير ﵁: إن القرآن قد تأوله كل قوم على رأيهم وحملوه عليه، ولعمر الله إن القرآن لمعتدل مستقيم، وما التقصير إلا من قبلهم، ومن طعنوا عليه من الناس فإنهم لا يطعنون على أبي بكر وعمر، فخذهم بسنتهما وسيرتهما، قال عبدالله: فكأنما أيقظني بذلك، فلقيتهم فحاججتهم بسنة أبي بكر وعمر، فلما أخذتهم بذلك قهرتهم وضعف قولهم" (٣).ونجد أن المناقشة وإقامة الدليل والإجابة على التساؤلات تزيل كثيرا من الشبه التي تعترض الخوارج وتدعوهم إلى الخروج على الجماعة المسلمة وقتالهم: ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن يزيد الفقير (٤) قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج (٥)، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، وقال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبدالله يحدث القوم جالسا إلى سارية عن رسول الله ﷺ ، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون، والله يقول: رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [آل عمران:١٩٢]. كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٢٢]. فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﷺ يعني الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج قال: ثم نعت وضع الصراط ومرور الناس عليه. وقال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم (٦)، قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا قلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ، فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد (٧). المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٤٤

стр. 2057

المبحث الثاني: الوعظ والنصيحة إن تقديم النصيحة والوعظ لهذه الفئة الضالة مما فعله الصحابة ﵃ تبرئة للذمة ونصحا للأمة. ولقد أقدم كثير من الصحابة على وعظ ونصح الخوارج في أكثر من موطن، ومن ذلك أن عليا ﵁ أتاه رجلان من الخوارج زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي وأنكروا عليه أمر الحكومة وطلبوا منه أن يتوب .. وقال له زرعة: أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله قاتلتك، أطلب بذلك وجه الله ورضوانه، فقال له علي: بؤسا لك، ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح، قال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له علي: لو كنت محقا كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتقوا الله ، إنه لا خير لكم في دنيا تقاتلون عليها. فخرجا من عنده يحكمان. بل مازال نصح الصحابة للخوارج ووعظهم لهم مستمرا حتى لما شارفوا على القتال في النهروان واصطفوا، تقدم لهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم والخطب الجسيم فلم ينفع، كذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم ووعظهم، وتقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إليهم وخطبهم ووعظهم وخوفهم وأنذرهم وتوعدهم وحذرهم (١).وكذلك فعل عبدالله بن أبي أوفى ﵁ إذ كان له غلام اسمه فيروز قد لحق بالخوارج من الشق الآخر، فلما كان وقت القتال: نادوه: يا فيروز يا فيروز، هذا عبدالله بن أبي أوفى، فقال: نعم الرجل لو هاجر، قال عبدالله: ما يقول عدو الله؟ فقيل له: يقول نعم الرجل لو هاجر، فقال: أهجرة بعد هجرتي مع رسول الله ﷺ ، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((طوبى لمن قتلهم وقتلوه)) (٢). إن هذا الوعظ والنصح قد أثر في جماعة من الخوارج، وذلك أن عليا لما رفع راية الأمان مع أبي أيوب الأنصاري ﵁ انضم إليها جماعة من الخوارج، وانصرف آخرون إلى الكوفة، وإن كان في ظاهر الأمر عدم تفاعلهم مع هذه المواعظ إلا أنها تظل تؤثر في جماعة. المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٥٦

стр. 2058

المبحث الثالث: الترغيب والترهيب قد يكون من بين صفوف الخوارج من لديه تطلعات للسلطة وحب للرئاسة، فينفع مع هذا الصنف استمالته وترغيبه. ولقد حاول علي بن أبي طالب ﵁ أن يستميل رؤوس الخوارج بالمنصب، وأن يستصلحهم بالمال وتتألف قلوبهم بذلك، لأنه إذا تابع الرأس تابع من معه، وإذا رجع وكف رجعوا وكفوا، أو أحدث خللا في صفوفهم. يروي الطبري أن علي بن أبي طالب قبل أن يفد على الخوارج بحروراء ليحاورهم سأل عن أي رؤوس الخوارج هم له إطافة وطاعة، فقيل له: يزيد بن قيس، فجاء ﵁ إلى يزيد بن قيس ودخل فسطاطه، وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إلى الخوارج وهم يخاصمون ابن عباس، ثم كلمهم (١) حتى أثناهم عما هم فيه وقررهم فرجعوا معه، ودخلوا إلى الكوفة (٢).وسلك الصحابة أيضا مسلك الترهيب والتخويف لعله يجدي معهم ويكون رادعا لهم، وقد تقدم كيف أن عليا لما اصطفوا للقتال في النهروان جاءهم وهددهم وحذرهم وسفه رأيهم (٣).وكذلك لما كان في الكوفة في بداية الأمر كانوا يقاطعونه في خطبه ويقولون: لا حكم إلا لله. وفي مرة قالوها، فقال علي ﵁: "الله أكبر! كلمة حق يراد بها باطل، إن سكتوا عممناهم، وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم. فوثب يزيد بن عاصم من الخوارج فقال: ... يا علي أبالقتل تخوفنا! أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلمن أينا أولى بها صليا (٤).وكان المغيرة بن شعبة قد ولي أمر قتال الخوارج لمعاوية فكان ﵁ يخطب في الناس، ويتهدد الخوارج (٥). والملاحظ أن فئة الخوارج هذه لا يجدي معها كثيرا التهديد بالقتل إذ هو شهادة في نظرهم وهو غايتهم، والمطلوب إظهار قوة المسلمين وقوة ولاة الأمر حتى يحد من خروجهم وتقمع شوكتهم، إذ هم لا يندحرون إلا بالقتال غالبا. المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٥٧

стр. 2059

المبحث الرابع: ذم الخوارج وذم صنيعهم، ونشر النصوص النبوية الواردة في حقهم لقد كان الصحابة ﵃ يروون ما سمعوه عن المصطفى المختار ﵊، وكان مما رووه ما سمعوه عن الخوارج، ثم لما خرجت الخوارج عمد الصحابة إلى نشر هذه النصوص النبوية وبيان أن هؤلاء الخوارج الحرورية هم المرادون بهذه النصوص (١).كما كان الصحابة ﵃ يظهرون ذم الخوارج، وينددون بصنيعهم من قتل للمسلمين ونهب للأموال، وإفساد في البلاد. وكان الناس يسألونهم هل سمعوا من رسول الله ﷺ شيئا عنهم فيحدثونهم بما سمعوه من النبي ﷺ (٢).قال سعيد بن جهمان (٣): (دخلت على ابن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه فرد علي السلام. فقال: من هذا؟ فقلت: أنا سعيد بن جهمان، فقال: ما فعل والدك؟ فقلت: قتلته الأزارقة. قال: قتل الله الأزارقة كلها. ثم قال: حدثنا رسول الله ﷺ : ((ألا إنهم كلاب أهل النار. قال: قلت: الأزارقة كلها أو الخوارج؟ قال: الخوارج كلها)) (٤).وكذلك ما فعله أبو أمامة ﵁ لما رأى رؤوس الخوارج معلقة على جسر دمشق أظهر ذمهم وروى ما ورد فيهم، فقال: ((شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء وخير قتيل من قتلوا، كلاب أهل النار، قد كان هؤلاء مسلمين فصاروا كفارا. فقيل له: يا أبا أمامة: هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ ) (٥). وكان ابن عمر ﵄ يراهم شرار الخلق. المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٥٨

стр. 2060

المبحث الخامس: تحذير الناس من مسلكهم ببيان سوء فعلتهم، وإنزال نصوص قرآنية فيهم حتى لا يغتر بهم علمنا كيف أن الصحابة ﵃ عمدوا إلى إظهار النصوص النبوية الذامة للخوارج، وصرحوا بأنهم المرادون بهذه النصوص، وهم في كل ذلك يحذرون الناس من مسلكهم، ويبينون لهم سوء فعلتهم من قتل المسلمين وترويع الآمنين. يقول ابن عباس ﵄ محذرا من الخوارج: "كلام الحرورية ضلالة" (١).

стр. 2061

ولقد أنزل الصحابة ﵃ نصوصا من القرآن الكريم على الخوارج، وتنوعت أقوالهم في ذلك ولا تعارض، إن تعددت صفات الخوارج، فذكر كل صحابي صفة من الصفات، كل هذا تحذيرا من مسلكهم وذما لفعالهم، فالخوارج هم:١ - الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:٢٧] (١).٢ - إن الَذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام: ١٥٩]، (٢).٣ - هم الأخسرون أعمالا كما قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] (٣).٤ - هم من زاغت قلوبهم ومالت عن اتباع الحق كما قال تعالى فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] (٤).٥ - هم المتبعون للشبهات كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] (٥).٦ - هم من تسود وجوههم يوم القيامة كما قال الله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧] (٦).وهذه الآيات لا تخص الخوارج، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف، والصحابة ﵃ أنزلوها على الحرورية إما لأنهم سئلوا عنها على الخصوص وهل الآية تشملهم فأجابوا عن السؤال. أو لأن الخوارج هم أول من ابتدع في دين الله وخرج على جماعة المسلمين بالسيف، وكان المقصود التحذير منهم (٧).ومن مواقف الصحابة مع الخوارج تحذير الناس منهم، وتنبيههم على عدم الاغترار بما يظهر عليهم من الزهد والعبادة وقراءة القرآن، فذكر لعبدالله بن عباس ﵄ الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، قال: "يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه" وقرأ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧] (٨).وفي مرة أخرى ذكر له الخوارج واجتهادهم وصلاتهم فقال: "ليس هم بأشد اجتهادا من اليهود والنصارى وهم على ضلالة" (٩).

стр. 2062

ولقد حرص علي بن أبي طالب ﵁ على تحذير الناس من مسلك الخوارج، حتى أنه لما انتهى من النهروان جعل يمشي بين القتلى ويقول: (بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم! فقال أصحابه: يا أمير المؤمنين ومن غرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون) (١). فينبغي على ولاة الأمر علماء وأمراء من تحذير الناس من الفكر الضال المنحرف، وتوعيتهم بخطورته حتى لا يتسلل إلى النفوس. كما ينبغي على الآباء ملاحظة أبنائهم فكرا وسلوكا ومحاورتهم، ومناقشتهم في الأفكار المنحرفة وتحذيرهم منها، وبناء معتقد صحيح وفكر واعي يحول دون تسلل هذه البدع إلى النفوس. وإن رأى الآباء أو ولاة الأمر بادرة من أحد، ورغبة في اللحاق بأهل البدع والانسياق ورائهم، فعليهم منعه حتى يعود إلى رشده، فهذا معاوية بن أبي سفيان ﵄ يرسل إلى حوثرة بن وادع الأسدي (٢) أباه ليرده (٣). المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٥٩

стр. 2063

المبحث السادس: هجرهم لقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب هجر أهل البدع، وأن هجرهم زجر لهم (١).ولم يبرز هجر الصحابة ﵃ للخوارج كموقف واضح متكرر منهم لأن الخوارج أنفسهم منعزلون عن الجماعة المسلمة، وإن كان ورد عن بعض الصحابة ﵃ ترك مخاطبتهم ومخالطتهم، من ذلك ما قاله جندب بن عبدالله لفرقة دخلت عليه من الخوارج. فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابيث خلق الله في اتباعنا تختارون الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني (٢).وكذلك هجر عبدالله بن عمر سماع بدعهم، فقد قيل لابن عمر: إن نجدة (٣) يقول: كذا وكذا، فأدخل إصبعيه في أذنيه مخافة أن يدخل قلبه منه شيء (٤).لذلك يرى الإمام أحمد بن حنبل وجوب مقاطعة الخوارج وهجرتهم وترك التعامل معهم، فلا يباع ولا يشترى منهم، بل ولا يكلموا ولا يصلى عليهم (٥)، زجرا لهم على بدعتهم. المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٢

стр. 2064

المبحث السابع: الإجابة عن أسئلتهم، وعدم صدهم، ومراسلتهم إن دعت الحاجة تقدم أن الهجر من العقوبات والزواجر لأهل البدع، ولكن هذا الهجر لا يتنافى مع الإجابة عن أسئلتهم إن هم سألوا، أو بيان وتوضيح مشكلة إن هم استفهموا، فإن جاءوا طالبين للعلم، مستفهمين لا معاندين مخاصمين فإنهم يجابون ولا يصدون، والذي يتولى إجابتهم ومناقشتهم هو العالم العارف لا الجاهل العامي. فلقد كتب نجدة الحروري إلى عبدالله بن عباس ﵄ يسأله عن خلال، فقال: ابن عباس: (إن الناس يقولون: إن ابن عباس يكاتب الحرورية، ولولا أني أخاف أن أكتم علما لم أكتب إليه، فكتب إليه نجدة: أما بعد، فأخبرني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ وعن الخمس، لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، يداوين المرضى ويحذين (١) من الغنيمة، فأما السهم فلم يضرب لهن بسهم. وكتبت: هل كان رسول الله ﷺ يقتل الصبيان؟ وإن رسول الله ﷺ لم يقتل الصبيان، فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل، فتميز الكافر من المؤمن، فتقتل الكافر وتدع المؤمن. وكتبت تسألني: عن الخمس، لمن هو؟ وإنا نقول: هو لنا، فأبى قومنا علينا ذلك، فصبرنا عليه) (٢). نجد هذه المكاتبة محدودة الأسئلة والأجوبة إلا أن ابن عباس ﵄ أراد أن يستغل الفرصة لينهي نجدة عن بعض بدعه، وينبهه إلى الشبه التي تحول بينه وبين الحق. فلما سأله نجدة عن قتل الصبيان، بين له أن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان، ولعلم ابن عباس بمنهج الخوارج في الاستدلال، واتباعهم للمتشابه من النصوص، أخبره أن قتل الخضر للصبي (٣) الذي قد يستدلون له على جواز قتل الصبيان ويعارضون به فعل الرسول ﷺ – أنه كان عن علم من الله، وليس أمرا عاما، فإن كنت تعلم علمه فافعل فعله، وإن كنت لا تعلم علمه وأنت لا تعلم فلا تقتل الصبيان (٤). ثم لما سأله عن الخمس، قال: هو لنا، ثم زاد في الإجابة وقال: فأبى قومنا علينا ذلك فصبرنا عليه، أي: مع علمنا أن الخمس لنا، وأن قومنا منعونا منه وخالفوا نصوص الكتاب والسنة، إلا أننا لم نكفرهم ولم نتبرأ منهم، فمازالوا قومنا، ولم يدفعنا ذلك للخروج عليهم بالسيف بل صبرنا على ذلك، وهذا هو المنهج، الصبر على جور الولاة وعدم الخروج عليهم بالسيف كما تفعل الخوارج. ومن أسئلة الخوارج للصحابة، سؤالات نافع بن الأزرق الحروري لعبدالله بن عباس، فسأله أسئلة عدة وكان ابن عباس يجيب (٥). ولم ير ذلك يعارض الهجر. بل إن عبدالله بن عباس بادر إلى مكاتبة نجدة الحروري لما كانت المصلحة مقتضية لذلك، فإن نجدة منع الميرة عن الحرمين فكتب إليه ابن عباس ينهاه عن ذلك ويقول إن ثمامة بن أثال (٦) لما أسلم قطع الميرة عن مكة وهم مشركون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : ((إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة)). فخلاها لهم (٧). وإنك قطعت الميرة ونحن مسلمون، فخلاها لهم نجدة (٨). المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٣

стр. 2065

المبحث الثامن: عدم الاعتداء عليهم بل السير فيهم السيرة العادلة لقد كان موقف الصحابة ﵃ من الخوارج موقفا عادلا منصفا، فالصحابة قوم عدول يتقون الله فيمن خالفهم. فنجد أن الخوارج رغم شغبهم المتكرر على علي ﵁، ومقاطعته في خطبته أكثر من مرة بقولهم "لا حكم إلا الله "، واتهامهم إياه بالكفر، وطلبهم منه التوبة من أمر الحكومة (١)، إلا أنه ﵁ سار معهم السيرة العادلة، ولم يبدأهم بالقتال، ولم يعتد عليهم بقول ولا بفعل (٢). بل كلما شغبوا عليه، وأثاروا العامة وقالوا: لا حكم إلا لله وهو في خطبته، ينهاهم ويقول: "الله أكبر كلمة حق يلتمس بها باطل! أما إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا، ثم رجع إلى مكانه الذي كان فيه من خطبته (٣).ثم إنه ﵁ لم يقابلهم بجيش لقتالهم حتى قتلوا عدد من المسلمين، واعتدوا وأفسدوا في الأرض، حينها سار إليهم، ولم يبدأهم بالقتال بل أرسل إليهم يناشدهم الله ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم (٤) ... المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٥

стр. 2066

المبحث التاسع: إعطاء الأمان لمن رجع منهم ومحاولة استصلاحه، وإعلان الكف عمن كف منهم ورجع لقد كان لإعطاء الأمان، وفتح باب الرجعة والتوبة للخوارج أثر كبير في رجوع جماعات كثيرة منهم خاصة إذا بانت قوة الدولة وقدرتها على السيطرة على الأوضاع، والتضييق عليهم. فعلي بن أبي طالب ﵁ رفع راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري يوم النهروان لمن يرجع من الخوارج، فأعطى الأمان لكل من اعتزل القتال واعتزل جيش الخوارج سواء انضم لراية أبي أيوب أو سار إلى الكوفة أو إلى المدائن فهو آمن. لذلك ناداه أبو أيوب وقال: "من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم" (١). فاعتزل من الخوارج قرابة الثلث لما فتح باب التوبة والعودة وأعطوا الأمان، وبين لهم أن سفك الدماء ليس هو المقصود بل إقامة الحق وتحكيم أمر الله هو المطلوب. إن من الوسائل الناجحة في التعامل مع الخوارج إعطاؤهم الأمان إن عادوا، وإعلان الكف عمن كف منهم، وأنه لن يبدأهم بقتال إلا إذا بدؤه (٢). المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٦

стр. 2067

المبحث العاشر: قتالهم قال الله تعالى: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا [الكهف: ١٧]. إنه إذا انغلقت القلوب عن سماع صوت الحق، وحجبت العقول عن الحوار والمناقشة لم يبق إلا تحكيم أمر الله فيهم برد بغيهم إذ هم أعرضوا عما تقدم، لذلك قال علي ﵁ للخوارج: "ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا".

стр. 2068

فلما بدأ الخوارج باستعراض المسلمين وقتلهم كان لابد من حفظ أمن البلاد، وإقامة حدود الله، فسار علي ﵁ والصحابة الفضلاء معه لقتال الخوارج. لقد وردت نصوص نبوية عديدة، تحض على قتال الخوارج، يقول الرسول ﷺ : ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (١)، ويقول: ((قتالهم حق على كل مسلم)) (٢)، ويبين ﵊ أجر من يقاتلهم فيقول: ((فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) (٣).كما أن الرسول ﷺ أشار إلى أن علياً ﵁ سيلي هذا الأمر، يقول علي بن أبي طالب: إني دخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة، فقال: ((كيف أنت وقوم كذا وكذا (٤)؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: ثم أشار بيده فقال: قوم يخرجون من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ... الحديث)) (٥).ولكن كانت النصوص صريحة بوجوب قتال الخوارج. اتفقت كلمة الصحابة رضوان الله عليهم على قتالهم، وقاتلهم علي بن أبي طالب وجمع من الصحابة. وكان عبدالله بن عمر يرى أن قتال الحرورية حقا واجبا على المسلمين (٦). لذلك أراد ﵁ أن يقاتل نجدة الحروري حين أتى المدينة يغير على ذراريهم، فقيل له: إن الناس لا يبايعونك على هذا، فتركه (٧). وقال ﵁: "ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا" (٨).ويقول معاوية بن قرة (٩): "خرج محكم في زمان أصحاب رسول الله ﷺ فخرج عليه بالسيف رهط من أصحاب رسول الله منهم عائذ بن عمر (١٠) (١١).ويقول الأزرق بن قيس (١٢): "كنا بالأهواز نقاتل الخوارج وفينا أبو برزة الأسلمي ﵁" (١٣).وكذلك قاتلهم معاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة (١٤).

стр. 2069

ولما عزم علي بن أبي طالب على قتال الخوارج وأراد السير إليهم بين للمسلمين مبررات قتالهم، وأعلمهم بحكم هذا القتال ووجوبه، وبشرهم بالأجر الجزيل لمن يقاتل الخوارج كما ورد عن رسول الله ﷺ فقال: ((أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء. يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) (١)، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام (٢) وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. يقول زيد بن وهب الجهني (٣)، وكان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ لقتال الخوارج: مررنا على قنطرة (٤). فلما التقيا وعلى الخوارج يومئذ عبدالله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم (٥)، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم (٦). قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي ﵁: (التمسوا منهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروه، فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله ... الحديث) (٧).فالصحابة ﵃ بينوا للناس مبررات قتالهم للخوارج، وشجعوهم على ذلك، وبينوا الأجر العظيم في قتالهم. بل إن عبدالله بن الزبير ﵄ كان يجزل العطايا من الأموال لمن يقاتلهم (٨).

стр. 2070

أما عن سنة الصحابة ﵃ في قتالهم الخوارج فتتضح من خلال ما فعله علي ﵁ والصحابة معه حينما قاتلوهم في النهروان، ويمكن تلخيص شيء منها في الآتي:١ - إن الخوارج لا يبدءون بقتال، ولا يعتدى عليهم بالقتل ما داموا فقط يرون رأي الخوارج، ولا يقاتلون حتى يقتلوا المسلمين أو يقطعوا السبيل حينها يجب على ولي الأمر ردعهم وقتالهم (١).٢ - يجب إقامة الحجة عليهم، وتقديم النصح لهم، ووعظهم قبل بدئهم بالقتال (٢).قال الطبري: "لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق، والإعذار إليهم" (٣). ٣ - إعطاء الأمان لمن يستسلم ويرجع عن باطله وضلاله، ولم يتعرض لقتل المسلمين.٤ - لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم – إلا إن كان فارا يتقوى – ولا يسبى منهم سبي، إذ لم يعاملهم علي معاملة الكفار المرتدين، ولم يعاملهم معاملة أهل البغي كأهل الجمل وصفين، بل جعلهم قسما ثالثا (٤).٥ - لذلك أخذ ما كان في ساحة المعركة من سلاح وكراع وقسمه بين أصحابه، وهذا لم يفعله مع أهل الجمل. كما أنه لم يأخذ كل أموال الخوارج كالكفار المرتدين، بل أخذ ما كان في ساحة المعركة (٥). ٦ - الاستمرار في قتال الخوارج ما قاتلوا وأفسدوا وخرجوا على المسلمين بالسيف، ولا يكف عنهم حتى يكفوا عن المسلمين. فعلي ﵁ بعد النهروان خرج عليه جماعات من الخوارج فقاتلهم، وكذلك فعل معاوية ﵁ (٦).٧ - إن فرت جماعات من الخوارج لتتقوى وتخرج فإنهم يطاردون لتستأصل فلولهم، وتقهر قوتهم، وتكسر شوكتهم (٧). مسألة: أ- ما حكم الواحد المقدور عليه إن كان على رأي الخوارج؟ يختلف حكمه باختلاف حاله، ولولي الأمر أن يتعامل معه حسب خطره، وحسب مصلحة المسلمين، فله حبسه أو قتله، أو تخلية سبيله. يقول ابن تيمية ﵀: "فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية، والرافضة ونحوهم فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد ... فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا. ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة" (٨). - ما الحكم إذا تاب الخارجي وأراد الرجوع إلى الحق، فما الحكم فيما سفك من دم أو سلب من مال؟ سئل الإمام أحمد بن حنبل عن ذلك فقال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فرأوا أن يهدر كل دم أصيب على تأويل القرآن. قيل له: مثل الحرورية؟ قال: نعم، قال: فأما قاطع طريق فلا" (٩). واستثنى من ذلك أن يوجد المال قائما بعينه فإنه يعاد إلى أصحابه (١٠). المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٧
следующие страницы →