المبحث التاسع: إعطاء الأمان لمن رجع منهم ومحاولة استصلاحه، وإعلان الكف عمن كف منهم ورجع
لقد كان لإعطاء الأمان، وفتح باب الرجعة والتوبة للخوارج أثر كبير في رجوع جماعات كثيرة منهم خاصة إذا بانت قوة الدولة وقدرتها على السيطرة على الأوضاع، والتضييق عليهم. فعلي بن أبي طالب ﵁ رفع راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري يوم النهروان لمن يرجع من الخوارج، فأعطى الأمان لكل من اعتزل القتال واعتزل جيش الخوارج سواء انضم لراية أبي أيوب أو سار إلى الكوفة أو إلى المدائن فهو آمن. لذلك ناداه أبو أيوب وقال: "من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم" (١).
فاعتزل من الخوارج قرابة الثلث لما فتح باب التوبة والعودة وأعطوا الأمان، وبين لهم أن سفك الدماء ليس هو المقصود بل إقامة الحق وتحكيم أمر الله هو المطلوب. إن من الوسائل الناجحة في التعامل مع الخوارج إعطاؤهم الأمان إن عادوا، وإعلان الكف عمن كف منهم، وأنه لن يبدأهم بقتال إلا إذا بدؤه (٢).
المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٦
стр. 2067
المبحث العاشر: قتالهم
قال الله تعالى: مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا [الكهف: ١٧].
إنه إذا انغلقت القلوب عن سماع صوت الحق، وحجبت العقول عن الحوار والمناقشة لم يبق إلا تحكيم أمر الله فيهم برد بغيهم إذ هم أعرضوا عما تقدم، لذلك قال علي ﵁ للخوارج: "ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا".
стр. 2068
فلما بدأ الخوارج باستعراض المسلمين وقتلهم كان لابد من حفظ أمن البلاد، وإقامة حدود الله، فسار علي ﵁ والصحابة الفضلاء معه لقتال الخوارج. لقد وردت نصوص نبوية عديدة، تحض على قتال الخوارج، يقول الرسول ﷺ : ((لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (١)، ويقول: ((قتالهم حق على كل مسلم)) (٢)، ويبين ﵊ أجر من يقاتلهم فيقول: ((فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)) (٣).كما أن الرسول ﷺ أشار إلى أن علياً ﵁ سيلي هذا الأمر، يقول علي بن أبي طالب: إني دخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة، فقال: ((كيف أنت وقوم كذا وكذا (٤)؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: ثم أشار بيده فقال: قوم يخرجون من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ... الحديث)) (٥).ولكن كانت النصوص صريحة بوجوب قتال الخوارج. اتفقت كلمة الصحابة رضوان الله عليهم على قتالهم، وقاتلهم علي بن أبي طالب وجمع من الصحابة. وكان عبدالله بن عمر يرى أن قتال الحرورية حقا واجبا على المسلمين (٦). لذلك أراد ﵁ أن يقاتل نجدة الحروري حين أتى المدينة يغير على ذراريهم، فقيل له: إن الناس لا يبايعونك على هذا، فتركه (٧). وقال ﵁: "ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا" (٨).ويقول معاوية بن قرة (٩): "خرج محكم في زمان أصحاب رسول الله ﷺ فخرج عليه بالسيف رهط من أصحاب رسول الله منهم عائذ بن عمر (١٠)(١١).ويقول الأزرق بن قيس (١٢): "كنا بالأهواز نقاتل الخوارج وفينا أبو برزة الأسلمي ﵁" (١٣).وكذلك قاتلهم معاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة (١٤).
стр. 2069
ولما عزم علي بن أبي طالب على قتال الخوارج وأراد السير إليهم بين للمسلمين مبررات قتالهم، وأعلمهم بحكم هذا القتال ووجوبه، وبشرهم بالأجر الجزيل لمن يقاتل الخوارج كما ورد عن رسول الله ﷺ فقال: ((أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء. يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)) (١)، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام (٢) وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. يقول زيد بن وهب الجهني (٣)، وكان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ لقتال الخوارج: مررنا على قنطرة (٤). فلما التقيا وعلى الخوارج يومئذ عبدالله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم (٥)، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم (٦). قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي ﵁: (التمسوا منهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروه، فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله ... الحديث) (٧).فالصحابة ﵃ بينوا للناس مبررات قتالهم للخوارج، وشجعوهم على ذلك، وبينوا الأجر العظيم في قتالهم. بل إن عبدالله بن الزبير ﵄ كان يجزل العطايا من الأموال لمن يقاتلهم (٨).
стр. 2070
أما عن سنة الصحابة ﵃ في قتالهم الخوارج فتتضح من خلال ما فعله علي ﵁ والصحابة معه حينما قاتلوهم في النهروان، ويمكن تلخيص شيء منها في الآتي:١ - إن الخوارج لا يبدءون بقتال، ولا يعتدى عليهم بالقتل ما داموا فقط يرون رأي الخوارج، ولا يقاتلون حتى يقتلوا المسلمين أو يقطعوا السبيل حينها يجب على ولي الأمر ردعهم وقتالهم (١).٢ - يجب إقامة الحجة عليهم، وتقديم النصح لهم، ووعظهم قبل بدئهم بالقتال (٢).قال الطبري: "لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق، والإعذار إليهم" (٣).
٣ - إعطاء الأمان لمن يستسلم ويرجع عن باطله وضلاله، ولم يتعرض لقتل المسلمين.٤ - لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم – إلا إن كان فارا يتقوى – ولا يسبى منهم سبي، إذ لم يعاملهم علي معاملة الكفار المرتدين، ولم يعاملهم معاملة أهل البغي كأهل الجمل وصفين، بل جعلهم قسما ثالثا (٤).٥ - لذلك أخذ ما كان في ساحة المعركة من سلاح وكراع وقسمه بين أصحابه، وهذا لم يفعله مع أهل الجمل. كما أنه لم يأخذ كل أموال الخوارج كالكفار المرتدين، بل أخذ ما كان في ساحة المعركة (٥).
٦ - الاستمرار في قتال الخوارج ما قاتلوا وأفسدوا وخرجوا على المسلمين بالسيف، ولا يكف عنهم حتى يكفوا عن المسلمين. فعلي ﵁ بعد النهروان خرج عليه جماعات من الخوارج فقاتلهم، وكذلك فعل معاوية ﵁ (٦).٧ - إن فرت جماعات من الخوارج لتتقوى وتخرج فإنهم يطاردون لتستأصل فلولهم، وتقهر قوتهم، وتكسر شوكتهم (٧).
مسألة:
أ- ما حكم الواحد المقدور عليه إن كان على رأي الخوارج؟
يختلف حكمه باختلاف حاله، ولولي الأمر أن يتعامل معه حسب خطره، وحسب مصلحة المسلمين، فله حبسه أو قتله، أو تخلية سبيله.
يقول ابن تيمية ﵀: "فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية، والرافضة ونحوهم فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد ... فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا. ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدة راجحة" (٨).
- ما الحكم إذا تاب الخارجي وأراد الرجوع إلى الحق، فما الحكم فيما سفك من دم أو سلب من مال؟ سئل الإمام أحمد بن حنبل عن ذلك فقال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فرأوا أن يهدر كل دم أصيب على تأويل القرآن. قيل له: مثل الحرورية؟ قال: نعم، قال: فأما قاطع طريق فلا" (٩). واستثنى من ذلك أن يوجد المال قائما بعينه فإنه يعاد إلى أصحابه (١٠).
المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤٦٧
стр. 2071
الفصل الحادي عشر: محاورات علي بن أبي طالب ﵁ للخوارج
وقعت بين الإمام علي وبين الخوارج -قبل نشوب المعركة- عدة محاورات، وحينما طلب منهم علي ﵁ بيان أسباب خروجهم عنه أجابوه بعدة أشياء منها:
لماذا لم يبح لهم في معركة الجمل أخذ النساء والذرية كما أباح لهم أخذ المال؟
لماذا محى لفظة أمير المؤمنين وأطاع معاوية في ذلك عندما كتب كتاب (الهدنة في صفين)، وأصر معه على عدم كتابة (علي أمير المؤمنين)؟
قوله للحكمين: إن كنت أهلاً للخلافة فأثبتاني. بأن هذا شك في أحقيته للخلافة.
لماذا رضي بالتحكيم في حق كان له.
هذه أهم الأمور التي نقموا عليه من أجلها كما يزعمون، وقد أجابهم عن كل تلك الشبه ودحضها جميعاً حيث أجابهم عن الشبهة الأولى والتي تدل على جهلهم بما يلي:
أباح لهم المال بدل المال الذي أخذه طلحة والزبير من بيت مال البصرة، ثم هو مال قليل.
النساء والذرية لم يشتركوا في القتال وهم أيضاً مسلمون بحكم دار الإسلام ولم تكن منهم ردة تبيح استرقاقهم.
قال لهم: لو أبحت لكم استرقاق النساء والذرية فأيكم يأخذ عائشة سهمه فخجل القوم من هذا ورجع معه كثير منهم كما قيل.
وأجابهم على الشبهة الثانية:
١ - بأنه فعل كما فعل رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وذكر -إن صحت الرواية- أنه قال: أخبرني رسول الله ﷺ أن لي منهم يوماً مثل ذلك.
والله أعلم بصحة هذه الرواية التي يتناقلها المؤرخون، ذلك أن معاوية ﵁ ما كان يطالب بالخلافة حتى يحق له أن يطلب محو كلمة (أمير المؤمنين). ومعاوية كذلك كان يعرف أسبقية علي وفضله، وإنما النزاع حول أمر آخر غير الخلافة، اللهم إلا أن يكون هذا الفعل من صنيع المفاوضين دون علم معاوية بذلك.
وأجابهم عن الشبهة الثالثة على افتراض صحة الرواية عنه: بأنه أراد النصفة لمعاوية ولو قال: احكما لي؛ لم يكن تحكيماً، ثم استدل بقصة وفد نصارى نجران ودعوة الرسول ﷺ لهم إلى المباهلة لإنصافهم.
وأجابهم عن الشبهة الرابعة: بأن رسول الله ﷺ حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة في حق كان له.
ثم نشبت المعركة مع من بقي منهم على عناده وهزم الخوارج شر هزيمة، وتذكر بعض كتب الفرق أنه لم يَنْجُ من الخوارج إلا تسعة، ولم يُقتل من جيش عليّ إلا تسعة (٣١٦)، وصار هؤلاء التسعة من الخوارج هم نواة الخوارج في البلدان التي ذهبوا إليها، وفي هذا نظر (٣١٧)، وقتل زعيم الخوارج في هذه المعركة وهو عبد الله بن وهب الراسبي سنة ٣٧ هـ أو ٣٨هـ.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٣٥
أرسل علي بن أبي طالب ﵁ ابن عباس ﵄ إلى الخوارج بحروراء ليناظرهم في حجتهم في خروجهم لإرجاعهم إلى الطاعة، وقد تناول المؤرخون وأهل الفرق ذكر كيفية تلك المناظرة بروايات مختلفة كما سنرى.
стр. 2072
فيذكر ابن الأثير أن ابن عباس ﵁ لما أرسله علي إليهم وأوصاه أن لا يعجل إلى خصومتهم حتى يأتي، فلما وصل إليهم أقبلوا إليه يكلمونه فلم يصبر أن راجعهم الكلام فقال لهم: ما نقمتم من الحكمين وقد قال تعالى: إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا [النساء:٣٥]، فكيف بأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه؟! فرد الخوارج الجواب مفصلا بقولهم: أما ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة وفي السارق القطع فليس للعباد أن ينظروا في هذا". فاستشهد ابن عباس بقوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ [المائدة:٩٥]، ولكن هذه الآية عندهم ليست بدليل له فليس الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين، وادعوا أن الله أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا (١).ويذكر ابن عبد ربه أن ابن عباس لما وصل إلى الخوارج رحبوا به وأكرموه فرأى منهم جباها قرحة لطول السجود وأيديا كثفنات الإبل، وعليهم قمص مرحضة (٢)، وهم مشمرون وأنهم قالوا له: إنا أتينا ذنبا عظيما حين حكمنا الرجال في دين الله فإن تاب كما تبنا وينهض لمجاهدة عدونا رجعنا. وأن ابن عباس أخذ في تقريرهم بحجج سلموا بصحتها واقتنعوا بصدقها حيث أخذ يناشدهم الله إلا صدقوا مع أنفسهم فقال لهم: أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم، وفي شقاق رجل وامرأته؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل الحديبية؟ قالوا: نعم، ولكن عليا محا نفسه من خلافة المسلمين. قال ابن عباس: ليس ذلك يزيلها عنه وقد محا رسول الله ﷺ اسمه من النبوة، وقال سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله ما حاربتك، فقال للكاتب: ((اكتب محمد بن عبد الله)). وقال لهم ابن عباس حينما قالوا له: إن عليا قد كفر حين حكم فليتب – قال لهم ابن عباس: "ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يقر على نفسه بالكفر" (٣).
стр. 2073
وقد ذكر صاحب (إبانة المناهج) المحاورة بين ابن عباس والخوارج وأنهم قالوا له في انتقادهم عليا: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ لئن كانوا كفارا لقد حلت لنا أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت علينا دماؤهم، وأنه محا عن اسمه إمارة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. فأجابهم ابن عباس على الشبهة الأولى بقوله: "وأما قولكم إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم؛ أتسبون أمكم عائشة أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟! فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام. إن الله تعالى يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦]. فأنتم ترددون بين ضلالين فاختاروا أيهما سلمتم أخرجت من هذه. قالوا: اللهم نعم". إلى آخر ما في تلك المحاورة التي ألزمهم فيها الحجة مما لا نطيل القول بذكره (١). وذكر الشاطبي أن ابن عباس أتى الحرورية وهم قائلون بعد أن استأذن من علي وطلب إليه أن لا يفوته بالصلاة بل يبرد حتى يأتي القوم، فأتاهم وعليه حلة فقالوا: ما هذه الحلة عليك؟ قال: قلت: ما تعيبون من ذلك؟! فلقد رأيت رسول الله ﷺ وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، قال: ثم قرأت هذه الآية قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:٣٢]، فقالوا: ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله ﷺ وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ ، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم. فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، فقال بعضهم: بلى فلنكلمه: قال: فكلمني منهم رجلان أو ثلاثة (٢). ثم روى الشاطبي المناظرة التي جرت بينهم بما لا يكاد يختلف عن روايات غيره ممن سبق وكلها تظهر إلزام ابن عباس للخوارج بالحجة التي تدمغهم في خروجهم على الإمام علي ﵁.
ولكن الواضح يختلف عند صاحب (كشف الغمة) في إيراده لهذه المناظرة؛ فقد أورد ما ذكره ابن عباس في مجادلته لهم، ولكنه ذكر حججا طويلة للخوارج يقرون بها ابن عباس، وفي كل مرة يقول: اللهم نعم – حاصلها أن التحكيم في قضية الصيد لا يكون إلا لمن لا يستحل قلته، وأما معاوية وعمرو بن العاص فهم يستحلون دماء المسلمين ويستحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله – حسب افترائه -؛ فلا تجوز حكومتهم في هذه المسألة وإن تحكيم علي لأبي موسى وهو الرجل الشاك في قتال الفئة الباغية، وممن كان يخذل عن القتال – أمر لا يجوز الوقوع فيه أيضا. والمناقشة طويلة ومعروفة لا تخرج عما تقدم.
стр. 2074
إلا أن المؤلف انفرد بذكر أشياء لم يذكرها غيره، وهي أنه كان من ضمن الشروط أن أيما رجل أحدث حدثا من أصحاب علي ودخل في دين معاوية وحكمه؛ فليس لعلي إقامة ذلك الحد عليه لدخوله في دين معاوية وحكمه، وكذلك من أحدث من أصحاب معاوية ودخل في دين علي فليس لمعاوية إقامة ذلك الحد عليه. فهل كان من المعقول أن يتفق علي ومعاوية على تعطيل الحدود فيما بينهما؟! وقد ساق صاحب كشف الغمة ذلك الحوار كله على نحو يدلل فيه على أن معاوية وجيشه هم فئة باغية لا يجوز ترك قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ولكن عليا لم يقف - في نظره – عند هذا الحكم الشرعي فيهم لهذا فهم براء منه. ثم قال المؤلف أخيرا يبين ما انتهت إليه محاورة ابن عباس للخوارج: "وانصرف من عندهم – يعني ابن عباس – وهو مقر لهم ومعترف لهم أنهم قد خصموه ونقضوا عليه ما جاء به مما احتج به عليهم، فقال له علي: ألا تعينني على قتالهم. فقال له: لا والله لا أقاتل قوما خصموني في الدنيا وإنهم يوم القيامة لي أخصم وعلي أقوى إن لم أكن معهم لم أكن عليهم واعتزل عنه ابن عباس ﵁ ثم فارقه". ويذكر أيضا أنه قال لعلي: "فكف عن القوم فإني على ما أفلجوه" (١).ولا يخفى ما فيه رواية هذا المؤلف الخارجي لمناظرة ابن عباس من الهوى والميل إلى جانب الخوارج بإظهارهم وكأنهم في موقفهم هذا يلتزمون الحق ويلزمون الخصوم بالحجة، حتى عاد ابن عباس من عندهم مقرا لهم وملزما بحجتهم كما يزعم، خلافا لما ذكر جميع المؤرخين وكتاب (الفرق)، مهما اختلفت رواياتهم في إيراد تلك المناظرة وفي ذكر عدد من رجع من الخوارج مع ابن عباس بعد أن ألزمهم الحجة؛ ذلك أن ابن عبد ربه يذكر أن الذين رجعوا مع ابن عباس ألفان وبقي أربعة آلاف (٢). أما ابن كثير فيذكر أن ابن عباس ناظر الخوارج ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف (٣). وقد بالغ صاحب إبانة المناهج فذكر أن الذين رجعوا مع ابن عباس عشرون ألفا وبقي أربعة آلاف (٤).
стр. 2075
وأياً كانت النتيجة التي انتهى إليها ابن عباس، وأيا كان العدد الذي عاد معه من الخوارج قبل أن يناظرهم الإمام علي بنفسه حسب الروايات السابقة، فهناك رواية أخرى للطبري وابن الأثير فيها أن علياً لحق بابن عباس وهو لا يزال يناظرهم، فقال لابن عباس كما يروي الطبري: "انته عن كلامهم ألم أنهك رحمك الله. ثم تكلم فحمد الله ثم أثنى عليه فقال: اللهم إن هذا مقام من أفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة ومن نطق فيه وأوعث فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. ثم قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكوا. قال علي: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: أنشدكم بالله أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم. إنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن إني صحبتهم وعرفتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال؛ امضوا على حقكم وصدقكم فإنما رفع القوم هذه المصاحف خديعة ودهنا ومكيدة فرددتم علي رأيي وقلتم: لا، بل نقبل منهم. فقلت لكم: اذكروا قولي لكم ومعصيتكم إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن وإن أبيا فنحن من حكمهما براء. قالوا له: فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء. فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق إنما يتكلم به الرجال. قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك وبينهم. قال: ليعلم الجاهل ويثبت العالم ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة". وبعد انتهاء هذه المحاورة طلب منهم أن يدخلوا الكوفة فدخلوا من عند آخرهم (١).وقد أظهر الخوارج في نهاية المحاورة أنهم اعترفوا بصحة ما قاله، وأنهم أتوا ذنبا كفروا به ثم تابوا وقالوا له: "فتب كما تبنا نبايعك وإلا فنحن مخالفون"، ويزعمون أنه بايعهم على هذا. وقد كذبوا كما يقول الطبري وابن الأثير في هذا الزعم (٢)، لأنهم رتبوا عليه خروجهم إلى النهروان حينما أشيع أن عليا رجع عن اعترافه بخطئه في التحكيم حسب ما يرويه أبو رزين بقوله: "فخرج إليهم علي فكلمهم حتى وقع الرضا بينه وبينهم فدخلوا الكوفة فأتاه رجل فقال: إن الناس قد تحدثوا أنك رجعت لهم عن كفرك. فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه وقال: من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب ومن رآها ضلالا فهو أضل منها". فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: (لا حكم إلا لله)، واستقبله رجل منهم واضعا أصبعيه في أذنيه فقال: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥]، فقال علي: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم: ٦٠] وحين شاهد على هذا النفور منهم جعل يقلب يديه على المنبر ويقول: "حكم الله ينتظر فيكم – مرتين، إن لكم عندنا ثلاثا: لا نمنعكم صلاة في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما كانت أيديكم في أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا" (٣). فكان الناس يقولون لعلي: إنهم خارجون عليك. فقال: "لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسيفعلون" (٤).
ويبدوا من هذا – إن صحت الرواية السابقة عنه – أن الخوارج حينما رجعوا لو عوملوا ببعض الأناة ربما كانت تلك العاصفة قد مرت بسلام، لولا ما جاء به ذلك الرجل إلى الإمام علي ثم قيام الإمام علي بإعلان تكذيب ما نسب إليه على رؤوس الناس وإخبارهم أنه لم يرجع عن الحكومة وأن الذين رأوها ضلالا هم الضلال، فإن هذا – وإن كان هو اللائق بالإمام علي الذي لا يعرف الخداع والمداهنة – هو الذي جر عليه غضب هؤلاء وانهدم ما أمله فيهم حين رجوعهم من حروراء إلى الكوفة؛ فقد صدق ما توقعه منهم من قتالهم له فخرجوا من الكوفة متواعدين على اللقاء بالنهروان وإن حيث كانت الموقعة الكبرى بين الفريقين بزعامة عبد الله بن وهب الراسبي.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٧٥
стр. 2076
تمهيد
رأينا في حركات الخوارج الثورية على الخلافة الأموية والعباسية كيف أنها لم تفد في تحقيق ما يريدون من الإصلاح في الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية خلال هاتين الدولتين بل ولم يستطع الخوارج أن يقيموا من خلالها مجتمعا خاصا بهم يحكمهم حسب آرائهم، وإنما كانت تلك الحركات مجرد فورات سرعان ما ينتهي أمرها – طال الأمد أو قصر – بإضعاف شوكة الخوارج أو القضاء على فلولهم المهزومة.
وإذا كانوا قد شغلوا الخلافة الإسلامية خلال هذه السنوات الطويلة فإن الصراع الذي دار بينهم وبينها لم تكن محصلة إيجابية بالنسبة لهم أو لغيرهم، وإنما كانت محصلته هو إنهاك قوة الدولة وقوتهم هم أيضا في تلك الحروب الأهلية الضارية.
حقا قد كانت جيوش الخلافة بالمرصاد لهذه الحركات الثائرة وسط الدولة الإسلامية وفي المناطق التي سهل على تلك الجيوش لقاؤهم بها ولا سيما إبان قوة هذه الدولة.
ومع ذلك فقد أفلح بعض الخوارج في بعض المناطق الوعرة في الدولة الإسلامية كعمان وفي الأطراف النائية لتلك الدولة كالمغرب العربي – أفلح هؤلاء الخوارج في إقامة دولة لهم كان لهم فيها حكم ولهم عليها سلطان، وتتمثل تلك الدولة الخارجية في دولة الإباضية في عمان ودولتهم هم والصفرية في المغرب العربي، وسوف نوجز الحديث هنا عن هاتين الدولتين وأئمتهم وموقف الخلافة الإسلامية منهم.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٦١
стр. 2077
المطلب الأول: دولة الإباضية في عُمان دخل المذهب الإباضي إلى عمان مبكرا واستقر هناك وتكون له أتباع وأخذوا في الازدياد مع مرور الزمن إلى أن أصبح كما يقول لوريمر: " يتمتع بنفوذ واسع أو على الأقل له من النفوذ مثل ما لغيره "، " وسرعان ما تبنى أهل عمان مبادئ المذهب الإباضي ويقال إنه بمطلع القرن ١٣م لم تصبح هذه المبادئ مسيطرة فقط ولكنها أصبحت لها صفة عامة تقريبا " (١).
وهكذا انتشر المذهب الإباضي في تلك البقاع النائية من الجزيرة العربية ذات المسالك الوعرة التي ساعدتهم في استقلالهم الذي طالما كانوا ينزعون إليه في عهد الدولتين الأموية والعباسية، متأثرين بنظريتهم الخاصة تجاه الخلافة الوراثية في دمشق أو بغداد وهو ما لا يتفق وآراؤهم الاعتقادية.
أما عن الكيفية التي دخل بها المذهب إلى هناك فمن المعروف أن معركة النهروان قد أتت على قسم كبير منهم ونجا منها من كتبت له النجاة، وبعدها فر من بقي منهم إلى مناطق بعيدة عن مركز الخلافة وأخذوا في نشر مبادئ الخوارج بين القبائل التي آوتهم يغمرهم الحقد الدفين على ما ناله إخوانهم من قتل على يد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ وأتباعه، ومن هنا يذهب لوريمر إلى القول بأن الذي أنشأ المذهب في عمان هو رجل من الخوارج الذين نجوا من تلك المعركة. " ويقال إن مبادئ الإباضية أدخلها إلى عمان أحد الخوارج الذين نجوا من الهلاك الذي حل بجماعتهم كحزب سياسي على يد علي بن أبي طالب في معركة النهروان، وهذا يؤكد أن مذهب الإباضية يرجع في أصله إلى الخوارج" (٢). بينما يرى السالمي أن انتشار المذهب الإباضي في عمان كان على يدي عبد الله بن إباضي ويقول في ذلك: " والرواة المسلمون يذكرون بأنه قدم إلى عمان رجلان أحدهما الإمام عبد الله بن إباضي ونشر هناك مبادئ المحكمة (٣) "
وسوف يكون لنا في الفصل التالي حديث عن فرقة الإباضية وعن بدء نشأتها وسبب نسبتها بعد ذلك إلى عبد الله بن إباضي.
وعلى كل فقد اشتد ساعد المذهب الإباضي في عمان ومن هنا اتجهوا إلى التفكير في إقامة دولة باسمهم مستقلة بنفسها عن التبعية للخلافة العباسية، وقد بدأت محاولة تكوين تلك الدولة سنة ١٢٩هـ في آخر دولة بني أمية وأول دولة بني العباس.
فلما أنس أهل عمان من أنفسهم القوة ثاروا بقصد الاستقلال عن الخلافة وكان ذلك على عهد السفاح وولاية أخيه المنصور على العراق الذي عين بدوره واليا من قبله على عمان، إلا أن العمانيين كانت نظرتهم كنظرة أسلافهم من الخوارج يرون أن توارث الخلافة أمر غير شرعي، لهذا فلم تكن الدولة العباسية بأحسن حالا من الدولة الأموية عندهم.
فقامت الثورة في عمان وانتخبوا أول إمام لهم وهو " الجلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي " ولكنه لم يدم في الحكم إلا سنتين وشهرا واحدا؛ إذ إن نزعته إلى استقلال عمان عن الدولة العباسية أغضبتهم عليه فتقابل في معركة مع جيش الخلافة الذي يقوده خازم بن خزيمة، والتحموا في معركة أسفرت عن قتل الجلندي وأصحابه وانتهت حركة النزوع إلى الإمامة وظلت عمان جزءا من الدولة العباسية إلى سنة ١٧٧هـ.
стр. 2078
فقام إمام آخر لهم وهو " محمد بن أبي عفان الأزدي " واجتمعوا على طاعته ولكنهم نقموا عليه أخيرا أنه تجاوز الحدود وتكبر، فخلعوه سنة ١٧٩هـ وولوا عليهم إماما آخر ويسمى " الوارث بن كعب الخروصي " فأحسن فيهم السيرة وأحبوه، واجتمعت عليه كلمتهم وحارب بهم جيش الخلافة الذي أرسل لإخضاعهم بقيادة عيسى بن جعفر عم الخليفة هارون الرشيد فانتصر الوارث وأخذ عيسى أسيرا وأودع السجن إلى أن قتل، ثم انتهت مدة الوارث ومات غريقا في أثناء محاولته إنقاذ سجناء كان السيل قد داهمهم بعد حكم دام اثني عشر عاما أي أنه تولى إلى سنة ١٩٢هـ.
فبايع الإباضية بعده " غسان بن عبد الله " وكان يوصف بحزم وبأس فأمن البلاد وقضى على الفتن وازدهرت في عهده عمان، بل وحاول أن يوسع نفوذه إلى الهند ولكنه توفي قبل تحقيق هدفه سنة ٢٠٧هـ. فبايع الإباضية بعده الإمام " عبد الملك بن حميد الأزدي " فسار فيهم سيرة ارتضوها كسابقه إلى أن توفي سنة ٢٢٦هـ. فاختير بعده الإمام " المهنا بن جيفر اليحمدي الخروصي "، فحمد الإباضية سيرته وانتعشت على عهده البلاد وكان رجلا مهيبا حازما لا يجرؤ أحد على التكلم في مجلسه كما يصفه علماء الإباضية (١)، وكون له جيشا كثيفا وأسطولا قويا إلى أن توفي سنة ٢٣٧هـ.
فانتخبوا بعده الإمام " الصلت بن مالك الخروصي " بالإجماع، وقد حدث في أثناء حكمه اعتداء من الحبشة فهاجموا جزيرة سقطرى واحتلوها وقتلوا عامل الصلت عليها، فكون عند ذاك الإمام الصلت جيشا وكون أسطولا يبلغ أكثر من مائة سفينة التحم من الأحباش في معركة انتصر فيها الإمام وانهزمت الأحباش تاركين سقطرة للإمام الصلت، وكانت ولايته طويلة؛ لهذا فقد طلب منه أن يتنازل نظرا للمصلحة في ذلك، فتنازل سنة ٢٧٣هـ وعاش كواحد من الناس إلى أن توفي.
وبعد تنازله عين الإمام " راشد بن النظر اليحمدي الخروصي "، وفي عهده برزت العصبية القبلية بين العدنانية واليمانية واشتد ساعدها حتى كاد أن يذهب ضحية لها؛ فقد أراد خصومه الإطاحة به ولكنه قاومهم في معركة تسمى معركة الروضة انتصر فيها على معارضيه وقتل منهم كثيرا، واستمر أربع سنوات أرغم في نهايتها على التنازل سنة ٢٨٠هـ.
فتولى الأمر بعده الإمام " عزان بن تميم الخروصي " سنة ٢٧٧هـ، واشتد ضرام العصبية القبلية واشتعلت الفتن وأصبح الأمر على غاية ما يتوقع من المكروه فأنشب بأنصاره معركة مع معارضيه فهزمهم، فذهب بعض من المنهزمين مستصرخين المعتضد الخليفة العباسي لنصرتهم على عزان ومن معه، فكانت فرصة ذهبية للعباسيين للانقضاض على عمان والاستيلاء عليها وإعادتها إلى حظيرة الخلافة، فأمر عامله محمد بن بور بفتح عمان فوجه هذا خمسة وعشرين ألفا لفتحها، فلما علم أهل عمان بهذا الجيش خافوا منه وصاروا يتسللون هربا عن الإمام عزان إلى أن بقي معه من بقي، فتقابل مع جيوش الخلافة في معركة انتهت بقتل الإمام بل وبانتهاء الإمامة من عمان لمدة أربعين عاما أي من سنة ٢٨٠ إلى سنة ٣٢٠هـ، حين تولى الإمام " سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب "، وكان مطاعا في الكل موصوفا بالصلاح بينهم إلى أن قتل سنة ٣٢٨هـ. وبعد سعيد بايع الإباضية رجلا أخباره مجهولة عند الإباضية ويسمى " راشد بن الوليد ". يقول عنه محمد السالمي أنه " تولى الإمامة بعد سعيد بن عبد الله وأخباره مجهولة لقلة التواريخ" (٢). وقد حاول أن يصد جيش الخلافة العباسية ولكنه انهزم ثم أمنه العامل العباسي وبعده بقليل مات سنة ٣٤٢هـ، وانتهت الإمامة ودخلت عمان في طاعة الدولة العباسية إلى سنة ٤٠٧هـ.
стр. 2079
فبايع الإباضية الإمام " الخليل بن شاذان "، وطرد عامل الدولة العباسية هناك واجتمعوا على طاعة الخليل إلى أن أسر من قبل العباسيين، فاختاروا بعده رجلا يسمى محمد بن علي ثم أطلق العباسيون الخليل فلما عاد تنازل له " محمد بن علي " عن رضى فاستمر الخليل حاكما إلى سنة وفاته ٤٣٥هـ. فتولى الإمام بعده الإمام " راشد بن سعيد " واجتمعوا على طاعته إلا ما كان من قبيلتي نهد وعقيل فإنهم ثاروا عليه، ولكنه أخمد ثورتهم واستمر في الحكم إلى أن توفي فيقال إنهم بايعوا بعده ابنه حفص واستمر من سنة ٤٤٥هـ إلى ٤٥٣هـ، ولكن محمد السالمي ينفي هذا تماما (١).
ثم تولى بعده أئمة غير مشهورين ومنهم الإمام راشد بن علي الخروصي ولم يرض بعض العلماء عن سيرته، فطلبوا منه التوبة عن أعماله ففعل، فتولى بعده الإمام " عامر بن راشد بن الوليد الخروصي "، وقد أحسن القيام بأمور الحكم إلى أن توفي.
فتولى بعده الإمام " محمد بن غسان بن عبد الله الخروصي "، وقد استمر في الحكم إلى أن توفي والناس مجمعون على طاعته.
فتولى بعده الإمام " الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الخليل بن شاذان " فنقل العاصمة إلى نزوى ثم استمر في مقاتلة بني نبهان إلى أن توفي. ثم تولى إمامة عمان الإمام " محمد بن أبي غسان ". يقول عنه محمد السالمي: " وأخباره قليلة لم نقف على أي شيء منها مع شدة البحث" (٢).ثم تولى بعده الإمام " موسى بن أبي المعالي بن نجاد "، التقى مع محمد بن مالك في معركة قتل فيها موسى بن أبي المعالي ثم تفرق الناس بعده شيعا وهان أمرهم كما قال السالمي، ثم تولى بعده الإمام " خنبش بن محمد بن هشام "، قال السالمي عنه: " ولم نقف على شيء من أخباره " (٣).
هذا وقد ظهرت الفتن وافتراق الكلمة في عمان وكانوا لا يولون هذا إلا ليظهر ذاك.
فتتابع على البلاد أمراء ضعاف ثم أرادوا العودة إلى الإمامة العامة وفعلا تتابع على عمان عدة أئمة منهم:
" الحواري بن مالك " من عام ٨٠٩ إلى ٨٣٢هـ.
" أبو الحسن بن خميس بن عامر " تولى ٨٣٩هـ، وقد صادف بعض الفتن واستمر إلى أن توفي سنة ٨٤٦هـ.
стр. 2080
ثم تولى بعد مدة انقطعت فيها الإمامة الإمام " عمر بن الخطاب بن محمد "، وقد بويع عام ٨٨٥هـ، وقد ثار عليه النباهتة الذين كانوا ينافسونه في أخذ السلطة إلا أنه انتصر عليهم في معركة. وبعد وفاته تولى الإمام " محمد بن إسماعيل الحاضري " سنة ٩٠٦هـ، فأحسن السيرة وأحبته الرعية وأرجع البلاد الأمن والهدوء إلى أن توفي. فبايع الناس بعده ابنه الإمام " بركات بن محمد بن إسماعيل " سنة ٩٤٢هـ فبدأ الاختلاف فيما بينهم واقتتلوا ولم يعد ذلك الهدوء السابق واستمر بهم الأمر من سيء إلى أسوأ، وكثرت الفتن إلى أن توفي الإمام بركات وظهر بعده " أمراء محليون ضعاف لا هم لهم إلا تأكيد نفوذهم والسيطرة على مقدرات الناس دون وجه حق " (١).وبعد أن شهدت البلاد بعض الفتن والتحولات برز أئمة اليعاربة الذين جعلوا عمان " أقوى دولة في المحيط الهندي والخليج العربي وكانت أساطيلها الحربية تحمي إمبراطورية كبيرة " (٢)، وعظم شأنهم واستتب الأمن. ويقول ج. ج. لوريمر: " تميز عهد اليعاربة على العموم بأنه كان عهد أمن داخلي ورخاء ازدادت فيه الثروة وانتصر التعليم كما تميز أيضا بازدياد هائل ومفاجئ في القوة البحرية أدت بالعمانيين إلى القرصنة والدخول في حروب خاطفة غير منتظمة، ابتداء من سنة ١٦٧٧ "، وقد أفاض المؤلف بذكر مقدار قوتهم الحربية ذاكرا لها بالأرقام (٣).
وأول أئمة اليعاربة هو: الإمام " ناصر بن مرشد اليعربي ": تولى الإمامة والبلاد في حالة من الفوضى فوجه اهتمامه إلى بناء الجبهة الداخلية فأحكم قبضته على البلاد، " وبمجرد انتخابه لتولي الإمام في سنة ١٦٢٥ أحال هذا المنصب من مجرد ظل باهت كما كان إلى حقيقة ماثلة بالقوة " (٤)، ثم وجه اهتمامه إلى تدخل البرتغاليين والفرس في بلاده فجهز لهم جيشا انتصر عليهم واسترد منهم بالقوة منطقة جلفار " وأخضع الأقاليم الداخلية بما فيها الشرقية ".
ولم يبق لهم إلا مسقط وصحار أتم تحريرهما خلفه الإمام " سلطان بن سيف اليعربي "، ووسع نفوذه فاستولى على سواحل الهند الغربية وكنج، وافتتح ممباسة وكلوة وزنجبار وهي من سواحل أفريقيا الشرقية والتحم مع البرتغاليين في معارك الساحل الهندي في بومباي، وكون إمبراطورية كبيرة إلى أن توفي.
فخلفه ابنه الإمام " بلعرب بن سلطان اليعربي " فاتجه اهتمامه إلى الإصلاحات الداخلية فبنى الحصون والقلاع وغرس الأشجار وأحيا موات الأرض.
إلى أن ثار عليه أخوه " سيف بن سلطان "، فأحكم قبضته على البلاد، ووسع نفوذه وقوي أمره، وأنشأ بعض الإصلاحات الداخلية كالزراعة وتربية المواشي. إلى أن توفي فخلفه الإمام " سلطان بن سيف بن سلطان اليعربي " سنة ١٦٠هـ، وقد دام حكمه سبع سنوات حارب خلالها الفرس وانتصر عليهم في مواقع كثيرة واهتم بالإصلاحات الداخلية والعمران، يقول عنه الشيخ السالمي: " لقد هم أن يجعل عمان كجنتي مأرب فحال الحمام بينه وبين ما يؤمل، والآجال تقطع الآمال " (٥).
стр. 2081
وبعد وفاته خلفه صبي مراهق يسمى " سيفا " فأرادت العامة أن يتولى الإمام هو ولكن العلماء رأوا أنه لا يجوز توليته مادام في هذا السن، فولوا سرا عن العامة رجلا له قوة في الحكم إلا أنه ليس من العلماء ولكنه كان تحته قبضة العلماء؛ فلا يمضي أمرا إلا بعد أخذ رأيهم فيه، هذا الرجل هو " مهنا بن سلطان بن ماجد اليعربي "، وصرفوا العامة بالمداراة ولبث هذا سنة في الحكم، ثم ثار عليه " يعرب بن بلعرب بن سلطان اليعربي " سنة ١١٣٣هـ، فاستقام له الأمر مؤقتا، ثم انفتحت عليه الفتن وتفرق الناس عنه وأرغم على التنازل عن الحكم إلى الإمام " سيف بن سلطان بن سيف اليعربي " سنة ١١٣٥هـ، وكان صغير السن ثم رأوا أن يعزلوه فعزل.
ثم تولى الأمر " محمد بن ناصر العامري "، وهذا لقي من ثار عليه أيضا فقتل فرجع سيف إلى الحكم، وهكذا دخلوا في فوضى وتفرق. إلى أن جاء حكم البوسعديين فتعاقبوا على الحكم، وكان المؤسس الأول لحكمهم هو الإمام " أحمد بن سعيد "، كان واليا من قبل الإمام سيف علي صحار. هذا ما قاله السالمي عنه، ولكن نجد أن ج. ج. لوريمر يقول عنه بأنه كان تاجرا وقد وضع الإمام سيفه ثقته فيه (١). وكان هذا الرجل عالي الهمة قلما تحين الفرصة إلا وينتهزها لصالحه، وكان الفرس هم العقبة الوحيدة أمامه فعقد معهم معاهدة فلما اشتد ساعده بدأ بالفرس فأقام وليمة كبيرة دعاهم لحضورها، وفي أثنائها ألقى عليهم القبض وقتلهم ثم أجبر الحامية الفارسية في مسقط على الاستسلام فقتل منهم الضباط وكبار رجالهم، وأرسل الباقين في سفن إلى إيران مخفورين وفي أثناء سيرهم أكمل بهم الجنود الباقي فأغرقوا بهم المراكب ورجعوا.
ولا تزال نفسه تتطلع إلى مزيد من الانتصارات، إلا أنه واجه مشكلة كبيرة وهي تصدي " بلعرب بن حمير اليعربي " لمحاربته، فقد كان هذا الأخير قد عين نفسه إماما وعندما سمع بأن أحمد بن سعيد نصب إماما أعد جيشا لإخضاعه فتحصن منه أحمد بن سعيد في قلعة صغيرة بالجبال، وقد رأى – من فطنته – أن يخرج متسللا في زي أعرابي يقود الجمال فاتصل بأتباعه فاجتمع له منهم بضع مئات، ثم قادهم إلى جيش بلعرب المحاصر فما شعروا إلا والطبول تضرب من كل جهة فاندهش بلعرب وظن أنه قد حوصر من قبل جيش غاز قوي فهرب، ولكنه وقع في قبضة أحد أبناء عم أحمد فذبحه فصفا الجو لأحمد بن سعيد ولم يقم أحد لمنافسته فما مات إلا وقد سيطر سيطرة مطلقة على جميع أجزاء عمان. هذا موجز من تاريخه وقد توسع في أخباره ج. ج. لوريمر كثيرا وبين منزلته القيادية وعلاقاته مع الدول الأخرى (٢).ويقول السالمي عنه: " وقد أصدر القاضي – يعني به مفتي عمان آنذاك – قرارا يعلن فيه أن أحمد هو منقذ البلاد ويستحق أن يرفع ليكون إماما للمسلمين، وفعلا أصبح أحمد بن سعيد إمام عمان الفعلي وحاكمها المطلق " (٣).
وما جاء بعده من أسرته فإنهم في نظر الإباضية ليسوا أئمة وإنما هم سلاطين؛ إذ إن الحكم أصبح بعد أحمد بن سعيد وراثيا، وهو الأمر الذي يبطل الإمامة عندهم.
стр. 2082
وقد قام الإمام " عزان بن قيس " بمحاولة لإرجاع البلاد إلى حكم الإمامة الذي غاب عنها زمن، وقد شد أزره علماء البلاد بما أوحوا به إلى العامة من الاستبشار ووجوب نصرته فاجتمع له من القبائل من استجاب له فبدأ محاولته لضم أجزاء عمان إلى إمامته: يقول لوريمر عن علو كلمة العلماء الإباضية في عهد عزان ومنهم سعيد بن خلفان كبير علمائهم ومقدمهم عند الإمام -: " وأضفى سعيد بن خلفان على حكومة عزان طابعا دينيا مسرفا في التعصب، فاستبدل علم عمان الأحمر من قديم الزمان بعلم المطوعة الأبيض، ومنع التدخين وشرب الخمر ومنع الاستماع إلى الأغاني والموسيقى بجميع ألوانها، وألزم أهل مسقط جميعا بالاختلاف إلى المساجد بانتظام وصدرت إليهم التعليمات باتباع السنة في تربية الذقون وحف الشوارب " (١).
ولهذا فقد كانت بريطانيا غير راضية عن سيرته هذه وإن سترها لوريمر بأقواله المختلفة، ومنها أنه كان مغتصبا وأن مستشاريه كانوا سيئي التصرف في الأمور، وأنه ليس من أسرة البوسعيديين الذين هم أحق بحكم عمان في نظر الإنجليز الذين لمسوا فيهم من إيثار طاعة بريطانيا والسير في رغباتها ما يرضيهم، وهو ما نقمه عليهم علماء الإباضية هناك، وكان عزان ينظر إلى الإنجليز الذين لمسوا فيهم من إيثار طاعة بريطانيا والسير في رغباتها ما يرضيهم، وهو ما نقمه عليهم علماء الإباضية هناك، وكان عزان ينظر إلى الإنجليز بأنهم استعماريون لا ينبغي ربط أي علاقة بهم فامتنع عن التعاون معهم أو تقريبهم. ومن هنا أخذ الإنجليز يحرضون عليه خصومه ومن أشدهم " تركي بن سعيد " يقول الدكتور جمال زكريا قاسم: " على أنه مما يستلفت النظر أنه في خلال الفترة التي قضاها عزان بن قيس في الحكم لم تقم بينه وبين الحكومة البريطانية أية علاقات وربما يرجع ذلك إلى التعاليم الإباضية التي لا تقر وجود هذه العلاقات فضلا عن أن الحكومة البريطانية لم تعترف بالوضع القائم في عمان " (٢).
وقد أراد عزان أن يوسع من نفوذه، فهاجم مسقط وكاد أن يأخذها لولا أن تدخل بريطانيا قد حال بينه وبين امتلاكها فاتجه وأخذ البريمي وامتلكها ثم اتجه إلى إخضاع القبائل البدوية، ولكنها اجتمعت عليه والتحمت معه في معركة " ضنك "، فانهزم جيشه ولم ينج إلا هو ونفر يسير معه وكانت إقامته بمطرح تشكل تهديدا للقضاء على أسرة البوسعيديين، فرأت بريطانيا أن إعادة الإمام إلى عمان إذا انتصر عزان سيقضي على مصالحها لهذا أرسلت تركي بن سعيد – السابق الذكر – إلى لنجة لاستمالة القبائل التي هناك وتأليبهم على عزان، فلما تم له ما أراد أقبل بجيش قاصدا مطرح لإخضاعها وللقضاء على الإمام فنشبت هناك معركة أسفرت عن قتل الإمام عزان وتفرق أتباعه بين الناس.
стр. 2083
وبعد قتل عزان خفت صوت الإمام إلى سنة ١٩١٣م، فأخذت الدعوة تنتشر بين الناس في عمان الداخلية للرجوع إلى الإمامة ومحاربة الحكم الوراثي (سلاطين البوسعيد) " فاجتمع أئمة الإباضية وانتخبوا سالم بن راشد الخروصي إماما "، ووصفت هذه الحركة من قبل الإباضية بأنها " حركة ثورية مباركة " فسار فيهم الإمام سالم سيرة ارتضوها من عمل بكتاب الله وسنة نبيه إلى سنة ١٩٢٠م, فدبرت له مؤامرة اغتيل فيها. فولى الإباضية عليهم بعده الإمام " محمد بن عبد الله الخليلي " (١) الذي امتد حكمه أربعا وثلاثين سنة، " وقد عم الهدوء والسلام " تلك المناطق الداخلية في عهده رغم ما كان يلاقيه من تآمر سلاطين مسقط والإنجليز على إسقاط الإمامة هناك وضمها إلى سلطان مسقط البوسعيدي، وقد استمرت الحرب بينهم سبع سنوات ثم تم التوصل إلى معاهدة تعرف بمعاهدة السيب (والسيب يقع على بعد ٣٠ كم تقريبا من العاصمة مسقط ويتكون من بيوت قليلة وفيه المطار للعاصمة مسقط).
واستمرت هذه المعاهدة إلى أن توفي الإمام الخليلي فأراد سلطان مسقط أن يهتبل الفرصة لضم عمان الداخلية إلى سلطنته، ولكن الإباضيين فوتوا عليه الفرصة وولوا عليهم بعده الإمام " غالب بن علي الهنائي "، الذي بويع بالإمامة سنة ١٩٥٤م – ١٣٧٣هـ، وقد جعل جل اهتمامه في ربط عمان بالدول العربية، " فقد قام بتبادل التمثيل الدبلوماسي مع جميع البلدان التي تتعاطف معه آملا من ذلك أن تكون عمان كأي دولة من الدول العربية ووجد من يشاطره هذا الأمل، إلا أن هذا التحرك من جانب الإمام قد أخاف بريطانيا وسلطان مسقط إذ إن رجوع الإمام إلى عمان معناه انتهاء مصالح بريطانيا ونفوذها هناك؛ خصوصا وأن آبار البترول قد جذبتهم إليها وأن التخلي عنها لا يمكن بحال. ومن هنا أخذت بريطانيا وحليفها سلطان مسقط سعيد بن تيمور في تنظيم الخطط الحربية للقضاء على الإمام بالقول والفعل. وفجأة وبدون مقدمات زحفت السيارات العسكرية إلى مدينة عبرى ومنها إلى العاصمة نزوى التي أصبحت تحت أيديهم فانتقلت الإمامة إلى رؤوس الجبال حيث قرر الإباضية التحصن بالجبال، خصوصا الجبل الأخضر، وشن الحملات الهجومية من هناك واستمرت تلك الحرب الضارية بين قوات الإمام وبين سلطان مسقط والإنجليز، وكانت قوات الإمام تحرز بعض الانتصارات بعد خسائر فادحة، إلا أن بريطانيا صبت جام غضبها عليهم؛ يتمثل ذلك في أسراب الطائرات والقنابل والصواريخ المدمرة " (٢).
وكانت نهاية الإمامة في عمان بعد تلك المعارك التي دارت بين أتباعها من جهة والسلاطين والإنجليز من جهة أخرى، ولم تفلح الجهود السياسية والحربية في إعادة الإمامة للبلاد وإنما تمكن السلاطين البوسعيديين من عمان ولا يزالون حتى الآن يتوارثون الحكم فيها. وقد شهدت عمان نهضة قوية في عهدهم.
وإذا لم يكن السلاطين بالمذهب الإباضي فإن هذا المذهب لا يزال له سلطانه، ولا سيما في الجوانب الفقهية عند العلماء والعامة.
وقبل أن ننتهي من الحديث عن دولة الخوارج في عمان نحب أن نذكر هنا أن الخوارج بسطوا نفوذهم على بعض المناطق الأخرى في المشرق غير عمان؛ فقد بسط نافع بن الأزرق نفوذه على الأهواز إلى كرمان وتمكنوا من دولاب وسلبرى وسلي، وغيرهما من تلك النواحي، وبسط نجدة نفوذه على اليمامة والبحرين والقطيف وصنعاء، وخلفه على تلك المناطق أبو نزيك، إلى غير ذلك من أمثال تلك الظواهر التي لا نقف عندها لأنها تمثل وضعا من أوضاع الحكم المنظم والمستقر ولم تدم إلا سنوات قليلة، بل كان بعضها لا يبقى إلا شهورا؛ ولهذا لم ندخلها في الحديث عن دولة الخوارج مكتفين بذكرها عند الحديث عن تلك الفرق التي بسطت سلطانها وقتا ما على هذه المنطقة أو تلك.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٦٣
стр. 2084
المطلب الثاني: دولة الإباضية في المغرب
انتشر المذهب الإباضي في المغرب على يد دعاة مخلصين وجدوا من البربر آذانا صاغية، فاستغلوا ذلك لنشر مذهبهم الذي طورد في المشرق القريب من عاصمة الخلافة الإسلامية فقد رأوا أنه حفاظا على بقاء مذهبهم وإقامة سلطة باسمه لابد وأن تكون بعيدة عن بطش الخلافة، فاختاروا المغرب بين قبائل البربر فقام للخوارج في المغرب مذهبان مذهب الإباضية ومذهب الصفرية، وكان مما ساعدهما في الانتعاش شيئا فشيئا اعتدال دعوتهم التي تهادن الحكام تحت ستار التقية وتعامل المخالفين بقدر من التسامح إلى أن بلغوا ما أرادوا، ولولا هذا الاعتدال لكان مصيرهم لا يقل عن مصير أولئك الذين قلما يجتمع لهم أقل عدد إلا وأعلنوها ثورة وعصيانا مسلحا فتنقض عليهم جيوش الخلافة حتى يبادوا، وقد أبيدوا بالفعل وما نشأت خوارج المغرب إلا نتيجة من نتائج تلك الإبادة في المشرق.
لقد كانت البصرة إحدى القواعد الأساسية لدعاة المذهب الإباضي، ومنها انطلق دعاة الإباضية الذين انتشروا في المغرب لتأسيس دولتهم هناك. وكان زعماء هذه القاعدة هم أوائل علماء المذهب وعلى رأسهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة.
فكان الدعاة ينتشرون منها إلى الأماكن المعينة، بل وكان الخارجون على الخلافة لا يخرجون إلا بعد استشارتهم كما كان الحال في خروج طالب الحق في جزيرة العرب وأبو الخطاب (أحد حملة العلم) كما يسميهم الإباضية في المغرب، ثم خلفه عبد الرحمن الرستمي ومن جاء بعده من أولاده فكانوا لا يبرمون أمرا ذا بال إلا عن مشورة علماء المذهب في البصرة. وقد رزق مذهب الإباضية في المغرب أنصارا مخلصين في إقامته وإعلانه أمثال سلمة بن سعد الذي " كان يقول في مبدأ أمره: " وددت أن يظهر هذا الأمر يوما واحدا فما أبالي أن تضرب عنقي " (١). وابن مغطير الجناوني، وغيرهما من الرجال الذين كانوا يذهبون من المغرب إلى البصرة ثم يرجعون بعد أن يتزودوا بالعلم والفقه في المذهب دعاة ومجاهدين وقضاة في دولتهم الناشئة.
وقد انتقل مع المذهب الإباضي إلى المغرب مذهب الصفرية – كما قلنا – وانتشر هناك على يد عكرمة مولى ابن عباس وهو بربري في الأصل ولهذا كان لدعوته إلى المذهب الصفري تأثير بين البربر لمعرفته بدخائل نفوسهم، وكان يدعو إلى مذهبه سرا ثم أخذ في الانتشار إلى أن صار مذهبا قويا فيما بعد، خصوصا وقد كان المهاجرون من المشرق الذين هربوا من اضطهاد الخلفاء يرتادون المغرب لبث دعوتهم في هذه المناطق النائية عن الخلافة الإسلامية، ولم يحدد المؤرخون بالضبط متى بدأ المذهب الخارجي ينتشر هناك. يقول الدكتور رفعت فوزي عن تحديد نشأة الإباضية والصفرية بالمغرب: " وإذا كانت الروايات التاريخية لا تبين لنا بالتحديد متى قدم إلى المغرب أول من دعوا إلى مذهب الخوارج وهما سلامة بن سعيد وعكرمة مولى ابن عباس ﵄؛ فإنه يمكن القول بأنهما قدما في أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني" (٢).
ويجب أن نلاحظ هنا أن تلك القبائل التي كانت محط الأنظار لنشر المذهب الخارجي بينهم كانت متأرجحة بين اعتناق المذهب الخارجي والبعد عنه، وأغلبهم كان يميل مع القوي صاحب الغلبة، فإذا جاء من هو أقوى منه كان الحال معه كسابقه وهكذا.
لقد كان البربر منذ أسلموا مخلصين في إسلامهم يشتركون في جميع المعارك التي يخوضها الجيش الإسلامي، وكانوا عندما يعاملون بالعدل والرفق كما وصفهم الطبري: " من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك أحسن أمة سلاما وطاعة ".
стр. 2085
وقد ظلوا كذلك إلى أن بدأوا يحسون بالظلم من قبل ولاة الخليفة هشام وأسوأهم سيرة كان عبيد الله بن الحبحاب من قبل هشام، الذي كان جل اهتمامه في جمع الأموال والتحف وبعثها إلى دمشق لإرضاء الخليفة هناك كغيره من ولاة تلك المناطق.
وصادفت هذه المحنة وجود دعاة الخوارج بينهم فكانوا كلما دعوهم إلى الخروج على الخلافة الأموية بسبب ما يفعله ولاتهم من مظالم يتأبون عن الاستجابة لهم قائلين: إن هذا ليس ذنب الخليفة حتى نختبره، فيقول لهم دعاة الخوارج: إن هؤلاء العمال لا يقدمون إلا بأمر من الخليفة نفسه، فلم يقبلوا منهم. وهكذا ظلوا كلما دعاهم الخوارج قالوا: " إنا لا نخالف الأئمة بما تجني العمال ولا نحمل ذلك عليهم، فقالوا لهم: إنما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا لهم: لا نقبل ذلك حتى نبورهم " أي نختبرهم.
وأخيرا وبعد أن طفح الكيل خرج بضعة عشر يرأسهم ميسرة المطغري متوجهين إلى دمشق ليشكوا ما حل بهم إلى الخليفة هشام، إلا أنه لسوء الحظ لم يقابلهم بل احتجب عنهم إلى أن نفذت نفقاتهم، فعزموا على الرجوع إلى بلادهم وهنا ذهبوا إلى الأبرش وحملوه رسالة منهم ليؤديها إلى هشام كالإعذار لما سيفعلونه فيما بعد، جاء في هذه الرسالة:
" أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا أصاب نفلهم دوننا، وقال هم أحق به؛ فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا، إن كان لنا فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نرده، وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا، وأخر جنده: فقلنا: تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم، ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها على السخال يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين، فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك، ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا، فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون فأحببنا أن نعلم أعن رأي أمير المؤمنين ذلك الإمام لا. فأخذ الأبرش هذه الرسالة وقال: نفعل، وأخيرا ولما يئسوا من الوصول إلى هشام ويئسوا من إنصافهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم وأعطوا الوزراء قائلين لهم: " هذه أسماؤنا وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه " (١)، ثم رجعوا.
стр. 2086
وبالتأمل في تلك الرسالة نجد فيها حرارة الشكوى ومدى ما حل بهم إن صدقوا في كل ما ذكروه؛ إذ إن تلك الجرائم التي ارتكبت بحقهم لا يمكن السكوت عنها، وهنا وقر في قلوبهم ما قاله الخوارج سابقا ورجعوا في غاية الغضب والعزم على الخروج عن الطاعة، فبدأوا بعامل هشام على أفريقية فقتلوه ثم استولوا على أفريقية، ولما علم هشام بذلك سأل عن أسماء ذلك الوفد الذي جاء إليه فرفعت إليه أسماؤهم فإذا هم الذين وقفوا ببابه فاحتجب عنهم. وهناك سبب آخر يعزوه الأستاذ رفعت إلى صاحب كتاب (أخبار مجموعة)، الذي يرى أن سبب قيام خوارج المغرب بالثورة إنما هو " الاقتداء بالخوارج في المشرق أصحاب النهروان والأزارقة في الخروج على سلطان الخلافة والتحرر من ربقتها والكيد لها " (١).ويروي عن صاحب فجر الأندلس رأيا آخر، وهو أن تلك الثورة كانت سياسية قبل أن تكون دينية وذلك في قوله: " لسنا نجد على أي الأحوال من أخبار هذه الثورة الكبيرة دليلا واضحا على صفرية القائمين بالحركة أو إباضيتهم، والأسلم أن نسميهم خوارج سياسيين لا دينيين " (٢). وعلى كل فقد اشتعلت الثورة وسموا ميسرة أمير المؤمنين، ثم التحموا مع جيش الخلافة في معارك عظيمة عبأ فيها هشام ثلاثين ألفا لمقاتلة الخوارج، وحينما التقوا انهزمت جيوش الخلافة شر هزيمة واستتب الأمر للخوارج وبسطوا نفوذهم بقوة وبأس جعل الخليفة ييأس من استعادة أفريقية بعد هزيمة جيشه الذي أرسله بقيادة كلثوم بن عياض أمام قائد الخوارج خالد بن حميد الزناتي الذي حقق للخوارج استقلال المغرب حتى صار المغرب فيما بعد ملجأ كل ناقم على الخلافة الأموية (٣).
ثم صارت الأمور بعد ذلك في صراع الخوارج والخلافة يتبادل الطرفان فيه النصر والهزيمة حتى انتهت الدولة الأموية وأعقبتها الدولة العباسية، فبدأت في مقاومة الخوارج بالمغرب وكان رئيسهم إذ ذاك هو أبو الخطاب؛ وهو أحد حملة العلم الخمسة الذين ذهبوا إلى البصرة وعادوا منها إلى المغرب يحملون فكرة إقامة دولة باسمهم، كما أشار عليهم زعيم المذهب الديني في البصرة أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة الذي تعتبره الإباضية من خيرة أسلافها وعلمائها الأجلاء. فأخذ نجم الإباضية في الظهور على يدي أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري الذي كان مقيما بطرابلس بعد الخطط لجعلها عاصمة لهم، وكانت البيعة له في غرب طرابلس في مكان يسمى " صياد " واتفقوا فيه على وضع خطة للقبض على زمام السلطة في طرابلس، وهي أن يوضع الرجال في جواليق مربوطة من أسفلها على جمال كل رجلين على جمل ثم يدخلون طرابلس فلا يفطن الناس إلى ما بها، وعندا يتوسطون المدينة يخرج الإباضية الذين بها مصلتين سيوفهم ثم تفتح الجواليق فيخرج الرجال على هيئة حربية كل رجل يحمل سلاحه، ثم جاء الموعد ونجحت الخطة وحين خرجوا كانوا ينادون لا حكم إلا لله ولا طاعة إلا لأبي الخطاب، وتم الاستيلاء على المدينة فعين عبد الرحمن الرستمي وهو أحد حملة العلم الخمسة أيضا على طرابلس قاضيا (٤).
стр. 2087
فأخذ هذا الرجل بما أوتي من قوة فكر ونفاذ بصيرة في تجميع الإباضية من حوله وأحل التعصب للمذهب بدل التعصب القبلي، حتى نجح بهم في إقامة دولة للإباضية استمرت ما يقارب مائة وخمسة وعشرين عاما. ومنذ أن تم النصر للإباضية في طرابلس بدأوا ينظرون إلى ما حولهم فحشدوا الجيوش للاستيلاء على القيروان لإنقاذها من بغي ورفجومة (١) الذين عاثوا فيها فسادا، وسارت الحملة إليهم في ستة آلاف رجل، وعرضوا في طريقهم على قابس فاحتلوها ثم واصلوا السير إلى القيروان فحاصروها مدة، ثم خدعوا ورفجومة وأوهموهم أنهم منهزمون منهم، فلما خرجوا في لحاقهم عطف الإباضية عليهم فقتلوهم قتلا ذريعا عند مكان يسمى رقادة. ثم خرج أبو الخطاب عن القيروان بعد أن ولى عليها عبد الرحمن بن رستم. وبعد القضاء على ورفجومة رجع أبو الخطاب إلى طرابلس ولكن حدث أن ذهب أحد أتباعه ويسمى جميل السدراتي – لمنافرة وقعت بينه وبين أبي الخطاب – إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي طالبا منه إنقاذ ذلك الجزء من المغرب من حكم أبي الخطاب، فبعث إليهم أبو جعفر الجيش بعد الجيش وهم ينهزمون أمام الإباضية، ولكن الإباضية عادوا فانهزموا أخيرا على يد محمد بن الأشعث وانتصر عليهم الانتصار الحاسم (٢)، فقتل أبو الخطاب وكل من كان معه أثناء المعركة وتفرقت الإباضية في الجبال والأماكن النائية. ثم جاء مؤسس الدولة الإباضية الحقيقي وهو عبد الرحمن بن رستم وهو الذي إليه " يعزى الفضل في تكوين دولة الخوارج الإباضية، كان حكمها في أسرته من بعده " (٣)، وهو فارسي الأصل من طبقة حكام الفرس الأكاسرة وقد انتقل بعد مقتل أبي الخطاب إلى تيهرت التي صارت فيما بعد عاصمة الإباضية، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وسلموا عليه بالخلافة سنة ١٦٠هـ، وكان جل أتباعه من قبائل البربر لواته ورجالة ونفزاوة ولماية ونفوسة التي اشتهر بأنها قلعة حصينة للإباضية. وقد أصبحت تاهرت من أعظم المدن وأجملها وقد فصل القول فيها الشيخ سليمان بن عبد الله الباروني وذكر كثيرا من دقائق أخبارها يعجب له السامع، واستشهد بعدة شواهد من كلام غير الإباضية نفيا لما قد يتوهم من مبالغته في وصفها كما يقول (٤)، وقد تأسست هذه المدينة واكتمل عمرانها سنة ١٣٦هـ. وقد سار عبد الرحمن في حكمه سيرة ارتضاها الإباضية وتوالت عليه الإعانات من إباضية المشرق، الإعانات المعنوية والمادية وكان على اتصال في قضاياها المهمة بعلماء المشرق الإباضي؛ يقول محمود إسماعيل: " واستطاع عبد الرحمن بهذه الأموال تسليح رجاله من الإباضية، وتمكن بفضلهم - على حد تعبيره – من بسط سيادة الدولة على سائر قبائل البربر" (٥).
стр. 2088
وكان يجاور دولته دولة الصفرية التي اتخذت سجلماسة عاصمة لها حين تكونت سنة ١٤٠هـ، وقد تمت بين عبد الرحمن وملك الصفرية علاقة مصاهرة إذ تزوج ابن ملك الصفرية، ويسمى مدارا، بكريمة عبد الرحمن وبذلك أمن ذلك الجانب، ولولا تلك المصاهرة لجرى بينهم من الحروب والفتن الشيء الكثير وهذا من حنكة عبد الرحمن ومهارته في الأمور. وقد استمر الحال بالإباضية هناك في هدوء واستقرار إلى أن توفي عبد الرحمن الرستمي سنة ١٧١ تقريبا، " وكي يضمن استمرار ذلك الاستقرار لدولته أوصى قبل وفاته بتعيين مجلس شورى يختار إمام الدولة من بين أعضائه " (١). فبايع الإباضية بعده ابنه عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي في هذا التاريخ، فاجتمعت عليه كلمة الإباضية وأحبوه لما امتاز به من الصلاح والحزم ولم ينقموا عليه أمرا إلا ما كان من ابن فندين وهو ممن بايعه فإنه خرج عنه غاضبا؛ لأنه لم يشركه في حكمه ولم يسند إليه منصبا وهذا تعليل الإباضية لخروجه عن طاعة عبد الوهاب، ولكن هذا التعليل ينفيه بعضهم ويرى أنه من صنع الإباضية لتشويه مطلب ابن فندين في حمل الإمام على اتخاذ مجلس شورى يأخذ برأيه وأسباب أخرى غير هذا (٢).ثم انضم إلى ابن فندين ثائر آخر من الإباضية الطامعين في الحكم وهو شعيب المصري حسب ما تقول مصادر الإباضية، ويقول غيرهم بأن هذا الحكم على شعيب " مبالغ فيه والأقرب للتصديق أنه توجه لنصح عبد الوهاب وإنهاء الخلاف في تاهرت، فلما لم يجبه انضم إلى ابن فندين " (٣).
وحينذاك دبر هذا الرجلان الثورة لنزع الحكم من عبد الوهاب فأنشبوا معركة على أبواب عاصمة الإباضية بتيهرت انهزم فيها الثوار وقتل ابن فندين؛ وهرب شعيب إلى طرابلس ناقما على الإمام مظهرا البراءة منه، فلما وصلت هذه الأخبار إلى علماء الشرق من الإباضية أجمعوا على البراءة منه ومن ابن فندين. وبموت ابن فندين اختفت المشاكل التي كانت شاغلة لعبد الوهاب وهدأت الأمور، ولكن هذا الهدوء كدرته ثورة أخرى قام بها قبائل من البربر تدين بالاعتزال وأكثرهم من قبيلة زنانة، التحموا معه في معركة طلب فيها من الثائرين عقد هدنة للنظر في الأصلح من الأمور فعقدت الهدنة وهنا كتب الإمام إلى أهل جبل نفوسة طالبا منهم المدد، ولما جاءه ما طلب التحم معهم في معركة أخرى انتصر فيها الإمام وظفر بتلك الطائفة من الواصلية المعتزلة وأذعنوا بالطاعة، وكانت تنشأ بين الحين والآخر بعض الانشقاقات فلا تلبث أن تنتهي. وامتد سلطان الإمام إلى طرابلس وما حولها وقد دامت خلافته ١٩ سنة إذ توفي في سنة ١٩٠هـ تقريبا، وهو الصحيح عند الباروني من بين الأقوال التي قيلت في ذلك (٤)، تاركا وراءه ثورة خلف بن السمح في اشتعال. وبعد وفاة عبد الوهاب بايع الإباضية ابنه أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، فأمر أبو عبيدة وكان واليا من قبل عبد الوهاب على طرابلس بمحاربة خلف، وبعد مراسلات بينهما لم تجد نفعا التحموا في معركة انتصر فيها أبو عبيدة، وكانت تلك المعركة في ١٣ من شهر رجب سنة ٢٢١هـ، إلا أن هذه المعركة لم تنه عصيان خلف بل ثار مرة ثانية بعد وفاة أبي عبيدة وتولية العباس بن أيوب مكانه فراسل خلفا لإعادته إلى الطاعة، ولما لم تفلح معه المراسلة تقابلوا في معركة انهزم فيها خلف وتفرق جمعه ومات بعد ذلك منكسرا (٥).
стр. 2089
وبعد خلف جاء ثائر آخر هو فرج بن نصر النفوسي المعروف (بنفاث) والذي تنسب إليه فرقة النفاثية من الإباضية وكان له اطلاع في العلم، إلا أنه أخرجه الغضب لنفسه إذ لم يول ولاية في دولة أفلح حسب ما تقول مصادر الإباضية، وهذا لا ينفي أن تكون ثورته انتقاما من حكم الرستميين الذين جعلوا الخلافة وراثية ولكنه لم تكن له شوكة أو منازلة مع جيش أفلح بل كان خروجه بمجرد الكلام فقط، وأخيرا غمض أمره وانتهى دوره إلى أن حانت وفاة الإمام أفلح وكان المرشح لتوليها بعده هو ابنه ابن اليقظان محمد بن أفلح، إلا أنه حين وفاة والده كان مسجونا في بغداد وذلك أنه كان قد اختطف في حجه وأودع سجن بغداد، فبايع الناس بعد وفاة أفلح ابنه أبا بكر بن أفلح، إلا أنه لم يكن مرضيا من جميع الناس، ووقعت فتن في عهده وحروب أهلية.
وقد عاد ابن اليقظان من بغداد إثر إطلاقه من السجن فنظم الأمور وأحبه الناس فتمت بيعته سنة ٢٤١هـ، واجتمعت عليه الكلمة وأتته وفود البيعة من كل أرجاء مملكته واستتب الأمن وكثر الرخاء إلى أن توفي سنة ٢٨١هـ.
وبعد وفاته بايع الإباضية ابنه أبا حاتم يوسف بن محمد باتفاق الكافة ولم ينكر أحد في الظاهر أي أمر، إلا أنه كان في نفوس بعض الناس ميل عنه ومنهم عمه يعقوب بن أفلح إلا أنه لم يحرك ساكنا حينئذ، ثم حدثت فتنة بعد ذلك بقيادة بعض المشايخ مسموعة الكلمة وتطور الخلاف إلى أن أصبح لا يمكن حله إلا بالمعركة، وجمع كل فريق ما عنده من قوة استعدادا لخوض الحرب.
وقد استدل أهل مدينة تيهرت زعامتهم إلى عم أبي حاتم السابق الذكر يعقوب بن أفلح بينما كان الإمام محاصرا لها من خارجها ولم يبق إلا الدخول في المعركة، فابتدأت رحاها بين الإمام وعمه فأهرقت الدماء وتقطعت السبل وعاش الناس في أشد الضيق، إلى أن توسط بعض أهل الإصلاح بين الإمام وعمه لعقد هدنة وصلح على أن يقف كل منهما عن منازعة الآخر مدة أربعة أشهر حتى ينظر الناس في أمورهم ورجاء ما يمن الله به من حسن تدبيره.
وقد حدث في أثناء هذه المدة أن استمال الإمام كثيرا من الناس ووعدهم ومناهم إلى أن مال إليه أكثر أهل المدينة (مدينة تيهرت)، فرأى يعقوب ومن معه من خاصته أن الخطر قد أحدق بهم وهنا قرروا الهرب إلى طرابلس التي كانت الفتنة فيها وفي جبل نفوسة على أشدها ليكونوا على بعد عن الإمام.
وهنا دخل الإمام المدينة بعد أن كان مقيما خارجها في أثناء تلك الأربعة الأشهر وصفي له الجو في تيهرت وما حولها، باستثناء طرابلس ونفوسة وما حولهما فقد وقعت فيها بعض الفتن الداخلية ثم أعقبهم نزول جيش إبراهيم بن الأغلب التابع للخلافة العباسية فقتل أهل نفوسة قتلا ذريعا وانهزموا شر هزيمة.
ومن هنا بدأ نجم دولة الإباضية الرستمية في الأفول شيئا فشيئا إلى أن توفي الإمام أبو حاتم سنة ٢٩٤هـ مقتولا على يد أبناء أخيه باتفاق تم بينهم للاستيلاء على الحكم، وشايعهم على هذا بعض الناس فقتلوه ثم تولى بعده اليقظان بن أبي اليقظان وهو ابن أخيه، وبمجرد توليه بدأ انقراض دولة بني رستم على يد الشيعة وذلك على يد عبيد الله الشيعي وظهور دعوته في المغرب، فقد احتل مولاه ويكنى بأبي عبد الله الحجاني تيهرت العاصمة الإباضية وقضى على أسرة بني رستم وانتهى أمرهم وذلك في سنة ٢٩٦هـ، فرثاهم علماء الإباضية بالمراثي المحزنة ورثوا تيهرت وما أصابها من خراب بعد بني رستم.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص١٧٧
стр. 2090
أولا: موقف الإباضية من سائر المخالفين
تتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات من مخالفيهم.
وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، إضافة إلى أن العلماء يذكرون عنهم كذلك أن الإباضية تعتبر المخالفين لهم من أهل القبلة كفار نعمة غير كاملي الإيمان ولا يحكمون بخروجهم من الملة، إلا أن هذا المدح ليس بالاتفاق بين العلماء؛ فهناك من يذكر عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم محاربون لله ولرسوله وأنهم يعاملون المخالفين لهم أسوأ المعاملة.
والحقيقة أن القارئ لكتب علماء الفرق يجد أنهم متعارضون في النقل عنهم إلا أن يقال: إن طائفة من الإباضية معتدلون وآخرون متشددون. ولهذا وجد علي يحيى معمر ثغرة في كلام علماء الفرق ليصفهم بالتناقض والاضطراب في النقل إلى آخر ما أورد من انتقادات لا تسلم له على إطلاقها.
وذلك أنك تجد في بعض كلام علماء الإباضية أنفسهم الشدة في الحكم على المخالفين لهم ووصفوهم بأنهم الكفار وأنهم من أهل النار ما لم يدينوا بالمذهب الإباضي، وتجد آخرين يتسامحون في معاملة المخالفين لهم ويبدو عليهم اللين تجاههم.
وتجد التعصب في حكمهم على المخالفين ظاهراً قوياً من قراءتك لكتاب (مقدمة التوحيد) لابن جميع، وكتاب (الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد) للعيزابي، ورسالة في فرق الإباضية بالمغرب للمارغيني، وكتاب (الدليل لأهل العقول) للورجلاني، وكذا العقود الفضية، وكشف الغمة الجامع لأخبار الأمة- فإن القارئ لهذه الكتب يجد التشدد تجاه المخالفين قائماً على أشده كما تشهد بذلك مصادرهم المذكورة. ومع هذا فإن العلماء والمتقدمين وكثيراً من المتأخرين يذكرون عبارات كثيرة تصف الإباضية بالتسامح واللين تجاه المخالفين ممن يدعون الإسلام إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي وحرابة، ومع ذلك نفى علي يحيى معمر أن يكون من مذهب الإباضية أنهم يرون أن معسكر السلطان معسكر بغي وحرابة، ولكنه-وهو يقسم حكام المسلمين في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية) - جعل هذا الوصف ينطبق على الحاكم الذي يخرج عن العدل ولا يطبق أحكام الإسلام كاملة (١).
ومن خلال الأمثلة الآتية من كلام العلماء حول موقف الإباضية من المخالفين لهم تجد مصداق ما قدمنا إجماله فيما يلي:
١ - اللين والتسامح مع المخالفين
أ- ما قاله عنهم كتَّاب (الفرق).
ب- ما قالوه هم في كتبهم.
أما ما قاله علماء الفرق عنهم: فمثلاً نجد أن الأشعري يقول: (وأما السيف فإن الخوارج جميعاً تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف) (٢).وقال أيضاً: (وجمهور الإباضية يتولى المحكِّمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار ليسوا بمشركين) (٣).ثم قال عنهم كذلك: (وزعموا أن الدار أي دار مخالفيهم- دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم) إلى أن قال: (وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة) (٤).أما البغدادي والشهرستاني فيذكران عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم براء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار (٥).
стр. 2091
وأما ما قالوه هم عن أنفسهم: فنجد صاحب (كتاب الأديان) الإباضي وهو يعدد آراء الأخنس –زعيم فرقة الأخنسية –يقول: (وجوَّز تزويج نساء أهل الكبائر من قومهم على أصول أهل الاستقامة) (١).ونجده كذلك يؤكد على أنه لا يجوز من أهل القبلة إلا دماءهم في حالة قيام الحرب بينهم وبين الإباضية (٢).
ويأتي أبو زكريا الجناوني فيؤكد أنه يجوز معاملة المخالفين معاملة حسنة، غير أنه ينبغي أن يدعو إلى ترك ما به ضلوا فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم
وهناك نصوص في مسامحة الإباضية للمخالفين لهم من حسن المعاملة وعدم اغتيالهم أو استعراضهم وتحريم أموالهم. يذكرها عنهم علي يحيى معمر مع عزوها إلى قائليها في كتابه (الإباضية بين الفرق الإسلامية)، في معرض نقده كلام علماء الفرق عن الإباضية (٣). لا نرى ضرورة للتطويل بنقلها هنا.
٢ - الشدة على المخالفين:
١ - ما يقوله عنهم علماء الفرق: يقول البغدادي عنهم: (إنهم يرون أن المخالفين لهم كفار وأجازوا شهادتهم وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية ... وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله ولا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة) (٤).وقد سبق قول الأشعري عنهم: وقالوا جميعاً: إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله وفيما لا يسع (٥).
٢ - ما قالوه هم في كتبهم:
روى الجيطالي الإباضي عن الإمام عبد الوهاب أنه قال: سبعون وجهاً تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا من أين هذا؟ وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرين وجهاً تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس ﵀ إلا أربعة أوجه وقد شدد علي فيهم (٦).ويقول المارغيني منهم: (وقالت المشائخ إن هذا الدين الذي دنا به الوهبية من الإباضية من المحكِّمة دين المصطفى ﷺ هو الحق عند الله وهو دين الإسلام، من مات مستقيماً عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار) (٧) وقال العيزابي منهم: (الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات فنقول معشر الإباضية الوهابية: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأً يحتمل الصدق) (٨).ولا يقلُّ الورجلاني تشدداً عن من سبق، فهو يقول: فإن قال قائل: هذه أمة أحمد ﷺ قد قضيتم عليها بالهلاك وبالبدعة والضلال وحكمتم عليها بدخول النار ما خلا أهل مذهبكم. قلنا: إنما قضاه رسول الله ﷺ -لا نحن- بقوله: حيث يقول: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة .. )) (٩) وهناك نصوص كثيرة أخرى في تزكية مذهبهم وبطلان ما عداه من المذاهب، وأن الله لا يقبل أي دين غير دين الإباضية والوهبية عن (صاحب العقود الفضية) (١٠).والسالمي (١١) وجاعدين خميس الخروصي (١٢) وصاحب (كشف الغمة) (١٣)، وصاحب (النيل وشفاء العليل) (١٤) وابن جميع (١٥) وغيرهم من علماء الإباضية.
стр. 2092
ثانيا: موقف الإباضية من الصحابة
موقف الإباضية من الخلفاء الراشدين ﵃
من الأمور المتفق عليها عند سائر الخوارج الترضي التام والولاء والاحترام للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، لم تخرج فرقة منهم عن ذلك.
أما بالنسبة للخليفتين الراشدين الآخرين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ فقد هلك الخوارج فيهما وذموهما مما برأهما الله عنه.
والذي يهمنا، أن نشير هنا إلى رأي الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم بإيجاز، تاركين تفصيل الحجج والردود عليها لمقام آخر:
١ - موقف الإباضية من عثمان ﵁:
من الأمور الغريبة جداً أن تجد ممن يدعي الإسلام ويؤمن بالله ورسوله من يقع في بغض الصحابة؛ خصوصاً من شهد له الرسول ﷺ بالجنة وثبتت بذلك النصوص في حقه.
فعثمان ﵁ صحابي جليل شهد له الرسول ﷺ بالجنة، أما بالنسبة للخوارج فقد تبرءوا منه ومن خلافته، بل وحكموا عليه بالارتداد والعياذ بالله وحاشاه من ذلك. وفي كتاب (كشف الغمة) لمؤلف إباضي من السب والشتم لعثمان ما لا يوصف، ولم يكتف بالسب والشتم، وإنما اختلق روايات عن بعض الصحابة يسبون فيها عثمان بزعمه ويحكمون عليه بالكفر (١)، ولا شك أن هذا بهتان عظيم منه. ويوجد كذلك (كتاب في الأديان) (٢) وكتاب آخر اسمه (الدليل لأهل العقول) (٣) للورجلاني، فيهما أنواع من السباب والشتم لعثمان ومدح لمن قتلوه؛ حيث سماهم فرقة أهل الاستقامة، وهم في الحقيقة بغاة مارقون لا استقامة لهم إلا على ذلك.
٢ - وأما بالنسبة لموقفهم من علي ﵁: فإنه يتضح موقفهم منه بما جاء في كتاب (كشف الغمة) تحت عنوان فصل من كتاب (الكفاية) قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن علياً مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسباباً- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة. وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة –جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: (ويعتقد المطوعون أن الخليفة علياً لم يكن مسلماً على الإطلاق؛ بل كان كافراً!!) (٤).كما تأول حفص بن أبي المقدام بعض آيات القرآن على أنها واردة في علي، وقد كذب حفص (٥).ومن الجدير بالذكر أن علي يحيى معمر –المدافع القوي عن الإباضية يزعم أن الإباضية لا يكفرون أحداً من الصحابة، وأنهم يترضون عن علي ﵁ فهو ينقل عن كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة مدحاً وثناءً لعلي (٦).
وأورد علي يحيى معمر فصلاً طويلاً بيّن فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم، ويترضون عنهم ويسكتون عما جرى بينهم، ونقل عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق.
ونقل عن التعاريتي أيضاً مدحه للصحابة خصوصاً علياً وأبناءه، وكذلك التندميري الإباضي. وأخيراً قال علي يحيى معمر: (ولم يكن يوماً من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم من بعض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب) (٧).
стр. 2093
وهذه الحقيقة التي اعترف بها أخيراً تجعل ما ملأ به كتابه (الإباضية بين الفرق) من الشتائم على كل كتّاب الفرق غير صحيح، فما الذي يمنع أن يكون نقل هؤلاء العلماء يصدق على أقل تقدير على هؤلاء الأفذاذ الذين أشار إليهم، مع أن ما يذكره علي يحيى معمر لا يتفق مع النصوص المستفيضة عن علماء الإباضية في ذمهم لبعض الصحابة، فهل الورجلاني يُعتبر- على حد التعبير السابق ليحيى معمر- من الغلاة المتشددين، وهو من هو في صفوف الإباضية؟
فهذا الرجل يواصل في كتابه (الدليل لأهل العقول) تكفيره وشتمه لمعاوية ﵁ ولعمرو بن العاص، بل قد قال زعيم الإباضية عبد الله بن إباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان كما يرويه صاحب (كشف الغمة): (فإنا نُشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله) وكفى بهذا خروجاً.
وصاحب (كشف الغمة) الجامع لأخبار الأمة يشتم الحسن والحسين ﵄، وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه، كما يزعم- كذلك بسبب قتلهما عبد الرحمن بن ملجم، وتسليمهما الإمامة لمعاوية، وهي أسباب لا يعتقدها من عرف الصحابة الذين شهد الله ورسوله لهم بالسابقة والفضل، ولكن انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر، وصدق الشاعر حين قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل
ونفس الموقف الذي وقفه الخوارج عموماً والإباضية أيضاً من الصحابة السابقين- وقفوه أيضاً من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأوجب لهما الورجلاني النار (١). وقد بشرهما الرسول ﷺ بالجنة، وهؤلاء يوجبون عليهما النار، فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول ﷺ وهو راضٍ عنهم!! قال النبي ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)) (٢) وأنه لما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله ﷺ ، فإذا كان أخص أصحاب محمد ﷺ غير مرضيين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضي بعد ذلك؟
стр. 2094
المطلب الرابع: عقائد الإباضية
من الأمور الطبيعية أن تخرج هذه الفرقة وغيرها من الفرق عن المعتقد السليم في بعض القضايا ما دامت قد خرجت عن أهل السنة والجماعة وارتكبت التأويل، ولا بد كذلك أن توجد لها أقوال فقهية تخالف فيها الحق إلى جانب أقوالهم في العقيدة، ولا يسعنا هنا ذكر جميع مبادئ فرقة الإباضية العقديّة والفقهية، فهذا له بحث مستقل خصوصاً ما يتعلق بالمسائل الفقهية، فإن دارس الفرق قلما يوجه همه إلى إيضاحها وتفصيلاتها إلا عند الضرورة.
والذي نود الإشارة إليه هنا أن للإباضية أفكاراً عقدية وافقوا فيها أهل الحق، وعقائد أخرى جانبوا فيها الصواب.
١ - أما ما يتعلق بصفات الله تعالى: فإن مذهب الإباضية فيها أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نفى الصفات نفياً تاماً خوفاً من التشبيه بزعمهم، وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلى آخر الصفات، فالصفات عندهم عين الذات، قال أحمد بن النضر:
وهو السميع بلا أداة تسمع ... إلا بقدرة قادر وحداني
وهو البصير بغير عين ركبت ... في الرأس بالأجفان واللحظان
جل المهيمن عن مقال مكيف ... أو أن ينال دراكه بمكان
ويقول السالمي:
أسماؤه وصفات الذات ... ليس بغير الذات بل عينها فافهم ولا تحلا
وهو على العرش والأشيا استوى ... وإذا عدلت فهو استواء غير ما عقلا
وإنما استوى ملك ومقدرة ... له على كلها استيلاء وقد عدلا
كما يقال استوى سلطانهم فعلى ... على البلاد فحاز السهل والجبلا (١)
وقال العيزابي منهم: (الحمد لله الذي استوى على العرش أي ملك الخلق واستولى عليه، وإلا لزم التحيز وصفات الخلق) وهذا في حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق، وقد شنع الورجلاني منهم على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو –حسب زعمه- تأويل الصفات، فاليد النعمة والقدرة، والوجه الذات ومجيء الله مجيء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه؛ كما يزعم (٢).ومعلوم لطلاب العلم أن هذا ليس هو مذهب السلف الذين يثبتون الصفات لله كما وصف نفسه في كتابه الكريم ووصفه به رسوله ﷺ من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. قال ابن تيمية في بيان مذهب السلف: (إنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل) (٣) ويقول ابن القيم: (لا ريب أن الله وصف نفسه بصفات وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، وأخبر أنه يحب ويكره ويمقت ويغضب ويسخط ويجيء ويأتي وينزل إلى السماء الدنيا، وأنه استوى على عرشه، وأن له علماً وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، وأن له يدين وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل من عنده، وأنه قريب، وأنه مع المحسنين ومع الصابرين ومع المتقين، وأن السماوات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصابعه وغير ذلك) (٤).
فهل يعتبر هذا الوصف تشبيه لله بخلقه؟ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: ١٤٠].
وطريقة السلف في إثبات كل صفة لله، أنهم يقولون فيها: إنها معلومة والكيف مجهول والسؤال عنها بدعة، وأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]. وهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله.
стр. 2095
ولم ير أهل السنة أن إثبات الصفات يؤدي إلى التشبيه لمعرفتهم أن الاتفاق في التسمية لا يستلزم الاتفاق في الذات، فالله سميع وبصير والإنسان سميع بصير، وبين الذاتين ما يعرفه كل عاقل من الفرق، ومن تصور التشبيه فقد جمع بين التشبيه والتعطيل. والحاصل أن الإباضية هنا وافقوا المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من أهل الفرق في باب الصفات، معتمدين على عقولهم وعلى شبهات وتأويلات باطلة، على أن الإباضية أنفسهم مختلفون في إثبات صفات الله تعالى؛ فإباضية المشرق يختلفون عن إباضية المغرب، ذلك أن إباضية المشرق تعتقد أن صفات الله تعالى حادثة، وإباضية المغرب تعتقد أنها قديمة؛ وبين الفريقين من التباعد في هذا ما لا يخفى (١).
٢ - وأما عقيدة الإباضية في استواء الله وعلوه فإنهم يزعمون أن الله يستحيل أن يكون مختصاً بجهة ما؛ بل هو في كل مكان. وهذا قول بالحلول وقول الغلاة الجهمية، ولهذا فقد فسر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، أو استواء ملك ومقدرة وغلبة، وإذا قيل لهم: لم خص العرش بالاستيلاء والغلبة؟ أجابوا بجواب وقالوا: لعظمته، وقد خرجوا بهذه التأويلات عن المنهج الشرعي إلى إعمال العقل واللغة بتكلف ظاهر مخالف للاعتقاد السليم والمنطق والفطرة.
٣ - وذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها؛ لأن العقل –كما يزعمون- يحيل ذلك ويستبعده، واستدلوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]. وأوَّلوا معنى الآية تأويلاً خاطئاً على طريقة المعتزلة.
ومن أدلتهم قوله تعالى: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣].واستدلوا من السنة بحديث عائشة حين سئلت عن الرسول ﷺ : هل رأى ربه ليلة الإسراء؟ فأجابت بالنفي (٢) كما رواه صاحب (وفاء الضمانة) (٣)، وقد أورد الربيع بن حبيب صاحب كتاب (الجامع الصحيح) أو (مسند الربيع)، الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري ومسلم عند أهل السنة، ويعتبرونه أصح كتاب بعد القرآن كما يزعمون- أورد عدة روايات عن بعض الصحابة تدل على إنكارهم رؤية الله تعالى (٤).
والواقع أن كل استدلالاتهم التي شابهوا فيها المعتزلة، إما استدلالات غير صحيحة الثبوت، أو صحيحة ولكن أوَّلوها على حسب هواهم في نفي الرؤية.
فإن الآية الأولى ليس فيها نفي الرؤية: وإنما نفي الإحاطة والشمول، فالله يرى ولكن من غير إحاطة به .
وقوله لموسى: لن تراني أي في الدنيا، وقد علق الله إمكان رؤيته تعالى بممكن، وهو استقرار الجبل.
وحديث عائشة إنما أرادت نفي أن يكون الرسول ﷺ رأى ربه في ليلة الإسراء، وليس المقصود نفي الرؤية مطلقاً، فهذا لم ترده أم المؤمنين، ومن فهم النفي مطلقاً فهو سيء الفهم جاهل بالنصوص.
стр. 2096
وخلاصة القول في هذه المسألة، أن رؤية الله تعالى تعتبر عند السلف أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لا يماري فيها أحد منهم بعد ثبوتها في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ ، وفي أقوال الصحابة ﵃ وفي أقوال علماء السلف قاطبة رحمهم الله تعالى.٤ - ومن عقائد بعض الإباضية في كلام الله تعالى القول بخلق القرآن، بل حكم بعض علمائهم كابن جميع والورجلاني أن من لم يقل بخلق القرآن فليس منهم. (١).
وقد عرف المسلمون أن القول بخلقه من أبطل الباطل، إلا من بقي على القول بخلقه منهم وهم قلة شاذة بالنسبة لعامة المسلمين، وموقف السلف واضح فيها وهو موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀، وهو القول بأن القرآن كلام الله تعالى/، منه بدأ وإليه يعود، ولا يتسع المقام هنا لبسط شُبه القائلين بخلقه وأدلة من يقول بعدم خلقه وردهم على أولئك المخطئين. ومن قذف الله الإيمان والنور في قلبه يعلم أن الله تعالى تكلم بالقرآن، وبلغه جبريل إلى النبي ﷺ والكلام صفة لله تعالى، ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن بعض الإباضية قد خرج عن القول بخلق القرآن، كصاحب (كتاب الأديان) (٢). وكذا أبو النضر العماني (٣)، وردا على من يقول بخلقه، وبسطا الأدلة في ذلك وبهذا يتضح أن الإباضية قد انقسموا في هذه القضية إلى فريقين.٥ - وقد اعتدل الإباضية في مسألة القدر ووافقوا أهل السنة، فأثبتوا القدر خيره وشره من الله تعالى، وأن الله خالق كل شيء، وأن الإنسان فاعل لأفعاله الاختيارية مكتسب لها محاسب عليها، وبهذا المعتقد صرح زعمائهم كالنفوسي (٤) والعيزابي (٥) والسالمي (٦) وعلي يحيى معمر (٧).
٧ - وقد اختلف الإباضيون في إثبات عذاب القبر. فذهب قسم منهم إلى إنكاره موافقين بذلك سائر فرق الخوارج. وذهب قسم آخر إلى إثباته، قال النفوسي في متن النونية:
وأما عذاب القبر ثبت جابر ... وضعفه بعض الأئمة بالوهن (٨)
ومعتقد السلف جميعاً هو القول بثبوت عذاب القبر ونعيمه، كما صحت بذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، ومن أنكره فليس له دليل إلا مجرد الاستبعاد ومجرد الاستبعاد ليس بدليل.
٧ - ويثبت الإباضيون وجود الجنة والنار الآن ويثبتون الحوض ويؤمنون بالملائكة والكتب المنزلة.٨ - وأما بالنسبة للشفاعة: فإن الإباضيون يثبتونها ولكن لغير العصاة بل للمتقين، وكأن المتقي في نظرهم أحوج إلى الشفاعة من المؤمن العاصي. قال صاحب كتاب (الأديان): والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين (٩).
وقال السالمي:
وما الشفاعة إلا للتقي كما ... قد قال رب العلا فيها وقد فصلا (١٠).
وذكر الربيع بن حبيب روايات عن الرسول ﷺ تدل في زعمه على هذا المعتقد، وقرر الحارثي في كتابه (العقود الفضية) تلك القضية. (١١).
стр. 2097
ومذهب أهل السنة أن الرسول ﷺ يشفع في عصاة المؤمنين أن لا يدخلوا النار، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها بعد إذن الله ورضاه، وثبت أن الله يقبل شفاعته في ذلك وشفاعة الصالحين من عباده بعضهم في بعض.٩ - وأما الميزان الذي جاءت به النصوص وثبت أن له كفتين حسيتين مشاهدتين توزن فيه أعمال العباد كما يوزن العامل نفسه، فإن الإباضية تنكر هذا الوصف، ويثبتون وزن الله للنيات والأعمال بمعنى تمييزه بين الحسن منها والسيئ، وأن الله يفصل بين الناس في أمورهم، ويقفون عند هذا الحد غير مثبتين ما جاءت به النصوص من وجود الموازين الحقيقية في يوم القيامة (١).وعلى الصفات التي جاءت في السنة النبوية.١٠ - وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط، وقالوا: إنه ليس بجسر على ظهر جهنم (٢)، وذهب بعضهم - وهم قلة- إلى إثبات الصراط بأنه جسر ممدود على متن جهنم حسبما نقله د/صابر طعيمة عن الجيطالي من علماء الإباضية (٣)، والسلف على اعتقاد أن الصراط جسر جهنم، وأن العباد يمرون عليه سرعة وبطئاً حسب أعمالهم ومنهم من تخطفه كلاليب النار فيهوي فيها.١١ - ووافق –معظم الإباضية- السلف في حقيقة الإيمان من أنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٤)، وقد خالف بعضهم فذهب إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص وقد نقل الدكتور صابر طعيمة بعض الأدلة من كتبهم على هذا الرأي (٥).
١٢ - وزيادة الإيمان ونقصانه مسألة خالف فيها الإباضية سائر الخوارج الذين يرون أن الإيمان جملة واحدة لا يتبعض، وأن العبد يكفر ويذهب إيمانه بمجرد مواقعته للذنب ويسمونه كافراً ومخلداً في النار في الآخرة، إلا أن الإباضية مع موافقتهم للسلف في الحكم، لكنهم يسمون المذنب كافراً كفر نعمة ومنافقاً. يقول إعوشت: ((فالكفر إذن عند الإباضية ينقسم إلى ما يلي: ١ - كفر نعمة ونفاق ويتمثل في المسلم الذي ضيع الفرائض الدينية أو ارتكب الكبائر أو جمع بينهما ... )) (٦). وفي الآخرة مخلد في النار إذا مات من غير توبة (٧)، وكأن الحال يقتضي أنهم لا يطلقون عليه كلمة الكفر ولا النفاق، ولا يحكمون عليه بالخلود في النار بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ونجد هنا الإباضية وافقوا أيضاً سائر الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار إذا مات قبل التوبة، بناء على اعتقاد إنفاذ الوعيد لا محالة.
واستدلوا بسائر أدلة الخوارج على كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، وأهل السنة لا يرون ذلك؛ بل يقولون: إذا مات المذنب قبل التوبة فأمره إلى الله وهو تحت المشيئة، ويقولون أيضاً: إن إخلاف الوعد مذموم وإخلاف الوعيد كرم وتجاوز.
стр. 2098
١٣ - وأما مسألة الإمامة والخلافة فقد ذكر بعض العلماء عن الإباضية في مسألة الإمامة والخلافة، أن الإباضية يزعمون أنه قد يستغنى عن نصب الخليفة ولا تعود إليه حاجة إذا عرف كل واحد الحق الذي عليه للآخر، وهذا القول أكثر ما شهر عن المحكِّمة والنجدات. وأما الإباضية فقد ذكر هذا القول عنهم ج. لوريمر في كتابه (دليل الخليج) (١)، ولكن بالرجوع إلى كتب الإباضية نجد أنهم ينفون هذا القول عنهم ويعتبرونه من مزاعم خصومهم عنهم، وإن مذهبهم هو القول بوجوب نصب حاكم للناس، ومن قال غير هذا عنهم فهو جاهل بمذهبهم على حد ما يقوله علماؤهم كالسالمي وعلي يحيى معمر وغيرهما. قال السالمي: (والإمامة فرض بالكتاب والسنة والإجماع والاستدلال) (٢).
وموقفهم هذا يتفق مع مذهب أهل السنة فإنهم يرون وجوب نصب الحاكم حتى وإن كانوا جماعة قليلة، فلو كانوا ثلاثة في سفر لوجب تأمير أحدهم، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، وأن من قال بالاستغناء عن نصب الحاكم فقد كابر عقله وكذب نفسه ورد عليه الواقع من حال البشر، وصار ما يقوله من نسيج الخيال، وأدلته على الاستغناء مردودة واهية.
والخوارج كافة ينظرون إلى الإمام نظرة صارمة هي إلى الريبة منه أقرب، ولهم شروط قاسية جداً قد لا تتوفر إلا في القليل النادر من الرجال، وإذا صدر منه أقل ذنب فإما أن يعتدل ويعلن توبته وإلا فالسيف جزاؤه العاجل. وقد جوَّز الإباضية كأهل السنة صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا تمت للمفضول؛ خلافاً لسائر الخوارج (٣).١٤ - وجوز الإباضية التقية خلافاً لأكثر الخوارج (٤) وقد أورد الربيع بن حبيب في (مسنده) روايات في الحث عليها تحت قوله: (باب ما جاء في التقية)، ومنه قال جابر: سئل ابن عباس عن التقية فقال: قال النبي ﷺ : ((رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما لم يستطيعوا وما أكرهوا عليه)). (٥).
قال: (وقال ابن مسعود ما من كلمة تدفع عني ضرب سوطين إلا تكلمت بها، وليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضرب أو عذب أو حبس أو قيد) أي وهو يجد خلاصاً في الأخذ بالتقية.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٥٦
стр. 2099
المطلب الخامس: فقه الإباضية
استمد الإباضية فقههم من نفس المصادر التي استمدت منها المذاهب الفقهية، واستخدموا نفس طرق الفقهاء في استنباط الأحكام. فمصادر أدلة التشريع عندهم: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال. وإن كانوا قد استندوا في بعض آرائهم على أحاديث وردت عن طريق أئمتهم لم تثبت عند علماء الحديث (١).وتذهب الإباضية إلى أن أحاديث الآحاد توجب العمل فقط، ولا يحتج بها في العقائد، فوافقوا بذلك المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم (٢).
ومن المسائل التي خالفوا فيها فقهاء المسلمين:
- أنكروا جواز المسح على الخفين، وقالوا إن الصلاة لا تجوز إلا بغسل الرجلين.
- انفردوا بقولهم إن الركعتين الأولتين من الظهر والعصر يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب فقط دون سورة؛ مع أن قراءة سورة مع الفاتحة سنة ثابته عن الرسول ﷺ عند جميع المذاهب.- ذهبت الإباضية إلى أن القنوت في الصلاة لا يجوز، وأن رفع الأيدي في التكبير، وتحريك السبابة عند التشهد، والجهر بكلمة "آمين" بعد قراءة الفاتحة في الصلاة، وزيادة "الصلاة خير من النوم" في آذان الفجر؛ كله لا يجوز (٣).
المصدر: الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٤١١
المطلب الأول: التعريف
جماعة المسلمين كما سمت نفسها، أو جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها إعلامياً، هي جماعة إسلامية غالية نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية، نشأت داخل السجون المصرية في بادئ الأمر، وبعد إطلاق سراح أفرادها، تبلورت أفكارها، وكثر أتباعها في صعيد مصر، وبين طلبة الجامعات خاصة.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2102
أولا: التأسيس
تبلورت أفكار ومبادئ جماعة المسلمين التي عرفت بجماعة التكفير والهجرة في السجون المصرية وخاصة بعد اعتقالات سنة ١٩٦٥م التي أعدم على إثرها سيد قطب وإخوانه بأمر من جمال عبد الناصر حاكم مصر آنذاك.
لقد رأى المتدينون المسلمون داخل السجون من ألوان العذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان، وسقط الكثير منهم أمامهم شهداء بسبب التعذيب، دون أن يعبأ بهم القساة الجبارون، في هذا الجو الرهيب ولد الغلو ونبتت فكرة التكفير ووجدت الاستجابة لها.
في سنة ١٩٦٧م طلب رجال الأمن من جميع الدعاة المعتقلين تأييد رئيس الدولة جمال عبد الناصر فانقسم المعتقلون إلى فئات:
ـ فئة سارعت إلى تأييد الرئيس ونظامه بغية الإفراج عنهم والعودة إلى وظائفهم وزعموا أنهم يتكلمون باسم جميع الدعاة، وهؤلاء كان منهم العلماء وثبت أنهم طابور خامس داخل الحركة الإسلامية، وثمة نوع آخر ليسوا عملاء بالمعنى وإنما هم رجال سياسة التحقوا بالدعوة بغية الحصول على مغانم كبيرة.
ـ أما جمهور الدعاة المعتقلين فقد لجأوا إلى الصمت ولم يعارضوا أو يؤيدوا باعتبار أنهم في حالة إكراه.
ـ بينما رفضت فئة قليلة من الشباب موقف السلطة وأعلنت كفر رئيس الدولة ونظامه، بل اعتبروا الذين أيدوا السلطة من إخوانهم مرتدين عن الإسلام ومن لم يكفرهم فهو كافر، والمجتمع بأفراده كفار لأنهم موالون للحكام وبالتالي فلا ينفعهم صوم ولا صلاة. وكان إمام هذه الفئة ومهندس أفكارها الشيخ علي إسماعيل.
стр. 2103
ثانيا: من أبرز الشخصيات
- الشيخ علي إسماعيل: كان إمام هذه الفئة من الشباب داخل المعتقل، وهو أحد خريجي الأزهر، وشقيق الشيخ عبد الفتاح إسماعيل أحد الستة الذين تم إعدامهم مع الأستاذ سيد قطب، وقد صاغ الشيخ علي مبادئ العزلة والتكفير لدى الجماعة ضمن أطر شرعية حتى تبدو وكأنها أمور شرعية لها أدلتها من الكتاب والسنة ومن حياة الرسول ﷺ في الفترتين: المكية والمدنية، متأثراً في ذلك بأفكار الخوارج؛ إلا أنه رجع إلى رشده وأعلن براءته من تلك الأفكار التي كان ينادي بها.
ـ شكري أحمد مصطفى (أبو سعد) من مواليد قرية الحواتكة بمحافظة أسيوط ١٩٤٢م، أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا عام ١٩٦٥م لانتسابهم لجماعة الأخوان المسلمين وكان عمره وقتئذ ثلاثة وعشرين عاماً.
ـ تولى قيادة الجماعة داخل السجن بعد أن تبرأ من أفكارها الشيخ علي عبده إسماعيل.
ـ في عام ١٩٧١م أفرج عنه بعد أن حصل على بكالوريوس الزراعة ومن ثم بدأ التحرك في مجال تكوين الهيكل التنظيمي لجماعته. ولذلك تمت مبايعته أميراً للمؤمنين وقائداً لجماعة المسلمين ـ على حد زعمهم ـ فعين أمراء للمحافظات والمناطق واستأجر العديد من الشقق كمقار سرية للجماعة بالقاهرة والإسكندرية والجيزة وبعض محافظات الوجه القبلي.
ـ في سبتمبر ١٩٧٣م أمر بخروج أعضاء الجماعة إلى المناطق الجبلية واللجوء إلى المغارات الواقعة بدائرة أبي قرقاص بمحافظة المنيا بعد أن تصرفوا بالبيع في ممتلكاتهم وزودوا أنفسهم بالمؤن اللازمة والسلاح الأبيض، تطبيقاً لمفاهيمهم الفكرية حول الهجرة.
ـ في ٢٦ أكتوبر ١٩٧٣م اشتبه في أمرهم رجال الأمن المصري فتم إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة في قضية رقم ٦١٨ لسنة ٧٣ أمن دولة عليا.
ـ في ٢١ ابريل ١٩٧٤م عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣م صدر قرار جمهوري بالعفو عن مصطفى شكري وجماعته، إلا أنه عاود ممارسة نشاطه مرة أخرى ولكن هذه المرة بصورة مكثفة أكثر من ذي قبل، حيث عمل على توسيع قاعدة الجماعة، وإعادة تنظيم صفوفها، وقد تمكن من ضم أعضاء جدد للجماعة من شتى محافظات مصر، كما قام بتسفير مجموعات أخرى إلى خارج البلاد بغرض التمويل، مما مكن لانتشار أفكارهم في أكثر من دولة.
ـ هيأ شكري مصطفى لأتباعه بيئة متكاملة من النشاط وشغلهم بالدعوة والعمل والصلوات والدراسة وبذلك عزلهم عن المجتمع، إذ أصبح العضو يعتمد على الجماعة في كل احتياجاته، ومن ينحرف من الأعضاء يتعرض لعقاب بدني، وإذا ترك العضو الجماعة اُعتُبِرَ كافراً، حيث اعتبر المجتمع خارج الجماعة كله كافراً. ومن ثم يتم تعقبه وتصفيته جسدياً.
ـ رغم أن شكري مصطفى كان مستبداً في قراراته، إلا أن أتباعه كانوا يطيعونه طاعة عمياء بمقتضى عقد البيعة الذي أخذ عليهم في بداية انتسابهم للجماعة.
ـ وكما هو معلوم وثابت أن هذه الجماعة جوبهت بقوة من قبل السلطات المصرية وبخاصة بعد مقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق، وبعد مواجهات شديدة بين أعضاء الجماعة والسلطات المصرية تم القبض على المئات من أفراد الجماعة وتقديمهم للمحاكمة في القضية رقم ٦ لسنة ١٩٧٧م التي حكمت بإعدام خمسة من قادات الجماعة على رأسهم شكري مصطفى، وماهر عبد العزيز بكري، وأحكام بالسجن متفاوتة على باقي أفراد الجماعة.
ـ في ٣٠ مارس ١٩٧٨م صبيحة زيارة السادات للقدس تم تنفيذ حكم الإعدام في شكري مصطفى وإخوانه.
ـ بعد الضربات القاسية التي تلقتها الجماعة اتخذت طابع السرية في العمل، الأمر الذي حافظت به الجماعة على وجودها حتى الآن، ولكنه وجود غير مؤثر ولا ملحوظ لشدة مواجهة تيار الصحوة الإسلامية من أصحاب العقيدة والمنهج السلفي لهم بالحوار والمناظرات سواء كان داخل السجون والمعتقلات أم خارجها، مما دفع الكثير منهم إلى العودة إلى رشده والتبرؤ من الجماعة.
- ماهر عبد العزيز زناتي (أبو عبد الله) ابن شقيقة شكري مصطفى ونائبه في قيادة الجماعة بمصر وكان يشغل منصب المسؤول الإعلامي للجماعة، أعدم مع شكري في قضية محمد حسين الذهبي رقم ٦ لسنة ١٩٧٧م. وله كتاب الهجرة.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2104
المطلب الثالث: الأفكار والمعتقدات
- إن التكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة.
ـ فهم يكفرون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم. أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 2105
المطلب الرابع: مبادئهم وأصولهم
• أولا: مبدأ الحد الأدنى من الإسلام.
• ثانيا: مبدأ قاعدة التبين.
• ثالثا: مبدأ قاعدة تعارض الفرائض.
• رابعا: تكفيرهم لمرتكبي الكبائر:.
• خامسا: زعمهم أنهم جماعة آخر الزمان.
• سادسا: دعواهم أن زعيمهم هو المهدي المنتظر.
• سابعا: زعمهم بتميز جماعتهم.
• ثامنا: دعواتهم إلى الأمية ومحاربة التعليم.
• تاسعا: دعوتهم إلى اعتزال المجتمع.