← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

المطلب الأول: التعريف جماعة المسلمين كما سمت نفسها، أو جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها إعلامياً، هي جماعة إسلامية غالية نهجت نهج الخوارج في التكفير بالمعصية، نشأت داخل السجون المصرية في بادئ الأمر، وبعد إطلاق سراح أفرادها، تبلورت أفكارها، وكثر أتباعها في صعيد مصر، وبين طلبة الجامعات خاصة. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 2102

أولا: التأسيس تبلورت أفكار ومبادئ جماعة المسلمين التي عرفت بجماعة التكفير والهجرة في السجون المصرية وخاصة بعد اعتقالات سنة ١٩٦٥م التي أعدم على إثرها سيد قطب وإخوانه بأمر من جمال عبد الناصر حاكم مصر آنذاك. لقد رأى المتدينون المسلمون داخل السجون من ألوان العذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان، وسقط الكثير منهم أمامهم شهداء بسبب التعذيب، دون أن يعبأ بهم القساة الجبارون، في هذا الجو الرهيب ولد الغلو ونبتت فكرة التكفير ووجدت الاستجابة لها. في سنة ١٩٦٧م طلب رجال الأمن من جميع الدعاة المعتقلين تأييد رئيس الدولة جمال عبد الناصر فانقسم المعتقلون إلى فئات: ـ فئة سارعت إلى تأييد الرئيس ونظامه بغية الإفراج عنهم والعودة إلى وظائفهم وزعموا أنهم يتكلمون باسم جميع الدعاة، وهؤلاء كان منهم العلماء وثبت أنهم طابور خامس داخل الحركة الإسلامية، وثمة نوع آخر ليسوا عملاء بالمعنى وإنما هم رجال سياسة التحقوا بالدعوة بغية الحصول على مغانم كبيرة. ـ أما جمهور الدعاة المعتقلين فقد لجأوا إلى الصمت ولم يعارضوا أو يؤيدوا باعتبار أنهم في حالة إكراه. ـ بينما رفضت فئة قليلة من الشباب موقف السلطة وأعلنت كفر رئيس الدولة ونظامه، بل اعتبروا الذين أيدوا السلطة من إخوانهم مرتدين عن الإسلام ومن لم يكفرهم فهو كافر، والمجتمع بأفراده كفار لأنهم موالون للحكام وبالتالي فلا ينفعهم صوم ولا صلاة. وكان إمام هذه الفئة ومهندس أفكارها الشيخ علي إسماعيل.

стр. 2103

ثانيا: من أبرز الشخصيات - الشيخ علي إسماعيل: كان إمام هذه الفئة من الشباب داخل المعتقل، وهو أحد خريجي الأزهر، وشقيق الشيخ عبد الفتاح إسماعيل أحد الستة الذين تم إعدامهم مع الأستاذ سيد قطب، وقد صاغ الشيخ علي مبادئ العزلة والتكفير لدى الجماعة ضمن أطر شرعية حتى تبدو وكأنها أمور شرعية لها أدلتها من الكتاب والسنة ومن حياة الرسول ﷺ في الفترتين: المكية والمدنية، متأثراً في ذلك بأفكار الخوارج؛ إلا أنه رجع إلى رشده وأعلن براءته من تلك الأفكار التي كان ينادي بها. ـ شكري أحمد مصطفى (أبو سعد) من مواليد قرية الحواتكة بمحافظة أسيوط ١٩٤٢م، أحد شباب جماعة الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا عام ١٩٦٥م لانتسابهم لجماعة الأخوان المسلمين وكان عمره وقتئذ ثلاثة وعشرين عاماً. ـ تولى قيادة الجماعة داخل السجن بعد أن تبرأ من أفكارها الشيخ علي عبده إسماعيل. ـ في عام ١٩٧١م أفرج عنه بعد أن حصل على بكالوريوس الزراعة ومن ثم بدأ التحرك في مجال تكوين الهيكل التنظيمي لجماعته. ولذلك تمت مبايعته أميراً للمؤمنين وقائداً لجماعة المسلمين ـ على حد زعمهم ـ فعين أمراء للمحافظات والمناطق واستأجر العديد من الشقق كمقار سرية للجماعة بالقاهرة والإسكندرية والجيزة وبعض محافظات الوجه القبلي. ـ في سبتمبر ١٩٧٣م أمر بخروج أعضاء الجماعة إلى المناطق الجبلية واللجوء إلى المغارات الواقعة بدائرة أبي قرقاص بمحافظة المنيا بعد أن تصرفوا بالبيع في ممتلكاتهم وزودوا أنفسهم بالمؤن اللازمة والسلاح الأبيض، تطبيقاً لمفاهيمهم الفكرية حول الهجرة. ـ في ٢٦ أكتوبر ١٩٧٣م اشتبه في أمرهم رجال الأمن المصري فتم إلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة في قضية رقم ٦١٨ لسنة ٧٣ أمن دولة عليا. ـ في ٢١ ابريل ١٩٧٤م عقب حرب أكتوبر ١٩٧٣م صدر قرار جمهوري بالعفو عن مصطفى شكري وجماعته، إلا أنه عاود ممارسة نشاطه مرة أخرى ولكن هذه المرة بصورة مكثفة أكثر من ذي قبل، حيث عمل على توسيع قاعدة الجماعة، وإعادة تنظيم صفوفها، وقد تمكن من ضم أعضاء جدد للجماعة من شتى محافظات مصر، كما قام بتسفير مجموعات أخرى إلى خارج البلاد بغرض التمويل، مما مكن لانتشار أفكارهم في أكثر من دولة. ـ هيأ شكري مصطفى لأتباعه بيئة متكاملة من النشاط وشغلهم بالدعوة والعمل والصلوات والدراسة وبذلك عزلهم عن المجتمع، إذ أصبح العضو يعتمد على الجماعة في كل احتياجاته، ومن ينحرف من الأعضاء يتعرض لعقاب بدني، وإذا ترك العضو الجماعة اُعتُبِرَ كافراً، حيث اعتبر المجتمع خارج الجماعة كله كافراً. ومن ثم يتم تعقبه وتصفيته جسدياً. ـ رغم أن شكري مصطفى كان مستبداً في قراراته، إلا أن أتباعه كانوا يطيعونه طاعة عمياء بمقتضى عقد البيعة الذي أخذ عليهم في بداية انتسابهم للجماعة. ـ وكما هو معلوم وثابت أن هذه الجماعة جوبهت بقوة من قبل السلطات المصرية وبخاصة بعد مقتل الشيخ حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق، وبعد مواجهات شديدة بين أعضاء الجماعة والسلطات المصرية تم القبض على المئات من أفراد الجماعة وتقديمهم للمحاكمة في القضية رقم ٦ لسنة ١٩٧٧م التي حكمت بإعدام خمسة من قادات الجماعة على رأسهم شكري مصطفى، وماهر عبد العزيز بكري، وأحكام بالسجن متفاوتة على باقي أفراد الجماعة. ـ في ٣٠ مارس ١٩٧٨م صبيحة زيارة السادات للقدس تم تنفيذ حكم الإعدام في شكري مصطفى وإخوانه. ـ بعد الضربات القاسية التي تلقتها الجماعة اتخذت طابع السرية في العمل، الأمر الذي حافظت به الجماعة على وجودها حتى الآن، ولكنه وجود غير مؤثر ولا ملحوظ لشدة مواجهة تيار الصحوة الإسلامية من أصحاب العقيدة والمنهج السلفي لهم بالحوار والمناظرات سواء كان داخل السجون والمعتقلات أم خارجها، مما دفع الكثير منهم إلى العودة إلى رشده والتبرؤ من الجماعة. - ماهر عبد العزيز زناتي (أبو عبد الله) ابن شقيقة شكري مصطفى ونائبه في قيادة الجماعة بمصر وكان يشغل منصب المسؤول الإعلامي للجماعة، أعدم مع شكري في قضية محمد حسين الذهبي رقم ٦ لسنة ١٩٧٧م. وله كتاب الهجرة. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 2104

المطلب الثالث: الأفكار والمعتقدات - إن التكفير عنصر أساسي في أفكار ومعتقدات هذه الجماعة. ـ فهم يكفرون كل من أرتكب كبيرة وأصر عليها ولم يتب منها، وكذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ودون تفصيل، ويكفرون المحكومين لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ودون تفصيل، أما العلماء فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، كما يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إمامهم. أما من انضم إلى جماعتهم ثم تركها فهو مرتد حلال الدم، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 2105

المطلب الرابع: مبادئهم وأصولهم • أولا: مبدأ الحد الأدنى من الإسلام. • ثانيا: مبدأ قاعدة التبين. • ثالثا: مبدأ قاعدة تعارض الفرائض. • رابعا: تكفيرهم لمرتكبي الكبائر:. • خامسا: زعمهم أنهم جماعة آخر الزمان. • سادسا: دعواهم أن زعيمهم هو المهدي المنتظر. • سابعا: زعمهم بتميز جماعتهم. • ثامنا: دعواتهم إلى الأمية ومحاربة التعليم. • تاسعا: دعوتهم إلى اعتزال المجتمع.

стр. 2106

أولا: مبدأ الحد الأدنى من الإسلام ويريدون بذلك أن الإسلام يتمثل في جملة من الفرائض التي ينبغي اداؤها فمن لم يؤدها أو قصر فيها أو ترك بعضاً منها فلا يعتبر مسلماً. وشبهو الإسلام بغاية معينة "كالإسكندرية مثلا"، فمن أراد أن يصل الإسكندرية عليه أن يقطع جملة الاميال التي تفصل بينه وبينها، فمن قطع جميع المسافة ما عدا الميل الأخير فلا يعتبر واصلاً إلى غايته، وكذلك من قام بكل الفرائض ماعدا فريضة واحدة فلا يعتبر مسلماً (١). ولاشك أن هذا فهم غريب لا سند له ولا أساس، إذ أن الأمور كلها كما يقول أبو عبيد، يستحق الناس بها أسماءها على ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل بعضهم بعضا وقد شملهم فيها اسم واحد، فالمصلي يطلق على من استفتح الصلاة وعلى الراكع والساجد والقائم والجالس فيها فكلهم يلزمه، اسم المصلى. ولو أن قوماً أمروا بدخول دار فدخلها أحدهم، فلما تعب الباب أقام مكانه وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها قيل لهم جميعاً داخلون وبعضهم فيها أكثر قدماً من بعض، فهذا الكلام هو المعقول عند العرب السائد فيهم، فكذلك المذهب في الإيمان إنما هو دخول في الدين (٢). صحيح أن الإسلام يتمثل في جملة من الفرائض التي يلزم أداؤها، ولكن هذا لا يعني أنه لا يطلق اسم الإسلام إلا على من قام بها جميعاً، كما أن من قصر في اداء بعض منها لا يسلبه هذا اسم الإسلام ولا يخرجه منه. المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة - أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١١١

стр. 2107

ثانيا: مبدأ قاعدة التبين استندت جماعة التكفير والهجرة على هذه القاعدة في تحديد أسس العلاقة بين جماعتهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه، وتتمثل هذه القاعدة في قولهم إن المجتمع لا يحكم عليه بالإسلام حتى يتضح أن افراده استوفوا فرائض الإسلام وأدوها. وذلك أن الافراد الذين هم خارج "جماعة المسلمين" وفرقتهم لا يضمن أنهم يقيمون فرائض الإسلام كاملة والتي تمثل الحد الأدنى للحكم بالإسلام على أحد من الناس حيث لا توجد الهيئة التي تستوفى ذلك منهم، وكذلك فهم ناقضون للجماعة والبيعة كفريضة، وعلى ذلك فلا نستطيع أن نحكم لهم بالإسلام، ومن ناحية أخرى لم نتبين منهم كفراً بواحاً يوجب طردهم من الإسلام فلا نستطيع أن نحكم عليهم بالكفر. وعليه فالحكم الشرعي في من هو خارج جماعة المسلمين "فرقتهم"، هو التوقف فيهم حتى تبينهم، والبينة هي لزومهم الجماعة مبايعة أمامها أو من ينوب عنه، فمن أجاب إليها كان مسلماً، ومن رفضها كان كافراً" (١). وقاعدة التبين هذه شبيهة بمبدأ الاستعراض الذي قال به وطبقه الازارقة من الخوارج (٢). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١١٦

стр. 2108

ثالثا: مبدأ قاعدة تعارض الفرائض وتنص هذه القاعدة على أن للمسلمين هدفاً أولاً وأكبر هو إقامة الحكومة الإسلامية أو الخلافة وتعبيد الأرض لله، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الأعظم قد تقتضي الضرورة التخلي عن جزء من الحق إذا تعارض مع الهدف الأول للجماعة المسلمة لاسيما في مرحلة الاستضعاف، حين تكون الحاجة ماسة لتلك القاعدة، وحيث لا نكاد نقوم بفريضة إلا على حساب أخرى، فلابد من إجراء المفاضلة بين الفرائض على أساس تقديم الأهم أو ما يحقق مصلحة الجماعة أو يدفع الأذى عنها (١). وتبعاً لهذا أمروا أفراد جماعتهم بحلق اللحية لأنها تعوق الحركة، وتعرض أمن الجماعة للخطر، وتركوا إقامة الجمعة وقالوا أن من شروط الجمعة التمكين وأنهم في حالة الاستضعاف، كما ذهبوا إلى أن الضرورة الأمنية لحركة الجماعة تستدعي التوقف عن العمل بفريضة الجمعة (٢). ولاشك أن هذا خلط شنيع بين أمور كثيرة مرده إلى اضطراب مفاهيم هذه الجماعة وتداخلها، وعدم تمييزهم بين حالة الاكراه التي رخص فيها للمسلم أن يظهر التخلي ظاهراً حتى عن معتقده كما في حالة عمار بن ياسر، وبين جعل مصلحة الجماعة الخاصة وأمنها، مقياساً للقيام بالفرائض وعدم القيام بها، وعدم فهمهم للاستضعاف وما يتبعه من رخص، وعدم التمكين وما ينتج عنه من اعذار، وكل هذه مسائل لا يحكم فيها بالرأي الشخصي والهوى الغالب بل تخضع لضوابط شرعية وأصول دينية لابد من مراعاتها، والدقة في تطبيقها تجنباً للزيغ وأتباع الهوى والانقياد له. المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١١٩

стр. 2109

رابعا: تكفيرهم لمرتكبي الكبائر: ذهبت جماعة التكفير والهجرة – كما ذهب الخوارج من قبل، إلى أن ارتكاب الكبائر يخرج من الملة ويحكم على فاعله بالكفر، وقالوا أن كلمة كفر في الشريعة استخدمت للدلالة على نقيض الإيمان، وهي تشتمل على كلمات الفسق والظلم والعصيان، وأن هذه الكلمات الثلاث تدل على معنى واحد وهو الكفر الملى، والاختلاف بينها يعود إلى الاختلاف في مداخل الكفر لا في حقيقته، تماماً كما أن كلمات المؤمنين والمسلمين والقانتين ... في قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ... الآية [الأحزاب: ٣٥]، تدل على معنى واحد وحكم واحد وهو الإيمان عند الجميع والخلاف في الأسماء يعود إلى اختلاف مداخل الإيمان (١).وساووا كما فعل الخوارج بين الخطأ في الاعتقاد والخطأ في العمل وانكروا التفرقة بينهما وقالوا: لم يحدث أن فرقت الشريعة بين الكفر العملي والكفر القلبي، ولا أن جاء نص واحد يدل أو يشير أدنى إشارة إلى أن الذين كفروا بسلوكهم غير الذين كفروا بقلوبهم واعتقادهم، بل كل النصوص تدل على أن عصيان الله عملاً والكفر به سلوكاً وواقعاً هو بمفرده سبب العذاب في النار والحرمان من الجنة وأنكروا أن يكون الاستحلال أو الجحود شرطاً للحكم على كفر مرتكب الكبيرة وقالوا: "أما شرط الاستحلال أو الجحود القلبي أو اللساني فشرط زائد متكلف ما اشترطه عقل ولا كتاب ولا سنة ولا يجيزه التعامل الواقعي الملموس بين الناس – فإن العقل والواقع والشرع كل هؤلاء لا يفرق من حيث النتيجة الحقيقة بين من جحد حقاً لأحد من الناس بلسانه وبين من أمر به ثم اشتركا جميعاً في منعه وجحده بالسلوك والجارحة، بل لعل المقر بلسانه الجاحد بسلوكه أكبر جرماً عند الناس وأغيظ لهم من الآخرة (٢). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٢٢

стр. 2110

خامسا: زعمهم أنهم جماعة آخر الزمان كما ادعى الخوارج من قبل أنهم "الجماعة المسلمة" وحكموا على من عداهم بالكفر، فقد فعل بالمثل جماعة التكفير والهجرة، إذ زعموا أنهم جماعة المسلمين وأن زعيمهم هو المهدي المنتظر، وعلى يديه سيتم انتصار الإسلام وظهوره على سائر الأديان. ومما احتجوا به على أنهم جماعة آخر الزمان ما يلي: أن الرسالات الإلهية لا تأتي إلا بعد فساد الأرض، وكذلك جماعة الحق لا تظهر إلا بعد أن يعم الفساد كما هو حاصل الآن "كان موعد نزول رسول الله بعد ما فسد أهل الأرض عربهم وعجمهم كما هو النص الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وذلك لأن الفساد ملأ الأرض وهذه سنة ثابتة، إن الله ينزل القطر من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وأنه ينزل نصره على رسله إذا استيأسوا، وسنة الله كذلك أن لا يأذن لجماعة الحق أن تقوى إلا عندما يظهر الفساد ويزداد، وكل ما في الأرض ممقوتون بعصيانهم لله ورسوله وهذا ميقات الجماعة الإسلامية لإقامة دولة الإسلام" وقد ربطوا ظهور جماعتهم بظهور الدجال ونزول عيسى بن مريم، وزعموا أن ظهور الدجال ونزول عيسى قد أوشك، واستشهدوا لذلك بسيطرة اليهود على الأرض، وتمكنهم من رقاب النصارى والمشركين" (١). ودعوى جماعة التكفير والهجرة أنهم جماعة آخر الزمان دعوى باطلة لا سند لها ولا أساس من الشرع والدين، وقد كانت أحداث التاريخ وما آل إليه مصير الجماعة دعواهم هذه إذ انتهى أمر الجماعة قبل أن يظهر أمرهم أو يدركوا شيئا مما زعموا. واستشهدوا ببعض الآيات القرآنية التي زعموا أنها تشير إليهم وقالوا "أنهم جماعة الحق في آخر الزمان الذين تشملهم آية وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة: ٣]. وآية فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] ورأوا أيضاً أن قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الفتح: ٢٨]. ينطبق على جماعتهم "جماعة آخر الزمان" وزعموا أن محمداً ﷺ توفاه الله دون أن يظهر الإسلام على جميع الأديان وهذا يعني أن جماعتهم هي وحدها التي سوف يحقق الله على يدها معاني هذه الآية الكريمة. وقالوا "فقد كلفهم الله – أي جماعة آخر الزمان – من الناحية التي يعلمها ويريدها بما لم يكلف به صحابة النبي ﷺ حيث سوف يتم على يد جماعة آخر الزمان ظهور الإسلام على كافة الأديان والملل ويعبد الله لا يشرك به شيئاً، ولا يبقى بيت من وبر أو مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، ويتم الله قدرته ونعمته على عباده وينتصر هو ورسله وحزبه على العالمين ويمكن لهم في الأرض كما وعد بذلك" (٢). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٢٢

стр. 2111

سادسا: دعواهم أن زعيمهم هو المهدي المنتظر نتيجة لدعواهم أنهم جماعة آخر الزمان، ذهب جماعة التكفير والهجرة إلى أن قائدهم "شكري مصطفى"، هو مهدي هذه الأمة المنتظر، ولن تستطيع السلطة قتله وسوف يذهب كل جهد تبذله في هذا السبيل ادراج الرياح، لأن الله سوف يحفظه ليجاهد اليهود والنصارى ويرفع رايات النصر في كل صقع من أصقاع العالم الفسيح، ويظهر الله به دينه على كافة الأديان والملل ويمكن له في الأرض ما شاء أن يمكن" (١). وقد اهتم جماعة التكفير والهجرة بقضية المهدي المنتظر واحتلت حيزاً واسعاً في رسائلهم وفصلوا القول عن الفترة التي تسبق ظهور المسيح ﵇ وفيها يظهر المهدي، وتدور معركة فاصلة بين الدجال وعيسى ﵇ .. تنتهي بمقتل الدجال، كما تحدثوا عن خروج ياجوج وماجوج. ويبدو من رسائلهم أنهم يعتقدون أنه لا أمل في إصلاح الأمة إلا على يد "الجماعة المسلمة" ومهديها المنتظر. ولكن هذا لن يكون إلا بعد تدمير الكافرين أي بعد حرب مدمرة بين القوتين العظميين يهلك فيها الناس ويدمر فيها السلاح الحديث من قنابل ذرية وصواريخ ولا يبقى إلا السلاح الفطري القديم من سيوف وحراب ورماح وخيول تكون عدة للمسلمين فتتحقق سنة الله في الأرض!! (٢). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٣١

стр. 2112

سابعا: زعمهم بتميز جماعتهم وقد زعم جماعة التكفير والهجرة أن جماعتهم "جماعة المسلمين" جماعة متميزة لا تربطها رابطة بتاريخ المسلمين العام، وأنها لا صلة لها بأي من الجماعات الإسلامية المعاصرة. وقد كتب عبد الرحمن أبو الخير، الذي كان عضواً في الجماعة مبيناً موقفهم من هذه القضايا فقال: "وأختلفنا منذ اليوم الأول في الفرعيات": ١ - سحب الكفر على عصور التاريخ الإسلامي منذ القرن الرابع للهجرة. ٢ - كون جماعتنا هي الجماعة الوحيدة المسلمة في العالم. ٣ - تكفير الأخوان المسلمين كشخص معنوي من شخصيات الحركة الإسلامية. فبينما كنت أعتبر جماعة الشيخ شكري هي امتداد عضوي تاريخي للأخوان المسلمين، وصدى لمحنتها، كان الشيخ شكري يعتبر جماعته لا يربطها بأي جماعة على وجه الأرض أو عصر من عصور الخلافة وخاصة الخلافة العثمانية، أية صلة، فهي عنده ليست امتداداً عضوياً للاخوان المسلمين أو اية جماعة أخرى من جماعات الحركة الإسلامية أو الخلافة العثمانية.٤ - عدم الاعتداد بالتاريخ الإسلامي، فقد كان شكري يعتبره وقائع غير ثابتة الصحة وأن التاريخ عنده هو أحسن القصص الوارد في القرآن الكريم، ولذا يحرم دراسة عصور الخلافة الإسلامية أو الاهتمام بها في حين كنت أرى أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ دار الإسلام كلها المتصلة الحلقات منذ هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وحتى نجاح الغارة العالمية التي اشترك فيها العرب والعجم ضد آخر الخلفاء السلطان عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد آل عثمان في عام ١٩٠٩م تاريخ الانقلاب الاتاتوركي" (١). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٣٣

стр. 2113

ثامنا: دعواتهم إلى الأمية ومحاربة التعليم ورغم أن هذه الجماعة زعمت أنها الجماعة الوحيدة المؤهلة لحمل رسالة الإسلام وتنفيذها، فإنها لم تعد نفسها لحمل هذه الرسالة، بل أنها دعت إلى الأمية وعدم التعلم زاعمين أنهم بذلك يتشبهون بذلك الجيل الأول الذي حمل الدعوة ومدعين أنه لا يمكن الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم المادية أو علوم الكفار كما يقولون. ففي رسالة التوسمات، يقولون عن خصائص جماعة الرسول ﷺ ، فلم تتعلم - أي الجماعة الأولى – الدين للدنيا، ولم يكونوا يتعلمون لعمارة الأرض وبناء الدور، فتلك صفة الكافرين يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم: ٧]، حتى أن رسول الله ﷺ ، كان يجهل أثر تأبير النخل، ويقول نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فلابد أن نكون مثلهم أميين نوجه كل جهدنا ووقتنا لنتعلم الكتاب والحكمة، وما دون ذلك فهو ضلال مبين. ومتى يتعلم الإسلام من أمضى أكثر من نصف عمره في تعلم الجاهلية، ومن أجل هذا نقول إن الدعوة إلى محو الأمية فكرة يهودية لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام. ووجود من يقرأ ويكتب بيننا لا ينفي أننا نحن أمة أمية نوجه كل وقتنا لتعلم الإسلام" (١).ولا شك أن هذا خلط واضح وسفسطة عرجاء، إذ أن هنك فرقاً بين القول أن الجماعة الأولى لم تتعلم الدين للدنيا، وبين القول أنها تركت التعلم أصلاً. كما أن هناك فرقاً بين أن يكون الرسول ﷺ أمياً رسولاً، الأمر الذي يعد معجزة له، وبين أن تكون الجماعة المسلمة غير متعلمة "أمية" والذي هو نقص في حقها. وقد أخطأت جماعة الهجرة فهم معنى الأمية الوارد وصفاً للرعب في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة: ٢]. فالأمية في هذه الآية لا تعني الشائع المقابل للثقافة والمعرفة، بل أنها مستخدمة هنا كاصطلاح مقابل للفظ "أهل الكتاب" الذين أرسلت إليهم رسالات الهية كاليهود والنصارى، بينما الأميون هم العرب الذين لم يتلقوا رسالات ولم يبعث فيهم رسول ومن ثم فلا علم لهم برسالات السماء، ويؤيد هذا قول ابن عباس: "الأميون أي العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم يكتب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب" (٢). وما ورد من مقابلة بين أهل الكتاب والأميين في قوله تعالى: وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٠]. المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٣٣

стр. 2114

تاسعا: دعوتهم إلى اعتزال المجتمع ووفقاً لتصورهم القاصر وفهمهم السقيم للعلاقة بين الدين والعلم، وجهت جماعة الهجرة اتباعها إلى هجرة المعاهد والمدارس والجامعات والوظائف الحكومية تحقيقاً لهذا المفهوم الساذج عن العلم والتعليم، وتطبيقاً لفكرتهم عن الهجرة وعزلة الناس ومفاصلة المجتمع بمؤسساته ونظمه. إذ أن هذه الجماعة، كما سبق أن أشرنا – تزعم أنها جماعة المسلمين الوحيدة وأن من عداهم ليسوا بمسلمين، ومن ثم اتخذوا موقفاً تجاه المجتمع بأسره وأعلنوا المفاصلة التامة بينهم وبين مجتمع المسلمين الذي وصفوه بالجاهلية والكفر ... واعتزلوا مؤسساته التعليمية ودور العبادة فيه، ويقول زعيمهم شكري مبرراً ظاهرة منع اتباعه من دخول الجامعات والمدارس والمعاهد "أنني أقول للطاغوت أنا لا أشكل عقبة في خطتك فقط بحجبى النساء عن الجامعات والمدارس، أقول للطاغوت ها انذا أريحك من مشاكل تعليمهم وانتقالاتهم، وهجرتي لا تشكل خطراً انقلابياً عليك، واساهم بذلك في تخفيف مشاكل الإسكان. وبترك الوظائف اريحك من المرتبات التي تدفع لنا" (١). وفكرت هذه الجماعة في أن تعتزل المجتمع ويسكن أفرادها في قرى منعزلة في الصحراء بعيداً عن المجتمع الجاهلي كي يعبدوا الله وحده حتى تتيسر لهم الهجرة إلى أرض الله الواسعة فراراً من سلطان الجاهلية"، فلجئوا إلى الكهوف والجبال والمغارات، وامتنعوا عن التزاوج من أفراد المجتمع المسلم، وقالوا: أن الله تعالى حرم علينا نكاح المشركات – حاشا أهل الكتاب، ولما كانت النساء اللائى هن خارج جماعة المسلمين وفرقتهم متوقفاً فيهن، فقد وجب التوقف عن الزواج منهن وتحريمه لاحتمال كونهن مشركات، واستشهدوا لموقفهم هذا ببعض الآيات القرآنية التي فسروها تفسيراً خاصاً لكي توافق مذهبهم وأهواءهم. المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٣٧

стр. 2115

المطلب الخامس: أخطاؤهم في المنهج • أولا: أقوالهم في فهم الكتاب والسنة. • ثانيا: ردهم للإجماع. • ثالثا: طعنهم في الصحابة وردهم لأقوالهم. • رابعا: آراؤهم في التقليد.

стр. 2116

أولا: أقوالهم في فهم الكتاب والسنة زعمت جماعة الهجرة أن القرآن لا يحتاج إلى تفسير، ومن ثم يمكن أن تؤخذ الأحكام منه ومن السنة مباشرة وقالوا في ذلك: "من اعتقد أن كلام الله ورسوله يحتاج إلى شرح فقد كفر لأنه اعتقد بأن كلام البشر أبين وأوضح من كلام الله" (١) واستدلوا على رأيهم هذا بقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [سورة هود: ١]. كما احتجوا أيضاً بقولهم: هل كلام الله ورسوله ﷺ أبين أم كلام غيرهما؟. فإن قالوا كلام الله أبين وجب عليهم اتباعه وكفونا مؤونة الرد عليهم، وإن قالوا العكس فقد كفروا وصادموا النصوص. وقالوا أيضاً: "وهل يحتاج الله ﵎ إلى شارح بغير إذنه أم لا يحتاج، فإن قالوا: لا يحتاج كفونا مؤونة الرد عليهم، وأن قالوا يحتاج فقد اشركوا بالله العظيم ما لم ينزل به سلطاناً" (٢).ولا شك أن هذا جدل سقيم وسفسطة فارغة مبعثها الخطأ في فهم المراد بالتفسير فالتفسير لا يعني - كما فهم جماعة الهجرة - أن كلام الله غامض ويحتاج إلى شرح بشري ليكون مفهوماً عند الناس، بل أن كلام الله تعالى يحتاج إلى عدة واستعداد بشري لفهم معانيه وإدراك مراميه، ومن ثم كانت الحاجة إلى التفسير الذي هو علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها ثم ترتيب مكيها ومدنيها ومحكمها ومتاشبهها وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها وعبرها وأمثالها" (٣). وليس كل إنسان أهلاً لهذا، بل لا ينهض بهذه المهمة إلا من ألم بعلوم اللغة والنحو والصرف والبلاغة وعلم القراءات والناسخ والمنسوخ وعلم أسباب النزول وعلم أصول الدين والتوحيد والحديث النبوي وعلم أصول الفقه" (٤). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة - أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٣٩

стр. 2117

ثانيا: ردهم للإجماع أنكرت جماعة التكفير والهجرة الإجماع، وزعموا كفر من يعتقد حجيته، وأن من يعتقده يكون قد اتخذ جمهور الناس آلهة وارباباً من دون الله ، فقد جاء في كتابهم الحجيات قولهم: "الاجماع ليس حجة، وإنما الحجة في مستنده إذا ظهر، وإن لم يظهر فلا يصح أن يشرع لنا الرجال ديناً ثم نطيعهم فيكونوا الهة وأرباباً من دون الله" (١).ومثل هذه الآراء تدل على جهل بمعنى الاجماع وشروطه، فالاجماع ليس أقوال وآراء الرجال مجردة بل هو كما يقول الأصوليون "اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول على حكم شرعي في واقعة" (٢). ولا يكون الاجماع حجة إلا إذا تحققت أركانه بأن أحصى جميع المجتهدين في العصر، وعرضت عليهم الواقعة لمعرفة حكمها الشرعي وأبدى كل مجتهد منهم رأيه صراحة في حكمها بالقول لمعرفة حكمها الشرعي وأبدى كل مجتهد منهم رأيه صراحة في حكمها بالقول أو بالفعل، مجتمعين أو منفردين، واتفقت آراؤهم جميعاً على حكم واحد في هذه الواقعة، فإذا تحققت هذه الأركان كان الحكم المتفق عليه قانوناً شرعياً واجباً اتباعه ولا يجوز مخالتفه (٣). ومستند كل مجتهد نصوص الشرع وأدلته، ومن ثم فهو حجة قطعية عند أهل السنة والجماعة إذا علم وكان صريحاً وله أدلة على حجيته وسنه من الكتاب والسنة والنظر. ومن العجيب أن جماعة التكفير والهجرة الذين رفضوا اجماع مجتهدي الأمة، جعلوا البديل له أقوال وأفعال أميرهم الذي اعتبروه حجة الله في أرضه وأميراً للمؤمنين، وقالوا أنه لا يجوز لأحد عصيان أمره والتردد في تنفيذ رغباته واجتهاداته" (٤).

стр. 2118

ثالثا: طعنهم في الصحابة وردهم لأقوالهم شن جماعة التكفير والهجرة هجوماً عنيفاً على الصحابة رضوان الله عليهم، محاولين اثبات أنهم ليسوا أهلا للاقتداء بهم أو الأخذ عنهم، وقالوا في رسالة الحجيات "إذا قيل أن الصحابي هو كل من صحب رسول الله ﷺ وراءه وسمعه فقد كان من بين هؤلاء منافقون واعراب لم يدخل الإيمان في قلوبهم ومرتدين ... الخ (١) ولا شك أن هذا جهل فاضح وعدم معرفة بمن هو الصحابي، فالصحابي كما عرفه علماء المسلمين: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به ومات على الإسلام ومن ثم فمن لقى النبي مؤمناً ثم ارتد ومات على الردة فلا يعد من الصحابة، ولا أ؛ د يعد المنافقين من الصحابة، بل أن المنافقين كانوا معروفين أن لم يكن باعيانهم فبصفاتهم التي بينتها سورة المنافقين والآيات التي نزلت فيهم، ولا أحد من الذين صنفوا في الصحابة أو كتبوا عنهم عدوهم من جملتهم" (٢).وزعم أصحاب التكفير والهجرة، أن الاختلاف بين الصحابة دعاة إلى رد أقوالهم وعدم الاقتداء بهم فقالوا: إذا قيل إن الصحابي من شهد له بالصلاح أو بشر بالجنة، أو أنه من كان من أصحاب بدر والشجرة ... الخ فهؤلاء اختلفوا والحق واحد واختلافهم يستلزم عدم الاقتداء بهم ولا ضرورة للارتباط بين التقوى والفتيا، إذ الفتيا تسلتزم العلم والصدق" (٣). واختلاف الصحابة وتنازعهم لم يكن في مسائل العقيدة كالأسماء والصفات والأفعال، بل كانت كلمتهم متفقة في هذه ولم يلجأوا إلى التأويل والتحريف فيها، ولكنهم تنازعوا واختلفوا في مسائل الأحكام، وقد وضع العلماء ضوابط للأخذ بأقوال الصحابة وتجريجها إذا اختلفوا (٤)، ولم يكن هذا مدعاة لرد أقوالهم جملة أو التشكيك فيها كما فعل جماعة التكفير والهجرة. ويقولون أيضاً أنه إذا أريد بالصحابة الذين لازموا رسول الله ﷺ ، وعرفوا أسباب النزول وربطوا بين النص والواقع فإنهم لا يعدون أن يكونوا سبباً من الأسباب التي حفظ الله بها الدين وفقاً لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فسمعنا ما سمعوا ونقلوا إلينا ما رأوا مما لابد من حفظه وما هو مهم في حفظ النص. فهم يريدون أن يقولوا أنهم بلغهم ما بلغ الصحابة، وزادوا على ذلك فزعموا أنه لا مزية للصحابة في فهم الدين والعلم باللغة التي نزل بها القرآن، بل اوردوا بعض الأشارات التي زعموا أنها تسند رأيهم حيث أخطأ فيها الصحابة فهم المعنى أو جهلوه (٥). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٤٣

стр. 2119

رابعا: آراؤهم في التقليد شن جماعة التكفير أيضاً هجوماً على التقليد، وهاجموا من أباح التقليد وأجازه، وزعموا أن أول كفر وقع في الملة كان عن طريق التقليد. ويقولون في ذلك: "المقلد عندهم – المسلم بزعمهم – هو من يقلد المجتهد ويأخذ عنه المسألة الفقهية ويقبل حكمه فيها من غير أن يسأله عن الدليل"، وسنثبت بإذن الله أن أول كفر وقع في هذه الأمة هو كفر التقليد أو ترك الهدى – الاجتهاد فيه – إلى التقليد، قال ﵎: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] ووصلت بهم الحماقة إلى أن أوجبوا التقليد على العامة وحرموا عليهم الاجتهاد في دين الله (١). المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين - الخوارج والشيعة – أحمد محمد أحمد جلي/ ص ١٤٦

стр. 2120

المطلب السادس: أماكن الانتشار انتشرت هذه الجماعة في معظم محافظات مصر وفي منطقة الصعيد على الخصوص، ولها وجود في بعض الدول العربية مثل اليمن والأردن والجزائر وغيرها. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 2121

مراجع للتوسع: أـ كتب ورسائل الجماعة: (مخطوطات غير مطبوعة). ـ رسالة الحجيات شكري مصطفى "أبو سعد". ـ رسالة التوسعات شكري مصطفى "أبو سعد". ـ كتاب الخلافة شكري مصطفى "أبو سعد". ـ رسالة الهجرة ماهر البكري "أبو عبد الله". ـ رسالة إجمال تأويلهم والرد عليها "أبو عبد الله". ـ ذكرياتي مع جماعة المسلمين ـ التكفير والهجرة ـ عبد الرحمن أبو الخير الكويت ١٩٨٠م. ب ـ كتب ورسائل لغير الجماعة: ـ الأصولية في العالم العربي ـ ريتشارد جرير دكمجيان دار الوفاء ـ المنصورة. ـ ظاهر الغلو في التكفير، د. يوسف القرضاوي دار الاعتصام القاهرة. ـ الحكم وقضية تكفير المسلم، سالم البهنساوي ـ الكويت ١٩٨١م. ـ دعاة لا قضاة، حسن الهضيبي، القاهرة ١٩٧٧م. ـ الغلو في الدين ـ عبد الرحمن اللويحق المطيري. ـ ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة ـ عبد الله القرني. ـ الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو ـ محمد سرور بن نايف زين العابدين. ـ تحكيم القوانين ـ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. ـ حكم تفكير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة ـ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. ـ الإيمان الأوسط ـ ابن تيمية. ـ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة اللالكائي.

стр. 2122

المبحث الأول: الحكم بتكفير الخوارج وقد استند الذين كفروهم على ما ورد من أحاديث المروق المشهورة عند علماء الفرق؛ رادين الخوارج إلى سلفهم القديم ذي الخويصرة وموقفه الخاطئ من رسول الله ﷺ ، ثم موقف الخوارج أيضاً من الصحابة خصوصاً الإمام علياً وغيره ممن شارك في قضية التحكيم. والأحاديث الواردة فيهم كثيرة غير أن علي يحيى معمر يرى أن هذه الأحاديث إنما تصدق –على فرض صحتها كما يذكر- على المرتدين في زمن أبي بكر ﵁ (١) وما رأيت أحداً من العلماء سبقه إلى هذا القول. ثم إن ما في الأحاديث من أوصاف الخوارج من كثرة قراءتهم للقرآن وتعمقهم في العبادة لا ينطبق على هؤلاء المرتدين في زمن أبي بكر بعد وفاة الرسول ﷺ . وقد كفرهم كثير من العلماء، لا نرى التطويل بذكر أسمائهم هنا. وإذا كان بعض العلماء يتحرج عن تكفيرهم عموماً فإنه لا يتحرج عن تكفير بعض الفرق منهم، كالبدعية من الخوارج الذين قصروا الصلاة على ركعة في الصباح وركعة في المساء. والميمونية- حيث أجازوا نكاح بعض المحارم كبنات البنين وبنات البنات وبنات بني الأخوة، ثم زادوا فأنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن لاشتمالها –فيما يزعمون- على ذكر العشق (٢) والحب، والقرآن فيه الجد، وكذا اليزيدية منهم، حيث زعموا أن الله سيرسل رسولاً من العجم فينسخ بشريعته شريعة محمد ﷺ (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٩٥ وقد نظر الذين كفروا الخوارج أو كفروا بعضهم إلى ما أحدثوه من عقائد وأحكام مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، فكفروهم ومن هؤلاء المكفرين من رد سلفهم القديم إلى ذي الخويصرة، ونظر إلى ما ورد في حقهم من الأحاديث التي تصفهم بالمروق من الدين؛ فكفرهم.

стр. 2123

وقد وردت عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة جملة من هذه الأحاديث الصحيحة ومنها:١ - حديث علي ﵁، وفيه وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)) (١).٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يخرج في هذه الأمة – ولم يقل: منها- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم- أو: حناجرهم- يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء)) (٢).٣ - حديث عبدالله بن عمر، وذكر الحرورية فقال: قال النبي ﷺ : ((يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)) (٣).٤ - حديث ذي الخويصرة التميمي عن أبي سعيد قال: ((بينا النبي ﷺ يقسم جاء عبدالله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه قال: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه – أو قال: ثدييه – مثل ثدي المرأة – أو قال: مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: أشهد سمعت من النبي ﷺ ، قال: فنزلت فيه: وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)) (٤).٥ - حدثنا يسير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئا؟ قال: سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق: ((يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)) (٥).وقد أورد ابن حجر عدة روايات عن الصحابة تصف الخوارج بأنهم شرار الخلق والخليقة، وأنهم أبغض خلق الله، وأنه يقتلهم خير الخلق والخليقة، وهي روايات كثيرة (٦)، ثم أورد أسماء طائفة من العلماء الذين كفروهم، كالبخاري، حيث قرنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة، وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي – فيما يذكر ابن حجر – حيث صرح بكفرهم في شرح الترمذي، وقال: إن هذا هو الصحيح، مستندا إلى قوله ﷺ : ((يمرقون من الإسلام))، وبقوله: ((ولأقتلنهم قتل عاد)) (٧)،وفي لفظ: ((ثمود)) (٨)، ولحكمهم على من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار، فكانوا هم أحق بالاسم منهم، وبقوله: ((هم شر الخلق والخليقة)) (٩)، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى" (١٠).ومثله ما نقله ابن حجر عن السبكي، حيث يرى أن الصحيح هو القول بكفرهم، وذلك بسبب تكفيرهم أعلام الصحابة، لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته (١١)

стр. 2124

لهم بالجنة، وكذا القرطبي فقد قال في المفهم: "والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث" (١) وقال أيضا: "فعلى القول بتكفيرهم، يقاتلون ويقتلون، وتسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا، ونصبوا الحرب" (٢). وهذا يدل على أنه غير جازم بالحكم فيهم، وإن كان يرى ترك تكفيرهم أسلم لقوله: "وباب التكفير باب خطر، ولا تعدل بالسلامة شيئا" (٣).ونقل ابن حجر أيضا عن صاحب الشفا قوله: "وكذا نقطع بكفر كل من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة" (٤).ثم قال: "وحكاه صاحب الروضة في كتاب الردة عنه وأقره" (٥).ويروي ابن الجوزي كثيرا من مذامهم، ثم أورد حديثا بسند ينتهي إلى عبدالله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخوارج كلاب أهل النار" (٦).وقال الملطي: "جاء رجل إلى طاوس من أهل الجند، فقال: يا أبا عبدالرحمن علي غزوة في سبيل الله، فقال: عندك هؤلاء، فاحمل على هؤلاء الخبثاء، فإن ذلك يؤدي عنك" (٧)،وهذا يشير إلى تكفيرهم. ولقد بالغ الملطي فادعى إجماع الأمة على تكفير الخوارج، فقال مخاطبا لهم: "وأنتم بإجماع الأمة مارقون، خارجون من دين الله، لا اختلاف بين الأمة في ذلك" (٨).وقد أنكر عليه الطالبي دعوى الإجماع هذه بأنه من الصعب أن يثبت زعمه الإجماع على إكفار الخوارج" (٩).وممن كفرهم أيضا أبو المظفر شاهور الإسفراييني فيما ذكره عنه الطالبي أيضا، وذلك لأنهم "كفروا الصحابة"، "ويجزم (يعني الإسفراييني) بأن من كان اعتقاده كاعتقادهم، فإنه لا شبهة تعترض أهل الديانة في خروجه عن الملة" (١٠) .. وهذا هو رأي الزيدية جميعا فيما ينقله الطالبي عن الشيخ المفيد بقوله: "ويصرح الشيخ المفيد بأن الزيدية قاطبة مجمعة على أن الخارجين على الإمام علي بن أبي طالب كفار، بسبب خروجهم عليه، وأنهم مخلدون في النار" (١١)، وهو اعتقاد جميع الشيعة في الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁. وفي هذا يقول ابن أبي الحديد: "وأما الخوارج فإنهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه، ولا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار" (١٢)،ثم صرح بأن الخوارج والمعتزلة على اتفاق في كل المسائل، ماعدا خروجهم على علي، فهو الفارق فيما بينهم، وهو الذي أحبط أعمالهم عنده، كما في قوله: "ولا ريب أن الخوارج إنما برئ أهل الدين والحق منهم – يعني بأهل الدين والحق المعتزلة- لأنهم فارقوا عليا، وبرئوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم نحو القول بتخليد الفاسق في النار، والقول بالخروج على أمراء الجور، وغير ذلك من أقاويلهم، فإن أصحابنا يقولون بها ويذهبون إليها، فلم يبق ما يقتضي البراءة منهم إلا براءتهم من علي" (١٣).

стр. 2125

وقد أرجع علي يحيى معمر الإباضي كل ما جاء من أحاديث المروق إلى المرتدين الذين خرجوا على أبي بكر ﵁ بقوله: "فإن أحاديث المروق - إذا صحت - لا يكون المقصود منها إلا أصحاب الثورة الأولى أولئك الذين خرجوا على خلافة أبي بكر، منكرين للشريعة أو لأصل من أصولها" (١). فهو يشك في صحة أحاديث المروق، وعلى فرض صحتها – حسب تعبيره – فإنه يقصرها على المرتدين، والواقع أنها أحاديث صحيحة جاءت في الصحيحين، والقول بأنها واردة على المرتدين في زمن أبي بكر ﵁، لم أر فيما تيسر لي قراءته أن أحدا قد قال بهذا سواه. ثم إن ما في الأحاديث من أوصاف الخوارج من كثرة قراءتهم للقرآن وتعمقهم في العبادة لا ينطبق على هؤلاء المرتدين. وقد ذكر الشاطبي عدة آيات في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها، "وذكر عن بعض السلف أنه أولها على الخوارج" (٢)، ويذكر أنه حينما وقف أبو أمامة على سبعين رأسا من الخوارج قتلوا فنصبت رؤوسهم، أنه وصفهم بأنهم كلاب جهنم فيما يرويه عنه أبو غالب، واسمه حرور قال: (كنت بالشام، فبعث المهلب سبعين رأسا من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق فكنت على ظهر بيت لي، فمر أبو أمامة فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه، وقال: "سبحان الله! ما يصنع السلطان ببني آدم – قالها ثلاثا- كلاب جهنم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء- ثلاث مرات، خير قتلى من قتلوه، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، ثم التفت إلي فقال: أبا غالب، إنك بأرض هم بها كثير فأعاذك الله منهم، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم، قال: بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام) (٣).وفيما ينسب إلى الإمام علي، أنه فسر قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] بأنهم الحرورية (٤).ويصفهم الشهرستاني بقوله: "فهم المارقة الذين قال فيهم (يعني الرسول ﷺ : ((سيخرج من ضئضئي هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)) (٥).وممن كفرهم أيضا، الدبسي في رسالته، وذلك بسبب تكفيرهم بعض الصحابة، وبما اعتقدوا من اعتقادات، ثم قال: "وفي شرح العقائد: من قذف عائشة ﵂ فهو كافر، ومن أنكر شفاعة الشافعين يوم القيامة فهو كافر، وفي محيط البرهان: من أنكر الجنة أو النار أو القيامة أو الصراط أو الميزان أو الصحائف المكتوبة فهو كافر، وكذا من قال بخلق القرآن فهو كافر" (٦). وأحب هنا أن أقول بأن من تشكك من العلماء في كفر الخوارج عموما؛ فإنه لا يشك في كفر بعض الفرق منهم. فالبدعية من الخوارج قصروا الصلاة على ركعة في الصباح وركعة في المساء. والميمونة أجازت نكاح بعض المحارم التي علم تحريمها من الدين بالضرورة، ثم زادت فأنكرت سورة يوسف أنها من القرآن.

стр. 2126

وفي هؤلاء يقول ابن حزم: "وقد تسمى باسم الإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلما، مثل طوائف من الخوارج غلوا فقالوا: إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط، وآخرون استحلوا نكاح بنات البنين، وبنات بني الأخوة، وبنات بني الأخوات، وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن. وآخرون منهم قالوا: يحد الزاني والسارق ثم يستتابون من الكفر، فإن تابوا وإلا قتلوا" (١).ولا شك أن هذا كفر صريح، لا يحتمل أي تأويل، ولا يقل عنهم في الكفر فرقة اليزيدية، فإن إمامهم يزيد بن أنيسة "زعم أن الله سيبعث رسولا من العجم، وينزل عليه كتابا من السماء يكتب في السماء، وينزل عليه جملة واحدة، فتترك شريعة محمد ودان بشريعة غيرها، وزعم أن ملة ذلك النبي الصائبة وليس هذه الصائبة التي عليها الناس اليوم، وليس هم الصابئين الذين ذكرهم الله في القرآن ولم يأتوا بعد" (٢).ويذكر البغدادي أن يزيد "كان – مع هذه الضلالة – يتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب، وإن لم يدخل في دينه، وسماهم بذلك مؤمنين، وعلى هذا القول يجب أن يكون العيسوية والموشكانية من اليهود مؤمنين؛ لأنهم أقروا بنبوة محمد ﵇ ولم يدخلوا في دينه" (٣). وهذا تناقض ظاهر من يزيد، إذ كيف يشهد بالإيمان ويتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب وهو لم يدخل في الإسلام بل بقي على دينه؟ ولهذا صدق عليه قول البغدادي: "وليس بجائز أن يعد في فرق الإسلام من يعد اليهود من المسلمين، وكيف يعد من فرق الإسلام من يقول بنسخ شريعة الإسلام" (٤). ومما يجدر ذكره أن هذه الفرقة قد عدها الأشعري والبغدادي والشهرستاني وابن حزم من فرق الإباضية، وأن الإباضية منهم من وقف في يزيد، ومنهم من برئ منه، وجلهم تبرأ منه، هكذا يقول الأشعري. ويقول البغدادي: "وكان على رأي الإباضية من الخوارج، ثم إنه خرج عن قول جميع الأمة".ويقول ابن حزم: "قال أبو محمد: إلا أن جميع الإباضية يكفرون من قال بشيء من هذه المقالات ويبرأون منه ويستحلون دمه وماله". ومن هنا رأينا علي يحيى معمر يرد على ابن حزم بسبب نسبته هذه الفرقة إلى الإباضية، ويشنع عليه بأنه كيف ساغ له نسبتها إلى الإباضية مع أنها تعتقد أقوالا تخرجها إلى الكفر، ثم كيف ساغ له أن يجعلها من الإباضية وهو نفسه يقول: إن الإباضية تكفرها وتستحل منها الدم والمال (٥).

стр. 2127

والحقيقة أن ابن حزم إنما ذكر ما ذكره قبله كتاب المقالات، مع أنه لا مانع في الواقع من أن تنبت هذه الفرقة في أحضان الإباضية ثم تنحرف في عقائدها وتخرج عن آرائها. وقد كفر البغدادي فرقة الأزارقة، حيث يجعلها مع الفرق الخارجة عن الإسلام كاليزيدية والميمونية، فبعد أن ذكر أحداثهم قال: "وأكفرتهم الأمة في هذه البدع التي أحدثوها بعد كفرهم الذي شاركوا فيه المحكمة الأولى، فباءوا بكفر على كفر، كمن باء بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين" (١).ومن أشهر بدعهم إنكارهم حد الرجم على المحصنين "إذ ليس في القرآن ذكره" (٢)، بينما هو ثابت بالسنة من أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله، وعليه مضى الصحابة. وقد قال عمر ﵁: (إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله) (٣). فتكون هذه الآية التي ذكرها عمر بن الخطاب ﵁ مما نسخت تلاوته وبقي حكمه. وهذه هي أقوال العلماء الذين كفروا الخوارج، أو كفروا بعض فرقهم، وتلك هي مبررات تكفيرهم لهم، وترجع هذه المبرروات إلى ما اتصف به الخوارج من مروق عن الدين، كما وصفتهم به الأحاديث النبوية، ولما ورد من قول الرسول ﷺ : ((ولأقتلنهم قتل عاد)) (٤)،وفي لفظ: ((ثمود)) (٥)، ولحكمهم على مخالفيهم بالكفر والتخليد في النار. وكذا تكفيرهم أعلام الصحابة رضوان الله عليهم ومحاربتهم عليا ﵁، وكذلك نكرانهم لكثير مما ورد من أخبار الآخرة، ثم لما تميز به بعضهم من آراء تخريجهم عن الإسلام صراحة: كالبدعة، والميمونة، واليزيدية. والواقع أن الحكم عليهم بالكفر لم يكن من قبل علماء السلف ومؤرخي الفرق فقط، وإنما حكم به بعضهم على بعض أيضا، ولاسيما ما حكمت به فرقه الإباضية على غيرها من الفرق كما سنرى، فلقد كانت لهذه الفرقة مواقف عدائية من كثير من فرق الخوارج غير المحكمة، فإنها تتولاها وتترضى عنها وتعتبرها سلفهم الصالح، أما ما عداها كالأزارقة والنجدات والصفرية وغيرهم، فإنها هي الفرق الخارجية حقيقة في نظرهم، ولهذا فقد كفروهم ودارت بينهم وبين هذه الفرق المعارك الدامية في بعض مراحلهم التاريخية.

стр. 2128

فالأزارقة، وهي من أقدم الفرق المشهورة للخوارج كانت عند الإباضية من أهل الضلال والتقول على الله بالكذب، ومن المستحلين لكل ما حرم الله من دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، كما يصفونهم، وأنهم أول من خالف اعتقاد أهل الاستقامة (أي الإباضية) وأنهم أول من شق عصا المسلمين وفرق جماعتهم. يقول عنهم صاحب (كتاب الأديان)، بعدما تقدم من أوصافهم: "ومما أضلهم الله به وأعمى أبصارهم، أنهم أنزلوا أهل القبلة بمنزلة حرب رسول الله ﷺ بمنزلة أهل الشرك وأهل الأوثان" – إلى أن يقول: "فترك نافع بن الأزرق وأتباعه كتاب الله وسنة نبيه، وخالفوا سيرة المسلمين قبلهم" (١)،ولا يقل عنه في تكفير الأزارقة الورجلاني، فقد جعل الأحاديث الواردة في المارقة على الأزارقة، وأنهم هم المارقة حقيقة (٢).أما موقفهم من النجدات: فإن هذه الفرقة لم تكن عندهم أحسن حالا من سابقتها، فقد تناولها صاحب (كتاب الأديان) المتقدم بالنقد، وذكر أحداثها التي أحدثتها في الدين، وأن نجدة ذاته كما قال عنه: "قد انتحل أمورا لم يأذن الله بها، ولم يرها المسلمون، قد ابتدع أمورا شرعها له الشيطان وزينها له"، ولم يزل عدو الله نجده يبتدع القول حتى نقم عليه أصحابه فقتلوه ثم تفرقوا فيما بينهم، ويقول فيهم وفي الأزارقة جميعا: "والكل منهم والحمد لله ضال مضل، جاير حايد عن السبيل" (٣).ومثلهم الصفرية عند صاحب وفاء الضمانة، فإنهم عنده هم المقصودون بأحاديث المروق، ولا تصدق إلا عليهم، مع أنه يذكر أن الإباضية والصفرية كانوا يدا واحدة في النهروان، حتى أحدثوا استحلال دماء وأموال أهل المعاصي، فتركوهم، وذلك في قوله: "وكان الصفرية مع أهل الحق منا في النهروان، ولما ظهر منهم استحلال دماء أهل التوحيد وأموالهم بالكبائر أو بالمعاصي هاجروهم وفارقوهم" (٤).وأحاديث المروق التي أوردها المؤلف مشهورة لا حاجة إلى إعادتها هنا، إلا أنه لا بأس أن نذكر حديثا استشهد به المؤلف كتبرير لحربهم الصفرية، وهو قوله: قال ﷺ : ((تكون أمتي فرقتين، فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهما بالحق)) (٥)، ثم قال: "وما زال أصحابنا من أهل عمان يقاتلون الصفرية" (٦). ومثل تلك الفروق في الضلال عند الإباضية فرقة الأعسمية أتباع زياد بن الأعسم، فيذكر صاحب (كتاب الأديان) أنه خرج ناقما على الأزارقة والنجدية والعطوية ويلعنهم، ثم تابعهم في أمور أهلكه الله بها."منها: أنه اعتبر حرب أهل القبلة كحرب رسول الله مع أهل الأوثان، وأنه يرى قتل قومه سرا وعلانية، وأنه تابع الأزارقة والنجدية والعطوية على أعظم ما استحلوا من الجور، فتابعه على ذلك من تابعه حتى هلك، ولم يزل الشيطان يزين لهم حتى صيرهم شيعا مفترقين، يقتل بعضهم بعضا، ويستحل بعضهم حرمة بعض، وشهد بعضهم على بعض بالشك"، ونحو هذا قال أيضا في فرقة العطوية أتباع عطية بن الأسود المنشقة عن النجدات (٧). هذا آخر ما تيسر لي ذكره في الرأي الأول، وهو القول بتكفيرهم، والآن سنعرض أقوال الذين قالوا بعدم تكفيرهم. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٥٢٧

стр. 2129

المبحث الثاني: الحكم بعدم تكفير الخوارج أما الرأي الثاني: وهو القول بعدم تكفير الخوارج؛ فأهل هذا الرأي يقولون: إن الاجتراء على إخراج أحد من الإسلام أمر غير هين، نظراً لكثرة النصوص التي تحذر من ذلك إلا من ظهر الكفر من قوله أو فعله فلا مانع حينئذ من تكفيره بعد إقامة الحجة عليه. ولهذا أحجم كثير من العلماء أيضاً عن إطلاق هذا الحكم عليهم وهؤلاء اكتفوا بتفسيقهم، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لقيامهم بأمر الدين- وأن لهم أخطاء وحسنات كغيرهم من الناس، ثم إن كثيراً من السلف لم يعاملوهم معاملة الكفار كما جرى لهم مع علي ﵁ وعمر بن عبد العزيز؛ فلم تسبى ذريتهم وتغنم أموالهم. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٩٦ يرى أصحاب هذا الرأي أن الاجتراء على إخراج أحد من الإسلام أمر غير هين، نظرا لما ورد من نصوص تحذر من مثل هذا الحكم أشد التحذير، إلا لمن عرف من الكفر بقول أو فعل، فلا مانع حينئذ من تكفيره إذا لم يكن له تأويل فيما ذهب إليه، ولهذا أحجم كثير من العلماء عن إطلاق هذا الحكم. يقول القاضي عياض: "كادت هذه المسألة (أي مسألة تكفير الخوارج) تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبدالحق الإمام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين. قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: ولم يصرح القوم بالكفر، وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إلى الكفر" (١).ويقول القرطبي: "وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئا" (٢).

стр. 2130

وأهل هذا الرأي، وإن كانوا قد تورعوا عن تكفيرهم على العموم، إلا أنهم مختلفون في حقيقة أمرهم، فمنهم من يرى أنهم وإن كانوا غير خارجين عن الإسلام لكنهم فسقة؛ لأنهم قد شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم طبقوا بالفعل أركان الإسلام، وهذا يمنع من تكفيرهم أو إلحاقهم بمن لا يقر بذلك، وتفسيقهم إنما كان لما عرف عنهم من تكفيرهم المسلمين، واستباحة دمائهم وأموالهم. وهذا الرأي هو لأكثر أهل الأصول من أهل السنة فيما يرويه ابن حجر بقوله: "وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك" (١).وذهب البعض الآخر من القائلين بعدم تكفيرهم إلى أن الخوارج فرقة كبقية فرق المسلمين، وأنهم وإن كانوا على ضلال فإن ذلك لا يخرجهم عن جملة فرق المسلمين التي وجد لها حسنات وأخطاء، وهذا ما يقوله الخطابي فيما يذكره عنه ابن حجر، جازما بأن هذا الحكم (أي عدم إخراجهم عن الإسلام) أمر مجمع عليه لدى علماء المسلمين وذلك في قوله: "أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام" (٢).ومثل الخطابي ابن بطال، فقد قال أيضا: "ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين " (٣)، من الكفر فروا، "ولكن ابن حجر يشك فيما يظهر في صحة هذا القول عن علي، ويرى أنه على فرض صحته فإنه يحمل على أنه لم يكن قد اطلع على معتقداتهم التي أوجبت تكفيرهم عند من يراه" (٤).ويؤيد ما ذهب إليه ابن بطال ما أخرجه الطبري بسند صحيح عن عبدالله ابن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج، فقال: (إن خالفوا إماما عدلا فقاتلوهم، وإن خالفوا إماما جائرا، فلا تقاتلوهم، فإن لهم مقالا" (٥).ويروي ابن أبي الحديد عن علي ﵁ روايات تفيد أنه كان لا يرى كفر الخوارج، ولا استباحة دمائهم، ومنها قوله: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)؛ ثم قال ابن أبي الحديد في تفسيره: "قال الرضي ﵀: يعني معاوية وأصحابه"، ويقول ابن أبي الحديد أيضا عن الخوارج: "ولهم في الجملة تمسك بالدين ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطأوا فيها ... ولا ريب في تلزم الخوارج بالدين" (٦).ونلاحظ على ابن أبي الحديد هنا أنه عندما يحكم عليهم حين خروجهم على الإمام علي يرى بأنهم من أهل النار (٧)!! ومن الذين تورعوا عن تكفيرهم، ورأى أن حكمهم هو حكم غيرهم من الفرق الإسلامية – الشاطبي، فهو يرى أن الخوارج غير كافرين، مستندا في حكمه هذا إلى ما ورد من روايات عن السلف، وخصوصا ما كان من موقف علي بن أبي طالب ﵁، وكذا عمر بن عبدالعزيز ﵀، حيث عاملوهم معاملة أهل الإسلام.

стр. 2131

يقول الشاطبي في هذا: "وقد اختلف الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر، وبحسب الأثر؛ عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم".ثم استشهد بما جرى لهم مع علي وعمر بن عبدالعزيز، قال: "فإنه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهيجهم علي ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم يتركهم لقوله ﵊: ((من بدل دينه فاقتلوه ... )) (١)، وعمر بن عبدالعزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي ﵁ ولم يعاملهم معاملة المرتدين" (٢). ولعل الشاطبي ﵀ يشير بما ذكره من أن عليا لم يهيجهم ولم يقاتلهم؛ أنه لم يتسرع إلى قتلهم أول الأمر، بل قال بأنه سوف يعاملهم معاملة حسنة، فلا يمنعهم المساجد، ولا يحرمهم الفيئ، ما دامت أيديهم معه وما داموا لم يرتكبوا محرما، ولكنهم حين خرجوا وقتلوا ابن خباب وغيره، حاربهم في معركة النهروان الشهيرة حتى أفناهم. ومن الذين اعتبروا الخوارج فرقة إسلامية كغيرها من الفرق الأخرى الشافعي فيما ينقله عنه الطالبي بقوله: "وأما الإمام الشافعي فإنه لم يفرق بين مذهب الخوارج وبين غيره من مذاهب الفرق الأخرى في عدم التكفير بها" (٣).والقول بعدم تكفيرهم هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أورد حول الحكم على الخوارج نقاشا طويلا، خلص منه إلى أنهم ليسوا كفارا ولا مرتدين، وإنما هم فئة باغية، وأورد حججا على صحة ما يراه في هذا الحكم، بما جرى لهم مع علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة الذين لم يحكموا بردتهم، بل عاملوهم معاملة المسلمين، خصوصا حين انتهت تلك الحروب التي اشتعلت بينه وبينهم في النهروان، فهو كما يقول: "لم يسب لهم ذرية، ولا غنم لهم مالا، ولا سار فيهم سيرة الصحابة في المرتدين، كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكر أحد على علي ذلك، فعلم اتفاق الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام" (٤).ويذكر أن عليا لم يحاربهم لأنهم كفار، وإنما حاربهم لدفع ظلمهم وبغيهم (٥) .... إلخ ما أورده ﵀. ولكن شيخ الإسلام ﵀ وإن لم يقل بكفرهم لكنه يعتبرهم من شرار الخلق وممن يجب قتالهم، وهذا رأي كثير من علماء المسلمين، وإن كان هناك من لا يرى وجوب قتالهم، فقد كان الحسن البصري ينهى عن مقاتلة الخوارج – فيما يبدو- فقد أتاه رجل فقال له. "يا أبا سعيد إن هؤلاء استنفروني لأقاتل الخوارج، فما ترى؟ فقال: إن هؤلاء أخرجتهم ذنوب هؤلاء، وإن هؤلاء يرسلونك تقاتل ذنوبهم، فلا تكن القتيل منهم، فإن القوم أهل خصومة يوم القيامة" (٦). وقال خريم معظما قتال الخوارج، وناهيا عن حربهم فيما ينقله الملطي عنه: ولست بقاتل رجلا يصلي ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلي ذنبي ... معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير ذنب ... فلست بنافعي ما عشت عيشي (٧). وقال مروان بن الحكم لأيمن بن خزيم: "ألا تخرج تقاتل؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرا مع رسول الله، وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحدا يقول: لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءة من النار، قال: اخرج فلا حاجة لنا فيك" (٨). المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٥٣٩

стр. 2132

المبحث الثالث: تعقيب على إطلاق الحكم بالتكفير والواقع أن الحكم بتكفير الخوارج على الإطلاق فيه غلو، وأن الحكم بالتسوية بينهم وبين غيرهم من فرق المسلمين فيه تساهل، يغالي من يكفرهم جميعا؛ لأنهم لم يعلنوا الكفر، بل هم كما هو المعروف عنهم أهل عبادة وتهجد وصوم. ثم إنهم لم يعاملوا من الإمام علي والصحابة معاملة الكفار أو المرتدين، وما انحرفوا عن الحق من آراء ومواقف وأحكام إنما كان بناء عن تأويل تأولوا عليه الآيات والأحاديث، ومع أنه تأويل فاسد إلا أنهم لم يتعمدوا به الكفر، ولم يسعوا به إلى هدم الإسلام، بل طلبوا الحق – كما قال الإمام علي – فأخطؤه اللهم إلا من أنكر منهم ما هو معلوم من الدين بالضرورة. ومع ذلك فإنه يقصر أو يتساهل في الحكم عليهم من يرى أنهم كغيرهم من فرق المسلمين الأخرى؛ لأنهم سفاكون للدماء يستعرضون الناس استعراضا دون تمييز، بخلاف الفرق الأخرى التي لم يستحل أصحابها من دماء المسلمين وأموالهم ما استحله الخوارج. وقد مر بنا ما قاله العلماء في حكمهم عليهم، وهو كما رأينا لم يكن حكما قاطعا من جانب واحد بل إنهم اختلفوا فيه اختلافا بينا متعارضا، وما ذاك إلا لخطورة أمر التكفير من جهة، وغموض أمرهم من جهة أخرى، حيث جمعوا بين المتناقضات في سلوكهم مع الله ومع خلقه. وفيما يظهر لي أن لا يعمم الحكم على جميع الخوارج، بل يقال في حق كل فرقة بما تستحقه من الحكم، حسب قربها أو بعدها عن الدين، وحسب ما يظهر من اعتقاداتها وآرائها، أما الحكم عليهم جميعا بحكم واحد مدحا أو ذما، فإنه يكون حكما غير دقيق؛ لأن الخوارج كما مر بنا لم يكونوا على رأي واحد في الاعتقاد، بل منهم المعتدل ومنهم المغالي. يقول ابن حزم: "وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبدالله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي، وأبعدهم الأزارقة" (١). أو يقال: إن من انطبقت عليه تلك الصفات التي وردت في الأحاديث بذمهم كان حكمه أنه مارق عن الدين، وفي حكم الكفار، وأما من لم تنطبق عليه تلك الصفات، وذلك باحتمال أن يكون الشخص دخل في مذهبهم بقصد حسن من إعلاء كلمة الله في الأرض، أو من إيقاف حكام الجور عند حدهم، أو يكون الشخص مخدوعا بهم، أو له أي تأويل كان، فإن هذا لا ينبغي التسرع في تكفيره، خصوصا وهو يدعي الالتزام بجميع شرائع الإسلام. أما تكفيرهم بسبب خروجهم عن طاعة الحكام، سواء كان ذلك الخروج بحق أو بغير حق، فهذا لا يخلو منه زمان أو مكان، فإن كان الخروج بحق، كأن يغير الحاكم الحكم بما أنزل الله ويستبدل به قانونا من وضع البشر، أو كان من محض هواه؛ فهذا لا يقال في حق الخارج عليه أي لوم، وأما إن كان الخروج بغير حق بل كان لمجرد أغراض، وارتكب في ذلك الخروج ما يوجب تكفير صاحبه، فهذا الذي يقال فيه إنه عاص وخارج بغير حق، ويجب على الأمة حينئذ إرجاعه إلى الحق والوقوف في وجهه. المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص٥٤٤

стр. 2133

مراجع للتوسع أولاً: مراجع فرقة الخوارج ومنها: (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين): لأبي الحسن الأشعري. (الملل والنحل): للشهرستاني. (الفرق بين الفرق): للبغدادي. (الفصل في الملل والأهواء والنحل): لابن حزم. (التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع): للملطي. (التبصير في أمور الدين): للإسفراييني. (الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها) لغالب علي العواجي. (آراء الخوارج): للدكتور عمار الطالبي. (فرق المسلمين والمشركين): للرازي. (المواقف): للإيجي. ثانياً: مراجع فرقة الإباضية بخصوصهم: (الإباضية بين الفرق الإسلامية): لعلي يحيى معمر. (الإباضية في موكب التاريخ): لعلي يحيى معمر. (العقود الفضية): للحارثي. (الدليل لأهل العقول): للورجلاني. (متن النونية): للنفوسي. كتاب (الأديان): لمؤلف إباضي مجهول الاسم. (أجوبة ابن خلفون). (تلقين الصبيان ما يجب على الإنسان): للسالمي. كتاب (الدعائم): لأحمد بن النضر. (مسند الربيع بن حبيب) أو (الجامع الصحيح). (مدارج الكمال نظم مختصر الخصال): للسالمي. (الإباضية عقيدة ومذهباً): د. صابر طعيمة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٢٩٨

стр. 2134

المبحث الأول: الشيعة لغة أطلقت كلمة الشيعة مراداً بها الأتباع والأنصار والأعوان والخاصة. قال الأزهري: (والشيعة أنصار الرجل وأتباعه، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة) (١).وقال الزبيدي: (كل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة) (٢). استعمال مادة (شيعة) في القرآن الكريم: وردت كلمة شيعة ومشتقاتها في القرآن الكريم مراداً بها معانيها اللغوية الموضوعة لها على المعاني التالية: ١ - بمعنى الفرقة أو الأمة أو الجماعة من الناس: قال الله تعالى: ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا [مريم:٦٩] أي من كل فرقة وجماعة وأمة (٣). ٢ - بمعنى الفرقة: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:١٥٩] أي فرقاً (٤). ٣ - وجاءت لفظة أشياع بمعنى أمثال ونظائر: قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر:٥١] أي أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية (٥).٤ - بمعنى المتابع والموالي والمناصر (٦):قال تعالى: فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:١٥] (٧). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٠٦

стр. 2135

المبحث الثاني: الشيعة اصطلاحاً اختلفت وجهات نظر العلماء في التعريف بحقيقة الشيعة، نوجز أقوالهم فيما يلي: أنه علم بالغلبة على كل من يتولى علياً وأهل بيته. كقول الفيروزأبادي: (وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار اسماً لهم خاصاً) (١). هم الذين نصروا علياً واعتقدوا إمامته نصاً، وأن خلافة من سبقه كانت ظلماً له. هم الذين فضّلوا علياً على عثمان ﵄. الشيعة اسم لكل من فضل علياً على الخلفاء الراشدين قبله ﵃ جميعاً، ورأى أن أهل البيت أحق بالخلافة، وأن خلافة غيرهم باطلة. وكلها تعريفات غير جامعة ولا مانعة إلا واحداً منها. مناقشة تلك الأقوال: أما التعريف الأول: فهو غير سديد، لأن أهل السنة يتولون علياً وأهل بيته، وهم ضد الشيعة. وأما التعريف الثاني: فينقضه ما ذهب إليه بعض الشيعة من تصحيحهم خلافة الشيخين، وتوقف بعضهم في عثمان، وتولي بعضهم له كبعض الزيدية فيما يذكر ابن حزم (٢). ثم أيضاً ما يبدو عليه من قصر الخلافة في علي فقط دون ذكر أهل بيته. والتعريف الثالث غير صحيح كذلك؛ لانتقاضه بما ذهب إليه بعض الشيعة من البراءة من عثمان. كقوله كثير عزة: برأت إلى الإله من ابن أروى ... ومن دين الخوارج أجمعينا ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعي أمير المؤمنينا ويبقى الراجح من تلك التعريفات الرابع منها لضبطه تعريف الشيعة كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقادية (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٠٧

стр. 2136

إن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على أتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له, وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة. فلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان ﵁ فكان يقال عن أنصار الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية ﵁ كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي ﵁ وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب ﵁ فإن قتل القتلة ونفذ فيهم حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية ﵁ قال لمن بعث إليه من قبل علي ﵁ من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:" أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة " (١).وقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضاً من قبل علي ﵁:" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام " وقبل ذلك حينما أرسل علي ﵁ جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته " طلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان "وإن المؤرخين ذكروا أيضاً أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا " (٢) هذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظيمتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم ﵊ في مدحه الحسن ﵁ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً, طائفة كانوا يرون علياً ﵁ خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان ﵄ حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله ﷺ وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله ﷺ البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله (٣).

стр. 2137

وكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلاً عن كتاب (الزينة) للسجستاني: ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عدداً عظيماً من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أتباع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية ". (١) ونقل أيضاً من نقيب الشيعة بحلب: كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة, وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال: والاه من الولي والمشايعة, وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو عباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سموا شيعة آل محمد, ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب, فلما ملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة " (٢) وقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي ﵁ حيث قال مخاطباً جنده عن معاوية وعساكره: أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (٣) ". هذا وقد زاد علي ﵁ المسألة وضوحاً وبياناً في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم: وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ﷺ الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (٤) ". ولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم " اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم (٥) ".

стр. 2138

ويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه (الكافي) عن جعفر بن محمد الباقر ـ الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة ـ أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون. قال: وينادي مناد آخر النهار: ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون (١). ومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهو تابعي مشهور أدرك النبي ﷺ وهو شاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي ﷺ في عهد أبي بكر الصديق ﵁ فإنه روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلي من الطعام الطيب فجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافرا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم (٢) ولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كلما خبت نيرانها ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها. فهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي علياً وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته: وأصل الشيعة: الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى علياً ﵁ وأهل بيته حتى صار لهم اسماً خاصاً, فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم, وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة (٣). المصدر: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص٨

стр. 2139

الفصل الثاني: متى ظهر التشيع ؟ اختلفت أقوال العلماء من الشيعة وغيرهم في تحديد بدء ظهور التشيع تبعاً لاجتهاداتهم. وقد قدمنا بيان السبب في مثل هذا الخلاف، وحاصل الأقوال هنا: ١ - أنه ظهر مبكراً في زمن النبي ﷺ وعلى يديه حيث كان يدعو إلى التوحيد ومشايعة علي جنباً إلى جنب. وقد تزعم هذا القول محمد حسين الزين من علماء الشيعة وغيره (١). وهو ما ذكره النوبختي أيضاً في فرقه (٢) وهو ما أكده أيضاً الخميني (٣) في عصرنا الحاضر، بل ذهب حسن الشيرازي إلى القول: (بأن الإسلام ليس سوى التشيع, والتشيع ليس سوى الإسلام، والإسلام والتشيع اسمان مترادفان لحقيقة واحدة أنزلها الله، وبشر بها الرسول ﷺ (٤). ٢ - أنه ظهر في معركة الجمل حين تواجه علي وطلحة والزبير، وقد تزعم هذا القول ابن النديم حيث ادعى أن الذين ساروا مع علي واتبعوه سمّوا شيعة من ذلك الوقت (٥).٣ - أنه ظهر يوم معركة صفين، وهو قول لبعض علماء الشيعة كالخونساري، وابن حمزة، وأبو حاتم. كما قال به أيضاً غيرهم من العلماء، مثل ابن حزم، وأحمد أمين (٦) (٧). ٤ - أنه كان بعد مقتل الحسين ﵁، وهو قول كامل مصطفى الشيبي وهو شيعي؛ حيث زعم أن التشيع بعد مقتل الحسين أصبح له طابع خاص (٨). ٥ - أنه ظهر في آخر أيام عثمان وقوي في عهد علي ﵄ (٩). والواقع أن القول الأول الذي قالت به الشيعة مجازفة وكذب صريح لا يقبله عقل ولا منطق، فإن الرسول ﷺ إنما بعث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الوثنية إلى التوحيد، وإلى جمع الكلمة وإلى عدم التحزب، والقرآن والسنة مملوءان بالدعوة إلى الله وعدم الفرقة. وقد قال محمد مهدي الحسيني الشيرازي (١٠): وقد سماهم بهذا الاسم رسول الله ﷺ حيث قال مشيراً إلى علي ﵇: ((هذا وشيعته هم الفائزون)) (١١) وهذا باطل.

стр. 2140

ولعل الراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث -أي بعد معركة صفين- حين انشقت الخوارج وتحزبوا في النهروان، ثم ظهر في مقابلهم أتباع وأنصار علي حيث بدأت فكرة التشيع تشتد شيئاً فشيئاً .. على أنه -فيما يبدو- لا مانع أن يوجد التشيع بمعنى الميل والمناصرة والمحبة للإمام علي وأهل بيته قبل ذلك - إذا جازت تسمية ذلك تشيعاً - لا التشيع بمعناه السياسي عند الشيعة، فإن هؤلاء ليسوا شيعة أهل البيت وإنما هم أعداؤهم والناكثون لعهودهم لهم في أكثر من موقف. وأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي ﷺ كما كان التشيع موجوداً في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في (أصل الشيعة وأصولها). إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام ـ هو نفس صاحب الشريعة ـ يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته (١) ثم أثمرت بعد وفاته. وبمثل ذلك القول قال الآخر: " إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذي بأقواله عقيدة التشيع لعلي ﵇ وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة (٢) ". ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال: إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن ﵇ من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين (٣) ".
следующие страницы →