← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

إن لفظة الشيعة لا تطلق إلا على أتباع الرجل وأنصاره فيقال: فلان من شيعة فلان أي ممن يهوون هواه كما قال الزبيدي: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له, وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة. فلم يكن استعمال هذه اللفظة في العصر الأول من الإسلام إلا في معناه الأصلي والحقيقي هذا كما لم يكن استعمالها إلا لأحزاب سياسية وفئات متعارضة في بعض المسائل التي تتعلق بالحكم والحكام، وقد شاع استعمالها عند اختلاف معاوية مع علي رضي الله تعالى عنهما بعد استشهاد عثمان ﵁ فكان يقال عن أنصار الخليفة الراشد الرابع والأحق بالخلافة من معاوية وغيره وكانوا يشايعونه ويناصرونه في حروبه مع معاوية ﵁ كما كان شيعة معاوية يرون الأمر بالعكس للجوء قتلة عثمان بن عفان إلى معسكر علي ﵁ وتحت كنفه حسب زعمهم وما دام هؤلاء كذلك لم يكونوا معتقدين بثبوت الخلافة وأحقيتها لعلي بن أبي طالب ﵁ فإن قتل القتلة ونفذ فيهم حد السيف رجعوا إليه وإلى التسليم بخلافته والانقياد لأمره كما نقله المؤرخون أن معاوية ﵁ قال لمن بعث إليه من قبل علي ﵁ من عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة يدعونه إلى الجماعة والطاعة:" أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلاً أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به ولكنه آوى قتلة عثمان فيدفعهم إلينا حتى نقلتهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة " (١).وقال بمثل هذه المقولة لأبي الدرداء ولأبي أمامة المبعوثين أيضاً من قبل علي ﵁:" اذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام " وقبل ذلك حينما أرسل علي ﵁ جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى بيعته " طلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان "وإن المؤرخين ذكروا أيضاً أن أبا الدرداء وأبا أمامة عندما رجعا إلى علي قالا له ذلك، فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا " (٢) هذا ولسنا الآن بصدد بيان أسباب الحروب التي دارت بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ وغيره ولكننا نريد أن نبين هنا أن فئتين عظيمتين من المسلمين ـ كما عبر عنها الرسول العظيم ﵊ في مدحه الحسن ﵁ انحاز كل واحدة منهما إلى جانب وشايعت وناصرت من رأوا الحق معه فسميت كل طائفة من هاتين الطائفتين شيعة علي وشيعة معاوية ولم يكن الخلاف بينهما إلا خلافاً سياسياً محضاً, طائفة كانوا يرون علياً ﵁ خليفة صاحب حق شرعي حيث انعقدت له الخلافة بمشورة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار وقوم رأوا أحق الناس بها معاوية بن أبي سفيان ﵄ حيث أنه يريد الثأر لدم الإمام المظلوم صهر رسول الله ﷺ وخليفته للمسلمين الذي أخذ رسول الله ﷺ البيعة المشهورة لأخذ الثأر عنه يوم الحديبية وسميت فيما بعد هذه البيعة بيعة الرضوان حيث أنزل الله رضاه لكل من بايع لأجله (٣).

стр. 2137

وكذلك أطلقت هذه اللفظة على حزب سياسي موحد لبني علي وبني العباس بتركيب شيعة آل محمد مقابل شيعة بني أمية ولم يكن إطلاقها إلا لبيان رأي سياسي في من تولى الحكم وفي من يحق أن يتولاه وقد صرح بذلك شيعي مشهور ناقلاً عن كتاب (الزينة) للسجستاني: ثم بعد مقتل عثمان وقيام معاوية وأتباعه في وجه علي بن أبي طالب وإظهاره الطلب بدم عثمان واستمالته عدداً عظيماً من المسلمين إلى ذلك صار أتباعه يعرفون بالعثمانية وصار أتباع علي يعرفون بالعلوية مع بقاء إطلاق اسم الشيعة عليهم واستمر ذلك مدة ملك بني أمية ". (١) ونقل أيضاً من نقيب الشيعة بحلب: كل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيعة, وشيعة الرجل أتباعه وأنصاره ويقال: شايعه كما يقال: والاه من الولي والمشايعة, وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصارا وأتباعا، فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو عباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سموا شيعة آل محمد, ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبني العباس افتراق في رأي ولا مذهب, فلما ملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزغ الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا فنفر منهم فرقة من الشيعة " (٢) وقد كررنا لفظ السياسة حيث نقصد من ورائها أنه لم يكن بين القوم خلاف ديني يرجع إلى الكفر والإسلام كما أقر بذلك سيدنا علي ﵁ حيث قال مخاطباً جنده عن معاوية وعساكره: أوصيكم عباد الله تقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد وخير عواقب الأمور عند الله وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة (٣) ". هذا وقد زاد علي ﵁ المسألة وضوحاً وبياناً في كتاب له كتبه إلى أهل الأمصار يقص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين ويبين فيه حكم من ناضلوه وقاتلوه وموفقه منهم: وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشام والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ﷺ الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (٤) ". ولأجل ذلك منع أصحابه من سب أهل الشام وأنصار معاوية وشتمهم إياهم أيام حربهم بصفين: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتهم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم " اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم (٥) ".

стр. 2138

ويؤيد ذلك حديث شيعي مشهور رواه الكليني في صحيحه (الكافي) عن جعفر بن محمد الباقر ـ الإمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة ـ أنه قال: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون. قال: وينادي مناد آخر النهار: ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون (١). ومن طريف ما ذكرنا أن أبا العالية وهو تابعي مشهور أدرك النبي ﷺ وهو شاب ولكنه لم يسلم إلا بعد وفاة النبي ﷺ في عهد أبي بكر الصديق ﵁ فإنه روى عنه أبو خلدة أنه قال: قال أبو العالية: لما كان زمان علي ومعاوية وإني لشاب القتال أحب إلي من الطعام الطيب فجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم فإذا صفان ما يرى طرفاهما إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء فراجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافرا؟ ومن أكرهني على هذا؟ قال: فما أمسيت حتى رجعت وتركتهم (٢) ولا ننكر أنه كان هناك أناس تأثروا بدسائس يهودية وأفكار مدسوسة وخرجوا عن الجادة المستقيمة وأعطوا هذا الخلاف صبغة دينية أمثال السبأيين وغيرهم ممن وقعوا في حبائل اليهودية المبغضة للإسلام وهم الذين كانوا يؤججون نار الحرب كلما خبت نيرانها ولكن عامة الناس كانوا على منأى عنها. فهذه هي بداية استعمال هذه اللفظة ثم اختص بكل من يوالي علياً وأولاده ويعتقد الاعتقادات المخصوصة والمستقاة من دسائس عبد الله بن سبأ اليهودي وغيره من الذين أرادوا هدم عمارة الإسلام وكيانه وتشويه عقائده وتعليماته كما قال ابن الأثير في نهايته: وأصل الشيعة: الفرقة من الناس وتقع على الواحد والاثنين والجمع والذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى علياً ﵁ وأهل بيته حتى صار لهم اسماً خاصاً, فإذا قيل من الشيعة عرف أنه منهم, وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم وتجمع الشيعة علي شيع وأصلها من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة (٣). المصدر: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص٨

стр. 2139

الفصل الثاني: متى ظهر التشيع ؟ اختلفت أقوال العلماء من الشيعة وغيرهم في تحديد بدء ظهور التشيع تبعاً لاجتهاداتهم. وقد قدمنا بيان السبب في مثل هذا الخلاف، وحاصل الأقوال هنا: ١ - أنه ظهر مبكراً في زمن النبي ﷺ وعلى يديه حيث كان يدعو إلى التوحيد ومشايعة علي جنباً إلى جنب. وقد تزعم هذا القول محمد حسين الزين من علماء الشيعة وغيره (١). وهو ما ذكره النوبختي أيضاً في فرقه (٢) وهو ما أكده أيضاً الخميني (٣) في عصرنا الحاضر، بل ذهب حسن الشيرازي إلى القول: (بأن الإسلام ليس سوى التشيع, والتشيع ليس سوى الإسلام، والإسلام والتشيع اسمان مترادفان لحقيقة واحدة أنزلها الله، وبشر بها الرسول ﷺ (٤). ٢ - أنه ظهر في معركة الجمل حين تواجه علي وطلحة والزبير، وقد تزعم هذا القول ابن النديم حيث ادعى أن الذين ساروا مع علي واتبعوه سمّوا شيعة من ذلك الوقت (٥).٣ - أنه ظهر يوم معركة صفين، وهو قول لبعض علماء الشيعة كالخونساري، وابن حمزة، وأبو حاتم. كما قال به أيضاً غيرهم من العلماء، مثل ابن حزم، وأحمد أمين (٦) (٧). ٤ - أنه كان بعد مقتل الحسين ﵁، وهو قول كامل مصطفى الشيبي وهو شيعي؛ حيث زعم أن التشيع بعد مقتل الحسين أصبح له طابع خاص (٨). ٥ - أنه ظهر في آخر أيام عثمان وقوي في عهد علي ﵄ (٩). والواقع أن القول الأول الذي قالت به الشيعة مجازفة وكذب صريح لا يقبله عقل ولا منطق، فإن الرسول ﷺ إنما بعث لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الوثنية إلى التوحيد، وإلى جمع الكلمة وإلى عدم التحزب، والقرآن والسنة مملوءان بالدعوة إلى الله وعدم الفرقة. وقد قال محمد مهدي الحسيني الشيرازي (١٠): وقد سماهم بهذا الاسم رسول الله ﷺ حيث قال مشيراً إلى علي ﵇: ((هذا وشيعته هم الفائزون)) (١١) وهذا باطل.

стр. 2140

ولعل الراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث -أي بعد معركة صفين- حين انشقت الخوارج وتحزبوا في النهروان، ثم ظهر في مقابلهم أتباع وأنصار علي حيث بدأت فكرة التشيع تشتد شيئاً فشيئاً .. على أنه -فيما يبدو- لا مانع أن يوجد التشيع بمعنى الميل والمناصرة والمحبة للإمام علي وأهل بيته قبل ذلك - إذا جازت تسمية ذلك تشيعاً - لا التشيع بمعناه السياسي عند الشيعة، فإن هؤلاء ليسوا شيعة أهل البيت وإنما هم أعداؤهم والناكثون لعهودهم لهم في أكثر من موقف. وأما ادعاء من يدعي بأن هذه اللفظة كانت شائعة في عهد النبي ﷺ كما كان التشيع موجوداً في عصره والشيعة موجودون في زمنه فلا ينهض به دليل ولا يقوم به برهان كما قال محمد الحسين في (أصل الشيعة وأصولها). إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام ـ هو نفس صاحب الشريعة ـ يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنباً إلى جنب وسواء بسواء ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وازدهرت في حياته (١) ثم أثمرت بعد وفاته. وبمثل ذلك القول قال الآخر: " إن التشيع ظهر في أيام نبي الإسلام الأقدس الذي كان يغذي بأقواله عقيدة التشيع لعلي ﵇ وأهل بيته ويمكنها في أذهان المسلمين ويأمر بها في مواطن كثيرة (٢) ". ولم يظن المظفري الشيعي هذا كافياً فقال: إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه صارخاً بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها ... فكانت الدعوة للتشيع لأبي الحسن ﵇ من صاحب الرسالة تمشي منه جنباً لجنب مع الدعوة للشهادتين (٣) ".

стр. 2141

ولا يخفى ما فيه من المجازفة بالقول والغلو لأن معناه أن رسول الله ﷺ لم يدع إلى الإسلام وإلى وحدانية الله والإقرار برسالته وطاعته وإلى الاتحاد والاتفاق والتآلف والمحبة والمودة بل كان يدعو إلى التحزب والتفرق والتشيع لعلي دون غيره كما أنه حسب دعوى المظفري كان يجعل علياً شريكاً له في نبوته ورسالته مع أن كلام الله المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي أنزله الرحمن وضمن حفظه قرآنه وبيانه خال من كل هذا بل وبعكس ذلك أنه مليء بالدعوة إلى طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والاعتصام بحبل الله وحده والتمسك بالقرآن والسنة والتجنب لما سواهما كما أمر المسلمين بالاتفاق والاتحاد والتسمي باسم الإسلام والمسلمين وكذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ (١) لا تشتمل ولا تصرح إلا بهذا كله لا غير فلقد قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال:٢٠] وقال: َأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:٣٣] وقال: ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء:١١٥] وقال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:٣٦] وقال: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ [النساء:٦٥] وقال جلا وعلا: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:١٠٣] وقال: وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:٤٦] وقال: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:٥٢] وقال: ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً وقال: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:١٩] وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:٨٥].

стр. 2142

وأخيرا أخبر الكون ومن في الكون بأنه لم يرسل نبيه ولا رسوله ﷺ خاتم النبيين إلا بما أرسل به الرسل والأنبياء من قبل حيث أمره أن يقول: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأحقاف:٩] وكما قال: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى:١٣] ولقد بين جلا وعلا مجملاً بما أرسل الرسل من قبله حيث قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥]. كما فصل في مواضع عديدة من القرآن بذكر كل واحد منهم برسالته وبمثل ذلك تماماً وردت أحاديث رسول الله ﷺ الصحيحة الثابتة. وأما القوم فهم على خلاف ما بينه الرب جل وعلا وبينه رسوله العظيم ﵊ حيث يزعمون أنه لم يرسل الرسول ﷺ إلا للدعوة إلى التشيع والتفرق وإلى الإشراك في ذات الله وصفاته وإشراكه علياً وأولاده في النبوة والرسالة والإطاعة ثم يسردون لإثبات ذلك روايات كلها باطلة وموضوعة رواية ودراية رواية, حيث إن الرواة الذين رووا تلك الأحاديث شيعة ضالون ووضاعون كذابون, ولم ترد هذه الروايات في كتب موثوقة معتمدة, ودراية حيث تعارض القرآن ونصوصه كما تخالف العقل, لأن العقل يقتضي أن لا يكون الشرائع مقصودها ومهمتها الدعوة إلى الحب لأشخاص والولاية لهم وبسبب هذه الولاية دخولهم في الجنة ونجاتهم من النار, كما أن الآيات القرآنية تنفي ذلك نفيا باتا حيث لم يجعل الحب وحتى حب الله كافياً للفوز والنجاح في الآخرة حيث قال الله : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:٣١].

стр. 2143

وما الاتباع إلا الإيمان بالله والعمل الصالح حسب أوامر الله ونبيه ﷺ والاجتناب عن نواهي الله ورسوله ﷺ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس:٩] وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ [البروج:١١].ولقد اضطربت أراء القوم أنفسهم في بدأ نشأة التشيع وتكوينه حيث قال إمام الشيعة في الفرق النوبختي أن نشأته لم تكن إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ كما كتب: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكانت نبوته ﵇ ثلاثاً وعشرين سنة وأمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فافترقت الأمة ثلاث فرق (فرقة منها) سميت الشيعة وهم شيعة علي بن أبي طالب ﵇ ومنهم افترقت صنوف الشيعة كلها، وفرقة منهم ادعت الإمرة والسلطان وهم الأنصار ودعوا إلى عقد الأمر لسعد بن عبادة الخزرجي وفرقة " مالت إلي بيعة أبي بكر بن أبي قحافة وتأولت فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لم ينص على خليفة بعينه وأنه جعل الأمر إلى الأمة تختار لأنفسها من رضيته, واعتقد قوم منهم برواية ذكروها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره في ليلته التي توفي فيها بالصلاة بأصحابه فجعلوا ذلك الدليل على استحقاقه إياه, وقالوا: رضيه النبي صلى الله عليه وآله لأمر ديننا ورضيناه لأمر دنيانا وأوجبوا له الخلافة بذلك فاختصمت هذه الفرقة وفرقة الأنصار وصاروا إلى سقيفة بني ساعدة ومعهم أبو بكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة الثقفي وقد دعت الأنصار إلى العقد لسعد بن عبادة الخزرجي والاستحقاق للأمر والسلطان فتنازعوا هم والأنصار في ذلك حتى قالوا: منا أمير ومنكم أمير فاحتجت هذه الفرقة عليهم بأن النبي ﵇ قال: ((الأئمة من قريش) (١) وقال بعضهم أنه قال: ((الإمامة لا تصلح إلا في قريش)) (٢) فرجعت الأنصار ومن تابعهم إلى أمر أبي بكر غير نفر يسير مع سعد بن عبادة ومن اتبعه من أهل بيته فإنه لم يدخل في بيعته حتى خرج إلى الشام مراغماً لأبي بكر وعمر فقتل هناك بحوران قتله الروم وقال آخرون: قتلته الجن فاحتجوا بالشعر المعروف وفي روايتهم أن الجن قالت: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده ... ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده وهذا قول فيه بعض النظر لأنه ليس في المتعارف أن الجن ترمي بني آدم بالسهام فتقتلهم فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما (٣) وأما ابن النديم الشيعي فيرى أن تكوين الشيعة لم يكن إلا يوم وقعة الجمل حيث قال:

стр. 2144

ولما خالف طلحة والزبير (١) عليا ﵁ وأبيا إلا الطلب بدم عثمان وقصدهما علي ﵇ ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله تسمى من اتبعه على ذلك باسم الشيعة ". ومنهم من قال: اشتهر اسم الشيعة يوم صفين (٢) ". وبمثل ذلك القول قال ابن حمزة وأبو حاتم وغيرهما من الشيعة وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه وبمثل هذا القول قال ابن حزم في (الفصل) (٣) من المتقدمين وأحمد أمين (٤) وغيره الكثيرون الكثيرون من المتأخرين. ويقول شيعي معاصر: إن استقلال الاصطلاح الدال على التشيع إنما كان بعد مقتل الحسين حيث إن التشيع أصبح كياناً مميزاً له طابع خاص (٥). ولأجل ذلك اضطر محسن الأمين إلى أن يقول: سواء كان إطلاق هذا الاسم في حياة الرسول ﷺ أو بعد الجمل فالقول بتفضيل علي ﵇ وموالاته الذي هو معنى التشيع كان موجوداً في عهد الرسول ﷺ واستمر بعده إلى اليوم (٦) ". والمظفري يقول: فكان التجاهر بالتشيع أيام عثمان (٧). وهو الصحيح (لأن الأسماء لا توجد قبل المسميات) ولا الأحزاب قبل الخلافات فلما وجد الخلاف تحزب لكل رأي حزب وتعصبوا جماعات وفرقاً فآنذاك وجدت الجماعات ووجدت لها الأسماء ولم يكن هناك خلاف بين المسلمين ولم يتعصب له أشخاص قبل مقتل عثمان ذي النورين ﵁ وقبل النتائج التي نتجت من قتله وبعد تولية علي ﵁ إمرة المؤمنين وخلافة المسلمين وعندئذ نشأ الخلاف فمنهم من رأى رأي علي ﵁ وأنصاره, ومنهم من رأى رأي طلحة والزبير ثم رأي معاوية وأتباعه وهناك تحزب حزبان سياسيان كبيران بين المسلمين شيعة علي وشيعة معاوية وكل واحد من هؤلاء يرى رأيه في تولية الحكم وتدبير الأمور ودينهما واحد وعقائدهم واحدة متفقة كما بيناه آنفاً. نعم كان هناك خلاف قبل شهادة عثمان ﵁ والذي جر إلى قتل عثمان ولكنه لم يكن إلا بين قادة اليهود والمخدوعين المغترين الواقعين في حبائل الدسائس اليهودية الأثيمة وبين المسلمين وإمامهم كما سيأتي بيانه في باب مستقل كما أنه وقعت الخلافات البسيطة الطفيفة ولكنها لم تبق إلا للحظات لرجوع الفريق الثاني إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ امتثالاً لقول الله : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:٥٩]. وحصيلة البحث أن التشيع الأول لم يكن مدلوله العقائد المخصوصة والأفكار المدسوسة، كما لم تكن الشيعة الأولى إلا حزباً سياسياً يرى رأي علي ﵁ دون معاوية ﵁ في عصر علي. وأما بعد استشهاده وتنازل الحسن عن الخلافة فكانوا مطاوعين لمعاوية أيضاً، مبايعين له، كما حصل مع إمامهم الحسن وأخيه الحسين وقائد عساكره قيس بن سعد، ولم يكن بينهم خلاف ديني ولا نزاع قبلي ولا عصبية الحسب والنسب، وكانوا يفدون على الحكام ويصلون خلفهم، كما كان الحسن والحسين هما ابنا علي وفاطمة وسبطا رسول الله ﷺ يفدان على معاوية). المصدر: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص١٤

стр. 2145

الفصل الثالث: المراحل التي مر بها مفهوم التشيع كان مدلول التشيع في بدء الفتن التي وقعت في عهد علي ﵁ بمعنى المناصرة والوقوف إلى جانب علي ﵁ ليأخذ حقه في الخلافة بعد الخليفة عثمان، وأن من نازعه فيها فهو مخطئ يجب رده إلى الصواب ولو بالقوة. وكان على هذا الرأي كثير من الصحابة والتابعين، حيث رأوا أن علياً هو أحق بالخلاقة من معاوية بسبب اجتماع كلمة الناس على بيعته، ولا يصح أن يفهم أن هؤلاء هم أساس الشيعة ولا أنهم أوائلهم، إذ كان هؤلاء من شيعة علي بمعنى من أنصاره وأعوانه. ومما يذكر لهم هنا أنهم لم يكن منهم بغي على المخالفين لهم، فلم يكفروهم، ولم يعاملوهم معاملة الكفار بل يعتقدون فيهم الإسلام، وأن الخلاف بينهم لم يعدُ وجهة النظر في مسألة سياسية حول الخلافة وقد قيل: إن علياً كان يدفن من يجده من الفريقين دون تمييز بينهم. وقد أثمر موقف الإمام علي هذا فيما بعد، إذ كان تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية انطلاقاً من هذه المواقف الطيبة التي أبداها والده ﵄. ولم يقف الأمر عند ذلك المفهوم من الميل إلى علي ﵁ ومناصرته، إذ انتقل نقلة أخرى تميزت بتفضيل علي ﵁ على سائر الصحابة، وحينما علم علي بذلك غضب وتوعد من يفضله على الشيخين بالتعزير، وإقامة حد الفرية عليه (١). وقد كان المتشيعون لعلي في هذه المرحلة معتدلين، فلم يكفروا واحداً من المخالفين لعلي ﵁ ولا من الصحابة، ولم يسبوا أحداً، وإنما كان ميلهم إلى علي نتيجة عاطفة وولاء. وقد اشتهر بهذا الموقف جماعة من أصحاب علي، قيل منهم أبو الأسود الدؤلي، وأبو سعيد يحيى بن يعمر، وسالم بن أبي حفصة، ويقال: إن عبد الرزاق صاحب (المصنف في الحديث) وابن السكيت على هذا الاتجاه (٢). ثم بدأ التشيع بعد ذلك يأخذ جانب التطرف والخروج عن الحق، وبدأ الرفض يظهر وبدأت أفكار ابن سبأ تؤتي ثمارها الشريرة فأخذ هؤلاء يظهرون الشر، فيسبون الصحابة ويكفرونهم ويتبرءون منهم، ولم يستثنوا منهم إلا القليل كسلمان الفارسي، وأبي ذر، والمقداد، وعمار بن ياسر، وحذيفة. وحكموا على كل من حضر (غدير خم) بالكفر والردة لعدم وفائهم –فيما يزعم هؤلاء – ببيعة علي وتنفيذ وصية الرسول ﷺ بعلي في (غدير خم) المذكور. وكان عبد الله بن سبأ هو الذي تولى كبر هذه الدعوة الممقوتة الكافرة، وقد علم علي بذلك فنفاه إلى المدائن وقال: (لا تساكنني ببلدةٍ أبداً).وأخيراً بلغ التشيع عند الغلاة إلى الخروج عن الإسلام، حيث نادى هؤلاء بألوهية علي. وقد تزعم هذه الطبقة ابن سبأ، ووجد له آذاناً صاغية عند كثير من الجهال، ومن الحاقدين على الإسلام. وقد أحرق علي ﵁ بالنار كل من ثبت أنه قال بهذا الكفر، وكان له مع ابن سبأ موقف نذكره بالتفصيل عند ذكر فرقة السبئية (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣١٣

стр. 2146

الفصل الرابع: أسماء الشيعة الشيعة: وهو أشهر اسم من أسمائهم، ويشمل جميع فرقهم، ولا خلاف بين العلماء في إطلاقه عليهم كاسم علم. الرافضة: وقد أطلقه عليهم بعض العلماء فجعله اسماً لجميع الشيعة. الزيدية: وهي تسمية لبعض الناس يطلقونها على جميع الشيعة (١). وكل هذه الأسماء الثلاثة وردت من خلال كتابات بعض العلماء عن طائفة الشيعة، واختيار كل منهم للاسم الذي يطلقه عليهم لا أن هذه التسميات بالاتفاق أو بهذا الترتيب. والواقع أن إطلاق اسم الرافضة على عموم الشيعة، بمن فيهم بعض فرقهم كالزيدية التي نشأت في نهاية القرن الأول للهجرة غير سديد، لأن التسمية -رافضة- إنما أخذت من قول زيد بن علي لبعض الشيعة: (رفضتموني) (٢) فسموا الرافضة. وليس معنى هذا أنهم لم يكونوا على عقيدة الرفض بل هم رافضة، ولهذا طلبوا من زيد أن يكون رافضياً مثلهم فامتنع. لكن لم تجرِ هذه التسمية عليهم قبل ذلك، ومعنى هذا أن الشيعة كان لهم وجود قبل زيد تحت أسماء أخرى كما سيأتي بيانه. وكذا إطلاق اسم الزيدية على جميع فرق الشيعة (٣) يرد عليه اعتراض، فقد كانت الشيعة لهم وجود قبل زيد الذي تنسب إليه الزيدية متمثلاً في فرق السبئية والكيسانية. ثم إن الزيدية لا تقول بكل مقالات الشيعة الغلاة، بل بينهما خلافات حادة في كثير من الآراء، وسباب كما ذكره البغدادي، وهو واضح من موقف زيد نفسه فلم يرفض زيد خلافة الشيخين ولم يسبهما. ويتضح من هذا أن إطلاق اسم الشيعة على كل طوائف التشيع لا يرد عليه اعتراض إذا أريد به اسم علم، بغض النظر عن صدق هذا الاسم عليهم أو عدم صدقه، فقد يكون الاسم من المسلمين وصاحبه من الملحدين، وقد يكون العكس، فلا تأثير للأسماء في الحقيقة والواقع. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣١٦

стр. 2147

تمهيد انقسمت الشيعة إلى فرق عديدة، أوصلها بعض العلماء إلى يقارب سبعين فرقة (١). وبدراسة تلك الفرق قد يتضح أن منهم الغلاة الذين خرجوا عن الإسلام وهم يدَّعونه ويدَّعون التشيع، ومنهم دون ذلك، ويمكن أن نقتصر على دراسة أربع فرق كان لها دور بارز في العالم الإسلامي وهي: - السبئية. - الكيسانية. - الزيدية. - الرافضة. والرافضة الاثنا عشرية هي الواجهة البارزة في عصرنا الحاضر للتشيع. وقبل الخوض في تفاصيل تلك الفرق نذكر السبب في تفرق الشيعة ذلك التفرق، ونذكر أيضاً السبب في عدم اتفاق العلماء على عدد فرق الشيعة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣١٨

стр. 2148

المبحث الأول: السبب في تفرق الشيعة من الطبيعي جداً أن يحصل خلاف بين الشيعة، شأنهم شأن بقية الفرق أهل الأهواء، فما داموا قد خرجوا عن النهج الذي ارتضاه الله لعباده، واستندوا إلى عقولهم وأهوائهم فلا بد أن نتوقع الخلافات خصوصاً حينما يكون الخلاف مراداً لذاته. ونضيف إلى هذا أنه ربما يعود تفرق الشيعة إلى عدة أسباب بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر، ومن ذلك: أولاً: اختلافهم في نظرتهم إلى التشيع: إذ منهم الغالي المتطرف الذي يسبغ على الأئمة هالة من التقديس والإطراء، وعلى من خالفهم أحط الأوصاف وأشنع السباب، بل وإطلاق الكفر عليهم، مما يكون بعد ذلك هوة عميقة لاختلاف وجهات النظر، ومنهم من اتصف بنوع من الاعتدال، فلا يرى أن المخالفين لهم كفار وإن كانوا على خطأ كما يرى هؤلاء. ثانياً: اختلافهم في تعيين أئمتهم من ذرية علي. فمنهم من يقول هذا، ومنهم من يقول ذلك، كما سيتضح ذلك من دراستنا لهذه الطائفة حينما ندرس مواقف الاثني عشرية والزيدية والنصيرية والباطنية في تعيين الأئمة، وكيفية تسلسلهم فيها. ثالثاً: كون التشيع مدخلاً لكل طامع في مأرب: وحينما كان التشيع مدخلاً لكل طامع في مأرب فقد أحدث هؤلاء الطامعون في السلطة، أو في الانتقام من الآخرين أو في حب الظهور – أحدث هؤلاء انشقاقاً كبيراً بين صفوف الشيعة حينما طلبوا تحقيق أغراضهم بالتظاهر بالتشيع لآل البيت، ثم البدء بما يهدفون إليه. فمثلاً دخلت الباطنية عن طريقهم، وتزعم المختار عن طريقهم، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣١٩

стр. 2149

المبحث الثاني: عدد فرقهم وكشأن العلماء في اختلافهم في عدد الفرق نجدهم قد اختلفوا في عدد فرق الشيعة. فالأشعري (١) مثلاً يذكر أنهم ثلاث فرق رئيسية، وما عداها فروع. بينما نرى البغدادي (٢) وهو يسمي الشيعة الروافض – أي بما فيهم السبئية والزيدية- يعدهم أربعة أصناف والباقي فروعاً لهم. ويعدهم الشهرستاني (٣) خمس فرق والباقي فروعاً لهم. وبعضهم يعدهم أكثر بكثير من هذه الأعداد كما قدمنا، والأقرب إلى الصواب أن يقال: إن من أكبر فرقهم أكثرهم نفوذاً ووجوداً في العالم الإسلامي إلى اليوم فرقة الإمامية الرافضة وفرقة الزيدية. ومما لا شك فيه أن هذا الاختلاف تكمن وراءه أسباب. فما هي تلك الأسباب أو الظاهر منها؟ المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢٠

стр. 2150

المبحث الثالث: السبب في عدم اتفاق العلماء على عدد فرق الشيعة ؟ ذكرنا قبل قليل أن فكرة التشيع قد جذبت إليها كثيراً من أهل الأهواء والأغراض، وهؤلاء بدءوا يُدخلون في الإسلام ما لا يتفق مع الإسلام، بل يتفق مع هواهم، فأضافوا إلى الفكر الشيعي أفكاراً جديدة أسهمت في كثرة تفرق من ينتسب إلى التشيع. وهذه الكثرة والظهور المتتابع جعلت العلماء لا يتفقون في عدهم لهم، ومن هنا بدأ علماء الفرق يسجلون ما يصل إليهم من عدد فرق الشيعة، فجاء عدّهم غير منضبط لتجدد الأفكار الشيعية وتقلبها. وربما أيضاً لتباعد هؤلاء العلماء فيما بينهم، ولكثرة ظهور الفرق الشيعية أيضاً في تتابع لم يمكِّن العلماء من ملاحقته ورصده، بل وربما يوجد لكثير من هذه الفرق رغبة ملحة في صرف الأنظار عنهم فيحاولون زيادة التشويش لصرف التوجيه إليهم ودراستهم ومتابعة حركاتهم المريبة، ليتم لهم تنفيذ مآربهم بهدوء دون أن يفطن الناس لهم. إضافة إلى ذلك التشويش الحاصل فعلاً في طريقتهم عند طباعة كتبهم بحيث لا يهتدي الشخص إلى المكان الذي يريد تسجيله عليهم للاختلاف البعيد بين طبعات الكتاب الواحد، واختلاف الصفحات. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢١

стр. 2151

المطلب الأول: التعريف بالسبئية ومؤسسها السبئية هم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي. قيل: إنه من الحيرة (١) بالعراق، وقيل: –وهو الراجح- إنه من أهل اليمن من صنعاء (٢)، وقيل أصله رومي (٣). أظهر الإسلام في زمن عثمان خديعة ومكراً، وكان من أشد المحرضين على الخليفة عثمان ﵁ حتى وقعت الفتنة. وهو أول من أسس التشيع على الغلو في أهل البيت، ونشط في التنقل من بلد إلى بلد؛ الحجاز والبصرة والكوفة، ثم إلى الشام، ثم إلى مصر وبها استقر، ووجد آذاناً صاغية لبثّ سمومه ضد الخليفة عثمان والغلو في علي، وهذا النشاط منه في نشر أفكاره مما يدعو إلى الجزم بأن اليهود يموِّلونه، إذ كلما طرد من بلد انتقل إلى آخر بكل نشاط، ولاشك أنه يحتاج في تنقله هو وأتباعه إلى من يموِّلهم وينشر آراءهم، ومن يتولى ذلك غير اليهود الذين آزروه في إتمام خطته ليجنوا ثمارها بعد ذلك الفرقة وتجهيل المسلمين والتلاعب بأفكارهم. وقد بدأ ينشر آراءه متظاهراً بالغيرة على الإسلام، ومطالباً بإسقاط الخليفة إثر إسلامه المزعوم. ثم دعا إلى التشيع لأهل البيت وإلى إثبات الوصاية لعلي إذ إنه –كما زعم- ما من نبي إلا وله وصي، ثم زعم بعد ذلك أن علياً هو خير الأوصياء بحكم أنه وصي خير الأنبياء. ثم دعا إلى القول بالرجعة (٤) ثم إلى القول بألوهية علي، وأنه لم يقتل بل صعد إلى السماء، وأن المقتول إنما هو شيطان تصور في صورة علي، وأن الرعد صوت عليّ، والبرق سوطه أو تبسمه، إلى غير ذلك من أباطيله الكثيرة. وفيما أرى أنه قد بيّت النية لمثل هذه الدعاوى، ولهذا لم يفاجئه موت علي بل قال وبكل اطمئنان وثبات لمن نعاه إليه: (والله لو جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، ولا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها) (٥). وهذه الرجعة التي زعمها لعلي كان قد زعمها لمحمد ﷺ ، وكان يقول: (إنه ليعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع). واستدل بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:٨٥]. وقد كذب عدو الله وأخطأ فهم الآية أو تعمد ذلك في أن المعاد هنا هو رجوع النبي ﷺ إلى الدنيا قبل يوم القيامة، فلم يقل بهذا أحد من المفسرين، وإنما فسروا المعاد بأنه: الموت. أو الجنة. أو أنه رجوع النبي ﷺ إلى ربه يوم القيامة. أو رجوعه إلى مكة (٦). وهي أقوال لكل واحد منها حظ من النظر بخلاف قول ابن سبأ، فإنه قول يهودي حاقد كاذب على الله دون مبالاة. وقد تبرأ جميع أهل البيت من هذا اليهودي، ويذكر أن بعض الشيعة قد تبرأ منه أيضاً (٧).

стр. 2152

المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢٢ إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل صنعاء. أمه سوداء " وقد كان عبد الله بن سبأ هذا يهودياً في قلبه حفيظة على الدين الجديد الذي أزال ما كان اليهود يتمتعون به من الهيمنة والسلطان على عرب المدينة والحجاز عامة، فأسلم في أيام عثمان، ثم تنقل في بلاد الحجاز، ثم ذهب إلى البصرة، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، وهو يحاول في كل بلد ينزل بها أن يضل ضعاف الأحلام، ولكنه لم يستطع السبيل إلى ذلك، فأتى مصر فأقام بين أهلها، وما فتئ يلفتهم عن أصول دينهم، ويزيد لهم بما يزخرفه من القول حتى وجد مرتعاً خصباً، وكان مما قاله لهم: إني لأعجب كيف تصدقون أن عيسى بن مريم يرجع إلى هذه الدنيا وتكذبون أن محمداً يرجع إليها؟. وما زال بهم حتى انقادوا إلى القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، فكان هو أول من وضع لأهل هذه الملة القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، إنه قد كان لكل نبي وصي، وأن علي بن أبي طالب هو وصي محمد ﷺ ! وليس في الناس من هو أظلم ممن احتجر وصية رسول الله ولم يجزها، بل هو يتعدى ذلك فيثب على الوصي ويقتسره على حقه، وإن عثمان قد أخذ حق علي وظلمه، فانهضوا في هذا الأمر، وليكن سبيلكم إلى إعادة الحق لأهله الطعن على أمرائكم وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنكم تستميلون بذلك قلوب الناس، واتخذ لهذه الدعوة وأنصار بَثَّهم في الأمصار، وما زال يكاتبهم ويكاتبونه حتى نفذ قضاء الله، وكان الضحية الأولى لهذه المؤامرة ذلك الخليفة الذي قتل مظلوماً، وبين يديه كتاب الله واعتدى على منزله وحرمه، وكان قضاء الله قدراً مقدورا (١). ولقد ذكره أقدم المؤرخين الطبري (٢) عنه بقوله: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:٨٥] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى.

стр. 2153

قال: فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك: أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا: فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالاً سواهم فرجعوا جميعاً قبل عمار فقالوا: أيها الناس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعاً الأمر أمر المسلمين إلا أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمار قد استماله قوم مصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (١) ".وبمثل ذلك قال ابن كثير وابن الأثير (٢) ... ثم كان في مصر، ومن مصر جاء مع قتلة عثمان إلى المدينة. خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا ومعهم ابن سوداء (٣) ". المصدر: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص٢٩

стр. 2154

المطلب الثاني: الأفكار اليهودية المدسوسة ولقد أخبرنا عن أفكار ابن السوداء هذا، والتي حملها من اليهود المبغضين لرسول الله ﷺ الصادق الأمين وأمته أشد البغض وما جاء به عن الله ﵎، الناقمين عليه وعليهم، والمكايدين والماكرين له ولهم، من أول يوم دخلوا يثرب وحولوها إلى المدينة، وقضوا على يهود قينقاع وبني النضير وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال: " السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟. فصيره إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) ". ويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضاً منها هاهنا: حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵇، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ". وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ـ صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبداً صالحاً أخا رسول الله ﷺ ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.

стр. 2155

وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ﵇ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ. وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ﵇ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية (١) ". وقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه (الرجال) المشهور: " عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن علياً ﵇ هو الله، فاستتابه ﵇ ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلاً ادعوا فيه ذلك (٢) ".ومثل ذلك القول قال إمام متأخري الشيعة في الرجال الماماقاني كتابه (تنقيح المقال (٣) " وذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية: إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصياً وخليفة، فوصي رسول الله وخليفته ليس إلا علياً، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان (٤) ". ومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين "ع" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار (٥) ". ولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن علياً أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي ﵁ فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية (٦) ". ويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن علياً لم يحرقه خوفاً من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁ وزعم أنه كان نبياً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك: لترم بي الحوادث حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين

стр. 2156

ثم إن علياً ﵁ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ﵁ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ﵇ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه علياً فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه وزعم بعض السبئية أن علياً في السحاب وأن الرعد صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين. وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن علياً قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها. وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة بريء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات: برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب رسول الله والصديق حبا ... به أرجو غداً حسن الثواب ... وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ﵇ فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته (١). وذكر هذه وعقائده وجماعته من الشيعة كل من سعد القمي المتوفي ٣٠١هـ (٢) ". والطوسي شيخ الطائفة. (٣) والتستري في (قاموس الرجال) (٤) وعباس القمي في (تحفة الأحباب) (٥) والخوانساري في (روضات الجنات) (٦) والأصبهاني في (ناسخ التواريخ) وصاحب (روضة الصفا) في تاريخه (٧) ". كما ذكر عقائده علماء من السنة كالبغدادي في (الفرق بين الفرق) كما مر آنفاً. وبمثل هذا قال الإسفراييني في كتابه (التبصير (٨) والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩) وابن حزم في الفصل وغيرهم. وقال الشهرستاني تحت عنوان السبئية: السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ﵇: أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي ﵇ وهو أول من أظهر بالرفض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن علياً حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ (١٠) ".

стр. 2157

وقال ابن عساكر في (تاريخه) عن جابر قال: لما بويع علي ﵁ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن (١) " ... وأخيراً ننقل ما كتبه أحمد أمين عنه وعن جماعته: انتشرت الجماعة السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ ـ وكان من يهود اليمن فأسلم ـ فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصيه، وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل (٢) ". " وأنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستاراً يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصاية والرجعة. فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمداً يرجع، وكان مما قاله: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمداً يرجع، ثم نراه تحول ـ ولا ندري لأي سبب ـ إلى القول بأن علياً يرجع. وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال ـ لما قتل علي ـ لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي إلياس ﵇ صعد إلى السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضاً في عصورها الأولى (٣) ". فهذا هو عبد الله بن سبأ وهذه دعوته وأفكاره وعقائده، وهذه هي الأفكار التي حملها من اليهودية والمجوسية وغيرها بخطة مدبرة ومؤامرة محكمة من قبل أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ والإسلام وأعداء الأمة وقادتها وأبطالها لبث سمومها بين المسلمين باسم الإسلام. وسوف نرى ونحقق كيف اعتنق الشيعة هذه الأفكار وتمسكوا بهذه العقائد، وكيف تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى وتسربت فيهم نفس الأفكار التي كان يرد عليها ويعارضها علي ﵁ وكيف توغل في الشيعة من كان يطاردهم ويتبرأ منهم منهم ويؤدبهم ويقتلهم علي، ويلعنهم أبناءه وأولاده. المصدر: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير - ص٢٩

стр. 2158

المطلب الثالث: منكروا ابن سبأ والرد عليهم أولاً: موقف المستشرقين: أما المستشرقون فأنكروه، وقالوا: إنه شخصيةٌ وهميةٌ تخيلها محدثوا القرن الثاني، ومن هؤلاء المستشرقين الذين أنكروه اليهودي الإنكليزي الدكتور برنارد لويس ( LEWIS,B.) (١) ويوليوس فلهوزن ( WELLHAUSEN-J) (٢) اليهودي الألماني الذي بدأ دراسته باللاهوت. وفرييدلاندر ( FRIEDLAENDER) (٣) الأمريكي والأمير كايتاني ( CETANI) (٤) الإيطالي. ومن المعلوم عند العقلاء المنصفين أن ديننا وعقيدتنا وتاريخنا وما يتعلق بتراثنا لا يمكن أن نعتمد فيه على تقولات ودراسات هؤلاء الحاقدين الذين ينضوون تحت راية الحروب الصليبية بمنهج وأسلوب فكري، لا أسلوب السيف والبارود، ولو كانوا أصحاب نوايا صادقة لشرح الله صدورهم بالإيمان لما اطلعوا على صفاء الإسلام ونقاء ثوبه، ولكنهم كرسوا جهودهم وأفْنَوا حياتهم في إلقاء الشُبهات والشكوك والضلال والريب بكل ما يتعلق بالقرآن والسنة والعقائد والنظم الإسلامية والتاريخ الإسلامي. ومعظم هؤلاء المستشرقين من القسس واليهود، وأعمالهم ومناهجهم تنظم ما بين الكنيسة ودوائر المخابرات ووزارات الخارجية إلا أفراداً هوايتهم العلمُ والبحثُ وهم قلةٌ قليلةٌ. المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي ثانياً: أتباع المستشرقين: أما أتباع المستشرقين الذين خدعوا بهم وغرَّهم منهجهم العلميُّ المزعوم فيرددون ما يطرحون من أفكار ودراسات ويدندنون حول معتقداتهم لينالوا الزلفى منهم وعلى رأسهم الدكتور طه حسين (٥) الذي غُذّي حُجيرات مُخه بفكر المستشرقين حتى كان يقول: "إنني أفكرُ بالفرنسية وأكتبُ بالعربية" (٦). ويكفيه خزياً أنه كان مطية لليهود. فدعاة الشيوعية في مصر في مطلع هذا العصر كانوا يهوداً وهم "هنري كوريل، وداؤول كوريل، وريمون أجيون" وكان هؤلاء وغيرهم يمولون الحركات الشيوعية بالمال وقيل بالجنس أيضاً. وقد تعاقدوا مع الدكتور طه حسين على إصدار مجلة الكتاب المصري، وكان الدكتور طه حسين قد أعلن تأييدهُ لمفهوم اليهودية التلمودية باكرا حين أنكر وجود إبراهيم وإسماعيل, وكذب القرآن والتوراة, ولم يكن يُعرف في هذا الوقت الباكر أن ذلك تمهيدٌ لتحقيق أهداف الصهيونية (٧) وغير ذلك من الأفكار والضلالات التي لم يجرؤ حتى المستشرقون بالإفصاح والإعلان عنها (٨). أضواء على طه حسين:

стр. 2159

ومن المعلوم عن طه حسين أن أباه جاء إلى صعيد مصر – مديرية المنيا- من بلدٍ غير معلوم من الغرب وكان يعملُ وزاناً في شركة يهودية للسكر، وطه حسين هو الذي تبنى إصدار قرار بتعيين الحاخام اليهودي (حاييم ناحوم أفندي) حينذاك عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة ليكون عيناً على المفكرين ورجال اللغة، كما أنه عين عدداً من الأستاذة الأجانب في كلية الآداب استوردهم، وبعضهم يهود وكلهم كانوا يحاربون الإسلام أو يشككون فيه. وأول دكتوراه منحتها (كلية الآداب) في جامعة القاهرة تحت إشراف الدكتور طه حسين كانت بعنوان (القبائل اليهودية في البلاد العربية) تقدم بها (إسرائيل ولفنسون) عميد جامعة هادسا في تل أبيب الآن (١). بعد هذه الأضواء التي تظهر لنا بوضوح ولاء الدكتور طه حسين لليهود لا نستغرب إنكاره لابن سبأ. يقول طه حسين: إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان مُتكلفاً منحولاً قد اخترُع بأضَرَة فحين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم .. إلخ كلامه (٢). أدلة الدكتور طه حسين: ويستدل على ما ذهب إليه البلاذري لم يذكر شيئاً عن ابن السوداء ولا أصحابه في أمر عثمان. ثم يستغرب الدكتور طه حسين كيف أن حادثة تحريق عليّ للذين ألَّهوه والتي ذكرها الطبري كيف لم يذكرها بعض المؤرخين ولم يُؤقتها، وإنما أهملوها إهمالاً تاماً؟!. الرد عليه: أما عدم ذكر البلاذري لابن سبأ فلا يعني أسطورة وجوده؛ لأنه قد يذكر بعض المؤرخينَ ما لا يذكره البعضُ الآخر منهم، ثم هل التزم البلاذري بذكر كل الوقائِع والأحداث؟: وربما لو ذكر البلاذري أخبار ابن سبأ وأصحابه لقال البلاذري لا يعتمدُ على أخباره؛ لأنه غير متفق على توثيقه. أما حادثة تحريق الإمام علي ﵁ للذين ألُّهوه فسنذكرها في موقف الإمام علي من عبد الله بن سبأ وأصحابه، حيث ذُكرتْ في أصح الكتب بعد كتاب الله ، وهذه الروايات تغني عن الروايات التاريخية. إضافة إلى ذلك فقد ذُكرت في الكتب الموثقة عند الشيعة. الدكتور محمد كامل حسين: واعتبر الدكتور محمد كامل حسين قصة ابن سبأ أقرب إلى الخرافات منها إلى أي شيء آخر (٣) متابعاً في ذلك الدكتور طه حسين، ولم يذكر أي دليل لما يراه. الدكتور حامد حفني داود: وكذلك يرى الدكتور حامد حفني داود رئيس قسم اللغة العربية بجامعة عين شمس أن ابن سبأ من أعظم الأخطاء التاريخية التي أفلتتْ من زمام الباحثين وغمَّ عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا لها. هذه المفتريات التي افتروها على الشيعة حتى لفقوا عليهم قصة عبد الله بن سبأ فيما لفقوه واعتبروها مغمزا يغمزون به عليهم (٤). الرد عليه: والدكتور حامد هذا أحد المخدوعين بفكرة التقريب، بل أحدُ الدُعاة إليها، فلا يستغرب منه هذا الكلام مادام يتقربُ من المشككين بكتاب الله والطاعنينَ في صحابة رسول الله ﷺ والذين ينالون من أمهات المؤمنين ﵅ أمثال مرتضى العسكري صاحب كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) وكتاب (أحاديث أم المؤمنين عائشة). المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي ثالثاً: الشيعة الذين ينكرون ابن سبأ

стр. 2160

أما الشيعة في العصر الحاضر فينكرون وجود ابن سبأ؛ والسبب الحقيقي لإنكارهم إياه عقيدته، التي بثها وتسربتْ إلى فِرق الشيعة حتى المتأخرة منها، وسنذكر أقوال وآراء المنكرين ثم نثبتُ وجوده وعقيدته من المصادر المعتمدة عند الشيعة. محمد جواد مغنية وابن سبأ: عبد الله بن سبأ في نظر الشيخ جواد مغنية هو البطلُ الأسطوري الذي اعتمد عليه كل من نسب إلى الشيعة ما ليس له به علمٌ وتكلمَ عنهم جهلاً وخطأ أو نفاقاً وافتراء (١). مرتضى العسكري وابن سبأ: وزعم مرتضى العسكرى أنه ناقش جميعَ من ذهبوا إلى وجود عبد الله بن سبأ وخرج بنتيجةٍ هي أنه ابن سبأ (شخصية وهمية خرافية ابتدعها واختلقها سيف بن عمر (٢) وصنف كتاباً خاصاً بابن سبأ بعنوان: (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى). الدكتور على الوردي وابن سبأ: وأما الدكتور على الوردي صاحب (وعاظ السلاطين) فيرى أن ابن سبأ هو نفسهُ عمار بن ياسر ويستدل على ذلك بما يلي: أن ابن سبأ كان يُكنى بابن السوداء ومثله في ذلك عمار. كان عمار من أبٍ يماني، ومعنى هذا أنه كان من أبناء سبأ فكلُ يماني يَصحُ أن يقال عنه أنه ابن سبأ. وعمار فوق ذلك كان شديد الحب لعلي بن أبي طالب يدعو له ويُحْرضُ الناسَ على بيعته في كل سبيل. وقد ذهب عمار في أيام عثمان إلى مصر وأخذ يُحرّضُ الناس هناك على عثمان فضجَ الوالي منه وهمّ بالبطش به. ويُنسب إلى ابن سبأ قوله: إن عثمان أخذ الخلافة بغير حقٍ وإن صاحبها الشرعي هو علي بن أبي طالب. ٦و٧ - قضايا تتعلق بدور عمار في حرب الجملِ، وفي علاقته مع أبي ذر الغفاري، ويستخلص الوردي أن ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر، فقد كانت قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان، ولكنها لم تشأ في أول الأمر أن تُصرح باسمه، فرمزت عنه بابن سبأ أو ابن السوداء، وتناقل الرواةُ هذا الرمز غافلين وهم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار (٣).ويقول الدكتور: ويبدوا أن هذه الشخصية العجيبة اخترعتْ اختراعاً وقد اخترعها أولئك الأغنياء الذين كانتْ الثورة موجهةُ ضدهم (٤). الدكتور كامل الشيبي وابن سبأ: ثم يأتي بعد الوردي كاتبٌ آخر هو الدكتور مصطفى الشيبي الذي تابعَ الوردي في أوهامِه وخبطهِ العشوائي، وحاول أن يُعزّزَ ما ذهب إليه بإيراد نصوص تثبت القضايا التي وردتْ في محتوياته، وتابع كذلك الدكتور طه حسين في حرقِ الإمام علي ﵁ للسبئية فيقول: أما قضية إحراق علي المزعوم للسبئية فإنه خبرٌ مختلق من أساسه ولم يرد على صورة فيها ثقةٌ في كتاب معتبرٍ من كتب التاريخ. ولعل أصل هذا الحادث يتصل بإحراق خالد بن عبد الله القسري (بياناً) وخمسة من أتباعه الغُلاة، ثم لما تقدم بها الزمن زُحزحتْ الحادثة إلى الأمام قليلاً حتى اتصلت بعلي (٥).

стр. 2161

الرد على الوردي والشيبي: أما ما ذهب إليه الوردي وتابعُه الشيبي وغيرهُ بأن عبد الله بن سبأ هو نفسهُ عمار بن ياسر فكُتب الجرح والتعديل والرجال الموثقة عند الشيعة تردُ على هذا القول؛ وذلك أن كتبهم ذكرتْ ترجَمة عمار بن ياسر في أصحاب الإمام علي ﵁ والرواة عنه، وتعدُه من الأركان الأربعة (١) وذكرت ترجمة عبد الله بن سبأ وتذكر اللعنة عليه، وتمدح عماراً فكيف نجمع بين هاتين الترجمتين (٢)؟. وأما تحريق السبئية فسوف نذكر الأدلة الصحيحة في موقف الإمام منهم. الدكتور عبد الله فياض وابن سبأ: وكذلك أنكره الدكتور عبد الله فياض في كتابه (تاريخُ الإمامية وأسلافهم من الشيعة) وهو كتابٌ مطعمٌ بآراء المستشرقين، وكان المشرفُ عليه الدكتور قسطنطين زريق أحد أساتذة دائرةِ التاريخ بالجامعة الأمريكية ببيروت. يقول الدكتور فياض: يبدو أن ابن سبأ كان شخصيةً إلى الخيال أقربُ منها إلى الحقيقةِ، وأن دوره -إن كان له دورٌ- قد بُولغ فيه إلى درجةِ كبيرةٍ لأسباب دينية وسياسية، والأدلةُ على ضعفِ قصةِ ابن السوداء كثيرة (٣) ويستدل بما ذهب إليه مرتضى العسكري اتهام سيف بن عمر البرجمي (ت:١٧٠) باختلاق هذه الشخصية، ويزعُم التناقض والمبالغة في الروايات. ويعززُ موقفهُ برأي الوردي، ومتابعة الشيبي. طالب الرفاعي وابن سبأ: ويظهر بعد هؤلاء المدعو طالب الحسيني الرفاعي فيقول في حاشيتهِ على مقدمة محمد باقر لكتاب (تاريخ الإمامية) والتي طبعها تاجُر الكتب الخانجي بالقاهرة سنة ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م باسم (التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية) على أنه لو كان ابن سبأ هذا حقيقةُ تاريخيةُ ثابتةً فعلاً، فإنه كما سنذكره مفصلاً في مبحثٍ خاص به لا صلة إطلاقاً بين أفكاره وبين ما اشتملت عليه عقيدةُ الشيعة من الوصية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇؛ لأنها قائمة على روايات في صحاح الفريقين من السنة والشيعةِ كما هي موجودة أيضاً في كتب الفريقين في التفسير والتاريخ وأصول الاعتقاد. ومن ثم فالقول بأن التشيع نتيجةٌ من نتائج الفكرة السبئية –كما يدعي- رأي باطل (٤). ولا يستغرب هذا الكلام من هذا الرجل الذي زعَم أن أول من قال بالرجعةِ عمر بن الخطاب ﵁؛ لأنه قال إن الرسول ﷺ : لم يُمت ولنْ يموتَ، إضافة إلى افتراءاته وضلالاته وتزييفه للحقائق الثابتة الصحيحة. الرد على الأقوال وعرض لمصادر ترجمة ابن سبأ: هذه أقوال بعض شيعة العصر الحاضر، وكأنهم لم ينظروا في كتب عقائدهم وفرقهم، ومروياتهم ورجالهم وكتب الجرح والتعديل عندهم.

стр. 2162

وهذه طائفة من الكتب الموثّقةٍ عند الشيعة التي ذكرت عبد الله بن سبأ ومزاعمه وعقيدتُه، والتي حملتْ الإمام علياً ﵁ وأهل بيته الطاهرين على تكذيب ابن سبأ والتبرؤ منه ومن أصحاب السبئية وما نسبه إلى أهل البيت. أول من هذه المصادر المهمة النادرة التي ذكر فيها ابن سبأ: (رسالة الإرجاء) للحسن بن محمد بن الحنفية الفقيه الموثّق الذي كان يقول: من خلع أبا بكر وعمر فقد خلع السُّنّة. المتوفي سنة خمس وتسعين للهجرة (١) والتي رواها عنه الثقاتُ من الرجال عند الشيعة. ثانياً: كتاب (الغارات) لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد سعيد بن هلال الثقفي الأصفهاني –الذي وثقه ابن طاووس- توفي في حدود ٢٨٣هـ وكتابه (الغارات) طبع أنجمن آثار ملي إيران. ثالثاً: كتاب (المقالات والفرق) لسعد بن عبد الله الأشعري القمي المتوفي سنة ٣٠١هـ، وهو مطبوع في طهران سنة ١٩٦٣هـ. رابعاً: فرق الشيعة لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث الهجري، طبعة كاظم الكتبي في النجف عدة طبعات، وكذا طبعة المستشرق ريتر في استانبول/ ١٩٣١م. خامساً: (رجال الكشي) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي وهو معاصر لابن قولويه المتوفي سنة ٣٦٩هـ، ط/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات كربلاء. سادساً: (رجالُ الطوسي) لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفي سنة ٤٦٠هـ، ط/ الأولى في النجف ١٣٨١هـ/ ١٩٦١م، نشر محمد كاظم الكتبي. سابعاً: (شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة)، لعز الدين أبي حامد عبد الحميد بن هبة الله المدائني الشهير بابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي المتوفي سنة ٦٥٦هـ، ط/ الأولى الميمنية ١٣٢٦هـ وغيرها. ثامناً: (الرجال) للحسن بن يوسف الحلي، المتوفي سنة ٧٢٦هـ، طبعة طهران ١٣١١هـ/ وطبعة النجف ١٩٦١م. تاسعاً: (روضات الجنات)، لمحمد باقر الخوانساري المتوفي سنة ١٣١٥هـ، طبعة إيران ١٣٠٧هـ. عاشراً: (تنقيحُ المقال في أحوال الرجال) للشيخ عبد الله الماماقاني المتوفي سنة ١٣٥١هـ، طبعة النجف ١٣٥٠هـ في المطبعة المرتضوية. حادي عشر: (قاموس الرجال) لمحمد تقي التستري منشورات مركز نشر الكتاب طهران ١٣٨٢هـ. ثاني عشر: (روضة الصفا) تاريخ عند الشيعة معتمد بالفارسية (٢/ ٢٩٢) طبعة إيران. ثالث عشر: دائرة المعارف المسماة بمقتبس الأثر ومجدد ما دثر لمحمد حسين الأعلمي الحائري، ط/ ١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م في المطبعة العلمية بقم. رابع عشر: (الكنى والألقاب) لعباس بن محمد رضا القمى، ت:١٣٥٩هـ، ط/ العرفان صيدا. هذا ما تيسر لنا من كتب القوم التي اطلعنا عليها، وهناك عدد كبير من كتبهم المخطوطة والمطبوعة فيها ذكر ابن سبأ والسبئية منها: (حلُّ الإشكال) لأحمد طاووس المتوفي سنة ٦٧٣هـ. و (الرجال) لابن داود المؤلف سنة ٧٠٧هـ، و (التحرير الطاووسي) للحسن بن زين الدين العاملي، المتوفي سنة ١٠١١هـ و (مجمع الرجال) للقهبائي المؤلف سنة ١٠١٦هـ، و (نقد الرجال) للتفرشي الذي ألفه سنة ١٠١٥هـ، و (جامع الرواة) للأردبيلي المؤلف سنة ١١٠٠هـ، و (موسوعة البحار) للمجلسي المتوفي سنة ١١١٠هـ (٢) وابن شهر آشوب المتوفي سنة ٥٨٨هـ (٣) وابن محمد طاهر العاملي (ت:١١٣٨هـ) (٤). المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي

стр. 2163

المطلب الرابع: عقيدة ابن سبأ وضلالاته بعد أن ذكرنا طائفةً من كتب الشيعةِ الموثّقة والمعتمدة عندهم، نذكر أهم الأمور التي اعتقدها ابن سبأ وحمل أتباعه على الاعتقاد بها والدعوة إليها، وهكذا تسربتْ هذه الأفكارُ الضالةُ إلى فرق الشيعة؛ والسبب في استدلالنا في بيان معتقدِ هذا اليهودي من كتبهم ومن رواياتهم عن المعصومين عندهم: لأنهم يقولون: "إن الاعتقاد بعصمةِ الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحةٌ دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي ﷺ كما هو الحال عند أهل السنة (١).ويقولون أيضاً: (ولما كان الإمام معصوماً عند الإمامية فلا مجال للشك فيما يقول) (٢).ويقول المامقاني: إن أحاديثنا كلها قطعية الصدور عن المعصوم (٣). وكتاب الماماقاني من أهم كتب الجرح والتعديل عندهم. بعد هذه الأقوال التي تُلزم القوم بقبول الأخبار المروية في مصنفاتهم، نذكر أهم الضلالات التي نادى بها ابن سبأ وهي: ١ - القول بالوصية: وهو أول من قال بوصية رسول الله ﷺ لعلي، وأنه خليفته على أمته من بعده بالنص. ٢ - أول من أظهر البراءة من أعداء علي ﵁ –بزعمه- وكاشفَ مخالفيه وحكم بكفرهم. والدليل على مقالته هذه ليس من تاريخ الطبري، ولا من طرق سيف بن عمر، بل ما رواه النوبختي والكشيّ والماماقاني والتستري، وغيرهم من مؤرخي الشيعة. يقول النوبختي:"وحكى جماعةٌ من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصّي بعد موسى على نبينا وآله وعليهما السلام بالغلو. فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في علي ﵇ بمثل ذلك وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه – يقول النوبختي- فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهود" (٤) وفي هذا المقام نشير إلى أن فكرة الوصية التي اعتمد عليها ابن سبأ ذُكرتْ في التوراة في أصحاح (١٨) من سفر (تثنية الاشتراع) وفيه أنه لم يخلُ الزمان أبداً من نبي يخلفُ موسى ومن نوعه ولكل نبي خليفته إلى جانبه يعيشُ أثناء حياته. ويقول النوبختي عند ذكره السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعنَ على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال إن علياً ﵇ أمره بذلك (٥). ٢ - كان أول من قال بألوهية وربوبية علي ﵁. ٣ - كان أول من ادعى النبوة من فِرق الشيعة الغُلاة.

стр. 2164

والدليل على ذلك ما رواه الكشي بسنده عن محمد بن قولويه القمي قال: حدثني سعد بن عبد الله ابن أبي خلف القسي، قال: حدثني محمد بن عثمان العبدي عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان، قال: حدثني أبي عن أبي جعفر ﵁، أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة وزعم أن أمير المؤمنين ﵁، هو الله، - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- فبلغ ذلك أمير المؤمنين ﵁ فدعاه وسأله فأقرّ بذلك، وقال: نعم أنت هو، وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأني نبيّ، فقال له أمير المؤمنين ﵁: ويلك قد سَخِرَ منك الشيطانُ فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتُبْ، فأّبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه بالنار. والصواب أنه نفاه إلى المدائن بعد أن شفع له على ما سنبينه في موقف الإمام منه، وقال –أي الإمام- أنّ الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك (١).وروى الكشي بسنده أيضاً عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثني يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ وما ادعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فقال: إنه لما ادعى ذلك استتابه أمير المؤمنين ﵁ فأبى أن يتوب وأحرقه بالنار (٢).٥ - كان ابن سبأ أول من أحدث القول برجعة علي ﵁ إلى الدنيا بعد موته وبرجعة رسول الله ﷺ ، وأول مكان أظهر فيه ابن سبأ مقالته هذه في مصر فكان يقول: العجبُ ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذّب برجوع محمد وقال الله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:٨٥]، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى فقيل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها (٣).فإن لم يرض القوم برواية ابن عساكر الثقة التي رواها في تاريخه وكذا غيره فاسمع ما قالته السبئية لمن أخبرهم بمقتل سيدنا علي ﵁ ونعاه، قالوا له: "كذبت يا عدو الله لو جئتنا –والله- بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدّقناه ولعلمنا أنه لم يمت ولم يُقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض .. إلخ (٤). وهذا الخبر ذكره سعد بن عبد الله الأشعري القمي صاحب كتاب (المقالات والفرق) الذي هو موضع ثقة عند الشيعة، ونقل النوبختي في فرق الشيعة مقالة السبئية أيضاً وهي:"أن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملُئتْ ظلماً وجوراً"

стр. 2165

بقي علينا في هذا المقام أن نعرف مفهوم عقيدة الرجعة عند الشيعة. يقول محمد رضا المظفر: "إن الذي تذهب إليه الإمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت ﵈ أن الله تعالى يُعيدُ قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعزُّ فريقاً ويذلُّ فريقاً آخر، ويديلُ المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، ولا يرجعُ إلا من علتْ درجته في الإيمان أو من بلغ من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب أو العقاب كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم، تمنى هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت الله أن يخرجوا ثالثاً لعلهم يصلحون: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:١١] (١).وروى القمي- وهو الثقة عندهم- بسنده إلى أبي عبد الله حيث فسر قوله تعالى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:٤٢] بالرجعة، وقال صيحة القائم من السماء ذلك يوم الخروج قال هي: الرجعة (٢).واشترط الشيعة في الرجعة من محض الإيمان أو الكفر فيقول القمي: "حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن المفضل عن أبي عبد الله ﵇ في قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا [النمل:٨٢] قال: ليس أحد من المؤمنين قتل إلا يرجع حتى يموت ولا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً (٣).والتفسير الصحيح لهذه الآية التي استدل بها المظفر ما روي عن ابن مسعود ﵁ قوله: "هي مثل التي في البقرة وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:٢٨] كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت. أخرجه الفريابي وعبد الله بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه (٤).وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: كنتم أمواتاً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة ثم أحياكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة فهما ميتتان وحياتان فهو كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:٢٨] (٥).

стр. 2166

٦ - ادعى ابن سبأ اليهودي: أن علياً ﵁ هو دابة الأرض, وأنه هو الذي خلق الخلق وبسط الرزق. قال ابن عساكر: "روى الصادق عن آبائه الطاهرين عن جابر قال: لما بُويعَ علي ﵁ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك. فقال اتق الله, فقال: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله فاجتمعت الرافضةُ فقالت: دَعْهُ وانْفِهِ إلى ساباط المدائن (١).فإن لم يرض القوم برواية الحافظ ابن عساكر نذكر بعض روايات كتبهم .. المعتمدة منها: ما رواه القمي في تفسيره الموثق عندهم، قال القمي: فأما قوله: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً إلى قوله: بآياتنا [النمل:٨٢] فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عن أبي عبد الله ﵇ قال: انتهى رسول الله ﷺ إلى أمير المؤمنين وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له: قم يا دابة الله فقال: رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمى بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟ فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة, وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:٨٢]، ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم (٢) تسم به أعداءك، فقال رجل لأبي عبد الله ﵇: إن الناس يقولون هذه الدابة إنما تكلمهم؟ فقال أبو عبد الله ﵇: كلمهم الله في نار جهنم إنما هو يكلمهم من الكلام (٣). ومنها ما رواه رواتهم الثقات عندهم عن علي ﵁ أنه قال: "ولقد أعطيت الست علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، وإني لصاحبُ الكرّات –أي الرجعات إلى الدنيا- ودولة الدول، وإني لصاحبُ العصا والميسم، والدابة التي تكلم الناس". وروى علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره عن أبي عبد الله ﵁ قال: قال رجل لعمار بن ياسر، يا أبا اليقظان آية في كتاب الله أفسدت قلبي، قال عمار: وأية آية هي، فقال: هذه الآية –أي: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:٨٢]. فأية دابة الأرض هذه؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين ﵁ وهو يأكل تمراً وزبداً فقال: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل: سبحانه الله حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها، قال عمار: أريتكها إن كنت تعقل (٤).٧ - وقالت السبئية: إنهم لا يموتون وإنما يطيرون بعد مماتهم وسموا بـ (الطيارة) يقول ابن طاهر المقدسي: وأما السبئية فإنهم لهم الطيارة يزعمون أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغلس (٥).

стр. 2167

ولقد استخدم أئمة الجرح والتعديل من الشيعة هذه التسمية وهي من ألفاظهم في تجريح الرواة. يقول الطوسي وهو أحد الأئمة الأثبات عند الشيعة في ترجمة نصر بن صباح يُكنى أبا القاسم من أهل بلخ – وبلخ في أفغانستان- لقي جلة من كان في عصره من المشايخ والعلماء، وروى عنهم إلا أنه قيل كان من (الطيارة) غالٍ (١). ونصر بن الصباح هذا عده الماماقاني من الأئمة الذين صنفوا في معرفة الرجال – أي عند الشيعة – وقال أي الماماقاني في التعليقة: من تتبع الرجال يظهر عليه أن المشايخ قد أكثروا من النقل عنه على وجه الاعتماد وقد بلغ إلى حد لا مزيد عليه، وذكر له الماماقاني كتاب (معرفة الناقلين) وكتاب (فرق الشيعة) (٢). ٨ - وقال قوم من السبئية بانتقال روح القدس في الأئمة وقالوا: (بتناسخ الأرواح) يقول ابن طاهر المقدسي: ومن الطيارة (أي السبئية) قوم يزعمون أن روح القدس كانت في النبي كما كانت في عيسى ثم انتقلت إلى علي ثم إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم كذلك في الأئمة. وعامة هؤلاء يقولون بالتناسخ والرجعة (٣) ولعل كتاب الحسن بن موسى النوبختي المسمي بـ (الرد على أصحاب التناسخ) صنفه النوبختي في الرد عليهم (٤). ٩ - وقالت: السبئية: هُدينا لوحي ضلّ عنه الناس وعلم خفي عنهم. ١٠ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ كتم تسعة أعشار الوحي، ولقد رد على مقالتهم هذه أحد أئمة أهل البيت وهو الحسن بن محمد بن الحنفية في رسالته التي سماها بـ (الإرجاء) والتي رواها عنه الرجال الثقات عند الشيعة فيقول: ومن قول هذه السبئية هُدينا لوحي ضلّ عنه الناس، وعلمٍ خفي عنهم، وزعموا أن رسول الله ﷺ وآله كتم تسعة أعشار الوحي. ولو كتم صلى الله عليه وآله شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم شأن امرأة زيد، وقوله تعالى: تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ [التحريم:١] (٥). وقال الحافظ الجورجاني (ت ٢٥٩هـ) عن ابن سبأ: زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي فنهاه علي بعدما همّ به (٦).١١ - وقالوا: إن علياً في السحاب، وإن الرعد صوته، والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين (٧) ولقد أشار إلى معتقدهم هذا إسحاق بن سويد العدوي في قصيدة له برئ فيها من الخوارج والروافض والقدرية، منها: برئتُ من الخوارج لسْتُ منهم ... من الغزّال منهم ابن باب ومن قومٍ إذا ذكروا عليا ... يُردُّون السّلام على السّحاب (٨) وعقب الشيخ محيي الدين عبد الحميد –﵀ على هذا المعتقد بقوله: "ولا زلت أرى أطفال القاهرة يجرون وقت هطول الأمطار، ويصيحون في جريهم: (يا بركة علي زودِ) (٩) أقول: ليس الأطفال فقط بل بعض الذين قال الله تعالى فيهم في آخر سورة الشعراء: والشعراء يتبعهم الغاوون [الشعراء:] منهم الشاعر محمد عبد المطلب في قصيدته العلوية التي ألقاها في سنة ١٩١٩م في الجامعة المصرية والتي – القصيدة – جاوزت الأربعمائة بيت: أجَدّك ما النياق وما سرُاها ... تخوض بها المهامه والأكاما وما قطرُ الدخان إذا استقلت ... بها النيران تضطرم اضطراما فهب لي ذات أجنحة لعليّ ... بها ألقى على السُحاب الإماما وغير ذلك من المقالات والآراء الضالة. المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي

стр. 2168

المطلب الخامس: موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل بيته من ابن سبأ اختلفت الروايات عن موقف علي ﵁ من ابن سبأ حينما ادعى ألوهيته: بعض الروايات تذكر أن علياً استتابه ثلاثة أيام فلم يرجع فأحرقه في جملة سبعين رجلاً (١).وبعض الروايات تذكر أن ابن سبأ لم يظهر القول بألوهية علي إلا بعد وفاته، وهذا يؤيد الرواية التي تذكر أنه نفاه إلى المدائن حينما علم ببعض أقواله، وغلوه فيه (٢). وبعض الروايات تذكر أن علياً علم بمقالة ابن سبأ في دعوى ألوهيته، ولكنه اكتفى بنفيه خوف الفتنة واختلاف أصحابه عليه، وخوفاً كذلك من شماتة أهل الشام. وكان هذا بمشورة ابن عباس ﵄، أو الرافضة كما قيل في هذه الرواية (٣). والواقع أن الروايات التي تذكر أن علياً ترك ابن سبأ فلم يحرقه واكتفى بنفيه مع عظم دعواه وشناعة رأيه فيه –أمر فيه نظر، بل غير وارد كما أتصور، إذ يستبعد - حسبما يظهر لي- أن يتركه علي يعيث في الأرض فساداً، ويدعو إلى ألوهيته أو نبوته أو وصايته أو التبرأ من أصحاب الرسول ﷺ ثم يكتفي بنفيه فقط إلى المدائن، وهو يعلم أنه باق على غلوه، وأنه سيفسد كل مكان يصل إليه. ويمكن أن يقال –وهو أقل اعتذار: إنه تركه لعدم ثبوت تلك الأقوال عنده؛ لأن ابن سبأ كان يرمي بها من خلف ستار. أو لأن دعوى الألوهية لم توجد إلا بعد وفاة علي ﵁ كما يرى بعضهم، وأنه حينما نفاه إلى المدائن كانت دعواه لم تصل إلى حد تأليهه لعلي ﵁. وقد جرأت هذه الدعوى الكثير بعد ذلك على دعوى الألوهية لأشخاص من آل البيت بل ومن غيرهم. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ١/ ٣٢٤ قال علي ﵁: "سيهلك في صنفان محب مفْرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق وخير الناس فِيَّ حالاً النمط الأوسط فالزموه السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة (٤). وهكذا شاء الله أن ينقسم الناس في علي ﵁ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مبغض، وهؤلاء هم الذين تكلموا فيه بل غالى بعضهم فقالوا بكفره كالخوارج. والقسم الثاني: أفرط في حبه وذهب به الإفراط إلى الغلو حتى جعلوه بمنزلة النبي بل ازدادوا في غيهم فقالوا بألوهيته: وأما السواد الأعظم فهم أهل السنة والجماعة من السلف الصالح حتى الوقت الحاضر فهم الذين أحبوا علياً وآل بيته المحبة الشرعية، أحبوهم لمكانتهم من النبي ﷺ .

стр. 2169

ولقد جابه عليّ ﵁ القسم الأول فقاتلهم بعد أن ناظرهم وأخباره معهم معروفة مسرودة في كتب التاريخ، ونريد أن نرى موقفه هو وأهل بيته من ابن سبأ وأتباعه. لما أعلن ابن سبأ إسلامه وأخذ يظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويكسب قلوب فريق من الناس إليه, أخذ يتقرب من علي بن أبي طالب ويظهر محبته له فلما اطمأن لذلك أخذ يكذب ويفتري على عليّ بن أبي طالب نفسه, قال عامر الشعبي –وهو أحد كبار التابعين توفي ١٠٣هـ: أول من كذب عبد الله بن سبأ, وكان ابن السوداء يكذب على الله ورسوله وكان عليّ يقول مالي ولهذا الحميت الأسود (والحميت هو المتين من كل شيء) (١) يعني ابن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر (٢). وروى ابن عساكر أيضاً: أنه لما بلغ علي بن أبي طالب أن ابن السوداء ينتقص أبابكر وعمر دعا به، ودعا بالسيف وهمّ بقتله، فشفع فيه أناس فقال: والله لا يُساكنني في بلد أنا فيه، فسيره إلى المدائن (٣).وقال ابن عساكر أيضاً: روى الصادق –وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق ولد سنة ٨٣هـ في المدينة المنورة وتوفي فيها سنة ١٤٨هـ - وهو الإمام السادس المعصوم عند الشيعة، روى عن آبائه الطاهرين، عن جابر قال: لما بويع علي ﵁ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له أنت دابة الأرض (٤) فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال: اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفِه إلى ساباط المدائن فإنك إن قتلته بالمدينة – يعني الكوفة – خرج أصحابه علينا وشيعته, فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة، أي كانت بعد ذلك وبجهود ابن سبأ مركزاً يتجمعون فيه، قال: أي جابر – ثم قامت إليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلاً قال: ارجعوا فإني علي بن أبي طالب أبي مشهور وأمي مشهورة وأنا ابن عم محمد ﷺ ، فقالوا: لا نرجع دع داعيك، فأحرقهم في النار وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة، فقال: من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم علنا أنه إله، واحتجوا بقول ابن عباس: لا يعذب بالنار إلا خالقها (٥).

стр. 2170

هذا موقف الإمام علي ﵁ في ابن سبأ وأتباعه، نفاه إلى المدائن وأحرق طائفة من أتباعه، ومن لم يقتنع بهذه الروايات والتي بعضها رواها أحد المعصومين عند القوم وأبى إلا المكابرة والعناد، نذكر له ما ورد في حرق هؤلاء في الروايات الصحيحة عند أهل السنة والجماعة وبعدها روايات القوم. روى البخاري في (صحيحه) في كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، بسنده إلى عكرمة أن علياً ﵁ حرق قوماً فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم كما قال النبي ﷺ : ((من بدّل دينه فاقتلوه)) (١).وروى البخاري في (صحيحه) في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، بسنده إلى عكرمة نحوه وفيه قال: "أتى عليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم" (٢).ورواه كذلك أبو داود في (سننه): في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد الحديث الأول بسنده إلى عكرمة بلفظ آخر وفي آخره فبلغ ذلك علياً فقال ويح ابن عباس، وروى كذلك النسائي في سننه (٣) نحوه. ورواه الترمذي في (الجامع): في كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وفي آخر، فبلغ ذلك علياً فقال: صدق ابن عباس: قال أبو عيسى، هذا حديث صحيح حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم في المرتد (٤).وروى البخاري أيضاً في (صحيحه) في كتاب استتابه المرتدين والمعاندين وقتالهم بسنده إلى عكرمة نحوه، وفيه قال: أتى عليّ ﵁ (٥) بزنادقة فأحرقهم. وروى الطبراني في المعجم الأوسط من طريق سويد ابن غفلة "أن علياً بلغه أن قوماً ارتدوا عن الإسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال: صدق الله ورسوله" (٦).

стр. 2171

وفي الجزء الثالث, من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال: قيل لعلي إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء الله وإن عصيته خشيته أن يعذبني, فاتقوا الله وارجعوا فأبوا، فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال: أدخلهم فقالوا كذلك, فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدَّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود وقال إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم حتى إذا احترقوا قال: إني رأيت أمراً منكراً ... أو قدت ناري ودعوت قنبرا وقال ابن حجر: هذا سند حسن (١).إضافة إلى هذه الروايات، فقد روى الكليني في كتابه (الكافي) –الذي هو بمنزلة صحيح البخاري عند القوم، روى في كتاب الحدود في باب المرتد بسنده من طريقين عن أبي عبد الله أنه قال: أتى قوم أمير المؤمنين ﵇ فقالوا: السلام عليك يا ربنا فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها ناراً وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى ما بينهما فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الأخرى ناراً حتى ماتوا (٢). ونقل الماماقاني وهو فوق الثقة عند القوم بعض النصوص في ذم الغلاة ومنهم السبئية ما رواه محمد بن الحسن وعثمان بن حامد قالا: حدثنا محمد بن يزداد عن محمد بن الحسين عن موسى بن بشار عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال: بينا علي ﵁ عند امرأته عن عترة وهي أم عمر إذ أتاه قنبر فقال: إن عشرة نفر بالباب يزعمون إنك ربهم فقال: أدخلهم قال: فدخلوا عليه فقال: ما تقولون. فقالوا: نقول إنك ربّنا وأنت الذي خلقتنا وأنت الذي رزقتنا فقال لهم: ويلكم لا تفعلوا إنما أنا مخلوق مثلكم، فأبوا فقال لهم: ويلكم ربي وربكم الله ويلكم توبوا وارجعوا، فقالوا: لا نرجع عن مقالتنا أنت ربنا ترزقنا وأنت خلقتنا، فقال: قنبر ائتني بالفعلة، فخرج قنبر فأتاه بعشرة رجال مع الزيل والمرور فأمرهم أن يحفروا لهم في الأرض فلما حفروا أخدوداً أمر بالحطب والنار فطرح فيه حتى صار ناراً تتوقد قال لهم: توبوا قالوا: لا نرجع فقذف عليّ بعضهم ثم قذف بقيتهم في النار قال عليّ: إني إذا بصرت شيئاً منكراً ... أوقدت ناراً ودعوت قنبراً (٣) ويبدو أن علياً ﵁ قد كرر عقابه لغير هؤلاء أيضاً، وهم الزط. فقد روى النسائي في سننه (المجتبى) عن أنس أن علياً أتي بناس من الزط يعبدون وثناً فأحرقهم، قال ابن عباس إنما قال رسول الله ﷺ : ((من بّدل دينه فاقتلوه)) (٤).وأخرج ابن أبي شيبة من طريق قتادة: "أن علياً أتي بناس من الزط يعبدون وثناً فأحرقهم" (٥) وحكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بالانقطاع ثم قال: فإن ثبت حُمل على قصة أخرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أيوب عن النعمان أنه قال: شهدت علياً في الرحبة، فجاءه رجل فقال إن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا إليه تمثال رجل قال فألهب عليهم الدار (٦).

стр. 2172

وروى الكشي في كتابه (معرفة أخبار الرجال) بعد ترجمة عبد الله بن سبأ تحت عنوان (في سبعين رجلاً من الزط الذين ادعوا الربوبية في أمير المؤمنين ﵇ بسنده إلى أبي جعفر أنه قال: إن علياً ﵇ لما فرغ من قتال أهل البصرة أتاه سبعون رجلاً من الزط فسلموا عليه وكلموه بلسانهم فرد عليهم بلسانهم، وقال لهم: إني لست كما قلتم أنا عبد الله مخلوق، قال: فأبوا عليه, وقالوا له: أنت أنت هو, فقال لهم: لئن لم ترجعوا عما قلتم فِيِّ وتتوبوا إلى الله تعالى لأقتلنكم. قال: فأبوا أن يرجعوا أو يتوبوا. فأمر أن يحفر لهم آباراً فحُفرت ثم خرق بعضها إلى بعض ثم قذفهم فيها ثم طم رؤوسها ثم ألهب النار في بئر منها ليس فيها أحد فدخل الدخان عليهم فماتوا" وفي بحار الأنوار نقلاً عن مناقب آل أبي طالب فخدّ ﵇ لهم أخاديد وأوقد ناراً فكان قنبر يحمل الرجل بعد الرجل على منكبه فيقذفه في النار ثم قال: إني إذا أبصرت أمراً منكراً ... أوقدت ناراً ودعوت قنبراً ثم احتفرت حفراً فحفراً ... وقنبر يحطم حطماً منكراً وعقّب على هذا الخبر ابن شهر آشوب بقوله: "ثم أحيا ذلك رجل اسمه محمد بن نصير النميري البصري زعم أن الله تعالى لم يظهره إلا في هذا العصر وإنه عليّ وحده، فالشرذمة النصيرية ينتمون إليه: وهم قوم إباحية تركوا العبادات والشرعيات واستحلت المنهيّات والمحرّمات، ومن مقالهم: أن اليهود على الحق ولسنا منهم، وإن النصارى على الحق ولسنا منهم" (١). ومن المناسب ما دمنا نتكلم عن تحريق علي بن أبي طالب لأصحاب ابن سبأ والزنادقة أن نذكر حادثة أخرى ذكرها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة يقول ابن أبي الحديد: "وروى أبو العباس أحمد بن عبيد بن عمار الثقفي عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بنوين: وروى أيضاً عن علي بن محمد النوفلي عن مشيخته: "أن علياً ﵇ مر بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً فقال أسفر أم مرضى قالوا: لا، ولا، واحدة منها، قال: فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمة والجزية قالوا: لا، أنت أنت، يومئون إلى ربوبيته، فنزل ﵇ عن فرسه فألصق خده بالأرض، وقال: ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله فاتقوا الله وارجعوا إلى الإسلام، فأبوا فدعاهم مراراً فأقاموا على كفرهم، فنهض إليهم وقال: شدوهم وثاقاً وعليّ بالفعلة والنار والحطب ثم أمر بحفر بئرين فحفرنا فجعل إحداهما سرباً والأخرى مكشوفة وألقى الحطب في المكشوفة وفتح بينهما فتحاً وألقى النار في الحطب فدخن عليهم وجعل يهتف بهم ويناشدهم ليرجعوا إلى الإسلام، فأبوا فأمرهم بالحطب والنار فألقى عليهم فأحرقوا فقال الشاعر: لترم في المنية حيث شاءت ... إذا لم ترمني في الحفرتين إذا ما حشنا حطباً بنار .. ... فذاك الموت نقداً غير دين فلم يبرح ﵇ حتى صاروا حمماً (٢). هذه هي الروايات التي وقفنا عليها في الأحاديث الصحيحة والحسنة والروايات التاريخية وكذلك من كتب القوم المتعلقة بالأصول والفقه والرجال والتاريخ التي تدل بكل وضوح على أن علياً ﵁ قد حرق الزنادقة ومن اعتقد فيه الربوبية ومنهم أصحاب ابن سبأ الملعون.

стр. 2173

أما هو فكما تذكر الروايات – سواء روايات أهل السنة الجماعة وروايات الشيعة – أن علياً ﵁ اكتفى بنفيه إلى المدائن بعد أن شفع له الرافضة. قال النوبختي في كتابه (الشيعة في ترجمة ابن سبأ): وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم وقال: إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس عليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن (١). ابن سبأ يدعو في المدائن لدعوته إن عبد الله بن سبأ وجد بعد نفيه مكاناً مناسباً لبث أفكاره وضلالاته بعد أن ابتعد من سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأخذ ينظم أتباعه وينشر أفكاره بين جيش الإمام المرابط في المدائن، ولما جاءهم خبر استشهاد علي ﵁ كذبه هو وأصحابه، ولنستمع للخبر كما يرويه الخطيب البغدادي بسنده إلى زحر بن قيس الجعفي الذي قال عنه علي ﵁: من سره أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا – يقول زحر: بعثني عليّ على أربعمائة من أهل العراق وأمرنا أن ننزل المدائن رابطة قال: فوالله إنا لجلوس عند غروب الشمس على الطريق إذ جاءنا رجل قد أعرق دابته قال فقلنا: من أين أقبلت؟ فقال من الكوفة فقلنا متى خرجت؟ قال: اليوم، قلنا فما الخبر؟ قال خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة, صلاة الفجر فابتدره ابن بجرة وابن ملجم فضربه أحدهما ضربة إن الرجل ليعيش مما هو أشد منها، ويموت مما هو أهون منها، قال ثم ذهب. فقال عبد الله بن وهب السبئي – ورفع يده إلى السماء-: الله أكبر، الله أكبر، قال: قلت له ما شأنك؟ قال: لو أخبرنا هذا أنه نظر إلى دماغه قد خرج عرفت أن أمير المؤمنين لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه. وفي رواية الجاحظ في البيان والتبيين (لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه" (٢).نعود لرواية الخطيب قال: – أي زحر- فو الله ما مكثنا إلا تلك الليلة حتى جاءنا كتاب الحسن بن علي: من عبد الله حسن أمير المؤمنين إلى زحر بن قيس أما بعد: فخذ البيعة على من قبلك، قال: فقلنا أين ما قلت؟ قال: ما كنت أراه يموت" (٣).وقال الحسن بن موسى النوبختي: "ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض" (٤). رواية عبد الجبار الهمداني في موقف ابن سبأ قال عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفي سنة ٤١٥هـ عند كلامه عن موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من ابن سبأ والسبئية: "واستتابهم أمير المؤمنين فما تابوا فأحرقهم، وكانوا نفراً يسيراً، ونفى عبد الله بن سبأ عن الكوفة إلى المدائن، فلما قُتل أمير المؤمنين ﵇ قيل لابن سبأ: قد قُتل ومات ودُفِن فأين ما كنت تقول من مصيره إلى الشام؟ فقال: سمعته يقول: لا أموت حتى أركل برجلي من رحاب الكوفة فأستخرج منها السلاح وأصير إلى دمشق فأهدم مسجدها حجراً حجراً وأفعل وأفعل فلو جئتمونا بدماغه مسروداً لما صدقنا أنه قد مات، ولما افتضح بهت، وادعى على أمير المؤمنين ما لم يقله. والشيعة الذين يقولون بقوله الآن بالكوفة كثير، وفي سوادها والعراق كله يقولون: أمير المؤمنين كان راضياً بقوله وبقول الذين حرقهم، وإنما أحرقهم لأنهم أظهروا السر، ثم أحياهم بعد ذلك قالوا: وإلا فقولوا لنا لمَ لم يحرق عبد الله بن سبأ؟ قلنا: عبد الله ما أقر عنده بما أقر أولئك، وإنما اتهمه فنفاه، ولو حرقه لما نفع ذلك معكم شيئاً، ولقلتم إنما حرقه لأنه أظهر السر" (٥). المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي

стр. 2174

المطلب السادس: موقف أتباع عبد الله بن سبأ لما سمعوا بمقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أما أتباع ابن سبأ فلم يكتفوا بالتكذيب بل ذهبوا إلى الكوفة معلنين ضلالات معلمهم وقائدهم ابن سبأ. فقد روى سعد بن عبد الله القمي صاحب (المقالات والفرق) وهو ثقة عند القوم "أن السبئية قالوا للذي نعاه: كذبت يا عدو الله لو جئتنا –والله- بدماغه ضربة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يُقتل وإنه لا يموت حتى يسوق العربَ بعصاه ويملك الأرض ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب عليّ فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا لنعلم أنه لم يُقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام" (١).وكان من هؤلاء رجل يقال له رشيد الهجري الذي صرح بمعتقده أمام عامر الشعبي، قال الشعبي: "دخلت عليه يوماً فقال: خرجت حاجاً فقلت: لأعهدن بأمير المؤمنين عهداً فأتيت بيت علي ﵇ فقلت لإنسان: استأذن لي على أمير المؤمنين قال: أو ليس قد مات؟ قلت: قد مات فيكم والله إنه ليتنفس الآن تنفس الحي، فقال: أما إذ عرفت سر آل محمد فادخل، قال فدخلت على أمير المؤمنين وأنبأني بأشياء تكون، فقال له الشعبي: إن كنت كاذباً فلعنك الله، وبلغ الخبر زياداً –فبعث إلى رشيد الهجري فقطع لسانه وصلبه على باب دار عمرو بن حريث" (٢).ذكر الحافظ الذهبي هذا الخبر في تذكرة الحفاظ وفيه: فقلت: لإنسان استأذن لي على سيد المرسلين. فقال هو نائم، وهو يظن أني أعنى الحسن، فقلت: لست أعني الحسن إنما أعني أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجّلين. قال أو ليس قد مات؟ فقلت: أما والله إنه ليتنفس الآن بنفس حيّ ويعرف من الدثار الثقيل (٣)؛ ولذلك كان عامر الشعبي يقول: ما كُذب على أحدٍ في هذه الأمة ما كذب على علي (٤). ورشيد هذا قال عنه ابن حبان: كان يؤمن بالرجعة (٥).وذكره الطوسي في ضمن أصحاب علي ﵁ وسماه رشيد الهجري الرياش بن عدي الطائي (٦).ويعتبر رشيد من أبواب الأئمة، كان باباً للحسين بن علي ﵄ (٧). المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي

стр. 2175

المطلب السابع: موقف أهل بيت النبي الكريم من ابن سبأ وتصدى أهل بيت النبي الكريم لعبد الله بن سبأ كما تصدى له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فكذّبوه وتبرؤوا من مقالاته وضلاله. فقد روى الكشي بسنده عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين وكان والله طائعاً، الويل لمن كذب علينا وإن قومنا يقولون فينا مالا نقول في أنفسنا نبرأ إلى الله منهم" (١).وروى الكشي بسنده أيضاً عن محمد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ﵁: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله, كان عليّ عبداً لله صالحاً أخاً لرسول الله ﷺ , وما نال الكرامة من الله إلا بطاعته ولرسوله، وما نال رسول الله ﷺ الكرامة إلا بطاعة الله" (٢).وروى أيضاً الكشي بسنده عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ﵁: "إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله ﷺ أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها, وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين أصدق من برأ الله بعد رسول الله ﷺ وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ لعنه الله" (٣). هذه روايات الكشي عن أئمة أهل البيت. ومن المعلوم أن كتاب الكشي المسمى بـ (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) عمد إليه إمام الشيعة الثقة الثبت عندهم (الطوسي) الذي يلقبونه بشيخ الطائفة المتوفي سنة ٤٦٠هـ عمد إلى كتاب الكشي فهذبه وجرده من الزيادات والأغلاط وسماه بـ (اختيار الرجل) وأملاه على تلاميذه في المشهد في الغروي، وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء ٢٦ صفر سنة ٤٥٦هـ نص على ذلك السيد رضي الدين علي بن طاووس في (فرج المهموم) نقلاً عن نسخة بخط الشيخ الطوسي المصرح فيها بأنها اختصار رجال كتاب (الرجال) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واختياره. فالموجود في هذه الأزمنة من المخطوط منه والمطبوع سنة ١٣١٧هـ في بمبئي بل وفي زمان العلامة الحلي إنما هو اختيار الشيخ الطوسي لا رجال الكشي الأصل فإنه لم يوجد له أي أثر حتى اليوم (٤). وبهذه النقول والنصوص الواضحة المنقولة من كتب القوم تتضح لنا حقيقة شخصية ابن سبأ اليهودي ومن طعن من الشيعة في ذلك فقد طعن في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم على هذا اليهودي (ابن سبأ) , ولا يجوز ولا يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول، وكذلك لا يجوز في معتقد القوم تكذيب المعصوم. هذا ما تيسر لنا في إثبات هذه الشخصية، أما الكلام عن دوره في مقتل عثمان ﵁، ودوره في عهد علي ﵁، وأثره في فرق الشيعة، ورواة الأخبار فيحتاج إلى كتابة أخرى. رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:٨] رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:٥٣] المصدر: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعد الهاشمي
следующие страницы →