١ ـ أصحاب الجمل والبصرة: في سورة الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:٤٠] ولن يلج الجمل في سم الخياط، فالكفار إذن لن يدخلوا الجنة، ولكن القمي إذا به يقول: " نزلت هذه الآية في طلحة والزبير والجمل جملهم " (١)! ويقول أيضا: إن أصحاب الجمل نزلت فيهم من سورة التوبة: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ [التوبة: ١٢] (٢).وفي سورة النجم يقول بأن المؤتفكة هي البصرة، وقال: ائتفكت بأهلها مرتين، وعلى الله تمام الثالثة، وتمام الثالثة في الرجعة (٣).وفي سورة الحاقة يقول بأن البصرة أيضاً هي المؤتفكات (٤).
٢ ـ بنو أمية:
أما بنو أمية فإنا نصادفهم كثيراً ونحن نقرأ هذا التفسير العجيب، وما دام ثلث القرآن في أعداء الجعفرية ـ كما زعموا ـ فلابد إذن أن يكون للأمويين نصيب كبير! انظر مثلا تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنفال:٥٥]. يقول: نزلت في بنى أمية، فهم أشر خلق الله، هم الذين كفروا في باطن القرآن، فهم لا يؤمنون (٥).ولهذا نجد كثيرا من الآيات التي تتناول الكفار يجعلها لبني أمية (٦).
٣ ـ بنو السباع: والقمي عاش في العصر العباسي الأول، والعلويون رأوا الحكم يذهب لغيرهم، ثم لم يسلموا من ظلم ذوي القربى، فالعباسيون ـ من وجهة النظر الجعفرية ـ لا يفترقون كثيراً عن الأمويين، ولكن القمي لا يستطيع أن يصرح بهم عند الحديث عن كفرهم فيسميهم بني السباع بدلاً من بني العباس (٧).
٤ ـ الاتفاق على قتل علي! وعندما تناول بعض الأحداث التاريخية الأخرى وضع قصصاً خيالية غريبة، فمثلا عند قوله تعالى: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الروم:٣٨] نراه يتحدث عن ذلك في خمس صفحات، ويأتي بقصيدة يقول بأن السيدة فاطمة الزهراء ـ رضي الله تعالى عنها ـ احتجت بها على الصديق، وكذلك احتج الإمام علي، وخاف الصديق من ضياع الحكم نتيجة هذا الموقف، فبعث إلى الفاروق الذي أشار بقتل علي! وأمر خالد بن الوليد بقتله فوافق خالد، إلى آخر تلك الخرافة (٨).
стр. 2347
٥ ـ كفر أصحاب بيعة الرضوان: وعندما تحدث عن صلح الحديبية قال: " فلما أجابهم رسول الله ﷺ إلى الصلح أنكر عامة أصحابه، وأشد ما كان إنكاراً فلان، فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال: بلى! قال: فنعطي الذلة في ديننا؟ قال: إن الله وعدني ولن يخلفني. قال لو أن معي أربعين رجلاً لخالفته " (١). والمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ صاحب الجزء الأول من هذه المناقشة، فافترى القمي هذه الزيادة المنكرة " لو أن معي أربعين رجلا لخالفته "، وقال: بأن عامة أصحابه الذين أنكروا الصلح أكثروا القول على رسول الله ﷺ فقال لهم: إن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم. ويزيد فريته بأنهم حاربوا فعلاً، وهزموا هزيمة قبيحة، إلى أن قام علي بسيفه فتراجعت قريش (٢).ثم يستمر ليقول: بأن عامة الصحابة هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ [الفتح:٦] (٣).وهكذا يستمر هذا القمي ليجعل عامة أصحاب بيعة الرضوان من أصحاب النار، وهم الذين ﵃ بنص القرآن الكريم، ويطعن في ترتيب آيات سورة الفتح ليصل إلى ضلاله (٤)!
٦ ـ الفرق الأخرى: ونراه كذلك يخضع القرآن الكريم للحديث عن الفرق الأخرى، فمثلا عند قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وجوههم مُّسودةٌ [الزمر:٦٠] يقول: " من ادعى أنه إمام وليس بإمام يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ... وإن كان علوياً فاطمياً " (٥).
٧ ـ القائم وجيش السفياني:
وكثير من فرق الشيعة قالت بعودة بعض الأئمة قبل يوم القيامة، ومنهم من وقف عند إمام معين، وقال: بأنه لم يمت وإنما أظهر موته تقية، إلى غير ذلك مما تذكره كتب التاريخ. وكان من صدى هذا أن بعض الأمويين قالوا بعودة رجل منهم أسموه السفياني: فزاد بعض الجعفرية خرافة أخرى وهي أن المهدي عندما يرجع سيقابل جيش السفياني ويهزمه! وإذا بنا نجد هذا في تفسير القمي! فعند قوله تعالى: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [هود:٨] قال: هم والله أصحاب القائم، يجتمعون والله إليه في ساعة واحدة، فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني، فيأمر الله الأرض فتأخذ أقدامهم، وهو قوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ [سبأ:٥١ - ٥٢] يعني بالقائم (٦).وفي قوله تعالى: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:١١٣] قال يعني ما يحدث من أمر القائم والسفياني (٧).
وبهذا يصبح تفسير القمي مرجعاً من مراجع التاريخ لغلاة الجعفرية!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٠٩
سابعا: طرق التغرير والتضليل:
والقمي قد خالف ظاهر القرآن الكريم، وحرف معانيه إلى جانب القول بتحريف نصه، وأتى بما لا يحتمله كتاب الله تعالى بل يعارضه، وخالف ما أجمعت عليه الأمة في أكثر الآيات وما يتعلق بها، وجعل أكثرها ـ مكية ومدنية ـ متعلقة ببيعة غدير خم التي قال الجعفرية أنفسهم بأنها بعد حجة الوداع. وزعم أن صفوة هذه الأمة كفار ومشركون ومنافقون، إلى غير ذلك مما يبرأ منه الإسلام والعقل السليم.
стр. 2348
ورأينا من قبل كيف حاول صاحب (التفسير) المنسوب للإمام العسكري أن يغرر بضعاف العقول، وجهلة القوم، ليؤمنوا بخرافاته، ويسيروا في ظلمات ضلاله. والقمي هو الآخر قد حاول القيام بنفس الدور فسلك لذلك عدة طرق:
١ ـ جل آرائه نسبها للأئمة وعلى الأخص الإمامان الباقر والصادق. كما أشرنا في مقدمة الحديث عن الكتاب.
٢ ـ ذهب إلى أن القرآن الكريم لا يفهم معناه ولا يدرك مراده إلا عن طريق الرسول ﷺ وهؤلاء الأئمة. نسب للإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ أنه قال: " ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، أخبركم عنه، إن فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه مختلفين، فلو سألتموني عنه لأخبرتكم عنه لأني أعلمكم " (١) ونسب للإمام الصادق أنه قال: إن الكتاب لم ينطق، ولن ينطق، ولكن رسول الله ﷺ . هو الناطق بالكتاب، قال الله: هَذَا بكتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ [الجاثية:٢٩] فقال أحدهم: إنا لا نقرؤها هكذا، فقال الإمام: هكذا والله نزل بها جبريل على محمد، ولكنه فيما حرف من كتاب الله تعالى (٢).ونسب للإمام الباقر أنه قال: " القرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب الله نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا " (٣).وذهب إلى أن من لا يقبل تأويل الكتاب فهو مشرك كافر (٤).٣ - وضع أسساً غريبة للتفسير، فإلى جانب القول بأن القرآن أصابه التحريف، ولا يؤخذ تأويله إلا عن طريقهم، نراه يذهب إلى أن هناك آيات لا يعرف تأويلها إلا بعد وقت نزولها! ويتحدث عن هذا النوع فيقول: " وأما ما تأويله بعد تنزيله فالأمور التي حدثت في عصر النبي ﷺ وبعده من غصب آل محمد حقهم، وما وعدهم الله به من النصر على أعدائهم، وما أخبر الله به من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة والساعة " (٥).ويذهب إلى أن هناك آيات " مما خاطب الله به نبيه ﷺ والمعنى لأمته، وهو قول الصادق: إن الله بعث نبيه ﷺ بإياك أعني واسمعي يا جارة " (٦).وذهب إلى ما هو أبعد من هذا، فقال بأن هناك " ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين! فقوله (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ (أنتم يا معشر أمة محمد) فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)، فالمخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى لأمة محمد ﷺ (٧) ".
وبهذه الأسس استطاع أن يحرف القرآن الكريم نصاً ومعنى ليصل إلى ضلاله.
стр. 2349
٤ - وقد ذهب إلى تكفير غير المعتنقين عقيدته في الإمامة، الرافضين لتحريفه، لم ينس ـ من وقت لآخر في تفسيره ـ بيان أن الشيعة سيدخلون الجنة حتى فساقهم العصاة! فمثلاً في قوله تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج:٤٠]، يقول: بأن الله يدفع بمن يعمل كل فريضة من الشيعة عمن لا يعملها، ولو أجمعوا على الترك لهلكوا (١). وفي سورة طه وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨] يذكر أن النبي ﷺ يشفع لعصاة الشيعة، فكلهم يدخل الجنة (٢).وفي سورة المؤمنون: وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠] " يقول: البرزخ هو أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة .. وهو قول الصادق: والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ، فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم (٣).وفي سورة غافر: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:٣] قال: ذلك خاصة لشيعة أمير المؤمنين (٤).وفي سورة "ق ": أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] يقول: بأن الآية الكريمة مخاطبة للنبي ﷺ وعلي، ويبين أنهما في منزلة خاصة دون الخلق جميعا؛ وأن رضوان يأتي بمفاتيح الجنة فيأخذها الرسول ﷺ ويعطيها علياً وكذلك يفعل مالك بمفاتيح جهنم، فيأخذ علي المفاتيح ويقعد إلى شفير جهنم، فتنادي: ياعلي جزني، قد أطفأ نورك لهيبي! فيقول لها علي: ذري هذا وليي، وخذي هذا عدوي! فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه (٥).وفي سورة الرحمن: فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ [الرحمن: ٣٩] قال: " منكم "، يعني من الشيعة. معناه أنه من تولى أمير المؤمنين، وتبرأ من أعدائه عليهم لعائن الله، وأحل حلاله، وحرم حرامه، ثم دخل في الذنوب ولم يتب في الدنيا، عذب لها في البرزخ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه يوم القيامة (٦).وفي سورة الحاقة " الآية ١٩ ": فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة: ١٩] قال: كل أمة يحاسبها إمام زمانها، ويعرف الأئمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم، وهو قوله تعالى: وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ [الأعراف:٤٦] وهم الأئمة يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ [الأعراف:٤٦] فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم فيمرون إلى الجنة بلا حساب، ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم فيمرون إلى النار بلا حساب " (٧).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥١٤
стр. 2350
الكتاب الثالث: تفسير العياشي
منزلة العياشي كالقمي
تلك أهم آثار الإمامة في تفسير القمي الذي يمثل جانب الغلو والتطرف في هذه العقيدة كتفسير العسكري.
والتفسير الثالث الذي طالعنا به القرن الثالث هو تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، المتوفي في حدود سنة (٣٢٠) هـ، والذي يعد من الثقات عند الشيعة الاثني عشرية.
وفي صدر التفسير كتب محمد حسين الطباطبائي مقدمة حول الكتاب ومؤلفه، قال فيها:
" وقد بعث الله رجالاً من أولي النهى والبصيرة، وذوي العلم والفضلة، على الاقتباس من مشكاة أنوارهم – أي الأئمة – والأخذ والضبط لعلومهم وآثارها، وإبداع ذخائرها في كتبهم، وتنظيم شتاتها في تأليفهم، ليذوق بذلك الغائب من منهل الشاهد، ويرد به اللاحق مورد السابق.
وإن من أحسن ما ورثناه من ذلك كتاب التفسير المنسوب إلى شيخنا العياشي ﵀، وهو الكتاب القيم الذي يقدمه الناشر اليوم إلى القراء الكرام.
فهو لعمري أحسن كتاب ألف قديماً في بابه، وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور.
أما الكتاب فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ ألّف إلى يومنا هذا – ويقرب من أحد عشر قرناً – بالقبول من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف.
وأما مؤلفه الشيخ الجليل أبو النضر محمد بن مسعود بن العياش التميمي الكوفي السمرقندي، من أعيان علماء الشيعة، وأساطين الحديث والتفسير بالرواية، من عاش في أواخر القرن الثالث من الهجرة النبوية.
أجمع كل من جاء بعده من أهل العلم على جلالة قدره وعلو منزلته وسعة فضله، وإطراء علماء الرجال متسالمين على أنه ثقة, عين صدوق في حديثه، ومن مشايخ الرواية، يروي عنه أعيان المحدثين: كشيخنا الكشي صاحب (الرجال) وهو من تلامذته، وشيخنا جعفر بن محمد بن مسعود العياشي وهو ولده إلخ ".
منهج العياشي وأهدافه كالقمي:
من هذا نرى أن العياشي وتفسيره عند الشيعة في منزلة تشبه منزلة القمي وتفسيره.
بدراسة تفسير العياشي يظهر لنا أنه كان يسير مع القمي في طريق واحد، فلا فرق بينهما في المنهج والأهداف، والغلو والتطرف والضلال، وما أخذناه على تفسير القمي يتسم به أيضاً تفسير العياشي، وإليك البيان:
أولاً: القول بتحريف القرآن الكريم يشترك العياشي مع القمي في محاولة التشكيك في كتاب الله العزيز، والدعوة إلى القول بتحريفه. ولذلك وجدنا صاحب كتاب (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب) يذكر العياشي مع القائلين بالتحريف، ويقول بأنه روى في أول تفسيره أخباراً عامة صريحة في التحريف، وأن نسبة القول بالتحريف إلى العياشي كنسبة القول به إلى علي بن إبراهيم القمي، بل صرح بنسبته إلى العياشي جماعة كثيرة (١).
وينقل عن العياشي بعض الأخبار التي استدل بها على التحريف. منها ما رواه عن الإمام الصادق أنه قال: " لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين " (٢). ومنها ما رواه عن الإمام الباقر أنه قال: تنزل جبرائيل بهذه الآية على محمد ﷺ هكذا: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ في علي بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللهُ) (٣)
وفي تفسير العياشي نجد كثيراً من مثل هذا الضلال:
فتحت عنوان: " ما عنى به الأئمة من القرآن " (١/ ١٣) يذكر عدة أخبار، منها الخبر السابق عن الإمام الصادق، ويرويه أيضاً عن الإمام الباقر، كما يروي عن الإمام الباقر أنه قال: " لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا فنطق صدقه القرآن ".
стр. 2351
وعن الإمام الصادق: " إن القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلاَّ حروف، وقد أخطأت بها الكتبة، وتوهمتها الرجال ".
وفي أول سورة البقرة يروي العياشي عن الصادق أنه قال: كتاب (علي لا ريب فيه). وعن عمر بن يزيد، قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:١٠٦]، فقال: كذبوا، ما هكذا هي! إذا كان ينسى وينسخها أو يأتي بمثلها لم ينسخها. قلت: هكذا قال الله. قال: ليس هكذا قال ﵎. قلت: فكيف قال؟ قال: ليس فيها ألف ولا واو، قال: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها مثلها، يقول: ما نميت من إمام أو ننسه ذكره نأت بخير منه من صلبه مثله (١).
стр. 2352
وفي تفسير العياشي لسورة النساء يذكر الرواية التالية: عن جابر قال: قلت لمحمد بن علي: قول الله في كتابه: الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ [النساء:١٣٧] قال: هما والثالث والرابع وعبدالرحمن وطلحة، وكانوا سبعة عشر رجلاً. قال: لما وجّه النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وعمّار بن ياسر ﵀ إلى أهل مكة قالوا: بعث هذا الصبي، ولو بعث غيره يا حذيفة إلى أهل مكة؟ وفي مكة صناديدها، وكانوا يسمّون عليَّا الصبي لأنه كان اسمه في كتاب الله الصبي لقول الله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وهو صبي وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١) فقالوا: والله الكفر بنا أولى مما نحن فيه، فساروا فقالوا لهما، وخوَّفوهما بأهل مكة، فعرضوا لهما وغلَّظوا عليهما الأمر، فقال علي صلوات الله عليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضى، فلما دخلا مكَّة أخبر الله نبيه بقولهم لعلي وبقول علي لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه، وذلك قول الله: (ألم تر إلى الَّذِينَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (٢) إلى قوله: وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:١٧٤] وإنما نزلت ألم تر إلى فلان وفلان لقوا عليا وعماراً فقال: إنَّ أبا سفيان وعبدالله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وهما اللذان قال الله: الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ [النساء:١٣٧] إلى آخر الآية، فهذا أول كفرهم .. والكفر الثاني قول النبي عليه وعلى آله السلام: يطلع عليكم من هذا الشعب رجل فيطلع عليكم بوجهه؛ فمثله عندالله كمثل عيسى، لم يبق منهم أحد إلاَّ تمنى أن يكون بعض أهله، فإذا بعلي قد خرج وطلع بوجهه, وقال: هو هذا، فخرجوا غضاباً وقالوا: ما بقي إلاَّ أن يجعله نبيَّا، والله الرجوع إلى آلهتنا خير ممّا نسمع منه في ابن عمّه، وليصدّنا علي إن دام هذا، فأنزل الله: وَلَمَّا ضرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:٥٧] إلى آخر الآية فهذا الكفر الثاني. وزاد الكفر بالكفر حين قال الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:٧] فقال النبي ﷺ : يا علي أصبحت وأمسيت خير البريَّة، فقال له الناس: هو خير من آدم ونوح ومن إبراهيم ومن الأنبياء، فأنزل الله: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ إلى سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:٣٣] قالوا: فهو خير منك يا محمد؟ قال الله: (قُلْ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ولكنَّه خير منكم وذريَّته خير من ذريتكم، ومن اتَّبعه خير ممَّن اتبعكم، فقاموا غضاباً وقالوا: زيادة الرجوع إلى الكفر أهون علينا مما يقول في ابن عمه، وذلك قول الله: ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا [النساء:١٣٧].وفي تفسير سورة النحل يروي العياشي عن أبي جعفر أنه قال: نزل جبرائيل هذه الآية هكذا: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ في علي قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (٣)
стр. 2353
ويروي عن إسماعيل الحريري قال: قلت لأبي عبدالله: قول الله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:٩٠] قال البغى: اقرأ كما أقول لك يا إسماعيل (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى حقه) قلت: جعلت فداك إنَّا لا نقرأ هكذا في قراءة زيد، قال: ولكنّا نقرأها هكذا في قراءة علي، قلت، فما يعني بالعدل؟ قال: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، قلت: والإحسان؟ قال: شهادة أن محمداً رسول الله، قلت: فما يعني بإيتاء ذي القربى حقّه، قال: أداء إمامة إلى إمام بعد إمام، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ قال: ولاية فلان وفلان (١).
ثانياً الطعن في الصحابة الكرام:
الرواية التي ذكرتها دون اختصار من تفسير العياشي لسورة النساء لبيان موقفه من تحريف القرآن الكريم توضح أمرين آخرين، هما طعنه في خير أمة أخرجت للناس، الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى الأخص من بشر منهم بالجنة غير علي ﵁، كالشيخين، وذي النورين، وطلحة والزبير، والأمر الآخر موقفه من أسباب النزول، ومفتريات هذا الضال الممجوجة ليتفق سبب النزول مع ضلاله. وإذا كانت الرواية وضعها العياشي ليقول بأن الخلفاء الراشدين الثلاثة، وغيرهم من خيرة الصحابة، كفروا في حياة الرسول ﷺ ، فإنه يرى ويروي أن الصحابة الكرام جميعاً ارتدوا عن الإسلام بعد الرسول ﷺ إلاَّ ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي (٢).
وتفسيره مملوء محشو بالطعن في الصحابة وتكفيرهم، ونذكر بعض الأمثلة:
يروي عن جابر قال: سألت أبا عبدالله ﷺ عن قول الله:
стр. 2354
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ [البقرة:١٦٥] قال: فقال: هم أولياء فلان وفلان (١) اتخذوهم أئمة من دون الإمام الذي جعل الله للناس، فلذلك قال الله ﵎: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَاب إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ إلى قوله: مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً [البقرة:١٦٥ - ١٦٧] قال: ثم قال أبو جعفر: والله يا جابر هم أئمة الظلم وأشياعهم (٢).وفي رواية أخرى: أعداء علي هم المخلدون في النار أبد الآبدين، ودهر الداهرين (٣).وروى عن عبدالله النجاشي قال: سمعت أبا عبدالله يقول: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا [النساء:٦٣] يعني والله فلاناً وفلاناً, وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ إلى قوله: تَوَّابا رَّحِيمًا [النساء:٦٤] يعني والله النبي وعليًّا بما صنعوا، أي لو جاءوك بها يا علي فاستغفروا مما صنعوا، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٤ - ٦٥] ثم قال أبو عبدالله: هو والله علي بعينه ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ على لسانك يا رسول الله يعني به ولاية علي وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء:٦٥] لعلي بن أبي طالب (٤).وروى عن أبي عبدالله قال: والله لو أن قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم لم يسلموا إلينا لكانوا بذلك مشركين.
стр. 2355
وروى عن جابر عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١] قال: اَّلذين يدعون من دون الله الأول والثاني والثالث، كذَّبوا رسول الله ﷺ بقوله: والوا علياً واتبعوه، فعادوا علياً ولم يوالوه، ودعوا الناس إلى ولاية أنفسهم، فذلك قول الله: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قال: وأما قوله: لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا فإنه يعني: لايعبدون شئياً، وَهُمْ يُخْلَقُونَ، فإنه يعني وهم يعبدون، وأما قوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء يعني كفارغير مؤمنين، وأما قوله: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ فإنه يعني أنهم لا يؤمنون، أنهم يشركون، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فإنه كما قال الله، وأما قوله: فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فإنه يعني لايؤمنون بالرجعة أنها حق، وأما قوله: قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ فإنه يعني قلوبهم كافرة، وأما قوله: وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ فإنه يعني عن ولاية علي مستكبرون، قال الله لمن فعل ذلك وعيداً منه (لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عن ولاية علي) (١).
ثالثاً جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله: في أصول التفسير عند العياشي نجد العنوان التالي (٢) "في ما أنزل القرآن " وتحت هذا العنوان يذكر روايات منها:
عن أبي جعفر قال: نزل القرآن على أربعة أرباع. ربع فينا، وربع في عدونا، وربع فرائض وأحكام، وربع سنن وأمثال، ولنا كرائم القرآن.
وعن أمير المؤمنين قال: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام. ونجد عنواناً آخر، وهو: " ما عنى به الآئمة من القرآن " (٣) وأشرنا إلى هذا العنوان من قبل، وذكرنا بعض رواياته لبيان التحريف.
وأضيف بعض الروايات الأخرى:
عن أبي عبدالله قال: من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكب الفتن.
وعن أبي جعفر قال: لنا حق في كتاب الله المحكم من الله، لومحوه فقالوا ليس من عندالله، أو لم يعلموا، لكان سواه.
وعنه أيضاً: إذا سمعت الله ذكر أحداً من هذه الأمة بخير فنحن هم، وإذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممن مضى فهم عدونا.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سموهم بأحسن أمثال القرآن، يعني عترة النبي ﷺ : هذا عذب فرات فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاجتنبوا.
وعن عمر بن حنظلة، عن أبي عبدالله، عن قول الله: قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد:٤٣]؟ فلما رآني أتتبع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك، كل شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمة عنى به.
стр. 2356
هذه بعض الأصول التي وضعها العياشي، ونسبها للأئمة الأطهار حتى يحكم فريته. وفي ظلماتها يمكن معرفة ما عليه هذا التفسير من جعل الأئمة هم المراد من كثير من كلمات القرآن الكريم، وحصر هذا يطول ذكره، ويكفي أن نذكر بعض الأمثلة: يروي العياشي عن سلام عن أبي جعفر في قوله: آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:١٣٦] قال: إنما عنى بذلك عليَّا والحسن والحسين وفاطمة، وجرت بعدهم في الأئمة. قال: ثم يرجع القول من الله في الناس فقال: فَإِنْ آمَنُواْ يعني الناس بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ يعني عليَّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم فَقَدِ اهْتدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة:١٣٧] (١). وعن أبي عبدالله في قول الله صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً [البقرة:١٣٨] قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين بالولاية في الميثاق (٢). وعن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر قال: قلت له: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:١٤٣] قال نحن الأمَّة الوسطى، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجّتْه في أرضه (٣). وعن أبي عبدالله في قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] قال: أتمهن بمحمد وعلي والأئمة من ولد علي (٤).وعن أبي جعفر أن الولاية هي المراد من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ [المائدة:٦٦] (٥) وعن أبي عبدالله، وعن أبيه، أن أصحاب القائم - أي الإمام الثاني عشر-هم الأمة المعدودة التي قال الله في كتابه: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [هود:٨] (٦). وعن أبي جعفر أن علياً هو المراد من كلمة النور في قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ [الأعراف١٥٧] (٧). وعن أبي عبدالله في قوله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:١٦] قال: هم الأئمة (٨). وعن أبي جعفر: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ: وهو محمد، وَالإِحْسَانِ: وهو على، وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى [النحل:٩٠] وهو قرابتنا. أمر الله العباد بمودتنا وإيتائنا، ونهاهم عن الفحشاء والمنكر: من بغى على أهل البيت، ودعا إلى غيرنا (٩).
стр. 2357
والعياشي يرفع الأئمة لمرتبة الألوهية كالقمي: فعند تفسير قوله تعالى: لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ [النحل:٥١] يروي العياشي عن أبي عبدالله أنه قال: يعني بذلك: ولا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد (١).
وعند قوله : حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة:٢٣٨]، بقوله: طائعين للأئمة. وفي قوله سبحانه: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:١١٠]، يروي العياشي أن العمل الصالح: المعرفة بالأئمة، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: التسليم لعلي، ولا يشرك معه في الخلافة من ليس له ذلك، ولا هو من أهله (٢).
هذه نماذج كافية لبيان أن العياشي كالقمي في هذا الضلال، وكل ما قيل عن القمي يمكن أن نراه من خلال هذه النماذج، وأختمها بما ختمت به دراستي عن العياشي في كتاب (أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله): ص (٢٠٨، ٢٠٩) ": وفي سورة (هود) يتحدث عن سبب نزول آيات من (١٢) إلى (٢٤) فيقول: دعا رسول الله ﷺ لأمير المؤمنين في آخر صلاته، رافعاً بها صوته يسمع الناس، يقول: " اللهم هب لعلي المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا [مريم:٩٦ - ٩٧] بني أمية. فقال رمع (٣): والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلي مما سأل محمد ربه، أفلا سأله ملكاً يعضده؟ أو كنزاً يستظهر به على فاقته؟ فأنزل الله فيه عشر آيات من هود أولها فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [هود:١٢] إلى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [هود:١٣] ولاية علي قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ إلى: فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ في ولاية علي فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود:١٤] لعلي ولايته مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا يعني فلاناً وفلاناً نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ رسول الله ﷺ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ أمير المؤمنين وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً قال: كان ولاية علي في كتاب موسى أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ في ولاية علي إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ إلى قوله: وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ إلى قوله: هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [هود:١٢ - ٢٤] (٤).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٨١
стр. 2358
المطلب الأول: أصول التفسير عند الطوسي والطبرسي وننتقل بعد هذا الحديث عن أولئك الذين يمثلون شيئا من الاعتدال عند مفسري الجعفرية، وأول هؤلاء شيخ الطائفة في زمانه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (١). وإذا كان الصدوق والشريف المرتضى من الجعفرية الذين سبقوا للتصدي لحركة التضليل والتشكيك في كتاب الله تعالى، فإن الطوسي أول من تصدى لهذه الحركة بطريقة عملية، حيث ألف تفسيره الكبير (التبيان)، فبين أن القرآن الكريم هو ما بين الدفتين بغير زيادة أو نقصان كما نقلنا من قبل، ثم وضع أسساً للتفسير، وطبقها في تفسيره، فصان كتاب الله تعالى من التحريف في المعنى إلى درجة كبيرة. وننقل هنا ما ذكره الطوسي فيما يتعلق بالتفسير. قال في كتابه (التبيان) (١/ ٤ – ٦): " اعلم أن الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأن تفسير القرآن لا يجوز إلاَّ بالأثر الصحيح عن النبي ﷺ ، وعن الأئمة ﵃، الذين قولهم حجة كقول النبي ﷺ ، وأن القول بالرأي فيه لا يجوز والذي نقول في ذلك: إنه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد. وقد قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ? [الشعراء:١٩٥] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:٤] وقال: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩] (٢) مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شيء [الأنعام:٣٨]، فكيف يجوز أن يصفه بأنه عربي مبين، وأنه بلسان قومه، وأنه بيان للناس، ولا يفهم بظاهره شيء. وهل ذلك إلاَّ وصف له باللغز والمعمى الذي لا يفهم المراد به إلاَّ بعد تفسيره وبيانه. وذلك منزه عنه القرآن. وقد مدح الله أقواماً على استخراج معاني القرآن فقال: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٣٨، وقال في قوم يذمهم حيث لم يتدبروا القرآن ولم يتفكروا في معانيه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] محمد:٢٤ [، وقال النبي ﷺ : " إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي "، فبين أن الكتاب (حجة)،كما أن العترة حجة، وكيف يكون حجة ما لايفهم به شيء؟ وروي عنه ﷺ أنه قال: " إذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط " وروي مثل ذلك عن أئمتنا ﵃، وكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شيء؟ وكل ذلك يدل على أن ظاهر هذه الأخبار متروك.]
والذي نقول به: إن معاني القرآن على أربعة أقسام:
أحدها: ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلف القول فيه ولا تعاطي معرفته، وذلك مثل قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ [الأعراف:١٨٧]، ومثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان:٣٤] إلى آخرها. فتعاطي معرفة ما اختص الله تعالى به خطأ.
стр. 2359
وثانيها: ما كان ظاهره مطابقاً لمعناه فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناها، مثل قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ [الأنعام:١٥١]، ومثل قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:]، وغير ذلك.
وثالثها: ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلاً، مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ [البقرة:٤٣]، ومثل قوله تعالى: وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:٩٧]، وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:١٤١]، وقوله: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعلُومٌ [المعارج:٢٤]، وما أشبه ذلك. فإن تفصيل أعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه إلاَّ ببيان النبي ﷺ ، ووحي من جهة الله تعالى، فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن أن تكون الأخبار متناولة له.
ورابعها: ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن أن يكون كل واحد منهما مراداً. فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول: إن مراد الله فيه بعض ما يحتمل لأمور، وكل واحد يجوز أن يكون مراداً على التفصيل، والله أعلم بما أراد.
ومتى كان اللفظ مشتركاً بين شيئين، أو ما زاد عليها، ودل الدليل على أنه لايجوز أن يريد إلاَّوجهاً واحداً، جاز أن يقال: إنه هو المراد.
ومتى قسمنا هذه الأقسام نكون قد قبلنا هذه الأخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تأويل الآي جملة. وقال في موضع آخر: " ينبغي لمن تكلم في تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ، ويراعي أسباب نزول الآية على ما روي، ولا يقول على الآراء والشهوات " (١)
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٣٣
стр. 2360
المطلب الثاني: الفرق بينهما وبين الجمهور
هذا ما ذكره الشيخ الطوسي، وهو يتفق مع جمهور المفسرين فيما عدا حديثه عن المشترك، حيث جعل للأئمة ما للنبي ﷺ ، ولكن هذا ليس بمستغرب منه، لأنه يتفق مع عقيدته في الإمامة. ولم يجعل للصحابة الكرام دوراً في التفسير، وهم الذين تلقوه عن الرسول ﷺ . والقرن الذي تلاه - أي القرن السادس الهجري - ظهر فيه إمام المفسرين عند الجعفرية أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (١) الذي أخرج كتاباً في التفسير هو (مجمع البيان)، ثم ألف كتاباً آخر أصغر منه أسماه (جوامع الجامع)، وله كتاب ثالث (٢).
وقد سلك مسلك الشيخ الطوسي، وتأثر به إلى حد كبير، فهما يمثلان جانب الاعتدال النسبي عند مفسري الجعفرية في القديم كما أشرنا من قبل. ومع أنهما يمثلان شيئا من الاعتدال، إلاَّ أن تناولهما لكتاب الله تعالى لم يسلم من التأثر بعقيدتهما في الإمامة، وأهم مظاهر التأثر نراها فيما يأتي:
أولاً: اللجوء لتأويل بعض آيات الكتاب المجيد للاستدلال على عقيدة الإمامة:
فالذين ذهبوا إلى القول بتحريف القرآن المجيد لم يضطروا للاستدلال على عقيدتهم عن طريق التأويل ما دام هؤلاء الغلاة قد زعموا أن القرآن الكريم نص على الإمامة التي يعتقدونها، أما هما فقد وقفا طويلاً أمام بعض آيات الله تعالى: يؤولان ويجادلان لإثبات عقيدتهم، مثال هذا ما نقلناه عنهما في الجزء الأول، وذلك عند الحديث عن آية الولاية والتطهير وعصمة الأئمة.
стр. 2361
ثانياً: ذكرهما لبعض القراءات الموضوعة والشاذة ذات الصلة بالمذهب: مثال هذا ما جاء في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران:٣٣]، فإنهما يذكران أن قراءة أهل البيت " وآل محمد على العالمين " (١).وفي سورة الفرقان عند قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا للْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:٧٤]، يفسرها الطوسي بقوله: " بأن يجعلهم ممن يقتدى بأفعالهم الطاعات "، ولكنه يذكر أن قراءة أئمتهم: " وَاجْعَلْ لنَا من الْمُتَّقِينَ إِمَامًا " (٢) والطبرسي يذكر للإمام الصادق أقوالاً في هذه الآية الكريمة يجعلها خاصة بأئمة الجعفرية. كقول الإمام فيها: " إيانا عنى " وقوله: " هذه فينا ". ولا يكتفي بهذا بل يذكر ما يتفق مع الغلاة القائلين بالتحريف، فيخطئ ما جاء بالمصحف الشريف ليصل إلى القراءة التي ذكرها الطوسي، والرواية هي: " عن أبي بصير قال: قلت: واجعلنا للمتقين إماماً، فقال:- أي الإمام الصادق: " سألت ربك عظيماً، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إماماً " (٣).وفي قوله تعالى: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:٢٥]، يقول الطوسي: " بالريح والملائكة "، وقيل بعلي، وهي قراءة ابن مسعود، وكذلك هو في مصحفه " (٤). وقال الطبرسي: " وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والجند، وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي " (٥). وفي قوله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:٢٤]، يذكران قراءة لتأييد رأي فقهي ارتبط بالمذهب الجعفري، وهو إباحتهم لزواج المتعة، هذه القراءة هي زيادة " إلى أجل مسمى " بعد فما استمعتم به منهن (٦).
стр. 2362
ثالثاً: أسباب النزول: في ذكرهما لبعض أسباب النزول يبدو أثر الإمامة واضحاً، فمثلاً عند قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:٥٧] (١)، يذكر الطوسي سبب النزول فيقول: روي عن النبي ﷺ أنه قال يوماً لعلي: " لولا إني أخاف أن يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ إلاَّ أخذوا التراب من تحت قدميك، أنكر ذلك جماعة من المنافقين وقالوا: لم يرض أن يضرب له مثلاً إلاَّ بالمسيح، فأنزل الله الآية " (٢) أما الطبرسي فيذكر سبباً آخر، قال: " المروي عن أهل البيت أن أمير المؤمنين قال: جئت إلى النبي ﷺ يوماً فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إلي ثم قال: يا علي، إنما مثلك في هذه الأمة مثل عيسى ابن مريم، أحبه قوم وأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم وضحكوا، فنزلت الآية " (٣) وفي سورة النحل: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩١] قال الطبرسي بأن الإمام الصادق قال: " نزلت هذه الآية في ولاية علي والبيعة له حين قال النبي ﷺ سلموا على علي بإمرة المؤمنين (٤) وفي سورة القلم قال الطبرسي: " لما رأت قريش تقديم النبي ﷺ علياً قالوا: افتتن به محمد ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ إلى قوله: بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وهم النفر الذين قالوا ما قالوا، وَهُوَ أَعلَمُ بِالْمُهْتَدِين [القلم:١ - ٧] علي بن أبي طالب " (٥) وسورة عبس سبب نزولها معروف مشهور، ولكن الطوسي يرفض ما ذكره المفسرون (٦)،ويذهب إلى أنها " نزلت في رجل من بني أمية كان واقفاً مع النبي ﷺ ، فلما أقبل ابن مكتوم تنفر منه وجمع نفسه وعبس في وجهه، وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله تعالى ذلك وأنكر معاقبة على ذلك " (٧) وإذا وجدنا بين أسباب النزول ما يتصل بالإمام علي وبيعته، وهو لم يصح من طريق، ويقطع برفضه كون النزول في مكة، وسياق الآيات الكريمة كذلك، إلاَّ أنا نجد الأمر يختلف بالنسبة لغير أبي الحسن، مثال هذا ما جاء في سورة الليل: فالطبرسى يورد رواية تبين أن أبا الدحداح هو المراد من قوله تعالى: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل:٥] ثم يقول ... " وعن ابن الزبير قال: إن الآية نزلت في أبي بكر، لأنه اشترى المماليك الذين أسلموا مثل بلال وعامر بن فهيرة وغيرهما، وأعتقهم، والأولى أن تكون الآيات محمولة على عمومها في كل من يعطي حق الله من ماله " (٨)
стр. 2363
أما الطوسي فإنه لا يذكر سبباً للنزول (١).
رابعاً: جعل الأئمة هم المراد من كلمات الله:
стр. 2364
ذكرنا من قبل أن أولئك الغلاة الذين عز عليهم خلو القرآن من ذكر الأئمة ووجوب ولايتهم، ذهبوا إلى القول بالتحريف وإسقاط أسماء الأئمة وآيات الولاية. وهنا نجد الدافع نفسه يدفع الطوسي والطبرسي إلى شيء آخر هو اللجوء إلى تأويل كثير من آي القرآن الكريم حتى يكون للأئمة والولاية ذكر، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة التي ما أكثرها! في سورة النساء: وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: ٨٣]، يروى الطبرسي عن أئمته أن " فضل الله ورحمته النبي وعلي ﵉ " (١). وفي نفس السورة وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بهِ قَبْلَ مَوْتِه [النساء: ١٥٩] يروي الطبرسي عن الإمامين الباقر والصادق: " حرام على روح امرئ أن تفارق جسدها حتى ترى محمداً وعلياً بحيث تقر عينها أو تسخن " (٢). وفي سورة الأعراف وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٤] فينقل الطبرسي عن تفسير القمي، عن الإمام الرضا أنه قال: المؤذن أمير المؤمنين علي. ويذكر كذلك أن الإمام عليا قال: أنا ذلك المؤذن، وعن ابن عباس: إن لعلي في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس. ويقول الطبرسي أيضاً: فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي واستخفوا بحقي (٣). وعند الحديث عن أصحاب الأعراف في الآيات التالية يقول الطوسي بأن علياً قسيم الجنة والنار، ويزعم أن النبي ﷺ قال: " يا علي، كأني بك يوم القيامة وبيدك عصا موسى، تسوق قوماً إلى الجنة وآخرين إلى النار " (٤). ويروي الطبرسي عن أمير المؤمنين قال: " نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار " (٥). وفي سورة النمل: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل:٨٢] يذكر الطبرسي أن الإمام علياً هوهذه الدابة، وينقل عن تفسير العياشي ما يفيد هذا (٦) وفي سورة محمد: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠] يروي الطبرسي أن لحن القول بغضهم علي بن أبي طالب (٧)
стр. 2365
وفي سورة " ق ": أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤] يزعم الطبرسي أن الرسول ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة يقول الله لي ولعلي: " ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا في الجنة من أحبكما ". وذلك قوله عز اسمه: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (١). ونجد الطوسي والطبرسي لا يقتصران في التأويل على ذكر الإمام علي، فقد جعلا لغيره من الأئمة نصيباً، ومن أمثلة هذا ما نقرؤه عند تأويلهما لقوله تعالى في سورة البقرة: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧] فالطوسي بعد أن ذكر الروايات المختلفة في تأويل الكلمات يقول: " في أخبارنا توسله - أي آدم- بالنبي ﷺ وأهل بيته، وكل ذلك جائز " (٢). والطبرسي بعد ذكره لتلك الروايات يقول:" قيل - وهي رواية تختص بأهل البيت ﵈ إن آدم رأى مكتوباً على العرش أسماء معظمة مكرمة، فسأل عنها، فقيل له: هذه الأسماء أجل الخلق منزلة عند الله تعالى، والأسماء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتوسل آدم ﵇ إلى ربه بهم في قبول توبته ورفع منزلته " (٣). ونجد الزعم كذلك بأن الأئمة هم حبل الله (٤) في قوله تعالى في سورة آل عمران " الآية ١٠٣ ": وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]. وهم المخاطبون في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ [النساء:٥٨] فيرويان عن أئمتهما أن هذا أمر لكل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر إلى ولي الأمر بعده (٥). وهم أولو الأمر في الآية التي تلتها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:٥٩] (٦) وفي الآية الثالثة والثمانين من نفس السورة: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ [النساء:٨٣] (٧). وهم أهل الذكر (٨) فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٧] وهم المصطفون (٩) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر: ٣٢]. وهم من أذن له الرحمن (١٠) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ: ٣٨].
стр. 2366
والأئمة الذين ورد ذكرهم كثيراً في هذين التفسيرين نجد لولايتهم حظاً من التأويل، فعند قوله تعالى في سورة البقرة " الآية ٢٠٨ ": يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة:٢٠٨] يرويان عن أصحابهما أن السلم الدخول في الولاية (١). وفي الآية السابعة من سورة المائدة: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:٧]. يرويان دخول الولاية في المراد بالميثاق (٢). وفي سورة طه " الآية ٨٢ ": وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢] يرويان أن الاهتداء إلى الولاية (٣).وسورة محمد " الآية ٢٦ ": ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦]، روى الطبرسي أن ما نزل الله في الولاية (٤).
وإمامهم الثاني عشر - الإمام المهدي - نجد له ذكراً خاصاً. فعند قوله تعالى في سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:٣]، نراهما يدخلان في الإيمان بالغيب ما رواه أصحابهما من زمان غيبة المهدي ووقت خروجه (٥).وفي سورة الأنبياء " الآية: ١٠٥ ": وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، يروي الطبرسي عن الإمام الباقر، أن هؤلاء الوارثين هم أصحاب المهدي في آخر الزمان (٦). وفي سورة النور: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥] يرويان عن أئمتهم " هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يد رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة " (٧). وفي سورة الفتح: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح: ٢٨]، يذكر " أنه إذا خرج المهدي صارالإسلام في جميع البشر، وتبطل الأديان كلها " (٨).
وبعد: فهذه أهم آثار الإمامة في تفسير هذين الشيخين: الطوسي والطبرسي، وإن كان الثاني - كما يظهر- أكثر تأثراً من شيخ الطائفة، وهما وإن لم يجنبا كتاب الله تعالى هذه الناحية الطائفية -التي ليس لها مستند من كتاب ولا سنة كما أثبتنا - إلاَّ أنهما مع هذا من أكثر الشيعة اعتدالاً، أو أقلهم غلواً. ويبدو البون شاسعاً عند المقارنة بينهما وبين من سبقهما من الغلاة. ولذلك جاء القول بالاعتدال النسبي أو إلى حد ما نتيجة المقارنة بغلاتهم الضالين، وإلا فجانب الغلو والتطرف فيهم، وفي أمثالهم، واضح بين!
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٣٧
стр. 2367
المطلب الأول: تفسير الصافي
ذكرنا من قبل أن الشيعة بعد هذا في تناولهم لكتاب الله تعالى منهم من سلك منهجا فيه شيء من الاعتدال، أو سلك مسلك الغلو، ومنهم من جمع بين المسلكين أو اقترب من أحدهما.
ومن الكتب التي اطلعت عليها: تفسير الصافي، لمحمد بن مرتضى المدعو بمحسن. انتهى مؤلفه من كتابته سنة (١٠٧٥) هـ. وقد حاول أن يأتي بكل ضلالة جاءت في الكتب الثلاثة التي رزئ بها القرن الثالث الهجري، والتي تحدثنا عنها، وهي تفاسير الحسن العسكري والعياشي والقمي، وزاد كذلك في النقل عن بعض الكتب الأخرى كروايات التحريف والتأويلات الفاسدة التي رواها الكليني في كتابه (الكافي). فهذا الكتاب إذن يمثل جانب الغلو والتطرف، ويعد استمراراً لحركة التضليل والتشكيك، ولذلك نقرأ فيه القول بتحريف القرآن الكريم، ومهاجمة الصحابة الأكرمين، والتأويلات التي تجعل من كتاب الله تعالى كتاباً من كتب فرق الغلاة، وغير ذلك مما ذكرناه عند تناولنا للكتب الثلاثة. فهو يرى أن تفسير القرآن الكريم لا يصح إلاَّ عن طريق أئمة الجعفرية " فكل ما لايخرج من بيتهم فلا تعويل عليه " (١) والرسول ﷺ فسره لرجل واحد هو الإمام علي (٢) ويهاجم من يأخذ التفسير المروي عن الصحابة لأن " أكثرهم كانوا يبطنون النفاق، ويجترئون على الله، ويفترون على رسول الله في عزة وشقاق " (٣).وهو يرى أن جل القرآن إنما نزل في أئمة الجعفرية، وفي أوليائهم، وأعدائهم (٤) ويذكر روايات كثيرة في تحريف القرآن الكريم (٥)، بل يزعم أن في القرآن الكريم من التنافر والتناكر ما يدل على التحريف. مثال هذا ما نصه: " وأما ظهورك على تناكر قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء [النساء:٣]، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتاماً، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن " (٦).وصاحب الصافي يعقب على روايات التحريف بقوله: " المستفاد من مجموع هذه الأخبار، وغيرها من الروايات عن طريق أهل البيت، أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمد ﷺ ، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة، منها اسم علي في كثير من المواضع، ومنها لفظْة آل محمد غير مرة. ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك. وأنه ليس أيضاً على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله " (٧).ولا يكتفي بذكر هذه الروايات، والتعقيب عليها، ولكن يذكر آراء الطبرسي والصدوق والطوسي في عدم التحريف، ويرد عليهم بما يبين مدى غلو هذا الضال المضل (٨).
стр. 2368
ومن أحاديثه عن الصحابة - رضوان الله تعالى عنهم، أنهم كانوا أهل ردة بعد رسول الله ﷺ إلاَّ ثلاثة هم: المقداد, وأبو ذر, وسلمان الفارسي! وأن أربعة اجتمعوا على قتل رسول الله ﷺ بالسم، هم: أبو بكر وعمر وابنتاهما عائشة وحفصة (١)!!
والكتاب كله يسير في ظلمات الضلال، ولنزد ذلك بياناً ببعض الأمثلة: في أول سورة البقرة الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة:١ - ٢] ينقل عن العياشي عن الإمام الصادق أنه قال: " كتاب علي لا ريب فيه "، ويعقب على هذا بقوله: " ذاك تفسيره، وهذا تأويله، وإضافته الكتاب إلى علي بيانية، يعني أن ذلك إشارة إلى علي. والكتاب عبارة عنه، والمعنى أن ذاك الكتاب الذي هو علي لا مرية فيه ". ثم يفسر المتقين بأنهم الشيعة، ويقول: " وإنما خص المتقين بالاهتداء به لأنهم المنتفعون به " (٢).وعند قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:٨] (٣) يقول: " كابن أبي وأصحابه، وكالأول والثاني وأضرابهما من المنافقين، الذين زادوا على الكفر الموجب للختم والغشاوة والنفاق، ولا سيما عند نصب أمير المؤمنين للخلافة والإمامة " (٤). ثم يذكر ما نقلناه من قبل عن تفسير الحسن العسكري لهذه الآية الكريمة، وذكره للغدير، وخيانة خير أمة أخرجت للناس (٥).وفي تفسيره لسورة القدر نراه يتفق مع القمي وينقل عنه ما ذكرناه من قبل، بل يزيد عنه بأن وجود القرآن متعلق بوجود الإمام!! وكلامه بالنص بعد أن ذكر رواية عن الإمام أبي عبدالله بأنه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن: " وذلك لأن في ليلة القدر ينزل كل سنة من تبيين القرآن وتفسيره ما يتعلق بأمور تلك السنة إلى صاحب الأمر، فلو لم يكن ليلة القدر لم ينزل من أحكام القرآن ما لا بد منه في القضايا المتجددة، وإنما لم ينزل ذلك إذا لم يكن من ينزل عليه، وإذا لم يكن من ينزل عليه لم يكن قرآناً، لأنهما متصاحبان لن يفترقا حتى يردا على رسول الله ﷺ حوضه كما ورد في الحديث المتفق عليه " (٦).
إذن يمكن القول بأن تفسير الصافي لا يقل غلواً عن التفاسير الثلاثة بل زاد عنها.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٥٠
стр. 2369
المطلب الثاني: (البرهان في تفسير القرآن) وممن عاصر صاحب الصافي السيد هاشم البحراني " توفي سنة (١١٠٧) أو سنة (١١٠٩) " وله كتاب: (البرهان في تفسير القرآن) جمع فيه كثيراً من الروايات الجعفرية في تفسير القرآن الكريم (١).
والكتاب لا يختلف كثيراً عن تفسير الصافي، فهو يسير في طريق الضلال نفسه، يحرف كتاب الله تعالى نصاً ومعنى، ويطعن في حفظة الكتاب الكريم، وحملة الشريعة من الصحابة الكرام الأطهار، ويذكر من الروايات المفتراة ما يؤيد ضلاله.
ونستطيع أن ندرك منهج هذا التفسير الضال المضل، وأثر الإمامة فيه، من الأبواب التي نراها في الجزء الأول قبيل البدء في تفسير السور الكريمة، ومن الأخبار التي أثبتها البحراني في هذا الكتاب، فلنضرب بعض الأمثلة. ذكر البحراني " باب في أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلاَّ الأئمة، وعندهم تأويله ". وتحت هذا الباب نجد ستة وعشرين خبراً (٢).وفي " باب فيما نزل عليه القرآن من الأقسام " (٣) يذكر عن أمير المؤمنين أنه قال: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام. وعن أبي عبدالله: إن القرآن نزل على أربعة أرباع. ويذكر " باب في أن القرآن نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة " (٤) و" باب فيما عنى به الأئمة في القرآن"، وفيه، لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمين كما سمى من قبلنا (٥).
ويقول البحراني: وأما ما هو على خلاف ما أنزل الله فهو قوله: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠] .. وأما ما هو محرف منه قوله: " لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ في علي" كذا نزلت (٦).وأما ما تأويله بعد تنزيله: فالأمور التي حدثت في عصر النبي ﷺ ، وبعده، في غصب آل محمد ﷺ حقهم، وما وعدهم الله تعالى من النصرة على أعدائهم، وما أخبر الله سبحانه به نبيه من أخبار القائم وخروجه، وأخبار الرجعة (٧). وأما ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين فقوله: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ [الإسراء:٤] أنتم يا معشر أمة محمد (٨). وأما الرد على من أنكر الرجعة فقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا [النمل:٨٣] (٩)
ومن هذا يتضح منهج هذا البحراني، ونزيد لك بياناً بشيء مما جاء في تفسيره للآيات الكريمة.
مما جاء في تفسيره للفاتحة: غير المغضوب عليهم النصاب، والضالين [الفاتحة:٧] الشكاك الذين لا يعرفون الإمام "
ويروي عن أبي جعفر أنه قال: "إن الله خلق جبلاً محيطاً بالدنيا، من زبرجدة خضراء، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل، وخلق خلفه خلقاً لم يفترض عليهم شيئاً مما افترض على خلقه من صلاة وزكاة، وكلهم يلعن رجلين من هذه الأمة سماهما ". ويروي عنه أيضاً أنه قال: " من وراء شمسكم هذه أربعون عين شمس، ما بين عين شمس إلى عين شمس أربعون عاماً، فيها خلق كثير، ما يعلمون أن الله تعالى خلق آدم أو لم يخلقه. وإن من وراء قمركم هذا أربعون قرصاً، وبين القرص إلى القرص أربعون عاماً، فيها خلق كثير لا يعلمون أن الله خلق آدم أو لم يخلقه، قد ألهموا كما ألهمت النحلة لعنة الأول والثاني في كل الأوقات، وقد وكل بهم ملائكة متى لم يلعنوا عذبوا " (١٠).وفي أول سورة البقرة يذكر ما رأيناه من قبل في تفسير الصافي فيقول " كتاب علي لا ريب فيه " (١١).وهكذا نرى من هذه الأمثلة القليلة (١٢) أن هذا التفسير كسابقه يسير في طريق الضلال، ويعتبر امتداداً للحركة التي مني بها القرن الثالث، ويمثل جانب الغلو والتطرف.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٥٤
стр. 2370
المطلب الثالث: بحار الأنوار وممن عاصر صاحبي الصافي والبرهان المولى محمد باقر المجلسي، المتوفي سنة (١١١١) هـ، وهو من أشهر علماء الجعفرية، وله مكانته عندهم. وللمجلسي موسوعته الكبرى (بحار الأنوار)، تحدث فيها عن أشياء كثيرة، يعنينا منها هنا ما يتصل بكتاب الله تعالى، وأثر الإمامة فيه والمجلسي لم يؤلف بحاره للتفسير، وإنما لخدمة المذهب الجعفري الاثني عشري، فالحديث عن القرآن الكريم جاء من هذا الباب. وقد جعل كتاباً للإمام تحته مئات الأبواب، ضمتها مجموعة من أجزاء البحار. ومن هذه الأبواب " أبواب الآيات النازلة فيهم ": أي في الأئمة كما يزعم، وهي تقع في أكثر من ستمائة صفحة في جزأين (١). ومنها كذلك " أبواب الآيات النازلة في شأنه الدالة على فضله وإمامته "، أي في شأن الإمام علي، وهي تقع فيما يقرب من أربعمائة وخمسين صفحة في جزأين كذلك (٢).
ويكفي أن نذكر عناوين بعض هذه الأبواب ليظهر مدى غلو هذا الضال، فمن أبوابه: باب أنهم - أي الأئمة - آيات الله وبيناته وكتابه (٣) وأن الأمانة في القرآن الإمامة (٤) وأنهم أنوار الله تعالى وتأويل آيات النور فيهم (٥) وتأويل المؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم ... والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغون واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم (٦) وأنهم خير أمة وخير أئمة أخرجت للناس (٧) وأنهم جنب الله ووجه الله ويد الله وأمثالها (٨) وأنه - أي الإمام علياً - المؤمن والإيمان والدين والإسلام والبينة والسلام وخير البرية في القرآن الكريم ... وأعداؤه " الكفر والفسوق والعصيان" (٩) وأنه أنزل فيه - صلوات الله عليه - الذكر والنور والهدى والتقى في القرآن (١٠) وأنه النبأ العظيم والآية الكبرى (١١).
والمجلسي ينقل عن التفاسير الثلاثة الضالة التي ظهرت في القرن الثالث الهجري، وعن غيرهما من كتب غلاة الشيعة، ولكنه لا يكتفي بالنقل، وإنما كثيراً ما يذكر رأيه سواء في هذه الأجزاء أو في غيرها من كتابه (البحار).
وإذا كان تأليف الأبواب على هذه الصورة يدل على فساد عقيدته التي تنزل به إلى درك الغلاة، فإن ذكر الآراء يكشف عن حقيقته بوضوح يمنع المماحكة وخلق الأعذار، وهاك بعض ما جاء في كتابه
نقل عن (الكافي) ثلاث روايات عن الإمام أبي جعفر قال: نزل جبريل بهذه الآية على محمد ﷺ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ [البقرة:٩٠] في علي " بَغْيا"" وقال: نزل جبرائيل بهده الآية على محمد ﷺ هكذا: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا في علي فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [البقرة:٢٣] وقال: نزل بهذه الآية هكذا: (يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا (في علي) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)
وبعد هذه الروايات قال المجلسي:
стр. 2371
بيان: قوله: " على عبدنا في علي لعله كان شكهم فيما يتلوه ﷺ في شأن علي، فرد الله عليهم بأن القرآن معجزة، ولا يمكن أن تكون من عند غيره. وأما الأية الثالثة فصدرها في أوائل سورة النساء هكذا: يَا أَيهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم [النساء:٤٧] وآخرها في آخر تلك السورة هكذا:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا النساء:١٧٤ [، ولعله سقط من الخبر شيء، وكان اسمه في الموضعين، فسقط آخر الأولى وأول الثانية من البين، أو كان في مصحفهم ﵈ إحدى الآيتين كذلك، ولا يتوهم أن قوله: مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم في الأولى ينافي ذلك، إذ يمكن أن يكون على هذا الوجه أيضاً الخطاب إلى أهل الكتاب، فإنهم كانوا مبغضين لعلي لكثرة ما قتل منهم، وكان اسمه مثبتاً عندهم في كتبهم كاسم النبي ﷺ ، وكذا قوله: أُوتُواْ الْكِتَابَ، وإن احتمل أن يكون المراد بالكتاب القرآن.]
وذكر المجلسي بعد هذا روايات أخرى عن الكافي أيضاً فيها آيات محرفة كذلك، وقال عن التحريف في بعضها: " يحتمل التنزيل والتأويل "، واحتمل في موضع آخر وجود الآيات المحرفة في مصحف خاص بأئمتهم كما ذكر من قبل (١). ثم أورد المجلسي ثلاث روايات من (الكافي) عن الإمام أبي عبدالله جعفر الصادق هي (٢):
عنه في قول الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران:٩٠] قال: نزلت في فلان وفلان وفلان وفلان: آمنوا بالنبي ﷺ في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ﷺ : من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵁، ثم كفروا حيث مضى رسول الله ﷺ فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.
وعنه في قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى [محمد:٢٥] فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين ﵁، قلت: قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦] قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله الذي نزل به جبرائيل " ع " على محمد ﷺ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ في علي سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ قال: دعوا بني أمية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الأمر فينا بعد النبي ﷺ ، ولا يعطونا من الخمس شيئاً، وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شيء، ولا يبالوا ألاَّ يكون الأمر فيهم، فقالوا: سنطيعكم في بعض الأمر الذي دعوتمونا إليه، وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئاً، وقوله: كرهوا ما نزل الله والذي نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين، وكان معهم أبو عبيدة، وكان كاتبهم، فأنزل الله: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم [الزخرف:٧٩ - ٨٠]
стр. 2372
والرواية الثالثة أنه قال في قوله تعالى " ٢٥: الحج ": وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ [الحج:٢٥]، نزلت فيهم: حيث دخلوا الكعبة، فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم، وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين ﵁، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه، فبعداً للقوم الظالمين.
وبعد هذه الرواية قال المجلسي:
بيان: قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ [النساء:١٣٧] أقول: الآية في سورة النساء هكذا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً [النساء:١٣٧]، وفي سورة آل عمران هكذا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ [آل عمران:٩٠]، ولعله - ضم جزءاً من إحدى الآيتين إلى جزء من الأخرى لبيان اتحاد مفادها، ويحتمل أن يكون في مصحفهم " ع " هكذا، والظاهر أن المراد بالإيمان في الموضعين الإقرار باللسان فقط، وبالكفر الإنكار باللسان أيضاً، كما صرح به في تفسير علي بن إبراهيم.
قوله: بأخذهم من بايعه بالبيعة: لعل المراد بالموصول أمير المؤمنين ﵁، والمستتر في قوله: بايعه راجع إلى أبي بكر، والبارز إلى الموصول، ويحتمل أن يكون المستتر راجعاً إلى الموصول، والبارز إليه، أي أخذوا الذين بايعوا أمير المؤمنين يوم الغدير بالبيعة لأبي بكر، ولعله أظهر.
قوله: فلان وفلان وفلان: هذه الكنايات يحتمل وجهين: الأول أن يكون المراد بها بعض بني أمية كعثمان وأبي سفيان ومعاوية، فالمراد بالذين كرهوا ما نزل الله أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، إذ ظاهر السياق أن فاعل " قالوا " الضمير الراجع إلى " الذين ارتدوا " والثاني أن يكون المراد بالكنايات أبا بكر وعمر وأبا عبيدة، وضمير " قالوا " راجعاً إلى بني أمية بقرينة كانت عند النزول، والمراد بالذين كرهوا الذين ارتدوا، فيكون من قبيل وضع المظهر في موضع المضمر. نزلت والله فيهما: أي في أبي بكر وعمر، وهو تفسير للذين كرهوا. وقوله: وهو قول الله: تفسير لما نزل الله، وضمير " دعوا " راجع إليهما وأتباعهما، " وقالوا " أي هما وأتباعهما. قوله، في بعض الأمر: لعلهم لم يجترئوا أن يبايعوهم في منع الولاية فبايعوهم في منع الخمس، ثم أطاعوهم في الأمرين جميعاً، ولا يبعد أن تكون كلمة " في " على هذا التأويل تعليلية، أي نطيعكم بسبب الخمس لتعطونا منه شيئا. وقوله: " كرهوا ما نزل الله " إعادة للكلام السابق لبيان أن ما نزل الله في علي هو الولاية، إذ لم يظهر ذلك مما سبق صريحاً، ولعله زيدت الواو في قوله: " والذي " من النساخ، وقيل: قوله مرفوع على قول الله من قبيل عطف التفسير، فإنه لا تصريح في المعطوف عليه، بأن النازل فيهما في أتباعهما كرهوا أم قالوا (١).
وبعد أن انتهى المجلسي من بيانه السابق ذكر عشرات الروايات التي تحمل التحريف لكتاب الله تعالى، والتكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه من الصحابة الكرام البررة، ثم قال: اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده " ع " وفضل عليهم غيرهم، يدل على أنهم كفار مخلدون في النار (٢). ثم أورد ما يؤيد به رأيه، فقال: " قال الشيخ المفيد قدس الله روحه - في كتاب المسائل: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار، وقال في موضع آخر: اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم، وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم، وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار ".
ومن هذا نرى أن كتاب (بحار الأنوار) للمجلسي يعتبر امتداداً لحركة التضليل والتشكيك في كتاب الله العزيز، ويمثل جانب الغلو والتطرف عند الجعفرية الاثني عشرية.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٥٧
стр. 2373
المطلب الرابع: تأويل الآيات الباهرة والمجلسي ليس أول من عني بجمع الآيات التي أجرم الضالون من طائفته بتحريفها في اللفظ أو المعنى، فمن قبله مثلاً شرف الدين بن علي النجفي الذي ألف كتاباً أسماه (تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة)، ونقل المجلسي عنه بعض رواياته (١).
والكتاب لا يجمع الآيات تحت أبواب - كما فعل المجلسي، وإنما يسير بترتيب السور الكريمة.
وفي ذكره لبعض آيات سورة البقرة يجمع أكثر ما جاء به من التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري. والتحريف في النص يكثر نقله عن القمي، وتلميذه الكليني. ولسنا في حاجة لذكر أمثلة، فالكتاب كله صورة واضحة لهذا الضلال والإضلال (٢).
وسيأتي ذكر لكثير من كتبهم مثل هذا الكتاب.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٦٤
стр. 2374
المطلب الخامس: تفسير شبر: ويبدو أن حركة التضليل والتشكيك كانت أقوى من الحركة المضادة، ذلك أن الكتب الضالة التي ظهرت في القرن الثالث منها كتاب ينتسب إلى إمام، وآخر لمفسر يوثقونه كل توثيق، أحد تلاميذه هو الكليني، صاحب كتاب (الحديث الأول) عند الجعفرية، وقد نقل عن شيخه القمي مئات الروايات في التحريف والتكفير وغير ذلك، والثالث للعياشي وهو في مكانة القمي عندهم، ولهذا ما وجدت أو قرأت من كتاب من كتب التفسير الجعفري يصل إلى كتاب (التبيان) للطوسي في اعتداله النسبي أو قلة غلوه (١). ولكن ظهر بعض التفاسير التي لم ترتفع إلى هذا المستوى، ولم تنزل إلى ذلك الدرك الأسفل. ومن هذه الكتب تفسير القرآن الكريم للسيد عبدالله شبر.
ولنتبين أهم آثار الإمامة في هذا التفسير ومدى غلوه نعرض ما يأتي:
стр. 2375
أولا ً: بالنسبة للقول بتحريف القرآن الكريم أو عدم تحريفه لم أجد لشبر نصاً صريحاً، ولكن يبدو أنه يميل إلى القول بالتحريف، ويظهر هذا الترجيح مما يكثر منه على أنه من القراءات، ومن هذه القراءات. في سورة آل عمران الآيات: (١٠٢، ١٠٤، ١١٠)، فالآية الأولى هي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:١٠٢] ولكن شبراً يذكر أنها قرئت " تقية " و " مسلّمون " وواضح أن تحريف التقوى بالتقية لتأييد مبدأ من مبادئ الجعفرية، وأما الكلمة الأخرى فيقول عنها شبر " وقرئ بالتشديد أي منقادون للرسول ثم للإمام من بعده " (١) والآية الثانية: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:١٠٤] يبدل كلمة " أمة " بأئمة (٢) أي أئمة الجعفرية. وكذلك فعل في الآية الثالثة: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران:١١٠] فيقول: " هم آل محمد ﵈، وقرئ كنتم خير أئمة " (٣). وفي سورة الحجر: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتقِيمٌ [الحجر:٤١] يبدل الجار والمجرور باسم الإمام علي فيقول: " صراط عَلِىٍّ بالإضافة (٤). وفي سورة الحج: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:٥٢] يقول شبر: " وعنهم أي أئمته أو محدث بفتح الدال، هو الإمام يسمع الصوت ولا يرى الملك (٥). وغير هذا كثير. ومما يرجح كذلك انضمام شبر إلى القائلين بالتحريف، موقفه من الآية التاسعة من سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] حيث أولها بقوله: " وإنا له لحافظون عند أهل الذكر واحداً بعد واحد إلى القائم أو في اللوح ... وقيل الضمير للنبي " (٦). ثانياً: نجد شبراً ممن يطعن في الصحابة الأبرار، وأمهات المؤمنين الطاهرات: فمثلاً آيات سورة النور التي تحدثت عن الإفك لتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، نرى شبراً يجعل فيها اتهاماً لمن برأها الله تعالى فيقول: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ تحمل معظمه مِنْهُمْ من الآفكين لَهُ عذَابٌ عَظِيمٌ [النور:١١] في الآخرة. أو في الدنيا بجلدهم، نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة من أنها حملت بإبراهيم من جريج القبطي، وقيل في عائشة" (٧).
стр. 2376
وفي سورة التوبة " الآية ٤٠ ": إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة:٤٠] يعز على شبر أن ينزل من السماء تكريم لأبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه ولا يكتفي بنفي هذا التكريم، بل يفتري على الله تعالى مرة أخرى، ويجعل من الآية الكريمة اتهاماً لأفضل المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، ولذلك يقول: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ولا مدح فيه إذ قد يصحب المؤمن الكافر كما: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:٣٧] لاَ تَحْزَنْ: فإنه خاف على نفسه، وقبض واضطرب حتى كاد أن يدل عليهما، فنهاه عن ذلك إِنَّ اللهَ مَعَنَا عالم بنا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ طمأنينة عَلَيْه ِ على الرسول، وفي إفراده ﷺ بها ههنا مع اشتراك المؤمنين معه حيث ذكرت ما لايخفى. ثالثاً: نجد شبراً يغالي في أئمته، ويخضع القرآن الكريم لهذا الغلو، فيضيف إلى التحريف في النص تحريفاً في المعنى. انظر مثلاً تأويله لسورة القدر حيث يقول: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:٤]: جبرائيل أو خلق أعظم من الملائكة بِإِذْنِ رَبِّهِم يأمره كل سنة إلى النبي وبعده إلى أوصيائه، مِّن كُلِّ أَمْرٍ: بكل أمر قدر في تلك السنة أو من أجله، سَلَامٌ هِيَ [القدر:٤ - ٥]: قدم الخبر للحصر أي ما هي إلاَّ سلامة أو سلام؛ لكثرة سلام الملائكة فيها على ولي الأمر (١).
وفي سورة المعارج، بعد أن ذكر أنها مكية، يقول: سَأَلَ سَائِلٌ: دعا داع، بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج:١]: نزلت لما قال بعض المنافقين يوم الغدير: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فرماه الله بحجر فقتله (٢).
وفي الآية الثامنة من سورة هود يقول: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [هود:٨]: أوقات قليلة، قال الصادق: هي أصحاب المهدي عدة أصحاب أهل بدر (٣).
هذا بعض ما جاء في تفسير شبر، وأظنه يكفي لبيان أثر الإمامة فيه، وهو وإن كان في منزلة بين المنزلتين، إلاَّ أنه إلى الغلو أقرب، وعن الاعتدال أكثر بعداً.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٦٥
стр. 2377
المطلب السادس: كنز العرفان
هذا لون آخر من التفاسير، وهي تختص بآيات الأحكام فقط، رجعت إلى كتابين أحدهما يمثل جانب الاعتدال النسبي، والآخر سار في طريق الغلاة. الكتاب الأول هو: (كنز العرفان في فقه القرآن)، لمقداد بن عبدالله السيوري الحلي (١) والكتاب ينتصر للأحكام التي استقر عليها رأي الشيعة الجعفرية، مخالفين بها كل المذاهب أو بعضها، فمثلاً عند قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ [المائدة:٦]، نراه يقف طويلاً عند عجز الآية، محاولاً إثبات أن الواجب مسح الرجلين لا غسلهما (٢). وعند قوله : وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:٨٦]، حاول أن يثبت وجوب رد السلام في أثناء الصلاة (٣).
والانتصار للفقه الشيعي الجعفري من باحث جعفري أمر متوقع، بل لا ينتظر غيره، ولكنه ينتهي أحياناً إلى آراء أثر الإمامة يبدو فيها واضحاً، ومن أمثلة هذه الأراء ما يأتي:
عند قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:٢٨] ينتهي إلى أن في الآية أحكاماً هي: أن المشركين أنجاس نجاسة عينية لا حكمية، وأن آثارهم وكل ما باشروه برطوبة نجس أيضاً، وأنه لا يجوز دخولهم المسجد الحرام، وكذا باقي المساجد لنصوص الأئمة. ثم يقول: " لا فرق بينهم وبين الكفار عندنا في جميع ما تقدم للإجماع المركب، فإن كل من قال بنجاستهم عيناً قال بنجاسة كل كافر، ولأن أهل الذمة مشركون " (٤). وبالبحث عن باقي الكفار عندهم نجد أن الجعفرية توسعوا في مفهوم الكفر فحكموا بكفر كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم اعتبر غير الجعفري كافراً مشركاً.
وفي قوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:٥٦]: يذكر مشروعية الصلاة على الآل تبعاً للنبي ﷺ ، وجواز الصلاة عليهم " لا تبعاً له بل إفراداً كقولنا اللهم صلى على آل محمد، بل الواحد منهم لا غير "، وأن الصلاة عليهم واجبة في الصلاة، ومستحبة في غيرها، ثم يقول: " والذين يجب الصلاة عليهم في الصلاة، هم الأئمة المعصومون لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل، ولأن الأمر بذاك مشعر بغاية التعظيم المطلق الذي لا يستوجبه إلاَّ المعصومون، وأما فاطمة ﵍ فتدخل أيضاً لأنها بضعة منه ﷺ ".ويذكر كذلك أن أئمته هم القائمون مقام الرسول ﷺ ، وأن مقام إمامتهم اغتصب (٥).
وفي قوله سبحانه: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ [النساء: ١٠١] ينتهي إلى أحكام منها قوله: " وجوب القصر، وإن كان عاماً لظاهر الآية، لكنه عندنا مخصوص بما عدا المواضع الأربعة: مسجد مكة، والمدينة، وجامع الكوفة، والحائر الشريف، وعليه إجماع أكثر الأصحاب، لأن الإتمام فيها أفضل، لكونها مواضع شريفة تناسب التكثير من العبادة فيها " (٦).
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٧٠
стр. 2378
المطلب السابع: زبدة البيان
ذلك هو الكتاب الأول، أما الكتاب الثاني فهو (زبدة البيان في أحكام القرآن)، لأحمد بن محمد الشهير بالمقدسي الأردبيلي ولنتبين مدى غلوه، وأثر الإمامة فيه نعرض ما يأتي:- في كتاب الطهارة ذكر أن الإيمان المطلق عند الجعفرية يدخل فيه التصديق والإقرار " بالولاية والإمامة والوصاية لأهل البيت بخصوص كل واحد واحد " (١).
ثم قال: فلنشر إلى ما يدل على كون أمير المؤمنين إماماً، وهو غير محصور، ونقتصر على نبذ منه. منه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة:٥٤].
ومما قاله في الآية الكريمة: " ظاهر أنها في أمير المؤمنين وأصحابه الذين ارتدوا بعده من الخوارج، ومحاربيه يوم الجمل وصفين وغيره ".
واستمر لبيان أنها فيه، واستدل بأحاديث لا تصلح للاستدلال هنا، وبأخرى موضوعة، إلى أن قال: وبالجملة الأوصاف كلها موجودة فيه، ويؤيد كونها فيه قوله تعالى متصلاً بالآية المذكورة: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:٥٥] مع إجماع المفسرين على أنها في شأنه (٢).وفي كتاب الصلاة عاد الأردبيلى للحديث عن الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [المائدة:٥٥] ليستدل بها على إمامة أمير المؤمنين، والأئمة الأحد عشر من ولده الذين تصدقوا في حال ركوعهم كذلك (٣). وفي كتاب الطهارة ذكر قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤]، واستدل بها على وجوب عصمة الأئمة (٤). وفي كتاب النكاح: ذكر أول سورة التحريم، وتحدث عن أسباب النزول، ثم قال: " وفي السبب شيء عظيم لحفصة، ولعائشة أعظم، حيث كذبت وغدرت وفتنت، وأمرت بهذه المناكير، وحصل الأذى للنبي ﷺ بذلك (٥). واستدلالاً بالآية الخامسة: عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:٥] قال: " وبالجملة هذه تدل على عدم اتصافهما بهذه الصفات، واتصاف غيرهما بها (٦).
وبعد ذلك تحدث عن ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط، ثم قال:" ولعل فيه تسلية للنبي وغيره من المؤمنين، بأنه لا يستبعد حصول امرأة غير صالحة للنبي وغيره، ودخولها النار، مع كون جسدها مباشراً لجسده، ووجود الزوجية، وهي صريحة في ذلك، والمقصود واضح فافهم. وكذا رجاء من يتقرب بتزويجه وزوجيته ﷺ ، ولهذا كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان أخت معاوية أيضاً عنده ﷺ ، وهي إحدى زوجاته، وأبوها كان أكبر رءوس الكفار، وصاحب حروبه ﷺ وأخرى صفية بنت حيي بن أخطب بعد أن أعتقها، وقد قتل أبوها على الكفر، وأخرى سودة بنت زمعة، وكان أبوها مشركاً ومات عليه، وقيل: قد زوج رسول الله ﷺ ابنتيه قبل البعثة بكافرين يعبدان الأصنام".
بعد هذا لسنا في حاجة إلى ذكر المزيد لبيان أن هذا الكتاب يمثل جانب الغلو والتطرف والضلال
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٧٣
стр. 2379
المطلب الثامن: الميزان
بعد الحديث عن كتب للجعفرية الاثني عشرية ظهرت في القرون السابقة أرى أن ننظر فيما كتب علماؤهم المعاصرون، لنرى إلى أي مدى لا يزال التأثر بعقيدة الإمامة في تناولهم لكتاب الله العزيز. ومن أكثر الكتب انتشاراً وشهرة، ولها مكانتها عند شيعة اليوم كتاب (الميزان في تفسير القرآن) ": للسيد محمد حسين الطباطبائي (١). وأهم آثار الإمامة في هذا الكتاب تبدو فيما يأتي:-أولا ً: عندما ينتصر لعقيدته في الإمامة، أو لشيء متصل بها، يقف من التحريف موقفاً غير حميد، ففي الحديث عن آية التطهير سبق أن أوردت قوله الذي يفيد احتمال وضع الصحابة للآيات في غير موضعها حيث قال (١٦/ ٣٣٠): " الآية لم تكن بحسب النزول جزءاً من آيات نساء النبي، ولا متصلة بها، وإنما وضعت بينها: إما بأمر من النبي ﷺ ، أو عند التأليف بعد الرحلة " (٢). وعند الحديث عن موقف شبر من التحريف ذكرت ما نسبه لأئمته من زيادة كلمة " أو محدث " بعد قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [الحج: ٥٢]، وذكرت كذلك (تفسير شبر) للمحدث بأنه الإمام يسمع الصوت ولا يرى الملك. وصاحب (الميزان) نراه يقول: " الروايات في معنى المحدث عن أئمة أهل البيت كثيرة جداً، رواها في (البصائر) و (الكافي) و (الكنز) و (الاختصاص) وغيرها. وتوجد في روايات أهل السنة أيضاً " (٣). وإذا كان قوله ينحصر في معنى المحدث، إلاَّ أن روايات أئمته التي أشار إليها تتناول زيادة الكلمة في الآية الكريمة ومعناها (٤). أما روايات أهل السنة فنجدها في الصحيحين وغيرهما: ففي البخاري " قال رسول الله ﷺ : ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر)) (٥). وفي مسلم: عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ((قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يك في أمتى منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم)). قال ابن وهب: تفسير محدثون ملهمون " (٦).وفي الترمذي أن الرسول ﷺ أنه قال: ((قد كان يكون الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فعمر بن الخطاب)) وزاد الترمذي: " قال سفيان بن عيينة: محدثون يعني مفهمون " (٧).
فهذه الروايات إذن ليس فيها تحريف للقرآن الكريم، أو زعم استمرار الوحي وسماع صوته.
وعند قوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:٢٤].
روى عن أئمته بأنها إنما نزلت فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:٢٤]، ثم يعقب بقول عام يبين رأيه في هذه الرواية وأمثالها حيث يقول: " لعل المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول اللفظي " (٨).
стр. 2380
فهو إذن لا يجزم بالتحريف أو عدمه، أي أنه في منزلة بين القمي والطوسي. ثانياً: بينا لجوء الطوسي والطبرسي لتأويل بعض آي القرآن الكريم للاستدلال على عقيدة الإمامة، وهنا نجد صاحب (الميزان) يزيد عنهما غلواً وافتراء، فمثلاً آية الولاية التي تحدثنا عنها في الجزء الأول، نرى الطباطبائى يتناولها في أكثر من عشرين صفحة محاولاً أن يثبت بها الولاية، وضلال من لا يشاركه عقيدته، ويذكر أن علياً حاج أبا بكر بها فاعترف بأن الولاية لعلي (١).وعند قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:٥٩]. نراه يقول: " على الناس أن يطيعوا الرسول فيما بينه بالوحي، وفيما يراه من الرأي، وأما أولو الأمر منهم - كائنين من كانوا - لا نصيب لهم من الوحي، وإنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه، فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم، ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله والرسول ". (٢) ثم قال: " وبالجملة لما لم يكن لأولي الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع، ولا عندهم إلا ما لله ورسوله من الحكم - أعني الكتاب والسنة - لم يذكرهم الله ثانيا، عند ذكر الرد. فلله تعالى إطاعة واحدة وللرسول وأولي الأمر إطاعة واحدة " (٣). ويبدو الاعتدال هنا في اختصاص الوحي بالرسول ﷺ ولكنه جعل رأي أولي الأمر كرأي الرسول سواء بسواء، وطاعتهم داخلة في طاعة الرسول، لينتهي من هذا إلى وجوب عصمتهم والنص عليهم، وأنهم هم أئمة الجعفرية! وذكر روايات تؤيد ما ذهب إليه، فأحال كتاب الله تعالى إلى كتاب من كتب الإمامة عند الجعفرية.
стр. 2381
ونكتفي هنا بذكر إحدى رواياته، وتعقيبه عليها، ليتضح مدى الغلو والافتراء، وهاك نص الرواية: " في (تفسير البرهان) عن ابن بابويه، بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصارى, لما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:٥٩] قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي ياجابر، وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه ياجابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسين بن علي، ثم سميي محمد وكنيي، حجة الله في أرضه، وبغيته في عباده، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان. قال جابر: فقلت له: يارسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال ﷺ : أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله! " ثم عقب الطباطبائى بقوله: " وعن النعماني ... عن علي في ما معنى الرواية السابقة، ورواها علي بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه، وهناك روايات آخرى من طرق الشيعة وأهل السنة! ومنها ذكر إمامتهم بأسمائهم، من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب (ينابيع المودة) وكتاب (غاية المرام) للبحراني، وغيرهما " (١).ثالثاً: وهو يتحدث عن منهجه في التفسير، واستدلاله بالروايات قال: " وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية، نورد فيها ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي ﷺ ، وأئمة أهل البيت ﵈، من طرق العامة والخاصة. وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين فإنها على ما فيها من الخلط والتناقض لا حجة فيها على مسلم " (٢).
وبالاطلاع على هذه الأبحاث الروائية وجدنا أنه لا يفترق كثيراً عن القمي والعياشي وأضرابهما، وعنهم أخذ أكثر رواياته، ولنضرب بعض الأمثلة:
стр. 2382
من هذه الروايات " أن آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، قال: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟ فعلم الله ما وقع في نفسه فناداه، ارفع رأسك يا آدم، وانظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال : يا آدم، هؤلاء ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك، ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته، وأهبطهما من جواره إلى الأرض ".ثم عقب صاحب (الميزان) بقوله: " وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات، بعضها أبسط من هذه الرواية وأطنب، وبعضها أجمل وأوجز " (١). وروى عن الكليني في قوله تعالى " ٣٧: البقرة ": فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:٣٧] قال: " سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ". وعقب بقوله: " وروي هذا المعنى أيضاً الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم " (٢). وروى عن الكليني أيضاً: " إن الله أعز وأمنع من أن يظلم، أو ينسب نفسه إلى الظلم، ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآناً على نبيه فقال: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] , الأعراف:١٦٠ [(٣)] وعن الكافي كذلك: " إذا جحدوا ولاية أمير المؤمنين فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٤).وعن العياشي أن الإمام الصادق قال: " الذين باءوا بسخط من الله هم الذين جحدوا حق علي وحق الأئمة منا أهل البيت، فباءوا بسخط من الله " (٥).وعنه كذلك في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩] عن الإمام الصادق: نحن نعنى بها، والله المستعان، إن الواحد منا إذا صارت إليه لم يكن له أو لم يسعه إلاَّ أن يبين للناس من يكون بعده (٦).وعن العياشي أيضاً أن الرسول ﷺ كان يقول: ((لا دين لمن لا تقية له)) (٧).وعن القمي والكافي في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، رويا أنها نزلت في ولاية الإمام علي (٨).
ومن هذا كله يتضح أثر الإمامة في هذا التفسير، وهو بلا شك أكثر غلواً من تفسير الطوسي، بل من الطبرسي، وأبحاثه الروائية نقلها من القمي والعياشي والكليني وغيرهم، فهو في هذا لا يكاد يفترق عن باقي الضالين.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٧٦
стр. 2383
المطلب التاسع: التفسير الكاشف
إذا كان التبيان للطوسي - كما رأينا - هو أكثر الكتب اعتدالاً أو أقلها غلواً، فإن عصرنا شهد بعض الكتب في التفسير الشيعي لا تقل عنه اعتدالا، ولا تزيد عنه غلوا. من هذه التفاسير كتابان: أحدهما (التفسير الكاشف) للعالم الجعفري اللبناني المشهور: محمد جواد مغنية، ومظاهر الاعتدال نراها فيما يأتي:
أولاً: في بيانه لمنهجه في التفسير، حيث يقول:
اعتمدت - قبل كل شيء - في تفسير الآية وبيان المراد منها على حديث ثبت في سنة الرسول ﷺ لأنها ترجمان القرآن، والسبيل إلى معرفة معانيه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:٧].
فإذا لم يكن حديث من السنة اعتمدت ظاهر الآية، وسياقها، لأن المتكلم الحكيم يعتمد في بيان مراده على ما يفهمه المخاطب من دلالة الظاهر، كما أن المخاطب بدوره يأخذ بهذا الظاهر، حتى يثبت العكس.
وإذا أوردت آية ثانية في معنى الأولى، وكانت أبين وأوضح، ذكرتهما معاً، لغاية التوضيح، لأن مصدر القرآن واحد، ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض.
وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع حكم العقل وبداهته، أولت اللفظ بما يتفق مع العقل باعتباره الدليل والحجة على وجوب العمل بالنقل. وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على مسألة فقهية حملت الظاهر على الإجماع، كقوله تعالى: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] (١) حيث دلت " فاكتبوه " على الوجوب، والإجماع قائم على استحباب كتابة الدين، فأحمل الظاهر على الاستحباب دون الوجوب.
أما أقوال المفسرين فلم أتخذ منها حجة قاطعة، ودليلاً مستقلاً، بل مؤيداً ومرجحاً لأحد الوجوه إذا احتمل اللفظ لأكثر من معنى، فلقد بذل المفسرون جهوداً كبرى للكشف عن معاني القرآن وأسراره وإبراز خصائصه وشوارده، وأولوا كتاب الله من العناية ما لم يظفر بمثلها كتاب في أمة من الأمم قديمها أو حديثها. وإن في المفسرين أئمة كباراً في شتى علوم القرآن التي كانت الشغل الشاغل للمسلمين في تاريخهم الطويل، فإذا لم تكن أقوال هؤلاء الأقطاب حجة، كقول المعصوم، فإنها تلقي ضوءاً على المعنى المراد، وتمهد السبيل إلى تفهمه (٢).
ثانياً: في التزامه بهذا المنهج إلى حد كبير: مثال هذا ما ذكره في تفسير الفاتحة عند قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة:٧] قال: " جاء في بعض الروايات أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، ولكن لفظ الآية عام لا تخصيص فيه، ولا استثناء، فكل مطيع تشمله نعمة الله ورحمته، وكل عاص ضال ومغضوب عليه " (٣).
وعند تفسير الآيات من (١١١ إلى ١١٣) من سورة البقرة، أشار إلى أن اليهود والنصارى يكفر بعضهم بعضاً، ثم وضع عنواناً نصه: " أيضاً المسلمون يكفر بعضهم بعضاً "، وتحت هذا العنوان قال:
стр. 2384
وإذا كان اليهود بحكم الطائفة الواحدة، لأن التوراة تعترف بعيسى، والإنجيل يعترف بموسى، فبالأولى أن تكون السنة والشيعة طائفة واحدة، حقيقة وواقعة: لأن كتابهم واحد، وهو القرآن، لا قرآنان، ونبيهم واحد، وهو محمد، لا محمدان، فكيف إذن يكفر بعض من الفريقين إخوانهم في الدين؟ ولو نظرنا إلى هذه الآية: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة: ١١٣]، ولو نظرنا إليها بالمعنى الذي بيناه، واتفق عليه جميع المفسرين، ثم قسنا من يرمي بالكفر أخاه المسلم ـ لو نظرنا إلى الآية، وقسنا هذا بمقياسها لكان أسوأ حالاً ألف مرة من اليهود والنصارى .. لقد كفر اليهود النصارى وكفر النصارى اليهود، وَهُمْ يتْلُونَ الْكِتَابَ أي التوراة والإنجيل، فكيف بالمسلم يكفر أخاه المسلم، وهو يتلو القرآن؟ فليتق الله الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقلوبهم عمى عن معانيه ومراميه (١).
وفي تفسير سورة الأنفال " الآيات (٧٢ , ٧٥) تحدث عن المهاجرين والأنصار فقال: ما قرأت شيئاً أبلغ من وصف الإمام زين العابدين " ع " للمهاجرين والأنصار وهو يناجي ربه، ويطلب لهم الرحمة والرضوان بقوله:
" اللهم أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا، وأبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوا وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته ... فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك ... وكانوا مع رسولك لك إليك ".
وبعد أن ذكر الشيخ مغنية قول الإمام قال: ملحوظة: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة، وتقدس كل حرف منها، وهى رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (٢). وفي تفسير سورة الرعد " الآيات ٣٥ , ٣٨ " قال تحت عنوان " الشيعة الإمامية والصحابة ": دأب بعض المأجورين والجاهلين على إثارة الفتن والنعرات بين المسلمين لتشتيت وحدتهم وتفريق كلمتهم، دأبوا على ذلك عن طريق الدس والافتراء على الشيعة الإمامية، وذلك بأن نسبوا إليهم النيل من مقام الصحابة، وتأليه علي، والقول بتحريف القرآن الذي يهتز له العرش ... وما إلى ذلك من الكذب والبهتان ... وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] قال الطبرسي: " يريد الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ الذين آمنوا به، وصدقوه وأعطوا القرآن، وفرحوا بإنزاله " ... ولو كانوا ينالون من مقام الصحابة لاتجه شيخهم الطبرسي في تفسير هذه الآية إلى غير هذا الوجه (٣). وفي تفسير سورة التحريم يقول عن الآية الرابعة: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:٤]: أي مالت إلى الحق، ثم يقول مشيراً إلى حفصة وعائشة من أمهات المؤمنين: فإن تابتا وأصلحتا فقد مال قلباهما إلى أمر الله والإخلاص لرسوله، وإن أصرتا على التعاون ضد الرسول فإن الله وليه وناصره، وأيضاً يعينه ويؤازره جبريل، وجميع الملائكة والمؤمنين الصالحين (٤).وبعد تفسير سورة الليل يقول: قال الشيخ محمد عبده: روى المفسرون هنا أسباباً للنزول، وأن الآيات نزلت في أبي بكر، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عاماً (٥).
стр. 2385
من هذا نرى أن الشيخ مغنية في تفسيره يمثل جانب الاعتدال النسبي عند الجعفرية في المنهج والتطبيق، وبالطبع لا يخلو تفسيره من التأثر بعقيدته في الإمامة، فعلى سبيل المثال: نراه ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: " ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق " (١)، وناقشنا هذا من قبل (٢). كما نراه يتحدث عن عصمة أهل البيت (٣)، وعن الإمامة وفكرة العصمة (٤). ويتحدث عن المهدي المنتظر في أكثر من موضع (٥) غير أنه كان يذكر بعض الأحاديث التي صحت عن طريق أهل السنة.
ويتحدث عن التقية ويقول: " من خص التقية بالشيعة فقط، وشنع بها عليهم، فهو إما جاهل، وإما متحامل ".
ويفصل القول في الحديث عن الخمس، ويهاجم أبا سفيان وحفيده يزيد، ذاكرا قول الشاعر:
فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلي وللحسين يزيد (٦)
وفي تفسير سورة آل عمران " الآيات (٣٣ , ٣٧) يضع هذا العنوان: " فاطمة ومريم "، ويذكر تحته حقاً وباطلاً، ويشير إلى أن فاطمة كمريم، وعلي كزكريا، كان كلما دخل عليها وجد عندها رزقاً من عند الله تعالى (٧). وفي تفسير سورة النساء " الآيتين (٩٥، ٩٦) يتحدث عن تفسير الآيتين، وتحت عنوان: " علي وأبو بكر "، يجادل ليصل إلى أفضلية علي بجهاده وعلمه، وفي آخر جدله العقيم يقول: منزلة علي من العلم لا تدانيها منزلة واحد من الصحابة على الإطلاق، وكفى شاهداً على ذلك ما تواتر عن الرسول الأعظم ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) (٨). وقد حفظ التراث الإسلامي من علم علي ما لم يحفظه لأبي بكر، ولا لغيره من الصحابة.
وفي سورة المائدة: وعند تفسير الآية الثالثة من السورة، تحت عنوان " إكمال الدين وإتمام النعمة "، نراه يتظاهر بأنه يعرض رأي كل من الشيعة والسنة فقط، لينتهي من هذا إلى خلافة علي ! ويشير إلى كتاب (الغدير) ككتاب قيم، وأن هذا الكتاب ذكر رواة حديث الغدير، وهم (١٢٠) صحابياً، (٨٤٠) تابعاً، (٣٦٠) إماماً وحافظاً للحديث، وفيهم الحنفي والشافعي وغيرهما، كل ذلك نقله عن كتب السنة.
وعند تفسير الآية الخامسة والخمسين من السورة إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:٥٥] يذكر كغيره أنها نزلت في علي بن أبي طالب. ثم يعود إلى الغدير عند تفسير الآية السابعة والستين من سورة المائدة أيضاً يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... [المائدة:٦٧] ويذكر أن الشيعة استدلوا بأحاديث رواها أهل السنة (٩).وعند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣] يذكر ما ذهب إليه الشيعة، وبين أدلتهم، محاولا إثبات صحة ما ذهبوا إليه (١٠).وفي سورة الشورى، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:٢٣]، يقول عن البحر المحيط: هم علي وفاطمة والحسن والحسين، ويقول أيضاً: ونقل بعض المفسرين رواية، في سندها معاوية، ومؤدى هذه الرواية أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: ناشدتكم الرحم أن لا تؤذوني. ثم أخذ يناقش ليثبت أنها في الأربعة (١١).
هذه بعض الأمثلة التي تبين أثر الإمامة في هذا التفسير، ومع هذا كله فالشيخ مغنية يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما في عصرنا الحديث، وتفسيره يبين منهجه الذي يمثل الحق في بعض جوانبه، غير أنه لا يخلو من الغلو والضلال.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٨٣