ونكتفي هنا بذكر إحدى رواياته، وتعقيبه عليها، ليتضح مدى الغلو والافتراء، وهاك نص الرواية: " في (تفسير البرهان) عن ابن بابويه، بإسناده عن جابر بن عبدالله الأنصارى, لما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:٥٩] قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي ياجابر، وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، ستدركه ياجابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسين بن علي، ثم سميي محمد وكنيي، حجة الله في أرضه، وبغيته في عباده، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان. قال جابر: فقلت له: يارسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال ﷺ : أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله! " ثم عقب الطباطبائى بقوله: " وعن النعماني ... عن علي في ما معنى الرواية السابقة، ورواها علي بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه، وهناك روايات آخرى من طرق الشيعة وأهل السنة! ومنها ذكر إمامتهم بأسمائهم، من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب (ينابيع المودة) وكتاب (غاية المرام) للبحراني، وغيرهما " (١).ثالثاً: وهو يتحدث عن منهجه في التفسير، واستدلاله بالروايات قال: " وضعنا في ذيل البيانات متفرقات من أبحاث روائية، نورد فيها ما تيسر لنا إيراده من الروايات المنقولة عن النبي ﷺ ، وأئمة أهل البيت ﵈، من طرق العامة والخاصة. وأما الروايات الواردة عن مفسري الصحابة والتابعين فإنها على ما فيها من الخلط والتناقض لا حجة فيها على مسلم " (٢).
وبالاطلاع على هذه الأبحاث الروائية وجدنا أنه لا يفترق كثيراً عن القمي والعياشي وأضرابهما، وعنهم أخذ أكثر رواياته، ولنضرب بعض الأمثلة:
стр. 2382
من هذه الروايات " أن آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنة، قال: هل خلق الله بشراً أفضل مني؟ فعلم الله ما وقع في نفسه فناداه، ارفع رأسك يا آدم، وانظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوباً: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب أميرالمؤمنين، وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال : يا آدم، هؤلاء ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك، ولا الجنة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد، فأخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنى منزلتهم، فتسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم، فأخرجهما الله تعالى من جنته، وأهبطهما من جواره إلى الأرض ".ثم عقب صاحب (الميزان) بقوله: " وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات، بعضها أبسط من هذه الرواية وأطنب، وبعضها أجمل وأوجز " (١). وروى عن الكليني في قوله تعالى " ٣٧: البقرة ": فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة:٣٧] قال: " سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ". وعقب بقوله: " وروي هذا المعنى أيضاً الصدوق والعياشي والقمي وغيرهم " (٢). وروى عن الكليني أيضاً: " إن الله أعز وأمنع من أن يظلم، أو ينسب نفسه إلى الظلم، ولكنه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآناً على نبيه فقال: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] , الأعراف:١٦٠ [(٣)] وعن الكافي كذلك: " إذا جحدوا ولاية أمير المؤمنين فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٤).وعن العياشي أن الإمام الصادق قال: " الذين باءوا بسخط من الله هم الذين جحدوا حق علي وحق الأئمة منا أهل البيت، فباءوا بسخط من الله " (٥).وعنه كذلك في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩] عن الإمام الصادق: نحن نعنى بها، والله المستعان، إن الواحد منا إذا صارت إليه لم يكن له أو لم يسعه إلاَّ أن يبين للناس من يكون بعده (٦).وعن العياشي أيضاً أن الرسول ﷺ كان يقول: ((لا دين لمن لا تقية له)) (٧).وعن القمي والكافي في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، رويا أنها نزلت في ولاية الإمام علي (٨).
ومن هذا كله يتضح أثر الإمامة في هذا التفسير، وهو بلا شك أكثر غلواً من تفسير الطوسي، بل من الطبرسي، وأبحاثه الروائية نقلها من القمي والعياشي والكليني وغيرهم، فهو في هذا لا يكاد يفترق عن باقي الضالين.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٧٦
стр. 2383
المطلب التاسع: التفسير الكاشف
إذا كان التبيان للطوسي - كما رأينا - هو أكثر الكتب اعتدالاً أو أقلها غلواً، فإن عصرنا شهد بعض الكتب في التفسير الشيعي لا تقل عنه اعتدالا، ولا تزيد عنه غلوا. من هذه التفاسير كتابان: أحدهما (التفسير الكاشف) للعالم الجعفري اللبناني المشهور: محمد جواد مغنية، ومظاهر الاعتدال نراها فيما يأتي:
أولاً: في بيانه لمنهجه في التفسير، حيث يقول:
اعتمدت - قبل كل شيء - في تفسير الآية وبيان المراد منها على حديث ثبت في سنة الرسول ﷺ لأنها ترجمان القرآن، والسبيل إلى معرفة معانيه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:٧].
فإذا لم يكن حديث من السنة اعتمدت ظاهر الآية، وسياقها، لأن المتكلم الحكيم يعتمد في بيان مراده على ما يفهمه المخاطب من دلالة الظاهر، كما أن المخاطب بدوره يأخذ بهذا الظاهر، حتى يثبت العكس.
وإذا أوردت آية ثانية في معنى الأولى، وكانت أبين وأوضح، ذكرتهما معاً، لغاية التوضيح، لأن مصدر القرآن واحد، ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض.
وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع حكم العقل وبداهته، أولت اللفظ بما يتفق مع العقل باعتباره الدليل والحجة على وجوب العمل بالنقل. وإذا تعارض ظاهر اللفظ مع إجماع المسلمين في كل عصر ومصر على مسألة فقهية حملت الظاهر على الإجماع، كقوله تعالى: إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢] (١) حيث دلت " فاكتبوه " على الوجوب، والإجماع قائم على استحباب كتابة الدين، فأحمل الظاهر على الاستحباب دون الوجوب.
أما أقوال المفسرين فلم أتخذ منها حجة قاطعة، ودليلاً مستقلاً، بل مؤيداً ومرجحاً لأحد الوجوه إذا احتمل اللفظ لأكثر من معنى، فلقد بذل المفسرون جهوداً كبرى للكشف عن معاني القرآن وأسراره وإبراز خصائصه وشوارده، وأولوا كتاب الله من العناية ما لم يظفر بمثلها كتاب في أمة من الأمم قديمها أو حديثها. وإن في المفسرين أئمة كباراً في شتى علوم القرآن التي كانت الشغل الشاغل للمسلمين في تاريخهم الطويل، فإذا لم تكن أقوال هؤلاء الأقطاب حجة، كقول المعصوم، فإنها تلقي ضوءاً على المعنى المراد، وتمهد السبيل إلى تفهمه (٢).
ثانياً: في التزامه بهذا المنهج إلى حد كبير: مثال هذا ما ذكره في تفسير الفاتحة عند قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ [الفاتحة:٧] قال: " جاء في بعض الروايات أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى، ولكن لفظ الآية عام لا تخصيص فيه، ولا استثناء، فكل مطيع تشمله نعمة الله ورحمته، وكل عاص ضال ومغضوب عليه " (٣).
وعند تفسير الآيات من (١١١ إلى ١١٣) من سورة البقرة، أشار إلى أن اليهود والنصارى يكفر بعضهم بعضاً، ثم وضع عنواناً نصه: " أيضاً المسلمون يكفر بعضهم بعضاً "، وتحت هذا العنوان قال:
стр. 2384
وإذا كان اليهود بحكم الطائفة الواحدة، لأن التوراة تعترف بعيسى، والإنجيل يعترف بموسى، فبالأولى أن تكون السنة والشيعة طائفة واحدة، حقيقة وواقعة: لأن كتابهم واحد، وهو القرآن، لا قرآنان، ونبيهم واحد، وهو محمد، لا محمدان، فكيف إذن يكفر بعض من الفريقين إخوانهم في الدين؟ ولو نظرنا إلى هذه الآية: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة: ١١٣]، ولو نظرنا إليها بالمعنى الذي بيناه، واتفق عليه جميع المفسرين، ثم قسنا من يرمي بالكفر أخاه المسلم ـ لو نظرنا إلى الآية، وقسنا هذا بمقياسها لكان أسوأ حالاً ألف مرة من اليهود والنصارى .. لقد كفر اليهود النصارى وكفر النصارى اليهود، وَهُمْ يتْلُونَ الْكِتَابَ أي التوراة والإنجيل، فكيف بالمسلم يكفر أخاه المسلم، وهو يتلو القرآن؟ فليتق الله الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقلوبهم عمى عن معانيه ومراميه (١).
وفي تفسير سورة الأنفال " الآيات (٧٢ , ٧٥) تحدث عن المهاجرين والأنصار فقال: ما قرأت شيئاً أبلغ من وصف الإمام زين العابدين " ع " للمهاجرين والأنصار وهو يناجي ربه، ويطلب لهم الرحمة والرضوان بقوله:
" اللهم أصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا، وأبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوا وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته، يرجون تجارة لن تبور في مودته ... فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك ... وكانوا مع رسولك لك إليك ".
وبعد أن ذكر الشيخ مغنية قول الإمام قال: ملحوظة: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة، وتقدس كل حرف منها، وهى رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (٢). وفي تفسير سورة الرعد " الآيات ٣٥ , ٣٨ " قال تحت عنوان " الشيعة الإمامية والصحابة ": دأب بعض المأجورين والجاهلين على إثارة الفتن والنعرات بين المسلمين لتشتيت وحدتهم وتفريق كلمتهم، دأبوا على ذلك عن طريق الدس والافتراء على الشيعة الإمامية، وذلك بأن نسبوا إليهم النيل من مقام الصحابة، وتأليه علي، والقول بتحريف القرآن الذي يهتز له العرش ... وما إلى ذلك من الكذب والبهتان ... وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ٣٦] قال الطبرسي: " يريد الله سبحانه أصحاب النبي ﷺ الذين آمنوا به، وصدقوه وأعطوا القرآن، وفرحوا بإنزاله " ... ولو كانوا ينالون من مقام الصحابة لاتجه شيخهم الطبرسي في تفسير هذه الآية إلى غير هذا الوجه (٣). وفي تفسير سورة التحريم يقول عن الآية الرابعة: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:٤]: أي مالت إلى الحق، ثم يقول مشيراً إلى حفصة وعائشة من أمهات المؤمنين: فإن تابتا وأصلحتا فقد مال قلباهما إلى أمر الله والإخلاص لرسوله، وإن أصرتا على التعاون ضد الرسول فإن الله وليه وناصره، وأيضاً يعينه ويؤازره جبريل، وجميع الملائكة والمؤمنين الصالحين (٤).وبعد تفسير سورة الليل يقول: قال الشيخ محمد عبده: روى المفسرون هنا أسباباً للنزول، وأن الآيات نزلت في أبي بكر، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عاماً (٥).
стр. 2385
من هذا نرى أن الشيخ مغنية في تفسيره يمثل جانب الاعتدال النسبي عند الجعفرية في المنهج والتطبيق، وبالطبع لا يخلو تفسيره من التأثر بعقيدته في الإمامة، فعلى سبيل المثال: نراه ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: " ذاك القرآن الصامت وأنا القرآن الناطق " (١)، وناقشنا هذا من قبل (٢). كما نراه يتحدث عن عصمة أهل البيت (٣)، وعن الإمامة وفكرة العصمة (٤). ويتحدث عن المهدي المنتظر في أكثر من موضع (٥) غير أنه كان يذكر بعض الأحاديث التي صحت عن طريق أهل السنة.
ويتحدث عن التقية ويقول: " من خص التقية بالشيعة فقط، وشنع بها عليهم، فهو إما جاهل، وإما متحامل ".
ويفصل القول في الحديث عن الخمس، ويهاجم أبا سفيان وحفيده يزيد، ذاكرا قول الشاعر:
فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلي وللحسين يزيد (٦)
وفي تفسير سورة آل عمران " الآيات (٣٣ , ٣٧) يضع هذا العنوان: " فاطمة ومريم "، ويذكر تحته حقاً وباطلاً، ويشير إلى أن فاطمة كمريم، وعلي كزكريا، كان كلما دخل عليها وجد عندها رزقاً من عند الله تعالى (٧). وفي تفسير سورة النساء " الآيتين (٩٥، ٩٦) يتحدث عن تفسير الآيتين، وتحت عنوان: " علي وأبو بكر "، يجادل ليصل إلى أفضلية علي بجهاده وعلمه، وفي آخر جدله العقيم يقول: منزلة علي من العلم لا تدانيها منزلة واحد من الصحابة على الإطلاق، وكفى شاهداً على ذلك ما تواتر عن الرسول الأعظم ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) (٨). وقد حفظ التراث الإسلامي من علم علي ما لم يحفظه لأبي بكر، ولا لغيره من الصحابة.
وفي سورة المائدة: وعند تفسير الآية الثالثة من السورة، تحت عنوان " إكمال الدين وإتمام النعمة "، نراه يتظاهر بأنه يعرض رأي كل من الشيعة والسنة فقط، لينتهي من هذا إلى خلافة علي ! ويشير إلى كتاب (الغدير) ككتاب قيم، وأن هذا الكتاب ذكر رواة حديث الغدير، وهم (١٢٠) صحابياً، (٨٤٠) تابعاً، (٣٦٠) إماماً وحافظاً للحديث، وفيهم الحنفي والشافعي وغيرهما، كل ذلك نقله عن كتب السنة.
وعند تفسير الآية الخامسة والخمسين من السورة إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:٥٥] يذكر كغيره أنها نزلت في علي بن أبي طالب. ثم يعود إلى الغدير عند تفسير الآية السابعة والستين من سورة المائدة أيضاً يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ... [المائدة:٦٧] ويذكر أن الشيعة استدلوا بأحاديث رواها أهل السنة (٩).وعند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣] يذكر ما ذهب إليه الشيعة، وبين أدلتهم، محاولا إثبات صحة ما ذهبوا إليه (١٠).وفي سورة الشورى، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:٢٣]، يقول عن البحر المحيط: هم علي وفاطمة والحسن والحسين، ويقول أيضاً: ونقل بعض المفسرين رواية، في سندها معاوية، ومؤدى هذه الرواية أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: ناشدتكم الرحم أن لا تؤذوني. ثم أخذ يناقش ليثبت أنها في الأربعة (١١).
هذه بعض الأمثلة التي تبين أثر الإمامة في هذا التفسير، ومع هذا كله فالشيخ مغنية يمثل جانب الاعتدال إلى حد ما في عصرنا الحديث، وتفسيره يبين منهجه الذي يمثل الحق في بعض جوانبه، غير أنه لا يخلو من الغلو والضلال.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٨٣
стр. 2386
المطلب العاشر: البيان
والكتاب الثاني الذي يمثل جانب الاعتدال، والبعد عن الغلو إلى حد ما ظهر في عصرنا هذا، هو " (البيان في تفسير القرآن) ألفه السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي "، المرجع السابق للجعفرية بالعراق. ومع أن الكتاب لم يظهر منه إلاَّ المجلد الأول الذي يشمل المدخل وتفسير الفاتحة، إلاَّ أننا انتهينا إلى هذا الرأي لما يأتى: أولا ً: جاء في مقدمة الكتاب: " سيجد القارئ إني لا أحيد في تفسيري هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته، وما ثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة من ذرية الرسول ﷺ ، وما استقل به العقل الفطري الصحيح الذي جعله الله حجة باطنة كما جعل نبيه - صلى الله عليه وعلى آله-وأهل بيته المعصومين ﵈ حجة ظاهرة، وسيجد القارئ أيضاً إني كثيراً ما أستعين بالآية على فهم أختها، وأسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن، ثم أجعل الأثر المروي مرشداً إلى هذه الاستفادة (١).وفي بيانه لأصول التفسير قد فصل ما أجمله هنا (٢). ثانيا: أنه قد أسهب وأفاض في إثبات صيانة القرآن الكريم من التحريف (٣) وهو لا يكفر المخالفين لطائفته، بل يرى ويروي أن الإسلام يدور مدار الإقرار بالشهادتين (٤).ثالثاً: أنه أفاض كذلك في الحديث عن حجية ظواهر القرآن (٥).
رابعاً: أنه التزم بمنهجه هذا في تفسيره لفاتحة الكتاب، والقارئ لتفسيره يلمس هذا بوضوح. ومع هذا فأثر الإمامة نراه في قوله بصحة إطلاق الأسماء الحسنى على الأئمة (٦)، وبوجوب طاعتهم والخضوع لهم والتوسل بهم (٧) وفضل السجود على التربة الحسينية (٨) وجواز تقبيل قبورهم وتعظيمها (٩) وأن عبادتهم لله تعالى لا يرقى إليها إلاَّ المعصوم (١٠) وأنهم المأذون لهم في الشفاعة فيشفعون للشيعة، فلا يردهم ربهم (١١).
هذا ما جاء في ثنايا تفسيره تأثراً بعقيدته، وهو لا ينزله عن مرتبة الطوسي في تبيانه. وبالطبع نتمنى أن يجعلوا ما يتصل بالإمامة في كتب أخرى غير كتب التفسير، ولكن السيد الخوئي إذا أتم تفسيره على المنهج الذي بينه فإنه أفضل بكثير من الكتب المنتشرة في الوسط الجعفري الآن.
وبعد: فهذه الكتب تمثل منهجين مختلفين في التفسير عند شيعة اليوم، يبين أحدهما أن الوسط الجعفري لما يتطهر من أولئك الذين يخضعون كتاب الله العزيز لأهوائهم وشهواتهم تأثراً بعقيدتهم في الإمامة، ويكشف الآخر عن وجود من ينشد الاعتدال، ويحكم العقل لا الهوى إلى حد ما، وإن لم يخل من الغلو والضلال.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص ٥٩٢
стр. 2387
المبحث السادس: نظرة عامة لباقي كتب التفسير
بعد الدراسة السابقة لستة عشركتابا من كتب التفسير الشيعي ننظر في (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) لأقابزرك الطهراني، لمزيد من التوضيح.
في كتاب (الذريعة) نجد الإشارة إلى عدد كبير جداً من كتب التفسير الشيعي، ونجد عنوان بعض هذه الكتب يغني عن النظر فيها، فهي مثل ما ذكرته من قبل عند الحديث عن كتاب (تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة).
وبعض هذه الكتب لا يظهر أثر الإمامة في العنوان ولكن يظهر هذا الأثر عند الإشارة إلى موضوع الكتاب , ونذكر هنا عدداً من هذه الكتب التي حاول أصحابها إخضاع كتاب الله المجيد لأهوائهم، كما نثبت شيئاً من تعليق صاحب كتاب (الذريعة). وترتيب الكتاب ألفبائي، فلا حاجة لذكر الأجزاء والصفحات.
آيات الأئمة:
فارسي، في بيان الآيات المتعلقة بالإمامة، وفضائل الأئمة، لمؤلفه مير محمد علي الأريجاني الطهراني المتوفي بها سنة (١٣٢٣).
آيات الأئمة:
وذكر في حرف التاء بعنوان (تفسير آيات الأئمة) فارسي. قال صاحب (الذريعة): في ذكر آيات تستخرج منها بالزبر والبينات أسماء الأئمة، وبعض أوصافهم وخصوصياتهم، للعالم الكامل ميرزا علي نقي الهمداني، المتوفي عام (١٢٩٧).
(٣) (الآيات البينات): أو: (بيان الآيات بالزبر والبينات): قال: للمولى المعاصر يوسف بن أحمد بن يوسف الجيلاني النجفي، استخرج فيه بالزبر والبينة أسامي المعصومين الأربعة عشر، وبعض خصوصياتهم من ستين آية من آيات القرآن.
قلت: مراده بالمعصومين الذين أشركهم مع الرسول ﷺ ، الأئمة الاثنا عشر، والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها. ونلاحظ ثناءه على الضالين، ورضاه وإعجابه بضلالهم، ومشاركته لهم في الغلو والتضليل، وهذا واضح بيّن ملازم لصاحب (الذريعة) وسيأتي ما يؤكد هذا.
(٤) (آيات الحجة والرجعة):
قال: في تفسير الآيات المتعلقة بهم، مع بيان واف، والنكات الدقيقة، وذكر الروايات المروية عنهم في تفسيرها وتأويلها للعلامة الشيخ محمد علي بن المولى حسن علي الهمداني الحاير، المولود سنة (١٢٩٣). رأيت النسخة الأصلية عنده، استخرج فيها (٣١٣) آية من القرآن الشريف على عدد أصحاب الحجة وأنصاره وقت ظهوره.
قلت: يشير هنا إلى خرافة الإمام الثاني عشر التي ذكرتها في الجزء السابق، ومثل هذا كتاب (ما نزل من القرآن في صاحب الزمان) لأبي عبدالله الجوهري أحمد بن محمد " انظر (إيضاح المكنون) (٢/ ٢٤١) "، وغير هذا كتب أخرى سيأتي ذكرها.
(٥) الآيات النازلة في ذم الجائرين على أهل البيت:
للمولى حيدر علي الشرواني.
(٦) (الآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة):
قال: وهي (٥٠٠) آية من القرآن في فضائل أمناء الرحمن، جمعها مع تفسيرها وبيانها الشيخ تقي الدين عبدالله حاجي ... ويأتي في حرف الميم كتب كثيرة تحت عنوان ما نزل في أهل البيت، أو في علي، أو في صاحب الزمان، كلها في هذا الموضوع.
(٧) آيات الولاية:
فارسي، لميرزا أبي القاسم بن محمد الشيرازي.
قال: فسر فيه إحدى وألف آية من كتاب الله العزيز النازلة: خمسمائة منها في حق أهل البيت وولايتهم باتفاق المفسرين - هكذا قال المفترون! - والباقي حسب تفاسير أهل البيت الذين نزل فيهم القرآن، وهم أعرف به، من طرق أصحابنا الإمامية خاصة.
قلت: إذن يقصد اتفاق المفسرين جميعاً لا مفسري فرقته خاصة! قدرة عجيبة على الافتراء!!
(٨) تأويل الآيات:
لأبي إسحاق بن مجير الأصفهاني.
وآخر: للسيد الأمير روح الأمين الحسيني الأصفهاني.
(٩) تأويلات القرآن:
لكمال الدين أبي الغنائم عبدالرزاق الكاشاني، المتوفي سنة (٧٣٠).
(١٠) (تأويل الآيات التي تعلق بها أهل الضلال):
стр. 2388
للمولى عبدالرشيد بن الحسيني بن محمد الإسترابادي.
قال: وله كتاب (مناقب النبي والأئمة).
قلت: ماذا يريد بأهل الضلال؟ لعله يقصد خير أمة أخرجت للناس كما سيظهر من موقفهم من قوله تعالى في سورة الليل وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل:١٧ - ١٨]، حيث إنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
(١١) (تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة):
فارسي، لمحمد تقي بن محمد باقر الطهراني الأصفهاني، المتوفي سنة (١٣٢٢).
قلت: سبق الحديث عن كتاب بالعربية يحمل العنوان نفسه.
(١٢) (تأويل الآيات الظاهرة في فضل العترة الطاهرة):
للسيد شرف الدين علي الحسيني الإسترابادي، المتوفي سنة (٩٤٠).
قال: جمع فيه تأويل الآيات التي تتضمن مدح أهل البيت، ومدح أوليائهم، وذم أعدائهم من طرقنا، وطرق أهل السنة ـ هكذا قال!! وينقل فيه عن (كنز الفوائد) للشيخ الكراكجي المتوفي سنة (٤٤٩)، وعن كتاب ما نزل من القرآن في أهل البيت لابن الجحام، الذي سمع منه الدلعكبري سنة (٣٢٨)، وعن كشف الغمة للأربلي المتوفي سنة (٦٩٢)، وعن كتب العلامة الحلي.
(١٣) (تأويل الآيات النازلة):
قال: في فضل أهل البيت وأوليائهم، يقرب من عشرين ألف بيت لبعض الأصحاب ... قال الفيض في أول كتاب (الصافي): إن جماعة من أصحابنا صنفوا كتباً في تأويل القرآن على هذا النحو، جمعوا فيها ما ورد عنهم في تأويل آيه: إما بهم، أو بشيعتهم، أو بعدوهم، على ترتيب القرآن، وقد رأيت منها كتاباً يقرب من عشرين ألف بيت.
(١٤) (تأويل ما نزل في النبي وآله).
(١٥) (تأويل ما نزل في شيعتهم).
(١٦) (تأويل ما نزل في أعدائهم):
قال: هذه الثلاثة كلها لأبي عبدالله محمد بن العباس المعروف بابن الجحام، الذي سمع منه الدلعكبرى سنة (٣٢٨).
وذكر الشيخ - أي الطوسي - في رجاله ثمانية كتب أخرى له أيضاً، لكن النجاشي لم يذكر منها إلا كتاب (المقنع) و (الدواجن) و (ما نزل من القرآن في أهل البيت)، وهذا الكتاب هو الذي مر أنه ينقل عنه السيد شرف الدين علي في كتابه (تأويل الآيات الظاهرة) أحاديث كثيرة.
(١٧) (تفسير الآيات البينات النازلة في فضائل أهل بيت سيد الكائنات):
فارسي، للسيد مصطفى بن أبي القاسم الموسوي النجفي - ولد سنة (١٣٢٠).
(١٨) (تفسير الأئمة لهداية الأمة):
لمحمد رضا بن عبدالحسين النصيري الطوسي، عاش في القرن الحادي عشر. قال: وتفسيره هذا كبير، يقال إنه في ثلاثين مجلداً.
وديدن هذا المفسر أن يذكر عدة آيات، مع ترجمتها إلى الفارسية، ثم يشرع في تفسير الآيات على ما هو المأثور، وترجمة الأحاديث بالفارسية، ثم تفسيرها بالعربية. وينقل غالباً عن تفسيري العياشي والبيضاوي، وينقل عن كتب الاحتجاج للطبرسي، وتمام تفسير الإمام العسكري، وتمام تفسير القمي ... إلخ.
و (مختصر تفسير الأئمة).
لمؤلف الأصل، وهو فارسي محض، في ست مجلدات.
(١٩) (تفسير أبي الجارود):
قال: اسمه زياد بن منذر، المتوفي سنة (١٥٠)، وتنسب إليه الزيدية الجارودية، ويروي تفسيره عن الإمام الباقر أيام استقامته.
قلت: يقصد قبل أن يصبح زيدياً، ولعل الصواب: أيام ضلاله البعيد، والإمام الباقر ﵁ بريء مما في هذا التفسير؛ فالقمي أخرجه في تفسيره الذي تحدثنا عنه بالتفصيل.
(٢٠) (تفسير الحافظ محمد بن مؤمن النيسابوري):
ذكر المؤلف أنه استخرج تفسيره من اثني عشر تفسيراً
قال صاحب (الذريعة): ويأتي كتاب: (نزول القرآن في شأن علي) للشيخ محمد بن مؤمن الشيرازي، والظاهر أنه هو الحافظ المذكور.
(٢١) تفسير (المصابيح بما نزل من القرآن في أهل البيت):
لأبي العباس أحمد بن الحسن الإسفرائيني.
(٢٢) تفسير المنشي:
стр. 2389
قال: لعله للأمير محمد رضا الحسيني منشي الممالك، المعاصر للشيخ الحر، والساكن بأصفهان حين تأليف " الأمل " سنة (١٠٩٧)، وصفه فيه بأنه كبير أكثر من ثلاثين مجلداً، عربي وفارسي، جمع فيه الأحاديث وترجمتها، ويظهر من بعض هذه الخصوصيات أنه غير تفسير الأئمة السابق ذكره، وإن شاركه في بعضها.
(٢٣) تفسير النعماني:
قال: هو أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر، تلميذ ثقة الإسلام الكليني. جعل مقدمة تفسيره روايات رواها بإسناده إلى الإمام الصادق، وهي التي دونت مفردة مع خطبة مختصرة وتسمى بـ " المحكم والمتشابه "، طبعت في إيران، وقد أوردها بتمامها العلامة المجلسي في مجلد القرآن من البحار.
قلت: الكليني، الذي يراه الشيعة ثقة الإسلام، بينت مدى ضلاله وافترائه في الجزء الثالث، وهو تلميذ القمي الذي سبق الحديث عن تفسيره، ويأتي النعماني ليكمل سلسلة الضلال، وعلامتهم المجلسي تحدثنا عنه في هذه الدراسة من قبل، ويبقى تقديرنا وإجلالنا للعالم العابد المجتهد الإمام الصادق، المبرأ مما نسبه إليه هؤلاء الضالون.
(٢٤) تفسير ميرزا هادي:
قال: ابن السيد علي، من أحفاد مير كلان الهروي البجستاني الخراساني الحائري المعاصر، وهو تكميل لتفسير علي بن إبراهيم القمي بإيراد الأحاديث المروية، من طرق العامة - أي غير فرقته - المطابقة لروايات الأئمة المذكورة في تفسير القمي.
قلت: وأي روايات تطابق ما جاء في تفسير هذا الضال ما لم تكن من الروايات الموضوعة؟
(٢٥) تفسير آية وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:١٢٤]
قال: للمولى محمد رفيع الكيلاني، المتوفي بها سنة (١١٦١)، وتفسيره هذا جزء لطيف في الإمامة، وإثبات عصمة الإمام.
قلت: ذكرت أقوالهم في هذه الآية الكريمة، وبينت بطلان ما ذهبوا إليه في الجزء السابق، وبينت أن العصمة التي جعلوها لأئمتهم لم يصل إليها خير البشر وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
(٢٦) تفسير آية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل عمران:٦٩]
لميرزا محمد التنكابني، قال في قصصه إنه يقرب من ألف بيت.
قلت: قد يبدو عجيباً أن نورد هذا الكتاب في هذا الموضع، فما علاقة الإمامة بالحديث عن بيت الله الحرام بمكة المكرمة ـ زاده الله تعظيماً وتشريفاً؟!
ولكني وجدتهم يقولون هنا: " وفيه بيان تأويله بكربلاء "!
فذكرني هذا بقول شاعر هؤلاء القوم الذي ذكره صاحب كتاب (الأرض والتربة الحسينية):
ومن حديث كربلا والكعبة ... بان لكربلا علو الرتبة
ولنا أن نسأل: أفيكون التقريب وداره بالقاهرة لنؤمن بهذا الكفر الصراح؟ أم يجب أن يكون في طهران لتنقية عقيدتهم حتى يكونوا مثلنا؟
(٢٧) تفسير آية التطهير إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:٣٣]
ذكر صاحب (الذريعة) أربعة كتب بهذا العنوان، أحدها فارسي. وقولهم في هذه الآية الكريمة ناقشته بتوسع في الجزء السابق.
(٢٨) تفسير آية وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [الليل:١٧]
ذكر صاحب (الذريعة) كتابين بهذا العنوان.
قلت: الذي دفعهم للكتابة هو ما روي أن الآية الكريمة وما بعدها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كما روى البزار عن ابن الزبير، والحاكم عن الزبير، وابن أبي حاتم عن عروة. وخير البشر بعد رسول الله ﷺ كما ثبت بالتواتر عن علي نفسه ﵄ يعتبر في نظر هؤلاء القوم مغتصباً للخلافة، ولذلك جعلوه تحت الآيات التي تتحدث عن الكفار والمنافقين، والجبت والطاغوت، وأرادوا أن يبعدوا عنه هذه الآيات الكريمة من سورة الليل.
(٢٩) تفسير آية الكرسي:
لعطاء الله بن محمود الحسيني.
стр. 2390
قلت: لا يبدو أي نوع من الربط بين آية الكرسي التي يتحدث فيها رب العزة عن نفسه، وبين الإمامة، غير أنني وجدت في الذريعة القول بأن في هذا التفسير دلالة على تشيع المؤلف، وقوة فهمه، وكثرة علمه، وأنه لا يبعد أن يكون من علماء الدولة الصفوية. ورأينا من قبل أن بعض هؤلاء رفع الأئمة لمرتبة الألوهية، كما أننا نعرف ما أصاب الإسلام على يد الدولة الصفوية الشيعية.
(٣٠) تفسير آية كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:١١٠]
لحسين بن دلدار علي.
قلت: مر من قبل تحريفهم لهذه الآية الكريمة، حيث ذكروا أنها نزلت هكذا " كنتم خير أئمة ... "، وجعلوها لأئمتهم.
هذه بعض كتب التفسير التي ذكرها صاحب (الذريعة) في الهمزة تحت كلمة " آيات "، وفي التاء تحت كلمتي " تأويل " و " تفسير ". ونجد غير هذه الكتب في مواضع أخرى، فمثلاً نراه يقول في (٤/ ٣١٨): (تفسير نور الأنوار ومصباح الأسرار)، و (نور التوفيق)، و (نور الثقلين)، كلها تأتي - أي تأتي في النون. ويقول في الجزء نفسه ص: (٢٦٨): (تفسير تنزيل الآيات الباهرة)، وكذا " التنزيل " متعددا، و " التنزيل في أمير المؤمنين "، و " التنزيل من القرآن "، و " التنزيل والتعبير "، يأتي الجميع بعنوان: " التنزيل ".
وقال في الجزء الثالث بعد الحديث عن " تأويل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة ":
قد ذكرنا في الجزء الأول آيات الأئمة، وآيات الفضائل، والآيات النازلة في فضائل العترة الطاهرة، وآيات الولاية، وغيرها. ويأتي في حرف الميم ما يقرب من عشرين كتاباً من تأليفات قدماء المحدثين، بعنوان (ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين) أو في أهل البيت، أو في الحجة، أو في الخمسة وغيرها، وكل واحد من هذه الكتب يصح أن يعد من كتب الحديث، لأنه دون فيه نوع خاص من الأحاديث، أي خصوص ما روي عنهم ﵈ في بيان الآيات التي نزلت في فضائل أهل البيت ﵈ ومناقبهم، ويصح أن يعد من كتب التفسير: لأنه يذكر فيه تفسير تلك الآيات وتأويلها، وشرحها، وبيان المراد منها، ولا سيما مع ترتيب تلك الآيات في أكثر هذه الكتب على ترتيب سور القرآن, من سورة فاتحة الكتاب إلى سورة الناس كما هو الترتيب في كتب التفاسير. والداعي إلى إفراد القدماء والمتأخرين هذا النوع من الأحاديث واستقلالها بالتأليف هو تخصيص النصف أو الثلث أو الربع من الآيات الشريفة التي وردت أخبار كثيرة على اختلافها في التعبير بأنها نزلت في أهل البيت ﵈ وشيعتهم ومواليهم وأعدائهم، وقد أورد الفيض بعضها بالمقدمة الثالثة في أول الصافي، وذكر وجه عدم التنافي بينها، ودون كل منهم ما وصل إليه من هذا النوع من الحديث ليعرف الناس تفاصيلها.
قلت: سبق الحديث عن كتاب (الصافي) وبيان ما وصل إليه من ضلال وتضليل. وما يقوله صاحب (الذريعة) هنا يؤكد ما قلته عن صاحب (تفسير الصافي) وأمثاله من غلاة الشيعة الاثني عشرية. ومن يقرأ الذريعة يلحق مؤلفها بهؤلاء الغلاة الضالين، وقوله آنفاً خير شاهد.
وبعد كل ما سبق أعتقد أن معالم التفسير الشيعي الاثني عشري قد اتضحت إلى حد كبير، فدراستنا لستة عشر كتاباً من القرن الثالث إلى العصر الحديث بينت اتجاهات التفسير خلال هذه القرون. ونظرتنا إلى ثلاثين كتاباً مما جاء في كتاب (الذريعة)، جعلت الصورة أكثر وضوحاً، وهذه الكتب منها ما كان في النصف الأول من القرن الثاني، وهو (تفسير أبي الجارود)، ومنها ما هو في العصر الحديث. وتفسير أبي الجارود الذي نقله القمي يشير إلى أن حركة التشكيك والتضليل بدأت مع بداية عصر التدوين، والتفاسير الحديثة الكثيرة تشير إلى استمرار هذه الحركة الضالة، وعدم توقفها.
وإلى جانب الثلاثين كتاباً، ذكرت إشارة صاحب (الذريعة) لعشرين كتاباً في موضع واحد، وتعليقه على ما جاء بها، وهذا يدل على ضخامة هذه الحركة الضالة، وربما يعطي السمة الغالبة للتفسير الشيعي، نسأل الله تعالى الهداية والرشاد.
المصدر: مع الشيعة الاثني عشرية في الأصول والفروع لعلي السالوس - ص٥٩٤
стр. 2391
الفصل الثالث عشر: الشيعة ومخالفتهم أهل البيت
إن الشيعة حاولوا خداع الناس بأنهم موالون لأهل بيت النبي ﷺ ، وأنهم أقرب الناس إلى الصحة والصواب من بين طوائف المسلمين، وأفضلهم وأهداهم لتمسكهم بأقارب النبي ﷺ وذويه، وإن المتمسكين بأقوالهم، والعاملين بهديهم، والسالكين مسلكهم، والمتتبعين آثارهم وتعاليمهم هم وحدهم لا غيرهم.
ولقد فصلنا القول فيما قبل أن القوم لا يقصدون من أهل البيت أهل بيت النبوة، وأنهم لا يوالونهم ولا يحبونهم، بل يريدون ويقصدون من وراء ذلك علياً ﵁ وأولاده المخصوصين المعدودين.
ونريد أن نثبت في هذا الباب أن الشيعة لا يقصدون في قولهم إطاعة أهل البيت واتباعهم لا أهل بيت النبي ﷺ ولا أهل بيت علي ﵁ فإنهم لا يهتدون بهديهم. ولا يقتدون برأيهم، ولا ينهجون منهجهم، ولا يسلكون مسلكهم، ولا يتبعون أقوالهم وآراءهم، ولا يطيعونهم في أوامرهم وتعليماتهم بل عكس ذلك, يعارضونهم ويخالفونهم مجاهرين معلنين قولاً وعملاً، ويخالفون آراءهم وصنيعهم مخالفة صريحة. وخاصة في خلفاء النبي الراشدين، وأزواجه الطاهرات المطهرات، وأصحابه البررة، حملة هذا الدين ومبلغين رسالته إلى الآفاق والنفس، وناشرين دين الله، ورافعين راية الله، ومعلنين كلمته، ومجاهدين في سبيله حق جهاده، ومقدمين مضحين كل غال وثمين في رضاه، راجين رحمته، خائفين عذابه، قوامين بالليل، صوامين بالنهار الذين ذكرهم الله في كتابه المحكم: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:٤٢].
ذكرهم فيه جل وعلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:١٦].
وقال ﵎: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:١٩١].
وقال وهو أصدق القائلين حيث يصف أصحاب رسوله المصطفى ﷺ : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:٢٩].
وقال سبحانه، ما أعظم شأنه، في شركاء غزوة تبوك: لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١١٧].
كما قال في الذين شاركوه في غزوة الحديبية: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح: ١٨ - ١٩].
стр. 2392
وقال: فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:١٩٥]
وشهد بإيمانهم الحقيقي الثابت بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٧٤] وذكر السابقين من الأصحاب المهاجرين منهم والأنصار: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:١٠٠]
كما ذكر المهاجرين والأنصار عامة وضمن لهم الفلاح والنجاح بقوله: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:٨ - ٩]
ويذكر جل مجده المؤمنين المنفقين قبل الفتح - أي فتح مكة - وبعده مثنياً عليهم مادحاً فيهم: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد:١٠]
ثم يقرن ذكر الأصحاب مع نبيه وصفيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بدون فاصل حيث يذكرهم جميعاً معاً في قوله عز من قائل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:٦٨]
وأيضاً في قوله: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [المائدة:٥٥] وأيضاً: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥]
وأيضاً: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ [التوبة:٨٨]
وقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون:٨]
وأيضاً: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ [الفتح:١٢] وقال: فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:٢٦] يذكر الله المؤمنين من أمة محمد وعلى رأسهم أصحاب النبي ﵇ المؤمنين الأولين الحقيقيين قارناً ذكرهم بذكر النبي ﷺ .
وقال : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠]
стр. 2393
كما ذكر الله خروج نبيه من مكة وهجرته منها مع ذكر خروج أصحابه وهجرتهم حيث قال: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:١] , كما ذكر صديقه ورفيقه في الغار: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ [التوبة:٤٠] , ويقول في أزواجه المطهرات: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:٦] , ويقول: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء [الأحزاب:٣٢]
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة.
فلنرى الشيعة الزاعمين اتباع أهل البيت، المدّعين موالاتهم وحبهم، ونرى أئمتهم المعصومين - حسب قولهم - آل البيت ماذا يقولون في أصحاب رسول الله ﷺ ، وماذا يعتقدون فيهم؟
وهل أهل بيت النبي يبغضون أصحاب نبيهم، ويشتمونهم، بل ويكفرونهم، ويلعنونهم كما يلعنهم هؤلاء المتزعمون؟ أم يوالونهم، ويتواددون إليهم، ويتعاطفونهم ويساعدونهم في مشاكلهم، ويشاورونهم في أمورهم، ويقاسمونهم همومهم وآلامهم، ويشاركونهم في دينهم ودنياهم، ويشاطرونهم الحكم والحكومة، ويبايعونهم على إمرتهم وسلطانهم، ويجاهدون تحت رايتهم، ويأخذون من الغنائم التي تحصل من طريقهم، ويتصاهرون معهم، يتزوجون منهم ويزوجونهم منهم، يسمون أبناءهم بأسمائهم، يذاكرونهم في مجالسهم، ويرجعون إليهم في مسائلهم، ويذكرون فضائلهم ومحامدهم، ويقرّون بفضل أهل الفضل منهم، وعلم أهل العلم، وتقوى المتقين، وطهارة العامة وزهدهم.
نسرد هذا كله وقد عاهدنا أن لا نرجع إلا إلى كتب القوم أنفسهم لعل الحق يظهر، والصدق يجلو، والباطل يكبو، والكذب يخبو، اللهم إلا نادراً نذكر شيئاً تأييداً واستشهاداً، لا أصلاً، ولا استدلالاً، ولا استقلالاً، ولا يكون إلزام الخصم إلا من كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، ومن أفواه أناس يزعمونهم أئمتهم، وهم منهم براء وقد قيل قديماً: إن السحر ما يقرّبه المسحور. والحق ما يشهد به المنكر، وما نريد من وراء ذلك إلا الإظهار بأن أئمة الحق وأهل البيت ليسوا مع القوم في القليل ولا في الكثير، ولعل الله يهدي به أناساً اغتروا بحب أهل البيت حيث ظنوا أن معتقدات الشيعة وضعها أئمة أهل البيت، وأسسوا قواعدها، ورسخوا أصولها، فهم يحبونهم، ويبغضون أعداءهم - حسب زعمهم - الذين غصبوا حقهم وحرموهم من ميراث النبي، وظلموهم.
ويتبين إن شاء الله علاقة الشيعية الحقيقية بآل البيت وعلاقتهم معهم.
فها هو علي بن أبي طالب ﵁ الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عندهم، وسيد أهل البيت - يذكر أصحاب النبي عامة، ويمدحهم، ويثني عليهم ثناء عاطراً بقوله: لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ ، فما أرى أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب" (نهج البلاغة) (ص١٤٣) دار الكتاب بيروت ١٣٨٧هـ بتحقيق صبحي صالح، ومثل ذلك ورد في (الإرشاد) ص١٢٦).
стр. 2394
وهذا هو سيد أهل البيت يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم على أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازناً بينهم وبين صحابة رسول الله: ولقد كنا مع رسول الله ﷺ ، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما: أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوئا أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً" (نهج البلاغة) بتحقيق صبحي صالح (ص٩١، ٩٢) ط بيروت).
ويذكرهم أيضاً مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتى، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم" (نهج البلاغة) بتحقيق صبحي صالح (ص١٧٧، ١٧٨).
ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة" (نهج البلاغة) (ص٣٨٣) بتحقيق صبحي صالح).
ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان ﵄ فيقول: فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم (نهج البلاغة) (ص٣٨٣) بتحقيق صبحي صالح).
وأيضاً: "وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء" (نهج البلاغة) (ص٣٨٣) بتحقيق صبحي صالح).
كما مدح الأنصار من أصحاب محمد ﵇ بقوله: هم والله ربوا الإسلام كما يربي الفلو مع غنائهم، بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط" (نهج البلاغة) (ص٥٥٧) تحقيق صبحي صالح).
стр. 2395
ومدحهم مدحاً بالغاً موازناً أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: أما بعد! أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ﷺ أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدها، وما هما بأقدم العرب ميلاداً، ولا بأكثرهم عدداً، فلما آووا النبي ﷺ وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل (وأقاموا) قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتى دانت لرسول الله ﷺ العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب". (الغارات) (٢/ ٤٧٩، ٤٨٠).
وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار حسب قول الشيعة "اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم، وفي سهمكم رسول الله ﷺ " (تفسير منهج الصادقين) (٤/ ٢٤٠) أيضاً (كشف الغمة) (١/ ٢٢٤).
وكذلك "قال النبي ﷺ : ((الأنصار كرشي وعيني، ولو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار)) (تفسير منهج الصادقين) (٤/ ٢٤٠) أيضاً (كشف الغمة) (١/ ٢٢٤).
ويروي المجلسي وهو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، ولد سنة ١٠٣٧هـ، ومات سنة ١١١٠هـ، من ألد أعداء السنة وخصومهم، ولم ير مثله في الشيعة المتأخرين سليط اللسان، بذياً، فاحشاً، لا يتكلم بكلمة إلا ويتدفق الفحش والهجاء من كلامه، يسمونه "خاتمة المجتهدين" و"إمام الأئمة في المتأخرين"، يقول القمي: المجلسي إذا أطلق فهو شيخ الإسلام والمسلمين، مروج المذهب والدين، الإمام، العلامة، المحقق، المدقق ... لم يوفق أحد في الإسلام مثل ما وفق هذا الشيخ العزم وأمير الخضم والطود الأشم من ترويج المذهب، وإعلاء كلمة الحق، وكسر صولة المبتدعين، وقمع زخارف الملحدين، وإحياء دارس سنن الدين المبين، ونشر آثار أئمة المسلمين بطرق عديدة وأنحاء مختلفة أجلها وأبقاها الرائقة الأنيقة الكثيرة" (الكنى والألقاب) (٣/ ١٢١).
وقال الخوانساري: هذا الشيخ كان إماماً في وقته في علم الحديث وسائر العلوم، وشيخ الإسلام بدار السلطنة أصفهان، رئيساً فيها بالرياسة الدينية والدنيوية، إماماً في الجمعة والجامعة ... ولشيخنا المذكور مصنفات منها كتاب (بحار الأنوار) الذي جمع فيه جميع العلوم وهو يشتمل على مجلدات، وكتب كثيرة في العربية والفارسية" (روضات الجنات) (٢/ ٧٨) وما بعد) عن الطوسي رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: أوصيكم في أصحاب رسول الله ﷺ ، لا تسبوهم، فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله ﷺ في هؤلاء" (حياة القلوب) للمجلسي" (٢/ ٦٢١).
стр. 2396
ويمدح المهاجرين والأنصار معاً حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم، لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ﵄ رداً عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين، فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إماماً لا غير، فها هو علي بن أبي طالب ﵁ يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها على أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم.
"إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبي قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (نهج البلاغة) (٣/ ٧) ط بيروت تحقيق محمد عبده و (ص٣٦٧) تحقيق صبحي).
فماذا موقف الشيعة من علي بن أبي طالب ﵁ ومن كلامه هذا حيث يجعل:
أولاً: الشورى بين المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي ﷺ وبيدهم الحل والعقد رغم أنوف القوم.
ثانياً: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته إياهم.
ثالثاً: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم ورضاهم (وقد حل الإشكال من هذا أيضاً بأن الإمامة والخلافة في الإسلام لا تنعقد إلا بالشورى والانتخاب، لا بالتعيين والوصية والتنصيص كما يزعمه الشيعة مخالفين نصوص أئمتهم ومعصوميهم حسب زعمهم).
رابعاً: لا يرد قولهم ولا يخرج من حكمهم (أي الصحابة) إلا المبتدع أو الباغي، والمتبع والسالك غير سبيل المؤمنين.
خامساً: يقاتل مخالف الصحابة، ويحكم السيف فيه.
سادساً: وفوق ذلك يعاقب عند الله لمخالفته رفاق رسول الله ﷺ وأحبائه، المهاجرين منهم والأنصار رضي الله عنهم ورضوا عنه وأولاد عليّ على شاكلته.
فها هو علي بن الحسين الملقب بزين العابدين - الإمام المعصوم الرابع عند القوم - وسيد أهل البيت في زمانه يذكر أصحاب محمد ﵊، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقله، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم" (صحيفة كاملة لزين العابدين (ص١٣) ط مطبعة طبي كلكته الهند ١٢٤٨هـ).
стр. 2397
وواحد من أبنائه حسن بن علي المعروف بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر عند القوم - يقول في تفسيره: إن كليم الله موسى سأل ربه هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى! أما علمت أن فضل صحابة محمد ﷺ على جميع صحابة المرسلين كفضل محمد ﷺ على جميع المرسلين والنبيين" (تفسير الحسن العسكري) (ص٦٥) ط الهند، وأيضاً (البرهان) (٣/ ٢٢٨) واللفظ له).
وكتب بعد ذلك في تفسير الحسن العسكري "إن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم يعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين" (تفسير الحسن العسكري) (ص١٩٦).
ولأجل ذلك قال جده الأكبر علي بن موسى الملقب بالرضا - الإمام الثامن عند الشيعة - حينما سئل "عن قول النبي ﷺ : أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهديتم (وينبغي الانتباه أننا ننقل هذه الرواية من الشيعة أنفسهم، فالرواية روايتهم وهي حجة عليهم).
وعن قوله ﵇: دعوا لي أصحابي:؟ فقال ﵇: هذا صحيح" (نص ما ذكره الرضا نقلاً عن كتاب (عيون أخبار الرضا) لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق تحت قول النبي: أصحابي كالنجوم (٢/ ٨٧).
هذا ونقل ما قاله ابن عم النبي ﷺ وابن عم علي ﵁ عبد الله بن عباس - فقيه أهل البيت وعامل علي ﵁ أنه قال في حق الصحابة: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماءه خص نبيه محمداً ﷺ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:٢٩]، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها" (مروج الذهب) (٣/ ٥٢، ٥٣) دار الأندلس بيروت).
ويروي ابن علي بن زين العابدين محمد الباقر رواية تنفي النفاق من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتثبت لهم الإيمان ومحبة الله كما أوردها العياشي والبحراني (هو هاشم بن سليمان بن إسماعيل، ولد في قرية من القرى "التوبلي" في منتصف القرن الحادي عشر ومات في السنة ١١٠٧هـ.
قال فيه الخوانساري "فاضل عالم ماهر مدق فقيه عارف بالتفسير والعربية والرجال، وكان محدثاً فاضلاً، جامعاً متتبعاً للأخبار بما لم يسبق إليه السابق سوى شيخنا المجلسي، ومن مصنفاته (البرهان في تفسير القرآن) (روضات الجنات) (٨/ ١٨١) أيضاً أعيان الشيعة") في تفسيريهما تحت قول الله : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]
стр. 2398
عن سلام قال: كنت عند أبي جعفر، فدخل عليه حمران بن أعين، فسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر ﵇: أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا، وتسلوا أنفسنا عن الدنيا، وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟ قال: فقال أبو جعفر ﵇: إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم قال أبو جعفر: أما إن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا روعنا، ووجلنا، نسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل والمال، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : كلا، هذا من خطوات الشيطان. ليرغبنكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون، فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا، ثم يستغفروا، فيغفر الله لهم، إن المؤمن مفتن تواب، أما تسمع لقوله: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة:٢٢٢] وقال: اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ [هود:] ٥٢ (تفسير العياشي) (١ ص١٠٩، و "البرهان" ج١ ص٢١٥).
وأما ابن الباقر جعفر الملقب بالصادق يقول: كان أصحاب رسول الله ﷺ اثني عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير" كتاب (الخصال) للقمي (ص٦٤٠) ط مكتبة الصدوق طهران).
هذا ولقد روي علي بن موسى الرضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله تعالى" (عيون أخبار الرضا) لابن بابويه القمي (١/ ١١٥).
ورسول الله ﷺ الصادق الأمين وسيد الخلائق نفسه يشهد لأصحابه بالسعادة والجنة حيث يقول، ويرويه القمي (هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه القمي الملقب بالصدوق، من مواليد أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتوفي سنة (٣٨١) من الهجرة، ونشأ بقم، وقبر بالري، هو من كبار القوم ومحدثيهم، وكتابه (من لا يحضر الفقيه) أحد الكتب الأربعة التي تعد من أهم الكتب وأصحها في الحديث عند الشيعة، كما أن له مصنفات عديدة أخرى، وهو من المكثرين، كما أن كتبه عمدة لمذهب الشيعة، يقول الشيعة فيه: لم ير في القميين مثله في حفظه وكثرة علمه" (أعيان الشيعة) (١/ ١٠٤) و (الخلاصة) للحلي).
كما يقولون: ولد هو وأخوه بدعوة صاحب الأمر علي يد السفر الحسين بن الروح، فإنه كان الواسطة بينه وبين ابن البابويه" (روضات الجنات) للخوانساري (٦/ ١٣٦).
قال فيه المجلسي: وثقه جميع الأصحاب لما حكموا بصحة جميع أخبار كتابه يعني صحة جميع ما قد صح عنه من غير تأمل، بل هو ركن من أركان الدين" (نقلاً عن الخوانساري (٢/ ١٣٢) محدث القوم وإمامهم والملقب بالصدوق في كتابه الذي طبعته الشيعة أنفسهم "عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : طوبى لمن رآنى وآمن بي" كتاب ا (لخصال) لابن بابويه (٢/ ٣٤٢).
وروى الميري القمي (هو أبو العباس عبد الله بن جعفر بن الحسن الحميري القمي.
"شيخ القميين ووجههم، ثقة من أصحاب محمد العسكري، قدم الكوفة سنة نيف وتسعين ومائتين، وسمع أهلها منه، فأكثروا، وصنف كتباً كثيرة منها كتاب (قرب الإسناد) (الكنى والألقاب) (٢/ ١٧٧).
"وهو من أساتذة الكليني، قد روي عنه في الكافي روايات عديدة، وله مكاتبات مع أبي الحسن، كما أنه كاتب مع أبي محمد"- من أئمة الشيعة المزعومين – (مقدمة قرب الإسناد ص٢) مثل هذه الرواية عن جعفر بن باقر عن أبيه "أن النبي ﷺ قال: من زارني حياً وميتاً كنت له شفيعاً يوم القيامة" " (قرب الإسناد) (ص٣١) ط طهران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص ٣٠
стр. 2399
الفصل الرابع عشر: موقف الشيعة من الصحابة
... وأما الشيعة الذين يزعمون أنهم أتباع أهل البيت والمحبون الموالون لهم، فإنهم يرون رأيا ... محترقين على جهادهم المستمر، ومنتقمين على فتوحاتهم الجبارة الكثيرة التي أرغمت أنوف أسلافهم، وكسرت شوكة ماضيهم ومزقت جموع أحزابهم، ودمرت ديارهم وأوكار كفرهم، الصحابة الذين أذلوا الشرك والمشركين، وهدموا الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها ويعتكفون عليها، أزالوا ملكهم وسلطانهم، وخربوا قصورهم وحصونهم ومنازلهم، وأنزلوا فيها الفناء، وأعلوا عليها راية التوحيد وعلم الإسلام شامخاً مترفرفاً، فاجتمع أبناء المجوس واليهود، وأبناء البائدين الهالكين الذين أرادوا سد هذا النور النير، والوقوف في سبيل وطريق هذا السيل العرم، اجتمعوا ناقمين، حاقدين، حاسدين، محترقين، واقتنعوا بقناع الحب لآل البيت - وآل البيت منهم براء - وسلّوا سيوف أقلامهم وألسنتهم ضد أولئك المجاهدين المحسنين، رفاق رسول الله ﷺ وأصحابه المشغوفين بحبه، والمفعمين بولائه، والمميتين في إطاعته واتباعه، والراهنين كل ثمين ونفيس في سبيله، والمضحين بأدنى إشاراته الآباء والأولاد والمهج، المقتفين آثاره، المتتبعين خطواته، السالكين منهجه، الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.
فقال قائلهم: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ غير أربعة".كتاب (سليم بن قيس العامرى) (ص ٩٢) ط دار الفنون بيروت). (والغريب أن أبناء اليهودية الأثيمة يطيعون مثل هذه الكتب الخبيثة المليئة من العيب والشتم لأهل خير القرون وخير الأمة، ثم يتضوغون عن الكتب التي كتبت رداً عليهم مثل كتاب (الشيعة والسنة) للمؤلف لتبيين مذهبهم، وإظهار ما يكنونه في صدورهم تجاه الأمة المرحومة ومحسنيها، ويقولون: إنه لا ينبغي كتابة مثل هذه الكتب وطبعها ونشرها في زمان، المسلمون أحوج ما يكون إلى الاتحاد والاتفاق، ونحن لا ندري أي اتحاد ووفاق يريدون؟
نحن لا نسب القوم ولا نشتم قادتهم، بل كل ما نعمل نبدي للرأي العام ما عمله القوم الأمس وما يعملونه اليوم. فمن أي شيء يخافون؟
ثم ولم نفهم من بعض من يسمي نفسه متنوراً، واسع الأفق، فسيح القلب، وسيع الظرف، محباً للتقريب والوفاق من أهل السنة، البلهاء أو المغترين، لا نفهم منهم حينما يعترضون علينا بأننا لم نقم بإحقاق الحق وإبطال الباطل؟ ولم ندافع عن أولئك القوم الذين لو ما كانوا كنا عباد البقر أو النجوم أو اللات والمناة والعزى والثالث، أو الحجر والشجر، ولو ما رفعوا راية الإسلام، وحملوا لواء التوحيد ما عرفنا ربنا ونبينا وقائدنا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وما علمنا ماذا أنزله الرحمن على عبده وحبيبه، وما تركه المصطفى من سنته وحكمته، وما عرفنا القرآن الذي أنزله نوراً وهدى ورحمة للعالمين.
نعم: يقلق مضاجع هؤلاء المتنورين هذا، ولا يفجعون عن كتاب (سليم بن قيس العامري) الذي قال فيه جعفرهم – نعم جعفرهم، لا الجعفر الصادق الذي نعرفه ونعلمه – قال: من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب (سليم بن قيس العامري) فليس عنده من أمرنا شيء, وهو سر من أسرار محمد ﷺ ،- الكتاب الذي لم نجد صفحة من صفحاته، ولا ورقة من أوراقه إلا وهي مليئة بأقذر الشتائم وأخبث السباب، وكتاب سليم ومثله كتب للقوم لا تعد ولا تحصى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فنقول لهؤلاء القوم عديمي الغيرة، وفاقدي الحمية: فليهنأ لكم التنور، وليهنأ لكم التوسع، فأما نحن فلن ولن نتحمل هذا، ولن ولن نسكت عن ذلك إن شاء الله ما دامت العروق يجري فيها الدم، وما دام الروح في الجسد واللسان يتكلم). هذا ومثل هذا كثير.
стр. 2400
ولقد تقدم بخاري القوم محمد بن يعقوب الكليني إلى أبعد من ذلك فقال: كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كتاب (الروضة من الكافي) (٨/ ٢٤٥).
ومثل هذا ذكر المجلسي "هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان" (حيات القلوب) للمجلسي فارسي (٢/ ٦٤٠).
ولسائل أن يسأل هؤلاء الأشقياء وأين ذهب أهل بيت النبي بما فيهم عباس عم النبي، وابن عباس ابن عمه، وعقيل أخ لعلي، وحتى علي نفسه، والحسنان سبطا رسول الله؟
ألا تستحيون من الله؟
ثم وأكثر من ذلك قال الكليني في موضع آخر من كتابه: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت (يعني عن أبي بكر) فلم تعتزل بخير (أي لم يكن اختيارهم لاختيار الحق أو ترك الباطل، بل اختاروا باطلاً مكان باطل آخر للحمية والعصبية – كما ذكر المحشي الملعون على هذه الرواية -) جعلوا يبايعون سعداً وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية (كذب وزور – يا كذاب!) يا سعد! أنت المرجأ، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم" كتاب (الروضة من الكافي) (٢/ ٢٩٦).
ومعناه أنه لم يبق ولا واحد، لا أبو ذر ولا سلمان ولا المقداد؟
هذا ويذكر شيعي معاصر عكس ذلك تماماً حيث أن القوم يدعون بأن الصحابة ارتدوا – عياذاً بالله – بعد أن أسلموا، ولكن أحداً من بقايا القوم الناقمين ينكر حتى دخولهم في الإسلام كما يقول وهو يرد علينا بأننا لم ننصف في اتهامنا الشيعة – حسب زعمه – بأنهم يكفرون أصحاب الرسول العظيم ﵇، وفي أثناء الرد يقر ويثبت ما ذكرناه، فانظر إليه كيف يستأسر في حبله نفسه بنفسه "ومع ذلك فإني أقول: إن العرب لم يؤمنوا بمحمد إلا بعد أن قرعت الدعوة الإسلامية أسماعهم (انظر إلى الحقد كيف يتدفق، والبغض كيف يظهر للأمة العربية التي لبّت رسالة الإسلام في باكورة عهدها، وحملتها وأدتها إلى العالم أجمع) أي أن محمد ﷺ دعاهم أولاً للإسلام فآمن من آمن .. ومنهم من تأخر عن ذلك، ومنهم من ماطل كثيراً، ومنهم من دخل في الإسلام نفاقاً، ومنهم من دخل خوفاً ورهباً بعد أن ضاقت عليه الأرض، ولم يدخل في الإسلام أحد بدلالة عقله إلا شخصية واحدة (وحتى خرّجوا علياً وأهل بيت النبي حيث لم يذكروا فيمن ذكر إلا سلمان) خرجت من بلادها طلباً للحقيقة، ولاقت صعوبات وأخطاراً حتى ظفرت بالحقيقة عند محمد (يعني سلمان) فآمنت به" كتاب (الشيعة والسنة في الميزان) (ص٢٠، ٢١) لمؤلف مجهول المقنع بقناع س – خ ط بيروت – أي الكتاب الذي حاول مجهوله عبثاً الرد على كتابنا (الشيعة والسنة) حيث لم يستطع في الكتاب كله تغليط عبارة واحدة أو مصدر واحد من العبارات أو المصادر التي ذكرناها في الكتاب، ولا مسألة واحدة، أو نتيجة من النتائج التي استنتجناها في كتابنا كله، ولله الحمد والمنة على ذلك التوفيق الصائب والشرف الذي أولانا الله للدفاع عن حرمات النبي، ومقدسات الإسلام، ومحبي الملة الحنيفية البيضاء، اللهم ألهمنا الرشد والسداد، واجعلنا من الذين يعرفون القول ويتبعون أحسنه، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر:١٠]).
ويكتب القمي تحت تفسير قوله تعالى: وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة:٧١] نزل كتاب الله يخبر أصحاب الرسول ﷺ فقال: وحسبوا أن لا تكون فتنة أي لا يكون اختبار، ولا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين ﵇ فعموا وصموا قال حيث كان رسول الله ﷺ بين أظهرهم ثم عموا وصموا حين قبض رسول الله ﷺ ، وأقام أمير المؤمنين ﵇ عليهم فعموا وصموا فيه حتى الساعة" (تفسير القمي) لعلي بن إبراهيم (١/ ١٧٥، ١٧٦) ط مطبعة النجف ١٣٨٦هـ).
هذا ومثل هذا كثير (انظر لذلك كتابنا (الشيعة والسنة).
فهذا هو موقف الشيعة من الصحابة، وذلك هو موقف أهل البيت منهم.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٤٤
стр. 2401
المطلب الأول: موقف علي بن أبي طالب ﵁ من الصديق
هذا ونريد بعد ذلك أن نبّين موقف أهل البيت من ثاني اثنين إذ هما في الغار، من الصديق الأكبر ﵁، فيقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبي طالب ﵁ وهو يذكر بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ عند انثيال (انثيال الناس أي انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب كما قاله ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة) الناس على أبي بكر، وإجفالهم (الإجفال الإسراع) إليه ليبايعوه: فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت "كلمة الله هي العليا" ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله (فيه) جاهداً" (الغارات) (١/ ٣٠٧) تحت عنوان "رسالة علي ﵇ إلى أصحابه بعد مقتل محمد بن أبي بكر").
ويذكر في رسالة أخرى أرسلها إلى أهل مصر مع عامله الذي استعمله عليها قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد! فإن الله بحسن صنعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده (و) خص من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم الله به هذه الأمة وخصهم (به) من الفضيلة أن بعث محمداً ﷺ – (إليهم) فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأدّبهم لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما (لا) يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله (إليه فعليه) صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه إنه حميد مجيد. ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا امرأين منهم صالحين عملاً بالكتاب وأحسنا السيرة ولم يتعديا السنة ثم توفاهما الله فرحمهما الله" (الغارات) (١/ ٢١٠) ومثله باختلاف يسير في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد، و (ناسخ التواريخ) (ج٣ كتاب٢ ص٢٤١) ط إيران، و (مجمع البحار) للمجلسي.
ويقول أيضاً وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: فاختار المسلمون بعده (أي النبي ﷺ رجلاً منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعة على خوف وجد" (شرح نهج البلاغة) للميثم البحراني (ص٤٠٠).
ولم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإماماً لهم؟ يجيب عليه المرتضى ﵁ وابن عمة الرسول زبير بن العوام ﵁ بقولهما: وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد الشيعي (١/ ٣٣٢).
ومعنى ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول ﵇.
وعلي بن أبي طالب ﵁ قال هذا القول رداً على أبي سفيان حين حرضه على طلب الخلافة كما ذكر ابن أبي الحديد جاء أبو سفيان إلى علي ﵇، فقال: وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً، فقال علي ﵇: طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئاً، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلاً لما تركناه" (شرح ابن أبي الحديد) (١/ ١٣٠).
стр. 2402
ولقد كررّ هذا القول ومثله مرات كرات، وأثبتته كتب القوم في صدورها وهو أن علياً كان يعدّ الصديق أهلاً للخلافة، وأحق الناس بها، لفضائله الجمة ومناقبه الكثيرة حتى حينما سئل قرب وفاته بعد ما طعنه ابن الملجم من سيكون الإمام والخليفة بعدك؟ فقال كما روي عن أبي وائل والحكيم عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قيل له: ألا توصي؟ قال: ما أوصى رسول الله ﷺ فأوصي، ولكن قال: (أي رسول) إن أراد الله خيراً فيجمعهم على خيرهم بعد نبيهم" (تلخيص الشافي) للطوسي (٢/ ٣٧٢) ط النجف).
وأورد مثل هذه الرواية "علم الهدى" علي بن الحسين بن موسى المشهور بالسيد المرتضى
للشيعة في كتابه (الشافي): عن أمير المؤمنين ﵇ لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصى رسول الله ﷺ فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيراً استجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم" (الشافي) (ص١٧١) ط النجف).
فهذا هو علي بن أبي طالب ﵁ يتمنى لشيعته وأنصاره أن يوفق الله لهم رجلاً خيراً صالحاً كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي ﷺ برجل خير صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه ﷺ بأبي بكر الصديق ﵁ إمام الهدى، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدى به بعد رسول الله ﷺ حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء ﵄ كما رواه السيد مرتضى علم الهدى في كتابه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلاً من قريش جاء إلى أمير المؤمنين ﵇، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدى، وشيخا الإسلام. ورجلا قريش، والمتقدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط المستقيم" (تلخيص الشافي) (٢/ ٤٢٨).
هذا وقد كرر في نفس الكتاب هذا "إن علياً ﵇ قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر"، ولم لا يقول هذا وهو الذي روى "أننا كنا مع النبي ﷺ على جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد" (الاحتجاج) للطبرسي.
فهذا هو رأي علي ﵁ في أبي بكر، نعم! رأي علي الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عند القوم، الذي يدعون فيه أن من أنكر ولايته فقد كفر، كما قالوا: الموالي له ناج، والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك" (فرق الشيعة) للنوبختي" (ص٤١) ط النجف ١٩٥١م، و (تفسير القمي) (ج١ ١٥٦) نجف ط تحت آية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ [النساء:١٣٧])
وقد نقلوا من أئمتهم "أبى الله أن يتولى قوم قوماً يخالفونهم في أعمالهم معهم يوم القيامة، كلا ورب الكعبة" كتاب (الروضة من الكافي) للكليني (٨/ ٢٥٤).
فالمفروض من القوم الذين يدعون موالاة علي وبنيه أن يتبعوه وأولاده في آرائهم ومعتقداتهم في أصحاب النبي ورفقائه، وخاصة في صاحبه في الغار، الذي نقلنا فيه كلام سيد أهل البيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ورأيه وعقيدته التي نقلوها في كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، التي ذكرناها آنفا، وكما نحن ذاكرين آراء بقية أهل البيت فيه إن شاء الله.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٤٨
стр. 2403
المطلب الثاني: موقف ابن عباس من الصديق
إن ابن عباس هو ابن عم الرسول ﷺ ، وابن عم علي، وكان أحد عماله الذي قال فيه الجعفر بن باقر: إن ابن عباس لما مات وأخرج خرج من كفنه طير أبيض يطير، ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم فقال (يعني جعفر) وكان أبي يحبه حباً شديداً" (رجال الكشي) تحت عنوان عبد الله بن عباس (ص٥٥) ط كربلاء).
ويقول عنه المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي من أجلّ مشائخ الشيعة، ورئيسهم وأستاذهم: كان أمير المؤمنين يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن العباس" (الإرشاد) (ص١٤).
فهذا ابن عباس يقول وهو يذكر الصديق: رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيماً، وللقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المنهيات زاجراً، وبالمعروف آمراً. وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً" (ناسخ التواريخ) (ج٥ كتاب٢ ص١٤٣، ١٤٤) ط طهران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٣
стр. 2404
المطلب الثالث: موقف الحسن بن علي ﵄ من الصديق
هذا ويقول ابن أمير المؤمنين عليّ ألا وهو الحسن نعم! الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم، والذي أوجب الله اتباعه على القوم حسب زعمهم - يقول في الصديق، وينسبه إلى رسول الله ﵇ أنه قال: إن أبا بكر مني بمنزلة السمع" (عيون الأخبار) (١/ ٣١٣) أيضاً "كتاب (معاني الأخبار) (ص١١٠) ط إيران).
وكان حسن بن علي ﵄ يوقر أبا بكر وعمر إلى حد حتى جعل من إحدى الشروط على معاوية بن أبي سفيان ﵄ "إنه يعمل ويحكم في الناس بكتاب، وسنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، - وفي النسخة الأخرى - الخلفاء الصالحين" (منتهى الآمال) (ص٢١٢ ج٢) ط إيران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٣
стр. 2405
المطلب الرابع: موقف الإمام الرابع علي بن الحسن بن علي من الصديق
وأما الإمام الرابع للقوم علي بن الحسن بن علي، فقد روي عنه أنه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبروني أنتم الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:٨]؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:٩] قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:١٠]، اخرجوا عني، فعل الله بكم" (كشف الغمة) للأربلي (٢/ ٧٨) ط تبريز إيران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٤
стр. 2406
المطلب الخامس: موقف محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر من الصديق
وأما ابن زين العابدين محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - فسئل عن حلية السيف كما رواه علي بن عيسى الأربلي في كتابه (كشف الغمة): "عن أبي عبد الله الجعفي عن عروة بن عبد الله قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي ﵉ عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولاً في الدنيا والآخرة" (كشف الغمة) (٢/ ١٤٧).
ولم يقل هذا إلا لأن جده رسول الله ﷺ الناطق بالوحي سماه الصديق كما رواه البحراني الشيعي في تفسيره (البرهان) عن علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ﵇، قال: لما كان رسول الله ﷺ في الغار قال لأبي بكر: كأني انظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، وانظر إلى الأنصار محبتين (مخبتين خ) في أفنيتهم، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟ قال: نعم! قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال له رسول الله ﷺ أنت الصديق" (البرهان) (٢/ ١٢٥).
ويروي الطبرسي عن الباقر أنه قال: ولست بمنكر فضل أبي بكر، ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر" (الاحتجاج) للطبرسي (ص٢٣٠) تحت عنوان "احتجاج أبي جعفر بن علي الثاني في الأنواع الشتى من العلوم الدينية" ط مشهد كربلاء).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٤
стр. 2407
المطلب السادس: موقف جعفر بن محمد بن علي من الصديق
ثم ابنه أبو عبد الله جعفر الملقب بالسادس - الإمام المعصوم السادس حسب زعم القوم - سئل عن أبي بكر وعمر كما رواه القاضي نور الله الشوشتري الشيعي الغالي، الذي قتل سنة ١٠١٩ "إن رجلاً سأل عن الإمام الصادق ﵇، فقال: يا ابن رسول الله! ما تقول في حق أبي بكر وعمر؟ فقال ﵇: إمامان عادلان قاسطان، كانا على حق، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة" (إحقاق الحق) للشوشتري (١/ ١٦) ط مصر).
وروى عنه الكليني في الفروع حديثاً طويلاً ذكر فيه "وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإن الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصي بالخمس، وقد جعل الله له الثلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير له أوصى به، ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر ﵄، فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله! أنت في زهدك تصنع هذا، وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غداً؟ فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي بقاء كما خفتم على الفناء، أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت، وأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، وأنزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول الله ﷺ ما قال" كتاب (المعيشة) (الفروع من الكافي) (٥/ ٦٨).
فأثبت أن منزلة الصديق في الزهد من بين الأمة المنزلة الأولى، وبعده يأتي أبو ذر وسلمان.
وروى عنه الأربلي أنه كان يقول: "لقد ولدني أبو بكر مرتين" (كشف الغمة) (٢/ ١٦١).
لأن "أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها (أي أم فروة) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" (فرق الشيعة) للنوبختي (ص٧٨).
ويروي السيد مرتضى في كتابه (الشاف) عن جعفر بن محمد أنه كان يتولاهما، ويأتي القبر فيسلم مع تسليمه على رسول الله ﷺ " كتاب (الشافي) (ص٢٣٨) أيضاً (شرح نهج البلاغة) (٤/ ١٤٠) ط بيروت).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٦
стр. 2408
المطلب السابع: موقف الحسن العسكري
ويطول الكلام وما أروعه وأجمله، ولكن نحن نختصر الطريق، فنأتي إلى الإمام الأخير الموجود عند القوم وهو حسن بن علي الملقب بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم - فيقول وهو يسرد واقعة الهجرة أن رسول الله بعد أن سأل علياً ﵁ عن النوم على فراشه قال لأبي بكر ﵁: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما أطلب، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ما أدعيه فتحمل عني أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أما أنا لو عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد عذاب لا ينزل عليّ موت صريح ولا فرح ميخ وكان ذلك في محبتك لكان ذلك أحب إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلا فداءك، فقال رسول الله ﷺ : لا جرم أن اطلع الله على قلبك، ووجد موافقاً لما جرى على لسانك جعلك مني بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن" ("تفسير الحسن العسكري" ص١٦٤، ١٦٥ ط إيران).
هذا ولقد سردنا الروايات، ونقلناها من كتب القوم أنفسهم عن محمد رسول الله إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي ﷺ ، وعن علي بن أبي طالب ﵁ الإمام الأول المعصوم إلى الإمام الأخير الظاهر حسب زعمهم - وإكمالاً للبحث، وإتماماً للفائدة نريد أن نروي ههنا روايتين آخرين نقلت من أهل بيت علي أيضاً ومن كتب القوم أنفسهم.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٧
стр. 2409
المطلب الثامن: موقف زيد بن علي بن الحسين
فالأولى من زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شقيق محمد الباقر وعم جعفر الصادق الذي قيل فيه: كان حليف القرآن" (الإرشاد) للمفيد (ص٢٦٨) تحت عنوان "ذكر أخوته" – أي الباقر -).
"واعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف" (الإرشاد) للمفيد (ص٢٦٨).
ويقول أبو الفرج الأصفهاني الشيعي نقلاً عن الأشناني عن عبد الله بن جرير أنه قال: رأيت جعفر بن محمد (أي الجعفر الصادق) يمسك لزيد بن علي بالركاب، ويسوي ثيابه على السرج (مقاتل الطالبين) للأصفهاني (ص١٢٩) ط دار المعرفة بيروت).
فهذا هو زيد بن زين العابدين بن الحسين وقد سئل عن أبي بكر كما يذكر صاحب ناسخ التواريخ ((ناسخ التواريخ) للمرزا تقي خان سيبهر معاصر الشاه ناصر الدين وابنه مظفر الدين، له (ناسخ التواريخ) فارسي مطبوع لم يعمل مثله (أعيان الشيعة) تحت عنوان (طبقات المؤرخين) قسم١ ج٢ ص١٣٢) الشيعي "إن ناساً من رؤساء الكوفة وأشرافها الذين بايعوا زيداً حضروا يوماً عنده، وقالوا له: رحمك الله، ماذا تقول في حق أبي بكر وعمر؟ قال: ما أقول فيهما إلا خيراً كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوة) إلا خيراً، ما ظلمانا ولا أحد غيرنا، وعملاً بكتاب الله وسنة رسوله" (ناسخ التواريخ) (٢/ ٥٩٠) تحت عنوان "أحوال الإمام زين العابدين").
ويقول: لما سمع أهل الكوفة منه هذه المقالة رفضوه، ومالوا إلى الباقر، فقال زيد: رفضونا اليوم، ولذلك سموا هذه الجماعة بالرافضة" (ناسخ التواريخ) (٢/ ٥٩٠).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٨
стр. 2410
المطلب التاسع: موقف سلمان الفارسي الصحابي الجليل
والرواية الثانية، والرأي الثاني من شخص نسجت الشيعة حوله الأساطير أي سلمان الفارسي الذي قيل فيه: سلمان المحمدي، ذلك رجل منا أهل البيت و"إن سلمان من أهل البيت" (رجال الكشي) (ص١٨، ٢٠) ط الأعلمي كربلاء).
و"كان الناس أهل ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، المقداد وأبو ذر وسلمان رحمة الله وبركاته عليهم" (الروضة من الكافي) (٨/ ٢٤٥).
وقال فيه علي: إن سلمان باب الله في الأرض، من عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً" (رجال الكشي) (ص٧٠).
فهذا السلمان يقول: إن رسول الله كان يقول في صحابته: ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه" (مجالس المؤمنين) للشوشتري (ص٨٩).
هذا وكان رسول الله ﷺ حريصاً عليه إلى هذا الحد بأن أبا بكر لما أراد مبارزة ابنه يوم بدر وهو فارس، مدجج، منعه رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: شم سيفك، وارجع إلى مكانك، ومتعنا بنفسك" (كشف الغمة) (١/ ١٩٠) وجعل بقاءه متعة له ﵊. فهذا آخر ما أردنا إدراجه في هذا الباب.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٥٩
стр. 2411
المطلب العاشر: خلافة الصديق
وبعد ما ذكرنا أهل بيت النبي وموقفهم وآراءهم تجاه سيد الخلق بعد أنبياء الله ورسله أبي بكر الصديق ﵁ نريد أن نذكر أنه لم يكن خلاف بينه وبين أهل البيت في مسألة خلافة النبي وإمارة المؤمنين وإمامة المسلمين، وأن أهل البيت بايعوه كما بايعه غيرهم، وساروا في مركبه، ومشوا في موكبه، وقاسموه هموم المسلمين وآلامهم، وشاركوه في صلاح الأمة وفلاحها، وكان علي ﵁ أحد المستشارين المقربين إليه، يشترك في قضايا الدولة وأمور الناس، ويشير عليه بالأنفع والأصلح حسب فهمه ورأيه. ويتبادل به الأفكار والآراء، لا يمنعه مانع ولا يعوقه عائق، يصلي خلفه، ويعمل بأوامره، ويقضي بقضاياه، ويستدل بأحكامه ويستند، ويسمي أبناؤه بأسمائه حباً له وتيمناً باسمه وتودداً إليه.
وفوق ذلك كله يصاهر أهل البيت به وبأولاده، ويتزوجون منهم ويزوجون بهم، ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات، ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابين والأحباء المتقاربين، وكيف لا؟ وهم أغصان شجرة واحدة وثمرة نخل واحدة، لا كما يظنه أبناء اليهودية البغيضة، ومكايدين للأمة المحمدية المجيدة، والحاسدين الناقمين على حملة الإسلام ومعلني كلمته ورافعي رايته.
أما خلافة الصديق ﵁ فبصحتها وانعقادها وقيامها يستدل علي بن أبي طالب ﵁ على صحة خلافته وانعقادها كما يذكر وهو يردّ على معاوية بن أبي سفيان ﵄ أمير الشام "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبي قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (نهج البلاغة) (ص٣٦٦، ٣٦٧) ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).
وقال: إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار" (ناسخ التواريخ) (ج٣ الجزء٢).
وهذا النص واضح في معناه، لا غموض فيه ولا إشكال بأن الإمامة والخلافة تنعقد باتفاق المسلمين واجتماعهم على شخص، وخاصة في العصر الأول باجتماع الأنصار والمهاجرين، فإنهم اجتمعوا على أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، كما ذكرنا قريباً روايتين عن علي بن أبي طالب في الغارات للثقفي, هو: أبو إسحاق إبراهيم الثقفي الكوفي الأصبهاني الشيعي، ولد في حدود المائتين أو قبلها بسنين، ومات بأصبهان سنة ٢٨٣هـ، هو من أجلاء الرواة المؤلفين للشيعة كما ذكره النوري الطبرسي "وأما إبراهيم الثقفي المعروف الذي اعتمد عليه الأصحاب فهو من أجلاء الرواة المؤلفين كما يظهر من ترجمته، ويروي عنه الأجلاء" (المستدرك) (٣/ ٥٤٩، ٥٥٠).
وسماه الخوانساري في روضات الجنات "الشيخ المحدث" المروج الصالح السديد أبو إسحاق إبراهيم الثقفي الأصفهاني صاحب كتاب (الغارات) الذي ينقل عنه في (البحار) كثيراً (ص٤). "وله نحواً من خمسين مؤلفاً لطيفاً" (أعيان الشيعة) (القسم ٢ ص١٠٣) بأن الناس انثالوا على أبي بكر، وأجفلوا إليه، فلم يكن إلا أن يقر ويعترف بخلافته وإمامته.
وهناك رواية أخرى في غير (الغارات) تقر بهذا عن علي أنه قال وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا لله أمره. فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي إذ الميثاق في عنقي لغيري" (نهج البلاغة) (ص٨١ خطبة ٣٧ ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).
стр. 2412
ولما رأى ذلك تقدم إلى الصديق، وبايعه كما بايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه وهو يومئذ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ولا يتقي الناس، ولا يظهر إلا ما يبطنه لعدم دواعي التقية حسب أوهام القوم، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدد ويسر وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله جاهداً" (منار الهدى) لعلي البحراني الشيعي (ص٣٧٣) أيضاً (ناسخ التواريخ) (٣/ ٥٣٢).
ولأجل ذلك رد على أبي سفيان وعباس حينما عرضا عليه الخلافة لأنه لا حق له بعد ما انعقدت للصديق كما مر بيانه.
وفيما كتب إلى أمير الشام معاوية بن أبي سفيان أقرّ أيضاً بخلافة الخليفة الأول الصديق وأفضليته، ودعا له بعد موته بالمغفرة والإحسان، وتأسف على انتقاله إلى ربه كما يكتب "وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام كما زعمت وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصديق وخليفة الخليفة الفاروق" ولعمري أن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصائب بهما لجرح في الإسلام شديد يرحمهما الله، وجزاهم الله بأحسن ما عملا" (ابن ميثم (شرح نهج البلاغة) ط إيران ص٤٨٨).
وروى الطوسي, هو: محمد بن الحسن بن علي الطوسي ولد سنة ٣٨٥ هـ، ومات في ٤٦٠هـ، بنجف، ويلقب بشيخ الطائفة" (تنقيح المقال) (١٠٥/ ٣).
"هو عماد الشيعة، ورافع أعلام الشيعة، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الإسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام، وقد ملأت تصانيفه الأسماع، تتلمذ على الشيخ المفيد والسيد المرتضى وغيرهم" (الكنى والألقاب) (٢/ ٣٥٧).
هو من مصنفي الكتابين من الصحاح الأربعة (التهذيب) و (الاستبصار).
"وصنف في كل فنون الإسلام، وهو المهذب للعقائد والأصول والفروع، وجميع الفائل تنسب إليه" (روضات الجنات) (٦/ ٢١٦) عن علي أنه لما اجتمع بالمهزومين في الجمل قال لهم: فبايعتم أبا بكر، وعدلتم عني، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه .. ، فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له بيعته .. فبايعتم عثمان فبايعته وأنا جالس في بيتي، ثم أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم "هل الخلافة منصوصة؟ وفيه دليل واضح أن علي بن أبي طالب لم يكن يعتقد بأن الخلافة والإمامة لا تنعقد إلا بنص و"إن الإمامة عهد من الله معهود من واحد إلى واحد" (الأصول من الكافي، كتاب (الحجة) (١/ ٢٧٧).
"وإنه عهد من رسول الله إلى رجل فرجل" (الأصول من الكافي) (١/ ٢٧٧).
وانظر لتفصيل ذلك كتب القوم "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، و (الاعتقادات) لابن بابويه القمي، و (الألفين) للحلي، و (بحار الأنوار) للمجلسي وغيره.
لأنه لو كان يعتقد هذا لما اعتقد لأبي بكر الخلافة، ولم يدخل في مستشاريه وفوق ذلك لم يقل لأهل الجمل هذه الجمل التي نقلناها منه "ثم أتيتموني غير داع لكم" ولأنه لو كان إماماً من الله لم يزل دعوتهم إليه، ولم يقل لهم قبل ذلك حينما دعوه إلى البيعة له بعد قتل عثمان ذي النورين ﵁: دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول – إلى أن قال – وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" (كلام علي لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان، نهج البلاغة خطبه ٩٢ ص١٣٦ ط بيروت).
стр. 2413
وهل هناك دليل أصدق من كلامه بأنه لم يكن يريد الخلافة التي يعد الشيعة منكريها أكفر من اليهود والمجوس والنصارى والمشركين كما يقول مفيدهم: اتفقت إمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر، مستحق للخلود في النار" ("بحار الأنوار) للمجلسي (٢٣/ ٣٩٠) نقلاً عن "المفيد").
ويقول الكليني محدثهم الأكبر: إن قول الله تعالى: "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع" هكذا والله نزل بها جبرئيل ﵇ على محمد ﷺ " كتاب (الحجة من الأصول في الكافي) (١/ ٤٢٢).
وقال منتسباً كذباً وزوراً إلى محمد الباقر أنه قال: إنما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً، قلت: جعلت فداك، فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله وتصديق رسوله ﷺ ، وموالاة علي والائتمام به وبأئمة الهدى ﵈، والبراءة إلى الله من عدوهم (باب معرفة الإمام والرد إليه من الأصول في الكافي (١/ ١٨٠).
وعلى ذلك يقول الصدوق ابن بابويه القمي مصرحاً: اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحداً من بعده من الأئمة إنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة نبينا محمد" (الاعتقادات) للقمي (ص١٣٠).
فما العمل حينما علي بن أبي طالب نفسه ينكر الإمامة، والنص من أقدس كتب القوم، الذين ينكرون القرآن، ويقولون بالتحريف والتغيير والتبديل فيه (كما بيناه بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة من كتب القوم أنفسهم في كتابنا (الشيعة والسنة) عملاً بقول القائل: من فمك أدينك).
نعم! من أقدس كتبهم ألا وهو "نهج البلاغة" حيث يقول علي المرتضى ﵁ نفسه عن نفسه أن أكون مقتدياً خير لي من أن أكون إماماً، فلنكرر قوله مرة ثانية: دعوني، والتمسوا غيري، فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" (نهج البلاغة خطبه ٩٢ ص١٣٦ ط بيروت).
ويؤيد ذلك أن علياً لم يكن يرى الأمر كما يراه المتزعمون لولايته ما رواه ابن أبي الحديد عن عبد الله بن عباس أنه قال: خرج علي ﵇ على الناس من عند رسول الله ﷺ في مرضه، فقال له الناس: كيف أصبح رسول الله ﷺ يا أبا حسن؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً قال: فأخذ العباس بيد علي، ثم قال: يا علي! أنت عبد العصا بعد ثلاث أحلف لقد رأيت الموت في وجهه، وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فاذكر له هذا الأمر إن كان فينا أعلمنا، وإن كان في غيرنا أوصى بنا، فقال: لا أفعل والله إن منعناه اليوم لا يؤتيناه الناس بعده، قال: فتوفي رسول الله ﷺ ذلك اليوم" ("شرح نهج البلاغة" ج١ ص١٣٢).
وقد نص ابن أبي الحديد بعد ذكر أخبار السقيفة وبيعة أبي بكر "واعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جداً ومن تأملها وأنصف علم أنه لم يكن هناك نص صريح ومقطوع لا تختلجه الشكوك، ولا يتطرق إليه الاحتمالات" (شرح نهج البلاغة) (١/ ١٣٥).
وقال أيضاً ﵁ مخاطباً طلحة والزبير، والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها" (نهج البلاغة) (ص٣٢٢).
стр. 2414
هذا ومثل ذلك روى نصر بن مزاحم, هو: أبو الفضل نصر بن مزاح التميمي الكوفي الملقب بالعطار "إنه من جملة الرواة المتقدمين، بل الواقعة في درجة التابعين وطبقة الثلاثة الأوائل من الأئمة الطاهرين" (روضات الجنات) (٨/ ١٦٦).
وقال النجاشي: مستقيم الطريقة، صالح الأمر، صاحب كتاب (صفين) و (الجمل) و (مقتل الحسين) وغيرها من الكتب (النجاشي (ص٣٠١ و٣٠٢) الشيعي أن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أرسل حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد ليطالبوه بقتلة عثمان ذي النورين ﵁، فرد عليهم علي بن أبي طالب ﵁ بعد الحمدلة والبسملة "أما بعد! فإن الله بعث النبي ﷺ ، فأنقذ به من الضلالة وأنعش به من المهلكة وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، ثم استخلف أبو بكر عمر وأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة .. ثم ولي أمر الناس عثمان، فعلم بأشياء عابها الناس عليه، فسار إليه ناس فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم، فقالوا لي: بايع، فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم" كتاب (صفين) ط إيران (ص١٠٥).
ولقد ذكر المؤرخ الشيعي أن أبا بكر ﵁ لما أراد استخلاف عمر بعده اعترض عليه بعض من الناس. فقال علي لطلحة، لو استخلف أبو بكر أحداً غير عمر لما نطيعه (تاريخ روضة الصفا) فارسي (ص٢٠٦) ط بمبئي)
فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي" (الأمالي) لشيخ الطائفة الطوسي (٢/ ١٢١) ط نجف).
والطبرسي أيضاً ينقل عن محمد الباقر ما يقطع أن علياً كان مقراً بخلافته، ومعترفاً بإمامته، ومبايعاً له بإمارته كما يذكر أن أسامة بن زيد حب رسول الله لما أراد الخروج انتقل رسول الله إلى الملأ الأعلى فلما وردت الكتاب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما أرى اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب فقال: ما هذا؟ قال له علي هذا ما ترى، قال أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم" (الاحتجاج) للطبرسي (ص٥٠) ط مشهد عراق).
ولقد أقر بذلك شيعي متأخر وإمام من أئمة القوم محمد حسين آل كاشف الغطاء بقوله: لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي إما لصغر سنه أو لأن قريشاً كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم – إلى أن قال – وحين رأى أن الخليفة الأول والثاني بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجيوش وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا بايع وسالم" (أصل الشيعة وأصولها) ط دار البحار بيروت ١٩٦٠ (ص٩١).
وبقي سؤال فلماذا تأخر عن البيعة أياماً؟ يجيب عليه ابن أبي الحديد "ثم قام أبو بكر، فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة، وأيم الله! ما حصرت عليها يوم قط، ولقد قلدت أمراً عظيماً مالي به طاقة ولا يدان، ولوددت أن أقوى الناس عليه مكاني، وجعل يعتذر إليهم، فقبل المهاجرون عذره، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا في المشورة وإنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف له سنه، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي" (شرح نهج البلاغة) لأبي أبي الحديد (١/ ١٣٢).
وأورد ابن أبي الحديد رواية أخرى في شرحه عن عبد الله بن أبي أوفي الخزاعي قال: كان خالد بن سعيد بن العاص من عمال رسول الله ﷺ على اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ جاء المدينة وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أياماً وقد بايع الناس وأتى بني هاشم الظهر والبطن والشعار دون الدثار والعصادون اللحا، فإذا رضيتم رضينا وإذا سخطتم سخطنا حدثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل قالوا: نعم! قال على برد ورضا من جماعتكم؟ قالوا: نعم! قال: فأنا أرضى وأبايع إذا بايعتم أما والله! يا بني هاشم إنكم لطوال الشجر الطيب الثمر، ثم إنه بايع أبا بكر" (شرح نهج البلاغة) (١/ ١٣٤، ١٣٥).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٦١
стр. 2415
المطلب الحادي عشر: اقتداء علي بالصديق في الصلوات وقبوله الهدايا منه
هذا ونذكر بعد ذلك أن علياً ﵁ كان راضياً بخلافة الصديق ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلياً خلفه، عاملاً معه المحبة والأخوة، محباً له، مبغضاً من يبغضه.
وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء الراشدين وأصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بهديهم، وسلك بمسلكهم، ونهج بمنهجهم.
فالرواية الأولى التي سقناها قبل ذلك أن علياً قال للقوم حينما أرادوه خليفة وأميراً: وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" (نهج البلاغة) (ص١٣٦) تحقيق صبحي صالح).ويذكرهم بذلك أيام الصديق والفاروق حينما كان مستشاراً مسموعاً، ومشيراً منفذاً كلمته كما يروي اليعقوبي الشيعي الغالي (١) في تاريخه وهو يذكر أيام خلافة الصديق: "وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدموا وأخروا، فاستشار علي بن أبي طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت؟ فقال: بشرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيباً، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم (تاريخ اليعقوبي) (ص١٣٢، ١٣٣) ج٢ ط بيروت ١٩٦٠م).
وفي رواية: "سأل الصديق علياً كيف ومن أين تبشر؟ قال: من النبي حيث سمعته يبشر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن! يسرّك الله" (تاريخ التواريخ) ج٢ كتاب (٢ ص١٥٨) تحت عنوان "عزام أبي بكر").
ويقول اليعقوبي أيضاً: وكان ممن يؤخذ عنه الفقه في أيام أبي بكر علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود" (تاريخ اليعقوبي) (ص١٣٨ ج٢).
فقدم علياً على جميع أصحابه، وهذا دليل واضح على تعاملهم مع بعضهم وتقديمهم علياً في المشورة والقضاء,
(وفي هذا المعنى توجد روايات كثيرة عندنا أن أبا بكر استشار أصحابه في مسائل ومشاكل وفيمن استشارهم كان علياً ﵁، فقدم رأيه على آرائهم، انظر لذلك البداية والنهاية لابن الكثير ورياض النضرة لمحب الطبري وكنز العمال وتاريخ الملوك والأمم للطبري وتاريخ ابن خلدون وغيرها من الكتب، ولكنا لما عاهدنا أن لا نذكر شيئاً إلا من كتب القوم أعرضنا عن سردها).
ويؤيد ذلك الشيعي الغالي محمد بن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد حيث بوّب باباً خاصاً في كتابه (الإرشاد) قضايا أمير المؤمنين ﵇ في إمارة أبي بكر.
стр. 2416
ثم ذكر عدة روايات عن قضايا علي في خلافة أبي بكر، ومنها: "إن رجلاً رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحد فقال له: إني شربتها ولا علم لي بتحريمها لأني نشأت بين قوم يستحلونها ولم أعلم بتحريمها حتى الآن فارتج على أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضر أن يستخبر أمير المؤمنين ﵇ عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين: مر رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله ﷺ ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحد عليه، وإن لم يشهد أحد بذلك فاستتبه وخلّ سبيله، ففعل ذلك أبو بكر فلم يشهد أحد من المهاجرين والأنصار أنه تلا عليه آية التحريم، ولا أخبره عن رسول الله ﷺ بذلك، فاستتابه أبو بكر وخلى سبيله وسلم لعلي ﵇ في القضاء به" (الإرشاد) للمفيد ص١٠٧ ط إيران).
هذا وكان يتمثل أوامره كما حدث أن وفداً من الكفار جاءوا إلى المدينة المنورة، ورأوا بالمسلمين ضعفاً وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة، فأحس منهم الصديق خطراً على عاصمة الإسلام والمسلمين، فأمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحراس، وبقوا ذلك حتى أمنوا منهم" (شرح نهج البلاغة) (٤/ ٢٢٨ تبريز).
وللتعامل الموجود بينهم، وللتعاطف والتوادد والوئام الكامل كان علي وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتقبل منه الهدايا دأب الأخوة المتشاورين ما بينهم والمتحابين كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية "وأما عمر ورقية فإنهما من سبيئة من تغلب يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر" (شرح نهج البلاغة) (٢/ ٧١٨) أيضاً (عمدة الطالب) ط نجف (ص٣٦١).
"وكانت اسمها أم حبيب بنت ربيعة" (الإرشاد) (ص١٨٦).
وأيضاً منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولاده بعد الحسنين محمد بن الحنفية.
"وهي من سبي أهل الردة وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد بن الحنفية" (عمدة الطالب) الفصل الثالث (ص٣٥٢) أيضاً "حق اليقين" (ص٢١٣).
كما وردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصديق ﵃ أجمعين، وكان علي هو القاسم والمتولي في عهده على الخمس والفيء، وكانت هذه الأموال بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحدد (٤/ ١١٨). ولقد ورد في أبي داود عن علي ﵁ أنه قال: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله! إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه حياتك كيلا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك قال: فقسمته حياة رسول الله ﷺ ، ثم ولانيه أبو بكر حتى إذا كان آخر سنة من سني عمر ﵁ فإنه أتاه مال كثير، فعزل حقنا ثم أرسل إلي، فقلت: بنا عنه العام غنىً وبالمسلمين إليه حاجة فأردده عليهم، فرده عليهم" (أبو داود كتاب الخراج، فمسند أحمد مسندات علي).
هذا وكان يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق، راضياً بإمامته، ومظهراً للناس اتفاقه ووئامه معه" (الاحتجاج) للطبرسي ٥٣، أيضاً كتاب (سليم بن قيس) (ص٢٥٣) أيضاً "مرآة العقول" للمجلسي (ص٣٨٨) ط إيران).
وقال الطوسي في صلاة علي خلف أبي بكر: فذاك مسلم لأنه الظاهر" (تلخيص الشافي) (ص٣٥٤) ط إيران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٦٨
стр. 2417
المطلب الثاني عشر: مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة
وكان للصديق مَنّ على عليّ المرتضى ﵄ حيث توسط له في زواجه من فاطمة ﵂ وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله ﷺ مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله ﷺ ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال يا علي! صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها" (الأمالي) للطوسي (١/ ٣٨).
وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل (الملاعين) و"مسودي الوجوه" و"الشياطين" - عياذاً بالله - كما سيأتي بيانها في محلها، فالمجلسي اللعان هذا يذكر هذه الواقعة ويزيدها بياناً ووضوحاً حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوساً في مسجد رسول الله ﷺ ، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة (كم كان أصحاب رسول الله الصادق الأمين ﵇ البررة يتفكرون في أمور النبي ﷺ ، ويهمهم ما كان يهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه لحبهم النبي، ووفائهم به، ما أجمل المطاع وما أحسن الاتباع) ﵍.
стр. 2418
فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلى الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك (وكم كانوا رحماء بينهم، متوادين، متحابين، متعاطفين رغم أنوف القوم وزعمهم؟) فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين ﵇ فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها (وليس عند القوم حياء حتى يختلقون القصص كهذه قصصاً خرافية، وعبارت سافلة منحطة، وينسبونها إلى الشخصيات المباركة المقدسة؟ أهم منتهون؟) منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟، ولكن يمنعني من ذلك فقري (وما فقره؟ فروى الشيعة المغالون عنه كالقمي والمجلسي ما نصه: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة من عليّ أسرّ إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداد البطن، طويل الذراعين، ضخ الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشاً كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له؟ – والرسول لم ينكر هذه الأوصاف فيه – بل قال – حسب رواية القوم -: يا فاطمة! أما علمت أن الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع فاختارك على نساء العالمين، يا فاطمة! إنه لما أسري بي إلى السماء وجدت مكتوباً على صخرة بيت المقدس "لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره" فقلت: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب" (تفسير القمي) (١/ ٣٣٦) أيضاً (جلاء العيون) (١/ ١٨٥) واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال إلخ (جلاء العيون) للملا مجلسي (١/ ١٦٩) ط كتاب فروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية).
ثم وأكثر من ذلك أن الصديق أبا بكر هو الذي حرض علياً على زواج فاطمة ﵃، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله إلى الخلق أجمعين ﷺ كما يروي الطوسي أن علياً باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول.
"ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه ... حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه الباقي" (الأمالي) (١/ ٣٩) أيضاً "مناقب" لابن شهر آشوب المازندراني (٢/ ٢٠) ط الهند، أيضاً (جلاء العيون) فارسي (١/ ١٧٦).
стр. 2419
ولا هذا فحسب بل الصديق ورفاقه هم كانوا شهوداً على زواجه بنص الرسول ﷺ وطلب منه كما يذكر الخوارزمي الشيعي والمجلسي والأربلي أن الصديق والفاروق وسعد بن معاذ لما أرسلوا علياً إلى النبي ﷺ انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقعون، فيقول علي: فخرجت من عند رسول الله ﷺ وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما ورائك؟ فقلت: زوجني رسول الله ﷺ ابنته فاطمة ففرحا بذلك فرحاً شديداً ورجعا معي إلى المسجد فلما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله، وإن وجهه يتهلل سروراً وفرحاً، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلي المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم رقي درجة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إن جبرئيل أتاني آنفا وأخبرني عن ربي أنه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعاً أنه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن أبي طالب، وأمرني أن أزوجه في الأرض وأشهدكم على ذلك" ("المناقب" للخوارزمي (ص٢٥١، ٢٥٢) أيضاً (كشف الغمة) (١/ ٣٥٨) أيضاً (بحار الأنوار) للمجلسي (١٠/ ٣٨، ٣٩) أيضاً (جلاء العيون) (١/ ١٨٤).
ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه (كشف الغمة) حيث يروي: "عن أنس أنه قال: كنت عند النبي ﷺ فغشيه الوحي، فلما أفاق قال لي: يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله ﷺ بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضة" (كشف الغمة) (١/ ٣٤٨، ٣٤٩) ط تبريز، (بحار الأنوار) (١/ ٤٧، ٤٨).
هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق الجد الحسن في الغار والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه كان يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه ويقول: بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١١٧):
وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول ﵂. انظر لذلك (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١١٧).
وكانت العلاقات وطيدة إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي ﵇ ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة وشاركها في غسلها وترحيلها إلى مثواها " وكان (علي) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استمرار بذلك" (الأمالي) للطوسي (١/ ١٠٧).
و"وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها فعملت أسماء بها" (جلاء العيون) (ص٢٣٥، ٢٤٢).
و"هي التي كانت عندها حتى النفس الأخير، وهي التي نعت علياً بوفاتها" (جلاء العيون) (ص٢٣٧).
و"كانت شريكة في غسلها" (كشف الغمة) (١/ ٥٠٤).
وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية لتسأله عن أحواله بنت النبي ﷺ خلاف ما يزعمه القوم.
"فمرضت (أي فاطمة ﵂ وكان علي يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ " كتاب (سليم بن قيس) (ص٣٥٣).
ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها.
و"لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً ويقولان: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله" كتاب (سليم بن قيس) (ص٢٥٥).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٧٢
стр. 2420
المطلب الثالث عشر: المصاهرات بين الصديق وآل البيت
وكانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:٤١].
فالصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت زوجة النبي ﷺ ، ومن أحب الناس إليها مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهي طاهرة مطهرة - بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.
ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولداً سماه محمداً الذي ولاه علي على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له ولداً سماه يحيى.
وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي ﵁ كما يذكر الكليني في أصوله تحت عنوان مولد الجعفر: "ولد أبو عبد الله ﵇ سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي ﵈ وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" كتاب (الحجة من الأصول في الكافي) (١/ ٤٧٢) ومثله في (الفرق) للنوبختي).
ويقول ابن عنبة: أمه (أي جعفر) أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان الصادق ﵇ يقول: ولدني أبو بكر مرتين.
كما أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة كما يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين ﵉، وكان يكنى أيضا أبا الحسن. وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى ويقال: إن اسمها كان شهربانويه وكان أمير المؤمنين ولى حريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر فهما ابنا خالة" (الإرشاد) للمفيد (ص٢٥٣) ومثله في (كشف الغمة) و (منتهى الآمال) للشيخ عباس القمي (٢/ ٣).
وأما المجلسي فذكر ذلك في (جلاء العيون) ولكنه صحح الروايات التي جاء بها المفيد وابن بابويه بأن شهربانويه لم تكن سبيت في عهد علي كما ذكره المفيد ولا في عهد عثمان كما ذكره ابن بابويه القمي، بل كانت من سبايا عمر كما رواه القطب الراوندي ثم يقر بعد ذلك بأن قاسم بن محمد بن أبي بكر وزين العابدين بن الحسين بن علي هما ابنا خالة (جلاء العيون) الفارسي (ص٦٧٣، ٦٧٤).
وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرى وهي تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ بعد عبد الله بن الزبير أو قبله.
ثم إن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علي وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره.
"وكان علي ﵇ يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر" (الدرة النجفية) للدنبلي الشيعي (شرح نهج البلاغة) (ص١١٣ ص إيران).
وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبنائهم بأسماء أبي بكر ﵁، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمى أحد أبنائه بأبي بكر كما يذكر المفيد تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسمائهم ومختصر من أخبارهم".