ثم ذكر عدة روايات عن قضايا علي في خلافة أبي بكر، ومنها: "إن رجلاً رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحد فقال له: إني شربتها ولا علم لي بتحريمها لأني نشأت بين قوم يستحلونها ولم أعلم بتحريمها حتى الآن فارتج على أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضر أن يستخبر أمير المؤمنين ﵇ عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين: مر رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله ﷺ ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحد عليه، وإن لم يشهد أحد بذلك فاستتبه وخلّ سبيله، ففعل ذلك أبو بكر فلم يشهد أحد من المهاجرين والأنصار أنه تلا عليه آية التحريم، ولا أخبره عن رسول الله ﷺ بذلك، فاستتابه أبو بكر وخلى سبيله وسلم لعلي ﵇ في القضاء به" (الإرشاد) للمفيد ص١٠٧ ط إيران).
هذا وكان يتمثل أوامره كما حدث أن وفداً من الكفار جاءوا إلى المدينة المنورة، ورأوا بالمسلمين ضعفاً وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة، فأحس منهم الصديق خطراً على عاصمة الإسلام والمسلمين، فأمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحراس، وبقوا ذلك حتى أمنوا منهم" (شرح نهج البلاغة) (٤/ ٢٢٨ تبريز).
وللتعامل الموجود بينهم، وللتعاطف والتوادد والوئام الكامل كان علي وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتقبل منه الهدايا دأب الأخوة المتشاورين ما بينهم والمتحابين كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية "وأما عمر ورقية فإنهما من سبيئة من تغلب يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر" (شرح نهج البلاغة) (٢/ ٧١٨) أيضاً (عمدة الطالب) ط نجف (ص٣٦١).
"وكانت اسمها أم حبيب بنت ربيعة" (الإرشاد) (ص١٨٦).
وأيضاً منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولاده بعد الحسنين محمد بن الحنفية.
"وهي من سبي أهل الردة وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد بن الحنفية" (عمدة الطالب) الفصل الثالث (ص٣٥٢) أيضاً "حق اليقين" (ص٢١٣).
كما وردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصديق ﵃ أجمعين، وكان علي هو القاسم والمتولي في عهده على الخمس والفيء، وكانت هذه الأموال بيد علي، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم الحسن بن الحسن، ثم زيد بن الحسن" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحدد (٤/ ١١٨). ولقد ورد في أبي داود عن علي ﵁ أنه قال: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله! إن رأيت أن توليني حقنا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه حياتك كيلا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك قال: فقسمته حياة رسول الله ﷺ ، ثم ولانيه أبو بكر حتى إذا كان آخر سنة من سني عمر ﵁ فإنه أتاه مال كثير، فعزل حقنا ثم أرسل إلي، فقلت: بنا عنه العام غنىً وبالمسلمين إليه حاجة فأردده عليهم، فرده عليهم" (أبو داود كتاب الخراج، فمسند أحمد مسندات علي).
هذا وكان يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق، راضياً بإمامته، ومظهراً للناس اتفاقه ووئامه معه" (الاحتجاج) للطبرسي ٥٣، أيضاً كتاب (سليم بن قيس) (ص٢٥٣) أيضاً "مرآة العقول" للمجلسي (ص٣٨٨) ط إيران).
وقال الطوسي في صلاة علي خلف أبي بكر: فذاك مسلم لأنه الظاهر" (تلخيص الشافي) (ص٣٥٤) ط إيران).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٦٨
стр. 2417
المطلب الثاني عشر: مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة
وكان للصديق مَنّ على عليّ المرتضى ﵄ حيث توسط له في زواجه من فاطمة ﵂ وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله ﷺ مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله ﷺ ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال يا علي! صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها" (الأمالي) للطوسي (١/ ٣٨).
وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل (الملاعين) و"مسودي الوجوه" و"الشياطين" - عياذاً بالله - كما سيأتي بيانها في محلها، فالمجلسي اللعان هذا يذكر هذه الواقعة ويزيدها بياناً ووضوحاً حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوساً في مسجد رسول الله ﷺ ، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة (كم كان أصحاب رسول الله الصادق الأمين ﵇ البررة يتفكرون في أمور النبي ﷺ ، ويهمهم ما كان يهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه لحبهم النبي، ووفائهم به، ما أجمل المطاع وما أحسن الاتباع) ﵍.
стр. 2418
فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلى الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك (وكم كانوا رحماء بينهم، متوادين، متحابين، متعاطفين رغم أنوف القوم وزعمهم؟) فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين ﵇ فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها (وليس عند القوم حياء حتى يختلقون القصص كهذه قصصاً خرافية، وعبارت سافلة منحطة، وينسبونها إلى الشخصيات المباركة المقدسة؟ أهم منتهون؟) منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟، ولكن يمنعني من ذلك فقري (وما فقره؟ فروى الشيعة المغالون عنه كالقمي والمجلسي ما نصه: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة من عليّ أسرّ إليها، فقالت: يا رسول الله! أنت أولى بما ترى غير أن نساء قريش تحدثني عنه أنه رجل دحداد البطن، طويل الذراعين، ضخ الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشاً كمشاش البعير، ضاحك السن، لا مال له؟ – والرسول لم ينكر هذه الأوصاف فيه – بل قال – حسب رواية القوم -: يا فاطمة! أما علمت أن الله أشرف على الدنيا فاختارني على رجال العالمين، ثم اطلع فاختارك على نساء العالمين، يا فاطمة! إنه لما أسري بي إلى السماء وجدت مكتوباً على صخرة بيت المقدس "لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بوزيره، ونصرته بوزيره" فقلت: ومن وزيري؟ فقال: علي بن أبي طالب" (تفسير القمي) (١/ ٣٣٦) أيضاً (جلاء العيون) (١/ ١٨٥) واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال إلخ (جلاء العيون) للملا مجلسي (١/ ١٦٩) ط كتاب فروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية).
ثم وأكثر من ذلك أن الصديق أبا بكر هو الذي حرض علياً على زواج فاطمة ﵃، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله إلى الخلق أجمعين ﷺ كما يروي الطوسي أن علياً باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول.
"ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه ... حتى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه الباقي" (الأمالي) (١/ ٣٩) أيضاً "مناقب" لابن شهر آشوب المازندراني (٢/ ٢٠) ط الهند، أيضاً (جلاء العيون) فارسي (١/ ١٧٦).
стр. 2419
ولا هذا فحسب بل الصديق ورفاقه هم كانوا شهوداً على زواجه بنص الرسول ﷺ وطلب منه كما يذكر الخوارزمي الشيعي والمجلسي والأربلي أن الصديق والفاروق وسعد بن معاذ لما أرسلوا علياً إلى النبي ﷺ انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقعون، فيقول علي: فخرجت من عند رسول الله ﷺ وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما ورائك؟ فقلت: زوجني رسول الله ﷺ ابنته فاطمة ففرحا بذلك فرحاً شديداً ورجعا معي إلى المسجد فلما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله، وإن وجهه يتهلل سروراً وفرحاً، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلي المهاجرين والأنصار فجمعهم ثم رقي درجة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إن جبرئيل أتاني آنفا وأخبرني عن ربي أنه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعاً أنه زوج أمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده علي بن أبي طالب، وأمرني أن أزوجه في الأرض وأشهدكم على ذلك" ("المناقب" للخوارزمي (ص٢٥١، ٢٥٢) أيضاً (كشف الغمة) (١/ ٣٥٨) أيضاً (بحار الأنوار) للمجلسي (١٠/ ٣٨، ٣٩) أيضاً (جلاء العيون) (١/ ١٨٤).
ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه (كشف الغمة) حيث يروي: "عن أنس أنه قال: كنت عند النبي ﷺ فغشيه الوحي، فلما أفاق قال لي: يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله ﷺ بعد أن حمد الله وأثنى عليه ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضة" (كشف الغمة) (١/ ٣٤٨، ٣٤٩) ط تبريز، (بحار الأنوار) (١/ ٤٧، ٤٨).
هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق الجد الحسن في الغار والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه كان يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه ويقول: بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١١٧):
وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول ﵂. انظر لذلك (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١١٧).
وكانت العلاقات وطيدة إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي ﵇ ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة وشاركها في غسلها وترحيلها إلى مثواها " وكان (علي) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استمرار بذلك" (الأمالي) للطوسي (١/ ١٠٧).
و"وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها فعملت أسماء بها" (جلاء العيون) (ص٢٣٥، ٢٤٢).
و"هي التي كانت عندها حتى النفس الأخير، وهي التي نعت علياً بوفاتها" (جلاء العيون) (ص٢٣٧).
و"كانت شريكة في غسلها" (كشف الغمة) (١/ ٥٠٤).
وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية لتسأله عن أحواله بنت النبي ﷺ خلاف ما يزعمه القوم.
"فمرضت (أي فاطمة ﵂ وكان علي يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ " كتاب (سليم بن قيس) (ص٣٥٣).
ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها.
و"لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان علياً ويقولان: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله" كتاب (سليم بن قيس) (ص٢٥٥).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٧٢
стр. 2420
المطلب الثالث عشر: المصاهرات بين الصديق وآل البيت
وكانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:٤١].
فالصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت زوجة النبي ﷺ ، ومن أحب الناس إليها مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهي طاهرة مطهرة - بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.
ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولداً سماه محمداً الذي ولاه علي على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له ولداً سماه يحيى.
وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر - الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي ﵁ كما يذكر الكليني في أصوله تحت عنوان مولد الجعفر: "ولد أبو عبد الله ﵇ سنة ثلاث وثمانين ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده والحسن بن علي ﵈ وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر" كتاب (الحجة من الأصول في الكافي) (١/ ٤٧٢) ومثله في (الفرق) للنوبختي).
ويقول ابن عنبة: أمه (أي جعفر) أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان الصادق ﵇ يقول: ولدني أبو بكر مرتين.
كما أن القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة كما يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين ﵉، وكان يكنى أيضا أبا الحسن. وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى ويقال: إن اسمها كان شهربانويه وكان أمير المؤمنين ولى حريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرى، فنحل ابنه الحسين شاه زنان منهما فأولدها زين العابدين ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر فهما ابنا خالة" (الإرشاد) للمفيد (ص٢٥٣) ومثله في (كشف الغمة) و (منتهى الآمال) للشيخ عباس القمي (٢/ ٣).
وأما المجلسي فذكر ذلك في (جلاء العيون) ولكنه صحح الروايات التي جاء بها المفيد وابن بابويه بأن شهربانويه لم تكن سبيت في عهد علي كما ذكره المفيد ولا في عهد عثمان كما ذكره ابن بابويه القمي، بل كانت من سبايا عمر كما رواه القطب الراوندي ثم يقر بعد ذلك بأن قاسم بن محمد بن أبي بكر وزين العابدين بن الحسين بن علي هما ابنا خالة (جلاء العيون) الفارسي (ص٦٧٣، ٦٧٤).
وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرى وهي تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ بعد عبد الله بن الزبير أو قبله.
ثم إن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علي وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره.
"وكان علي ﵇ يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر" (الدرة النجفية) للدنبلي الشيعي (شرح نهج البلاغة) (ص١١٣ ص إيران).
وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبنائهم بأسماء أبي بكر ﵁، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمى أحد أبنائه بأبي بكر كما يذكر المفيد تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسمائهم ومختصر من أخبارهم".
стр. 2421
"محمد الأصغر المكنى بأبي بكر، وعبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسين بألطف أمهما ليلى بنت مسعود الدارمية" (الإرشاد) ص١٨٦).
وقال اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكر الحسن والحسين وعبيد الله وأبو بكر لا عقب لهما أمهما يعلى بنت مسعود الحنظلية من بني تيم" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢١٣).
وذكر الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) تحت عنوان "ذكر خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله" وكان منهم "أبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه يعلى بنت مسعود .. ذكر أبو جعفر أن رجلاً من همدان قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقيه مقتولاً، لا يدرى من قتله" (مقاتل الطالبين) لأبي الفرج الأصفهاني الشيعي ط دار المعرفة بيروت (ص١٤٢) ومثله في (كشف الغمة) (٢/ ٦٤) (جلاء العيون) للمجلسي (ص٥٨٢).
وهل هذا إلا دليل حب ومؤاخاة وإعظام وتقدير من عليّ للصديق ﵄.
والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة.
وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب علي وأولاده رجل يسمى بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟
ونريد أن نلفت الأنظار أن علياً لم يسم بهذا الاسم ابنه إلا متيمناً بالصديق وإظهاراً له الولاء والوفاء وحتى بعد وفاته وإلا لا يوجد في بني هاشم رجل قبل علي يسمي ابنه بهذا الاسم حسب علمنا ومطالعتنا كتب القوم فبمن سمى ابنه آنذاك؟
ثم ولم يقتصر عليّ بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق، بل بعده بنوه أيضاً مشوا مشيه ونهجوا منهجه.
فهذا هو أكبر أنجاله وابن فاطمة وسبط الرسول الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم - أيضا يسمي أحد أبنائه بهذا الاسم كما ذكره اليعقوبي.
"وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور وهم الحسن بن الحسن وأمه خولة وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتى وطلحة وعبيد الله" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢٢٨) (منتهى الآمال) (١/ ٢٤٠).
ويذكر الأصفهاني "إن أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب أيضاً كان ممن قتل في كربلاء مع الحسين قتله عقبة الغنوي" (مقاتل الطالبين) (ص٨٧).
والحسين بن علي أيضاً سمى أحد أبنائه باسم الصديق كما يذكر المؤرخ الشيعي المشهور بالمسعودي في "التنبيه والإشراف" عند ذكر المقتولين مع الحسين في كربلاء.
"وممن قتلوا في كربلاء من ولد الحسين ثلاثة، علي الأكبر وعبد الله الصبي وأبو بكر بنوا الحسين بن علي" (التنبيه والإشراف) (ص٢٦٣).
وقيل: "إن زين العابدين بن الحسن كان يكنى بأبي بكر أيضاً" (كشف الغمة) (٢/ ٧٤).
وأيضاً حسن بن الحسن بن علي، أي حفيد علي بن أبي طالب سمى أحد أبنائه أبا بكر كما رواه الأصفهاني عن محمد بن علي حمزة العلوي أن ممن قتل مع إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كان أبو بكر بن الحسن بن الحسن.
والإمام السابع عند الشيعة موسى بن جعفر الملقب بالكاظم أيضاً سمى أحد أبنائه بأبي بكر.
وأما الأصفهاني فيقول: إن ابنه علي - الإمام الثامن عندهم - هو أيضاً كان يكنى بأبي بكر، ويروي عن عيسى بن مهران عن أبي الصلت الهروي أنه قال: سألني المأمون يوماً عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكرنا، قال عيسى بن مهران: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسى الرضا كان يكنى بها وأمه أم ولد" (مقاتل الطالبين) (ص٥٦١، ٥٦٢).
والجدير بالذكر أن موسى الكاظم هذا سمى أحد بناته أيضاً باسم بنت الصديق، الصديقة عائشة كما ذكر المفيد تحت عنوان "ذكر عدد أولاد موسى بن جعفر وطرف من أخبارهم".
وكان لأبي الحسن موسى ﵇ سبعة وثلاثون ولداً ذكراً وأنثى منهم علي بن موسى الرضا ﵉ وفاطمة وعائشة وأم سلمة" (الإرشاد) (ص٣٠٢، ٣٠٣) (الفصول المهمة) ٢٤٢، (كشف الغمة) (٢/ ٢٣٧).
كما سمى جده علي بن الحسين إحدى بناته، عائشة" (كشف الغمة) (٢/ ٩٠).
وأيضاً - الإمام العاشر المعصوم حسب زعمهم - علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمى أحد بناته بعائشة، يقول المفيد: وتوفي أبو الحسن ﵉ في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه. وابنته عائشة" (كشف الغمة) (ص٣٣٤) و (الفصول المهمة) (ص٢٨٣).
وقبل أن ننهي نودّ أن نذكر بأن هناك في الهاشمية كثير من تسموا أنفسهم، أو سموا أبناءهم بأبي بكر نذكر منهم ابن الأخ لعلي بن أبي طالب وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمى أحد أبنائه أيضاً باسم أبي بكر كما ذكره الأصفهاني في مقالته:
قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة في الوقعة بين مسرف بن عقبة وبين أهل المدينة.
وهذا من إحدى علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الشيعة اليوم من العداوة والبغضاء، والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٧٧
стр. 2422
المطلب الرابع عشر: قضية فدك
وقبل أن ننتقل إلى الفاروق وعلاقته مع أهل البيت لا بد لنا أن نقف برهة غير يسيرة على سؤال يطرح حول اختلاف هؤلاء الأشراف الكرام البررة، ألا وهو إن كان حبهم وودادهم هكذا كما ذكر فماذا كانت قضية فدك؟ التي طالما نفخ إليها المنفخون المنافقون أعداء أمة محمد ﷺ ، وكبروها، وفخموها لمقاصدهم الخبيثة، ومطاعمهم السيئة، وأرادوا منها إثبات التفرقة والخلاف الشديد بين أصحاب الرسول ﷺ وخاصة بين بيت النبوة وبين المسلمين عامة، فإن أهل البيت كانوا في جانب وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وبقية الأمة في جانب آخر.
حاشا وكلا أن يكون كذلك، والمسألة لم تكن كبيرة وذات أهمية وأبعاد مثلما جعلوها فقط للطعن واللعن، والقضية كلها كانت بأن رسول الله ﷺ لما توفي وبويع أبو بكر بخلافة رسول الله وإمارة المؤمنين أرسلت إليه بنت رسول الله فاطمة تسأله ميراثها من رسول الله ﵊ مما أفاء الله على نبيه من فدك ("فدك" قرية بخيبر، وقيل: بناحية الحجاز، فيها عين ونخل، أفاء الله على نبيه ﷺ (لسان العرب) (١٠/ ٤٧٣) فأجابها أبو بكر أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ... وإني والله لا أغيّر شيئاً من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ ، وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.
ولما ذكر هذا الصديق لفاطمة ﵂ تراجعت عن ذلك ولم تتكلم فيها بعد حتى ماتت، بل وفي بعض الروايات الشيعية أنها رضيت على ذلك كما يرويه ابن الميثم الشيعي في نهج البلاغة:
"إن أبا بكر قال لها: إن لك ما لأبيك، كان رسول الله ﷺ يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، ولك على الله أن أصنع بها كما كان يصنع، فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به" (شرح نهج البلاغة) لابن ميثم البحراني (٥/ ١٠٧ ط طهران).
ومثل ذلك ذكر الدنبلي في شرحه (الدرة النجفية) (ص٣٣١، ٣٣٢ ط إيران).
ولكن الشيعة لم يعجبهم بأن ترضى فاطمة بهذا القضاء بتلك السهولة، فسودوا صفحات وأوراقاً كثيرة، وكتبوا بخصوص ذلك كتباً عديدة ملأها الطعن والشتائم على أصحاب الرسول وتكفيرهم وتفسيقهم واتهامهم بالردة والخروج من الإسلام والظلم والجور على أهل البيت حيث أن أهل المعاملة والقضية لم يتكلموا، لا بقليل ولا بكثير كما نحن ذكرناه من الشيعة أنفسهم، بل وأكثر من ذلك نقل أئمة القوم أنفسهم بأن أبا بكر لم يكتف على الكلام فقط بل أعقبه بالعمل كما يروي ابن الميثم والدنبلي وابن أبي الحديد والشيعي المعاصر فيض الإسلام علي نقي.
"إن أبا بكر كان يأخذ غلتها (أي فدك) فيدفع إليهم (أهل البيت) منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، فكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي كذلك" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ج٤، أيضاً (شرح نهج البلاغة) لابن ميثم البحراني (٥/ ١٠٧) (الدرة النجفية) (ص٣٣٢) (شرح النهج) فارسي لعلي تقي (٥/ ٩٦٠) ط طهران).
стр. 2423
ولكن القوم كيف يرضيهم هذا؟ فقال كبيرهم المجلسي (وقل من يوجد مثل المجلسي جريئاً في السباب والشتائم وهو لا يذكر صاحباً من أصحاب النبي إلا ويلعنه ويفسقه ويكفره، وقد كتب في بحث فدك أن أبا بكر لما طلب الشهود من فاطمة على أن فدك لها قال له علي: أتطلب الشهود؟ هل الشهود كل شيء؟ قال: نعم، فقال له علي: إن شهد الشهود بأن فاطمة زنت ماذا تعمل؟ قال: أقيم عليها الحد كما أقيم على سائر الناس (عياذاً بالله) (حق اليقين) للمجلسي (ص١٩٣) فانظر جرأته وتسرعه كيف يتكلم، ولا يستحي؟): إن من المصيبة العظمى والداهية الكبرى غصب أبي بكر وعمر فدك من أهل بيت الرسالة .... وإن القضية الهائلة أن أبا بكر لما غصب الخلافة عن أمير المؤمنين، وأخذ البيعة جبراً من المهاجرين والأنصار (؟) وأحكم أمره طمع في فدك خوفاً منه بأنها لو وقعت في أيديهم يميل الناس إليهم بالمال، ويتركون هؤلاء الظالمين (يعني أبا بكر ورفاقه) فأراد إفلاسهم حتى لا يبقى لهم شيء، ولا يطمع الناس فيهم وتبطل خلافتهم الباطلة، ولأجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة" (حق اليقين) فارسي للملا مجلسي (ص١٩١) تحت "مطاعن أبي بكر").
وقد سلك مسلكه كثيرون وكم هم؟ كي ينبشوا الضغائن التي لم يكن لها وجود في العالم، ولكن بلهاء القوم لم يعرفوا أن البيت الذي نسجوه كان بيت العنكبوت ولا يبقى أمام عاصفة الحق.
فالرواية التي ردوها هذا حسداً ونقمة على الصديق لم يعلموا أن إمامهم الخامس المعصوم رواها من رسول الله ﷺ ، وفي كتابهم أنفسهم، نعم! في كتابهم (الكافي) الذي يعدونه من أصح الكتب ويقولون فيه: إنه كاف للشيعة، يروي الكليني في هذا الكافي عن حماد بن عيسى عن القداح عن أبي عبيد الله ﵇ قال:
قال رسول الله ﷺ : من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة .. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر" (الأصول من الكافي) كتاب فضل العلم، باب العالم والمتعلم (١/ ٣٤).
ورواية أخرى أن جعفر أبا عبد الله قال: إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم" (الأصول من الكافي) باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء (١/ ٣٢).
فماذا يقول المجلسي ومن شاكله في هذا؟ وفي الفارسية بيت من الشعر إن كانت هذه جريمة ففي مدينتكم ترتكب أيضاً.
وهناك روايتان غير هذه الرواية رواهما صدوق القوم تؤيد هذه الرواية وتؤكدها وهي:
"عن إبراهيم بن علي الرافعي، عن أبيه، عن جدته بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بابنيها الحسن والحسين ﵉ إلى رسول الله ﷺ في شكواه الذي توفي فيه، فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورّثهما شيئاً قال: أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي وأما الحسين فإن له جرأتي وجودي" كتاب (الخصال) للقمي (ص٧٧).
والرواية الثانية: "قالت فاطمة ﵍: يا رسول الله! هذان ابناك فانحلهما، فقال رسول الله ﷺ : أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي, وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي" كتاب (الخصال) للقمي (ص٧٧).
стр. 2424
ثم وأراد المجلسي وغيره، وهم كثيرون من القوم أن يثبتوا أن أبا بكر ورفاقه لم يعملوا هذا إلا لأن يفلسوا علياً وأهل البيت كيلا يجلب الناس إليهم بالمال والمنال، فيا عجباً على القوم وعقولهم هل هم يظنون علياً وأهل بيته أمثال طلاب الحكم والرئاسة في هذه العصور المتأخرة بأنهم يطلبونها بالمال والرشى، وإن كانت القضية هكذا فالمال كان متوفراً عندهم لأن الكليني يذكر ويروي عن أبي الحسن - الإمام العاشر عند القوم - أن الحيطان السبعة كانت وقفت على فاطمة ﵍ وهي: (١) الدلال (٢) والعوف (٣) والحسنى (٤) والصافية (٥) وما لام إبراهيم (٦) والمثيب (٧) والبرقة" كتاب الوصايا (الفروع من الكافي) (٧/ ٤٧، ٤٨).
فهل من يملك العقارات السبعة ينقصه من المال شيء؟
ثم وهل يظنون النبي ﷺ أنه كان يجعل أموال الدولة أمواله وملكه؟ وهذا ما لا يرضاه العقل، وحتى هذا العصر، عصر السلب والنهب، وعصر اللامبالاة وعدم التمسك بالدين، ففي مثل هذا العصر إن الملوك والحكام لو استولوا على بقعة من بقاع الأرض، أو فتحوها لا يجعلونها ملكاً لهم دون غيرهم، بل يجعلونها ملكاً للدولة يتصرفون فيها في مصالح الرعية وشئون العامة والخاصة، فهل كان الرسول فداه أبواي وروحي ﷺ في نظر القوم ممن يؤثرون أنفسهم على الناس؟ سبحان الله ما هذا إلا إفك مفترى، والرسول العظيم الرؤوف الرحيم بريء ورفيع من هذا.
وهناك شيء آخر وهو إن كانت أرض فدك ميراث رسول الله ﷺ فلم تكن السيدة فاطمة ﵂ وريثة وحيدة لها، بل كانت ابنتا الصديق والفاروق وارثتين أيضاً فحرم الصديق والفاروق ابنتيهما كما حرما فاطمة، ثم وعباس عم النبي كان حياً وهو من ورثته بلا شك.
وثالثاً - إن المعترضين من الشيعة لا يعرفون بأن في مذهبهم لا ترث المرأة من العقار والأرض شيئاً، فلقد بوّب محدثوهم أبواباً مستقلة في هذا الخصوص، فانظر إلى الكليني، فإنه بوّب باباً مستقلاً بعنوان "إن النساء لا يرثن من العقار شيئاً" ثم روى تحته روايات عديدة.
"عن أبي جعفر - الإمام الرابع المعصوم عند القوم - قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً" (الفروع من الكافي) كتاب المواريث (٧/ ١٣٧).
وروى الصدوق ابن بابويه القمي في صحيحه (من لا يحضره الفقيه) عن أبي عبد الله جعفر - الإمام الخامس عندهم - أن ميسرا قال: سألته (أي جعفر) عن النساء ما لهن من الميراث؟ فقال: فأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيه" (الفروع من الكافي) كتاب الفرائض والميراث (٤/ ٣٤٧).
ومثل هذه فإنها لكثيرة، وقد ذكروا على عدم الميراث في العقارات والأراضي اتفاق علمائهم (انظر لذلك كتب القوم في الفقه). فما دامت المرأة لا ترث العقار والأرض فكيف كان لفاطمة أن تسأله فدك – حسب قولهم – وهي عقار لا ريب فيها، لا يختلف فيها اثنان، ولا يتناطح فيها كبشان.
وأما إغضاب الصديق فاطمة والقول بأنها رجعت ولم تكلمه حتى ماتت.
نعم! إنها رجعت عن القول بوراثة فدك، ولم تكلمه في هذا الموضوع حتى آخر حياتها.
وأما غصب حقوقها فها هو المجلسي وهو على تعنّفه وتعنّته يضطر إلى أن يقول:
стр. 2425
إن أبا بكر لما رأى غضب فاطمة قال لها: أنا لا أنكر فضلك وقرابتك من رسول الله ﵇، ولم أمنعك من فدك إلا امتثالاً بأمر رسول الله، وأشهد الله على أني سمعت رسول الله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وما تركنا إلا الكتاب والحكمة والعلم، وقد فعلت هذا باتفاق المسلمين ولست بمتفرد في هذا، وأما المال فإن تريدينها فخذي من مالي ما شئت لأنك سيدة أبيك وشجرة طيبة لأبنائك، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضلك" (حق اليقين) (ص٢٠١، ٢٠٢) – ترجمة من الفارسية).
فهل بعد هذا يمكن لأحد أن يقول: إن أبا بكر أغضبها، وغصب حقها، وأراد إيذاءها، وأقلقها، وأفلسها لأغراضه وأهدافه؟
اللهم إلا من عمي قلبه، وتحجر عقله، وأفلس ذهنه، واختلت حواسه؟
فالعمارة التي أرادوا بنائها على هذا الأساس الواهي لإقامة المآتم ومجالس اللعن والطعن على غصب حقوق أهل البيت، وإثبات المنافرة والعداوة بين خلفاء النبي وأصحابه وبين أهل بيته كانت مهدمة يوم أرادوا بناءها، والقصة التي أرادوا أن ينسجوها من الوهم والخيال راحت على أدراج الرياح وكانت هباء منثوراً، وقبل ذلك أقام القيامة على السبئيين سيد أهل البيت وزوج فاطمة، عليّ بن أبي طالب ﵄ يوم تولى الأمر كما ذكره السيد مرتضى الملقب بعلم الهدى إمام الشيعة:
"إن الأمر لما وصل إلى علي بن أبي طالب كلّم في رد فدك، فقال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر" (الشافي) للمرتضى (ص٢٣١) أيضاً (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ج٤).
ولأجل ذلك لما سئل أبو جعفر محمد الباقر عن ذلك وقد سأله كثير النوال "جعلني الله فداك أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم شيئاً أو قال: ذهبا من حقكم بشيء؟ فقال: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل، قلت: جعلت فداك أفأتولاهما؟
قال: نعم ويحك تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٤/ ٨٢).
وأخو الباقر زيد بن علي بن الحسين قال أيضاً في فدك مثل ما قاله جده الأول علي بن أبي طالب وأخوه محمد الباقر لما سأله البحتري بن حسان وهو يقول: قلت لزيد بن علي ﵇ وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة ﵍، فقال: إن أبا بكر كان رجلاً رحيماً، وكان يكره أن يغير شيئاً فعله رسول الله ﷺ فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله ﷺ أعطاني فدك، فقال لها: هل لك على هذا بينة، فجاءت بعلي ﵇ فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت: ألستما تشهدان أني من أهل الجنة قالا: بلى، قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر: قالت: فأنا أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها فدك فقال أبو بكر: فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية، ثم قال زيد: أيم الله! لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيه بقضاء أبي بكر" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٤/ ٨٢).
فهل بعد هذا يحتاج الأمر إلى الإيضاح أكثر من ذلك؟
وقبل أن نأتي إلى آخر الكلام نريد أن نثبت ههنا روايتين رواهما الكليني في هذا الخصوص، فأما الأولى فهي التي رواها عن أبي عبد الله جعفر أنه قال: الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول الله ﷺ وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء" (الأصول من الكافي) كتاب (الحجة) باب الفيء والأنفال (١/ ٥٣٩).
وهذه صريحة في معناها بأن الإمام بعد النبي أحق الناس بالتصرف فيها.
والرواية الثانية التي نذكرها هي طريفة ومروية أيضاً في الأصول من الكافي أن أبا الحسن موسى - الإمام السابع للقوم - ورد على المهدي، ورآه يردّ المظالم فقال: يا أمير المؤمنين! ما بال مظلمتنا لا ترد؟
فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: فدك، فقال له المهدي: يا أبا الحسن! حدّها لي، فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر، وحد منها دومة الجندل" (الأصول من الكافي" باب الفيء والأنفال (١/ ٥٤٣).
يعني نصف العالم كله، انظر إلى القوم وأكاذيبهم، فأين قرية من خيبر من نصف الدنيا؟ فيا عجباً للقوم ومبالغتهم، كيف يعظمون الحقير، وكيف يكبرون الصغير؟ وفي هذه دليل لمبالغات القوم وترهاتهم.
وعلى ذلك نُتم هذا البحث في فدك وفضائل أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الصادق الأمين وأفضليته وأحقيته بالخلافة والإمامة بعد النبي ﵊، وحبه لأهل بيت النبي في ضوء أقوال أهل البيت وأفعالهم، ومن كتب القوم أنفسهم، وثم ننتقل إلى الرجل الثاني الخليفة الراشد الفاروق، الفارق بين الحق والباطل، ﵁ وأرضاه.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٨٣
стр. 2426
تمهيد وأما عمر بن الخطاب، فارس الإسلام وأمير المؤمنين، عبقري الملة، وقطب رحى المسلمين، وباني مجدهم، ومؤسس شوكتهم، وفاتح القيصرية، وهازم الكسروية، ورافع راية الله، ومعلي كلمته، موصل الدين من قلب الجزيرة إلى أقصى العالم، وناشر العدل، ومنفذ الشريعة الغراء على كل قريب وبعيد، ومساو بين كل جبار عنيد ومحتقر حقير، غير خائف في الحق لومة لائم، ولا آبه من عذل عاذل، ماحي الشرك والبدعة والكفر والضلال، حامي الحق والشريعة، الفارق بين الحق والباطل، العادل بين الرعية, خاصتهم وعامتهم أميرهم ومأمورهم، المعز لدين الله والحق، والمذل للطاغوت والكفر والأوثان، الأمين الراشد، المرشد المصلح رضي الله تعالى عنه كان محبوباً إلى أهل بيت النبي كما كان حبيباً إلى سيد ولد آدم محمد ﷺ الذي قال فيه صلوات الله وسلامه عليه وهو يمشي على الأرض ﵁: ((دخلت الجنة .. ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب)) (متفق عليه). (١)
وقال ﵇، والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى: ((بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة (الصديق) فنزع منها ذنوباً -الذنوب: الدلو وفيها ماء- أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً -دلو عظيمة- فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقرياً ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن "أي حتى أرووا إبلهم فأبركوها، وضربوا لها عطناً، وهو مبرك الإبل حول الماء " – وفي رواية – حتى روى الناس وضربوا بعطن)) (٢) (متفق عليه). (من تعليقات الشيخ الألباني على مشكاة المصابيحوقال ﷺ : ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) (رواه الترمذي). (٣)
فهذا هو عمر بن الخطاب ﵁ بلسان نبيه ﷺ ، ولقد ذكرنا منه أحاديث ثلاثة من إمام الكونين ورسول الثقلين فداه أبواي وروحي ﷺ من كتب السنة المعتبرة خلاف عهدنا ودأبنا في هذا الكتاب بأننا لا ننقل شيئاً إلا من كتب القوم أنفسهم لأننا سوف نروي عن علي بن أبي طالب ﵁ سيد أهل البيت، والإمام المعصوم الأول عند القوم - أنه يؤيد هذه الأحاديث الثلاثة بأقواله الواضحة، وتصريحاته المكشوفة، والمروية المذكورة المورودة في بطون كتب القوم وأوراقها وصفحاتها.
فلنرى ماذا يقول أهل البيت وسادتهم في هذا المصلح المحسن للأمة الإسلامية البيضاء.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص ٩١
стр. 2427
المطلب الأول: موقف علي بن أبي طالب ﵁ من الفاروق عمر ﵁
يقول علي بن أبي طالب ﵁ وهو يذكر الفاروق وولايته مصدقاً لرؤيا سيد ولد آدم ﷺ الذي رآه وبشر به عمر بن الخطاب ﵁.
"ووليهم وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" ("نهج البلاغة" بتحقيق صبحي الصالح تحت عنوان "غريب كلامه المحتاج إلى التفسير" ص٥٥٧ ط دار الكتاب بيروت، أيضاً (نهج البلاغة) بتحقيق الشيخ محمد عبده ج٤ ص١٠٧ ط دار المعرفة بيروت).
وقال الميثم البحراني الشيعي، شارح نهج البلاغة، وكذلك الدنبلي شرحاً لهذا الكلام "أن الوالي عمر بن الخطاب، وضربه بجرانه كناية بالوصف المستعار عن استقراره وتمكنه كتمكن العير البارك من الأرض" ("شرح نهج البلاغة" لابن الميثم ج٥ ص٤٦٣، أيضاً "الدرة النجفية" ص٣٩٤).
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي تحت هذه الخطبة، ويذكرها من أولها "وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب، وهذا الكلام من خطبة خطبها في أيام خلافته طويلة يذكر فيها قربه من النبي ﷺ واختصاصه له، وإفضاءه بأسراره إليه حتى قال فيها: فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلاً منهم فقارب وسدد حسب استطاعته على ضعف وجد كانا فيه، ثم وليهم بعده وال، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٤/ ٥١٩).
فانظر إلى عليّ وكيف يطبق هذه الأوصاف على أبي بكر وعمر ﵄ تصديقاً لرؤيا رسول الله ﷺ حرفاً بحرف، ويجعل الفاروق مصداقاً لبشارته ﵇، وكيف يقر ويعترف بأن الدين قد استقر في عهده المبارك، والإسلام قد تمكن في الأرض في أيام خلافته الميمونة، فهل لمتمسك أن يتمسك من الشيعة بقول علي بن أبي طالب - الإمام المعصوم عندهم الذي لا يخطئ –؟
ثم والخطبة التي مدح فيها عمر، وجعله مورد ومصداق بشرى الرسول هي خطبة ألقاها في أيام خلافته حيث لم يكن هناك ضرورة للتقية الشيعية التي ألصقوها تهمة بخيار الخلائق رضوان الله ورحمته عليهم.
وكم هناك من خطب لعليّ، المنقولة في (نهج البلاغة) التي تدل على نفس المعنى بأن الفاروق كان سبباً لعز الدين، ورفعة الإسلام، وعظمة المسلمين، وتوسعة البلاد الإسلامية، وأنه أقام الناس على المحجة البيضاء، واستأصل الفتنة، وقوم العوج وأزهق الباطل، وأحيا السنة طائعاً لله خائفاً منه، فانظر إلى ابن عم رسول الله ووالد سبطيه وهو يبالغ في مدح الفاروق، ويقول:
"لله بلاد فلان، فقد قوم الأود، وداوى العمد وخلف الفتنة، وأقام السنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي بها الضال، ولا المستيقن المهتدي" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص٣٥٠) (نهج البلاغة) تحقيق محمد عبده (٢/ ٣٢٢).
ويقول ابن أبي الحديد: العرب تقول: لله بلاد فلان أي در فلان .. وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضى أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر .. وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي فقال لي: هو عمر، فقلت له: أثنى عليه أمير المؤمنين ﵇؟ فقال: نعم" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٣/ ٩٢ جزء١٢).
ومثله ذكر ابن الميثم (انظر لذلك (شرح النهج) لابن الميثم (٤/ ٩٦، ٩٧) والدنبلي وعلي نقي في الدرة النجفية (ص٢٥٧) وشرح النهج الفارسي (٤/ ٧١٢).
стр. 2428
هذا فلينظر كيف يعلن علي رضى الله عنه على ملأ الشهود عن الفاروق ﵁ بصوته الرفيع أنه قوم العوج، وعالج المرض، وعامل بالطريقة النبوية، وسبق الفتنة وتركها خلفا، لم يدركها هو، ولا الفتنة أدركته، وانتقل إلى ربه وليس عليه ما يلام عليه، أصاب خير الولاية والخلافة، ولحق الرفيق الأعلى، ولم يلوث في القتل والقتال الذي حدث بين المسلمين طائعاً لله، غير عاص، واتقى الله في أداء حقه، ولم يقصر فيه ولم يظلم.
فهذا هو الذي يليق أن يضرب الدين في عصره العطن.
وكان عليّ وهو قائد أهل البيت يعد الفاروق ملجأ للإسلام، ومأوى للمسلمين ومرجعهم، فانظر كيف يصفه بهذه الأوصاف ولقد استشاره في الخروج إلى غزو الروم فقال له:
إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلاً محرباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأ للناس ومثابة للمسلمين" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح ص١٩٣).
ويكتب ابن أبي الحديد تحته شرحاً لهذه الخطبة "فتنكب مجزوم لأنه عطف على تسر وكهفة أي كهف يلجأ إليه، ويروي كانفة أي جهة عاصمة .. ، وحفزت الرجل أحفزه أي دفعته وسقته سوقاً شديداً وردأ أي عوناً، ومثابة أي أمنا، ومنه قوله تعالى: مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة: ١٢٥]، أشار ﵇ أن لا يشخص بنفسه حذراً أن يصاب فيذهب المسلمون كلهم لذهاب الرأس، بل يبعث أميراً من جانبه على الناس ويقيم هو في المدينة، فإن هزموا كان مرجعهم إليه" (شرح نهج البلاغة) (٢ جزء٨ ص٣٦٩، ٣٧٠).
والقارئ حينما يقرأ هذه الخطبة يعرف الحب المتدفق من خلال الكلمات للفاروق والحرص على شخصه وحياته، والرجاء والتمني لبقائه في الحكم والخلافة ذخرا للإسلام والمسلمين رغم أنوف المبغضين والطاعنين فيه، ثم الجدير بالذكر أن الفاروق ﵁ كان مصمماً للمسير إلى المعركة بنفسه والمرتضى علي ﵁ كان يعرف ذلك، ومع ذلك أراد منعه قدر المستطاع لما كان يراه سبباً لعز الإسلام ومجده وشموخه، وأن لا يمسه سوء حتى لا تنقلب على الإسلام ودولته قالة ولا تدور عليه الدائرة، وأكثر من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يريد أن ينيب عنه في العاصمة الإسلامية علي بن أبي طالب ﵄ (يأتي ذكره في محله مفصلاً) وكانت له فرصة ذهبية لأخذه زمام الأمور واسترداد الحقوق الموهمة التي يظنها القوم بأنها سلبت، وقد ملؤوا من ذكرها الكتب والصحف ولطالما بكوا عليها بكاء مراً وبكاء إخوة يوسف حيث القضية بالعكس تماماً، لأن الذي ينيبون عنه، ويصيرون وكلاءه ومحاميه ومدافعيه، بل ومحاربيه ومقاتليه يظهر الأمر منعكساً تماماً، وكان عليّ طوال مدة خلافته هكذا معه لا يريد أن يلقي نفسه في المخاطر فصار كالرقيب عليه، محافظاً على حياته، ساهراً على مصالحه، راجياً له البقاء والدوام، ناصحاً مناصحاً لله وفي الله وصلاح الأمة وفلاحها، ولذلك لما استشاره في الشخوص لقتال الفرس بنفسه منعه من ذلك وقال له:
стр. 2429
"إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة. وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعدّه وأمدّه، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه: فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. والعرب اليوم، وإن كانوا قليلاً، فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع! فكن قطباً واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة" (نهج البلاغة) بتحقيق صبحي (ص٢٠٣، ٢٠٤) تحت عنوان "ومن كلام له (أي علي) ﵇ وقد استشاره عمر في الشخوص لقتال الفرس بنفسه").
فهل بعد ذلك شك لشاك بأن علياً ﵁ كان يعدّ الفاروق مصداقاً لرؤيا رسول الله ﷺ الذي أخبر عنه، وبشر به المسلمين بأن الإسلام يبلغ مداه في عصره وعهده، ولذلك يقول علي ﵁: ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده إلخ. فإنه بذلك يشير إلى قوله ﷺ : ((ثم استحالت غرباً فأخذها عمر بن الخطاب، فلم أر عبقرياً ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن)). (١)
صدق رسول الله ﷺ .
وأكثر من ذلك يلفت أنظار الناس بكلامه هذا إلى وعد الله كما ورد في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:٥٥].
فالمقصود من انتباهه وتوجيهه بقوله: ونحن على موعود من الله: بأن الله وعد المؤمنين والعاملين الصالحات التمكن في الأرض والاستخلاف، فنحن المؤمنين وأنت أيها الفاروق أميرنا، والله ينجز وعده في عهدك وخلافتك، وينصر جنده الذين يقاتلون تحت رايتك وقيادتك الحكيمة وتوجيهاتك الرشيدة لأن دين الله لا بد له أن يظهر ويغلب - حتى يبلغ بجرانه، لأنك أنت القيم بأمره، ومدبر لقضاياه، وبك شأنه ومكانه، فإن أنت فقدت ضاع الأمر، وانتشر الجمع، وضعفت القوة، وانكسرت الشوكة، وافترق الناس حتى لن يرجى اجتماعهم واتحادهم بعد ذلك أبداً (فكان كما قال، فتحت أبواب الفتن بعد شهادته ولم تغلق بعده حتى اليوم، وقد ورد في ذلك المعنى حديثاً أيضاً) فإذا انقطع النظام تفرق الجزر وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً. وأيضاً أشار بذلك إلى دعاء النبي ﷺ : ((اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)) (٢) ,
- رواه المجلسي في (بحار الأنوار) عن محمد الباقر –" (بحار الأنوار) ج٤ كتاب السماء والعالم) فإن دعاء الرسول لا بد له أن يقبل.
стр. 2430
ونبّه سيد أهل البيت الناس مع من فيهم الذين يدعون أنهم شيعته بأن الفاروق ليس كواحد من الناس، بل إنه قطب، وعليه يدور رحى الإسلام والعرب المسلمين، فلولا القطب ليس للرحى بأن تدور، وأنى لها ذلك؟ ولذلك يلح عليه بقوله: فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها: لأنهم يعرفون أن الفاروق هو الأصل، وإن استؤصل لا يبقى للفرع أثر، وإنه هو القطب، وإن كسر تنكسر الرحى ولا تدور، وأيضا إنك أنت الحامي حمى القوم، وحافظ عوراتهم، فلا نتركك بأن تبرح عنا وتدخل نفسك في غمار الموت، لأننا لا نستغني عنك، ونستغني بك قوماً آخرين.
فما أحسن ما عبّر بهم علي بن أبي طالب ما يختلج في صدره، ويكنه في ضميره، ويعتقد به في معتقداته تجاه الفاروق عمر بن الخطاب ﵄ ورضيا عنه.
هذا وكان علي ﵁ يعتقد أن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وكان يرى بأنه محدث بأخبار الرسول، ولذلك لم يكن يخالف سيرته وعمله حتى وفي الأمور الصغيرة والتافهة، وقد نقل الدينوري الشيعي أنه لما قدم الكوفة "قيل له: يا أمير المؤمنين! أتنزل القصر؟ قال: لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب كان يبغضه، ولكني نازل الرحبة، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة" (الأخبار الطوال) لأحمد بن داود الدينوري (ص١٥٢).
وكذلك لما تكلم في رد فدك أبي أن يعمل خلاف ما فعله عمر، فهذا هو السيد مرتضى يقول: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب كلم في رد فدك، فقال: إني لأستحي من الله أن أردّ شيئاً منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر" كتاب (الشافي في الإمامة) (ص٢١٣) أيضاً (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد).
وننقل هنا روايات ثلاثة تأييداً لهاتين الروايتين نقلناها من كتب القوم.
الأولى من حسن بن علي بن أبي طالب ﵄ أنه قال: لا أعلم علياً خالف عمر، ولا غيّر شيئاً مما صنع حين قدم الكوفة" (رياض النضرة) لمحب الطبري (٢/ ٨٥).
والرواية الثانية "أن أهل نجران جاءوا إلى علي يشتكون ما فعل بهم عمر، فقال في جوابهم: إن عمر كان رشيد الأمر، فلا أغير شيئاً صنعه عمر" (البيهقي) (١٠/ ١٣٠) (الكامل) لابن أثير (٢/ ٢٠١) ط مصر، (التاريخ الكبير) للإمام البخاري (٤/ ١٤٥) ط الهند، كتاب (الخراج) لابن آدم (ص٢٣) ط مصر، "كتاب (الأموال) (ص٩٨) (فتوح البلدان) (ص٧٤).
والرواية الثالثة أن علياً قال حين قدم الكوفة: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر" كتاب (الخراج) لابن آدم (ص٢٣) أيضاً (فتوح البلدان) للبلاذري (ص٧٤) ط مصر).
وما كان كل هذا إلا لأنه يراه رجلاً ملهماً حسب إخبار الرسول ﷺ ، ورجلاً مسدداً يدور معه الحق أينما دار.
وأما كون عمر رجلاً من أهل الجنة كما ورد في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ الذي رويناه، فلقد شهد بذلك علي بن أبي طالب وابن عمه وأحد قواده من المعتمدين وأمرائه الموثوقين عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين.
стр. 2431
ولقد أورد هذه الرواية ابن أبي الحديد أن الفاروق لما طعن، وطعنه أبو لؤلؤة المجوسي الفارسي دخل عليه ابنا عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب ﵃ فيقول ابن عباس: فسمعنا صوت أم كلثوم (بنت علي ﵁ واعمراه، وكان معها نسوة يبكين فارتج البيت بكاء، فقال عمر: ويل أم عمر إن الله لم يغفر لهم، فقلت: والله! إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: ٧١] , إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين وسيد المسلمين تقضي بالكتاب وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي، فاستوى جالساً فقال: أتشهد لي بهذا يا ابن عباس؟ فكعكعت أي جبنت، فضرب عليّ ﵇ بين كتفي وقال: اشهد، وفي رواية لم تجزع يا أمير المؤمنين؟ فوالله لقد كان إسلامك عزاً، وإمارتك فخراً، ولقد ملأت الأرض عدلاً، فقال: أتشهد لي بذلك يا ابن عباس! قال: فكأنه كره الشهادة فتوقف، فقال له علي ﵇: قل: نعم، وأنا معك، فقال: نعم" (ابن أبي الحديد) (٣/ ١٤٦) ومثل هذا في "كتاب (الآثار) (ص٢٠٧) (سيرة عمر) لابن الجوزي (ص١٩٣) ط مصر).
وأكثر من هذا أن علياً - وهو الإمام المعصوم الأول عند القوم - كان يؤمن بأنه من أهل الجنة لما سمعه من لسان خيرة خلق الله محمد المصطفى الصادق الأمين ﷺ ، ولأجل ذلك كان يتمنى بأن يلقى الله بالأعمال التي عملها الفاروق عمر ﵁ في حياته، كما رواه كل من السيد مرتضى وأبو جعفر الطوسي وابن بابويه وابن أبي الحديد.
لما غسل عمر وكفن دخل علي ﵇ فقال: ﵌ ما على الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجي (أي المكفون) بين أظهركم" كتاب (الشافي) لعلم الهدى (ص١٧١) و (تلخيص الشافي) للطوسي (٢/ ٤٢٨) ط إيران، و (معاني الأخبار) للصدوق (ص١١٧) ط إيران).
ووردت هذه الرواية في كتب السنة بتمامها في (المستدرك) للحاكم (٣/ ٩٣) مع (التلخيص) للذهبي و (مسند أحمد) (مسندات علي) (وطبقات ابن سعد) (أحوال عمر) (٣/ ٢٦٩، ٢٧٠) ط ليدن) ومثله ورد في البخاري ومسلم.
وأما ابن أبي الحديد فيذكر "طعن أمير المؤمنين فانصرف الناس وهو في دمه مسجى لم يصل الفجر بعد، فقيل: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فرفع رأسه وقال: لاها الله إذن، لا حظ لامرئ في الإسلام ضيع صلاته، ثم وثب ليقوم فانبعث جرحه دماً فقال: هاتوا لي عمامة، فعصب جرحه، ثم صلى وذكر، ثم التفت إلى ابنه عبد الله وقال: ضع خدي إلى الأرض يا عبد الله! قال عبد الله: فلم أعج بها وظننت أنها اختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى: ضع خدّي إلى الأرض يا بني، فلم أفعل، فقال الثالثة: ضع خدّي إلى الأرض لا أم لك، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه أن يضعه هو إلا ما به من الغلبة، فوضعت خدّه إلى الأرض حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من أضعاف التراب وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينه، فأصغيت أذني لأسمع ما يقول فسمعته يقول: يا ويل عمر وويل أم عمر إن لم يتجاوز الله عنه، وقد جاء في رواية أن علياً ﵇ جاء حتى وقف عليه فقال: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى" (شرح النهج) لابن أبي الحديد (٣/ ١٤٧).
فهل بعد ذلك مجال لقائل أن يقول بأن علياً وهو سيد أهل البيت لم يكن يعدّ عمر رجلاً من أهل الجنة؟ فمن من الناس يرجى أن يكون عمله وصحيفته كصحيفته وعمله؟.
فهل هناك أكثر من ذلك؟ نعم! هناك أكثر وأكثر، فلقد شهد علي ﵁: "إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر" كتاب (الشافي) (٢/ ٤٢٨).
وقال فيه وفي أبي بكر في رسالته: إنهما إماما الهدى، وشيخا الإسلام، والمقتدى بهما بعد رسول الله، ومن اقتدى بهما عصم" (تلخيص الشافي) للطوسي (٢/ ٤٢٨).وأيضا روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر)). (١)
(عيون أخبار الرضا) لابن بابويه القمي (١ ص٣١٣) أيضاً (معاني الأخبار) للقمي (ص١١٠) أيضاً (تفسير الحسن العسكري).
والجدير بالذكر أن هذه الرواية رواها عليّ عن الرسول الكريم ﷺ ، وقد رواها عن علي ابنه الحسن ﵄.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص٩٢
стр. 2432
المطلب الثاني: مدح أهل البيت الفاروق
هذا ولقد مدحه ابن عباس ﵁ وهو أحد أعلام أهل بيت النبوة وسادتهم وابن عم النبي ﵇ بقوله: رحم الله أبا حفص كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومنتهى الإحسان، ومحل الإيمان، وكهف الضعفاء، ومعقل الحنفاء، وقام بحق الله صابراً محتسباً حتى أوضح الدين، وفتح البلاد، وآمن العباد" (مروج الذهب) للمسعودي الشيعي (٣/ ٥١) (ناسخ التواريخ) (٢/ ١٤٤) ط إيران).
هذا وقد بالغ في مدحه سائر أهل البيت كما مر في ذكر الصديق ﵁ عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي، وعن ابنه محمد الباقر، وزيد الشهيد، وعن ابن الباقر جعفر، الملقب بالصادق، وأنه كان يأتي إلى قبرهما ويسلم عليهما، وكان يتولاهما، كل شيء من ذلك في ضمن ذكر الصديق أبي بكر بن أبي قحافة ﵄.
وقبل أن ننتقل إلى شيء آخر نريد أن نضيف إلى ما ذكرنا رواية أخرى أوردها الكليني في كتاب (الروضة من الكافي).
إن جعفر بن محمد - الإمام السادس المعصوم لدى الشيعة - لم يكن يتولاهما فحسب، بل كان يأمر أتباعه بولايتهما أيضاً، فيقول صاحبه المشهور لدى القوم أبو بصير: كنت جالساً عند أبي عبد الله ﵇ إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه. فقال أبو عبد الله ﵇: أيسرّك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها. قال: وأجلسني على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما (أي أبي بكر وعمر) فقال لها: توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته: إنك أمرتني بولايتهما؟ قال: نعم" (الروضة من الكافي) (٨/ ١٠١) ط إيران تحت عنوان "حديث أبي بصير مع المرأة").
فهذا هو الإمام السادس للقوم الذي جعلوا مذهبهم على اسمه، وشريعتهم على رسمه، حيث سموا أنفسهم جعفريين، ومذهبهم الجعفري، لا يتولى أبا بكر وعمر نفسه بل يأمر أتباعه أيضاً بتوليهما، فرحمة الله عليهم جميعاً، ورحمة ربنا على من يتمثل بأمره وأمر آبائه في ولاية أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وغيرهما وأصحاب النبي صلوات الله وسلامه ورضوانه عليهم أجمعين.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١٠٣
стр. 2433
المطلب الثالث: تزويج المرتضى أم كلثوم من الفاروق
وعلى هذا زوج علي بن أبي طالب ﵁ ابنته التي ولدتها فاطمة بنت النبي ﷺ من الفاروق ﵁ حينما سأله زواجها منه رضي بما يطلب، وثقة فيه، واعتماداً به، وإقراراً بفضائله ومناقبه، واعترافاً بمحاسنه وجمال سيرته، وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من اليهود وأعداء الأمة المجيدة، ويرغم أنوفهم، ولقد أقر بهذا الزواج كافة أهل التاريخ والأنساب وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم، ولقد أوردنا روايات بخصوص ذلك في كتابنا (الشيعة والسنة).
وإتماماً للفائدة وإكمالا للبحث نورد ههنا بعض الروايات الأخرى التي لم نوردها هناك، فيقول المؤرخ الشيعي أحمد بن أبي يعقوب في تاريخه تحت ذكر حوادث سنة (١٧) من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁:
"وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، وأمها فاطمة بنت رسول الله، فقال علي: إنها صغيرة! فقال: إني لم أرد حيث ذهبت. لكني سمعت رسول الله يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري، فأردت أن يكون لي سبب وصهر برسول الله، فتزوجها وأمهرها عشرة آلاف دينار" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٤٩، ١٥٠).
وأيضاً ذكر ذلك الطبري في تاريخه (تاريخ الأمم والملوك) (٥/ ١٦) ط مصر القديم) وابن كثير في (البداية والنهاية) (٧/ ١٣٩) وابن الأثير في (الكامل) (٣/ ٢٩) ط دار الكتاب بيروت) و (طبقات ابن سعد) (ص٣٤٠) ط ليدن وأبو الفداء في تاريخه وغيرهم وهم كثيرون.
وأقر بذلك الزواج أصحاب الصحاح الأربعة الشيعية أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كافيه بأن علياً زوج ابنته أم كلثوم من الفاروق ﵄.
وروى أيضاً عن سليمان بن خالد أنه قال: سألت أبا عبد الله ﵇ جعفر الصادق - عن امرأة توفي زوجها أين تعتد؟ في بيت زوجها أو حيث شاءت؟ قال: بلى حيث شاءت، ثم قال: إن علياً لمّا مات عمر أتى أم كلثوم فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته" (الكافي في الفروع) كتاب الطلاق، باب المتوفي عنها زوجها (٦/ ١١٥، ١١٦) وفي نفس الباب رواية أخرى عن ذلك، وأورد هذه الرواية شيخ الطائفة الطوسي في صحيحه (الاستبصار) أبواب العدة، باب المتوفي عنها زوجها (٣/ ٣٥٣) ورواية ثانية عن معاوية بن عمار، وأوردهما في (تهذيب الأحكام) باب في عدة النساء (٨ ص١٦١).
وهنالك رواية أخرى رواه الطوسي عن جعفر - الإمام السادس عندهم - عن أبيه الباقر أنه قال: ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخرة وصلي عليهما جميعاً" (تهذيب الأحكام) كتاب الميراث، باب ميراث الغرقى والمهدوم، (٩/ ٢٦٢).
وذكر هذا الزواج من محدثي الشيعة وفقهائها السيد مرتضى علم الهدى في كتابه (الشافي) (ص١١٦) وفي كتابه (تنزيه الأنبياء) (ص١٤١ ط إيران) وابن شهر آشوب في كتابه (مناقب آل أبي طالب) (ج٣ ص١٦٢ ط بمبئى الهند) والأربلي في "كشف الغمة في معرفة الأئمة" (ص١٠ ط إيران القديم) وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (ج٣ ص١٢٤) ومقدس الأردبيلي في "حديقة الشيعة" (ص٢٧٧) ط طهران) والقاضي نور الله الشوشتري الذي يسمونه بالشهيد الثالث في كتابه (مجالس المؤمنين) (ص٧٦) ط إيران القديم، أيضاً (ص٨٢).
ويقول وهو يذكر المقداد بن الأسود: إن النبي أعطى بنته لعثمان، وإن الولي زوج بنته من عمر" (مجالس المؤمنين) (ص٨٥).
стр. 2434
وأيضاً ذكر هذا الزواج في كتابه (مصائب النواصب) (ص١٧٠) ط طهران) وأيضاً السيد نعمت الله الجزائري في كتابه (الأنوار النعمانية) والملا باقر المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) (باب أحوال أولاده وأزواجه (ص٦٢١) ط طهران) والمؤرخ الشيعي المرزه عباس علي القلي في تاريخه (تاريخ طراز مذهب مظفري) فارسي، باب حكاية تزويج أم كلثوم من عمر بن الخطاب) ومحمد جواد الشري في كتابه (أمير المؤمنين) (ص٢١٧) تحت عنوان "علي في عهد عمر" ط بيروت) والعباسي القمي في (منتهى الآمال) (١/ ١٨٦) فصل٦ تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين" ط إيران القديم) وغيرهم الذين بلغ عددهم حد التواتر، ولا ينكر ذلك إلا مكابر جاهل أو مجادل متنكر.
ولقد استدل بهذا الزواج فقهاء الشيعة على أنه يجوز نكاح الهاشمية من غير الهاشمي، فكتب الحلّي في شرائع الإسلام "ويجوز نكاح الحرة العبد، والعربية العجمي، والهاشمية غير الهاشمي" (شرائع الإسلام) في الفقه الجعفري للحلي، كتاب النكاح، المتوفي ٦٧٢).
وكتب تحت هذا شارح الشرائع زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني "وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بأبي العاص بن الربيع، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم" (مسالك الأفهام شرح شرائع الإسلام) باب لواحق العقد ج١).
ونريد أن نختم الكلام في هذا الموضوع برواية ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي.
"إن عمر بن الخطاب وجه إلى ملك الروم بريداً، فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيباً بدنانير، وجعلته في قارورتين وأهدتهما إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارورتين جواهر، فدخل عليها عمر وقد صبت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهو عوض هديتي؟ قال: بيني وبينك، أبوك، فقال علي ﵇: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله" (شرح نهج البلاغة) (٤/ ٥٧٥) ط بيروت ١٣٧٥هـ).
ولقد ذكر هذا الزواج علماء الأنساب والتراجم أيضاً مثل البلاذري في (أنساب الأشراف) (١/ ٤٢٨) ط مصر) وابن حزم في (جمهرة أنساب العرب) (ص٣٧، ٣٨) ط مصر) والبغدادي في كتابه (المحبر) (تحت عنوان أصهار علي) (ص٥٦ و٤٣٧) ط دكن) والدينوري في "المعارف" (تحت عنوان بنات علي ص٩٢ ط مصر وأيضاً ص٧٩، ٨٠ تحت عنوان أولاد عمر بن الخطاب) وغيرهم.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١٠٤
стр. 2435
المطلب الرابع: إكرام الفاروق أهل البيت واحترامه إياهم
ولم تكن هذه العلاقات من طرف واحد بل كل الأطراف كانوا معتنين بهذه العلاقات فكان الفاروق يجل أهل بيت النبي أكثر مما كان يجل أهل بيته هو، وكان يحترمهم ويقدمهم في الحقوق والعطاء على نفسه وأهل بيته، ولقد ذكر المؤرخون قاطبة أن الفاروق لما عيّن الوظائف المالية والعطاءات من بيت المال قدّم على الجميع بني هاشم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، ولاحترامه أهل بيته ﵊.
فها هو اليعقوبي يذكر ذلك بقوله:
ودون عمر الدواوين، وفرض العطاء سنة (٢٠) وقال: قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف (وكلهم أقرباء علي أخوه وأبناء عمه، هكذا كان الفاروق، فالعدل – العدل) وقال: اكتبوا الناس على منازلهم وابدءوا ببني عبد مناف، فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف (اللهم إلا أهل السنة، فإنهم ذكروا في كتبهم أن الفاروق "فرض لأبناء البدريين ألفين ألفين إلا حسناً وحسيناً فإنه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما من رسول الله ﷺ ، ففرضت لكل واحد منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم لقرابته من رسول الله ﷺ " (طبقات ابن سعد) (٣/ ٢١٣، ٢١٤) وكتاب (الخراج) لأبي يوسف (ص٤٣ - ٤٤) ط مصر، وفتوح البلدان (ص٤٥٤، ٤٥٥) وكتاب (الأموال) لأبي عبيد بن سلام ولقد روى البلاذري، ويحيى بن آدم، والطرابلسي وغيرهم عن جعفر بن محمد الباقر عن محمد الباقر وعن عبد الله بن الحسن وعن علي بن أبي طالب "إن عمر أقطع علياً ينبع فأضاف إليها غيرها" (فتوح البلدان للبلاذري (ص٢٠) وكتاب (الخراج) ليحيى بن آدم (ص٧٨) ط مصر القديم والإسعاف في أحكام الأوقاف للطرابلسي (ص٨) ط مصر .. ولنفسه أربعة آلاف (ومع هذا لا يستحي من الله من يقول: إن عمر غصب حقوق أهل البيت، وهذا هو اليعقوبي يلطم على وجوههم لطمات من الحق الذي وفقه الله أن يقره ويعترف به، وعمر يومئذ أمير المؤمنين، وعلي دونه) .. وكان أول مال أعطاه مالاً قدم به أبو هريرة من البحرين (نعم! أبو هريرة الذي يبغضه القوم أشد البغض، ليس إلا لأنه روى أحاديث سمعها من لسان رسول الله في مناقب أصحابه البررة، وخاصة الصديق والفاروق، نعم! ذلك أبو هريرة الذي جاء بالمال، فأخذ كلهم من مال الله الذي أتى به هو) مبلغه سبعمائة ألف درهم، قال (يعنى الفاروق): اكتبوا الناس على منازلهم، واكتبوا بني عبد مناف، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه، فلما نظر عمر قال: وددت والله أني هكذا في القرابة برسول الله، ولكن ابدءوا برسول الله ثم الأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٥٣) ط بيروت).
وأما ابن أبي الحديد فقال: لا بل ابدأ برسول الله ﷺ ، وبأهله، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم ببني عبد المطلب ثم بعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش، فقسم عمر مروطاً بين نساء المدينة، فبقي منها مرط حسن، فقال بعض من عنده: أعط هذا يا أمير المؤمنين! ابنة رسول الله التي عندك يعنون أم كلثوم بنت علي ﵇، فقال: أم سليط أهديه فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ ، وكانت تزفر لنا يوم أحد قرباً" (نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٣/ ١١٣، ١١٤).
هذا ولقد ثبت أن الفاروق كان يقدر ويكرم أهل البيت، ويكن لهم من الاحترام ما لم يكن للآخرين، وحتى وأهل بيته وخاصته.
стр. 2436
وذكر أن ابنة يزدجرد كسرى إيران أكبر ملوك العالم آنذاك لما سبيت مع أسارى إيران أرسلت مع من أرسل إلى أمير المؤمنين وخليفة رسول الله ﷺ عمر الفاروق الأعظم ﵁، وتطلع الناس إليها وظنوا أنها تعطي وتنفل إلى ابن أمير المؤمنين والمجاهد الباسل الذي قاتل تحت لواء رسول الله ﷺ في غزوات عديدة، لأنه هو الذي كان لها كفو، ولكن الفاروق لم يخصها لنفسه ولابنه ولا لأحد من أهل بيته، بل رجح أهل بيت النبوة فأعطاها لحسين بن علي ﵄، وهي التي ولدت علي بن الحسين ﵁ الذي بقي وحيداً من أبناء الحسين في كربلاء حياً وأنجب وتسلسل منه نسله" (فليحذر الذين يدعون أنهم من نسل الحسين، ثم يسبون الفاروق، ويعدونه ظالماً حق آل محمد، وغاصباً لخلافتهم، لولاه لما كان لهم وجود، وإن كان غاصباً فكيف رضي الحسين بأخذ الجارية منه التي سبيت في معركة من معاركه التي أقيمت تحت لوائه وحسب توجيهاته؟ فليتدبر، وهل من مفكر؟).
ولقد ذكر ذلك نسابة شيعي مشهور ابن عنبة "إن اسمها شهربانو قيل: نهبت في فسخ المدائن فنفلها عمر بن الخطاب من الحسين ﵇" (عمدة الطالب في أنساب أبي طالب) الفصل الثاني تحت عنوان عقب الحسين ص١٩٢).
كما ذكر ذلك محدث الشيعة المعروف في صحيحه الكافي في الأصول، عن محمد الباقر أنه قال:
لما قدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: أف بيروج باداهرمز، فقال عمر: أتشتمني هذه وهمّ بها، فقال له أمير المؤمنين ﵇: ليس ذلك لك، خيرها رجلاً من المسلمين وأحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين ﵇، فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين: بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله! لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت علي بن الحسين ﵇، وكان يقال لعلي بن الحسين ﵇: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدؤلي قال فيه:
وإن غلاماً بين كسرى وهاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم" (الأصول من الكافي) (١/ ٤٦٧) ناسخ التواريخ (١٠/ ٣، ٤).
وقبل ذلك ساعد أباه علياً في زواجه من فاطمة ﵄ كما مر سابقاً.
وإن الفاروق كان يبدأ الخمس والفيء بأهل بيت النبوة كما كان الرسول ﵇ يعمل به، وبعده أبو بكر، ولقد ذكرنا هذا سابقاً عند ذكر الصديق وفدك "وكان أبو بكر يأخذ غلتها ويدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، ثم كان عليّ (على شاكلتهم وطريقتهم) كذلك" (شرح نهج البلاغة) لابن ميثم (٥/ ١٠٧) أيضاً (الدرة النجفية) (ص٣٣٢) وابن أبي الحديد أيضاً).
ومن إكرامه وتقديره لأهل البيت ما ذكره ابن أبي الحديد عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر عمر الحسين بن علي على أن يأتيه في بعض الحاجة, فلقي الحسين ﵇ عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٣/ ١١٠).
هذا وكان يقول في عامة بني هاشم ما رواه علي بن الحسن عن أبيه حسين بن علي أنه قال: قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة" (الآمالي) للطوسي (٢/ ٣٤٥) ط نجف).
ونقل الطوسي هذا والصدوق أيضاً أن عمر لم يكن يستمع إلى أحد يطعن في علي بن أبي طالب ولم يكن يتحمله، ومرة "وقع رجل في علي ﵇ بمحضر من عمر، فقال: تعرف صاحب هذا القبر؟ .. لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره" (الآمالي) للطوسي (٢/ ٤٦) أيضاً (الآمالي) للصدوق (ص٣٢٤) ومثله ورد في مناقب لابن شهر آشوب (٢/ ١٥٤) ط الهند).
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١٠٩
стр. 2437
المطلب الخامس: حب آل البيت ومبايعتهم إياه
وكان أهل بيت النبوة يتبادلون معه هذا الحب والتقدير والاحترام، ولم يستمعوا ولم يصغوا إلى من يتكلم فيه، أو يطعنه بطعنة، أو يعرّضه بتعريض، بل تبرؤا ممن فعل به هذا، وأنكروا عليه كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى.
وأكثر من ذلك كافؤوه على احترامه لهم وتقديره بهم حتى أعطوه ثمرة من ثمار النبوة، وزوّجها منه، وأطاعوه، وأخلصوا له الوفاء والطاعة، وناصحوه، وشاوروه بأحسن ما رأوه، واستوزرهم وتوزروه، وأنابهم فقبلوا نيابته، وجاهدوا تحت رايته، ولم يتأخروا في تقديم النصيحة له وما يطلب منهم وفق الكتاب والسنة، وبذلوا له كل غال وثمين.
فها هو علي بن أبي طالب يقر بذلك في رسالته التي أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر عامله على مصر، فيقول بعد ذكر الأحداث التي وقعت عقب وفاة الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه:
"فتولى أبو بكر تلك الأمور فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاّه فسمعنا وأطعنا وناصحنا
(وهذا رغم أنف كل من يأبى وينكر، ورغم أنف المتستر بنقاب س-خ، والملتجئ إلى الكذب، القائل في كتابه رداً علينا – وفي رده يثبت ما قلناه ويقر ما أثبتناه – وهو يظن بأنه يكذبنا ويكذب الحقائق الدامغة التي لا مفر عنها، فيقول بعد ما ينقل فضائل أبي بكر وعمر التي أوردناها يقول: لو كنت حاضراً تحت منبر علي حينما بكى، وخطب هذه الخطبة المفصلة في الثناء عليهما لقلت له: ما جرّأنا على مخالفتهما وانتقاصهما إلا أنت يا علي! لامتناعك أنت وأهل بيت رسول الله والخلّص من أصحاب رسول الله عن البيعة لهما مما اضطررتم عمر أن يحمل الحطب، ويأتي لدارك يريد حرقها بمن فيها. وفيها ابنة رسول الله ويقال له: إن فيها ابنة رسول الله. ويقول: وإن .. حتى أخرجاك قهراً. ولم تبايع أنت إلا بعد ستة أشهر وبعد موت زوجتك غاضبة عليهما على فعلتهما معك ومعها، حتى أوصتك أن تدفنها ليلاً – وقد فعلت – احتجاجاً على فعلهما معكما؟.
فإذا كنت تعلم – يا علي – أن هذه منزلتهما عند رسول الله فلماذا فعلت – أنت وأصحابك وزوجك – هذا الفعل وجرأتمونا على نقدهما على ارتكابهما ذلك الفعل؟.
ثم ولم تكتف – يا علي – حتى تدعي في خطابك مع معاوية بن أبي سفيان الذي عيرك هذه الحادثة وذكر أنهم أخرجاك كالجمل المخشوش، فقلت له مفتخراً:
وأوجب لي رسول الله فيكم ولايته غداة غدير خم
ثم وكيف تدعي يا علي (أن رسول الله لا يرى كرأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما حباً) وإنا نقرأ في التاريخ عدة قضايا رغب فيها عمر وخالفه رسول الله. فقد رأى عمر بعد وقعة بدر، أن يقدم رسول الله عمه العباس ويضرب عنقه، وتقدم أنت أخاك عقيلاً وتضرب عنقه، وخالفه رسول الله لأنه أخذ الدية وأطلقهما. وهكذا رأى عمر يوم فتح مكة أن يأمره رسول الله بضرب عنق أبي سفيان فامتنع رسول الله وأطلق سراحه وجعل بيته مأمناً للخائفين.
وأخيراً وليس آخراً. قول رسول الله عند موته: آتوني بكتف وقرطاس لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. فخالف عمر في ذلك وقال: عندنا كتاب الله ما فرط فيه من شيء مما أوجد رسول الله وأغضبه فطرده. وقال: قوموا فقاموا.
إلى كثير من أمثال هذه المخالفات فلماذا لا تقول الصحيح يا علي؟
ثم هبك – يا علي – علمت أنه في حياته لم يتجاوزوا أمره ورأيه، ولكن كيف علمت ذلك بعد وفاة رسول الله. وهل أعلمك رسول الله بذلك. وحينما وقعت بينهما – بين أبو بكر وعمر – مشادة في قضية خالد بن الوليد، كان رأي رسول الله مع من منهما.
ولا شك أن علياً سيقول: لعن الله الكاذب المفتري" كتاب (الشيعة والسنة في الميزان لصاحب قناع س – خ ص٨٨، ٨٩، ٩٠ ط بيروت).
стр. 2438
نعم وأنا أيضاً أقول: لعن الله الكاذب المفتري سواء كان صاحب برقع س-خ أو الصافي.
فشركما لخيركما الفداء
ولقد كذّبه علي بن أبي طالب حيث يقول: أيها السائل الكاذب المفتري الجريء على الجلوس تحت منبر لا أراك إلا من سلالة ابن ملجم حيث تسب وتشتم صهري زوج بنتي من فاطمة الزهراء بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتنسب إليّ ما لم أقله وما لم أفعله، وتكذب الفاروق وتكذبني، ثم تدعي حبي وولائي، وتقول بأنني أنا جرأتك عليهما، لست إلا من سلالة ابن سبأ الذي تنكر وجوده خوفاً ووجلاً من أفعاله وأعماله وأقواله التي تطابق أقوالك وآراءك حتى لا تفضح، ولا يطلع الناس على سريرتك وفضائحك. وأنت تعلم أنني أنا الذي قتلته وحرقته لما أراد فتنة في الدين. وفساداً في الشريعة واضطراباً في المسلمين، وقد ذكره أسلافك وقومك، فتأتي أنت في القرن الرابع عشر وتنكر وتتنكر، وقبلك كلهم اعترفوا بوجوده وأعماله القبيحة الشنيعة فلعنة الله على الكاذب والمنكر والمفتري.
لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ [النساء:١٤٨] فمن الكاذب والمفتري، أنت أو صاحبك؟
وأما سيد أهل البيت فمعاذ الله أن يناله سوء سريرتك وسلاطة لسانك، ثم وكم من خطب علي تنكرها؟، وأي عدد من العبارات تنكر عليها، وها قد ذكرنا خطبة علي وتدعي موالاته من كتابك أنت، نعم أنت وقومك، فأنتم جمعتموه، وأنتم علقتم عليه وحققتموه، وأنتم طبعتموه، ثم وأنتم قدمتموه إلى العالم بقولكم: ولأجل ذلك صار كتابه (أي الغارات) هذا، وسائر كتبه مرتعاً للشيعة، ومشرعاً لهم، فقلما تجد كتاباً معروفاً للشيعة يخلو من ذكره وروايته فالأولى أن نشير إلى جماعة ممن يروي عنه أو عن كتبه بلا واسطة أو معها" (مقدمة الغارات) للثقفي ص ع).
ومعنى هذا أن هذا الكتاب من أهم مراجع الشيعة، ومنها سرقوا كثيراً، فبفضل الله ومنّه فقد أثبتنا مرغمين أنوف المنكرين بأن علياً بايع الصديق والفاروق، وأخلص لهما الوفاء، ويقر بذلك نفسه وهذا بعد وفاتهما، فماذا يقول المنصفون؟ ألا يقولون: لعن الله الكاذب والمفتري ...
وتولى عمر الأمر، وكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة (الغارات) للثقفي (١/ ٣٠٧) والنقيبة هي النفس، وقيل: الطبيعة "رجل ميمون النقيبة مبارك النفس، مظفر بما يحاول" كما قال ابن منظور الأفريقي، وقال ابن السكيت: إذا كان ميمون الأمر ينجح فيما حاول ويظفر، وقال ثعلب: إذا كان ميمون المشورة، وفي حديث مجدي بن عمرو: إنه ميمون النقيبة أي متنجح الفعال، مظفر المطالب" (لسان العرب) لابن منظور الأفريقي (١/ ٧٦٨).
أي لم نتأخر في بيعته، ولم نبخل بالسمع والطاعة والمناصحة، لأن سيرته كانت طيبة، ونفسه كان ميموناً مباركاً، ناجحاً في أفعاله، مظفراً في مطالبه.
ولقد أثبت هذا الطوسي شيخ الطائفة لدى القوم في أماليه حيث يروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة، ودخلت حيث أدخلني" (الأمالي) للطوسي (٢/ ١٢١) ط نجف).
فبايعه علي بن أبي طالب، وسمعه، وأطاعه، وناصحه، ورضي بما أمر به، ودخل اللجنة التي جعلها لانتخاب الخليفة منها، وكان وزيره ومشيره وقاضيه، ولقد ذكرنا مواقع عديدة استشار فيها الفاروق من مستشاريه، وكان من بينهم علي بن أبي طالب ﵁، وعمل بمشورته فيها دون غيره كما ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي:
стр. 2439
"إن عمر شاور أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور علياً، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء! ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٥١، ١٥٢).
وكذلك وردت الروايات الكثيرة في المسائل القضائية أن علياً كان في طرف والباقين في جانب آخر فرجح الفاروق قضاء عليّ ورأيه، ولقد بوب المفيد الملقب بالشيخ باباً مستقلاً بعنوان "ذكر ما جاء من قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب" وأورد تحته قضايا مختلفة كثيرة حكم فيها عمر بقضاء علي ﵄، ومنها:
"إن عمر أتي بحامل قد زنت فأمر برجمها فقال له أمير المؤمنين ﵇: هب أن لك سبيلاً عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله تعالى يقول: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم عليها الحد، فسري بذلك عن عمر وعول الحكم به على أمير المؤمنين ﵇" (الإرشاد) (ص١٠٩).
وأيضا ذكر المفيد:
إنه استدعى امرأة كانت تتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل ثم مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الحكم في ذلك فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدباً، ولم ترد إلا خيراً، ولا شيء عليك في ذلك وأمير المؤمنين ﵇ جالس لا يتكلم في ذلك، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال: قد سمعت ما قالوا: قال: فما عندك؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا الدية على عاقلتك لأن قتل الصبي خطأ تعلق بك فقال: أنت والله نصحتني من بينهم والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي ففعل ذلك أمير المؤمنين ﵇ (الإرشاد) (ص١١٠).
وأيضاً "عن يونس عن الحسن أن عمر أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥] ويقول جل قائلاً: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] فإذا أتمت المرأة، الرضاعة سنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا" (الإرشاد) (ص١١٠).
وأيضاً "إن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضاً، فقال أمير المؤمنين ﵇: ردوها واسألوها فلعل لها عذراً، فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا وكان في إبله لبن، فنفد مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين ﵇: الله أكبر فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٧٣] فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها.
وعمل الفاروق في جميع هذه القضايا بقضاء عليّ، ونفّذ ما قاله لأنه كان يقول حسب رواية شيعية: علي أقضانا" (الأمالي) للطوسي (١/ ٢٥٦) ط نجف.
стр. 2440
فهذه قضاءاته، وتلك مشوراته، أفبعد هذا يمكن القول بأن علياً كان يخالف عمر ﵄، أو كان بينهما شيء؟، حتى ويقال إنه لم يبايعه هو وذووه.
فهل يتصور أن شخصاً لا يعترف ولا يقرّ بولاية أحد وخلافته ثم يشترك في الشورى في المسائل المهمة والنوائب الملمة، ويبدي رأيه الصائب، ويؤخذ بقوله ويقضى بين الناس، وينفذ قضاؤه؟.
وأكثر من ذلك وأصرح ما ورد أنه لم يكن قاضياً ومشيراً ووزيراً لصهره ونائب رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب فحسب، بل كان نائباً له في الحكم والحكومة فأنابه عمر سنة (١٥) من الهجرة لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين وشاور أصحابه فمنعه علي، وقال له: لا تخرج بنفسك، إنك تريد عدواً كلباً، فقال عمر: إنص أبادر بجهاز العدو موت العباس بن عبد المطلب إنكم لو فقدتم العباس لينقض بكم الشر – فانظر حب الفاروق لأهل بيت النبي وخاصة لعمه – كما ينتقض الحبل" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠).
فشخص عمر إلى الشام.
"وإن علياً ﵇ هو كان المستخلف على المدينة" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد ج٢ جزء ٨ ص٣٧٠).
هذا ولقد ذكر المؤرخون أن الفاروق ﵁ أناب المرتضى ﵁ ثلاث مرات في الحكم وعلى عاصمة المؤمنين سنة (١٤) من الهجرة عندما أراد غزو العراق بنفسه. وسنة (١٥) عند شخوصه لقتال الروم" (البداية والنهاية) لابن كثير (٧/ ٣٥) وص٥٥ ط بيروت، أيضاً (الطبري) (٤/ ٨٣) و (ص١٥٩) ط بيروت).
وعند خروجه إلى أيلة سنة (١٧) من الهجرة" (الطبري).
ولأجل ذلك قال علي ﵁ لما عزموا على بيعته: أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" (نهج البلاغة) (ص١٣٦) تحقيق صبحي).
يشير بذلك إلى وزارته أيام الصديق وخاصة عصر الفاروق ﵃.
ولأجل ذلك كان يقاتل هو وبنوه وأهله وذووه تحت رايته، ويقبلون منه الغنائم والهدايا والجواري والسبايا، ولو لم يكن خلافته حقاً لما كان القتال تحت رايته جهاداً، ولم يكن الجواري والإماء جوارياً وإماءً، ولم يجز قبولها والتمتع بها، وقد ثبت هذا كله كما ذكرناه سابقاً، وكما روى الشيعة أن حسن بن علي سبط رسول الله ﵊ قاتل تحت لواء الفاروق، وجاهد أيام خلافته وتحت توجيهاته وإرشاداته في الجيش الذي أرسل إلى غزو إيران ويقولون: إن في أصفهان مسجداً يعرف بلسان الأرض! ولقد سمي بهذا الاسم لأن حضرة الإمام الحسن المجتبى ﵇ لما جاء إلى أصفهان أيام خلافة عمر بن الخطاب مجاهداً في سبيل الله غازياً وفاتحاً لهذه البلاد مع عساكر الإسلام نزل في موضع هذا المسجد فتكلمت معه الأرض فسميت هذه البقعة لسان الأرض لتكملها معه" (تتمة المنتهى) للعباس القمي (ص٣٩٠) ط إيران).
وهذا وذلك دليل صدق على ما قلناه.
وأخيراً نريد أن نختم هذا البحث على مظهر يدل دلالة واضحة على حب أهل البيت الفاروق الأعظم رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك المظهر هو تسمية أهل البيت أبناءهم باسم الفاروق عمر، حباً وإعجاباً بشخصيته، وتقديراً لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقراراً بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة، والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم.
стр. 2441
فأول من سمى ابنه باسمه الإمام الأول المعصوم الذي لا يخطئ حسب معتقد القوم، ولقد سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية التي منحها الصديق أبو بكر ﵁، عمر كما ذكر المفيد واليعقوبي والمجلسي والأصفهاني وصاحب (الفصول)، فيقول المفيد في باب "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسمائهم": فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين. (٦) عمر (٧) رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة" (الإرشاد) للمفيد (ص١٧٦).
ويقول اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكراً الحسن والحسين ومحسن مات صغيراً، أمهم فاطمة بنت رسول الله .. وعمر، أمه أم حبيب بنت ربيعة البكرية" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢١٣) كذلك (مقاتل الطالبين) (ص٨٤) ط بيروت).
وأما المجلسي فيذكر "عمر بن علي من الذين قتلوا مع الحسين في كربلاء، وأمه أم البنين بنت الحزام الكلابية" (جلاء العيون) فارسي، ذكر من قتل مع الحسين بكربلاء (ص٥٧٠).
وصاحب (الفصول) يقول تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهي الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليه خالد بن الوليد بعين التمر، وعمّرعمر هذا حتى بلغ خمسة وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ﵇، وذلك أن جميع إخوته وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين - يعني أنه لم يقتل معهم - بالطف فورثهم" ("الفصول المهمة" منشورات الأعلمي طهران ص١٤٣، (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) (ص٣٦١) ط نجف، (تحفة الإهاب) (ص٢٥١، ٢٥٢) (كشف الغمة) (١/ ٥٧٥).
هذا وتبعه الحسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب ﵃، فسمى أحد أبنائه عمر أيضاً.
يكتب المفيد في باب "ذكر ولد الحسن بن علي ﵉ وعددهم وأسماؤهم".
"أولاد الحسن بن علي خمسة عشر ولداً ذكراً وأنثى (١) زيد. (٥) عمر (٦) قاسم (٧) عبد الله أمهم أم ولد" (الإرشاد) (ص١٩٤) (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢٢٨) (عمدة الطالب) (ص٨١) (منتهى الآمال) (١/ ٢٤٠) (الفصول المهمة) (ص١٦٦).
ويقول المجلسي:
كان عمر بن الحسن ممن استشهد مع الحسين بكربلاء" (جلاء العيون) (ص٥٨٢).
ولكن الأصفهاني يرى أنه لم يقتل، بل كان ممن أسر فيقول:
وحمل أهله (الحسين بعد قتله) أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب" (مقاتل الطالبين) (ص١١٩).
وابنه الثاني من فاطمة بنت رسول الله ﷺ الحسين ﵁ أيضاً سمى أحد أبنائه باسم عمر، كما ذكر المجلسي تحت ذكر من قتل من أهل البيت مع الحسين بكربلاء "قتل من أبنائه الحسين كما هو المشهور علي الأكبر، وعبد الله الذي استشهد في حجره، وبعضهم قالوا أيضاً: قتل من أبنائه هو عمر وزيد" (جلاء العيون) للمجلسي (ص٥٨٢).
هذا ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه أيضاً باسم عمه وزوجة عمته وصديق جده، عمر، كما ذكر المفيد في باب "ذكر ولد علي ﵇" قال: ولد علي بن الحسين ﵉ خمسة عشر ولداً (١) محمد المكنى بأبي جعفر الباقر أمه أم عبد الله بنت الحسن (٦) عمر لأم ولد" (الإرشاد) (ص٢٦١) (كشف الغمة) (٢/ ١٠٥) (عمدة الطالب) (ص١٩٤) (منتهى الآمال) (٢/ ٤٣) (الفصول المهمة) (ص٢٠٩).
стр. 2442
وأما الأصفهاني فيذكر أن عمر هذا كان من أشقاء زيد بن علي من أمه وأبيه كما يقول تحت ترجمة زيد بن علي: وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيداً وعمر وعلياً وخديجة. اشترى المختار جارية بثلاثين ألفاً، فقال لها: أدبري فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحداً أحق بها من علي بن الحسين فبعث بها إليه وهي أم زيد بن علي" (مقاتل الطالبين) (ص١٢٧).
والجدير بالذكر أن كثيراً من أولاد عمر هذا خرجوا على العباسيين مع من خرج من أبناء عمومتهم ("وتفاصيلهم موجودة في "المقاتل" وغيره من كتب هذا النوع).
وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم - الإمام السابع لدى القوم - سمى أحد أبنائه باسم عمر كما ذكر الأربلي تحت عنوان أولاده (كشف الغمة) (ص٢١٦).
فهؤلاء الأئمة الخمسة المعصومون لدى القوم يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له وبعد وفاته بمدة.
أوَ هناك مظهر أكبر من هذا المظهر على ودهم وإخلاصهم لشخصية إسلامية فذة، وعبقري لم يفر أحد فريه، عمر بن الخطاب ﵁.
وبعد هؤلاء الوجوه جرى هذا الاسم في أولادهم كما ورد ذكر أولئك في كتب الأنساب والتاريخ والسير، وأورد بعضاً منها الأصفهاني في "المقاتل" والأربلي في "كشف الغمة" يقول الأصفهاني:
فمن الذين خرجوا طلباً للحكم والحكومة من الطالبيين مثل يحيى بن عمربن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج أيام المستعين.
وعمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين "الذي خرج مع الحسين المعروف بصاحب فخ أيام موسى الهادي" (مقاتل الطالبين) للأصفهاني (ص٤٥٦) ط بيروت).
و"عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن" (مقاتل الطالبين) أيضاً (ص٤٤٦).
إلى يومنا هذا غير هذا الشيعة منهم.
ولكننا اكتفينا بالخمسة الأول لما لهم حجة على القوم لقولهم بعصمتهم وإمامتهم، فهذا هو موقف أهل البيت من صاحب رسول الله ﷺ ، عمر الفاروق الأعظم، ﵃ أجمعين، مثل الصديق ﵁ كانوا يجلونه، ويوقرونه، ويعظمونه، ويتولونه، ويخلصون له الوفاء والطاعة، ويحيون اسمه بعده بتسمية أبنائهم باسمه، ويصاهرونه، ويتقربون إليه.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١١٣
стр. 2443
المبحث الثالث: موقف أهل البيت من ذي النورين
وأما ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين، وصاحب الجود والحياء، حب رسول الله وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم، وعديم النظير في هذا الشرف الذي لم ينله الأولون ولا الآخرون في أمة من الأمم، وعديل علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأول مهاجر بعد خليل الله ﵇، الذي حمل راية الإسلام وأداها إلى آفاق لم تبلغ إليها من قبل، وفتح على المسلمين مدناً جديدة وبلاداً واسعة شاسعة، وأمد المسلمين من جيبه الخاص بإمدادات كثيرة، وشرى لهم بئر رومة حينما لم يكن لهم بئر يستقون منها الماء بعد هجرتهم إلى طيبة التي طيبها الله بقدوم صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، كما اشترى لهم أرضاً يبنون عليها المسجد الذي هو آخر مساجد الأنبياء.
ولم يكن إمداداته هذه ومساعداته لعامة المسلمين ومصالحهم الاجتماعية مثل تجهيز جيش العسرة وغيرها فحسب بل كان خيراً، جواداً، كريماً، منفقاً الأموال وناثرها وحتى على الخاصة كما كان على العامة.
стр. 2444
وهو الذي ساعد - الإمام المعصوم الأول الذي يعدونه أفضل من الأنبياء والمرسلين، وملائكة الله المقربين علي بن أبي طالب – ﵁ في زواجه، وأعطاه جميع النفقات كما يقر بذلك علي بن أبي طالب ﵁ بنفسه أني لما تقدمت إلى رسول الله ﷺ طالباً منه زواج فاطمة قال لي: بع درعك وائتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربع مائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له النبي بخير" (المناقب) للخوارزمي (ص٢٥٢، ٢٥٣) ط نجف، (كشف الغمة) للأربلي (١/ ٣٥٩) و (بحار الأنوار) للمجلسي (ص٣٩، ٤٠) ط إيران). – يقول محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال لي أبو الجعفر ﵇: يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي وموسى وعيسى؟ قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟ قال: أسألك عن العلم، قال: هو والله أعلم منهما، قال: يا عبد الله! أليس يقولون إن لعلي ما لرسول الله ﷺ من العلم قلت: نعم! قال: فخاصمهم فيه أن الله قال لموسى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥] فأعلمنا أنه لم يبين له الأمر كله، وقال الله ﵎ لمحمد ﷺ : وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩] وعن علي بن إسماعيل عن محمد بن عمر الزيات قال: قال أبو عبد الله "ع": أي شيء تقول الشيعة في موسى وعيسى وأمير المؤمنين ﵈؟ قلت: يزعمون أن موسى وعيسى أفضل من أمير المؤمنين قال: أيزعمون أن أمير المؤمنين علم ما علم رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، ولكن لا يقدمون على أولي العزم من الرسل أحداً، قال: قال أبو عبد الله "ع" فخاصمهم بكتاب الله قلت: في أي موضع منه؟ قال: قال الله لموسى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥]، وقال الله لعيسى: وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] , وقال ﵎ لمحمد ﷺ : وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩]، وعن علي بن محمد ..... قال أبو عبد الله "ع": إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله ما لم يعلموا، وعلمنا علم الرسول وعلمهم" (نقلاً عن (الفصول المهمة) للحر العاملي (ص١٥١، ١٥٢).
وأيضاً يروي ابن بابويه القمي في كتابه (عيون أخبار الرضا) "عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي ﵈ أن جبريل هبط على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إن الله ﷻ يقول: لو لم أخلق علياً ﵇ لما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه" (عيون أخبار الرضا) (١/ ٢٢٥).
وعلق عليه السيد لاجوردي بقوله: وقد استدل بعض المحققين بهذه الفقرة من الحديث على أفضليتهما ﵉ على جميع الأنبياء" (أيضاً).
стр. 2445
وقد أدرج الحر العاملي هذه الرواية عن الطوسي في التهذيب تحت باب عنوانه "باب أن النبي والأئمة الاثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء والملائكة وغيرهم" (انظر (الفصول المهمة) (ص١٥١) ط قم إيران).
وذكر تحت ذلك رواية أخرى عن الرضا أيضاً "قال رسول الله ﷺ : ((ما خلق الله خلقاً أفضل مني ولا أكرم عليه مني قال علي: فقلت: يا رسول الله! فأنت أفضل أم جبرئيل؟ قال: إن الله فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين، وفضلني على جميع النبيين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا علي والأئمة بعدك، وإن الملائكة لخدمنا وخدام محبينا – إلى أن قال -: فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه – إلى أن قال -: ثم إن الله ﵎ خلق آدم، فأودعنا صلبه، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودهم لله عبودية، ولآدم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون)) (الفصول) (ص١٥٣) أيضاً (عيون أخبار الرضا) (١/ ٢٦٢) تحت عنوان "أفضلية النبي والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈") , وعلى ذلك كان ابن عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس يقول: رحم الله أبا عمرو (عثمان بن عفان) كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجاداً بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضاً عند كل مكرمة، سباقاً إلى كل منحة، حبيباً، أبياً، وفياً: صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله ﷺ " (تاريخ المسعودي) (٣/ ٥١) ط مصر، أيضاً (ناسخ التواريخ) للمرزه محمد تقي (٥/ ١٤٤) ط طهران).
هذا وقد أشهده رسول الله ﷺ فيمن أشهده على زواج علي من فاطمة كما يروون عن أنس أنه قال ﵊: ((انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان ..... وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال ..... إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال من فضة)) (كشف الغمة) (١/ ٣٥٨) أيضاً (المناقب) للخوارزمي (ص٢٥٢) و (بحار الأنوار) للمجلسي (١٠/ ٣٨).
وكفى لعلي فخراً بأن رسول الله ﷺ زوجه إحدى بناته فاطمة، وأدخله بذلك في أصهاره وأرحامه، وهذا الذي جعل الشيعة يقولون بأفضلية علي وإمامته وخلافته بعده، فكيف إذا زوج ابنتين لرسول الله ﷺ الذي زوجه بنتاً بعد بنت؟.
وكفى لعثمان فخراً بأنه كان هو المنفق على هذا الزواج، والمهيئ له الأسباب، وأحد الشهود عليه، كما أنه يكفيه فخراً بأنه لم ينل في الدنيا أحد مثل ما ناله هو من الشرف والمكانة حيث تزوج من ابنتي نبي ﷺ ، ولم يوجد له شبيه ونظير في مثل ذلك، لأن عثمان تزوج بنته رقية بمكة، وأيضاً بأمر من الله سبحانه تعالى لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
وبعد وفاتها زوجه رسول الله ﷺ ابنته الثانية أم كلثوم ﵂ كما يقر ويعترف بذلك علماء الشيعة أيضاً، فها هو المجلسي - وهو الشيعي المتعصب المشهور اللعان السباب المعروف - يذكر ذلك في كتابه (حياة القلوب) نقلاً عن ابن بابويه القمي بسنده الصحيح المعتمد عليه بقوله:
إن رسول الله ﷺ ولد له من خديجة القاسم، وعبد الله الملقب بالطاهر، وأم كلثوم، ورقية، وزينب، وفاطمة، وتزوج علي من فاطمة، وأبو العاص بن ربيعة من زينب، وكان رجلاً من بني أمية (المصاهرات بين بني أمية وبني هاشم:
стр. 2446
وهذا يدل على أنه لم يكن بين بني هاشم وبني أمية من المباغضة والمنافرة والعداوة التي اخترعها وابتكرها أعداء الإسلام والمسلمين، ونسجوا الأساطير والقصص حولها، ولقد رأينا بني أمية مع بني هاشم بالعكس أنهم أبناء أعمام وإخوان، وخلان، بل هم أقرب الناس ما بينهم يتبادلون الحب والأفكار، ويتقاسمون الهموم والآلام، ويمشون ويتماشون جنباً إلى جنب وحتى نقل علماء الشيعة ومؤرخوها أن أبا سفيان وهو رئيس بني أمية وسيد قومه أيامه كان من كبار أنصار علي، ومؤيدي بني هاشم يوم السقيفة، ولقد ذكر اليعقوبي كان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قصي، وقال:
بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ... ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كف حازم ... فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي
وإن امرأ يرمي قصي وراءه ... عزيز الحمى، والناس من غالب قصي
(تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٢٦) و (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد أيضاً).
ويذكر ابن بابويه القمي أن الأنصار المخلصين لعلي كانوا اثني عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، وكان واحد من هؤلاء خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وادعى هو أمام الملأ:
"والله إن قريشاً تعلم أني أعلاها حسباً وأقواها أدباً وأجملها ذكراً وأقلها غنى من الله ورسوله" كتاب (الخصال) (ص٣٦١).
وكان بين أبي سفيان وبين العباس عم رسول الله وسيد بني هاشم من صداقة يضرب بها الأمثال.
كما كانت بينهم المصاهرات قبل الإسلام وبعده، فلقد زوج رسول الله ﷺ بناته الثلاثة من الأربعة من بني أمية من أبي العاص بن الربيع وهو من بني أمية كما مر سابقاً، ومن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، وهو مع ذلك ابن بنت عمة رسول الله ﷺ التي ولدت مع والد رسول الله ﵊ عبد الله بن عبد المطلب توأمين "أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس وهي أم عثمان ﵁ وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ " (كتب الأنساب مثل (أنساب الأشراف) للبلاذري (٥/ ١) ط بغداد، (المحبر) للبغدادي (ص٤٠٧) ط دكن، (طبقات ابن سعد) (٨/ ١٦٦) ط ليدن، (أسد الغابة) (٥/ ١٩١) (المستدرك) للحاكم (٣/ ٩٦) واللفظ له، و (منتهى الآمال) ج١ الفصل التاسع).
هذا ولقد تزوج بعد عثمان بن عفان ﵁ من بني هاشم ابنه أبان بن عثمان "وكانت عنده أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب شقيق علي" (المعارف) للدينوري (ص٨٦).
وحفيدة علي وبنت الحسين سكينة كانت متزوجة من حفيد عثمان زيد بن عمرو بن عثمان ﵃ أجمعين "وزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت حسين، فهلك عنها فورثته" (نسب قريش) للزبيري (٤/ ١٢٠) و (المعارف) لابن قتيبة (ص٩٤) و (جمهرة أنساب العرب) لابن حزم (١/ ٨٦) (طبقات ابن سعد) (٦/ ٣٤٩).
وحفيدة علي الثانية وابنة الحسين فاطمة كانت متزوجة من حفيد عثمان الآخر "محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. . . . وأمه فاطمة بنت الحسين كان عبد الله بن عمرو تزوجها بعد وفاة الحسن بن الحس بن علي بن أبي طالب" (مقاتل الطالبين) للأصفهاني (ص٢٠٢) (ناسخ التواريخ) (٦/ ٥٣٤) (نسب قريش) (٤/ ١١٤) (المعارف) (ص٩٣) (طبقات) (٨/ ٣٤٨).
стр. 2447
ثم تزوجت حفيدة ابن علي، حسن بن علي من حفيد عثمان، مروان بن أبان "وكانت أم القاسم بنت الحسن (المثنى) بن الحسن عند مروان بن أبان بن عثمان بن عفان فولدت له محمد بن مروان" (نسب قريش) (٢/ ٥٣) (جمهرة أنساب العرب) (١ ص٨٥) (المحبر) للبغدادي (ص٤٣٨). (وهل هناك دليل أصرح وأكبر من هذا بأن عثمان انتقل إلى جوار رحمة ربه وكان أهل البيت راضين عنه وعن أهل بيته وإلا لم تكن هذه المصاهرات والقرابات والأرحام، فهل من متفكر يتفكر، ومنصف ينصف، ومتدبر يتدبر، أم على قلوب أقفالها؟)
هذا وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد بني أمية متزوجة من سيد بني هاشم وسيد ولد آدم رسول الله الصادق الأمين كما هو معروف لا نحتاج إلى إثباته من كتاب.
ثم "هند بنت أبي سفيان كانت متزوجة من الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فولدت له ابنه محمداً" (الإصابة) (٣/ ٥٨، ٥٩) (طبقات ابن سعد) (٥/ ١٥).
وأيضاً "تزوجت لبابة بنت عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، العباس بن علي بن أبي طالب، ثم خلف عليها الوليد بن عتبة (ابن أخ معاوية) بن أبي سفيان" (المحبر) (ص٤٤١) (نسب قريش) (ص١٣٣) (عمدة الطالب) هامش (ص٤٣).
وبعدها "تزوجت رملة بنت محمد بن جعفر – الطيار – ابن أبي طالب سليمان بن هشام بن عبد الملك (الأموي) ثم أبا القاسم بن وليد بن عتبة بن أبي سفيان" "كتاب (المحبر) (ص٤٤٩).
وكذلك تزوجت ابنة علي بن أبي طالب رملة من ابن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية معاوية بن عمران "ورملة بنت علي أنها أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي" (الإرشاد) للمفيد (ص١٨٦). (نعم! مروان بن الحكم الذي جعله الشيعة غرضاً لطعنهم في الإمام المظلوم الشهيد عثمان بن عفان ﵁، فهذا هو المروان الذي يتزوج ابنه من ابنة علي المرتضى ﵁ – الإمام المعصوم الأول حسب زعمهم -)
"وكانت رملة بنت علي عند أبي الهياج ..... ثم خلف عليها معاوية بن مروان بن الحكم بن أبي العاص" (نسب قريش) (ص٤٥) (جمهرة أنساب العرب) (ص٨٧).
وكذلك زينب بنت الحسن المثنى أمها فاطمة بنت الحسن نجيبة الطرفين "وكانت زينب بنت حسن بن حسن بن علي عند الوليد بن عبد الملك بن مروان (الأموي) " (نسب قريش) (ص٥٢) تحت ذكر أولاد الحسن المثنى، و (جمهرة أنساب العرب) (ص١٠٨) تحت ذكر أولاد مروان بن الحكم).
وكذلك تزوجت حفيدة علي بن أبي طالب من حفيد مروان الحكم "ونفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب تزوجها وليد بن عبد الملك بن مروان فتوفيت عنده، وأمها لبابة بنت عبد الله بن عباس" (طبقات ابن سعد) (٥/ ٢٣٤) (عمدة الطالب) في أنساب آل أبي طالب (ص٧٠).
هذا ومثل هذه المصاهرات لكثيرة جداً بين بني أمية وبني هاشم، وقد اكتفينا ببيان بعض منها، وفيها كفاية لمن أراد الحق والتبصر، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
وعلى ذلك كتب علي المرتضى ﵁ في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ "لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك، أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص٣٨٦، ٣٧٨) وتحقيق محمد عبده (٣/ ٣٢).
أو بعد هذا يبقى مجال لقائل أن يقول بأن بين بني أمية وبني هاشم كانت المنافرة والمعاداة والتحاسد والتباغض؟ وهذه الأشياء هي التي تشكلت بعد ذلك بصورة قتال ومشاجرات بين علي وابنه الحسن ومعاوية وابنه يزيد والحسن إلى آخر الكلام مع أن هذا القول لا أصل له ولا أساس.
стр. 2448
والمعروف أن بني أمية وبني هاشم كلهم أبناء أب واحد، وأحفاد جد واحد، وأغصان شجرة واحدة قبل الإسلام وبعد الإسلام، كلهم استقوا من عين واحدة ومنبع صاف واحد، وأخذوا الثمار من دين الله الحنيف الذي جاء به محمد رسول الله الصادق الأمين، المعلم، القائل أن لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أسود وأحمر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، فليس الفخر بحسب دون حسب ونسب دون نسب من تعليمات رسول الله ﷺ ولا من إرشاداته وتوجيهاته، ولا من شأنه ودأبه، وهو القائل في خطبة حجة الوداع حسب رواية شيعية.
"الناس في الإسلام سواء، الناس طف الصاع لآدم وحواء، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بتقوى الله، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم! قال: اللهم اشهد، ثم قال: لا تأتوني بأنسابكم، وأتوني بأعمالكم ..... ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يغشه، ولا يخونه ولا يغتابه، ولا يحل له دمه، ولا شيء من ماله إلا بطيبة نفسه، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١١٠، ١١١) تحت عنوان حجة الوداع) كما تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم وماتت قبل أن يدخل بها، ثم لما أراد الرسول خروجه إلى بدر زوّجه من رقية" (حياة القلوب) للمجلسي (٢/ ٥٨٨) باب ٥١).
وأورد الحميري رواية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لرسول الله ﷺ من خديجة. القاسم والطاهر وأم كلثوم ورقية وفاطمة وزينب، فتزوج علي ﵇ فاطمة ﵍، وتزوج أبو العاص بن ربيعة وهو من بني أمية زينباً، وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم ولم يدخل بها حتى هلكت، وزوجه رسول الله ﷺ مكانها رقية" (قرب الإسناد) (ص٦، ٧).
وروى بمثل هذه الرواية العباس القمي في (منتهى الآمال) عن جعفر الصادق، والماماقاني في (تنقيح الرجال) (المنتهى) (١/ ١٠٨) (التنقيح) (٣/ ٧٣).
وأقر بذلك الشري حيث كتب:
"وما كان عثمان دون الشيخين صحبة ولا سابقة، فهو من المسلمين الموقرين، وهو صهر الرسول مرتين، تزوج ابنة الرسول رقية، وولد له منها ولد، عبد الله توفي وعمره ست سنين وكانت أمه توفيت قبل وفاته، وزوجه النبي بنته الثانية أم كلثوم، فلم تلبث أم كلثوم معه طويلاً وتوفيت في أيام أبيها" كتاب " (أمير المؤمنين) لمحمد جواد الشيعي تحت عنوان على في عهد عثمان (ص٢٥٦).
ولقد ذكر المسعودي تحت ذكر أولاده ﷺ :
"وكل أولاده من خديجة خلا إبراهيم وولد له ﷺ القاسم، وبه كان يكنى وكان أكبر بنيه سناً، ورقية وأم كلثوم، زكانتا تحت عتبة وعتيبة ابني أبي لهب (عمه) فطلقاهما لخبر يطول ذكره فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد واحد" (مروج الذهب) (٢/ ٢٩٨) ط مصر).
ورداّ على من ينكرون رقية وأم كلثوم بنات النبي نذكر رواية من الكليني والعروسي الحويزي تحت باب مولد النبي:
"وتزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة، فولد له منها قبل مبعثه ﵇ القاسم، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وولد له بعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة ﵍" (الأصول من الكافي) (١/ ٤٣٩، ٤٤٠) (نور الثقلين) للعروسي (٣/ ٣٠٣).
هذا ولقد شهد بذلك علي بن أبي طالب أيضاً كما شهد لعثمان الإيمان والصحبة وعلماً مثل علمه، ومعرفة مثل معرفته، وسبقاً في الإسلام مثل سبقه، وهذا كله في كلامه الذي قال لعثمان حينما سأله الناس مخاطبته إياه:
стр. 2449
"فدخل عليه فقال: إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله: ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه. وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله ﷺ كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بالعمل منك، وأنت أقرب إلى رسول الله ﷺ وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا. فالله الله في نفسك! فإنك - والله - ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص٢٣٤).
فانظر ماذا يقول الخليفة الراشد الرابع عندنا والإمام المعصوم الأول عندهم؟ فهل بعد هذا شك لشاك وريب لمرتاب بأن علياً أفضل منه وأعلم وأعرف بخفايا الأمور التي جهلها ذو النورين، أو هو أقرب إلى رسول الله ﷺ وشيجة وصلة رحم، أو هو يعلم من جهل ويبصر من عمي؟، وهذا بعد إقرار واعتراف من علي بن أبي طالب وشهادة منه ﵄.
هذا وقد أنزله رسول الله ﷺ بمنزلة الفؤاد كما رووا عنه أنه قال إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد" (عيون أخبار الرضا) (١/ ٣٠٣) ط طهران).
وهينئاً له أن يجعله رسول الله ﷺ بمنزلة فؤاده، ويروي عنه سبطه وابن سيدة نساء أهل الجنة فاطمة، حسين بن علي ﵃ أجمعين" (عيون أخبار الرضا) (١/ ٣٠٣).
وحسن بن علي أيضاً" (تفسير الحسن العسكري) و (معاني الأخبار) (ص١١٠).
ولقد مدحه من أهل البيت غير الحسن والحسين وأبيهما علي بن أبي طالب ﵃ كما أورد الكليني عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عندهم - أنه قال في مدحه، ومبشراً إياه هو وأتباعه بالجنة قائلاً: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون" (الكافي في الفروع) (٨/ ٢٠٩).
ويبين جعفر أيضاً مقام عثمان بن عفان عند رسول الله ﷺ ، وثقته فيه، ونيابته عنه، وإخلاص عثمان للنبي ﵇ والوفاء والاتباع لا نظير له كما يبين إحدى الميزات التي امتاز بها عثمان دون غيره، وهو جعل رسول الله ﷺ إحدى يديه لعثمان، وبيعته بنفسه عنه، وكل ذلك في قصة صلح الحديبية حيث يقول:
فأرسل إليه رسول الله ﷺ (عثمان بن عفان) فقال: ((انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعد فتأخر عن السرح فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله ﷺ وجلس عثمان في عسكر المشركين وبايع رسول الله ﷺ المسلمين، وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل، فقال رسول الله ﷺ : ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان قال له رسول الله ﷺ : أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﷺ لم يطف به)) ثم ذكر القصة وما فيها" كتاب (الروضة من الكافي) (٨/ ٣٢٥، ٣٢٦).
وهل هناك إطاعة فوق هذه الطاعة بأن شخصاً يدخل الحرم ولا يطوف بالبيت لأن سيده ومولاه رسول الله ﵊ لم يطف به.
стр. 2450
وذكر مثل ذلك المجلسي في كتابه (حياة القلوب) قال: ((لما وصل الخبر إلى رسول الله بأن عثمان قتله المشركون. قال الرسول: لا أتحرك من ههنا إلا بعد قتال من قتلوا عثمان فاتكأ بالشجرة، وأخذ البيعة لعثمان))، ثم ذكر القصة بتمامها. هنالك وآنذاك نزلت الآية لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:١٨] وأيضاً إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠] (حياة القلوب) (٢/ ٤٢٤) ط طهران).
فهذا هو الإمام الشهيد المظلوم الثالث ﵁ وأرضاه.
مبايعة علي له
وكان علي يرى صحة إمامته وخلافته لاجتماع المهاجرين والأنصار عليه، وكان يعد خلافته من الله رضى، ولم يكن لأحد الخيار أن يرد بيعته بعد ذلك، أو ينكر إمامته حاضراً كان أم غائباً كما قال في إحدى خطاباته رداً على معاوية بن أبي سفيان ﵄: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى" (نهج البلاغة) (ص٣٦٨) تحقيق صبحي).
وكان هو أحد الستة الذين عينهم الفاروق ليختار منهم خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ولما بايعه عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعد ما استشار أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ورأى بأنهم لا يريدون غير عثمان بن عفان ﵁ بايعه أول من بايعه، ثم تبعه علي بن أبي طالب ﵁:
"فأول من بايع عثمان عبد الرحمن بن عوف ثم علي بن أبي طالب" (طبقات ابن سعد) (٣/ ٤٢) ط ليدن، أيضاً "البخاري" باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان).
ويذكر ذلك على المرتضى ﵁ بقوله: لما قتل (يعني الفاروق) جعلني سادس ستة، فدخلت حيث أدخلني، وكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم فبايعتم عثمان فبايعته" (الأمالي) للطوسي (٢ الجزء١٨ ص١٢١ ط نجف).
وقال: لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على خاصة التماساً لأجر ذلك وفضله" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص١٠٢).
وكتب تحته ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي في شرحه أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي:
بايع إذاً وإلا كنت متبعاً غير سبيل المؤمنين ..... فقال: لقد علمتم أني أحق بها من غيري ..... ثم مد يده فبايع" ابن أبي الحديد، أيضاً (ناسخ التواريخ) (٢ كتاب ٢ ص٤٤٩ ط إيران).
وكان من المخلصين الأوفياء له، مناصحاً: مستشاراً، أو قاضياً كما كان في خلافة الصديق والفاروق، ولقد بوب محدثو الشيعة ومؤرخوها أبواباً مستقلة ذكروا فيها أقضيته في خلافة ذي النورين ﵃ أجمعين.
ولقد ذكر المفيد في (الإرشاد) تحت عنوان "قضايا علي في زمن إمارة عثمان" ذكر فيها عدة قضايا حكم بها علي ونفذها عثمان ﵁ فيقول:
стр. 2451
إن امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها وأنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان، وسأل المرأة هل افتضك الشيخ؟ وكانت بكراً قالت: لا، فقال عثمان: أقيموا عليها الحد، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن للمرأة سمين سم للمحيض وسم للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض، فحملت منه، فاسأل الرجل عن ذلك؟ فسئل، فقال: قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض فقال أمير المؤمنين ﵇: الحمل له والولد ولده، ورأى عقوبته على الإنكار فصار عثمان إلى قضائه بذلك وتعجب منه" (الإرشاد) (ص١٢٢، ١١٣) ط مكتبة بصيرتي قم، إيران).
وأيضا "إن رجلاً كانت له سرية فأولدها ثم اعتزلها وأنكحها عبداً له ثم توفي السيد فعتقت بملك ابنها لها وورث ولدها زوجها، ثم توفي الابن فورثت من ولدها زوجها فارتفعا إلى عثمان يختصمان تقول: هذا عبدي ويقول: هي امرأتي، ولست مفرجاً عنها، فقال عثمان: هذه مشكلة وأمير المؤمنين حاضر فقال ﵇: سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟ فقالت: لا، فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته، اذهبي فإنه عبدك، ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تسترقيه أو تعتقيه أو تبيعه فذلك لك" (الإرشاد) (ص١١٣).
وروى الكليني في صحيحه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي ﵇: اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر فأمر علي ﵇ فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة" (الكافي في الفروع) (٧/ ٢١٥) باب ما يجب فيه الحد من الشراب).
وقد ذكر اليعقوبي "إن الوليد لما قدم على عثمان، قال: من يضربه؟ فاحجم الناس لقرابته وكان أخا عثمان لأمه، فقام عليّ فضربه" (تاريخ اليعقوبي) الشيعي (٢/ ١٦٥).
ولا يكون هذا الفعل والعمل إلا ممن يقرّ ويصحّح خلافة الخليفة، ويتمثّل أوامر الأمير، ويشارك الحاكم في حكمه، وكان علي بن أبي طالب وأولاده، وبنو هاشم معه، يطاوعون الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁.
ويدل على ذلك قول علي ﵁ لما أراده الناس على البيعة بعد شهادة الإمام المظلوم ذي النورين ﵁، المنقول في أقدس كتب القوم "دعوني والتمسوا غيري وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص١٣٦).
ذو النورين وعلاقاته مع أهل البيت
كما يدل على ذلك قبول الهاشميين المناصب في خلافته ومنه كقبول المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب القضاء (الاستيعاب) (أسد الغابة) (الإصابة) وغيرها).
والحارث بن نوفل أيضاً (طبقات) و (الإصابة).
وقبول عبد الله بن عباس الإمارة على الحج سنة (٣٥). (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٧٦).
وجهادهم تحت رايته، وفي العساكر والجيوش التي يكونها ويسيرها ويجهزها إلى محاربة الكفار وأعداء الأمة الإسلامية، فاشترك في المعارك الإسلامية سنة (٢٦) من الهجرة إلى أفريقية ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ (الكامل لابن الأثير) (٣/ ٤٥).
وإلى برقة وطرابلس وأفريقية كل من الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعمهم ابن عم نبيهم عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين تحت قيادة عبد الله بن أبي سرح (تاريخ ابن خلدون) (٢/ ١٠٣).
واشترك كل من الحسن والحسين وعبد الله بن عباس تحت راية سعيد بن العاص الأموي في غزوات خراسان وطبرستان وجرجان (تاريخ الطبري) (الكامل لابن الأثير) (البداية والنهاية) (تاريخ ابن خلدون).
وغير ذلك من الغزوات والمعارك.
وكان يهدي إليهم الغنائم والهدايا كما كان يبعث إليهم الجواري والخدام.
стр. 2452
ولقد نقل الماماقاني عن الرضا - الإمام الثامن المعصوم عندهم - أنه قال: إن عبد الله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد ابن شهريار ملك الأعاجم، فبعث بهما إلى عثمان بن عفان فوهب إحداهما للحسن والأخرى للحسين فماتتا عندهما نفساوين" (تنقيح المقال في علم الرجال) للمقامقاني (٣/ ٨٠) ط طهران).
فكان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما، ولذلك لما حوصر من قبل البغاة، أرسل عليّ ابنيه الحسن والحسين وقال لهما: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه" (أنساب الأشراف) للبلاذري (٥/ ٦٨، ٦٩) ط مصر).
وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس الدخول على عثمان، وكان فيمن ذهب للدفاع عنه ولزم الباب ابن عم عليّ عبد الله بن عباس، ولما أمّره ذو النورين في تلك الأيام الهالكة السوداء على الحج قال: والله يا أمير المؤمنين! لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج، فأقسم عليه لينطلقن" (تاريخ الأمم والملوك) أحوال سنة ٣٥).
وكما اشترك علي المرتضى ﵁ أول الأمر بنفسه في الدفاع عنه "فقد حضر هو بنفسه مراراً، وطرد الناس عنه، وأنفذ إليه ولديه وابن أخيه عبد الله بن جعفر" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (١٠/ ٥٨١) ط قديم إيران).
"وانعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلاً بيده ولسانه فلم يمكن الدفع" (شرح ابن ميثم البحراني) (٤/ ٣٥٤) ط طهران).
"نابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغن شيئاً" (شرح ابن أبي الحديد) تحت "بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر").
وقد ذكر ذلك نفسه حيث قال: والله لقد دفعت عنه حتى حسبت أن أكون آثما" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٣/ ٢٨٦).
لأن ذا النورين منعهم عن الدفاع وقال: اعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم" (تاريخ خليفة بن خياط) (١/ ١٥١، ١٥٢) ط عراق).
"ومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ..... وجماعة معهم من أبناء الأنصار فزجرهم عثمان، وقال: أنتم في حل من نصرتي" (شرح النهج) تحت عنوان محاصرة عثمان ومنعه الماء).
وجرح فيمن جرح من أهل البيت وأبناء الصحابة حسن بن علي ﵄ وقنبر مولاه" (الأنساب) للبلاذي (٥/ ٩٥) (البداية) تحت "قتلة عثمان").
ولما منع البغاة الطغاة عنه الماء خاطبهم عليّ بقوله:
أيها الناس! إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، إن الفارس والروم لتؤسر فتطعم فتسقي، فوالله لا تقطعوا الماء عن الرجل، وبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء مع فتية من بني هاشم" (ناسخ التواريخ) (٢/ ٥٣١) ومثله في (أنساب الأشراف) للبلاذري (٥/ ٦٩).
стр. 2453
وأخيراً نريد أن ننقل من المسعودي طرفاً من الفاجعة التي نزلت، والكارثة التي ألمت "فلما بلغ علياً أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بما ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشج قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله ومواليه مشاغل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد! والله لو رآك أبوك لساءه مكانك، فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك علياً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل علي الدار، وهو كالواله الحزين وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير" (مروج الذهب) للمسعودي (٢/ ٣٤٤) ط بيروت).
ثم كان هو وأهله ممن دفنوه ليلاً، وصلوا عليه كما يذكر ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي:
"فخرج به ناس يسير من أهله ومعهم الحسن بن علي وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطاً من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب وهو خارج البقيع فصلوا عليه" (شرح النهج) لابن أبي الحديد الشيعي (١/ ٩٧) ط قديم إيران وج١ ص١٩٨ ط بيروت).
وكان من حب أهل البيت إياه أنهم زوجوا بناتهم من أبنائه وإياه، ولقد زوجه خير خلق الله ابنتيه، وسموا أسماء أبنائهم باسمه كما ذكر المفيد أن واحداً من أبناء علي بن أبي طالب ﵁ كان اسمه عثمان:
"فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين (١٠) عثمان أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ورام" (الإرشاد) للمفيد (ص١٨٦) تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين").
وذكر الأصفهاني أنه قتل مع أخيه الحسين بكربلاء.
"قتل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقال الضاحك: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه (أي أضعفه) وشد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه" (مقاتل الطالبين) (ص٨٣) (عمدة الطالب) (ص٣٥٦) ط نجف، و (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢١٣).
فهذا هو ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ صهر رسول الله وحبيبه في الدنيا والآخرة، وحبيب أهل البيت وابن عمهم وعمتهم، وقريبهم، يحبهم ويحبونه مثل الصديق والفاروق:
"وأقرب إلى رسول الله ﷺ وشيجة رحم منها، ونال من صهره ما لم ينالا" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص٢٣٤) كما قاله المرتضى علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا هو موقفهم تجاهه وتجاه الصديق والفاروق الخلفاء الراشدين المهديين الثلاثة، بينّاه من كتب القوم أنفسهم، ومن المصادر الأصلية الموثوقة المعتمدة لديهم بذكر الصفحات والمجلدات.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١٣٢
стр. 2454
الفصل السادس عشر: موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين الثلاثة
وأما الشيعة الذين يتزعمون حب أهل البيت وولاءهم، وينسبون مذهبهم إليهم، ويدّعون اتباعهم واقتداءهم، فإنهم عكس ذلك تماماً، يخالفون الصديق والفاروق وذا النورين ويبغضونهم أشد البغض، ويعاندونهم، ويسبونهم، ويشتمونهم، بل ويفسقونهم ويكفرونهم، ويعدون هذه السباب والشتيمة واللعان من أقرب القربات إلى الله، ومن أعظم الثواب والأجر لديه، فلا يخلو كتاب من كتبهم ولا رسالة من رسائلهم إلا وهي مليئة من الشتائم والمطاعن في أخلص المخلصين لرسول الله فداه أبواي وروحي، وأحسن الناس طراً، وأتقاهم لله، وأحبهم إليه، حملة شريعته، ومبلغي ناموسه ورسالته، ونوّاب نبيه المختار وتلامذته الأبرار، وهداة أمته الأخيار، عليهم رضوان الله الستار الغفار ﷻ وعمّ نواله.
فروى الملا محمد كاظم في كتابه:
"عن أبي حمزة الثمالي - وهو يكذب على زين العابدين - قال - من لعن الجبت (أي الصديق) والطاغوت (أي الفاروق) لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف ألف درجة، ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك، قال مولانا علي بن الحسين: فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر، فقلت: يا مولاي حديث سمعته من أبيك؟ قال: هات يا ثمالي، فأعدت عليه الحديث قال: نعم يا ثمالي! أتحب أن أزيدك؟ فقلت: بلى يا مولاي، فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي، ومن أمسى لعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليلة حتى يصبح، قال: فمضى أبو جعفر، فدخلت على مولانا الصادق، فقلت: حديث سمعته من أبيك وجدك؟ فقال: هات يا أبا حمزة! فأعدت عليه الحديث، فقال حقاً يا أبا حمزة، ثم قال ﵇: ويرفع ألف ألف درجة، ثم قال: إن الله واسع كريم" (أجمع الفضائح) للملا كاظم، و (ضياء الصالحين) (ص٥١٣).
ثم وهم يؤمرون على أن يعملوا بذلك: "ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (رجال الكشي) (ص١٨٠).
فلا يوجد شتيمة إلا وهم يطلقونها على هؤلاء الأخيار البررة.
فها هو عياشيهم يكتب في تفسيره في سورة البراءة عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قلت (للإمام): ومن أعداء الله؟ قال: الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل, ورمع, ونعثل, ومعاوية، ومن دان بدينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله" (تفسير العياشي) (٢/ ١١٦) أيضاً (بحار الأنوار) للمجلسي (٧/ ٣٧).
ثم فسّر المعلق على هذه المصطلحات الثلاثة حاكياً عن الجزري أنه قال:
كانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب البكر بالفصيل ويعني بالبكر، الفتى من الإبل. والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وفي كلام بعض أنه كان يرعى الفصيل في بعض الأزمنة فكني بأبي الفصيل، وقال بعض أهل اللغة: أبو بكر بن أبي قحافة ولد بعد عام الفيل بثلاث سنين، وكان اسمه عبد العزى - اسم صنم - وكنيته في الجاهلية أبو الفصيل، فإذا أسلم سمي عبد الله وكني بأبي بكر - وأما كلمة رمع فهي مقلوبة من عمر، وفي الحديث أول من رد شهادة المملوك رمع، وأول من أعال الفرائض رمع.
وأما نعثل فهو اسم رجل كان طويل اللحية قال الجوهر: وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه بذلك" (تفسير العياشي) (٢/ ١١٦) ط طهران٩.
انظر إلى هؤلاء القوم لا يستحيون من إطلاق لفظه الأوثان على هؤلاء الأخيار الأبرار.
وهل لسائل أن يسأل أين هذا من قول محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم عندهم - في جواب سائل سأله هل ظلماكم من حقكم شيئاً؟
стр. 2455
قال: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلمنا من حقنا مثقال حبة من خردل" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد).
ثم ولماذا أعطى علي ﵁ ابنته لعمر بن الخطاب ﵁، وزوج رسول الله ﷺ ابنتيه من ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ إن كان كافراً؟ وثم لماذا مدحه عليّ وأهل البيت وغيرهم، ولماذا دافع عنه هو وأبناؤه، وجرح أحدهما وهو الإمام المعصوم لدى القوم أيضاً؟ فهل من مجيب؟
هذا وإن كان عثمان كافراً فلماذا لم يمنع علي ﵁ ابن أخيه من تزويج ابنته من ابن عثمان أبان، ولماذا لم تمتنع سكينة بنت الحسن من زواجها من حفيده زيد وغير ذلك، ولماذا سمّى عليّ ابنه باسمه؟.
ويمشي العياشي في غلوائه وبغضه للخلفاء الراشدين، فيخترع الخرافات والأكاذيب والقصص ويقول:
فلما قبض نبي الله ﷺ كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله ﷺ بعد، فلما رأى ذلك علي ﵇ ورأى الناس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله ﷺ عليها تحول بينه وبين عليّ ﵇ فضربها فانطلق قنفذ وليس معه علي، فخشي أن يجمع عليّ الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهاً غير طائع" (تفسير العياشي) (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨) أيضاً (البحار) (٨/ ٤٧).
شجاعة علي:
وهذا مع قول علي: إني والله لو لقيتهم واحداً وهو طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت" (نهج البلاغة) (ص٤٥٢) تحقيق صبحي).
وهو الذي يحكون عنه أن أبا وائلة يقول: كنت أماشي فلاناً - أي عمر كما صرح باسمه المجلسي في حياة القلوب - إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه، ماذا يا فلان؟ فقال: ويحك أما ترى الهزبر القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب، فقلت له: يا هذا هو علي بن أبي طالب، فقال: ادن مني أحدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم أحد على أن لا نفرّ، ومن فرّ منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طحونتنا، فرأيت علياً كالليث يتقي الذر وإذ قد حمل كفاً من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال: شاهت الوجوه وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون؟ إلى النار، فلم نرجع، ثم كرّ علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال: بايعتم ثم نكثتم، فوالله لأنتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً، أو كالقدحين المملوءين دماً، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبا الحسن! الله الله، فإن العرب تكرّ وتفرّ وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه ﵇ استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة" (تفسير القمي) (١/ ١١٤، ١١٥).