إن امرأة نكحها شيخ كبير فحملت، فزعم الشيخ أنه لم يصل إليها وأنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان، وسأل المرأة هل افتضك الشيخ؟ وكانت بكراً قالت: لا، فقال عثمان: أقيموا عليها الحد، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن للمرأة سمين سم للمحيض وسم للبول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض، فحملت منه، فاسأل الرجل عن ذلك؟ فسئل، فقال: قد كنت أنزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض فقال أمير المؤمنين ﵇: الحمل له والولد ولده، ورأى عقوبته على الإنكار فصار عثمان إلى قضائه بذلك وتعجب منه" (الإرشاد) (ص١٢٢، ١١٣) ط مكتبة بصيرتي قم، إيران).
وأيضا "إن رجلاً كانت له سرية فأولدها ثم اعتزلها وأنكحها عبداً له ثم توفي السيد فعتقت بملك ابنها لها وورث ولدها زوجها، ثم توفي الابن فورثت من ولدها زوجها فارتفعا إلى عثمان يختصمان تقول: هذا عبدي ويقول: هي امرأتي، ولست مفرجاً عنها، فقال عثمان: هذه مشكلة وأمير المؤمنين حاضر فقال ﵇: سلوها هل جامعها بعد ميراثها له؟ فقالت: لا، فقال: لو أعلم أنه فعل ذلك لعذبته، اذهبي فإنه عبدك، ليس له عليك سبيل، إن شئت أن تسترقيه أو تعتقيه أو تبيعه فذلك لك" (الإرشاد) (ص١١٣).
وروى الكليني في صحيحه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
إن الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي ﵇: اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر فأمر علي ﵇ فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة" (الكافي في الفروع) (٧/ ٢١٥) باب ما يجب فيه الحد من الشراب).
وقد ذكر اليعقوبي "إن الوليد لما قدم على عثمان، قال: من يضربه؟ فاحجم الناس لقرابته وكان أخا عثمان لأمه، فقام عليّ فضربه" (تاريخ اليعقوبي) الشيعي (٢/ ١٦٥).
ولا يكون هذا الفعل والعمل إلا ممن يقرّ ويصحّح خلافة الخليفة، ويتمثّل أوامر الأمير، ويشارك الحاكم في حكمه، وكان علي بن أبي طالب وأولاده، وبنو هاشم معه، يطاوعون الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ﵁.
ويدل على ذلك قول علي ﵁ لما أراده الناس على البيعة بعد شهادة الإمام المظلوم ذي النورين ﵁، المنقول في أقدس كتب القوم "دعوني والتمسوا غيري وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص١٣٦).
ذو النورين وعلاقاته مع أهل البيت
كما يدل على ذلك قبول الهاشميين المناصب في خلافته ومنه كقبول المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب القضاء (الاستيعاب) (أسد الغابة) (الإصابة) وغيرها).
والحارث بن نوفل أيضاً (طبقات) و (الإصابة).
وقبول عبد الله بن عباس الإمارة على الحج سنة (٣٥). (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٧٦).
وجهادهم تحت رايته، وفي العساكر والجيوش التي يكونها ويسيرها ويجهزها إلى محاربة الكفار وأعداء الأمة الإسلامية، فاشترك في المعارك الإسلامية سنة (٢٦) من الهجرة إلى أفريقية ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ (الكامل لابن الأثير) (٣/ ٤٥).
وإلى برقة وطرابلس وأفريقية كل من الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعمهم ابن عم نبيهم عبد الله بن عباس ﵃ أجمعين تحت قيادة عبد الله بن أبي سرح (تاريخ ابن خلدون) (٢/ ١٠٣).
واشترك كل من الحسن والحسين وعبد الله بن عباس تحت راية سعيد بن العاص الأموي في غزوات خراسان وطبرستان وجرجان (تاريخ الطبري) (الكامل لابن الأثير) (البداية والنهاية) (تاريخ ابن خلدون).
وغير ذلك من الغزوات والمعارك.
وكان يهدي إليهم الغنائم والهدايا كما كان يبعث إليهم الجواري والخدام.
стр. 2452
ولقد نقل الماماقاني عن الرضا - الإمام الثامن المعصوم عندهم - أنه قال: إن عبد الله بن عامر بن كريز لما افتتح خراسان أصاب ابنتين ليزدجرد ابن شهريار ملك الأعاجم، فبعث بهما إلى عثمان بن عفان فوهب إحداهما للحسن والأخرى للحسين فماتتا عندهما نفساوين" (تنقيح المقال في علم الرجال) للمقامقاني (٣/ ٨٠) ط طهران).
فكان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما، ولذلك لما حوصر من قبل البغاة، أرسل عليّ ابنيه الحسن والحسين وقال لهما: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه" (أنساب الأشراف) للبلاذري (٥/ ٦٨، ٦٩) ط مصر).
وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس الدخول على عثمان، وكان فيمن ذهب للدفاع عنه ولزم الباب ابن عم عليّ عبد الله بن عباس، ولما أمّره ذو النورين في تلك الأيام الهالكة السوداء على الحج قال: والله يا أمير المؤمنين! لجهاد هؤلاء أحب إلي من الحج، فأقسم عليه لينطلقن" (تاريخ الأمم والملوك) أحوال سنة ٣٥).
وكما اشترك علي المرتضى ﵁ أول الأمر بنفسه في الدفاع عنه "فقد حضر هو بنفسه مراراً، وطرد الناس عنه، وأنفذ إليه ولديه وابن أخيه عبد الله بن جعفر" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (١٠/ ٥٨١) ط قديم إيران).
"وانعزل عنه بعد أن دافع عنه طويلاً بيده ولسانه فلم يمكن الدفع" (شرح ابن ميثم البحراني) (٤/ ٣٥٤) ط طهران).
"نابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغن شيئاً" (شرح ابن أبي الحديد) تحت "بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر").
وقد ذكر ذلك نفسه حيث قال: والله لقد دفعت عنه حتى حسبت أن أكون آثما" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد (٣/ ٢٨٦).
لأن ذا النورين منعهم عن الدفاع وقال: اعزم عليكم لما رجعتم فدفعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم" (تاريخ خليفة بن خياط) (١/ ١٥١، ١٥٢) ط عراق).
"ومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ..... وجماعة معهم من أبناء الأنصار فزجرهم عثمان، وقال: أنتم في حل من نصرتي" (شرح النهج) تحت عنوان محاصرة عثمان ومنعه الماء).
وجرح فيمن جرح من أهل البيت وأبناء الصحابة حسن بن علي ﵄ وقنبر مولاه" (الأنساب) للبلاذي (٥/ ٩٥) (البداية) تحت "قتلة عثمان").
ولما منع البغاة الطغاة عنه الماء خاطبهم عليّ بقوله:
أيها الناس! إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، إن الفارس والروم لتؤسر فتطعم فتسقي، فوالله لا تقطعوا الماء عن الرجل، وبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء مع فتية من بني هاشم" (ناسخ التواريخ) (٢/ ٥٣١) ومثله في (أنساب الأشراف) للبلاذري (٥/ ٦٩).
стр. 2453
وأخيراً نريد أن ننقل من المسعودي طرفاً من الفاجعة التي نزلت، والكارثة التي ألمت "فلما بلغ علياً أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بما ذكرنا، فصدوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشج قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهله ومواليه مشاغل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد! والله لو رآك أبوك لساءه مكانك، فتراخت يده، وخرج عنه إلى الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه، وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك علياً وطلحة والزبير وسعداً وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل علي الدار، وهو كالواله الحزين وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير" (مروج الذهب) للمسعودي (٢/ ٣٤٤) ط بيروت).
ثم كان هو وأهله ممن دفنوه ليلاً، وصلوا عليه كما يذكر ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي:
"فخرج به ناس يسير من أهله ومعهم الحسن بن علي وابن الزبير وأبو جهم بن حذيفة بين المغرب والعشاء، فأتوا به حائطاً من حيطان المدينة يعرف بحش كوكب وهو خارج البقيع فصلوا عليه" (شرح النهج) لابن أبي الحديد الشيعي (١/ ٩٧) ط قديم إيران وج١ ص١٩٨ ط بيروت).
وكان من حب أهل البيت إياه أنهم زوجوا بناتهم من أبنائه وإياه، ولقد زوجه خير خلق الله ابنتيه، وسموا أسماء أبنائهم باسمه كما ذكر المفيد أن واحداً من أبناء علي بن أبي طالب ﵁ كان اسمه عثمان:
"فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين (١٠) عثمان أمه أم البنين بنت حزام بن خالد بن ورام" (الإرشاد) للمفيد (ص١٨٦) تحت عنوان "ذكر أولاد أمير المؤمنين").
وذكر الأصفهاني أنه قتل مع أخيه الحسين بكربلاء.
"قتل عثمان بن علي وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وقال الضاحك: إن خولي بن يزيد رمى عثمان بن علي بسهم فأوهطه (أي أضعفه) وشد عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه" (مقاتل الطالبين) (ص٨٣) (عمدة الطالب) (ص٣٥٦) ط نجف، و (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ٢١٣).
فهذا هو ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ صهر رسول الله وحبيبه في الدنيا والآخرة، وحبيب أهل البيت وابن عمهم وعمتهم، وقريبهم، يحبهم ويحبونه مثل الصديق والفاروق:
"وأقرب إلى رسول الله ﷺ وشيجة رحم منها، ونال من صهره ما لم ينالا" (نهج البلاغة) تحقيق صبحي صالح (ص٢٣٤) كما قاله المرتضى علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا هو موقفهم تجاهه وتجاه الصديق والفاروق الخلفاء الراشدين المهديين الثلاثة، بينّاه من كتب القوم أنفسهم، ومن المصادر الأصلية الموثوقة المعتمدة لديهم بذكر الصفحات والمجلدات.
المصدر: الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير - ص١٣٢
стр. 2454
الفصل السادس عشر: موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين الثلاثة
وأما الشيعة الذين يتزعمون حب أهل البيت وولاءهم، وينسبون مذهبهم إليهم، ويدّعون اتباعهم واقتداءهم، فإنهم عكس ذلك تماماً، يخالفون الصديق والفاروق وذا النورين ويبغضونهم أشد البغض، ويعاندونهم، ويسبونهم، ويشتمونهم، بل ويفسقونهم ويكفرونهم، ويعدون هذه السباب والشتيمة واللعان من أقرب القربات إلى الله، ومن أعظم الثواب والأجر لديه، فلا يخلو كتاب من كتبهم ولا رسالة من رسائلهم إلا وهي مليئة من الشتائم والمطاعن في أخلص المخلصين لرسول الله فداه أبواي وروحي، وأحسن الناس طراً، وأتقاهم لله، وأحبهم إليه، حملة شريعته، ومبلغي ناموسه ورسالته، ونوّاب نبيه المختار وتلامذته الأبرار، وهداة أمته الأخيار، عليهم رضوان الله الستار الغفار ﷻ وعمّ نواله.
فروى الملا محمد كاظم في كتابه:
"عن أبي حمزة الثمالي - وهو يكذب على زين العابدين - قال - من لعن الجبت (أي الصديق) والطاغوت (أي الفاروق) لعنة واحدة كتب الله له سبعين ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف ألف درجة، ومن أمسى يلعنهما لعنة واحدة كتب له مثل ذلك، قال مولانا علي بن الحسين: فدخلت على مولانا أبي جعفر محمد الباقر، فقلت: يا مولاي حديث سمعته من أبيك؟ قال: هات يا ثمالي، فأعدت عليه الحديث قال: نعم يا ثمالي! أتحب أن أزيدك؟ فقلت: بلى يا مولاي، فقال: من لعنهما لعنة واحدة في كل غداة لم يكتب عليه ذنب في ذلك اليوم حتى يمسي، ومن أمسى لعنهما لعنة واحدة لم يكتب عليه ذنب في ليلة حتى يصبح، قال: فمضى أبو جعفر، فدخلت على مولانا الصادق، فقلت: حديث سمعته من أبيك وجدك؟ فقال: هات يا أبا حمزة! فأعدت عليه الحديث، فقال حقاً يا أبا حمزة، ثم قال ﵇: ويرفع ألف ألف درجة، ثم قال: إن الله واسع كريم" (أجمع الفضائح) للملا كاظم، و (ضياء الصالحين) (ص٥١٣).
ثم وهم يؤمرون على أن يعملوا بذلك: "ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (رجال الكشي) (ص١٨٠).
فلا يوجد شتيمة إلا وهم يطلقونها على هؤلاء الأخيار البررة.
فها هو عياشيهم يكتب في تفسيره في سورة البراءة عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: قلت (للإمام): ومن أعداء الله؟ قال: الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل, ورمع, ونعثل, ومعاوية، ومن دان بدينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله" (تفسير العياشي) (٢/ ١١٦) أيضاً (بحار الأنوار) للمجلسي (٧/ ٣٧).
ثم فسّر المعلق على هذه المصطلحات الثلاثة حاكياً عن الجزري أنه قال:
كانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب البكر بالفصيل ويعني بالبكر، الفتى من الإبل. والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وفي كلام بعض أنه كان يرعى الفصيل في بعض الأزمنة فكني بأبي الفصيل، وقال بعض أهل اللغة: أبو بكر بن أبي قحافة ولد بعد عام الفيل بثلاث سنين، وكان اسمه عبد العزى - اسم صنم - وكنيته في الجاهلية أبو الفصيل، فإذا أسلم سمي عبد الله وكني بأبي بكر - وأما كلمة رمع فهي مقلوبة من عمر، وفي الحديث أول من رد شهادة المملوك رمع، وأول من أعال الفرائض رمع.
وأما نعثل فهو اسم رجل كان طويل اللحية قال الجوهر: وكان عثمان إذا نيل منه وعيب شبه بذلك" (تفسير العياشي) (٢/ ١١٦) ط طهران٩.
انظر إلى هؤلاء القوم لا يستحيون من إطلاق لفظه الأوثان على هؤلاء الأخيار الأبرار.
وهل لسائل أن يسأل أين هذا من قول محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم عندهم - في جواب سائل سأله هل ظلماكم من حقكم شيئاً؟
стр. 2455
قال: لا والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ما ظلمنا من حقنا مثقال حبة من خردل" (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد).
ثم ولماذا أعطى علي ﵁ ابنته لعمر بن الخطاب ﵁، وزوج رسول الله ﷺ ابنتيه من ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ إن كان كافراً؟ وثم لماذا مدحه عليّ وأهل البيت وغيرهم، ولماذا دافع عنه هو وأبناؤه، وجرح أحدهما وهو الإمام المعصوم لدى القوم أيضاً؟ فهل من مجيب؟
هذا وإن كان عثمان كافراً فلماذا لم يمنع علي ﵁ ابن أخيه من تزويج ابنته من ابن عثمان أبان، ولماذا لم تمتنع سكينة بنت الحسن من زواجها من حفيده زيد وغير ذلك، ولماذا سمّى عليّ ابنه باسمه؟.
ويمشي العياشي في غلوائه وبغضه للخلفاء الراشدين، فيخترع الخرافات والأكاذيب والقصص ويقول:
فلما قبض نبي الله ﷺ كان الذي كان لما قد قضى من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله ﷺ بعد، فلما رأى ذلك علي ﵇ ورأى الناس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتتن الناس ففرغ إلى كتاب الله وأخذ يجمعه في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع، فقال علي: لا أخرج حتى أجمع القرآن، فأرسل إليه مرة أخرى فقال: لا أخرج حتى أفرغ، فأرسل إليه الثالثة ابن عم له يقال قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله ﷺ عليها تحول بينه وبين عليّ ﵇ فضربها فانطلق قنفذ وليس معه علي، فخشي أن يجمع عليّ الناس فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فلما رأى علي ذلك خرج فبايع كارهاً غير طائع" (تفسير العياشي) (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨) أيضاً (البحار) (٨/ ٤٧).
شجاعة علي:
وهذا مع قول علي: إني والله لو لقيتهم واحداً وهو طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت" (نهج البلاغة) (ص٤٥٢) تحقيق صبحي).
وهو الذي يحكون عنه أن أبا وائلة يقول: كنت أماشي فلاناً - أي عمر كما صرح باسمه المجلسي في حياة القلوب - إذ سمعت منه همهمة، فقلت له: مه، ماذا يا فلان؟ فقال: ويحك أما ترى الهزبر القضم ابن القضم، والضارب بالبهم، الشديد على من طغى وبغى، بالسيفين والراية، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب، فقلت له: يا هذا هو علي بن أبي طالب، فقال: ادن مني أحدثك عن شجاعته وبطولته، بايعنا النبي يوم أحد على أن لا نفرّ، ومن فرّ منا فهو ضال ومن قتل منا فهو شهيد والنبي زعيمه، إذ حمل علينا مائة صنديد تحت كل صنديد مائة رجل أو يزيدون، فأزعجونا عن طحونتنا، فرأيت علياً كالليث يتقي الذر وإذ قد حمل كفاً من حصى فرمى به في وجوهنا ثم قال: شاهت الوجوه وقطت وبطت ولطت، إلى أين تفرون؟ إلى النار، فلم نرجع، ثم كرّ علينا الثانية وبيده صفيحة يقطر منها الموت، فقال: بايعتم ثم نكثتم، فوالله لأنتم أولى بالقتل ممن قتل، فنظرت إلى عينيه كأنهما سليطان يتوقدان ناراً، أو كالقدحين المملوءين دماً، فما ظننت إلا ويأتي علينا كلنا، فبادرت أنا إليه من بين أصحابي فقلت: يا أبا الحسن! الله الله، فإن العرب تكرّ وتفرّ وإن الكرة تنفي الفرة، فكأنه ﵇ استحيى فولى بوجهه عني، فما زلت أسكن روعة فؤادي، فوالله ما خرج ذلك الرعب من قلبي حتى الساعة" (تفسير القمي) (١/ ١١٤، ١١٥).
стр. 2456
ورووا في شجاعة عليّ قصصاً كثيرة، ومنها ما رواه القطب الراوندي: "إن علياً بلغه عن عمر ذكره شيعته فاستقبله في بعض طرق البساتين وفي يد علي قوس فقال: يا عمر! بلغني عنك ذكرك شيعتي فقال: أربع على ظلعك فقال ﵇: إنك لههنا، ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هو ثعبان كالبعير فاغراً فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه فصاح عمر, الله الله ,يا أبا الحسن! لا عدت بعدها في شيء، وجعل يتضرع إليه فضرب بيده إلى الثعبان فعادت القوس كما كانت فمضى عمر إلى بيته مرعوباً" كتاب (الخرائج والجرائح) (ص٢٠، ٢١) ط بمبئي ١٣٠١هـ).
وأيضاً ما ذكره سليم بن قيس العامري الشيعي اللعان السباب الخبيث أن علياً شتم عمر وهدده بقوله: والله لو رمت ذلك يا ابن صهاك لأرجعت إليك يمينك، لئن سللت سيفي لأغمدته دون إزهاق نفسك فرمّ ذلك، فانكسر عمر وسكت وعلم أن علياً إذا حلف صدق، ثم قال على: يا عمر! ألست الذي هم بك رسول الله وأرسل إلي فجئت متقلداً بسيفي، ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل الله : فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم: ٨٤] قال ابن عباس: ثم إنهم تآمروا وتذاكروا فقالوا: لا يستقيم لنا أمر مادام هذا الرجل حياً، فقال أبو بكر: من لنا بقتله؟ فقال عمر: خالد بن الوليد، فأرسلا إليه، فقالا: يا خالد! ما رأيك في أمر نحملك عليه؟ قال: احملاني على ما شئتما، فوالله! إن حملتماني على قتل ابن أبي طالب لفعلت، فقالا: والله ما نريد غيره, قال: فإني لها، فقال أبو بكر: إذا قمنا في الصلاة، صلاة الفجر، فقم إلى جانبه ومعك السيف، فإذا سلمت فاضرب عنقه، قال: نعم! فافترقوا على ذلك، ثم إن أبا بكر تفكر فيما أمر به من قتل علي وعرف إن فعل ذلك وقعت حرب شديدة وبلاء طويل، فندم على أمره فلم ينم ليلته تلك حتى أتى المسجد وقد أقيمت الصلاة فتقدم فصلى بالناس مفكراً لا يدري ما يقول، وأقبل خالد بن الوليد متقلداً بالسيف حتى قام إلى جانب عليّ وقد فطن عليّ ببعض ذلك، فلما فرغ أبو بكر من تشهده صاح قبل أن يسلم يا خالد! لا تفعل ما أمرتك، فإن فعلت قتلتك، ثم سلم عن يمينه وشماله، فوثب علي ﵇ فأخذ بتلابيب خالد وانتزع السيف من يده ثم صرعه وجلس على صدره وأخذ سيفه ليقتله واجتمع عليه أهل المسجد ليخلصوا خالداً فما قدروا عليه، فقال العباس حلفوه بحق القبر لما كففت فحلفوه بالقبر فتركه وقام فانطلق إلى منزله" كتاب (سليم بن قيس العامري) (ص٢٥٦،٢٥٧).
هذا ولقد بالغوا وأكثروا في شجاعته وقالوا: كان يملك من القوة حتى "إن علياً ركض برجله الأرض يوماً فتزلزلت الأرض" (تفسير البرهان "مقدمة") (ص٧٤).
وتزلزلت يوماً فركضها حتى سكنت كما يكذب الصافي:
стр. 2457
"عن فاطمة ﵍ قالت: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر وفزع الناس إلى أبي بكر وعمر فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي ﵇، فتبعهما الناس إلى أن انتهوا إلى باب علي ﵇ فخرج عليهم غير مكترث لما هم فيه، فمضى واتبعه الناس حتى انتهوا إلى تلعة فقعد عليها وقعدوا حوله وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج جائية وذاهبة، فقال لهم علي: كأنكم قد هالكم ما ترون؟ قالوا: وكيف لا يهولنا ولم نر مثلها قط؟ فحرّك شفتيه وضرب بيده الشريفة، ثم قال: مالك اسكني، فسكنت بإذن الله، فتعجبوا من ذلك أكثر من تعجبهم الأول حيث خرج إليهم، قال لهم: فإنكم تعجبتم من صنعي؟ قالوا: نعم! قال أنا الرجل الذي قال الله: إذا زلزلت الأرض زلزالها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا الزلزلة:١ - ٣ [, فأنا الإنسان الذي يقول لها: مالك، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا] الزلزلة:٤ [, إياي تحدث" (الصافي) (ص٥٧١).]
وأكثر من ذلك، أنه صرع إبليس يوماً بقوته الجبارة كما رواه ابن بابويه القمي في (عيون أخبار الرضا) (٢/ ٧٢). هذا ومثل هذا كثير.
وما دمنا بدأنا في هذا نريد أن نكمل البحث بإيراد حكاية باطلة غريبة تدل على أكاذيب القوم وأساطيرهم التي نسجوها، وبنوا عليها مذهبهم، وأسسوا عليها عقائدهم، وهي منقولة من "كتاب (الأنوار النعمانية) للسيد نعمة الله الجزائري فإنه يقول:
روى البرسي في كتابه لمّا وصف وقعة خيبر "وإن الفتح فيها كان على يد علي وإن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ مستبشراً بعد قتل مرحب، فسأله النبي ﷺ عن استبشاره فقال: يا رسول الله! إن علياً لما رفع السيف ليضرب به مرحباً أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته ومع هذا قسمه نصفين وكذا ما عليه من الحديد وكذا فرسه ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبرئيل بادر إلى تحت الأرض وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته فكان على جناحي أثقل من مدائن قوم لوط وهي سبع مدائن قلعتها من الأرض السابعة ورفعتها فوق ريشة واحدة من جناحي إلى قرب السماء وبقيت منتظراً لأمر إلى وقت السحر حتى أمرني الله بقلبها، فما وجدت لها ثقلاً كثقل سيف عليّ فسأله النبي ﷺ : لم لا قلّبتها من ساعة رفعتها؟ فقال: يا رسول الله! إنه قد كان فيهم شيخ كافر نائم على قفاه، وشيبته إلى السماء، فاستحى الله سبحانه أن يعذبهم، فلما كان وقت السحر انقلب ذلك الشائب عن قفاه فأمرني بعذابها، وفي ذلك اليوم أيضاً لما فتح الحصن وأسروا نسائهم فكان فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي ﷺ وفي وجهها أثر شجة، فسأله النبي ﷺ عنها فقالت: إن علياً لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه أتى إلى برج من بروجه، فهزّه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه، فأصابني السرير فقال لها النبي ﷺ : يا صفية! إن علياً لما غضب وهزّ الحصن غضب الله لغضب علي فزلزل السماوات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلاً يتعاونون على سدّه وقت الليل، ولما دخل الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب فقلع الباب وكان في يده بمنزلة الترس يقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه" (الأنوار النعمانية) لنعمة الله الجزائري).
стр. 2458
وهذا مع رواية اليعقوبي الشيعي "وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت: والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجن إلى الله! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أياماً ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع" (تاريخ اليعقوبي) (٢/ ١٢٦).
ولا ندري، من الصادق من القوم؟ نعمة الله الجزائري وسليم بن قيس العامري
والقطب الراوندي والقمي والمجلسي أو العياشي واليعقوبي؟
لا ندري، أم كلهم كذبة يكذبون ويحكون، ولا يدرون أن أهل البيت لم يقولوا، ولم يكونوا هكذا، ولو كانوا أو قالوا لما قالوا في أبي بكر، هو الصديق، وفي عمر، أنه ميمون النقيبة ومرضي السيرة، ولم يسموا أبناءهم بأسمائهم، ولم يناكحوهم ويعاشروهم ويمدحوهم بعد موتهم، فلا نستطيع أن نقول بعد رواية هذه الأشياء كلها: اللهم إلا أن أهل البيت كانوا صادقين في أفعالهم وأعمالهم، ومصيبين في أقوالهم وأحوالهم، والشيعة يكذبون عليهم، ويخالفونهم في معتقداتهم، ويعادون أحباءهم ورحماءهم وأقاربهم وقادتهم وأمراءهم وحكامهم، الذين أخلصوا لهم الطاعة والمناصحة والولاء والمشورة كما بينّاه سابقاً بالتفصيل.
وإلا فهل يعقل من مثل ذلك الرجل الشجاع الباسل، البطل الكمّي أن يجبره أبو بكر على بيعته، وعمر على تزويجه من بنته، وعثمان على رضائه بتقديمه، وتسمية أبنائه بأسمائهم رضوان الله عليهم أجمعين، ومعه من أهل بيته وأنصاره من معه؟.والظاهر أن القوم مع إظهارهم ولاء أهل البيت يخالفونهم في بغضهم الخلفاء الراشدين وأصحاب نبي الله المختارين النجباء، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ وفداه أبوي وروحي: ((طوبى لمن رآني وآمن بي)) (١) كتاب (الخصال) (٢/ ٣٤٢).
وعلى كل وإننا لنذكر مخالفة القوم أهل البيت في عدائهم لأرحام رسول الله ﷺ وأصهاره.
فيقول العياشي أيضاً في ذي النورين ﵁ أن الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى [البقرة:٢٦٤] نزلت في عثمان" (تفسير العياشي) (١/ ١٤٧) (البحار) (٨/ ٢١٧).
وأما القمي فليس أقل من العياشي في اللعن والطعن والتفسيق والتكفير، فيذكر تحت قول الله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:١١٢] ما بعث الله نبياً إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ..... وأما صاحبا محمد فحبتر وزريق" (تفسير القمي) (٢/ ٢٤٢).
ولقد نقلنا عنه روايات عديدة في كتابنا (الشيعة والسنة).
وأما البحراني فهو على شاكلتهما، فيكتب تحت قول الله ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:٤٠] محترقا من معيّة الصديق النبي ﵊ في سفره من مكة إلى المدينة، مهاجراً إلى الله، مصاحباً أبا بكر بأمر من الله وثقة في الصديق، ورغبة في صحبته، يقول: أمر رسول الله علياً فنام على فراشه، وخشي من أبي بكر أن يدلّهم عليه فأخذه معه إلى الغار" (البرهان) (٢/ ١٢٧).
стр. 2459
ويكذب على أبي جعفر حيث يقول: إنه قال: إن رسول الله أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن، فإن الله معنا - إلى أن قال - تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفر وأصحابه في البحر يعومون، فقال: نعم، فمسح رسول الله ﷺ بيده على وجهه، فنظر الأنصار جالسين في مجالسهم، ونظر إلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر" (البرهان) (ص١٢٥) و (الروضة من الكافي) (٨/ ٢٦٢).
وأما الفاروق، المطفئ نار المجوسية، والمكسر أصنام الكسروية وشوكتها، والهادم مجد اليهودية وعزها، المحبوب إلى حبيب الرب، والمبغوض إلى أعدائه وأعداء أمته، أبناء اليهود والمجوس، يقول فيه البحراني تحت قول الله : وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٩] وكان الشيطان هو الثاني، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [الفرقان:٢٨] يعنى الثاني لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي [الفرقان:٢٩] يعني الولاية" (البرهان) (٣/ ١٦٦).
ويمتد في غلوائه، ويتجاهر بالفحش والبذاءة حيث يقول: إبليس وما بمعناه كالمبلسين سيأتي في الشيطان تأويله بالثاني، ومنه يمكن استفادة تأويل إبليس به أيضاً لاتحاد المسمى بهما، وفي بعض الأخبار عن الأصبغ بن نباتة أن علياً ﵇ أخرجه مع جمع فيهم حذيفة بن اليمان إلى الجبانة، وذكر معجزة عنه ﵇ إلى أن قال: فقال علي ﵇: يا ملائكة ربي ايتوني الساعة بإبليس الأبالسة، وفرعون الفراعنة، فوالله! ما كان بأسرع من طرفة عين حتى أحضروه عنده, فلما جرّوه بين يديه قام وقال: واويلاه من ظلم آل محمد، واويلاه من اجترائي عليهم، ثم قال: يا سيدي ارحمني، فإني لا أحتمل هذا العذاب، فقال ﵇: لا رحمك الله ولا غفر لك, أيها الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان، ثم التفت إلينا، فقال: سلوه حتى يخبركم من هو؟ فقلنا له: من أنت؟ فقال أنا إبليس الأبالسة وفرعون هذه الأمة، أنا الذي جحدت سيدي ومولاي أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين، وأنكرت آياته ومعجزاته الخبر، والظاهر أن المراد به الثاني حيث كان هو رأس المفسدين، وهو الذي أوّل به الشيطان في القرآن" (البرهان، "مقدمة") (ص٩٨).
وأما محسن المسلمين والإسلام عثمان بن عفان فقد كتب فيه رسول الله ﷺ قال له: قد أقلتك إسلامك فاذهب فأنزل الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات:١٧] إلخ" (البرهان) (٤/ ٢١٥).
ويظهر بغضه وحقده للجميع فيقول تحت قول الله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ [النساء:٤٩] المراد هم الذين سموا أنفسهم بالصديق والفاروق وذي النورين" (البرهان، "مقدمة") (ص١٧٢). (وقد أعماه الحسد والحقد والجهل حتى لم يدر بأن واحداً من هؤلاء الثلاثة لم يسم نفسه بهذه الأسماء، ولم ترد رواية في ذلك، بل سماهم رسول الله ﷺ وأهل بيته بهذه الأسماء والألقاب كما مر سابقاً، والبغيض اللعان لم يدر أيضاً بأن الثابت في الروايات وكتب القوم أن علياً ﵁ هو الذي سمى نفسه بهذه الأسماء، وأطلقها بنفسه على نفسه "أنا الصديق وأنا الفاروق" (الاحتجاج) للطبرسي (١/ ٩٥) فافهم وتدبر)
ويحكم ويتحكم أن المراد بـ مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [القارعة:٦] عليّ وشيعته، والمراد بـ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ [القارعة:٨] الثلاثة وأتباعهم ("مقدمة" ص٣٣٣).
стр. 2460
ويتقدم في تحكمه واستهزائه لأصحاب الرسول ﵊ وأزواجه حيث يقول: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ [النور:١١] نزلت في عائشة وحفصة وأبي بكر وعمر لما قذفوا مارية القبطية وجريحاُ" (البرهان) (٣/ ١٢٧).
ومفسرهم الرابع الكاشاني ليس أقل لوماً ولا خبثاً من الآخرين من بني قومه، وهو الذي كتب تحت قول الله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا [النساء:١٣٧] نزلت في الأول والثاني والثالث والرابع (يعني معاوية) وعبد الرحمن وطلحة" (تفسير صافي) للكاشاني (ص١٣٦) ط إيران بالحجم الكبير).
وكتب تحت قول الله : وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ [التوبة: ٧٤] لما أقام الرسول علياً يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، وهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة، قال عمر: "ألا ترون عينيه كأنهما عينا مجنون - يعني النبي -، يقوم ويقول: قال لي ربي" - أستغفر الله من نقل هذه الخرافة وهذا الكفر، ولعنة الله على الكاذبين – (الصافي) (ص٢٣٦) الحجم الكبير و (ص٧١٥ ج١) الحجم الصغير).
وشاتمهم الخامس المسمي نفسه بالمفسر، العروسي الحويزي، فيقول تحت قول الله تعالى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ [الحجر:٤٤] عن أبي بصير قال: يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب بابها الأول للظالم وهو زريق وبابها الثاني لحبتر والباب الثالث للثالث والرابع لمعاوية والخامس لعبد الملك والسادس لعسكر بن هوسر والسابع لأبي سلامة، فهم باب لمن اتبعهم" (نور الثقلين) (٣/ ١٨).
وعلق المحشي اللعين على هذه الأسماء بقوله: قال المجلسي: زريق كناية عن الأول لأن العرب يتشاءم بزرقة العين، والحبتر هو الثعلب ولعله إنما كنى عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر إذا الحبتر بالأول أنسب، ويمكن أن يكون هنا أيضاً المراد ذلك، وإنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بنى أمية أو بني العباس. وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل، إذ كان اسم جمل عائشة عسكراً وروى أنه كان شيطاناً" (نور الثقلين (٣/ ١٨) ط قم – إيران).
وكتب تحت قول الله : َالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢٠ - ٢١] قال: الذين يدعون من دون الله الأول والثاني والثالث، كذبوا رسول الله ﷺ بقوله: والوا علياً واتبعوه، فعادوا علياً ولم يوالوه، ودعوا الناس إلى ولاية أنفسهم فذلك قول الله: والذين يدعون من دون الله أموات غير أحياء كفار غير مؤمنين وهم مستكبرون يعني عن ولاية علي" (نور الثقلين) (٣/ ٤٧).
محدثو الشيعة وفقهاؤهم:
стр. 2461
فهؤلاء هم مفسروا الشيعة اللعانون السبابون الشتامون، المكفرون أصحاب محمد ﷺ والأخيار منهم، الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وها هي كتبهم في التفسير، كتب الشتائم والسباب، واللعائن والمطاعن، كتب القذائف والتهم، وعلى من؟ على الذين شهد الله بطهارتهم ونقائهم وصفائهم، وبشرهم بالفوز والفلاح والجنة والرضى، أصحاب رسول الله ورفاقه، تلامذته ومريديه الذين عاشروا الرسول، وبايعوه، ناصروه وأيدوه. هاجروا معه وتركوا لأجله أقاربهم وعشائرهم، أولادهم وأموالهم، ديارهم وأوطانهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وجاهدوا تحت رايته، وبذلوا كل غال وثمين بإشاراته. وحملوا رايته بعده وأعلوها على شواهق الجبال، وأوصلوها إلى ما وراء الأبحر، الصديق والفاروق وذي النورين ﵃ أجمعين، الذين قدّرهم أهل البيت حق التقدير، وعظموهم ومجدوهم، وبالغوا في إكرامهم، وأثنوا عليهم في حياتهم وبعد وفاتهم ثناء عاطراً، وقدموا لهم ثمار قلوبهم وأفذاذ أكبادهم، وجعلوا هديهم هدف العين، وانتهجوا منهجهم واقتدوا بمسلكهم.
وأما الشيعة المتزعمين حبهم واتباعهم فعلوا عكس ذلك، وخالفوهم مخالفة صريحة، ظاهرة باهرة، حيث لا يخلو كتاب من كتبهم إلا وهو مليء من أردأ القول وأفحش الكلام كما نقلناه من الذين يدعون بأنهم مفسروا القوم، وعلم التفسير منهم بريء، وحاشا لله أن يكون المفسرون كهؤلاء.
وأما محدثو الشيعة وفقهائهم فهم على شاكلتهم، فلا يخلوا كتاب من كتبهم عن مثل هذه الترهات والافتراءات، مخالفين تماماً أهل بيت النبي ﷺ وأهل بيت علي ﵁، مبغضين محبي رسول الله ومحبوبيه، لاعنين أرحام رسول الله وأصهاره وأزواجه أمهات المؤمنين.
فلنلق نظرة عابرة على موقف محدثي الشيعة وفقهائهم. فها هو الكليني كبير القوم ومحدثهم يبيّن عقيدته ويظهر سريرة نفسه، ويكشف عن قرارة قلبه عندما يكتب تحت قول الله : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:٧]- يعني أمير المؤمنين - أي علي - ووَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: ٧] الأول والثاني والثالث" (الأصول من الكافي) (١/ ٤٢٦).
ويصرح أكثر حيث يقول: لما رأى رسول الله تيماً وعدياً وبني أمية (يقصد به أبا بكر الصديق الذي كان من تيم، والفاروق الذي كان من عدي، وذا النورين الذي كان من بني أمية) يركبون منبره أفزعه، فأنزل الله ﵎ قرآناً يتأسى به وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى [البقرة: ٣٤] ثم أوحى إليه يا محمد! إني أمرت فلم أطع فلا تجزع أنت إذا أمرت فلم تطع في وصيك أيضاً" (الأصول من الكافي) كتاب (الحجة) (١/ ٤٢٦) ط طهران).
ويكتب تحت قول الله ﵎: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى [محمد:٢٥] فلان وفلان وفلان، ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين ﵇، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦] قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله الذي نزل به جبرئيل ﵇ على محمد ﷺ : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُسَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد:٢٦] (في علي ﵇ كتاب (الحجة من الكافي) (١/ ٤٢٠).
стр. 2462
ويروي عن عبد الملك بن أعين أنه قال: قلت لأبي عبد الله: خبرني عن الرجلين؟ قال: ظلمانا حقنا في كتاب الله ، ومنعا فاطمة صلوات الله عليها ميراثها من أبيها، وجرى ظلمهما إلى اليوم قال – وأشار إلى خلفه – ونبذا كتاب الله وراء ظهورهما" كتاب (الروضة من الكافي) (٨/ ١٠٢).
كما روي عن الكميت الأسدي أنه قال: قلت: خبرني عن الرجلين؟ قال: فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثم قال: والله يا كميت! ما أهريق محجمة من دم، ولا أخذ مال من غير حله، ولا قلب حجر عن حجر إلا ذاك في أعناقهما" كتاب (الروضة) (ص١٠٣).
ويكذب أيضاً أن حنان بن سويد روى عن أبيه أنه قال: سألت أبا جعفر عنهما فقال: يا أبا الفضل! ما تسألني عنهما فوالله ما مات منا ميت قط إلا ساخطاً عليهما يوصي بذلك الكبير منا الصغير، إنهما ظلمانا حقنا، ومنعانا فيئنا، وكانا أول من ركب أعناقنا وبثقا علينا بثقا في الإسلام، لا يسكر أبداً حتى يقوم قائمنا أو يتكلم متكلمنا" كتاب (الروضة من الكافي) (٨/ ١٠٢).
ويقول مصرحاً: أصبح رسول الله ﷺ يوماً كئيباً حزيناً، فقال له علي ﵇: ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟ قال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام قهقرى" كتاب (الروضة من الكافي) (ص٣٤٥).
كما روي عن أبي جعفر أنه قال: ما كان ولد يعقوب أنبياء لكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقوا الدنيا إلا السعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا، وإن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇ فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" كتاب (الروضة من الكافي) (ص٢٤٦).
وأما ابن بابويه القمي أحد كتّاب الصحاح الأربعة الشيعية والملقب بالصدوق يكتب طاعنا في الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ﵄: "أن أبا بكر لما بُويع ذهب أنصار علي إليه، فتكلموا في الأمر، فقال لهم علي ﵁: وقد اتفقت عليه الأمة التاركة لقول نبيها والكاذبة على ربها، ولقد شاورت في ذلك أهل بيتي، فأبوا إلا السكوت لما تعلمون من وغر صدور القوم وبغضهم لله ولأهل بيت نبيه ﵇، وإنهم ليطالبون بثأرات الجاهلية، والله! لو فعلتم ذلك لشهروا سيوفهم مستعدين للحرب والقتال كما فعلوا ذلك حتى قهروني وغلبوني على نفسي ... ولكن ايتوا الرجل فأخبروه بما سمعتم من نبيكم، ولا تجعلوه في شبهة من أمره ليكون ذلك أعظم للحجة عليه وأزيد وأبلغ في عقوبته إذ عتا ربه، وقد عصا نبيه وخالفا أمره، قال: فانطلقوا حتى حفوا بمنبر رسول الله يوم جمعة .. وكان أول من بدا وقام خالد بن سعيد بن العاص بإدلاله ببني أمية - إلى أن قال - فقال له عمر بن الخطاب: اسكت يا خالد فلست من أهل المشورة، ولا ممن يرضى بقوله، فقال خالد: بل اسكت أنت يا ابن الخطاب فوالله! إنك لتعلم أنك تنطق بغير لسانك، وتعتصم بغير أركانك، والله! إن قريشاً لتعلم أني أعلاها حسباً وأقواها أدباً وأجملها ذكراً وأقلها غنى من الله ورسوله وإنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر" كتاب (الخصال) (ص٤٦٣) ط مكتبة الصدوق طهران).
هذا ويقول في ذي النورين ﵁:
إن في التابوت الأسفل ستة من الأولين وستة من الآخرين .. والستة من الآخرين فنعثل ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري، ونسي المحدث اثنين" كتاب (الخصال) (ص٤٨٥).
وذكر في موضع آخر من كتاب (الخصال):
стр. 2463
"شر الأولين والآخرين اثنا عشر، ستة من الأولين وستة من الآخرين، ثم سمى الستة من الأولين، ابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون وهامان وقارون والسامري والدجال اسمه في الأولين ويخرج في الآخرين، وأما الستة من الآخرين فالعجل وهو نعثل، وفرعون وهو معاوية، وهامان هذه الأمة وهو زياد، وقارونها وهو سعيد والسامري وهو أبو موسى عبد الله بن قيس لأنه قال كما قال سامري قوم موسى: لا مساس أي لا قتال، والأبتر وهو عمرو بن العاص" كتاب (الخصال) (ص٤٥٨، ٤٥٩).
ويقول: وحب أولياء الله والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة، من الذين ظلموا آل محمد ﵈. وهتكوا حجابه فأخذوا من فاطمة ﵍ فدك (انظر كيف يتهجم على الصديق في معاملة رضيت فيها فاطمة بنت الرسول ﵊، فإنها رضيت ولكن من يرضي قوم عبد الله بن سبأ النجل اليهودي الذي يسعى بين الأمة لتفريق كلمتها وتمزيق وحدتها وتشتيت شملها؟) ومنعوها ميراثها، وغصبوها وزوجها حقوقها، وهموا بإحراق بيتها (قصة باطلة، موضوعة، مختلقة، اختلقوها للطعن على الفاروق الأعظم). وأسسوا الظلم وغيروا سنة رسول الله، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة. والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلال وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم واجبة" "كتاب (الخصال) (٢/ ٦٠٧) ط مطبعة الحيدري طهران).
ويكذب على النبي ﷺ والصديق والصديقة ﵄، ويكبّ عليهما ما يكنّه من البغض والحقد والحسد والضغينة، وينسج هذه الحكاية الباطلة الخبيثة فيقول: قال رسول الله ﷺ لعلي: ((يا علي! من أحبك ووالاك سبقت له الرحمة، ومن أبغضك وعاداك سبقت له اللعنة، فقالت عائشة: يا رسول الله! ادع الله لي ولأبي لا نكون ممن يبغضه ويعاديه، فقال ﷺ : اسكتي إن كنت أنت وأبوك ممن يتولاه ويحبه فقد سبقت لكما الرحمة، وإن كنتما ممن يبغضه ويعاديه فقد سبقت لكما اللعنة، ولقد جئت أنت وأبوك إن كان أبوك أول من يظلمه وأنت أول من يقاتله غيري)). كتاب (الخصال) (٢/ ٥٥٦).
ويقول: إن جعفراً سئل "ما بال أمير المؤمنين لم يقاتل فلاناً وفلاناً وفلاناً؟ قال: لآية في كتاب الله لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:٢٥]، قيل: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين" (علل الشرائع) لابن بابويه (ص١٤٧) ط نجف).
وزاد "لم لم يجاهد أعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله ﷺ ثم جاهد في أيام ولايته؟ لأنه اقتدى برسول الله ﷺ في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاثة عشرة سنة بعد النبوة وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة أعوانه عليهم، وكذلك علي ﵇ (ومن الغرائب أن القوم لا يذكرون أسماء واحد من أئمتهم إلا ويعقبونها بالكلمة الكاملة "﵇ أو ﵈" في وقت يجردون اسم النبي ﷺ أحياناً، وأحياناً يكتفون بذكر حرف "ص" فقط، وهذا يدل على معتقد القوم تجاه أئمتهم وتجاه النبي ﵊ ترك مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم" (علل الشرائع) (ص١٤٧).
فانظر إلى الأساطير كيف نسجت، والقصص كيف اخترعت، ولا يشبع من تسميتهم بأئمة الضلالة والجور والدعاة إلى النار، بل يزداد في غلوائه وتعديه على الخلفاء الراشدين، ويشبههم بمشركي مكة أعداء رسول الله وخصوم دينه.
стр. 2464
نعم! يشبه هؤلاء البررة الأخيار، حملة راية الله، مبلغي كلمة الله، وناشري دين الله، أحباء رسول الله ومحبيه، الذين في عصورهم وعهودهم وأيامهم تحققت مبشرات رسول الله ونبوءاته التي جعلها آية صدق على نبوة نبيه ورسوله المصطفى، روحي له ولأحبائه الفداء ﷺ ، البشائر التي ذكرها هذا الجريء المفتري نفسه في كتابه عن البراء بن عازب أنه قال:
لما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت له صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ فيها المعاول فجاء رسول الله ﷺ فلما رآها وضع ثوبه فأخذ المعول، وقال: بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقال: بسم الله، ففلق ثلثاً آخر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" كتاب (الخصال) (١/ ١٦٢).
فمن الذي تحققت في خلافته هذه النبوءات؟ ومن الذي عبر عنه الناطق بالوحي "أعطيت مفاتيح الشام، وأعطيت مفاتيح فارس، وأعطيت مفاتيح اليمن"؟.
ومن جعله قائم مقام نفسه حتى عبر عن إعطاء المفاتيح إياه كإعطائها لنفسه، وهل من مجيب؟
فهذا هو صدوقهم الذي جعلوا كتبه أصح الكتب، ولا بعد كتاب الله، لأن كتاب الله محرف مغير فيه حسب اعتقادهم، وقصداً حاولنا التركيز في كتاب واحد من كتبه – وكلها على شاكلته – لكي يعرف القارئ والباحث حشده وملأه من الحنق والحقد على خيار خلق الله بعد الأنبياء والرسل ﵈ ورضوان الله عليهم.
وأما محدثهم الأقدم - كما يسمونه - الذي استفاد منه الكليني والصدوق وغيرهما ورووا عنه في كتبهم، وهو سليم بن قيس فلم يجد سباً قبيحاً ولا شتيمة خبيثة إلا وقد استعملها فيهم حتى بلغت جرأته إلى أن قال كذباً على عليّ أنه قال:
تدري من أول من بايع "أبا بكر" حين صعد المنبر؟
قلت: لا ولكن رأيت شيخاً كبيراً يتوكأ على عصاه بين عينيه سجادة شديدة التشمير صعد المنبر أول من صعد وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، ثم قال: يوم كيوم آدم، ثم نزل فخرج من المسجد. فقال علي ﵇: يا سلمان! أتدري من؟
قلت: لا، ولكن ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله ﷺ قال علي ﵇: فإن ذلك إبليس .. – إلى أن قال – ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين" كتاب (سليم بن قيس) (ص٨٠، ٨١).
واخترع في ذم الخلفاء الراشدين، وسادة أصحاب الرسول، وقادة الأمة قصة يضحك منها حتى السفهاء والأطفال ولكن قيل قديماً: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
فانظر إليه كيف ينسج ويخترع قصة طويلة ملؤها سب وشتم:
стр. 2465
"فلما رأى علي ﵇ خذلان الناس إياه وتركهم نصرته واجتماع كلمتهم مع أبي بكر وتعظيمهم إياه لزم بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع فإنه لم يبق أحد إلا قد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة، وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غوراً، والآخر أفظهما وأغلظهما وأجفاهما، فقال له أبو بكر من نرسل إليه: فقال عمر: نرسل إليه قنفذاً وهو رجل فظ غليظ جاف من الطلقاء أحد بني عدي بن كعب، فأرسله وأرسل معه أعواناً وانطلق فاستأذن على عليّ ﵇ فأبى أن يأذن لهم فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما جالسان في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم يؤذن لنا، فقال عمر: اذهبوا فإن أذن لكم وإلا فادخلوا بغير إذن، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة ﵍: أحرج عليكم أن تدخلوا على بيتي بغير إذن فرجعوا وثبت قنفذ الملعون فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فتحرجنا أن ندخل بيتها بغير إذن فغضب عمر وقال: مالنا وللنساء ثم أمر أناساً حوله أن يحملوا الحطب، فحملوا الحطب وحمل معهم عمر فجعلوه حول منزل عليّ وفاطمة وابناها ثم نادى عمر حتى أسمع علياً ﵇ وفاطمة والله لتخرجن يا علي! ولتبايعن خليفة رسول الله إلا أضرمت عليك النار، فقالت فاطمة ﵍: يا عمر! مالنا ولك؟ فقال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم بيتكم فقالت: يا عمر! أما تتقي الله تدخل على بيتي فأبى أن ينصرف، ودعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل استقبلته فاطمة ﵍ وصاحت يا أبتاه فرفع السوط فضرب به ذراعها فنادت يا رسول الله! لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر فوثب علي ﵇ فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهمّ بقتله فذكر قول رسول الله ﷺ وما أوصاه به، فقال: والذي كرم محمداً بالنبوة يا ابن صهاك! لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إليّ رسول الله لعلمت أنك لا تدخل بيتي فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي ﵇ إلى سيفه فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج على بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته فقال أبو بكر لقنفذ: ارجع فإن خرج وإلا فاقتحم عليه بيته فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم النار فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو أصحابه بغير إذن وثار علي ﵇ إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعض سيوفهم فكاثروه فألقوا في عنقه حبلاً وحالت بينهم وبينه فاطمة ﵍ عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله, ثم انطلق بعلي ﵇ يعتل عتلاً حتى انتهى به إلى أبي بكر، وعمر قائم بالسيف على رأسه، وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حضير وبشير بن سعد وسائر الناس حول أبي بكر عليهم السلاح، قال قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة بغير إذن؟ قال: إي والله وما عليها خمار فنادت يا أبتاه يا رسول الله فلبئس ما خلفك أبو بكر وعمر وعيناك لم تتفتأ في قبرك، تنادي بأعلى صوتها، فلقد رأيت أبا بكر ومن حوله يبكون ما فيهم إلا باك غير عمر وخالد والمغيرة بن شعبة وعمر يقول: إنا لسنا من النساء ورأيهن في شيء قال: فانتهوا بعلي ﵇ إلى أبي بكر وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي في يدي لعلمتم أنكم لم تصلوا إلى هذا أبداً، أما والله ما ألوم نفسي في جهادكم، ولو كنت استمكنت من الأربعين رجلاً لفرقت جماعتكم ولكن لعن الله أقواماً بايعوني ثم خذلوني، ولما أن بصر به أبو بكر صاح خلوا سبيله، فقال علي ﵇ يا أبا بكر ما أسرع ما توثبتم على رسول
стр. 2466
الله ﷺ بأي حق وبأي منزلة دعوت الناس إلى بيعتك ألم تبايعني بالأمس بأمر الله وأمر رسول الله ﷺ وقد كان قنفذ لعنه الله حين ضرب فاطمة بالسوط حين حالت بينه وبين زوجها وأرسل إليه عمر إن حالت بينك وبينه فاطمة فاضربها فألجأها قنفذ إلى عضادة لبيتها ودفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى الله عليها من ذلك شهيدة، قال ولما انتهى بعلي ﵇ إلى أبي بكر انتهره عمر وقال له: بايع ودع عنك هذه الأباطيل فقال له علي فإن لم أفعل فما أنتم صانعون؟ قالوا: نقتلك ذلاً وصغارا، فقال: إذاً تقتلون عبداً لله وأخا رسوله، قال أبو بكر: أما عبد الله فنعم وأما أخا رسول الله فما نقر بهذا, قال: أتجحدون أن رسول الله ﷺ آخى بيني وبينه، قال: نعم، فأعاد ذلك عليه ثلاث مرات ثم أقبل عليهم علي ﵇ فقال: يا معشر المسلمين والمهاجرين والأنصار وأنشدكم الله أسمعتم رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خم كذ وكذا، فلم يدع ﵇ شيئاً قاله فيه رسول الله ﷺ علانية للعامة إلا ذكرهم إياه قالوا: نعم! فلما تخوف أبو بكر أن ينصره الناس وأن يمنعوه، بادرهم فقال كل ما قلت حق قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا ولكن قد سمعت رسول الله يقول بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا وإن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة, فقال علي هل أحد من أصحاب رسول الله ﷺ شهد هذا معك، فقال عمر: صدق خليفة رسول الله قد سمعته منه كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: قد سمعنا ذلك من رسول الله فقال علي ﵇ لقد وفيتم بصحيفتكم التي تعاقدتم عليها في الكعبة إن قتل الله محمداً أو مات لتزوّن هذا الأمر عنا أهل البيت، فقال أبو بكر: فما علمك بذلك؟ ما أطعناك عليها فقال ﵇: أنت يا زبير وأنت يا سلمان وأنت يا أبا ذر وأنت يا مقداد أسألكم بالله وبالإسلام أما سمعتم رسول الله ﷺ يقول ذلك وأنتم تسمعون أن فلاناً وفلاناً حتى عدهم هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتاباً وتعاهدوا فيه وتعاقدوا على ما صنعوا، فقالوا: اللهم نعم قد سمعنا رسول الله ﷺ يقول ذلك لك, إنهم قد تعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا وكتبوا بينهم كتاباً إن قتلت أو مت أن يزووا عنك هذا يا علي، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فما تأمرني إذا كان ذلك أن أفعل، فقال: ((لك إن وجدت عليهم أعواناً فجاهدهم ونابذهم وإن أنت لم تجد أعواناً فبايع واحقن دمك))، فقال علي ﵇: أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلاً الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتكم في الله ولكن أما والله لا ينالها أحد من عقبكما إلى يوم القيامة وفيما يكذب قولكم على رسول الله ﷺ قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء:٥٤] فالكتاب النبوة، والحكمة السنة والملك الخلافة ونحن آل إبراهيم، فقام المقداد فقال: يا علي! بما تأمرني؟ والله إن أمرتني لأضربن بسيفي وإن أمرتني كففت فقال علي كف يا مقداد واذكر عهد رسول الله ﷺ وما أوصاك به فقمت وقلت: والذي نفسي بيده لو أني أعلم أنى أدفع ضيماً وأعز لله ديناً لوضعت سيفي على عنقي ثم ضربت به قدما قدما، أتثبون على أخي رسول الله ﷺ ووصيه وخليفته في أمته وأبي ولده فأبشروا بالبلاء واقنطوا من
стр. 2467
الرخاء، وقام أبو ذر فقال: أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها المخذوله بعصيانها إن الله يقول: إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:٣٣ - ٣٤] وآل محمد الأخلاف من نوح وآل إبراهيم من إبراهيم والصفوة والسلالة من إسماعيل وعترة النبي محمد وأهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وهم كالسماء المرفوعة والجبال المنصوبة والكعبة المستورة والعين الصافية والنجوم الهادية والشجرة المباركة أضاء نورها وبورك زيتها محمد خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم وعلي وصي الأوصياء وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وهو الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ووصي محمد ووارث علمه وأولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم كما قال الله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأحزاب:٦] فقدموا من قدم الله، وأخروا من أخر الله، واجعلوا الولاية والوراثة لمن جعل الله، فقام عمر فقال لأبي بكر وهو جالس فوق المنبر: ما يجلسك فوق المنبر وهذا جالس محارب لا يقوم فيبايعك أو تأمر به فتضرب عنقه والحسن والحسين ﵈ قائمان فلما سمعا مقالة عمر بكيا فضمهما ﵇ إلى صدره فقال: لا تبكيا فوالله ما يقدران على قتل أبيكما، وأقبلت أم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أبديتم حسدكم ونفاقكم، فأمر بها عمر، فأخرجت من المسجد وقال: ما لنا وللنساء؟ (وقام بريدة الأسلمي) وقال: أتثب يا عمر على أخي رسول الله ﷺ وأبي ولده وأنت الذي نعرفك في قريش بما نعرفك, ألستما اللذين قال لكما رسول الله ﷺ انطلقا إلى علي وسلما عليه بامرة المؤمنين فقلتما أعن أمر الله وأمر رسوله قال: نعم، فقال أبو بكر: قد كان ذلك ولكن رسول الله قال بعد ذلك: ((لا يجتمع لأهل بيتي النبوة والخلافة))، فقال والله ما قال هذا رسول الله ﷺ والله لا سكنت في بلدة أنت فيها أمير، فأمر به عمر فضرب وطرد، ثم قال: قم يا ابن أبي طالب فبايع فقال: فإن لم أفعل قال: إذاً والله نضرب عنقك، فاحتج عليهم ثلاث مرات، ثم مد يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه، فنادى علي ﵇ قبل أن يبايع والحبل في عنقه (يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني) كتاب (سليم بن قيس) (ص٨٣ إلى ٨٩).
ولم يشبع بهذه القذارة وهذه الترهات إلا وزادها بأكاذيب أخرى حيث قال: قال الزبير لما بايع أبا بكر لعمر بن الخطاب يا ابن الصهاك! أما والله لولا هؤلاء الطغاة الذين عانوك لما كنت تقدم علي ومعي سيفي لما أعرف من جبنك ولومك، ولكن وجدت طغاة تقوى بهم وتصول، فغضب عمر وقال: أتذكر صهاك؟ (فانظر إلى الكذب الذي يكذب صاحبه ويفضحه.
أشجاع مثل الفاروق يحتاج لإثبات شجاعته إلى مثل هذا النباح الذي ينبح؟ وألد خصومه لا يتهمه بمثل ما اتهمه هذا الكذاب الأشر، إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)
قال: ومن صهاك؟ وما يمنعني من ذكرها؟ وقد كانت صهاك زانية، أو تنكر ذلك، أوليس كانت أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنى بها جدك نفيل، فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب لجدك بعد ما زنى بها فولدته وإنه لعبد جدي ولد زنا" كتاب (سليم بن قيس) (ص٨٩، ٩٠).
стр. 2468
ولا هذا فحسب، بل يتقدم أكثر وأكثر في لومه ونجاسته، وخبثه ويهوديته ويقول: قلت لسلمان: أفبايعت أبا بكر يا سلمان! ولم تقل شيئاً، قال: قد قلت بعد ما بايعت تباً لكم سائر الدهر أو تدرون ما صنعتم بأنفسكم أصبتم وأخطأتم ثم أصبتم سنة من كان قبلكم من الفرقة والاختلاف وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها، فقال عمر: يا سلمان أما إذ بايع صاحبك وبايعت فقل ما شئت وافعل ما بدا لك وليقل صاحبك ما بدا له قال سلمان: فقلت سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم جميعاً)) فقال له: قل ما شئت أليس قد بايعت ولم يقر الله عينيك بأن يليها صاحبك، فقلت: أشهد أني قد قرأت في بعض كتب الله المنزلة أنك باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم فقال لي: قل ما شئت أليس قد أزالها الله عن أهل البيت الذين اتخذتموهم أرباباً من دون الله، فقلت له: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول وسألته عن هذه الآية فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر:٢٥ - ٢٦] فأخبرني أنك أنت هو، فقال لي عمر: اسكت أسكت الله نامتك أيها العبد ابن اللخناء فقال لي ﵇: أقسمت عليك يا سلمان! لما سكت فقال سلمان والله! لو لم يأمرني علي بالسكوت لخبرته بكل شيء نزل فيه وكل شيء سمعته من رسول الله ﷺ فيه وفي صاحبه. فلما رآني عمر قد سكت قال إنك له لمطيع مسلم، فلما أن بايع أبو ذر والمقداد ولم يقولا شيئاً قال عمر: يا سلمان ألا تكف كما كف صاحبك, والله ما أنت بأشد حباً لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيماً لحقهم منهما وقد كفّا كما نرى وبايعا، وقال أبو ذر: يا عمر! أفتعيرنا بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله - وقد فعل - من أبغضهم وافترى عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد هذه الأمة القهقرى على أدبارها، فقال عمر: آمين لعن الله من ظلمهم حقهم لا والله ما لهم فيها حق وما هم فيها وعرض الناس إلا سواء قال أبو ذر: فلم خاصمتم الأنصار بحقهم وحجتهم قال علي ﵇ لعمر: يا ابن صهاك فليس لنا فيها حق وهي لك ولابن آكلة الذباب، قال عمر: كفّ الآن يا أبا الحسن إذ بايعت فإن العامة رضوا بصاحبي ولم يرضوا بك فما ذنبي؟ قال علي ﵇: ولكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي فأبشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما ووازركما بسخط من الله وعذابه وخزيه ويلك يا ابن الخطاب لو تدري ما منه خرجت وفيما دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك" كتاب (سليم بن قيس) (ص٩٠، ٩١).
وأيضاً "إن تابوتاً من نار فيها اثنا عشر رجلاً ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب، في قعر جهنم، في تابوت مقفل، على ذلك الجب صخرة، فإذا أراد الله أن يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعرت جهنم من وهج ذلك الجب ومن حره، .... أما الأولون ..... والآخرين، الدجال وهؤلاء الخمسة، أصحاب الصحيفة والكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه ..... وقال علي ﵇ لعثمان - وعلي منه بريء. ورب الكعبة! -: سمعت رسول الله ﷺ يلعنك ثم لم يستغفر الله لك بعد ما لعنك ..... وقال: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ غير أربعة، إن الناس صاروا بعد رسول الله بمنزلة هارون ومن تبعه، ومنزلة العجل ومن تبعه، فعلي في شبه هارون، وعتيق في شبه العجل، وعمر في شبه السامري - عفوك يا رباه من نقل هذا الهذيان والكفريات – (كتاب سليم بن قيس) (ص٩١، ٩٢) ط بيروت).
ويقول زوراً وبهتاناً وكذباً على رسول الله ﷺ أنه أمر الناس:
стр. 2469
((سلموا على أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي، بإمرة المؤمنين فإنه زر الأرض الذي تسكن إليه، ولوفقدتموه أنكرتم الأرض وأهلها، فرأيت عجل هذه الأمة وسامريها راجعاً لرسول الله ﷺ فقالا: حق من الله ورسوله؟ فغضب رسول الله, ثم قال: حق من الله ورسوله، .. فقالا: ما بال هذا الرجل ما زال يرفع خصيصة ابن عمه)) (كتاب سليم بن قيس) (ص١٦٧). وهل يعقل أن الرسول ﵇ يجعل أحداً أمير المؤمنين وهو حي موجود ثم ولا يعلمه أحد ولا يخبر بذلك في السقيفة عندما جرى هنالك ما جرى بين الأنصار والمهاجرين، ولكن القوم ليس لهم قلوب يفقهون بها، ولا أعين يبصرون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل.
وتجرأ هذا اللعين إن كان هو القائل، أو من نسب إليه هذا واخترعه باسمه، وافترى على أهل بيت النبي ﷺ ، زوجته، أم المؤمنين - بما فيهم علي وعائلته لأنهم من المؤمنين، وأزواجه أمهاتهم - على الصديقة الطيبة الطاهرة بشهادة القرآن، فقال:
دخل علي ﵇ على رسول الله ﷺ وعائشة قاعدة خلفه .... فقعد بين رسول الله ﷺ وبين عائشة فغضبت وقالت: ما وجدت لإستك موضعاً غير حجري، فغضب رسول الله ﷺ وقال: ((يا حميراء لا تؤذيني في أخي عليّ فإنه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين وصاحب الغر المحجلين يجعله الله على صراط فيقاسم النار ويدخل أولياءه الجنة ويدخل أعداءه النار)) (كتاب سليم بن قيس) (ص١٧٩).
وأخيراً ننقل عنه ما أورده في الخلفاء الراشدين الثلاثة حيث يذكر.
أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب إلى معاوية بن أبي سفيان
﵄ فيما كتب:
"إن رسول الله ﷺ رأى اثني عشر إماماً من أئمة الضلالة على منبره يردون الناس على أدبارهم القهقهرى، رجلان من قريش، وعشرة من بني أمية، أول العشرة صاحبك الذي تطلب بدمه - أي عثمان – (كتاب سليم بن قيس) (ص١٩٦).
هذا وما أكثر مثل هذا الكتاب الذي كتب على غلافه:
"من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس العامري فليس عنده من أمرنا شيء، وهو سر من أسرار محمد ﷺ ، الإمام الصادق".
والذي قال فيه المجلسي: والحق أنه من الأصول المعتبرة" مقدمة الكتاب (ص١٣).
وقال فيه ابن النديم الشيعي في الفهرست: وكان قيس شيخاً له نور يعلوه وأول كتاب ظهر للشيعة (كتاب سليم بن قيس) مقدمة الكتاب (ص١٣).
وقال الشيخ الجليل للقوم محمد بن إبراهيم الكاتب النعماني في كتاب (الغيبة) المطبوع بإيران: وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة ﵈ خلاف في أن كتاب (سليم بن قيس الهلالي) أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت ﵈ وأقدمها, لأن جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل، إنما هو عن رسول الله ﷺ ، وأمير المؤمنين والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين وسمع منه، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها" (مقدمة الكتاب) (ص١٢).
أو بعد هذا مجال لقائل مخادع أن يقول:
إن فكرة اتهام الشيعة بسب الصحابة وتفكيرهم - كونتها السياسة الغاشمة، وتعاهد تركيزها أناس مرتزقة باعوا ضمائرهم بثمن بخس وتمرغوا على أعتاب الظلمة، يتقربون إليهم بذم الشيعة وقد استغل أعداء الدين هذه الفرصة فوسعوا دائرة الانشقاق لينالوا أغراضهم، ويشفوا صدورهم من الإسلام وأهله، وراح المهرجون يتحمسون لإثارة الفتن وإيقاد نار البغضاء بين المسلمين بدون تدبر وتثبت، وقد ملئت قلوبهم غيظاً.
стр. 2470
وبحكم السياسة وتحكمها أصبحت الشيعة وهي ترمي بكل عظيمة وتهاجم بهجمات عنيفة، واندفع ذووا الأطماع يعرضون ولاءهم للدولة في تأييد ذلك النظام والاعتراف به، وأنه قد أصبح جزءاً من حياة الأمة العقلية وهم يخادعون أنفسهم.
ولم يفتحوا باب النقاش العلمي، وحرموا الناس حرية القول، وأرغموهم على الاعتراف بفكر الشيعة والابتعاد عن مذهب أهل البيت ولو سألهم سائل عن الحقيقة وطلب منهم أن يوضحوا لهم ذلك، فليس له جواب إلا شمول ذلك النظام له، ونحن نسائلهم:
١ـ أين هذه الأمة التي تكفر جميع الصحابة ويتبرءون منهم؟
٢ـ أين هذه الأمة التي تدعي لأئمة أهل البيت منزلة الربوبية؟
٣ـ أين هذه الأمة التي أخذت تعاليمها من المجوس فمزجتها في عقائدها؟
٤ـ أين هذه الأمة التي حرفت القرآن وادعت نقصه؟
٥ـ أين هذه الأمة التي ابتدعت مذاهب خارجة عن الإسلام؟
إنهم لا يستطيعون الجواب على ذلك، لأن الدولة قررت هذه الاتهامات فلا يمكنهم مخالفتها. ولا يمكن إقناعهم بلغة العلم. وما أقرب الطريق إلى معرفة الحقيقة لو كان هناك صبابة من تفكير وبقايا من حب الاستطلاع وخوف من الله وحماية للدين" (الإمام الصادق) لأسد حيدر الشيعي (٢/ ٦١٧، ٦١٨) ط بيروت).
فنقول له: يا أستاذ! فكرة اتهام الشيعة بسب الصحابة وتفكيرهم - كونتها السياسة الغاشمة: أو إنها حقيقة واسعة واضحة بينة ثابتة مرة؟
وقد أثبتها كتبكم أنتم مهما حاولتم تغطيتها، وطالما قصدتم إخفاءها.
فهل بعد نشر مثل هذه الكتب الخبيثة الجريحة تريدون أن تخدعوا المسلمين بأنكم لستم إلا طائفة من طوائف الإسلام وفئة من فئات المسلمين ولو منحرفة؟
فلا والله! لن ينخدع بهذه الأباطيل إلا من يريد أن يخدع نفسه لينال غرضاً من أغراضه، وطامع يعرض ولاءه لهذا أم ذاك، أو جاهل غافل لا يدري عن الحق والحقيقة شيئاً.
وهناك كم من المرتزقة وقفوا أقلامهم للطغاة والأشرار الشاتمين لأصحاب رسول الله، والطاعنين لحملة الإسلام وناشري الرسالة، يدافعون عن أولئك الطغاة، ويؤولون أقوالهم وكتاباتهم بتأويلات وتبريرات يمجها العقل ويزدريها الحجى، بائعين ضمائرهم بثمن بخس دراهم معدودة، هاتفين شعار وحدة الأمة واتفاقها واتحادها، وهل يمكن الاتحاد على أعراض الخلفاء الراشدين وهي تنتهك، وحرمات أزواج النبي، أمهات المؤمنين وهي تنتهب وتستلب؟
وهل يمكن أن تجتمع كلمة المسلمين ومثل هذه الكتب تطبع وتنشر؟
ومثل هذه العقائد فإنها تعلن بها وتجهر؟
أو يقال للجريح: لا تتأوه وللمضروب لا تتأفف فلا ولا، تلك إذاً قسمة ضيزى.
فأين دعاة التقريب من مغفلي السنة، أو من باع دينه بدنياه؟
أين هؤلاء! ألا ينظرون إلى مثل هذه الكتب، وما أكثرها، وعقائد القوم وما أعمقها؟
فلا يخلوا كتاب من كتب القوم الأصلية إلا وهو مليء من السباب والشتائم، واللعن والطعن مثل كتاب (سليم بن قيس) (ونحن نعرف بأن بعضاً منهم لم يقرءوا من كتب القوم إلا ما كتب تقية لخداع العامة من السنة مثل "أصل الشيعة وأصولها" لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، وككتاب أسد حيدر (الإمام الصادق والمذاهب الأربعة).
ولقد ذكرنا بعض العبارات من بعضها، وها نحن نلقي نظرة عابرة على البعض الآخر.
فمن كتب الشيعة في الحديث والرجال كتاب هام وقديم باسم (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي
والذي يعرف برجال الكشي، وهذا الكتاب له ميزة أخرى حيث ذكروا أن شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي الذي أدرج كتاباه (الاستبصار) و (التهذيب) في الصحاح الأربعة الشيعية هو الذي لخصه ورتبه، وبهذا يصير هذا الكتاب لشخصين، لمحدثهم وكبيرهم في الرجال ومعولهم وسندهم وحجتهم الكشي، ولإمامهم وشيخهم شيخ الطائفة الطوسي.
стр. 2471
فمن هذا الكتاب نورد بعض الروايات التي تنبئ عن خرافات القوم وسخافاتهم، وعن حسدهم وبغضهم هؤلاء الأخيار، صحابة النبي المختار ﷺ ، خلفاءه الراشدين، ونوابه المهديين، رضوان الله عليهم أجمعين.
يكتبون فيه:
"إن محمد بن أبي بكر بايع علياً ﵇ من البراءة من أبيه" (رجال الكشي) تحت ترجمة محمد بن أبي بكر (ص٦١) ص كربلاء).
وأيضاً أنه قال لعلي: أشهد أنك إمام مفترض طاعتك وإن أبي في النار" (رجال الكشي) تحت ترجمة محمد بن أبي بكر (ص٦١) ط كربلاء).
و"كان صهيب عبد سوء, يبكي على عمر" (رجال الكشي) (ص٤١) تحت ترجمة بلا وصهيب).
ويقول فيهما: ما أهريق دم، ولا حكم بحكم غير موافق لحكم الله وحكم رسوله ﷺ وحكم علي إلا وهو في أعناقهما" (رجال الكشي) (ص١٧٩، ١٨٠).
وأيضاً: "ما أهريق في الإسلام محجمة من دم، ولا اكتسب مال من غير حله، ولا نكح فرج حرام إلا ذلك في أعناقهما إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معاشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبهما والبراءة منهما" (رجال الكشي) (ص١٨٠).
ويقول في ذي النورين إن الآية يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ [الحجرات:١٧].
نزلت في عثمان" (رجال الكشي) (ص٣٤). (من الأفضل، علي أم نبي؟ ولا ندري أن الأصل في الفضل هو النبي صلوات الله وسلامه عليه أم علي ﵁ عند القوم لأنه إن كان الفضل والشرف لعلي بسبب النبي ﷺ بأنه صهره، زوج بنته وقريبه ومطيعه فلم حرم الآخرون المنتسبون إلى الرسول العظيم ﵊، فكل من انتسب إليه وصدقه وآمن به وأطاعه وأحبه وقدمه على والديه وولده، وصاهره فهو عظيم يعظم، وكبير يؤقر، ومحترم يحترم حسب منزلته ومقامه، فعلي زوج ابنته فاطمة فيكرم، وجدير به أن يكون، وذو النورين زوج ابنتيه زوجهما رسول الله الناطق بالوحي واحدة بعد واحدة عن رضى القلب وطيب النفس، وأنزله منزلة الفؤاد كما رواه علي، فلم لا يحترم ويعظم ويؤقر وهو مع ذلك ابن بنت عمته الحقيقية، وأول مهاجر في سبيل الله من المؤمنين بإيمانه وإسلامه؟ فعدلاً يا عباد الله.
وإننا لنرى بأن القوم لا يجعلون النبي أصلاً وجذراً يعظم ويحترم علي لأجله ونسبته إليه، بل هم يعظمونه ويحترمونه لعلي لأنه أخذ ابنته، وجعله قريبه وحبيبه. لذلك كل من اقترب من علي وناصره وساعده وأيده ودخل في شيعته هو الأفضل والأعلى لا غير، وعلى ذلك اخترعوا تلك الرواية الغريبة العجيبة المكذوبة والموضوعة الباطلة:
"إن الصدوق طاب ثراه يروي عن النبي ﷺ قال: ((أعطيت ثلاثاً، وعلي مشاركي فيها، وأعطي علي ثلاثة ولم أشاركه فيها، فقيل: يا رسول الله وما الثلاث التي شاركك علي؟
قال: لواء الحمد لي وعلي حامله، والكوثر لي وعلي ساقيه، والجنة والنار لي وعلي قسيمها، وأما الثلاث التي أعطي علي ولم أشاركه فيها، فإنه أعطي شجاعة ولم أعط مثلها، وأعطي فاطمة الزهراء زوجة ولم أعط مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين ولم أعط مثلهما)) (الأنوار النعمانية) لنعمة الله الجزائري).
والمجلسي لم يقتنع بهذا فزاد أن رسول الله ﷺ قال له فيما قال: ((وخديجة كنتك (أم الزوجة) ولم أعط كنة مثلها، ومثلي رحيمك ولا رحيم لي مثل رحيمك (أب الزوج) وجعفر شقيقك وليس لي شقيق مثله، وفاطمة الهاشمية أمك وأنى لي مثلها)) (بحار الأنوار) للمجلسي (ص٥١١) ط قديم الهند).
وهذه الروايات إن دلت - ومثلها كثيرة كثيرة – دلت على حقيقة معتقدات القوم بأنهم يعدون علياً الأصل ونبينا ﷺ الفرع، كما أنهم يصرحون بأفضليته على رسول الله سيد الخلق ﷺ ، وهذا ظاهر بيّن، لا شك فيه
فهذا هو كشيهم وطوسيهم.
стр. 2472
وأما العاملي النباتي فلقد خصص جزءًا مستقلاً من كتابه للطعن واللعن، وبوب الباب بعنوان "باب في الطعن فيمن تقدمه (أي علي) بظلمه وعدوانه، وما أحدث كل واحد في زمانه من طغيانه" - ويكتب تحته - "وهذا الباب ينوع إلى ثلاثة بحسب المشائخ الثلاثة" ("الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) للعين النباتي (٢/ ٢٧٩) ط مطبعة الحيدري ونشر المكتبة المرتضوية).
فكتب فيما كتب في النوع الأول على لسان رافضي مثله:
قالوا أبا بكر خليفة أحمد ... كذبوا عليه ومنزل القرآن
ما كان تيمي له بخليفة ... بل كان ذاك خليفة الشيطان
(الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) (٢/ ٢٩٩).
ويكتب ما في جعبته من الحقد والبغض لصاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار حيث يفتري على محمد بن أبي بكر أنه قال:
كنت عند أبي أنا وعمر وعائشة وأخي، فدعا بالويل ثلاثاً وقال: هذا رسول الله ﷺ يبشرني بالنار، وبيده الصحيفة التي تعاقدنا عليها، فخرجوا دوني وقالوا: يهجر، فقلت: تهذي؟ قال: لا والله! لعن الله ابن الصهاك، فهو الذي صدني عن الذكر بعد إذ جاءني.
فما زال يدعو بالثبور حتى غمضْته، ثم أوصوني لا أتكلم حذراً من الشماتة" (الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم) جص (ص٣٠٠).
هذا ما كتبه هذا الشاتم حشره الله مع مبغضي رسول الله وأصحابه.
وأما ما افتراه على عبقري الإسلام، فاتح قيصر، وهازم شوكة الكسروية، ومخرج اليهودية عن جزيرة العرب، وصهر علي بن أبي طالب زوج أم كلثوم أنه قال عند احتضاره:
ليتني كنت كبشاً لأهلي، فأكلوا لحمي ومزقوا عظمي، ولم أرتكب إثمي" (الصراط المستقيم) (٣/ ٢٥) تحت النوع الثاني).
ويكتب هذا اللعان اللعين تحت عنوان "كلام في خساسته وخبث سريرته" ما يستحيي منه الفسقة الفجرة أن قوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [المائدة:١٠٠] والْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور:٢٦] نزلتا فيه" (الصراط المستقيم) (٣/ ٢٨).
وتجرأ أكثر، وبلغ إلى الدرك الأسفل من النار حيث كتب:-
إذا نسبت عدياً في بني مضر ... فقدم الدال قبل العين في النسب
وقدم السوء والفحشاء في رجل وغد زنيم عتل خائن النسب (الصراط المستقيم) (٣/ ٢٩)
وقال فيهما أعني في الصديق والفاروق:-
وكل ما كان من جور ومن فتن ففي رقابهما في النار طوقان (الصراط المستقيم) (٣/ ١٣)
وكتب في صاحب الجود والحياء، زوج ابنتي رسول الله ﷺ ، وذي النورين عثمان بن عفان ﵁.
كتب في النوع الثالث:
"إنه سمي نعثلاً تشبيها بذكر الضباع، فإنه نعثل لكثرة شعره .. ويقال: النعثل، التيس الكبير العظيم اللحية، وقال الكلبي في (كتاب المثالب). كان عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف" ("الصراط المستقيم) (٣/ ٣٠).
وكتب "ما كان لعثمان اسم على أفواه الناس إلا الكافر" (الصراط المستقيم) (٣/ ٣٦).
وأخيراً ننقل من هذا الكلب العقور ما قاله في الخلفاء الراشدين الثلاثة ﵃ وأرضاهم أن قول الله : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:٢٣] نزلت في الثلاثة" (الصراط المستقيم ج٣ ص٤٠).
وأيضاً - والسم من فيه وقلبه يتدفق -.
فكن من عتيق ومن غندر أبياً بريئاً ومن نعثل
كلاب الجحيم خنازيرها أعادي بني أحمد المرسل (الصراط المستقيم) (٣/ ٤٠)
فهذه هي العقائد الشيعية في أصحاب رسول الله عامة، وفي الخلفاء الراشدين الثلاثة خاصة، ولا يقول قائل: كان هذا قديماً، وأما المتأخرون فلا يقولون مثل هذا.
ولا ينخدع مخدوع، ولا يغتر جاهل بقول البعض:
стр. 2473
"وعمدة ما ينقمه غير الشيعة عليهم دعوى القدح في السلف أو أحد ممن يطلق عليه اسم الصحابي. والشيعة يقولون: إن احترام أصحاب نبينا "ص" من احترام نبينا، فنحن نحترمهم جميعاً لاحترامه" ("أعيان الشيعة) (١/ ٦٩) ط بيروت).
أما الأول: فلا يهذي بمثل هذه الهذيانات القدامى فقط، بل المتأخرون على شاكلتهم ومنوالهم كما نحن نقلنا من المتقدمين والمتأخرين من المفسرين والمحدثين والفقهاء، وكما سننقله أيضاً.
وحتى هذه الكتب ألفها متقدموهم فلم يطبعها إلا المتأخرون، وقد علقوا عليها وحققوها، ومجدوها وبالغوا في مدحها والثناء عليها، ولو لم يكن ترضيهم هذه الكتب وما فيها من الشتائم والسخافات لم يقوموا بنشرها وتمجيدها، وهل يمكن لأهل السنة أن يطبعوا كتاباً يكون فيه تكفير وتفسيق، وطعن ولعن لعلي ﵁ وسبطي رسول الله الحسن والحسين ﵄؟ – معاذ الله -.
وليس الطبع والنشر فحسب، بل الثناء العاطر والمدح البالغ.
فانظر مثالاً لذلك هذا الكتاب بعينه، فالقوم لم يكتفوا بطبعه ونشره وتوزيعه في المسلمين، بل جعلوه "أنفس الأسفار وأحسن ما كتب في مبحث الإمامة، وأشبعها بحثاً وتحقيقاً، وأحكمها بالأدلة النقلية والعقلية والبراهين القاطعة، والأخبار الصحيحة، والآيات الصريحة التي لا تقبل التأويل والتفسير بغير ما هي له وفيه" نص ما كتبه "سماحة الحجة الكبير آية الله الإمام الشيخ آغا بزرك الطهراني"، أحد الأعلام المجتهدين في النجف الأشرف، صاحب تصنيف (الذريعة) وغيره" (انظر مقدمة (٢/ ٢٤).
ويقول آخر: لعمري! إنه الكتاب العجيب في موضوعه، قال العلامة صاحب الروضات، لم أر بعد كتاب (الشافي) لسيدنا المرتضى علم الهدى مثله، بل راجح عليه لوجوه شتى" (مقدمة "الصراط المستقيم) (١/ ٩) لشهاب الدين المرعشي النجفي).
ورووا مثل ذلك عن الكحالة ("معجم المؤلفين) (٧/ ٢٦٦).
والقمي ("الكنى والألقاب) (٢/ ١٠١) والخوانساري (روضات الجنات) (١/ ٤٠٠) والأصفهاني ("رياض العلماء) (ص٥٨٦) والحر العاملي (أمل الآمل) (ص٢٣) وغيرهم. وهؤلاء كلهم من المتأخرين.
وأما الثاني: أي قول بعض الشيعة بأنهم لا يقدحون في الصحابة ويرون احترامهم لاحترام النبي فليس إلا خدعة يريدون أن يخدعوا بها السذج من السنة، وتقية يظهرون خلاف ما يبطنون ويعتقدون.
وأصدق دليل على ذلك تلك القصيدة المدحية التي قرضها السيد محسن الأمين في تعريف هذا الكتاب الخبيث وتمجيده، وقد أوردها في كتابه الكبير عند ذكر هذا الكتاب وتحت ترجمة مؤلفه وهذا مع دعواه أن احترام الصحابة من احترام النبي.
فانظر إليه ماذا يقول:
هذا الكتاب مبشر برشاد من ... يسلك طرائقه بغير خلاف
فكأنه المبعوث أحمد إذا أتى ... في آخر الأديان بالإنصاف
وكأنه من بين كتب الشيعة الـ ... مقدمين كسورة الأعراف
ينبيك عن حال الرجال وما رووا ... بعبارة تغني وقول شاف
فهو الصراط المستقيم ومنهج الد ... ين القويم لسالكيه كافي
تأليفه من شهدت له آراؤه ... بكماله في سائر الأوصاف
للشيخ زين الدين قطب زمانه ... رب المكارم عبد آل مناف
فلقد أنار منار شيعة حيدر ... وأباد من هو للنصوص منافي
فجزاءه من أحمد ووصيه ... أهل السماحة معدن الأشراف
(أعيان الشيعة) (٤٢/ ٣٢) نقلاً عن ترجمة النباتي للطهراني).
لعل هذا يكون تذكرة للمغفلين، وعبرة للمخدوعين، ونصيحة للمغترين، كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره.
هذا وكان في ما ذكرنا كفاية لمعرفة القوم وبغضهم لأسلاف هذه الأمة ومحسنيها، ولكن لتتميم البحث، وتكميل الموضوع نذكر روايات يسيرة من كتب أخرى، ومن علمائهم وفقهائهم.
ومنهم الأردبيلي فإنه أيضاً خصص قسماً من كتابه للطعن واللعن، والتفسيق والتكفير لأصحاب الرسول ﷺ عامة، وللخلفاء الراشدين الثلاثة خاصة، فيكتب تحت باب مطاعن الخلفاء الثلاثة:
"إن الخلفاء الثلاثة تخلفوا عن جيش أسامة وخالفوا أمر النبي في متابعته فكفروا، واستحقوا بكفرهم اللعن" (حديقة الشيعة) (ص٢٣٣) ط طهران).
ويكتب في الصديق والفاروق:-
فالله يعلم أن الحق حقهم ... لا حق تيم ولا عديين
لا تظلمن أخا تيم أبا حسن ... إذ خصه الله من بين الوصيين
خص النبي علياً يوم كفركم ... بالعلم والحلم والقرآن والدين
(حديقة الشيعة) (ص٢٣٣) ط طهران).
стр. 2474
الفصل السابع عشر: موقف أهل البيت من أعداء الخلفاء الراشدين
• المبحث الأول: موقف علي ﵁ من الشيعة.
стр. 2475
المبحث الأول: موقف علي ﵁ من الشيعة
• المطلب الأول: رفض التشيع المطلق، وتقييده بالكتاب والسنة.
• المطلب الثاني: التصريح بقول من يُكذب عليه حتى لا تنتشر الشائعات.
• المطلب الثالث: الإعلام والإعلان بالحق لدحض الشبهات.
• المطلب الرابع: الرد على الشبهات، وتوضيح المشكلات التي يروج لها حال ظهورها.
• المطلب الخامس: المناقشة والاحتجاج.
• المطلب السادس: البيان والإيضاح قبل إيقاع العقوبة.
• المطلب السابع: إيقاع العقوبة على من جاء بالبدعة ولو ادعى التشيع.
• المطلب الثامن: التحذير منهم ومن كلامهم، وزجر من ينقل أقوالهم.
• المطلب التاسع: التحذير من غدر الشيعة بأئمتها، وبيان أنه لا يوثق بهم ولا بتشيعهم.
• المطلب العاشر: إعلان البراءة ممن يتخذ التشيع له ستارا لنشر البدع وهدم الدين.
• المطلب الحادي عشر: الوصية بالاعتدال في الحب، وبيان معنى التشيع الحق المطلوب لآل البيت.
• المطلب الثاني عشر: حكمهم.
стр. 2476
المطلب الأول: رفض التشيع المطلق، وتقييده بالكتاب والسنة
إن من أتقى الناس وأعلمهم بالله علي بن أبي طالب ﵁، لذلك لما جاء شيعته يعلنون نصرته ويؤكدون بيعته بعد خروج الخوارج عليه أعلنوا تشيعهم المطلق له، وولاءهم التام لكنه ﵁ لعلمه وتقواه رفض ذلك، ولم يقبله بإطلاقه بل شرط لهم اتباع السنة، إذ من خالف السنة فليس بناصر لعلي ولا شيعته. يقول الطبري ﵀: "ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا أصحابه وشيعته فبايعوه وقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت فشرط لهم فيه سنة رسول الله ﷺ (١).ثم هو كذلك يرفض التنطع والغلو في الأمر، ويعلم أن الاتباع لا يكون إلا بالكتاب والسنة، لذلك لما جاءه بعد البيعة السابقة ربيعة ابن أبي شداد الخثعمي - وكان شهد معه الجمل وصفين ومعه راية خثعم - قال له علي: "بايع على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر، قال علي: ويلك! لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لم يكونا على شيء من الحق، فبايعه" (٢).ويؤكد هذا المعنى حبر الأمة عبدالله بن عباس وهو من أجلاء وأئمة آل البيت، ويعلن أن الاتباع ليس لشخص علي ﵁ أو لشخص غيره، بل الاتباع والنصرة لقول الله وقول رسول الله وذلك أن معاوية بن أبي سفيان سأله: أنت على ملة علي؟ فقال ﵃: "ولا على ملة عثمان، أنا على ملة محمد ﷺ " (٣).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص ٥٢٠، ٥٢١
стр. 2477
المطلب الثاني: التصريح بقول من يُكذب عليه حتى لا تنتشر الشائعات
لما كثرت الشائعات وبدأت تروج على الأغمار الجهال، وتناقلها العامة كان لابد من التصريح بقول من يكذب عليه قطعا لهذه الشائعات. فلما بدأت تنتشر أقوال الشيعة في تفضيل علي ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄، تصدى علي ﵁ لذلك إذ هو المعني المفضل، وصرح ﵁ بفضلهما وإمامتهما وقال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، ولو شئت أن أسمي لكم الثالث لفعلت" (١).وقال لأصحابه: "ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ أبو بكر وعمر" (٢).وليس التصريح فقط بالأفضلية بل في مواطن عدة يصرح ﵁ باتباعه لسنة أبي بكر وعمر، فلا يغير شيئا مما سناه، وكان يتبع الرأي الذي رأياه، فرضي الله عنهم أجمعين (٣).ولما بدأت السبئية تروج الشائعة في أن عند علي ﵁ علما خاصا ليس عند غيرهم سأله أبو جحيفة ﵁ وقال له: "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر" (٤).وكذلك كان آل البيت من بعد علي ﵁ الحسن والحسين وعلي زين العابدين، وزيد ومحمد الباقر ابنا علي، وجعفر الصادق كلهم يصرحون بالثناء على الشيخين، ويعلنون رضاهم عن إمامتهما وإمامة عثمان (٥)، كل ذلك قطعا للشائعات وتكذيبا للأقوال التي تنسب إليهم بهتانا وزورا. فرضي الله عنهم أجمعين، يقول ابن تيمية عن أهل البيت: "لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي ﵁ وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة والجماعة: توحيدهم، وعدلهم، وإمامتهم، فإن الثابت عن علي ﵁ وأئمة أهل البيت من إثبات الصفات لله، وإثبات القدر، وإثبات خلافة الخلفاء الثلاثة، وإثبات فضيلة أبي بكر وعمر ﵄، وغير ذلك من المسائل؛ كله يناقض مذهب الرافضة. والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم، بحيث أن معرفة المنقول في هذا الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأن الرافضة مخالفون لهم لا موافقون لهم" (٦).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢١ - ٥٢٣
стр. 2478
المطلب الثالث: الإعلام والإعلان بالحق لدحض الشبهات
لم يكن علي ﵁ يكتفي بالتصريح بالحق وتعليم الناس المعتقد الصحيح، بل كان ﵁ يعلن ذلك، وكان منبر الإعلان آنذاك "خطبة في المسجد" فكان ﵁ يقوم خطيبا ليعلن للناس ويعلمهم الحق، ويقضي على فرصة الذين يعملون في السر، ويدسون الدسائس ويثيرون الشبهات. فخطب علي ﵁ لما لبس على الناس فعله في الإمارة هل هو رأيه أم عن وصية وتوجيه من الرسول ﷺ ، فخطب ﵁ وقال: (إن النبي ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة شيئا، وإنما هو رأي رأيناه) (١).ويروي عون بن أبي جحيفة السوائي فيقول: كان أبي من شرط علي ﵁، وكان تحت المنبر فحدثني أبي أنه صعد المنبر – يعني عليا – فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وقال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال: يجعل الله الخير حيث أحب) (٢). لذلك على المسئولين توظيف وسائل الإعلام لإعلان الحق ودحض الشبهات والرد على المخالفين.
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢٣ - ٥٢٤
стр. 2479
المطلب الرابع: الرد على الشبهات، وتوضيح المشكلات التي يروج لها حال ظهورها
لما كانت بدع الشيعة السبئية بدأت تروج في عهد علي ﵁، وبدأت مزاعم السبئية تلوكها الألسن؛ تصدى علي ﵁ فرد الشبهات وأوضح المشكلات في حينها، وهذا هو الواجب ألا يؤخر بيان الحق فتتشرب النفوس بالشبهات، لذلك لما ظن أن عند علي ﵁ علما خاصا ليس عند غيره، وسئل عن ذلك بادر بالرد، ونفى ذلك كما تقدم سؤال أبي جحيفة له. وفي حادثة أخرى يحدث أبو الطفيل عامر بن واثلة (١) فيقول: سئل علي ﵁: "هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يعلم به الناس كافة إلا كتاب في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: لعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض" (٢).
انظر – رعاك الله – فقه علي إذا لم يكتف ﵁ بالإخبار بل عضد ذلك بشيء محسوس وأخرج الصحيفة ونشرها للناس وقرأها عليهم حتى لا يأتي مدع ويزعم أن في الصحيفة علما خاصا. ويأتيه رجل ويقول له: "ما كان النبي ﷺ يسر إليك؟ فيغضب ﵁ وأرضاه ويقول: ما كان النبي ﷺ يسر إلي شيئا يكتم الناس غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ((لعن الله من لعن والده ... )) الحديث (٣).ويقوم خطيبا ﵁ ويقول: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب (٤).
стр. 2480
وفي هذا رد على مزاعم الشيعة ممن يدعي أن عند أئمتهم علما خاصا ليس عند غيرهم، أو فهما مسددا من الله، فهذا إمامهم علي بن أبي طالب الذي اتفقوا على إمامته يرد قولهم ويكذبه فكيف بمن هو دونه من الأئمة. وتردد شبهة ثانية، ويروج كذب ابن سبأ من القول إن الرسول ﷺ قد أوصى لعلي ﵁ بالإمامة، فيرد الصحابة ذلك، وتوضح هذه المشكلة؛ ذكروا عند عائشة ﵂ أن عليا ﵁ كان وصيا، فقالت: "متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: حجري – فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه"؟ (١).ويؤكد علي ﵁ ذلك فيقوم خطيبا بعد وقعة الجمل ويقول: (إن النبي ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة شيئا، وإنما هو رأي رأيناه) (٢).وعند وفاته ﵁ يكذب مزاعم الشيعة بالوصية، إذ قيل له: ألا توصي؟ فيقول: "ما أوصى رسول الله ﷺ بشيء فأوصي، اللهم إنهم عبادك فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم) (٣).يقول الإمام أحمد بن محمد الهيتمي (٤): "فهذه الطرق كلها عن علي متفقة على نفي النص بإمامته، ووافقه على ذلك علماء أهل بيته" (٥).ومن الشبه التي ردها علي بن أبي طالب ونفاها: ادعاء عصمته، فقد أنكر ﵁ على من ألمح إلى عصمته، وبين الحق ناصعا وقال: "يهلك في محب مفرط يقرظني بما ليس في، ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني بما ليس في. ثم قال: وما أمرتكم بمعصية فلا طاعة لأحد في معصية الله تعالى" (٦) فلم يثبت لنفسه العصمة ﵁ (٧).وقال لمن ادعى ألوهيته: (ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني) (٨).
стр. 2481
ومما أذيع في خلافة علي من الشبهات: الطعن في الشيخين أبي بكر وعمر، والزعم أن عليا أفضل منهما، فيرد علي ﵁ هذه الشبهة ويبين الحق هو وأئمة آل البيت، وينشرون فضائل الصديق والفاروق، ويعلنون ولاءهم لهم، ويجيبون من يسألهم، وقد قام علي ﵁ مرارا يخطب في الناس ويقول: "إن أفضل الأمة بعد الرسول ﷺ أبو بكر وعمر".ويحدث محمد بن الحنفية (١) فيقول: "قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قلت ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" (٢).ويبادر علي ﵁ ويسأل أصحابه يوما ويقول: "أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت. قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس. قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر (٣).ويأتي نفر من أهل العراق إلى الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ ويقولون له: "يا أبا محمد حديث بلغنا أنك تحدثه عن علي بن أبي طالب ﵁ في أبي بكر وعمر رحمهما الله؟ فقال: نعم. حدثني أبي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر وعمر ﵄ فقال: ((يا علي؛ هذان سيدا كهول أهل الجنة بعد النبيين والمرسلين)) (٤).يقول الإمام الآجري رحمه الله تعالى: "فهؤلاء أهل بيت رسول الله ﷺ السادة الكرام رضوان الله عليهم يروون عن علي ﵁ مثل هذه الفضيلة في أبي بكر وعمر ﵄. جزى الله الكريم أهل البيت عن جميع المسلمين خيرا (٥).ويؤكد علي بن أبي طالب ﵁ ولاءه وحبه للصحابة جميعا حتى من اختلف معهم بل وتقاتل، فهو يعلم أن هذا لا يقطع أواصر الأخوة الإيمانية، إذ بعد قتاله في الجمل مع طلحة والزبير ﵃ أجمعين – والقتال مظنة البغض ولكنها نفوس زكاها الله – يقول: "إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر:٤٧] (٦) ويكرر علي ﵁ القول على ابن طلحة لما جاءه ويقول: "إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر:٤٧]، فيقول له رجل: "دين الله أضيق من حد السيف، تقتلهم ويقتلونك، وتكون أنت وهم إخوانا على سرر متقابلين؟! فقال له علي: التراب في فيك فمن عسى أن يكونوا" (٧).فالضيق في دين الشيعة التي لم تسع قلوبهم لحب الصحابة كلهم ﵃. أما قلوب المؤمنين فقد وسعت حبهم، وجرت ألسنتهم بالترضي عنهم والدعاء لهم كما أمرهم ربهم في قوله: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [الحشر: ١٠] (٨).وصدق أنس بن مالك ﵁ حينما قال: "قالوا إن حب عثمان وعلي لا يجتمعان في قلب مؤمن، وكذبوا، قد جمع الله حبهما بحمد الله في قلوبنا" (٩).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢٤ - ٥٢٩
стр. 2482
المطلب الخامس: المناقشة والاحتجاج جاء رجل إلى الحسن بن علي ﵄ فقال له: (إن ناسا يزعمون أن عليا يرجع يوم القيامة، فضحك وقال: سبحان الله! لو علمنا ذلك ما زوجنا نساءه ولا ساهمنا ميراثه) (١).
فناقشه في صدق هذه الدعوى، وحجه بما فعلوه من تقسيم ميراثه، وتزوج نسائه، وهذا لا يكون إلا لميت.
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢٩
стр. 2483
المطلب السادس: البيان والإيضاح قبل إيقاع العقوبة
على الإمام إن رأى من مسلم بدعة أن يعاقبه بما يراه مناسبا، ولكن لابد من تقديم البيان للحق، وإيضاح وجه الخطأ حتى لا يكون للمبتدع حجة. عن علقمة (١) قال: سمعت عليا على المنبر فضرب بيده على منبر الكوفة يقول: "بلغني أن قوما يفضلوني على أبي بكر وعمر، ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه، ولكني أكره العقوبة قبل التقدمة، من قال شيئا من هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري. إن خيرة الناس رسول الله ﷺ ، وبعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر، وقد أحدثنا أحداثا يقضي الله فيها ما أحب" (٢).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢٩ - ٥٣٠
стр. 2484
المطلب السابع: إيقاع العقوبة على من جاء بالبدعة ولو ادعى التشيع
إذا ابتدع المسلم وأعذر ونبه فقد أقيمت عليه الحجة، واستحق العقوبة إن لم يرجع ويتب.
ولقد تصدى علي ﵁ للشيعة المبتدعين، وأوقع العقوبة على كل مبتدع بحسب بدعته لأنه غمام المسلمين.
ولقد أظهر ﵁ غضبه من المفضلين وتوعدهم بالجلد، وأبان شدته على السابين وهم بالقتل، وحد المؤلهين له حد المرتدين، فقتلهم وحرقهم بالنار، ولم يعذر هؤلاء المبتدعين أو يسامحهم لأنهم يدعون التشيع له، ويرفعون شعار المحبة، بل أوقع بهم العقوبة.
ومن العقوبات التي أنزلها: عقوبة من ادعى ألوهيته، حيث قيل لعلي ﵁ إن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا. فأبوا. فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا كذلك. فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم، فخذ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر، وقال: احفروا فابعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود، وقال: إني طارحكم فيها أو تراجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال: (إني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا) (١). فعلي ﵁ عاملهم معاملة المرتدين؛ وعظهم وبين لهم الحق، واستتابهم ثلاثا، فلما أصروا قتلهم تحريقا، وقيل: قتلهم ثم حرقهم، وللإمام تغليظ العقوبة إن رأى ذلك (٢).وإن كان عبدالله بن عباس خالفه في طريقة القتل ولم ير تحريقهم بالنار، إذ لما بلغه فعل علي ﵁ قال: "لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : ((لا تعذبوا بعذاب الله)) ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٣).وكان القول بإيقاع العقوبة على المبتدعة من الرافضة هو قول أئمة آل البيت، لذلك قال الحسن بن الحسن بن علي ﵃ لرجل من الرافضة: (والله لئن أمكن الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم ولا نقبل منك توبة) (٤).ومن العقوبات التي رآها: عقوبة من سب أبي بكر وعمر ﵄ وتنقص منهما، وهؤلاء هم السابة، وكان علي ﵁ بلغه عن عبدالله بن سبأ أنه كان يسب أبا بكر وعمر، فطلبه، قيل: إنه طلبه ليقتله فهرب منه (٥). وقيل: إنه هم بقتله، فكلم فيه، فقال: لا يساكنني ببلد أنا فيه، فنفاه إلى المدائن (٦).فالساب للصحابة الكرام يعزر ويغلظ له في العقوبة، بحسب ما يراه الإمام (٧).ومن العقوبات التي توعد بها: عقوبة من فضله على أبي بكر وعمر، وقد توعد هؤلاء المفضلة أن يجلدهم جلد المفتري (٨).وكان هذا فعل عمر ﵁ فيمن فضله على أبي بكر ﵃ (٩) يقول ابن تيمية ﵀: "فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي ﵄، يجلدان حد المفتري من يفضل عليا على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمر على أبي بكر – مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب – علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير" (١٠).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص ٥٣٠ - ٥٣٢
стр. 2485
المطلب الثامن: التحذير منهم ومن كلامهم، وزجر من ينقل أقوالهم
لقد حذر السلف الصالح من أقوال أهل البدع، وأمروا بهجرهم وترك مجالستهم. يقول عبدالله بن عباس محذرا من الشيعة: "كلام الحرورية ضلالة، وكلام الشيعة هلكة" (١).ويأتيه رجل ناقلا كلامهم مثيرا لشبههم فيزجره ويطرده، يقول عبدالله بن عباس: (إني في المنزل قد أخذت مضجعي للقيلولة، فجاءني الغلام فقال: بالباب رجل يستأذن. فقلت: ما جاء في هذه الساعة إلا وله حاجة؛ أدخله. فدخل، فقلت ما حاجتك؟ فقال: متى يبعث ذاك الرجل؟ قلت: أي رجل؟! قال: علي بن أبي طالب. قلت: لا يبعث حتى يبعث من في القبور. قال: لا أراك تقول كما يقول هؤلاء الحمقى. قال: قلت: أخرجوا هذا عني لا يدخل علي هو ولا ضربه من الناس) (٢).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص٥٢٣ - ٥٣٣
стр. 2486
المطلب التاسع: التحذير من غدر الشيعة بأئمتها، وبيان أنه لا يوثق بهم ولا بتشيعهم لقد عرف عن الشيعة غدرهم وخذلانهم لأئمتهم، وجبنهم عند اللقاء، وسرعة تفرق كلمتهم، حتى ضرب بهم المثل فقيل: أغدر من كوفي، والتاريخ على ذلك شاهد، غدرهم بأئمة آل البيت، يقول البغدادي ﵀: "روافض الكوفة موصوفون بالغدر، والبخل، وقد سار المثل بهم فيهما، حتى قيل: أبخل من كوفي، وأغدر من كوفي، والمشهور من غدرهم ثلاثة أشياء: أحدها: أنهم بعد قتل علي ﵁ بايعوا ابنه الحسن، فلما توجه لقتال معاوية غدروا به في ساباط المدائن (١) فطعنه سنان الجعفي في جنبه فصرعه عن فرسه، وكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية.
стр. 2487
والثاني: أنهم كاتبوا الحسين بن علي ﵁، ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد بن معاوية فاغتر بهم، وخرج إليهم، فلما بلغ كربلاء غدروا به، وصاروا مع عبيد الله بن زياد يدا واحدة عليه، حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء. والثالث: غدرهم يزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بعد أن خرجوا معه على يوسف بن عمر، ثم نكثوا بيعته وأسلموه عند اشتداد القتال حتى قتل وكان من أمره ما كان" (١).ولقد ذاق منهم علي ﵁ من الكاسات المرة ما لا يعلمه إلا الله حتى دعا عليهم فقال: "اللهم إني سئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيرا منهم، وبدلهم بي شرا مني" (٢).وقيل للحسن بن علي ما حملك على ما فعلت (من تنازله بالخلافة لمعاوية) قال: "كرهت الدنيا، ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحدا أبدا إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا في شر. لقد لقي أبي منهم أمورا عظاما، فليت شعري لمن يصلحون بعدي وهي أسرع البلاد خرابا" (٣).لذلك أوصى الحسن بن علي أخاه الحسين بعدم الاغترار بهم، أو الاستجابة لطلبهم بالخروج إليهم أو طلب الخلافة وحذره من تصديق دعواهم له بالنصرة (٤).ولما أراد الحسين بن علي الخروج إلى الكوفة مستجيبا لدعوة شيعته هناك جاءه أكابر الصحابة يشيرون عليه بعدم الذهاب، ويحذرونه من غدر هؤلاء الشيعة، ويذكرونه بمواقفهم المخزية من أبيه ومن أخيه؛ جاءه عبدالله بن عباس وقال له: "يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك، واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك إلى أن يأتي الله بأمره، فإن فيها حصونا وشعابا، فقال الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك لي ناصح وعلي شفيق، ولكن مسلم بن عقيل كتب إلي باجتماع أهل المصر على بيعتي ونصرتي، وقد أجمعت على المسير إليهم. قال: إنهم من خبرت وجربت، وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم" (٥).ويقدم النصح للحسين أيضا أبو سعيد الخدري ﵁، ويذكره بوصف علي بن أبي طالب لهم فيقول: "يا أبا عبدالله إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونك إلى الخروج، فلا تخرج، فإني سمعت أباك بالكوفة يقول: "والله لقد مللتهم، وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف" (٦).ومن غدرهم وقلة ولائهم أنهم لم يكتفوا بمراسلة الحسين أنذاك، بل عمدوا إلى مراسلة أخيه محمد بن الحنفية يطلبون منه الخروج. ولكنه رفض وجاء إلى الحسين يخبره بما عرضوا عليه، ويبين سبب رفضه فقال: "إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويشيطوا دماءنا" (٧).يقول ابن تيمية ﵀: "وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون مقهورون منهزمون، وحبهم للدنيا وحرصهم عليها ظاهر. ولذلك لما كاتبوا الحسين ﵁ أرسل إليهم ابن عمه ثم قدم بنفسه غدروا به، وباعوا الآخرة بالدنيا، وأسلموه إلى عدوه، وقاتلوه مع عدوه. فأي زهد في الدنيا وأي جهاد عندهم ... هذا ولم يكونوا صاروا بعد رافضة" (٨).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص ٥٣٣ - ٥٣٦
стр. 2488
المطلب العاشر: إعلان البراءة ممن يتخذ التشيع له ستارا لنشر البدع وهدم الدين
ما زال أئمة أهل البيت يبرئون ممن ينتحل حبهم ويتشيع لهم وهو يخالف الكتاب والسنة المطهرة، ويعمد إلى الاستتار وراء هذا الحب لينشر البدع. قيل للحسين بن علي: "إن ناسا من شيعة أبي الحسن علي ﵇ يزعمون أنه دابة الأرض وأنه سيبعث قبل يوم القيامة، فقال: كذبوا، ليس أولئك شيعته، أولئك أعداؤه، لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه ولا أنكحنا نساءه" (١).ويقول الحسن بن الحسن بن علي ﵃: "مرقت علينا الرافضة كما مرقت الحرورية على علي ﵁" (٢).ويقول جعفر الصادق: "برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر" (٣).ويقول: "لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا" (٤).
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص ٥٣٦
стр. 2489
المطلب الحادي عشر: الوصية بالاعتدال في الحب، وبيان معنى التشيع الحق المطلوب لآل البيت يقول علي ﵁: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" (١)؛ لما علم علي ﵁ أن حبه من الإيمان وبغضه من النفاق. خشي ﵁ على محبيه من الغلو في محبته فحذر من ذلك ونهى عنه وقال: "ليحبني قوم حتى يدخلوا النار في حبي، وليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي" (٢). وقال: "يهلك في رجلان: مفرط في حبي، ومفرط في بغضي" (٣).وسار أئمة آل البيت على منهاجه في طلب الحب المعتدل، ورفض الحب الغالي، فقال علي زين العابدين ﵁: "يا أهل العراق حبونا حب الإسلام، فوالله إن زال بنا حبكم حتى صار شينا" (٤).وقال مشيرا بيده نحو الكوفة: "إن هؤلاء يشيرون إلينا بما ليس عندنا" (٥).
стр. 2490
إذا ليس المطلوب هو حب آل البيت فقط، إذ يدخل حبهم النار إذا غلا فيه صاحبه وجاوز الحد المشروع، بل نحبهم ﵃ الحب الذي أمرنا الله به، وبينه لنا رسول ﷺ ، ونعترف بفضلهم ونتقرب به إلى الله. ولا يقتضي حبهم وموالاتهم معادة غيرهم من الصحابة كما تزعم الشيعة أنه لا ولاء إلا ببراء (١) بل الواجب أن يتسع حبنا للصحابة كلهم ﵃ فنواليهم ونحبهم (٢) ولا يضيق حبنا لهم كما ضاق حب الشيعة ولم يتسع – كما عزموا – إلا لآل البيت (٣)؛ وليتهم صدقوا في دعواهم المحبة التي برهانها الاتباع، فما نراهم إلا مخالفين لأئمة آل البيت. يروى أن عليا ﵁ نظر إلى قوم ببابه فقال لقنبر مولاه: من هؤلاء؟ قال: شيعتك يا أمير المؤمنين. قال: ما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة. قال: وما سيماهم؟ قال: خمص البطون، يبس الشفاه من الظمأ، عمش العيون من البكاء" (٤).إن التشيع الحق الصادق لآل البيت هو تشيع أهل السنة والجماعة المتبعين لقول الله وقول رسوله ﷺ ، المقتدين بالرسول ﷺ ومن سار على هديه من الصحابة الكرام وآل بيته الشرفاء، فأهل السنة بحق هم أنصار علي وأتباعه إذ من مذهبهم القول بأن عليا ﵁ وأصحابه أولى الطائفين بالحق في حروبه في الجمل وصفين (٥) ومع ذلك يعذرون الخارجين على علي ﵁، ويقولون: اجتهدوا وأخطأوا، ويجمعون على عدالة الجميع وحبهم. وأما عن حبهم لآل البيت فيقول الآجري ﵀: "واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله ﷺ بنو هاشم علي بن أبي طالب وولده وذريته، وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده، والعباس وولده وذريته ﵃، هؤلاء أهل بيت رسول الله ﷺ ، واجب على المسلمين محبتهم وإكرامهم، واحتمالهم، وحسن مداراتهم، والصبر عليهم، والدعاء لهم، فمن أحسن من أولادهم وذراريهم فقد تخلق بأخلاق سلفه الكرام الأخيار الأبرار، ومن تخلق منهم بما لا يحسن من الأخلاق دعي له بالصلاح والصيانة والسلامة، وعاشره أهل العقل والأدب بأحسن المعاشرة، وقيل له: نحن نجلك عن أن تتخلق بأخلاق لا تشبه سلفك الكرام الأبرار، ونغار لمثلك أن يتخلق بما نعلم أن سلفك الكرام الأبرار لا يرضون بذلك، فمن محبتنا لك أن نحب لك أن تتخلق بما هو أشبه بك، وهي الأخلاق الشريفة الكريمة، والله الموفق لذلك" (٦).
يقول الشافعي رحمه الله تعالى:
إن نحن فضلنا عليا فإننا ... روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل
وفضل أبي بكر إذا ما ذكرته ... رميت بنصب عند ذكري للفضل
فلا زلت ذا رفض ونصب كلاهما ... بحبهما حتى أوسد في الرمل (٧)
المصدر: موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص ٥٣٦ - ٥٣٩