← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

المبحث التاسع: إيران والتغلغل الرافضي في اليمن لقد تبنت إيران – ومنذ قيام ما عرف بـ "الثورة الإسلامية" – مبدأ تصدير الثورة الشيعية إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي، وإذا كان العراق مثل سداً منيعاً ضد التوسع الشيعي في منطقة الخليج .. فإن نظام إيران لم يتخل عن تواصله بالأقليات الشيعية في الخليج والجزيرة عموماً، بل سعى جاهداً إلى تصدير الفكر الشيعي إلى دول أخرى. وقد شكلت الأرضية المذهبية "الهادوية" في اليمن محضناً خصباً لهذا التغلغل الشيعي خاصة بعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق، وبذلت الدبلوماسية والسفارة الإيرانية في صنعاء جهداً مكثفاً لاستقطاب أتباع المذهب الزيدي منذ عام ١٩٩٠م، حيث توجهت الأنظار إلى اليمن كلاعب إقليمي ناشئ ومؤثر. وهذا ما كان يحذر منه علامة اليمن ومحدثها الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، فقد كان يردد – ﵀ – المقولة المشهورة: "ائتني بزيدي صغير أخرج له منه رافضياً كبيراً"! إن الإعلان عن "حزب الله" في عام ١٩٩٠م، وتشكيل تنظيم "الشباب المؤمن" ورفع شعارات الثورة الإيرانية و"حزب الله" في لبنان .. بل رفع علميهما، والتوجه إلى نقد المذهب الزيدي وتمرير عقائد الرافضة كسب الصحابة، وإقامة الحسينيات، والاحتفال بيوم غدير "خم"، وافتتاح العديد من المحلات التجارية والمكتبات والتسجيلات ذات المسميات الشيعية: الغدير، خم، كربلاء، الحسين، النجف وغيرها! وتعليق لافتات قماشية سوداء كتبت عليها عبارات وهتافات جعفرية مثل "يا حسيناه، يا علياه، من كنت مولاه فعلي مولاه، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" ... الخ، وتوزيع وبيع أشرطة وكتب وكتيبات ذات مضامين شيعية اثنا عشرية، ونشرات بمسميات "العترة" و"آل البيت" و"الحسين" و"المهدي" .. وغيرها، ونشر صور رموز شيعية كالخميني والصدر والسيستاني ورفسنجاني وحسن نصر الله ومقتدى الصدر وغيرهم ... جميعها مؤشرات على توجيه أياد خارجية ووجود صلات عقائدية وفكرية ودعم غير طبيعي لتنظيم "الشباب المؤمن" وحركة التمرد التي قادها الحوثي "الابن" ويقودها حالياً الحوثي" الأب"! لقد تردد في أوساط أتباع حسين الحوثي المقولة بأنه هو اليماني الذي رمزت إليه الآثار التي تضمنها كتاب المرجع والباحث الشيعي على الكوراني – من لبنان – "عصر الظهور"، وهو ما أعطى حركة حسين الحوثي بعداً شيعياً اثنا عشرياً! لقد أكد طارق الشامي – الناطق الرسمي في المؤتمر الشعبي الحاكم – في اتصال مع قناة "الجزيرة" أن التمرد جاء في "إطار مخطط كان معداً له أولاً من حيث إدخال مذهب جديد هو الاثنا عشرية والترويج له داخل المجتمع اليمني، وثانياً ما تم الاعتراف به على لسان الحوثي بوجود علاقة مع بعض المنظمات والحوزات الشيعية وزيارته لبعض الدولة العربية وإيران". إضافة إلى ذلك فإن لجوء العديد من شيعة العراق إلى اليمن تحت غطاء التدريس سهل من تغذية الروابط – كما يبدو بين التيارين – وقد أشارت صحيفة "أخبار اليوم" وصحيفة "الأيام" المستقلة، بحسب مصادر أمنية، إلى وجود مقاتلين عراقيين في صفوف أتباع الحوثي، واكتشاف جثث لهم، واعتقال بعضهم!

стр. 2907

وبحسب مصادر – نقلت عنها صحيفة "أخبار اليوم" في عددها "٤١٣" – فإن للسفير العراقي وعناصر أخرى استقدمها معه دوراً مباشراً في إعادة بناء التنظيمات الموالية لإيران في اليمن، في مقدمتها "الشباب المؤمن"، وأشارت المصادر للصحيفة بأن السفير استقبل خلال الفترة الماضية عناصر متورطة في تمرد الحوثي، بما فيها قيادات ناشطة ضمن مليشيات تنظيمه المسلح. بل ذكرت صحيفة "أخبار اليوم" في أحد أعدادها أن عدداً من أتباع بدر الدين الحوثي الذين استسلموا أثناء المواجهات الأخيرة أكدوا قيامهم بالتدرب في معسكرات تابعة للحرس الثوري الإيراني مع عناصر فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق بعد سقوط بغداد، وكذلك في معسكرات يتخذها الفيلق في العراق منذ منتصف العام ٢٠٠٣م. وتهدف إيران من ذلك إلى عدة مسائل: منها استغلال جو التصالح والتقارب الشيعي الأمريكي في المنطقة عقب أحداث ١١ سبتمبر، ومنها زيادة النفوذ الشيعي في دول الجزيرة والخليج بما يخدم البعد الاستراتيجي لإيران في المنطقة، ومنها تشتيت الذهن والجهد السني على امتداد الرقعة الجغرافية، كلبنان وسوريا والسودان واليمن ... إلى آخر ما هنالك من القائمة! بحيث تنصرف هذه الجهود عن العراق وخدمة التيار السني المقاوم فيه! إيران بدورها نفت الأنباء التي تحدثت عن مساندتها للمرجع الشيعي بدر الدين الحوثي، وذلك على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي، وذلك بعد سلسلة من الانتقادات التي حملتها الصحافة الإيرانية وبعض الرموز الدينية على السلطات لعدم إصدار أي رد فعل على الأحداث الجارية في اليمن مع أنصار الحوثي!! غير أن البيان الذي صدر عن "الحوزة العلمية في النجف"، بتاريخ ١٦/ ٤/٢٠٠٥م، أظهر مدى التعاطف الذي يبديه الشيعة الاثنا عشرية لقضية تمرد حسين الحوثي على الدولة، ومحاولة تصوير الحدث على أنه "حملة مسعورة من الاعتقالات والقتل المنظم" ضد "الشيعة في اليمن سواء الزيدية منهم أو الإمامية الاثنا عشرية"، وعلى أنه "تصفية للشيعة بشكل جماعي لا سبق له في تاريخ اليمن إلا ما حصل بعد انقلاب السلال على حكم لإمامة"! وأهاب البيان "بكافة المحافل الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة ومنظمة العالم الإسلامي والجامعة العربية التدخل لدى الحكومة اليمنية لوقف هذا الاضطهاد الديني والقتل الجماعي الذي يمارس بحجة إخماد التمرد"، والذي "يعد اعتداء سافراً وتعدياً خطيراً على حقوق الإنسان في حرية الدين والمذهب والفكر". وفي عددها ٢٨٢ الصادر في ٢٩ أبريل ٢٠٠٤م أكدت مصادر مطلعة لصحيفة "الشموع" أن إيران – وضمن دعمها المادي والمعنوي لتمرد الحوثي – دعت الجمهورية العربية السورية إلى الوساطة والتدخل لدى النظام لإنقاذ ما تبقى من عناصر اثنا عشرية بإجراء تسوية سياسية مع هذه القوى، وذلك بالإفراج عن المعتقلين أولاً وفتح حوزة علمية في صعدة تكون لها ارتباطاتها مع المرجعية في "قم" بإيران والنجف "بالعراق"، مقابل تخلي هذه القوى عن حمل السلاح. المصدر: العالم الإسلامي تحديات الواقع واستراتيجيات المستقبل (تقرير عن مجلة البيان) ثمار التغلغل الرافضي المرة- أنور قاسم – ص: ٤٠٥

стр. 2908

المطلب الأول: المناسبات الدينية للشيعة في صعدة وكما هي عادة الشيعة في إحياء بعض المناسبات الدينية الخاصة بهم، فإن أهم المناسبات التي يحيونها هي: ١ - عيد الغدير وتكاد تكون هذه المناسبة هي أشهر المناسبات التي يحييها الروافض في "صعدة" ويحشدون لها الجماهير، كما أنها أشهر من حيث انتشارها في مناطق الشيعة التي أجريت عليها الدراسة، فهم يحيون هذه المناسبة في كل من: "صعدة" القديمة و "صعدة" المدينة في "قحزة" حيث يقومون بعرض أشرطة الفيديو في المنازل، وفي مديرية "سحار" في كل من: "الطلح" و "رحبان"، و "بني معاذ"، و "الأبقور"، و "ولد مسعو"، وفي مديرية "مجز" يحيون الغدير في عزلة "مجز" ويشارك فيها بعض سادتهم ومجموعة من طلابهم، وكانوا يمارسون القنص "الرماية" يوم هذا العيد، وإحياؤهم لها بشكل بسيط، وكذلك في "ضحيان" وهم في "ضحيان" من أكثر الشيعة حماساً لإحياء المناسبات الدينية؛ لتوفر الإمكانيات المادية والموارد البشرية التي تسهل لهم عملية الإعداد فالأماكن متوفرة، والمادة موجودة، والقائمون على الأنشطة والمعدون للبرامج متواجدون، إضافة إلى المشايخ والمرجعيات التي تزخر بها "ضحيان". ويلاحظ أن التأثر بالمد الشيعي الإيراني قد بلغ الذروة في "ضحيان" ولمسنا ذلك من خلال أمور منها: أ- الأشرطة الشيعية الإيرانية والعراقية التي تباع أو توزع أحياناً، لدرجة أنه إذا فازت إيران في كرة القدم أو حققت أي نصر سياسي فإنهم يبتهجون بذلك ويطلقون العيارات النارية، تعبيراً عن فرحتهم بذلك، وكذلك المساهمة الفاعلة في الحرب بما يوحي بانتقال الثقافة القتالية الإيرانية المصحوبة بشعارات صكوك الغفران، والسباق نحو الجنة. ب- الشعارات الشيعية الدخيلة على المجتمع اليمني، وقد رأيت شعارات كثيرة موجودة على الجدران وفي الطرقات، وبعضها أخبرني بها أهل "ضحيان" ومنها: [علي حبة جنة قسيم النار والجنة.] [لا يدخل الجنة إلا من له جواز من علي.] [على خير البشر فمن أبى فقد كفر.] [عيد الغدير أفضل أعياد أمتي.] [أصدق تعابير الولاء عيد الغدير.] [هل حزنت لما أحزن الرسول ... بنو أمية قتلوا سبط الرسول.] [كل ثائر حسين، وكل طاغية يزيد.] وغيرها من الشعارات ذات النبرة الرافضية الإيرانية. كما وجدت كثيراً من أشرطة رموز الرفض في العالم تباع وتوزع هناك، ومنها: أشرطة حسن نصر الله، وحسن الصفار، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم من رموز التشيع. ٢ - يوم عاشوراء "مقتل الحسين". ٣ - مقتل علي بن أبي طالب. ٤ - رأس السنة الهجرة. ٥ - مقتل الإمام علي. ٦ - الإسراء والمعراج. ٧ - الشعبانية "ليلة النصف من شعبان". وفي "الطلح" يحيون هذه المناسبات بالاحتفالات الممزوجة بالزوامل الشعبية، وإطلاق العيارات النارية، وقد بدأت تظهر بوادر الغلو الرافضي في هذه الاحتفالات وذلك من خلال النياحة، وما زالت هذه الظاهرة في بدايتها، ولعل سبب ظهورها هو قوة تنظيم الشباب المؤمن الذي بدأ ينقل التجربة الإيرانية إلى رافضة اليمن. وفي عزلة "ولد مسعود" تتضح مراسيم الشيعية الرافضة لإحياء هذه المناسبات من خلال: توزيع الذخيرة، ونصب النصع "الهدف" للقنص، والتباهي بذلك وسب الصحابة علناً. وفي عزلة "مجز" تختلف مراسيم الإحياء قليلاً من خلال تميزهم بالرحلات والحفلات الداخلية، والأشرطة الإيرانية التي تتكلم عن البعث والنشور بشكل مخيف يجعل الشباب بعد سماعها يذعنون لما يلقى عليهم أو يطلب منهم. أما في "النظير" من مديرية "رازخ" فإنهم يخرجون بأسلحتهم وزينتهم للقيام بطقوس الاحتفالات بشكل جماعي، ويطلقون النيران التي قد تعود على رؤوس الحاضرين. وفي "مران" حرص حسين بدر الدين على أن يجعل من "مران" مركزاً شيعياً كأنه يعيش في إيران أو في النجف، فكانت المناسبات الشيعية تقام على قدم وساق، وقد كانت المراسيم تقام في "مران" بدافع ديني تغذيه فتاوى حسين الحوثي حيث كانوا يقيمون الاحتفالات ويطلقون العيارات النارية، والتي كان الدافع في إطلاقها دينياً صرفاً بأحاديث كان يرويها لهم حسين الحوثي، بأنه من أطلق عياراً فله عشر حسنات، ومن أطلق عشرة عيارات كان له من الأجر كذا، وهكذا فكلما زادت العيارات النارية زاد الأجر. كما تميزت "مران" بإحياء مناسبة اثنى عشرية صرفة مثل: دعاء كميل، وهذا يقال كل ليلة خميس. وهناك بعض المديريات لا توجد فيها مراسيم إحياء المناسبات الدينية للشيعة مثل مديرية "غمر" التي انحصر نشاطهم في هذه المناسبات على المشاركة في "ضحيان" وغيرها من المناطق وبشكل بسيط، أما مديرية شدا فإنه تكاد تنعدم فيها مثل هذه المناسبات وكذلك مديرية "الظاهر" إلا المناطق المجاورة لـ "مران" منها فإنهم يشاركون بالحضور في "مران"، والقليل منهم يشارك شيعة "رازح" بالحضور بحكم الجوار. كما يقدسون قبر الإمام الهادي ويتمسحون به، وذلك عند زيارتهم له يوم الجمعة. المصدر: التشيع في صعدة لعبد الرحمن المجاهد - ١/ ٣٧

стр. 2909

المطلب الثاني: النشاط السياسي والإعلامي للشيعة في صعدة يعمل الشيعة سياسياً من خلال عدة أجندة يحققون من خلالها مكاسب ليست بالسهلة؛ بسبب وجودهم في أكثر من منبر سياسي؛ مما يجعل إمكانية نجاح المخططات المرسومة عالية؛ ذلك أن المخطط المرسوم إذا فشل في جانب تمكن من النجاح في جانب آخر؛ ولذلك فالشيعة يتواجدون في عمق السلطة، كما يتواجدون في أوساط المعارضة. ولذا فإن الشيعة استطاعوا أن ينتشروا في الميدان تحت أكثر من مسمى، فتجد منهم القيادي المؤتمري، وتجد منهم الاشتراكي النشط لاسيما في منطقة قحزة "من مدينة صعدة"، وفي مديرية "رازح"، ومديرية "ساقين". كما يعمل أغلب الشيعة الواضحين تحت مظلة حزبي الحق، واتحاد القوى الشعبية، وتنظيم الشباب المؤمن المنشق من حزب الحق. يتظاهر الشيعة بالانتماء إلى الحزب الحاكم، ومن خلاله يعملون لصالح تنظيم الشباب المؤمن، وهذا من شأنه يحقق للشيعة مكاسب مادية وسياسية تمكنهم من العمل تحت مظلة الدولة والحزب الحاكم مع بعد نظرهم إلى هدف أعظم من قضية موالاة السلطة أو الانتماء للحزب الحاكم. أما في جانب الإعلام فلهم صحف منتشرة على مستوى الجمهورية كصحف: الأمة والبلاغ والشورى، وهذه صحف لها انتشارها في الشارع اليمني عموماً، ولها القبول الأكبر في مناطق التشيع في اليمن، وفي "صعدة" منها على وجه الخصوص. كما أن لهم في مدينة "صعدة" نشرة بعنوان: خطر الوهابية والمطرفية، ونشرات أخرى تصدر عن المنتديات. المصدر: التشيع في صعدة لعبد الرحمن المجاهد - ١/ ٥٨

стр. 2910

المطلب الثالث: موارد الدعم المادي للشيعة في صعدة وفي "صعدة" يعتمد الشيعة على أكثر من مورد في سبيل نشر عقائدهم وأفكارهم، ومن أهم هذه الموارد ما يلي: ١ - الدعم الرسمي: استطاع الشيعة أن يحصلوا على دعم رسمي من الدولة، كتيار ديني يحقق مصالح معينة؛ من خلال إحداث توازن في الأوساط الدينية التي تعتمد عليها التيارات الأخرى وتعتبر الدين مرتكزاً لها في عملها السياسي، وتحت شعار محاربة الحزبيين الذين يعتبرونهم خصماً سياسياً، وقد صرح مسئولون كبار في الدولة بأن الشباب المؤمن كانوا يتلقون دعماً شهرياً. ويعتبر الشباب المؤمن دعم الدولة أحد مصادر الدعم وليس المصدر الوحيد؛ ذلك لأن لديهم جهات أخرى يتلقون منها الدعم والمساندة. ٢ - الدعم الإيراني: السفارة الإيرانية تعد الأب المعطاء والأم الحانية التي لم تأل جهداً في دعم الشيعة في "صعدة"، فكانت تسلم أرباح المستشفى الإيراني في صنعاء مباشرة إلى حسين بدر الدين، إضافة إلى عائدات التفاح الإيراني، فضلاً عن الدعم المباشر الذي كان يصل إليهم بطرق خفية وغاية في السرية. كما يتلقون من إيران دعماً معنوياً وأدبياً، وقد سافر إلى إيران عدد لا بأس به منهم، وعلى رأسهم بدر الدين الحوثي، وكان سفره مبكراً في الثمانينات تقريباً، ثم أيام حرب الانفصال التي كانت في صيف ١٩٩٤م، وكانت مواقفه مع الانفصال ففر إلى إيران، وكذلك سافر إلى إيران حسين بدر الدين وغيره من قيادات تنظيم الشباب المؤمن، وهذا هيأ أجواء من العلاقات بينهم وبين السفارة الإيرانية، والتي من خلالها وعبرها تمت الزيارات الميدانية إلى مناطق متفرقة من "صعدة". ٣ - دعم شيعة الخليج: كما أن الشباب المؤمن يعتمدون على شيعة الخليج عموماً وشيعة "السعودية" على وجه الخصوص، لاسيما وأنهم مجاورون للسعودية، والدعم الشيعي الذي يأتيهم من شيعة "السعودية" تحت مسمى محاربة الوهابية في "صعدة"، والتي يعتقدون أنها تشكل خطراً على مذهب آل البيت على حد زعمهم. ٤ - تجار السلاح والعملة: ومن مصادر الدعم المادي تجار السلاح والعملة في "صعدة"، حيث استطاع الشيعة السيطرة على الكثير من التجار الذين يتفاوت ولاؤهم وقناعتهم في دعم الشباب المؤمن، ولعل من أقوى موارد الدعم ما يحصلون عليه من التجار في "صعدة" وغيرها. ٥ - الاستثمارات الصغيرة: وتعتبر الاستثمارات الصغيرة مورداً من موارد الدعم المادي لهم كالوكالات التجارية للمواد الغذائية، والمدارس الأهلية، والمكتبات، والتسجيلات، وعائدات الأندية، بالإضافة إلى الاعتماد على بعض الاستثمارات الصغيرة في الطلح؛ حيث توجد لهم مكتبتان، ولا زالت تفتح أبوابها إلى الآن، والثانية أغلقت بعد الحرب الأولى. ومن الاستثمارات التي تدعمهم: ثلاجات تبريد الفواكه في مديرية "مجز". ٦ - زكاة الأنفس والأموال والزروع والثمار: إضافة إلى المزارعين والمواطنين عن طريق زكاة الأموال والأنفس، وزكاة الزروع والثمار؛ فـ "صعدة" مدينة زراعية فيها أصناف مختلفة من الفواكه والمحاصيل الزراعية، فكان أنصارهم من المزارعين والفلاحين يسلمون الزكاة لهم، وكانت الأموال تجمع إلى شخص بعينه، ثم توزع بحسب ما يتفقون عليه. ٧ - كما يمتلكون عدداً لا بأس به من الشركات الاستثمارية أبرزها: [شركة غدرة للصرافة، في الشارع العام في "صعدة"، ولها فرع في صنعاء، وشركة أبو مسكة وغيرهما.] كما يعتمدون على تجار "سحار"، ولهم شركات وأعمال تجارية تعود عليهم بالمال اللازم منها: [محلات قطع غير السيارات، في "صعدة" المدينة.] [شركة الضو للأقمشة، ومقرها في "صعدة".] [جمعية الإمام زيد، ومقرها في جامع الهادي بـ "صعدة".] التجار والشباب المؤمن: وممن يدعمهم كثير من تجار السلاح والقات في "سحار" أيضاً، إضافة إلى بعض السماسرة بينهم وبين السفارة الإيرانية، إضافة إلى بعض الصيارفة والمزارعين. وفي "رازح" يعتمدون على تجار القات الذين يهربونه إلى "السعودية" ويعود عليهم بمبالغ طائلة، وتجار الذهب والأقمشة. ومن الداعمين لهم في "رازح": تجار "بركان"، وبعض تجار قطع الغيار في مركز شعارة، وبعض تجار القات. إضافة إلى ما يفرضونه من خمس على التجار المنتمين إليهم، وزكاة الناس حيث يفتونهم بعدم جواز دفع الزكاة إلى الدولة، ووجوب دفعها إلى المنتديات. ومن الداعمين لهم في "رازح": تجار ومهربي القات. ٨ - وفي "ساقين" يظهر لنا مورد جديد لم يذكر من قبل من مواردهم المالية؛ ذلك أن الشيعة في "ساقين" يستغلون أموال الأوقاف والواجبات الزكوية التابعة للدولة لدعم مراكزهم وأنشطتهم، مع العلم أننا قد ذكرنا فيما سبق أنهم يفتون الناس بعدم جواز تسليم الزكاة للدولة، والملاحظ أن هذه الفتوى عندما يكون القائم على الواجبات أو الأوقاف ليس على شاكلتهم؛ أما عندما يكون منهم فإنهم يغضون الطرف عن دفعها إليه المصدر: التشيع في صعدة لعبد الرحمن المجاهد - ١/ ٦٠

стр. 2911

المطلب الرابع: الشبه التي يثيرها الشيعة في صعدة وتعتبر الشبهات من أهم وسائل الشيعة في إقناع الناس وجذبهم إليهم، وتشويه صورة أهل السنة أمام العوام، لاسيما وأن المجتمع في "صعدة" مجتمع بسيط وبدائي وفطري، فيقوم هؤلاء ببث هذه الشبهات لصرف الناس عن الحق وحتى تكون هذه الشبهات عائقاً أمام من يفكر بما عند الآخر من الحق والصواب، أو يقتنع بمذهب أهل السنة، كما يقومون ببث هذه الشبه لتشكيك أهل السنة بما هم عليه من الحق والهدى، وصدق الله إذ يقول: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧] وأبرز هذه الشبهات ما يأتي: [استحالة رؤية الله في الدنيا وفي الآخرة. ويعتقدون كفر من يقول بأنه سيرى الله، ولا يجيزون الصلاة خلفه.] [إنكار الشفاعة لأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ، والقول بتخليدهم في النار.] [الضم والتأمين، وعقد الولاء والبراء عليه.] [إنكار المعراج إلى سدرة المنتهى.] [دعوى ظلم آل البيت وأحقيتهم بالخلافة، واتهام أهل السنة باغتصاب الحكم على آل البيت، وأنهم ظلموا أهل البيت قديماً وحديثاً "قديماً من قبل العباسيين والأمويين، وحديثاً من قبل الأنظمة الحاكمة".] [الوهابية، والتحذير من قراءة كتبهم، أو الجلوس معهم، وخطر الوهابية على آل البيت، وأنهم جاؤوا بدين جديد يكفرون فيه الآباء والأجداد.] [إثارة الشبهات حول عمالة الدعاة والصالحين.] [إنكار بعض الصفات الإلهية بحجة نفي التشبيه والتجسيم، كما يقولون بأن الصفة عين الموصوف، وأن علم الله هو ذاته.] [في باب القدر يثبتون للعبد مشيئة خارجة عن مشيئة الله، ويزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه، وأن الله لا يخلق الشر.] [إنكار علو الله على خلقه.] [حديث الولاية وغدير خم.] [التشكيك في عدالة الصحابة وسبهم.] [نشر حديث الإفك في أم المؤمنين عائشة. حيث يشيعون أن عائشة – ﵂ وبرأها الله مما يقولون – ارتكبت جريمة الزنا، وأنها ليست من أمهات المؤمنين.] [ظلم الصحابة لفاطمة وحرمانها من ميراثها.] [إمامة الصلاة لا تصلح إلا بإمام من آل البيت، وقد وجدت مسجداً في "ولد نوار" "آل فرحة" في "جمعة بن فاضل" التابعة لمديرية "حيدان" وقد أغلق، وفيه مركز للشباب المؤمن فسألت: لماذا أغلق المسجد؟ فقال لي المجيب: يقولون بأنه بعد السيد "يعني بعد موت السيد حسين وتشريد السيد بدر الدين" لا توجد صلاة، وقد بلغني بأنهم تركوا الجمعة لهذا السبب.] [ينكرون بعض المسائل الغيبية كالصراط والميزان، وعذاب القبر.] [يقدمون العقل على النقل كما هو الحال عند المعتزلة.] [شتم أبي هريرة وعمرو بن العاص وغيرهما من فضلاء الصحابة، وسبهم لاسيما في مناسبات عاشوراء وذكرى الغدير.] [نشر بعض الكتب المشبوهة ككتب جرجي زيدان التي تتحدث عن الفتن التي دارت بين الصحابة، خاصة بعد مقتل عثمان ﵁.] [يحاولون إقناع المجتمع بأن لهم الخمس في كل شيء، وكذلك خمس ما عند الدولة، وبهذا أجازوا لأنفسهم نهب المال العام، وأوجبوا على التجار والمزارعين والأغنياء منحهم هذا الخمس المزعوم.] [منع القبائل "غير الهاشميين" من الزواج بالهاشميات بحجة أن القبائل ليسوا أكفاء، وأن في زواجهم بالهاشميات إهانة لبني هاشم، ولا يفعلون ذلك إلا إذا وجدت مصلحة سياسية أو مادية من زواج القبيلي بهاشمية.] [الاستهزاء بحديث نزول الله إلى السماء الدنيا، فيسخرون منه ويشيعون بين العوام بأن أهل السنة يقولون: إن الله ينزل على حمار أعرج، والعياذ بالله.] [كما انتشرت فيهم مقولة: إذا احتل النصارى بلاد الحضر "يعنون فلسطين"، وخرجت اليهود من هجر فانتظروا الحسين المنتظر "يعنون به: حسين بدر الدين".] [التمثيليات: حيث يصورون فيها أبا هريرة بأنه رجل مداهن للسلطة، ويتهمونه بوضع الأحاديث للتقرب لبني أمية، وأن أحاديثه غير صحيحة، وهذه بدأت بالبروز بشكل واضح في مديرية "حيدان".] [يقولون إن خالد بن الوليد لم يسلم، وقد سمع ذلك في محاضرة لعبد الكريم جدبان.] [يقولون بأن موسى عندما لطم ملك الموت إنما لطم جبريل.] [يزعمون أن السنة هم الذين قتلوا الحسين.] [يزعمون أن السنة يتعاملون مع اليهود والنصارى ضدهم.] هذه أبرز الشبه التي يثيرها الشيعة في صعدة المصدر: التشيع في صعدة لعبد الرحمن المجاهد - ١/ ٦٦

стр. 2912

المطلب الخامس: الأنشطة الاجتماعية للشيعة في صعدة وقد ركز الشيعة على تكريس أنشطتهم الاجتماعية لما لها من أثر في جذب الجماهير والتأثير على الناس بمختلف شرائحهم، فاحتكوا بالمجتمع وانساحوا فيه؛ بغية في التأثير عليه، والقرب منه؛ لمعرفة مداخل كل شريحة بما يتناسب معها، ولذا فإن الشيعة يعتمدون في "صعدة" المدينة على حزمة من الأنشطة الاجتماعية المتنوعة التي تمكنهم من التواصل مع العوام وإقناعهم، أو إقناع أبنائهم. ومن الأنشطة الاجتماعية التي ركز عليها الشيعة ما يلي: [اللقاءات الخاصة والموسعة، والدروس.] [المقايل، واللقاءات العامة.] [الزيارات الفردية.] [إرسال الشباب كخلاصة لهذه الأنشطة إلى المراكز الصيفية بـ "ضحيان" و"خولان" و "رازح".] [ابتعاث بعض الشباب إلى إيران والعراق.] [فتح المكتبات العامة.] [الاستفادة من وجودهم في الجامعات عبر الدكاترة الشيعيين العراقيين، واستغلال ذلك في التأثير على طلبة الجامعات.] [الرحلات القصيرة والطويلة.] [الدورات التدريبية كدورات الكمبيوتر.] [تقديم الخدمات للناس من أجل التأثير عليهم، وحل المشاكل القبلية، والعمل التجاري كوسيلة من وسائل الضغط على المستهدفين.] [تغسيل وتكفين الموتى، والمشاركة في مجالس العزاء.] [المشاركة في الأفراح والمآتم والأعياد.] [زيارة بعض علمائهم ودعاتهم ومفكريهم.] [الأندية الرياضية، والاحتفالات الرسمية، والدورات التي تقيمها الجهات الرسمية كمكتب الشباب والرياضة، أو المركز التعليمي وغيرهما، وحملات التنسيب الحزبية.] [ولائم العائدين من الحج.] [استغلال النساء من خلال التدريس ونشر الفكر الشيعي.] [زيارة بعض المراكز والمنتديات الأخرى لتحفيز الطلاب.] [يعملون كل خميس حفلاً ليلياً.] [دعاء كميل يقرؤونه كل خميس.] المصدر: التشيع في صعدة لعبد الرحمن المجاهد - ١/ ٧١

стр. 2913

المبحث الحادي عشر: أبرز تكتلات الشيعة الحزبية والسياسية في اليمن • - حزب الحق:. • - اتحاد القوى الشعبية:. • - الشباب المؤمن (جماعة الحوثي):.

стр. 2914

- حزب الحق: وهو حزب ثوري مذهبي "يعد حسين بدر الدين الحوثي أبرز مؤسسيه" قبل أن يتخلى عنه، وتصدر عنه صحيفة "الأمة" الأسبوعية، ويرأس تحريرها عبد الله الدهمشي، والأمين العام للحزب هو أحمد محمد الشامي الذي تقلد حقيبة وزارة العدل سابقاً.

стр. 2915

- اتحاد القوى الشعبية: وهو حزب شيعي سياسي يرأسه إبراهيم بن علي الوزير المقيم في واشنطن منذ ثورة سبتمبر ١٩٦٢م، ويديره من الداخل الأمين العام الدكتور محمد الرباعي، وتصدر عنه صحيفة "الشوري" الأسبوعية. المصدر: العالم الإسلامي تحديات الواقع واستراتيجيات المستقبل (تقرير عن مجلة البيان) ثمار التغلغل الرافضي المرة- أنور قاسم – ص: ٤١٧

стр. 2916

- الشباب المؤمن (جماعة الحوثي):

стр. 2917

المبحث الثاني عشر: المدارس الشيعية مدرسة الهادي: وتعد المركز الرئيس لانطلاق الدعوة الحوثية، وتقع في قمة جبل مران محافظة صعدة. مركز ضحيان: من أعمال محافظة صعدة أيضاً، ويروي أهالي المنطقة أن هذا المركز افتتحه السفير الإيراني بصنعاء. مدرسة في حرف سفيان: وقد أحرقتها القوات اليمنية في بداية المعارك، بما فيها الكتب والمناهج التي كانت تدرس فيها. مركز بدر العلمي: ويوجد في العاصمة صنعاء ويديره الدكتور الجامعي مرتضى زيد المحطوري، ويقوم المركز بتدريس علوم المذهب الزيدي، ويضم مكتبة عامة. مركز الدراسات الإسلامية: ومقره العاصمة صنعاء، ويرأسه إبراهيم بن محمد الوزير، وتصدر عنه جريدة "البلاغ" الأسبوعية التي يرأس تحريرها عبد الله بن إبراهيم الوزير نجل رئيس المركز. مدارس الشيعة الاثنى عشرية: المدرسة الجعفرية: تعتبر المدرسة الجعفرية ومقرها عدن "٣٦٣كم جنوب العاصمة صنعاء". هي اللجنة التبليغية لجمعية الشيعة الاثنى عشرية، ويديرها عبد الكريم علي عبد الكريم، وهي تنضوي تحت كيان مؤسسي يعتبر الأقدم على الإطلاق في اليمن. دار أحباب أهل البيت: وهي مركز ثقافي في محافظة تعز "٢٥٦ كم جنوب العاصمة صنعاء"، وتعد دار أحباب أهل البيت الذي يديره أبو حسين علي الشامي هي أول دار في هذه المحافظة. مؤسسة دار الزهراء للإعلام الثقافي: مؤسسة شيعية في صنعاء، ويديرها محمد الحاتمي المصدر: العالم الإسلامي تحديات الواقع واستراتيجيات المستقبل (تقرير عن مجلة البيان) ثمار التغلغل الرافضي المرة- أنور قاسم – ص: ٤١٧

стр. 2918

الفصل الأول: التعريف بالجهمية الجهمية إحدى الفرق الكلامية التي تنتسب إلى الإسلام، وهي ذات مفاهيم وآراء عقدية خاطئة في مفهوم الإيمان وفي صفات الله تعالى وأسمائه، وترجع في نسبتها إلى مؤسسها الجهم بن صفوان الترمذي، الذي كان له ولأتباعه في فترة من الفترات شأن وقوة في الدولة الإسلامية حيناً من الدهر، وقد عتوا واستكبروا واضطهدوا المخالفين لهم حينما تمكنوا منهم، ثم أدال الله عليهم فلقوا نفس المصير الذي حل بغيرهم على أيديهم. سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تبديلاً. ولقد كان هؤلاء الجهمية العقبة الكؤود في طريق العقيدة السلفية النقية وانتشارها؛ حيث صرفوا علماء السلف عن نشرها بما وضعوا أمامهم من عراقيل شغلتهم وأخذت الحيز الأكبر من أوقاتهم في رد شبهات الجهمية ومجادلاتهم لهم وخصامهم معهم، وكانت العاقبة الحسنة – ولا تزال – لأهل السنة والجماعة ولله الحمد. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٣١ والجهمية ينسبون إلى جهم بن صفوان الترمذي وكان عالما فقيها، ينسب إلى الحنفية في الفقه، ولكنه لشدة اعتنائه بالرأي كان يناظر ويكثر من المناظرة حتى ناظر طائفة من دهرية الهند، الدهرية بضم الدال ينسبون إلى القول بالدهر وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية:٢٨]، ينسب إلى الدهر، دهري بضم الدال على غير اعتياد كما قاله المرتضى في كتاب (تاج العروس) وقاله غيره. المقصود ناظره قوم من الدهرية يقال لهم السمنية في الصفات لأنهم لا يؤمنون بوجود الله أصلا ويريد أن يقنعهم بوجود الله، فجرى منه معهم مناظرة ذكرتها لكم في مكان آخر، فآل به الأمر، نتيجة المناظرة وتوابعها وما حصل -وقد ذكر أصل القصة البخاري في خلق أفعال العباد-، نتج عن ذلك أنه نفى الصفات وعطل الرب من صفاته وآمن بالوجود المطلق. فالجهمية في مسائل العقيدة يذهبون في الصفات إلى النفي، فينفون عن الله كل الصفات، ويجعلون الصفة الواحدة الموجودة هي صفة الوجود المطلق، ويقولون بشرط الإطلاق. وفي الأسماء يثبتون الأسماء كدلالات على الذات -أسماء أعلام- ويفسرونها بمخلوقات منفصلة، فيجعلون الكريم هو الذات التي حصل عنها إكرام فلان -يعني يفسرونها بالكرم الذي خلقه الله-، القوي بالقوة التي خلقها الله، العزيز بالعزة التي خلقها الله يعني في الإنسان، في المخلوق يعني من حيث هو، ويجعلون تفسير الأسماء في القرآن وفي السنة يفسرونها بمخلوقات منفصلة؛ لأنه لا دلالة للأسماء على الصفة، لأنهم ينفون الصفات، وإنما يجعلونها دالة على علم لا تفسير لها من حيث العلمية لكن تفسيرها من حيث الصفة بأنها مخلوقات منفصلة. لهذا قال بعض أهل العلم ينفون الأسماء والصفات، الجهمية ينفون الأسماء والصفات، وهذا صحيح باعتبار الحقيقة. وطائفة يقولون لا، لا ينكرون الأسماء باعتبار أنهم يثبتون شيئا من الأسماء على طريقتهم لأن عندهم الأسماء دلالات على ذات بدون صفة في الاسم، وإنما هو مثل ما تقول مثلا (ماء سلسبيل) أو تقول في السيف حسام ومهند وسيف إلخ للدلالة على شيء واحد بدون صفة، أما صفة أنه يحكم فلا، أما صفة أنه صنع في الهند فلا، أما صفة أنه كذا فلا. فهم يجعلونها من جهة الدلالة على الذات واحدة ومن جهة الدلالة على الصفات أنها لا تدل على صفة. ولهذا في الآيات يفسرون الأسماء في الآيات بالمخلوقات المنفصلة، يعني أثر الصفة في المخلوق ويجعلونه مخلوقا. أما في الإيمان فالجهمية مرجئة، وهم أشد فرق الإرجاء لأنهم قالوا يكفي في الإيمان المعرفة فقط. ففرعون عندهم مؤمن وإبليس عندهم مؤمن. ولم يكفر فرعون عندهم بعدم الإيمان وإنما بمخالفة الأمر، وإبليس لم يكفر بعدم الإيمان؛ بل بمخالفة الأمر، وهكذا، وهذا القول مشهور عنهم في أنه يثبت الإيمان بالمعرفة. وفي القدر هم جبرية يرون أن الإنسان في أفعاله هو كالريشة في مهب الريح لا اختيار له البتة، هو مجبر على كل شيء، وأنه يفعل به ولا يفعل شيئا. وفي الغيبيات ينكرون كل ما لا يوافق العقل من أمور الغيب. وفي الآخرة ينكرون دوام الجنة والنار. يقولون الجنة لا تدوم والنار لا تدوم لأن دوام الجنة والنار ظلم، فتفنى الجنة وتفنى النار معا. بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون بفناء النار والجنة كدار نعيم وعذاب، لكن التلذذ والألم يبقى، فيستمر التلذذ ويستمر الألم ولا تستمر الدار. فهي أقوال مختلفة نسأل الله السلامة منها ومما جر إليها. المصدر: شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ

стр. 2919

الفصل الثاني: التعريف بالجهم بن صفوان هو حامل لواء الجهمية، وهو من أهل خراسان، ظهر في المائة الثانية من الهجرة، ويكنى بأبي محرز، وهو من الجبرية الخالصة، وأول من ابتدع القول بخلق القرآن وتعطيل الله عن صفاته. وكان مولى لبني راسب إحدى قبائل الأزد، وكان من أخلص أصدقاء الحارث بن سريج إلى أن قتل سنة ١٢٨ هـ، وقيل: إن الجهم قتل سنة ١٣٠هـ، وقيل سنة ١٣٢هـ. وتاريخه طويل، وكتبت فيه مؤلفات عديدة ورسائل جامعية. كان الجهم كثير الجدال والخصومات والمناظرات، إلا أنه لم يكن له بصر بعلم الحديث ولم يكن من المهتمين به، إذ شغله علم الكلام عن ذلك، وقد نبذ علماء السلف أفكار جهم وشنعوا عليه ومقتوه أشد المقت مع ما كان يتظاهر به من إقامة الحق، قال عنه الأشعري بعد أن ذكر جملة من آرائه الاعتقادية التي تفرد بها، قال: "وكان جهم ينتحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١).والشيخ جمال الدين القاسمي ذهب إلى أن جهماً كان من أحرص الناس على إقامة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن قتله إنما كان لأمر سياسي، وذلك لخروجه في وجه بني أمية، ولم يكن قتله لأمر ديني يوجب ذلك فيما يرى القاسمي" (٢) وهو بهذا قد خالف ما ذكره جمهور العلماء من أن قتله إنما كان لأمر ديني، وقد أقر الناس قتله في وقته لضلاله. وأما الإمام أحمد بن حنبل فقد قال عنه: "وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشراً كثيراً، فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من أهل ترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام" (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٣١ جهم بن صفوان، رأس الجهمية الذي ينسبون إليه من المجبّرة، ظهرت بدعته بترمذ وقتله سالم بن أحوز المازني، في آخر ملك بني أمية ذهب إلى أن الإنسان لا يوصف بالاستطاعة على الفعل بل هو مجبور بما يخلقه الله تعالى من الأفعال على حسب ما يخلقه في سائر الجمادات وأن نسبة الفعل إليه إنما هو بطريق المجاز كما يقال جرى الماء وطلعت الشمس وتغيَّمت السماء إلى غير ذلك. ووافق المعتزلة في نفي صفات الله الأزليّة وزاد عليهم بأشياء منها: أنه نفى كونه حيّاً عالماً وأثبت كونه عالماً قادراً. ومنها أنه أثبت للباري تعالى علوماً حادثة لا في محلّ. ومنها أنه قال: لا يجوز أن يعلم الله تعالى الشيء قبل خلقه، قال: لأنه لو علم به قبل خلقه لم يخل إمّا أن يكون علمه بأنه سيوجده يبقى بعد أن يوجده أم لا ولا جائز أن يبقى لأنه بعد أن أوجده لا يبقى العلم بأنه سيوجده لأنّ العلم بأنّه أوجده غير العلم بأنه سيوجده ضرورة وإلاّ لانقلب العلم جهلاً وهو على الله سبحانه محال وإن لم يبق علمه بأنه سيوجده بعد أن أوجده فقد تغير والتغيّر على الله محال، وإذا ثبت هذا تعيّن أن يكون علمه حادثاً بحدوث الإيجاد لأن ذلك يؤدي إلى أنّ ذاته محل للحوادث وهو محال، وإمّا أن يحدث في محل وهو أيضاً محال لأنه يؤدي إلى أن يكون المحل موصوفاً بعلم الباري تعالى وهو محال، فتعيّن أن يكون علمه حادثاً لا في محل. ومنها أنه قال: الثواب والعقاب والتكليف جبرٌ كما أن أفعال العباد جبرٌ. ومنها أنه قال: إن حركات أهل الجنة والنار تنقطع. ومنه أخذ أبو الهذيل وأتباعه من المعتزلة. ومنها أن النار والجنّة يفنيان بعد دخول أهلهما إليهما قال: لأنه لا يتصور حركات لا تتناهى أولاً فكذلك لا يتصوَّر حركاتٌ لا تتناهى آخراً، وحمل قوله تعالى خالدين فيها أبداً على المبالغة واستدلّ على الانقطاع بقوله تعالى إلا ما شاء ربك، ولو كان مؤبداً بلا انقطاع لما استثنى. ووافق المعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف بالعقل. وكان السلف الصالح ﵃ من أشد الناس ردّاً على جهم لبدعه القبيحة وكانت قتلته في حدود الثلاثين والمئة. وكان ذا أدب ونظر وذكاءٍ وفكر وجدال ومراء، وكان كاتب الأمير الحارث بن شريح التميمي الذي وثب على نصر بن سيّار. وكان جهم هو ومقابل بن سليمان بخراسان طرفي نقيض، هذا يبالغ في النفي والتعطيل وهذا يسرف في الإثبات والتجسيم فيقول: إن الله جسم ولحم ودم على صورة الإنسان، تعالى الله عن ذلك. ترك الصلاة أربعين يوماً فأنكر عليه الوالي فقال: إذا ثبت عندي من أعبده صليت له فضرب عنقه. المصدر: الوافي بالوفيات ٤/ ٥٧ وقد قتله سلم بن أحوز في مرو عام ١٢٨هـ. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 2920

الفصل الثالث: نشأة الجهمية قامت أفكار الجهم بن صفوان على البدع الكلامية والآراء المخالفة لحقيقة العقيدة السلفية متأثراً بشتى الاتجاهات الفكرية الباطلة. وكانت نقطة الانتشار لهذه الطائفة بلدة ترمذ التي ينتسب إليها الجهم، ومنها انتشرت في بقية خراسان، ثم تطورت فيما بعد وانتشرت بين العامة والخاصة، ووجد لها رجال يدافعون عنها، وظهرت لها مؤلفات وتغلغلت إلى عقول كثير من الناس على مختلف الطبقات. وقد ذكر شيخ الإسلام درجات الجهمية ومدى تأثر الناس بهم، وقسمهم إلى ثلاث درجات: الدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز. الدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته. الدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة ولكنهم يريدون طائفة من الأسماء، والصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها. ومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه، وطائفة من أهل الحديث. ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضاً في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه. وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طوائف هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة" (١) المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٣٤، ١١٣٥

стр. 2921

الفصل الرابع: بيان مصدر مقالة الجهمية يذكر شيخ الإسلام أصل مقالة التعطيل وأنها ترجع في نهايتها إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين، يذكر ذلك في قوله: "ثم أصل هذه المقالة – التعطيل للصفات – وإنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أعني أن الله ليس على العرش حقيقة وإنما استوى بمعنى استولى ونحو ذلك ... أول ما ظهرت هذه المقالة من جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ " (١). ولهذا كان التجسيم والتشبيه هو أظهر سمات الديانة اليهودية المحرفة التي ملئت بها التوراة من وصف الله تعالى بصفات البشر من الندم والحزن وعدم العلم بالمغيبات، وغير ذلك من المعتقدات الباطلة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٣٦ أصل الجهل والضلال والزندقة والنفاق والإلحاد والكفر والتعطيل في هذا الباب هو ما اشتركت فيه الدهرية والجهمية من التكذيب والنفي والجحود لصفات الله تعالى بلا برهان أصلا بل البراهين إذا أعطوها حقها أوجبت ثبوت الصفات وهم مع اشتراكهم في هذا الأصل الفاسد افترقوا حينئذ في المناظرة والمخاصمة كل قوم معهم من الباطل نصيب وذلك أن مبدأ حدوث هذا في الإسلام هو مناظرة الجهمية للدهرية كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مناظرة جهم للسمنية وهم من الدهرية حيث أنكروا الصانع وإن كان غيرهم من فلاسفة الهند كالبراهمة لا ينكره بل يقول العالم محدث فعله فاعل مختار كما يحكي عنهم المتكلمون وكذلك مناظرة المعتزلة وغيرهم لغير هؤلاء من فلاسفة الروم والفرس وغيرهم من أنواع الدهرية وكذلك مناظرة بعضهم بعضا في تقرير الإسلام عليهم وإحداثهم في الحجج التي سموها أصول الدين ما ظنوا أن دين الإسلام ينبني عليها وذلك هو أصل علم الكلام الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وذم أصحابه وتجهيلهم فإن كلام السلف والأئمة في ذم الجهمية والمتكلمين لا يحصيه إلا الله تعالى وأصل ذلك أنهم طلبوا أن يقرروا ما لا ريب فيه عند المسلمين من أن الله تعالى خلق السموات والأرض وأن العالم له صانع خالق خلقه ويردوا على من يزعم أن ذلك قديم إما واجب بنفسه وإما معلول علة واجبة بنفسها فإن الدهرية لهم قولان في ذلك ولعل أكثر المتكلمين إذا ذكروا قول الدهرية لا يذكرون أن الدهرية إلا من ينكر الصانع فيقولون الدهرية وهم الذين يقولون بقدم العالم وإنكار الصانع وعندهم كل من آمن بالصانع فإنه يقول بحدوث العالم وهذا كما قاله طوائف من المتكلمين كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني قال في مسائل التكفير المصدر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية - ١/ ١٢٨

стр. 2922

الفصل الخامس: ذكر أهم عقائد الجهمية للجهمية آراء وعقائد كثيرة، ومن أهم تلك الآراء للجهم ما يلي: ١ - مذهبهم في التوحيد: هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله ويجعلون أسماء الله من باب المجاز. تنكر الجهمية جميع الأسماء التي سمى الله بها نفسه وجميع الصفات التي وصف بها نفسه بحجج واهية وتأويلات باطلة، وقد عرفنا فيما سبق مصدر هذه الأفكار التي يعتنقها الجهمية القدماء والجدد. وهذه المسألة كتب عنها العلماء كتابات مستفيضة ومؤلفات عديدة، دحضوا فيها كل ما يتعلق به الجهمية في نفي الأسماء والصفات، وقلما يخلو كتاب من كتب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وسائر علماء الفرق من رد وخصام وجدال مع هؤلاء. شبهات الجهمية في نفي الصفات: لقد أقدم الجهمية على نفي الأسماء والصفات بمزاعم من أهمها: ١ - أن إثبات الصفات يقتضي أن يكون الله جسماً؛ لأن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، لأنها أعراض والأعراض لا تقوم بنفسها. ٢ - إرادة تنزيه الله تعالى. ٣ - أن وصف الله تعالى بتلك الصفات التي ذكرت في كتابه الكريم أو في سنة نبيه العظيم يقتضي مشابهة الله بخلقه، فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى وتوجد كذلك في المخلوقات لئلا يؤدي إلى تشبيه الله – بزعمهم – بمخلوقاته التي تحمل اسم تلك الصفات. الرد عليهم: مما يدركه طلاب العلم أن الله وصف نفسه في كتابه الكريم ووصفه به نبيه ﷺ بصفات تعرف معانيها ولا تدرك كيفياتها، وهي معروفة في القرآن والحديث. وقد وقف السلف من الصحابة الكرام إلى وقتنا الحاضر إزاء هذه الصفات موقفاً واضحاً جلياً لا لبس فيه، يتلخص في كلمات يسيرة ومعان واضحة، ألا وهو الإيمان التام بكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به نبيه ﷺ ، كما جاءت به النصوص من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف. يقولون عن كل صفة: الصفة معلومة والكيف مجهول والسؤال عنها بدعه، ولم يتنطعوا تنطع المشبهة ولم يسلكوا مسالك المعطلة؛ لأنهم على معرفة تامة أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فلا يصفون ذاتاً غير مدركة الماهية بصفات تكيفها؛ لأن هذا هو القول على الله بغير علم. إذ كيف تكيف ذاتاً لم تدركها ولم توصف لك أكثر من صفات مجملة قابلة للاشتراك في الأسماء متباينة الحقائق، ومن هنا نجد أنه لم يعرف عن أي شخص من الصحابة أنه سأل النبي ﷺ عن كيفية أي صفة من الصفات التي أخبر الله بها في القرآن الكريم أو أخبرهم بها نبيهم ﷺ . وهذه دلالة على قوة ذكائهم وصفاء عقولهم لأنهم يعرفون بداهة أن الاشتراك في التسمية لا يوجب الاشتراك والمماثلة في الذات، إذ يقال: رأس الرجل ورأس الجمل ورأس الذرة ورأس الجبل، وبين ذوات هذه الأشياء من الفروق ما لا يخفى على عاقل. وكذلك بقية الصفات، ولهذا فإن عقلاء الناس حينما آمنوا بصفات الله لم يتصورا فيها أي تشبيه، بل كانوا يعتبرون مجرد التفكير في المشابهة من وسواس الشيطان فيذكرون الله تعالي. كما أن إيمانهم بالصفات كان يجري كله على هذا المفهوم، فما كانوا يفرقون بين أن تكون الصفة ذاتية أو فعلية، ولم يحصل بينهم أي نزاع أو جدال في مسائل الأسماء والصفات، كما حصل عند من اتبع هواه ممن عطل أولاً ثم شبه ثانياً ثم زعم أنه ينزه الله تعالي.

стр. 2923

ومن العجائب أن يثبت الله لنفسه الصفة وهم ينفونها عنه، ومثلهم في هذا كمثل شخص سأل آخر عن اسمه وهو لا يعرفه فأخبره فقال له: لا، إن اسمك ليس هذا، ذلك أن الله تعالى قال: الرحمن على العرش استوى [طه:٥]، وهم يقولون: لا يجوز إثبات هذه الصفة بل يجب نفيها مطلقاً، أو تأويلها بمعني استولى أو قصد، أو غير ذلك من تأويلاتهم الباطلة. وحينما قال تعالى عن نفسه: وهو السميع البصير [الشورى:١١]، قالوا: يجب نفي مدلول هذا نفياً تاماً أو تأويله؛ إما أن يكون بمعنى سميع بلا سمع بصير بلا بصر، أو أنه سميع بذاته بصير بذاته، إلى آخر مواقفهم الخاطئة تجاه كل الصفات والأسماء. لقد عارض الجهمية ومن سار على طريقتهم كتاب الله وسنة نبيه، وقدموا آراءهم وما تراه عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فلم يقفوا عند حدود فهم العقل ومدى قدرته، بل تجاوزوا ذلك وظنوا أنهم علي شيء، وزخرفوا القول في ذلك، وتحذلقوا وتنطعوا فخرجوا من نور العلم إلى ظلمات الجهل، ومن اليقين إلى الشكوك عقاباً من الله لهم لعدم تلقي النصوص ومدلولاتها بالطمأنينة والتسليم، وترك التكلف في البحث عن أمور هي من المغيبات ولم يخبرنا الله بتفاصيلها ولا رسوله ﷺ فقد أراد الله أن تكون كيفياتها سراً مكتوماً عن العباد وهم يريدون الاطلاع عليها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. إن تنزيه الله لا يمكن أن يكون بسلب صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال، إنه من الإجرام أن ينزه الله عن ما تمدح به: قل أأنتم أعلم أم الله [البقرة:١٤٠]. إن التنزيه الصحيح إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى كمالها؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به أحد غير الله تعالي. وأي تنزيه في أن تقول: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن يسار ولا يحس ولا يشم ولا يري أبداً ولا يكلم أحداً، وإنه في كل مكان بذاته، وإنه لا سمع ولا بصر له، ولا يوصف بالرحمة ولا بالغضب ولا بالمجيء، إلى آخر تلك الأوصاف التي لا تقال إلا للمعدوم. إنها صفات سلبية نتيجتها أن لا معبود إلا العدم، فليس هناك رب بائن من خلقه مستو على عرشه له كل صفات الكمال والجلال. ومن هنا وجد الملاحدة ضالتهم المنشودة في تقوية إلحادهم واحتجاجهم على ذلك بما زعموا أنه من كلام المسلمين السابق، وهم يعلمون تمام العلم أن كلام الجهمية السابق ليس له بالإسلام أية صلة، وأنه ليس من كلام المسلمين، وإنما هو من أفكار ملاحدة الفلاسفة. إن الجسمية التي يزعمونها حينما يثبتون الصفات لله تعالى، إنما هو من باب تغطية إلحادهم ومروقهم عن الدين، وهم أقل وأذل من أن يجدوا كلاماً ما، لعلماء المسلمين فضلاً عن الصحابة فضلاً عن الكتاب والسنة، يشير إلى هذا المفهوم الذي تنبهوا له بزعمهم ونفوا بموجبه صفات الله وأسمائه. إن كلمة الجسمية لله تعالى نفياً أو إثباتاً هي من الألفاظ المخترعة التي لم ترد في الشرع لا في الكتاب ولا في السنة، وهي تخفي وراءها هدفا ما، ولو وقف هؤلاء الذين يطلقون على الله إلا ما ثبت له من الأسماء والصفات، وترك ذلك التنطع المذموم؛ لأن لفظ الجسم لفظ عام يحتاج إلى بيان وتوضيح ممن يقول به؛ لأنه لم يرد في الشرع لا بالنفي ولا بالإثبات، ولهذا كان في إطلاقه حق وباطل ويجب على القائل به تفصيل ما يريد. فهناك من ينفي لفظ الجسم من الجهمية والمعتزلة ليخفي ما يهدف إليه من نفي ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وهناك من يثبت الجسم من المشبهة ليخفي ما يهدف إليه من إثبات ما نفاه الله عن نفسه؛ وقد أجاب العلامة ابن القيم ﵀ عن هذه المسألة وفصلها تفصيلاً شافياً كافياً فقال:

стр. 2924

"واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتاً فيكون له الإثبات، ولا نفياً فيكون له النفي. فمن أطلقه نفياً أو إثباتاً سئل عما أراد به، فإن قال: أردت بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فلا يقال للهوى: جسم لغة، ولا للنار ولا للماء. فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا، فهذا المعنى منفي عن الله عقلاً وسمعاً، وإن أردتم به المركب من المادة والصورة والمركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعاً. والصواب نفيه عن الممكنات أيضاً، فليس الجسم المخلوق مركباً من هذا ولا من هذا، وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة لله تعالى وهو موصوف بها فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسماً، كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصباً، ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبرياً، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستوائه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسماً مشبهاً". إلي أن قال: "وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار أعرف الخلق به بإصبعه رافعاً بها إلى السماء بمشهد الجمع الأعظم مشهداً له لا للقبلة، وإن أردتم بالجسم ما يقال أين هو؟ فقد سأل أعلم الخلق به بأين، منبهاً على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه، ولم يقل: هذا السؤال إنما يكون عن الجسم. وإن أردتم بالجسم ما يلحقه (من وإلى) (١). فقد نزل جبريل من عنده وعرج برسوله إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب، وعبده المسيح رفع إليه، وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر غير أمر فهو سبحانه موصوف بصفات الكمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة، وهذه صفات متميزة متغايرة " إلى أن قال:"وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه. وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستوياً على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه" (٢). فينبغي للعاقل أن يتفطن لكلام أهل الزيغ ونبزهم لعلماء السنة تنفيراً للعامة عنهم، كما أنه يجب على المؤمن ألا ينساق وراء مغالطات أصحاب البدع، فهم من دأبهم قلب الحقائق والتلبيس على الناس لتقوية ما اقتنعوا به من أفكار الملاحدة وفلاسفة اليونان. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٣٧ - ١١٤٥ بتصرف

стр. 2925

التعبير عن التوحيد يكون بالكلام والله يعبر عن التوحيد بكلام الله فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله ولا يطلق عليه بأنه غير الله لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره وصفة الله لا تباينه، ويراد به ما لم يكن إياه، وصفة الله ليست إياه ففي أحد الاصطلاحين يقال إنه غير وفي الاصطلاح الآخر لا يقال إنه غير فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقروناً ببيان المراد لئلا يقول المبتدع إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به بل مخلوقة في غيره فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد وهو قول الجهمية الذي كفرهم السلف والأئمة تكفيراً مطلقاً، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٥٦ تفسير التوحيد بما يستلزم نفي الصفات أو نفي علوه على العرش بل بما يستلزم نفي ما هو أعم من ذلك فهو شيء ابتدعته الجهمية لم ينطق به كتاب ولا سنة ولا إمام المصدر: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لابن تيمية – ١/ ١٢٣ ٢ - القول بالجبر لقد كان الجهم بن صفوان مؤسساً حقيقياً لكثير من الشبهات في الدين، ومؤججاً لكثير من الفتن بين المسلمين بفعل من جاء بعده ممن راقت في نظره آراء جهم، ويظهر الإرجاء عند الجهمية في تلك الآراء التي نادى بها الجهم، ومن أهمها عدم اعتبار العلم من الإيمان، فإن الإيمان وحقيقته في نظرهم إنما هو مجرد الإقرار بالقلب ولا قيمة للعمل في الإيمان؛ ولهذا سارع أصحاب الفسق والاستهتار بالقيم إلى التمسك بهذا المذهب؛ لأنه يساير رغباتهم ويثبت لهم الإيمان بغض النظر عن جميع المعاصي التي يرتكبونها، فهم مؤمنون كاملو الإيمان بالمفهوم الجبري والإرجائي، فهم لا يمكن أن يطلقوا الكفر على أحد بسبب ترك الأعمال التي أمر الله بها، بل لا يتجاسرون على إطلاق الكفر إلا إذا لم يقر بقلبه حسب زعمهم. قال ابن أبي العز ﵀:"والجبرية أصل قولهم من جهم بن صفوان كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه، وهم عكس القدرية نفاة القدر فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وقد تسمى الجبرية قدرية؛ لأنهم غلوا في إثبات القدر وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب وكما لا يجزم لمعين" (١). وقد قام أساس إرجاء الجهمية على موقفهم من حقيقة الإيمان وفي مبحث المرجئة دراسة حول المرجئة وموقفهم من الإيمان، وأنه المعرفة فقط وأنه كذلك لا يزيد ولا ينقص، ومن العمل وأنه لا صله له بالإيمان، ومن مرتكب الكبيرة،، وأن الذنوب لا تعلق لها بالاعتقاد وإنما هي تابعة للأعمال، وبالتالي فلا أثر لها على الإيمان الذي في القلب فهونوا المعاصي وشجعوا على الركون إلى الكسل والخمول في العبادات. ومع ذلك فهم يزعمون أن إيمان أي واحد منهم هو مثل إيمان جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لاتفاقهم في المعرفة بالله التي بنى الجهميون عقيدتهم في الإيمان عليها، وهم أجهل الناس بمعرفته إذ نفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلا، إضافة إلى ما أحدثوه من الآراء والبدع الفاسدة.

стр. 2926

وأما الجبر- بفتح الجيم وسكون الباء- فمعناه إسناد ما يفعله الشخص من أعمال إلى الله ، وأن العبد لا قدرة له البتة على الفعل، وإنما هو مجبور على فعله، وحركته في الفعل بمثابة حركة النباتات والجمادات، ومن هنا فإنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة؛ لأن العبد مجبور على فعله لا حول له ولا قوة. قال الإمام ابن القيم عنهم: والعبد عندهم فليس بفاعل ... بل فعله كتحرك الرجفان وهبوب ريح أو تحرك نائم ... وتحرك الأشجار للميلان والله يصليه على ما لم ليس من ... أفعاله حر الحميم الآن لكن يعاقبه على أفعاله ... فيه تعالى الله ذو الإحسان والظلم عندهم المحال لذاته ... أنى ينزه عنه ذو السلطان ويكون مدحاً ذلك التنزيه ما ... هذا بمقبول لدى الأذهان والمقصود بهذا بيان مذهب الجهم الذي قرر فيه أن العبد مسلوب الإرادة والاختيار لأفعاله، مثله مثل حركة المرتعد وهبوب الرياح وحركة النائم وحركة الأشجار وتمايلها بفعل الرياح، ثم زعموا ما لا يعقله أحد إلا هم ومن قال بقولهم؛ وهو أن الله مع أنه هو الذي جبر الإنسان على فعله ورغماً عنه، ومع ذلك فإن الله يعذبه بنار جهنم مع أن الفعل هو نفسه فعل الله فيه. وقالوا: إن هذا ليس بظلم، لأن الإنسان ملك الله؛ لأن الظلم في مفهومهم هو المحال لذاته غير المتصور وقوعه (١)، وهذا تكذيب لقول الله: ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [البقرة:٢٨١]، وقوله تعالى: ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون [الأنعام:١٦٠]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى الذي يفيد أن الله تعالى حرم الظلم على نفسه، وقد مدح بذلك لبيان كمال عدله، فأين هذا المفهوم من مفهوم الجهمية حينما يقررون أن الإنسان مجبور على فعله، لا لوم عليه فيما يأتيه من الأفعال القبيحة والمنكرات؛ لأن موجدها إنما الله تعالى، ثم كلفه بامتثال أمره ونهيه فكيف يتصور هذا؟ يكلفه الله بالامتثال ثم يوجد فيه قوة العصيان، هذا تناقض وتكليف بما لا يطاق. وقد أخبر الله تعالى بأن الحق هو عكس هذا المفهوم، فقال : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [البقرة:٢٨٦]، وجبر العبد على فعله لا يتفق مع مضمون هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث، ويصح على مفهوم هؤلاء الجهمية ألا يقال للزاني: إنه زان، ولا للسارق: إنه سارق، ولا للمصلي: إنه مصل الخ؛ لأن هذه الأفعال هي أفعال الله فيهم، وإنما هم منفذون لها. لقد أعظموا على الله الفرية وقفوا ما ليس لهم بحق!! المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٤٥ - ١١٤٨ الجهمية الذين يقولون: الله يجبر العبد على كل شيء، على الخير وعلى الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح إلى آخره. ويستدلون على ذلك بقوله وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال:١٧]، يقولون إن الذي رمى في الحقيقة هو الله ولكن النبي ﷺ ما رمى. وهذا قول الغلاة منهم -غلاة الجبرية-، ويرد عليهم في هذا الاستدلال على وجه الاختصار بجوابين:

стр. 2927

الجواب الأول: أن الله قال وما رميت إذ رميت [الأنفال:١٧] , يعني حين رميت فإن الله هو الذي رمى، وظاهر الآية كما هو واضح أنه أثبت للنبي ﷺ رميا فقال إذ رميت، ونفى عنه رميا بقوله وما رميت، والنظر الصحيح يدل على أنه لا بد من الجمع ما بين الرمي المنفي والرمي المثبت، وهذا يتضح بأن العبد إذا فعل الفعل فإن الفعل الذي يفعله سبب في حدوث المسبب، ولا يحصل المسبب ولا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جل المسائل؛ بل لابد من إعانة من الله . وهذا ظاهر في الرمي بخصوصه؛ لأن الرمي عن بعد له ابتداء وله انتهاء، فابتداء الرمي من النبي ﷺ لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة أن يصيب فلانا المشرك ويموت منه هذا من الله ؛ لأن العبد ما يملك أن تكون رميته ماضية فتصيب. ولهذا فيكون العبد هنا متخلصا من رؤيته لنفسه ومن حوله وقوته مع فعله، فأراد أن يعلم نبيه والمؤمنين أن يتخلصوا من إعجابهم ورؤيتهم لأفعالهم وأنفسهم، فقال: افعلوا ولكن الذي يمن عليكم ويسدد رميكم هو الله ﷻ . فيكون إذا معنى الله رمى أصاب بما أعان على التسديد. الجواب الثاني: أنه لو قيل على قول الجبرية: إن الله هو الذي يفعل الأشياء لكان تقدير الآية كما قاله جماعة أن يقال في كل فعل فعله العبد (ما فعله ولكن الله فعله) كأن تقول: ما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما زكيت إذ زكيت ولكن الله زكى، وما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى وهكذا في الأعمال القبيحة المشينة التي ينزه الله عنها بالإجماع كقول القائل -أعوذ بالله - وما سرقت إذ سرقت ولكن الله سرق، وما زنيت إذ زنيت ولكن الله إلى آخره، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل يدل على فساده وعدم اعتباره؛ لأن القول الحقيق والقول الصحيح والقول الحق لا يلزم منه لوازم باطلة. والقول الباطل هو الذي ينشأ عنه لوازم باطلة، ما الفرق بين هذه وهذه؟ المصدر: شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ ٣ - إنكار كثير من أمور اليوم الآخر مثل: الصراط، الميزان، رؤية الله تعالى، عذاب القبر، القول بفناء الجنة والنار. قول نفاة الجهمية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٥٠ إنكار الجهمية الصراط الصراط من الأمور الغيبية التي أعدها الله في يوم القيامة، وقد ثبت في الشرع بأحاديث صحيحة إضافة إلى قول الله : وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ًمقضياً [مريم:٧١] وفي الصراط تفاصيل طويلة وأخبار كثيرة، وقد حاولت حصر أكثر ما تيسر من أخباره في (الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار) (١). ونكتفي بإيجاز ما يهمنا ذكره هنا من أخبار هذا الأمر. الصراط المراد به: ما ثبت في السنة النبوية أنه جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، يعبره الخلائق بقدر أعمالهم إلى الجنة فمنهم من يجتازه ومنهم من يقع فيه. وقد ورد في القرآن الكريم لفظة الصراط في تسعة وأربعين موضعاً-على معان مختلفة لكنها متقاربة في المعنى- مراداً بها الطريق أو طريق الهداية والرشاد. هذا في اللغة، ولكن السلف ما كانوا يغفلون حقيقته الشرعية من أنه جسر ممدود على متن جهنم، ولم يأت التصريح بذكره في القرآن الكريم. غير أن هناك آيات بعض العلماء جعلها في ذكر الصراط وبعضهم يجعلها إشارة إليه، ومن ذلك:

стр. 2928

قول الله تعالى: فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات:٢٣]، وهذه الآية ليس فيها التصريح التام بذكر الصراط في اصطلاح الشرع، إلا أن يقال: إن طريق الجحيم هو أخذهم إلى الصراط ومنه إلى النار. ومنه قوله تعالى: & Iuml; فلا اقتحم العقبة [البلد:١١]، ورد في تفسير العقبة أقوال كثيرة منها أن العقبة هنا هي الصراط. وكذا قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ... [مريم:٧١]؛ أي بالمرور على الصراط. أما في السنة النبوية فقد ورد ذكره ووصفه وكيفية المرور عليه في عدة أحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد، منها قوله ﷺ : ((ويضرب جسر جهنم)). قال رسول الله ﷺ : ((فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم، وبه كلابيب مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله فتخطف الناس بأعمالهم منهم الموبق ومنهم المخردل ثم ينجو)) (١) إلى آخر الحديث. وللصراط أوصاف كثيرة؛ فهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم ولا ينجو عليه إلا من كتبت له السعادة، ولا صحة لأقوال المتأولين له فإنها في مقابلة النصوص، وفي مرورهم عليه يعطون أنواراً كل شخص نوره على قدر عمله. ثم يقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملاً. وقد نصبه الله لحكمة فلو شاء لاجتاز الخلق بغير نصبه، وقد تلمس بعض العلماء حكماً كثيرة لذلك إلا أنه ينبغي الإيمان التام بأن لله حكمة قد تظهر وقد لا تظهر حقيقتها لأحد، ولسنا مكلفين باستخراج الحكمة وقد كلفنا بالإيمان بكل ما صح ثبوته. كما أنه ورد في تحديد مسافة الصراط أقوال كثيرة تفتقر إلى دليل من الشرع، فهي من اجتهادات العلماء واستنباطاتهم، وينبغي معرفة أن المسافة وطولها أو قصرها تعود إلى العمل، فالاجتياز عليه إنما هو بقدر العمل كما ثبت ذلك في عدة نصوص. وإنكار الجهمية وغيرهم للصراط ليس لهم ما يتمسكون به إلا شبهات باطلة واستبعاد له، ظانين أن استبعاده في عقولهم يصح أن يكون دليلاً على إنكاره، وبغض النظر عن سرد تلك الشبهات فإن النتيجة واحدة وهي إنكار الصراط، ويكفي في الرد عليهم أن يقال لهم: إنكم تردون أقوال نبيكم ﷺ بمحض الهوى والشبهات، وليس لكم أي دليل، ومن رد أقوال النبي ﷺ بعد صحة ثبوتها، فلا ريب في خسرانه ومفارقته طريق المؤمنين. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٤٨ - ١١٥١ إنكار الجهميه للميزان الميزان من أمور الآخرة الغيبية التي يجب الإيمان بها وقد أنكرته الجهمية، والمراد به في الاصطلاح الشرعي: الميزان الذي أخبر الله تعالى عنه في الأحاديث الشريفة في أكثر من مناسبة تنويهاً بعظم شأنه وخطورة أمره. وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد خيرها وشرها، وقد أخبر الله عنه في القرآن الكريم إخباراً مجملاً من غير تفصيل لحقيقته، وجاءت السنة النبوية فبينته. يظهره الله في يوم القيامة لإظهار مقادير أعمال الخلق، وقد أجمع المسلمون على القول به واعتقاده. وجاء ذكره في القرآن الكريم في أكثر من آية تنويهاً بعظمه وأهميته، قال تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبةٍ من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين [الأنبياء:٤٧] وآيات أخرى كثيرة لا تخفى على طلاب العلم، ودلالتها على إثبات الميزان أمر ظاهر، وقد وصف الله فيها الموازين عدل وأن من ثقل ميزانه، فقد أفلح وعاش عيشة راضية، ومن خف ميزانه فقد خسر وهوى إلى جهنم.

стр. 2929

كما وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة فيها بيان ثبوت الميزان وصفاته وما الذي يوزن فيه، هل هو العامل فقط أو العمل فقط أو العامل والعمل، أو صحف الأعمال، وما الذي يثقله وما الذي يخففه ومن تلك الأحاديث وهي كثيرة: قوله ﷺ كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)) (١).وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا [الكهف:١٠٥])) (٢). وثبت أن العمل يوزن ويوزن أيضاً العامل، وتوزن صحائف الأعمال، وروي أن أشد ما يكون الناس خوفاً في يوم القيامة عندما يأتي دور الوزن. وقد تلقى المسلمون أخباره بالقبول والتصديق لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع (٣)، ولم يخالف في ثبوته أي شخص من السلف. وقد ذهبت الجهمية وغيرهم من أهل البدع إلى إنكاره بلا دليل، لأنه في زعمهم – يستحيل وزن الأعراض، كما أنكروا أن يكون هناك ميزان حقيقي له كفتان ولسان، معرضين عن النصوص الثابتة بذلك كما قدمنا بعضها. وإذا أراد القارئ المزيد من أخبار الميزان والاطلاع على المناقشات الموسعة فيه فليقرأ – إن أحب – "الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار ". فسوف يجد فيه إن شاء الله كل ما يطلبه من تفصيل لأخبار الميزان ومواقف علماء السنة وعلماء البدع منه، وما الذي يوزن؟ وهل توزن أعمال الجن؟ وهل هو ميزان واحد أو موازين متعددة؟ إلى غير ذلك من الأمور التي تتعلق بهذا الأمر. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٥١ - ١١٥٣ قول الجهمية بفناء الجنة والنار اقتضت حكمة الله تعالى أن يوجد الجنة وأن تكون دار أوليائه إلى الأبد، وأن يوجد النار وتكون دار أعدائه إلى الأبد، خلقهما الله وكتب لهما البقاء الأبدي بإبقاء الله تعالى لهما وهذا هو الثابت في الشريعة الإسلامية. وخالفت الجهمية وجاءوا بأفكار ومعتقدات ما أنزل الله بها من سلطان، قال شمس الدين ابن القيم: "والجهم أفناها وأفنى أهلها تبا لذاك الجاهل الفتان " (٤) ولم يكن لهم ما يستدلون به على إنكارهم ذلك إلا مجرد الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، وصاروا يشنعون على السلف أهل الحق ما يعتقدونه في وجود الجنة والنار الآن ودوامهما في المستقبل. قال ابن أبي العز ﵀: " وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو امتناع وجود مالا يتناهى من الحوادث، وهو عمدة أهل الكلام المذموم التي استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى جهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي يمنعه في المستقبل، فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي " (٥). لقد زعم الجهم وأتباعه أن الجنة والنار ستفنى بحجة أن ما لا نهاية له من الأمور الحادثة المتجددة بعد أن لم تكن يستحيل – حسب زعمه – أنها تبقى إلى ما لا نهاية، ولم يتصور أن بعض الأشياء التي شاء الله البقاء أنه يمتنع فناؤها.

стр. 2930

ولا يوجد له من الأدلة إلا ما قاله أهل الكلام حينما أرادوا الاستدلال حسب عقولهم على حدوث الأجسام حين قالوا: كل جسم حادث لا بقاء له، فالأجسام حادثة وكل ما قبل الحدوث فهو حادث، والعالم قبل الحدوث فهو حادث. ثم زعم جهم أن الرب يمتنع عليه إيجاد حوادث لا أول لها، مخافة تعدد الآلهة إذا قلنا بوجودها، ثم قاس هذا على نهاية الحوادث، فكما أنه يستحيل عنده وجود حوادث لا أول لها، فكذلك يمتنع القول بوجود حوادث لا آخر لها لأن الله وحده هو الأول والآخر. وقد ظن أن هذا من تنزيه الله تعالى، وهو في الواقع إساءة ظن بقدرة الله تعالى، ولم يعلم أن ما أراد الله البقاء فإنه يمتنع عليه الانتهاء، فإن الجنة أراد الله لها البقاء والنار كذلك فيستحيل أن تفنيا، وإلا كان فناؤهما تكذيبا لكتاب الله وسنة نبيه، فإن القرآن الكريم مملوء بالأخبار عن بقائهما إلى الأبد. قال تعالى: وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ [هود:١٠٨] أي غير منقطع إلا إذا شاء الله أن يقطعه، فقوته فوق ذلك، ولكن أخبر أنه لم يشأ أن ينقطع أبدا فيجب تصديق ذلك: ومن أصدق من الله قيلا [النساء:١٢٢]. وقال تعالى: وما هم منها بمخرجين [الحجر:٤٨]، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان:٥٦]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في إثبات هذا المفهوم. وقد جاءت السنة بتأكيد ثبوت وجود الجنة والنار الآن ودوامهما في المستقبل في أحاديث كثيرة كقوله ﷺ : ((من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس)) (١)، وقوله ﷺ : ((ينادي مناد يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا)) (٢).وورد عن ذبح الموت بين الجنة والنار ثم يقال: ((يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)) (٣)، والمذبوح هنا ليس هو ملك الموت كما يظن البعض حاشاه من ذلك، وإنما المذبوح هو الموت نفسه على صورة كبش أملح، لأن الموت مخلوق والحياة مخلوقة كما أخبر الله تعالى. وعن دوام النار يقول الله تعالى: فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة:٨١]، وقال تعالى: خالدين فيها أبدا [النساء:١٦٩]، وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:١٦٧]، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها [فاطر:٣٦] فهذه النصوص تثبت بجلاء دوام الجنة والنار، وأن المنكرين ذلك ليس لهم أي دليل إلا مجرد الاستبعاد وهو ليس بدليل، وإلا ما قاسوه بأخيلتهم الضعيفة، ولئن نازع هؤلاء في دوامهما فقد نازعوا في وجودهما الآن، حيث نفوا ذلك وأصروا على عدم وجودهما الآن بدليل أن الجنة لو كانت موجودة الآن لما ذكر في الأحاديث أن الأعمال الصالحة يغرس لصاحبها شجر في الجنة، ونسوا أن البيت الجميل المتكامل البناء والحسن، لا يمنع أن يزداد فيه من أنواع التحسينات والنقوش والزخرفة ما يزيده جمالا وحسنا. وقد ذكر الله في القرآن الكريم أدلة على وجودهما الآن بما لا يخفى إلا على أهل البدع، فقد قال تعالى عن الجنة: أعدت للمتقين [آل عمران:١٣٣] وقال عن النار كذلك: أعدت للكافرين [البقرة:٢٤]، لقد أعدهما الله تعالى قبل نزول أهلهما فيهما.

стр. 2931

وقد جاء في السنة النبوية ما يؤكد وجودهما الآن كما جاء ما يؤكد بقاءهما أبدا – كما تقدم. ومن الأحاديث التي تؤكد وجودهما الآن ما جاء في حديث الإسراء والمعراج قوله ﷺ : ((ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى. فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) (١).وقوله ﷺ : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)) (٢).وقد أخبر ﷺ بأنه: رأى الجنة وتناول منها عنقودا، وقال لهم ((ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) (٣). إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد وجودهما الآن، إضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم، ولكن أهل البدع لا ينظرون إلى الحق إلا من زاوية هواهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٥٣ - ١١٥٧ ٤ - ومنها نفي أن يكون الله متكلماً بكلام يليق بجلاله قال الأشعري: وزعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم ﵂ وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة وكانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى ﷺ وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وقد قال تعالى: ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [السجدة:١٣] وكلام الله من الله تعالى فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (٤) وقال أيضا: واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق " يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه لما قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون [الأنبياء:٦٢ - ٦٣] فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (٥) وإذا لم يجز أن يكون الله في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما دليل آخر: وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: لمن الملك اليوم [غافر:١٦] وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا فيقول: لله الواحد القهار [غافر:١٦] فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود دليل آخر: وقد قال الله تعالى: وكلم الله موسى تكليما [النساء:١٦٤] والتكليم هو المشافهة بالكلام ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره مخلوقا في شيء سواه كما لا يجوز ذلك في العلم. دليل آخر:

стр. 2932

وقال الله تعالى: قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [الإخلاص:١ - ٤] فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة وكذلك علمه وقدرته. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا دليل آخر: وقد قال الله تعالى: تبارك اسم ربك [الرحمن:٧٨] ولا يقال لمخلوق " تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة وقال: ويبقى وجه ربك [الرحمن:٢٧] فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة دليل آخر: وقد قال الله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط [آل عمران:١٨] ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة وسمعها من نفسه لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات أو بعد كون المخلوقات فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات فلم يسبق شهادته لنفسه بألوهية الخلق وكيف يكون ذلك كذلك؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده وأن يكون واحدا قبل الخلق لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا لأن كلام الله شهادته. دليل آخر: ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن وقد قال الله سبحانه: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى [الأعلى:١ - ٢] ولا يجوز أن يكون اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى مخلوقا كما لا يجوز أن يكون جد ربنا [الجن:٣] مخلوقا قال الله تعالى في سورة الجن: وأنه تعالى جد ربنا [الجن:٣] وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا دليل آخر: وقد قال الله تعالى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى:٥١] فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهمية - مخلوقا في غير الله تعالى وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله وإنما سمعه من شجرة وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي ﵊ أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى ﷺ لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله وموسى سمعه مخلوقا في شجرة ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب المصدر: الإبانة للأشعري - ١/ ٧٠ وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رجل قال: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة وموسى ﵇ سمع من الشجرة لا من الله، وأن الله لم يكلم جبريل بالقرآن وإنما أخذه من اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا؟

стр. 2933

فأجاب: الحمد الله، ليس هذا على الصواب، بل هذا ضال مفتر كاذب باتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله " وكلم الله موسى تكليماً " بل أقر بأن هذا اللفظ حق لكن فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الثنتين والسبعين فرقة. وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى، فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضحوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه. وكان ذلك في زمن التابعين فشكروا ذلك، وأخذ هذه المقالة عنه جهم بن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحور، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية، وهي نفي صفات الله تعالى، فإنهم يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة ولا يكلم عباده، وأنه ليس له علم ولا حياة ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات، ويقولون القرآن مخلوق. ووافق الجهم على ذلك المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد وضموا إليها بدعاً أخرى في القدر وغيره، لكن المعتزلة يقولون أن الله كلم موسى حقيقة وتكلم حقيقة، لكن حقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلاماً في غيره إما في شجرة وإما في هواء وإما في غير ذلك من غير أن يقوم بذات الله عندهم كلام ولا علم ولا قدرة ولا رحمة ولا مشيئة ولا حياة ولا شيء من الصفات. والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول، فيقولون: أن الله لم يكلم موسى تكليماً ولا يتكلم، وتارة لا يظهرون هذا اللفظ لما فيه من الشناعة المخالفة لدين الإسلام واليهود والنصارى، فيقرون باللفظ ولكن يقرنونه بأنه خلق في غيره كلاماً. وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليماً وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ وأن لله علماً وقدرة ونحو ذلك.

стр. 2934

ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة حتى أن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ذكر في كتابه في (شرح أصول السنة) مقالات السلف والأئمة في الأصول ذكر من قال القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: (فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفساً أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة، على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا، لكني اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصراً بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه)، قال: (ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق جعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة، ثم جهم بن صفوان، فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافه هشام بن عبد الملك.) وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب ﵁ من وجهين أنهم قالوا له يوم صفين: حكّمت رجلين؟ فقال: (ما حكمت مخلوقاً ما حكّمت إلا القرآن) (١)،وعن عكرمة قال: (كان ابن عباس في جنازة فلما وضع الميت في لحده قام رجل وقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه، القرآن منه.) (٢) وعن عبد الله بن مسعود قال: (من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين) (٣). وهذا ثابت عن ابن مسعود. وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: (أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود). وفي لفظ (يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.) وقال حرب الكرماني ثنا إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه عن سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار قال: (أدركت الناس منذ سبعين سنة أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله منه خرج وإليه يعود.) وهذا قد رواه عن ابن عيينة إسحاق، وإسحاق إما أن يكون سمعه منه أو من بعض أصحابه عنه. وعن جعفر الصادق بن محمد - وهو مشهور عنه - أنهم سألوه عن القرآن أخالق هو أم مخلوق؟ فقال: (ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله.) وهكذا روى عن الحسن البصري وأيوب السختياني وسليمان التيمي وخلق من التابعين. وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأمثال هؤلاء من الأئمة وكلام هؤلاء الأئمة وأتباعهم في ذلك كثير مشهور بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال القرآن مخلوق وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما ذكروا ذلك عن مالك بن أنس وغيره، ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد وكان من أصحاب ضرار بن عمرو ممن يقول القرآن مخلوق، فلما ناظر الشافعي وقال له القرآن مخلوق، قال له الشافعي: (كفرت بالله العظيم.) ذكره ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، قال كان في كتابي عن الربيع بن سليمان قال: حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب ألا أني أعلم حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد فسأل حفص عبد الله قال: ما تقول في القرآن؟ فأبى أن يجيبه، فسأل يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي، فسأل الشافعي فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة، فقال الشافعي بالحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر حفصاً الفرد، قال الربيع فلقيت حفصاً في المسجد بعد هذا فقال: أراد الشافعي قتلي.

стр. 2935

وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق واستتابته، وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال في أوله: ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني قال فيه: وإن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على نبيه وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأثبتوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه وتوعده حيث قال: سأصليه سقر [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله سقر لمن قال: إن هذا إلا قول البشر [المدثر:٢٥] علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر. وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر، وهو الذي اشتهر بمحنة هؤلاء الجهمية، فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه وأن القرآن مخلوق، حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق ، ودعوا الناس إلى ذلك، وعاقبوا من لم يجبهم إما بالقتل وإما بقطع الرزق وإما بالعزل عن الولاية وإما بالحبس أو بالضرب وكفروا من خالفهم، فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى أظهر الله به باطلهم، ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم، وأذلهم بعد العز وأخملهم بعد الشهرة، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها أن القرآن كلام الله غير مخلوق وإطلاق القول أن من قال أنه مخلوق فقد كفر. وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى فهذه مناقضة لنص القرآن فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإنه أنكر نص القرآن، وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله، والذي يقول القرآن مخلوق فهو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف. قال البخاري في كتاب (خلق الأفعال) قال سفيان الثوري: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر)، قال: وقال عبد الله بن المبارك: من قال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا [طه:١٤] مخلوق فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك)، قال: وقال ابن المبارك: (لا نقول كما قالت الجهمية أنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى)، وقيل له كيف نعرف ربنا؟ قال: (فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه). وقال: (من قال " لا إله إلا الله " مخلوق فهو كافر، وإنا نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية). قال: وقال علي بن عاصم: (ما الذين قالوا أن لله ولداً أكفر من الذين قالوا إن الله لا يتكلم). قال البخاري وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق، وقيل له: سمعت أحداً يقول القرآن مخلوق؟ فقال: هؤلاء الزنادقة. قال: وقال أبو الوليد سمعت يحيى بن سعيد - وذكر له أن قوماً يقولون القرآن مخلوق - فقال: (كيف يصنعون بـ قل هو الله أحد [الإخلاص:١] كيف يصنعون بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]؟) قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: (نظرت في كلام اليهود والمجوس فما رأيت قوماً أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم) قال: وقال سليمان بن داود الهاشمي: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقاً كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال أنا ربكم الأعلى [النازعات:٢٤]؟ وزعموا أن هذا مخلوق والذي قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني [طه:١٤] هذا أيضاً قد ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق.) فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه.

стр. 2936

ومعنى كلام هؤلاء السلف ﵃: إن من قال أن كلام الله مخلوق خلقه في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسؤول عنه، كان حقيقة قوله أن الشجرة هي التي قالت لموسى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه: ١٤] ومن قال هذا مخلوق قال ذلك، فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، كلاهما مخلوق، وكلاهما قال ذلك، فإن كان قول فرعون كفراً فقول هؤلاء أيضاً كفر. ولا ريب أن قول هؤلاء يؤول إلى قول فرعون وإن كانوا لا يفهمون ذلك، فإن فرعون كذب موسى فيما أخبر به: من أن ربه هو الأعلى، وأنه كلمه كما قال تعالى وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً [غافر:٣٦ - ٣٧] وهو قد كذب موسى في أن الله كلمه، ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاماً في غيره صار هو المتكلم به وذلك باطل وضلال من وجوه كثيرة: أحدها أن الله سبحانه أنطق الأشياء كلها نطقاً معتاداً ونطقاً خارجاً عن المعتاد، قال تعالى اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:٦٥] وقال تعالى: حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [فصلت:٢٠ - ٢١]. وقال تعالى: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون [النور:٢٤]. وقد قال تعالى: إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق [ص:١٨] وقد ثبت أن الحصى كان يسبح في يد النبي ﷺ وأن الحجر كان يسلم عليه، وأمثال ذلك من إنطاق الجمادات، فلو كان إذا خلق كلاماً في غيره كان هو المتكلم به كان هذا كله كلام الله تعالى، ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام كما كلم موسى بن عمران، بل قد ثبت أن الله خالق أفعال العباد، فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه فلو كان متكلماً بما خلقه من الكلام لكان كل كلام في الوجود كلامه حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم، وهذا تقوله غلاة الجهمية كابن عربي وأمثاله يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون: إن كلام الآدميين غير مخلوق، فإن كل واحد من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق فأولئك يجعلون الجميع مخلوقاً وأن الجميع كلام الله، وهؤلاء يجعلون الجميع كلام الله وهو غير مخلوق، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية وشيخ المشبهة الحلولية بسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام سلط الله أعداء الدين فإن الله يقول: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:٤٠ - ٤١] وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته؟

стр. 2937

الوجه الثاني أن يقال لهؤلاء الضالين: ما خلقه الله في غيره من الكلام وسائر الصفات فإنما يعود حكمه على ذلك المحل لا على غيره، فإذا خلق الله في بعض الأجسام حركة أو طعماً أو لوناً أو ريحاً كان ذلك الجسم هو المتحرك المتلون المطعوم، وإذا خلق بمحل حياة أو علماً أو قدرة أو إرادة أو كلاماً كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم، فإذا خلق كلاماً في الشجرة أو في غيرها من الأجسام كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام، كما لو خلق فيه إرادة أو حياةً أو علماً، ولا يكون الله هو المتكلم به، كما إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعاً أو بصراً كان ذلك المحل هو الحي به والقادر به والسميع به والبصير به، فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفاً بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة، فلا يكون هو المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات، ولا المصوت بما خلقه في غيره من الأصوات ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه في غيره من الكلام ولا يكون متكلماً بذلك الكلام. الوجه الثالث: أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى، فاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمتنع ثبوت معناها دون معنى المصدر التي هي مشتقة منه، والناس متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام، فلا يكون مريد إلا بإرادة، وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم ولا قادر إلا بقدرة ونحو ذلك. ثم هذه الأسماء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر، فإنما يسمى بالحي من قامت به الحياة، وبالمتحرك من قامت به الحركة، وبالعالم من قام به العلم، وبالقادر من قامت به القدرة، فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات، وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر، وذلك لأن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته، وهذا كما أنه ثابت في الأسماء المشتقة فكذلك في الأفعال مثل تكلم وكلم ويتكلم وعلم ويعلم وسمع ويسمع ورأى ويرى ونحو ذلك سواء، قيل أن الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل، لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر، فإذا قيل كلم أو علم أو تكلم أو تعلم ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم، وكذلك التعلم والتكلم، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم والتكلم والتعلم، فإذا قيل: تكلم فلان أو كلم فلان فلاناً ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: وكلم الله موسى تكليماً [النساء:١٦٤] وقوله: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات [البقرة:٢٥٣] وقوله: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف:١٤٣] يقتضي أن الله هو المكلم، فكما يمتنع أن يقال: هو المتكلم بكلام قائم بغيره يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره فهذه ثلاثة أوجه: أحدها أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلاماً له إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلاماً ولو في غيره كان متكلماً به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلولا قائماً يدل لكونه خلق صوتاً في محل والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام. الثاني: أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمه إلى ذلك المحل ولا يعود حكمه إلى غيره.

стр. 2938

الثالث: أنه مشتق المصدر منه اسم الفاعل والصفة المشبهة به ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف والأئمة أن من قال أن الله خلق كلاماً في غيره لزمه أن يكون حكم التكلم عائداً إلى ذلك المحل لا إلى الله. الرابع: أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال تكليماً، قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز، لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولاً أو كتب إليه كتاباً بل كلمه منه إليه. والخامس: أن الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً [الشورى:٥١] الآية، فكان تكليم موسى من وراء الحجاب، وقال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي [الأعراف:١٤٤] وقال إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٣ - ١٦٤] , والوحي هو ما نزله الله على قلوب الأنبياء بلا واسطة فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء أفضل منه، لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة، وموسى إنما عرفه بواسطة، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين. ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء وأنه يقتضي تعطيل الرسالة فإن الرسل إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله، بل يقتضي تعطيل التوحيد، فإن من لا يتكلم ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات، بل من لا تقوم به الصفات فهو عدم محض إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص. فكان قول هؤلاء مضاهياً لقول المتفلسفة الدهرية الذين يجعلون وجود الرب وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق لا صفة له، وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن، وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضاً حقيقة تكليمه لموسى ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء وحقيقة قولهم أن القرآن قول البشر لكنه صدر عن نفس صافية شريفة، وإذا كانت المعتزلة خيراً من هؤلاء وقد كفر السلف من يقول بقولهم فكيف هؤلاء؟ وكلام السلف والأئمة في مثل هؤلاء لا يحصى قال حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقاً؟ ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو الكفر المحض الواضح لم يزل الله عالماً متكلماً له المشيئة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر.

стр. 2939

وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئاً من الله مخلوق، فقيل له: من أين قلت هذا؟ قال: لأن الله يقول ولكن حق القول مني [السجدة:١٣] ولا يكون من الله شيء مخلوق، وهذا القول قاله غير واحد من السلف. وقال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله ليس ببائن منه، وهذا معنى قول السلف القرآن كلام الله منه بدأ ومنه خرج وإليه يعود كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال قال رسول الله ﷺ : ((إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) (١) يعني القرآن. وقد روي عن أبي أمامة مرفوعاً. وقال أبو بكر الصديق لأصحاب مسيلمة الكذاب، لما سمع قرآن مسيلمة: (ويحكم أين يذهب بعقولكم؟ إن هذا كلاماً لم يخرج من إلٍ) (٢) أي من رب. وليس معنى قول السلف والأئمة: أنه منه خرج ومنه بدأ، أنه فارق ذاته وحل بغيره فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله؟ قال تعالى: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً [الكهف:٥] فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم ومع هذا فلم تفارق ذاتهم. وأيضاً فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق، والناس إذا سمعوا كلام النبي ﷺ ثم بلغوه عنه كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله ﷺ وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم فالقرآن أولى بذلك، فالكلام كلام البارئ والصوت صوت القارئ قال تعالى: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة:٦]. وقال ﷺ : ((زينوا القرآن بأصواتكم)) (٣). ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون كلامه لموسى خرج من الشجرة، فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج وذكروا قوله وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:١٣] فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات.

стр. 2940

ومن هي لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عيناً يقوم بنفسه لم يكن صفة لله كقوله وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه [الجاثية:١٣] وقوله في المسيح وروح منه [النساء:١٧١] وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله وما بكم من نعمة فمن الله [النحل:٥٣] وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله ولكن حق القول مني [السجدة:١٣] وكذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن أن القرآن نزل منه وأنه نزل به جبريل منه رداً على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ممن يقول أنه لم ينزل منه قال تعالى: قل أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام:١١٤] وقال تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق [النحل:١٠٢] وروح القدس هو جبريل، كم قال في الآية الأخرى نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء:١٩٣] وقال: من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [البقرة:٩٧] وقال هنا نزله روح القدس من ربك [النحل:١٠٢] فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواء ولا من لوح ولا غير ذلك، وكذلك سائر آيات القرآن كقوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الزمر:١] وقوله حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم [غافر:١ - ٢] وقوله حم، تنزيل من الرحمن الرحيم [فصلت:١ - ٢] وقوله الم، تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [البقرة:١ - ٢] وقوله يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة:٦٧] فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله، فمن قال أنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح والهواء فهو مفتر على الله مكذب لكتاب الله متبع لغير سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزل وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأن قال وأنزل من السماء ماء [البقرة:٢٢] فذكر المطر في غير وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله: وأنزلنا الحديد [الحديد:٢٥] لأن الحديد ينزل من رؤوس الجبال لا ينزل من السماء، وكذلك الحيوان فإن الذكر ينزل الماء في الإناث، فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد، لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة وأنزلها مكتوبة فيكون بنو إسرائيل قد أقروا الألواح التي كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد ﷺ ، ومحمد أخذه عن جبريل وجبريل عن اللوح، فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد ﷺ على قول هؤلاء الجهمية، والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد ﵌ أنه أنزل عليهم كتاباً لا يغسله الماء وإنه أنزله عليهم تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك، فقال: وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً [الإسراء:١٠٦] وقال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً [الفرقان:٣٢].

стр. 2941

ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوباً كانت العبارة عبارة جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلاماً ولم يقدر أن يتكلم به وهذا خلاف دين المسلمين. وإن احتج محتج بقوله إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند العرش مكين [التكوير:١٩ - ٢٠] قيل له فقد قال في الآية الأخرى إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون [الحاقة:٤٠ - ٤٢] فالرسول في هذه الآية محمد ﷺ والرسول في الأخرى جبريل، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض الخبران، فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال لقول رسول ولم يقل ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه كما قال يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة:٦٧] فكان النبي ﷺ يعرض على الناس في الموسم ويقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) (١) ولما أنزل الله الم غلبت الروم [الروم:١] خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: (ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله.) (٢) وإن احتج بقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث [الأنبياء:٢] قيل له هذه الآية حجة عليك، فإنه لما قال مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء:٢] علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاماً حلالاً ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ولكنه الذي أنزل جديداً، فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال كالعرجون القديم [يس:٣٩] وقال تالله إنك لفي ضلالك القديم [يوسف:٩٥] وقال وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم [الأحقاف:١١] وقال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون [الشعراء:٧٦] وكذلك قوله جعلناه قرآناً عربياً [الزخرف:٣] لم يقل جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال جعلناه قرآناً عربياً أي صيرناه عربياً لأنه قد كان قادراً على أن ينزله عجمياً، فلما أنزله عربياً كان قد جعله عربياً دون عجمي. وهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٢١٧ ٥ - وأن الإيمان هو المعرفة بالله.

стр. 2942

فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح المصدر: مقالات الإسلاميين للأشعري - ١/ ١٣٢ فقالت الجهمية الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسان، ولا إقرار بنبوة، ولا شيء من أداء الفرائض. هذا مذهب الجهمية إذن ما هو مذهب الجهمية في الإيمان؟ معرفة الله بالقلب، قالوا: من عرف ربه بقلبه، فهو مؤمن، ولو لم ينطق بلسانه، ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ولو لم يعمل شيئا، لا صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، يكفي المعرفة، ولو لم يقر بنبوة النبي ﷺ ، ولو لم يفعل شيئا من الفرائض، لا صلاة ولا زكاة، هذا أخبث المذاهب، وأفسد مذهب قيل في تعريف الإيمان: مذهب الجهمية وسبق أن المؤلف ﵀ ألزم الجهمية بأن إبليس يكون مؤمنا على هذا، إبليس يعرف ربه بقلبه أو ما يعرف؟ يعرف، أيش الدليل أنه أخبر هو قَالَ رَبِّ يعني: عرف ربه قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:٣٦] إذن إبليس يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو غير مؤمن؟ مؤمن وفرعون يعرف ربه -الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] يعرف ربه بقلبه ولّا ما يعرف؟ يعرف، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:١٤] يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو كافر؟ مؤمن. واليهود مؤمنون على مذهب الجهم ولّا كفار؟ مؤمنون، الدليل؟ قال الله تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:١٤٦] يعرفون وجود من؟ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٤٦] أبو طالب ثبت في صحيح البخاري أنه مات على الشرك، يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو غير مؤمن؟ مؤمن، الدليل؟ قول أبي طالب في قصيدته: العلم أين يكون؟ بالقلب. ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سُبَّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا فتبين بهذا أن مذهب الجهم في الإيمان أفسد مذهب، وأخبث مذهب، وأن رءوس الكفر يدخلون في الإيمان على مذهبهم -نعوذ بالله-، يدخلون في الإيمان إبليس وفرعون واليهود والوثنينون وأبو طالب كلهم يدخلون في الإيمان على مذهب الجهم -نعوذ بالله-. نعم. المصدر: الموقع الرسمي للشيخ عبدالعزيز الراجحي ٦ - نفي أن يكون الله تعالى في جهة العلو. قال شيخ الإسلام: قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم.

стр. 2943

والقول الثالث: قول حلولية الجهمية الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان كما تقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن العبادة تتضمن القصد والطلب والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن القلب يتطلب موجوداً فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٣٥ وقال أيضا: الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٨٣ وقال أيضا: وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء. وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله. رواه ابن أبي حاتم ورواه هو وغيره بأسانيد ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى بخلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي. وقال سعيد بن عامر الضبعي - وذكر عنده الجهمية فقال - هم شر قول من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين أن الله على العرش وقالوا هم: ليس عليه شيء. وقال يحيى بن عثمان في

стр. 2944

الفصل السادس: الحكم على الجهمية يتورع السلف كثيرا عن إكفار أي جماعة أو شخص، ويرهبون إطلاق التكفير، فلا يتسرعوا فيه كما تفعل الفرق المبطلة في تكفير الناس أو في تكفير بعضهم بعضا أيضا، إلا أن السلف لا يتورعون عن إطلاق كلمة الكفر على من جاءت النصوص بتكفيرهم أو بتسميتهم كفارا، عملا بالنصوص ووقوفا عند مفهومها الصحيح. ومن هنا تجد أن السلف حينما يطلقون الكفر على فرد أو جماعة لهم ضوابط قوية ودرجات في التكفير، من لا يفطن لها وقع – ولابد – في الخطأ سواء أكان خطأ شرعيا أم خطأ في مفهومه للتكفير عند السلف. ولهذا نجد أن كثير من العلماء يقعون في الخطأ حينما يحكون مذاهب السلف وهم على غير دراية كافية بمفاهيمهم ومصطلحاتهم. أما بالنسبة لتكفير الجهمية بخصوصهم، فإنك ستجد أيها القارئ الكريم أن كلام الناس مختلف في إطلاق الكفر على الجهمية، فهناك من يهاجمهم ويحكم بكفرهم ويسوق المبررات لذلك، وهناك من يدافع عنهم ويأتي أيضا بمبررات. ولقد ذهب كثير من علماء السلف إلى تكفير الجهمية وإخراجهم من أهل القبلة، ومن هؤلاء الإمام الدارمي أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، فقد جعل في كتابه – (كتاب الرد على الجهمية) (١) – بابا سماه باب الاحتجاج في إكفار الجهمية "، وبابا آخر سماه " باب قتل الزنادقة والجهمية واستتابتهم من كفرهم ". وأورد تحت هذين البابين أدلة كثيرة من الكتاب الكريم ومن السنة النبوية، ومن الآثار وأقوال العلماء ما يطول ذكره، وحاصلة أن الجهمية كفار للأمور الآتية: بدلالة القرآن الكريم، حيث أخبر عن قريش قالوا عن القرآن: إن هذا إلا قول البشر [المدثر:٢٥] أي مخلوق، وهو نفسه قول الجهم بخلقه، ثم أورد كثيرا من الآيات في هذا. ومن الأثر ما ورد عن علي وابن عباس في قتلهم الزنادقة، لقول الرسول ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٢)، والجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا منهم. قال الدارمي: " ونكفرهم أيضا بكفر مشهور "، ثم ذكر من ذلك قولهم بخلق القرآن، وتكذيبهم لما أخبر الله تعالى أنه يتكلم متى شاء وكلم موسى تكليما، وهؤلاء ينفون عنه صفة الكلام فيجعلونه بمنزله الأصنام التي لا تتكلم، ثم بكفرهم في عدم إثباتهم لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات: كالوجه والسمع والبصر والعلم والكلام. وبكفرهم في أنهم لا يدرون أين الله تعالى ولا يصفونه بأين ولا يثبتون له مطلق الفوقية الثابتة بالنصوص الصريحة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ". كما أورد الدارمي جملة من أسماء الذين حكموا بكفر الجهمية صراحة، ومنهم: سلام بن أبي مطيع، وحماد بن زيد، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، ووكيع، وحماد بن أبي سليمان، ويحيى بن يحيى، وأبو توبة الربيع ابن نافع، ومالك بن أنس. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٥٨ وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله ابن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحاً وقل إن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية - ١/ ٨٦ أما الجهمية فأهل السنة جميعا على أنهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، ليسوا من فرق الأمة. المصدر: شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ -

стр. 2945

الفصل السابع: هل توجد آراء الجهمية في وقتنا الحاضر ؟ لقد كان لهذه الطائفة التي قامت على مبدأ التعطيل والجبر صولة وجولة في تاريخ الأمة الإسلامية، ولقد تمكنوا وعلا شأنهم وقتاً من الزمن، واهتم علماء الفرق وأصحاب التاريخ والعقائد بأخبارهم وبيان عقائدهم وذكر أشهر رجالاتهم. وآراء هذه الطائفة لا تزال في بعض المجتمعات، ولا يزال الخصام بينهم وبين أهل الحق قائماً على أشده، كما كان سابقاً في الزمن القديم حتى وإن اختلفت المسميات في بعض الأحيان، خصوصاً بعد ظهور العصريين الجدد بمفاهيمهم الباطلة، الذين لم يقفوا عند حد في إثارة كل ما يمت إلى هواهم ولو بأدنى صلة، فهم جادون في إحياء تلك المفاهيم الجهمية الباطلة باسم التجديد حيناً والتطور أحياناً أخرى. فمثلاً الاكتفاء بمعرفة وجود الله عن العمل، أو الاعتقاد بعدم وجود الجنة الآن، وكذا النار، أو قولهم أو زعم أن الله لا يوصف بوصف، أو ليس في جهة. وغير ذلك من الآراء التي يعتقدها بعض الناس اليوم هي نفسها آراء الجهمية قديماً. وإذا كان المثال للانفلات من الالتزام بالعقيدة الصحيحة والسير لهدمها تحت شعارات براقة في دعوى التجديد والتطوير، وأحياناً في صورة تمجيد للعقل والعلم أو التراث مما اهتم به كثير من الكتاب والكاتبات قديماً وحديثاً؛ فإنه يتوجب على كل طالب علم أن يحذر هؤلاء ويحذر منهم، وألا يركن إلى كتاباتهم، بل ولا ينبغي الاهتمام بقراءة كتبهم قبل أن يطلع على ما عندهم من الباطل؛ فإن تلك الكتب مملوءة بالدس والانحراف تحت زخرف من القول. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٢٩
следующие страницы →