← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوباً كانت العبارة عبارة جبريل وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلاماً ولم يقدر أن يتكلم به وهذا خلاف دين المسلمين. وإن احتج محتج بقوله إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند العرش مكين [التكوير:١٩ - ٢٠] قيل له فقد قال في الآية الأخرى إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون [الحاقة:٤٠ - ٤٢] فالرسول في هذه الآية محمد ﷺ والرسول في الأخرى جبريل، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض الخبران، فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال لقول رسول ولم يقل ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه كما قال يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة:٦٧] فكان النبي ﷺ يعرض على الناس في الموسم ويقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) (١) ولما أنزل الله الم غلبت الروم [الروم:١] خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: (ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله.) (٢) وإن احتج بقوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث [الأنبياء:٢] قيل له هذه الآية حجة عليك، فإنه لما قال مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ [الأنبياء:٢] علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره، كما لو قال ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاماً حلالاً ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ولكنه الذي أنزل جديداً، فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال كالعرجون القديم [يس:٣٩] وقال تالله إنك لفي ضلالك القديم [يوسف:٩٥] وقال وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم [الأحقاف:١١] وقال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون [الشعراء:٧٦] وكذلك قوله جعلناه قرآناً عربياً [الزخرف:٣] لم يقل جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال جعلناه قرآناً عربياً أي صيرناه عربياً لأنه قد كان قادراً على أن ينزله عجمياً، فلما أنزله عربياً كان قد جعله عربياً دون عجمي. وهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٢١٧ ٥ - وأن الإيمان هو المعرفة بالله.

стр. 2942

فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح فليس بإيمان وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح المصدر: مقالات الإسلاميين للأشعري - ١/ ١٣٢ فقالت الجهمية الإيمان معرفة الله بالقلب، وإن لم يكن معها شهادة لسان، ولا إقرار بنبوة، ولا شيء من أداء الفرائض. هذا مذهب الجهمية إذن ما هو مذهب الجهمية في الإيمان؟ معرفة الله بالقلب، قالوا: من عرف ربه بقلبه، فهو مؤمن، ولو لم ينطق بلسانه، ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ولو لم يعمل شيئا، لا صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، يكفي المعرفة، ولو لم يقر بنبوة النبي ﷺ ، ولو لم يفعل شيئا من الفرائض، لا صلاة ولا زكاة، هذا أخبث المذاهب، وأفسد مذهب قيل في تعريف الإيمان: مذهب الجهمية وسبق أن المؤلف ﵀ ألزم الجهمية بأن إبليس يكون مؤمنا على هذا، إبليس يعرف ربه بقلبه أو ما يعرف؟ يعرف، أيش الدليل أنه أخبر هو قَالَ رَبِّ يعني: عرف ربه قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:٣٦] إذن إبليس يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو غير مؤمن؟ مؤمن وفرعون يعرف ربه -الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:٢٤] يعرف ربه بقلبه ولّا ما يعرف؟ يعرف، قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:١٤] يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو كافر؟ مؤمن. واليهود مؤمنون على مذهب الجهم ولّا كفار؟ مؤمنون، الدليل؟ قال الله تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:١٤٦] يعرفون وجود من؟ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:١٤٦] أبو طالب ثبت في صحيح البخاري أنه مات على الشرك، يكون مؤمنا على مذهب الجهم أو غير مؤمن؟ مؤمن، الدليل؟ قول أبي طالب في قصيدته: العلم أين يكون؟ بالقلب. ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سُبَّة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا فتبين بهذا أن مذهب الجهم في الإيمان أفسد مذهب، وأخبث مذهب، وأن رءوس الكفر يدخلون في الإيمان على مذهبهم -نعوذ بالله-، يدخلون في الإيمان إبليس وفرعون واليهود والوثنينون وأبو طالب كلهم يدخلون في الإيمان على مذهب الجهم -نعوذ بالله-. نعم. المصدر: الموقع الرسمي للشيخ عبدالعزيز الراجحي ٦ - نفي أن يكون الله تعالى في جهة العلو. قال شيخ الإسلام: قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له، فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم.

стр. 2943

والقول الثالث: قول حلولية الجهمية الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان كما تقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم، والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً، ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن العبادة تتضمن القصد والطلب والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم، فإن القلب يتطلب موجوداً فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٣٥ وقال أيضا: الحلول المطلق: وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية – ١/ ٨٣ وقال أيضا: وقال رجل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن قد خفت الله من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء. وقال جرير بن عبد الحميد: كلام الجهمية أوله شهد وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله. رواه ابن أبي حاتم ورواه هو وغيره بأسانيد ثابتة عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى بن عمران، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وقال يزيد بن هارون: من زعم أن الله على العرش استوى بخلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي. وقال سعيد بن عامر الضبعي - وذكر عنده الجهمية فقال - هم شر قول من اليهود والنصارى، قد أجمع أهل الأديان مع المسلمين أن الله على العرش وقالوا هم: ليس عليه شيء. وقال يحيى بن عثمان في

стр. 2944

الفصل السادس: الحكم على الجهمية يتورع السلف كثيرا عن إكفار أي جماعة أو شخص، ويرهبون إطلاق التكفير، فلا يتسرعوا فيه كما تفعل الفرق المبطلة في تكفير الناس أو في تكفير بعضهم بعضا أيضا، إلا أن السلف لا يتورعون عن إطلاق كلمة الكفر على من جاءت النصوص بتكفيرهم أو بتسميتهم كفارا، عملا بالنصوص ووقوفا عند مفهومها الصحيح. ومن هنا تجد أن السلف حينما يطلقون الكفر على فرد أو جماعة لهم ضوابط قوية ودرجات في التكفير، من لا يفطن لها وقع – ولابد – في الخطأ سواء أكان خطأ شرعيا أم خطأ في مفهومه للتكفير عند السلف. ولهذا نجد أن كثير من العلماء يقعون في الخطأ حينما يحكون مذاهب السلف وهم على غير دراية كافية بمفاهيمهم ومصطلحاتهم. أما بالنسبة لتكفير الجهمية بخصوصهم، فإنك ستجد أيها القارئ الكريم أن كلام الناس مختلف في إطلاق الكفر على الجهمية، فهناك من يهاجمهم ويحكم بكفرهم ويسوق المبررات لذلك، وهناك من يدافع عنهم ويأتي أيضا بمبررات. ولقد ذهب كثير من علماء السلف إلى تكفير الجهمية وإخراجهم من أهل القبلة، ومن هؤلاء الإمام الدارمي أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، فقد جعل في كتابه – (كتاب الرد على الجهمية) (١) – بابا سماه باب الاحتجاج في إكفار الجهمية "، وبابا آخر سماه " باب قتل الزنادقة والجهمية واستتابتهم من كفرهم ". وأورد تحت هذين البابين أدلة كثيرة من الكتاب الكريم ومن السنة النبوية، ومن الآثار وأقوال العلماء ما يطول ذكره، وحاصلة أن الجهمية كفار للأمور الآتية: بدلالة القرآن الكريم، حيث أخبر عن قريش قالوا عن القرآن: إن هذا إلا قول البشر [المدثر:٢٥] أي مخلوق، وهو نفسه قول الجهم بخلقه، ثم أورد كثيرا من الآيات في هذا. ومن الأثر ما ورد عن علي وابن عباس في قتلهم الزنادقة، لقول الرسول ﷺ : ((من بدل دينه فاقتلوه)) (٢)، والجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا منهم. قال الدارمي: " ونكفرهم أيضا بكفر مشهور "، ثم ذكر من ذلك قولهم بخلق القرآن، وتكذيبهم لما أخبر الله تعالى أنه يتكلم متى شاء وكلم موسى تكليما، وهؤلاء ينفون عنه صفة الكلام فيجعلونه بمنزله الأصنام التي لا تتكلم، ثم بكفرهم في عدم إثباتهم لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات: كالوجه والسمع والبصر والعلم والكلام. وبكفرهم في أنهم لا يدرون أين الله تعالى ولا يصفونه بأين ولا يثبتون له مطلق الفوقية الثابتة بالنصوص الصريحة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ". كما أورد الدارمي جملة من أسماء الذين حكموا بكفر الجهمية صراحة، ومنهم: سلام بن أبي مطيع، وحماد بن زيد، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، ووكيع، وحماد بن أبي سليمان، ويحيى بن يحيى، وأبو توبة الربيع ابن نافع، ومالك بن أنس. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٥٨ وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله ابن المبارك والبخاري وغيرهما وإنما كانوا يلوحون تلويحاً وقل إن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان. وهذا كما قال بعض الناس: متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتعبدة الجهمية يعبدون كل شيء، وذلك لأن متكلمهم ليس في قلبه تأله ولا تعبد فهو يصف ربه بصفات العدم والموات. المصدر: جامع الرسائل لابن تيمية - ١/ ٨٦ أما الجهمية فأهل السنة جميعا على أنهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة، ليسوا من فرق الأمة. المصدر: شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ -

стр. 2945

الفصل السابع: هل توجد آراء الجهمية في وقتنا الحاضر ؟ لقد كان لهذه الطائفة التي قامت على مبدأ التعطيل والجبر صولة وجولة في تاريخ الأمة الإسلامية، ولقد تمكنوا وعلا شأنهم وقتاً من الزمن، واهتم علماء الفرق وأصحاب التاريخ والعقائد بأخبارهم وبيان عقائدهم وذكر أشهر رجالاتهم. وآراء هذه الطائفة لا تزال في بعض المجتمعات، ولا يزال الخصام بينهم وبين أهل الحق قائماً على أشده، كما كان سابقاً في الزمن القديم حتى وإن اختلفت المسميات في بعض الأحيان، خصوصاً بعد ظهور العصريين الجدد بمفاهيمهم الباطلة، الذين لم يقفوا عند حد في إثارة كل ما يمت إلى هواهم ولو بأدنى صلة، فهم جادون في إحياء تلك المفاهيم الجهمية الباطلة باسم التجديد حيناً والتطور أحياناً أخرى. فمثلاً الاكتفاء بمعرفة وجود الله عن العمل، أو الاعتقاد بعدم وجود الجنة الآن، وكذا النار، أو قولهم أو زعم أن الله لا يوصف بوصف، أو ليس في جهة. وغير ذلك من الآراء التي يعتقدها بعض الناس اليوم هي نفسها آراء الجهمية قديماً. وإذا كان المثال للانفلات من الالتزام بالعقيدة الصحيحة والسير لهدمها تحت شعارات براقة في دعوى التجديد والتطوير، وأحياناً في صورة تمجيد للعقل والعلم أو التراث مما اهتم به كثير من الكتاب والكاتبات قديماً وحديثاً؛ فإنه يتوجب على كل طالب علم أن يحذر هؤلاء ويحذر منهم، وألا يركن إلى كتاباتهم، بل ولا ينبغي الاهتمام بقراءة كتبهم قبل أن يطلع على ما عندهم من الباطل؛ فإن تلك الكتب مملوءة بالدس والانحراف تحت زخرف من القول. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١١٢٩

стр. 2946

الفصل الأول: التمهيد الصوفية التي نبحثها هنا هي الصوفية التي خرجت عن الحق إلى الغلو متأثرة بشتى الأفكار المنحرفة التي هي في الواقع أفكار بدعية طرأت على المسلمين في غياب الوعي الإسلامي, وبروز الجهل, وعلماء السوء المغرمين بالخرافات وحب الزعامة, وهي ذات مفاهيم خاطئة مضطربة تأثرت بمسالك منحرفة, وبالغت فيها إلى حد الهوس والاضطراب الفكري الشنيع ......... ولقد جرأ أصحاب هذه الطريقة الصوفية على القول على الله بغير علم, كما كذبوا وأكثروا على رسوله ﷺ لتقوية مبادئهم الكثيرة وتأييدها, وبالغوا في الكذب وزخرف القول, وتفننوا في الطرق والآراء حتى ليخيل للشخص أنهم على شيء وهم في فراغ وجهل شديد. وطرقوا مسائل ليست من الإسلام في شيء, ولم يقل بها أحد من المسلمين, وأظهروا بزخرفهم أنها من الإسلام بما قدموه من تقليب الأدلة, وإثارة الشبهة, والتفنن في الاستدلال والجواب، وقالوا بوحدة الوجود, والحلول والاتحاد, ووحدة الشهود، والكشف, والقطب, والغوث، وغير ذلك من الأمور التي طرقها كبار دعاتهم، مثل: الحلاج, وابن عربي, وابن الفارض والبسطامي, والجيلي، وغيرهم ممن لبس عليهم إبليس فقالوا بوجود الله تعالى في كل شيء، حتى صار في عرف غلاتهم أن من لا يعتقد اتصاف الخلق بأوصاف الخالق، لا يمكن أن يعد صوفياً وولياً من أولياء الله، كما ذكر الأستاذ إحسان إلهي ذلك عنهم. وهكذا أصبح المذهب الصوفي بعد أن لبس إبليس على أتباعه خليطاً من شتى الأفكار والآراء المنحرفة، حيث يظهر فيه جلياً غلو الشيعة, ومبادئ الباطنية, وآراء المسيحية والهندوكية والبوذية، وغير ذلك من الديانات والفلسفيات القديمة, كالأفلاطونية, والأفلوطينية, وسائر ما قال به علماء اليونان. وقد قامت الدعوة للصوفية وإظهار شأنها من جديد في هذا العصر على نطاق واسع بسبب عوامل عدة: منها: جهل كثير من المسلمين بحقيقة دينهم ثم الجهل بحقيقة الصوفية كذلك. ومنها: مساعدة أعداء الإسلام على نشر الصوفية، لأنهم يعرفون المكاسب التي سيجنون ثمارها إذا علا سلطان الصوفية, وفشا الجهل, وانتشرت الخرافات الصوفية وخزعبلاتها, وتأثروا بآرائها السلبية في مفهوم الجهاد في سبيل الله, وفي مفهوم وحدة الأديان التابعة لمفهوم وحدة الوجود. وأعداء الإسلام هنا فريقان: فريق عداوته ظاهرة: وهم المستعمرون ومن يبيتون النية لهدم الإسلام وتشتيت كلمة المسلمين، وقد استفاد هؤلاء من أفكار الصوفية كثيراً حين نام المسلمون على دعوى الزهد والإقبال على الآخرة بغير بينة، والتمسح بصور الأولياء, وطلب البركة والنصر منهم في حياتهم وبعد موتهم أيضاً، والعكوف على قبورهم. وفريق آخر متلبسون باسم الدين, ويحكمون كثيراً من ديار المسلمين؛ وهؤلاء يساعدون الصوفية خوفاً من عودة الوعي الإسلامي السلفي الذي يصطدم مع ميول ورغبات هؤلاء وشهواتهم. لأجل هذا ولغيره كان التنبيه .... إلى خطر هذا المذهب الرديء واجباً يحتمه النصح لكل مسلم يحب حماية نفسه ودينه من الانزلاق في خضم الأفكار المبثوثة بين صفوف المسلمين، والتي كان من نتيجتها زيادة الكوارث والخبال الذي حل بديار المسلمين حين ابتعدوا عن المنهج الحق الذي شرعه الله لعباده. ولقد فرح أعداء الإسلام بانتشار الصوفية التي مهدت لهم السبيل بدعوى الزهد والتقشف, والابتعاد عن المظاهر, وعن منازعة الحكام, والرضا بأفعالهم؛ فعاش المسلمون على هامش الحياة بعد أن خدرت الصوفية أعصابهم بترهاتها وخزعبلاتها التي تنافي العقل السليم والدين الإسلامي الحنيف في كثير من مبادئها وطقوسها المختلفة ونظرتها إلي الحياة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي – بتصرف – ٣/ ٨٦١

стр. 2947

المبحث الأول: الصوفية والتصوف لغةً ١ - تعريف الصوفية والتصوف في اللغة: - ورد في الصحاح أن الصوف للشاة، ويقال كبش صاف أي كثير الصوف. - وصاف السهم عن الهدف مال وعدل، والمضارع منه يصوف ويصيف. - ويرى صاحب (المصباح المنير) أن كلمة صوفية كلمة مولدة لا يشهد لها قياس ولا اشتقاق في اللغة العربية. وعلى هذا تكون كلمة تصوف مبتدعة محدثة وغير معروفة عند العرب الأوائل ولا في عصر الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين. ٢ - أصل كلمة صوفية واشتقاقها: إن الذين تحدثوا عن التصوف والصوفية اختلفوا في أصل الكلمة واشتقاقها وكذلك اختلفوا في نسبة الصوفية اختلافاً كبيراً، وإن المؤيدين والمعارضين للتصوف لم يتفقوا على نسبة للتصوف، كما أن الصوفيين أنفسهم لم يتفقوا على شيءٍ من ذلك، وأحاول جاهداً ذكر أقوالهم في ذلك وأدلتهم والاعتراضات على ذلك. ١ - ذهب الكلاباذي إلى أن أصل الصوفية ينتسبون إلى الصفاء وأنهم سموا صوفية لصفاء أسرارهم وشرح صدورهم وضياء قلوبهم. والذي ذهب إلى ذلك نظر إلى حال الصوفية الأوائل ولم ينظر إلى الاشتقاق اللغوي لذلك يرى القشيري أن هذه النسبة غير صحيحة لغة لأننا لو نسبنا أحداً إلى الصفاء لقلنا صفائي. كما أن صفاء القلوب ونقائها ومعرفة الباطن لا يعلمه إلا الله ، وادعاء الصوفية ذلك تزكية لأنفسهم والله يقول فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:٣٢] وخيار الناس من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم لم يكن أحدهم ليزكي نفسه بل كان يعمل العمل ويسأل الله القبول ويخشى عدم القبول. وقد قال زكي مبارك إن نسبة التصوف إلى الصفاء ليس إلا حذلقة من بعض الصوفية. ٢ - وقال آخرون إن الصوفية نسبة إلى أهل الصفة وهم جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينزلون في مكان خلف الحجرات في المسجد النبوي وعرف المكان باسمهم وكانوا متفرغين للعبادة وللمجاورة وهم فقراء المهاجرين الذين ليس لهم مأوى. وهذا الكلام لا يستقيم بالنظر إلى الاشتقاق اللغوي لأن النسبة إلى أهل الصُفَّة صُفي وليس صوفي. ثم إن مكان أهل الصفة لم يكن مخصصاً للعبادة بل كانوا يذهبون للعبادة والصلاة في المسجد مع رسول الله ﷺ ، وكان النزلاء ينزلون فيه حيث لا مأوى لهم ولا عمل يرتزقون منه فكان أحدهم إذا وجد عملاً وبيتاً وزوجةً ترك مكان الصفة وذهب إلى عمله وهو ليس خاصاً بأحد بل هو مكان لعامة المسلمين وآحادهم. ولم يكن انتسابهم إليه شرفاً لذلك كانوا يزيدون وينقصون وكان بعضهم لا يطول مقامه فيه بل بحسب ما يتيسر له العمل والبيت. وكان رسول الله ﷺ يرسل إليهم بما يكون عنده من طعام. وادعاء بعض المتصوفة أن اشتقاق التسمية من صُفَّة المسجد إنما يهدف إلى ربط نشأة التصوف بعهد النبي ﷺ وكأن النبي قد أقرهم على منهجهم في الاعتزال والتجرد والتواكل وهذا مخالف لسنته ﷺ في التوكل والجد والاجتهاد وطلب الرزق، وسنته وتعاليمه خير شاهد على ذلك. ٣ - وقيل إن التصوف نسبة إلى الاتصاف بالصفات الحميدة وترك الصفات الذميمة ويرى عبد الله الأمين أن هذه النسبة لم تلق من الاستحسان، فضلاً عن عدم الاستقامة العلمية ما حصرها في نطاق الرأي الضعيف الذي لم ينظر إليه تاريخياً. والنسبة إلى الصفات ليس صوفي بل صفاتي، والصفاتية المراد بها مثبتةُ الصفات فالبعض يطلقها على المشبهة ويطلقها المؤولة والنفاة على كل من أثبت الصفات بما فيهم السلف الصالح.

стр. 2948

٤ - نسبة الصوفية إلى " سوفيا " اليونانية ومعناها الحكمة، والقائلين بذلك حجتهم أن القوم كانوا طالبين للحكمة حريصين عليها فأطلقت عليهم الكلمة وعربت أو حرفت فأصبحت صوفية وصوفي. وأكد البيروني هذه النسبة لأن فكرة القول بالوحدة ظهرت فيهم وردَّ هذا القول زكي مبارك في كتابه (التصوف الإسلامي).وأكد محمود عبد الرؤوف القاسم على هذه النسبة بالنظر إلى المعتقدات الفلسفية التي يعتقدها الصوفية. ومن حيث ظهورها في زمن الترجمة في نهاية القرن الثاني والقرن الثالث الهجريين. وإنها نشأت في العراق بلد الترجمة وفي زمنها وهو الزمن الذي تفشت فيه الكلمات اليونانية واستعملت في مختلف الفنون. ولكن الصوفية أنفسهم لا يقبلون أن ينسبوا إلى اليونان لما يجعل للخصوم عليهم سبيلاً حيث ينسبونهم إلى الفكر اليوناني القديم بما فيه من ضلالات وانحرافات. ولأن الكلمة اليونانية " سوفيا " قصد بها فلاسفة اليونان المنهج الذي قوامه البحث النظري المجرد في الوجود للوقوف على حقائقه ومهيته مما لا يتصل بالسلوك العملي إلا قليل، أما التصوف الإسلامي فإنه ذو طابع عملي. ٥ - وقيل نسبة إلى الصوفانة وهي نبات أي بقلة زغباء قصيرة صحراوية وذلك لاكتفائهم بالقليل من الطعام ولو من نبات الصحراء وهذا غير سليم بمقتضى اللغة لأنه لو نسب إليها لقيل صوفاني وليس صوفي. ولو سألت الصوفية عن هذه النسبة فلن يقر بها أحد، هذا إذا علم معنى الصوفانة فإن عامتهم يجهلونها. ٦ - وقيل أنهم ينتسبون إلى الصفوة باعتبارهم صفوة الله من خلقه وأنهم النخبة المصطفاة من الأمة. وهذا القول مردود لأنهم لو نسبوا إلى الصفوة لقيل في اشتقاق اللغة صفوي. ٧ - قيل أيضاً أنهم منسوبون إلى الصف الأول المقدم في الصلاة والمقدم بين يدي الله وهذا غير مستقيم لغة، فلو نسبوا إلى الصف لقيل صَفِّي. ٨ - وقيل إنه نسبة إلى رجل جاهلي يقال له صوفة ـ وهو الغوث بن مر بن آد بن طنجة بن إلياس بن مضر، وذلك أن أم الغوث نذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة وتجعلنه ربيط الكعبة فكان أول من انفرد لخدمة الكعبة وتبعه أناس في الجاهلية فمن تشبه به فهم الصوفية. - وهذه النسبة مستبعدة لأن الصوفية لا يقبلون أن ينتسبوا إلى رجل جاهلي أو قبيلة جاهلية. - ولو صحت هذه النسبة لكان الانتساب إلى الإسلام أولى من الانتساب إلى الجاهلية والشرك. - ولو صحت هذه النسبة لكانت معروفة في عهد الصحابة والتابعين ﵃. - كما أن هذه القبيلة وهؤلاء القوم غير مشهورين ولا معروفين لا عند المسلمين ولا عند متصوفيهم وإن كان ابن الجوزي ﵀ يميل إلى صحة ذلك إلا أن ابن تيمية ﵀ ضعف هذه النسبة. ٩ - وذهب قوم إلى أن الصوفية نسبة إلى الصوف وذلك لأن النسبة إلى الصوف صوفي وممن رجح هذا القول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ في الفتاوى والسهروردي وابن خلدون وحجتهم على صحة هذه النسبة: - إن الصوف لباس الأنبياء وخاصة سيدنا محمد وعيسى ﵉ وهو لباس الصحابة ﵃ والتابعين والصوفية المتقدمين رحمهم الله تعالى. - وإن لبس الصوف هو أقرب إلى التواضع والخمول والذل يقول ابو فراس الحمداني مخاطباً سيف الدولة. يا واسع الدار كيف توسعها ... ونحن في صخرة نزلزلها يا ناعم الثوب كيف تبدله ... ثيابنا الصوف ما نبدلها - وإن الصوفية كانوا يعرفون هذه النسبة فقد دخل أبو محمد بن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار وعليه جبة صوف فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد صوف قلبك أو جسمك وقال النضر بن شميل لبعض الصوفية تبيع جبتك الصوف؟ فقال إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد.

стр. 2949

- " وإن نسبتهم إلى لبس الصوف تنبئ عن تقللهم من الدنيا وزهدهم فيما تدعو إليه النفس بالهوى من الملبوس الناعم، ويكون اللابس خشناً مثل الملبوس في خشونته. - وإن لبس الصوف أمر ظاهر والحكم بالظاهر أسلم وأولى في نسبتهم إلى حال أو مقام لأنه أمر باطن، وأيضاً لأن القول بأنهم صوفية للبسهم الصوف أبعد عن الرياء وأقرب للتواضع. - وإن هذا الرأي قد سلم مما توجه إلى غيره من الآراء فإنه يوافق قواعد اللغة من حيث النسبة والاشتقاق لأنه يقال تقمص لمن لبس القميص وتصوف إذا لبس الصوف. ويرد عليهم بعدة أمور: - " بأن لبس الصوف ليس فيه فضيلة وليس في الانتساب إليه شرف وذلك لأن الرسول ﷺ كان يلبس الصوف والقطن والكتان وقد جاء في البخاري عن أنس ((كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ أن يلبس الحبرة)) (١) وجاء في شرحها لابن حجر في فتح الباري قال ابن بطال: إن الحبرة بردة من برود اليمن تصنع من قطن، وتكون مزينة، من التحبير وهو التزيين.- بل قد أورد ابن القيم ﵀ في كتابه (زاد المعاد) عن عائشة ﵂ ((أنها جعلت للنبي ﷺ بردة سوداء فلبسها فلما عرق ووجد ريح الصوف قذفها، قال وكان يعجبه الريح الطيبة)) (٢) وهذه الأحاديث يقلب للصوف ظهر المجن. - وأما قولهم بأن عيسى ﵇ كان لا يلبس إلا الصوف فهو قول مأخوذ من مصادر غير صحيحة ومن كتب أهل الكتاب المحرفة. - إن لبس الصوف هو لبس الرهبان وأهل الصوامع، ولا رهبانية في الإسلام وكثير من الزهاد الأوائل كان يذم لبس الصوف لذلك. ومن ذلك ما ورد في (تلبيس إبليس) " بأن حماد بن أبي سليمان رأى رجلاً عليه ثوب صوف فقال له " ضع عنك نصرانيتك هذه ". وقال أبو العالية لرجل آخر لبس الصوف " إنما هذه ثياب الرهبان ". ورأى سفيان الثوري رجلاً لبس الصوف فقال " لباسك هذا بدعة ". وينكر ابن الجوزي أن يكون للمرقعة الصوفية أصل في السنة وهي التي يزعمون أن النبي ﵇ ألبسها لعلي ﵁. - ولم يرد أن أبا بكر وعمر والصحابة ﵃ كانوا مختصين بلبس الصوف دون غيره من الثياب. - إن لبس الصوف مدعاة إلى التظاهر بالتنسك والتقشف والزهد وهذا من الرياء فقد قال محمد بن محمد الكتاني لأصحاب المرقعات " إخواني إن كان لباسكم موافقاً لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها وإن كانت مخالفة لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة. - وقال الجنيد إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب. - ورحم الله ابن الجوزي الذي عاب على الذين خربوا بواطنهم وتظاهروا بالزهد والتقشف فقال " كان الزهد في بواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب "، وكان الزهد حرقة فصار اليوم خرقة، " ويحك صوف قلبك لا جسمك وأصلح نيتك لا مرقعتك ". - ويرى الإمام القشيري في الرسالة القشيرية أن التصوف اسم عَلَم على طائفة الصوفية بغض النظر عن اشتقاق الكلمة والأصل الذي أخذت عنه. والذي أراه أن التصوف نشأ نشأةً إسلامية مستقاة من النصوص الشرعية في الزهد وترك الدنيا وملذاتها، ثم مع مر الأيام تأثر بعض الصوفية وأصحاب الطرق بالفكر الغريب المستقى من الفلسفة اليونانية والأديان القديمة وذاك ما سنبينه عند الحديث عن نشأة التصوف وتأثره بالفكر الغريب. والراجح في هذه الأقوال هو نسبتهم إلى الصوف لأنه حكم بالظاهر وتصح لغة، أو قول الإمام القشيري وهو من أوائل الصوفية فهو أعلم بشؤونهم. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي محمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٦ - ١٣

стр. 2950

المبحث الثاني: معنى الصوفية والتصوف اصطلاحاً إذا أردنا أن نعرف التصوف في الاصطلاح فلا بد من الرجوع إلى أقوال الصوفية في ماهية التصوف وكذلك أقوال أصحاب الطرق. ومنذ نشأة الصوفية إلى يومنا هذا حدث في التصوف تشعبات كثيرة وانحرافات عن منهج الأوائل وكثرت أقوالهم في حقيقة التصوف إلى ما يزيد على ألف قول، وكل قول من هذه الأقوال يشير إلى أهم جانب في التصوف عند قائله سواءً بالنظر إلى الطريقة أو الخلق أو الغاية، أو بالنظر إلى حاجة الصوفي أو من حوله وبالنظر إلى حاله والخطأ الذي يريد أن يقومه ولا تخلو أقوالهم من جانب في الجوانب التالية: ١ - التصوف بمعنى الزهد: - قال سمنون: التصوف أن لا تملك شيئا ولا يملكك شيء. - وقال معروض الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق - وقال النوري: التصوف من لا يتعلق بشيءٍ ولا يتعلق به شيء. - وقال ذو النون المصري: الصوفي من لا يتعبه طلب ولا يزعجه سلب. ٢ - التصوف بمعنى الأخلاق: - قال أبو محمد الجريري: التصوف الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دنى. - وقال الكتاني: التصوف خُلق فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصفاء. ٣ - التصوف بمعنى الصفاء: - قال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر. - وقال بشر الحافي: الصوفي من صفا لله قلبه. - وقال الشبلي: التصوف الجلوس مع الله بلا هم. ٤ - التصوف بمعنى المجاهدة: - قال الجنيد: التصوف عنوة لا صلح فيها. والمراد بالعنوة الجد والتعب والمراغمة. - وقال عمرو بن عثمان المكي: التصوف أن يكون العبد في كل وقت بما هو أولى به في الوقت. ٥ - التصوف التزام بالشريعة: - قال أبو حفص: حسن آداب الظاهر عنوان حسن آداب الباطن لأن النبي ﷺ قال ((لو خشع قلبه لخشعت جوارحه)) (١). - وقال الجنيد: التصوف بيت والشريعة بابه. - وقال محمد بن أحمد المقرئ: التصوف استقامة الأحوال مع الله. - وقال أبو عمر بن الجنيد: التصوف الصبر تحت الأمر والنهي. ٦ - التصوف بمعنى التسليم الكامل لله: - قال الأستاذ أبو سهل الصعلوكي: التصوف الإعراض عن الاعتراض. - وقال رويم: التصوف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريده. - وقال أبو يعقوب المزايلي عن التصوف: حال تضمحل فيه معالم الإنسانية. ٧ - التصوف بمعنى الإخلاص " الغاية وجه الله ": - قال الجنيد: التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة. - وقال ذو النون المصري: أهل التصوف هم قوم آثروا الله على كل شيء، فآثرهم الله على كل شيء. - وقال أبو الحسين النوري: التصوف ترك نصيب النفس جملة ليكون الحق نصيبها. ٨ - التصوف بمعنى الارتباط الروحي بالله: - قال أبو نصر الحصري: الصوفي الذي لا تقله أرض ولا تظله سماء. - وقال أبو الحسن الخرقاني: ليس الصوفي بمرقعته وسجادته، ولا برسومه وعاداته بل الصوفي من لا وجود له. - ونُسب إلى الجنيد قوله: التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به. ٩ - التصوف ترك التكلف والشكليات: - قال الجنيد: إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب. وقال حماد الدينوري: التصوف أن تظهر الغنى وأن تؤثر أن تكون مجهولاً حتى لا يعرفك الخلق وأن تكف عن كل ما لا خير فيه. ١٠ - التصوف بمعنى الطريق المخصوص للسالكين: - قال الجنيد: الصوفية هم أهل بيت واحد، لا يدخل فيهم غيرهم. - وقال أبو سليمان الداراني: التصوف أن تجري على الصوفي أعمال لا يعلمها إلا الحق وأن يكون دائماً مع الحق على حال لا يعلمها إلا هو. وبالنظر في الأقوال المتقدمة نجد أن كل تعريف من تعريفات أئمة التصوف والمنتسبين إليه يشير إلى جانب من الجوانب، وهذه الجوانب مجتمعة تشير إلى جوانب عظيمة من جوانب هذا الدين فالتصوف السني ينبغي أن يتوفر فيه جميع ما ذكر من زهد وإخلاص ومجاهدة وخلق كريم وتسليم لرب العالمين والتزام بشرعه وترك للتكلف، وأن يلتزم المنتسب إلى الله تعالى بالعبادة الدائمة لله كما أمر، والبعد عن كل ما نهي الشارع عنه، وعن البدع المضلة وعن الفكر الغريب والفلسفات الباطلة. ويترجح لدينا بعد عرض تلك التعريفات تعريف ابن خلدون للتصوف لأنه يدل دلالة واضحة على معاني التصوف المتعددة وعلى أحوال الصوفية واهتماماتهم وهو " العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة ". المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي محمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ١٣ - ١٦

стр. 2951

المبحث الثالث: مصطلح التصوف بين القبول والرفض ذهب صاحب كتاب (أبو حامد الغزالي والتصوف) إلى وجوب إلغاء كلمة التصوف وذلك لأنها محدثة ولم تكن معروفة في عهد الرسول ﷺ وأصحابه، ولأن الإمام ابن تيمية ﵀ حين قيل له إن ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال " ليس للإسلام فلاسفة ". وذكر مآخذ كثيرة وانحرافات وقع فيها الصوفية وقال إن في إلغاء الكلمة سلامة للدين وحفظاً للناس من خطرها. وقال إذا قبلنا التسمية فتحنا باباً للشر بأن يقال معتزلة الإسلام وشيوعية الإسلام ... الخ. وأقول بأن كلمة التصوف وهي كلمة معروفة منذ أواخر القرن الثاني وشاعت في القرن الثالث للهجرة إلى يومنا هذا وقد ملئت بها الكتب والمكتبات ولا يملك أحد إلغاءها ولا يستطيع ذلك إن أراده. وقد استعمل كلمة التصوف شيخ الإسلام ابن تيمية وامتدح بعضاً من أئمة التصوف، وتكلم في ألفاظهم المستعملة، ورد على المنحرفين منهم، وقال نقبل ما عندهم من حق ونحثهم عليه ونرد باطلهم ونزجرهم عنه. وكل اسم تسمى به جماعة ما لم يكن يدل على الباطل ومرتبط به منذ نشأته، وما لم يكن مرتبطاً بفكر غريب فلا عبرة بالاسم ويهمني المسمى فإذا كان المسمى برمته باطلاً وجب نبذه وإلا نقبل الاسم ونقوِّم المسمى فليس التصوف كله باطلاً. فإن كنت لا أشجع على التصوف ولا أحث عليه ولا أقبل الانتساب إليه وأدين الله بعقيدة السلف الصالحين فإني أعمل بقوله تعالى: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، وقوله: وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي محمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص١٦، ١٧

стр. 2952

الفصل الثالث: هل توجد علاقة بين المتصوفة وأهل الصفة والواقع أن هذه القضية تعتبر من القضايا الساخنة خاض غمارها المتصوفة من جانب، وغير المتصوفة من الجانب الآخر حول الصلة بين الفريقين: الصوفية، وأهل الصفة. فهل توجد فعلاً علاقة بين الصوفية وأهل الصفة؟ الجواب: إنه بالرغم مما بذله المتصوفة من جدل وبحوث لتقريب التصوف إلى أهل الصفة فإن ذلك لم يجدهم شيءاً. فهناك من المتصوفة كالمنوفي، والسهروردي، وغيرهما من كبار الصوفية من يزعم وجود تلك الصلة بين الفريقين، وأن أهل الصُفة هم سلف أهل التصوف، فالسهروردي يرى أن العلاقة بين المتصوفة وأهل الصفة تتمثل في حب الانفراد والعزلة عن الناس والشوق إلى الله تعالى، وأن هذه الفكرة هي الجامع بين الصوفية وأهل الصفة فيما يرى، وقد قال في إثبات ذلك:"الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك (١)، لكونهم مجتمعين متآلفين متصاحبين لله وفي الله كأصحاب الصفة، وكانوا نحواً من أربعمائة رجل لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديماً وحديثاً في الزوايا والربط .. " (٢) إلى آخر كلامه. وأما المنوفي فقد قال عنهم: "هم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شيء من العروض الفانية وشغل أفئدتهم بالحياة الباقية .. " إلى أن يقول: "استوطنوا الصفة فصفوا أنفسهم من الأكدار ونقوها من الأغيار، واعتصموا من حظوظ النفوس بالإيثار".إلى أن قال: "وكان الظاهر من أحوالهم والمشهود من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثارهم القلة واختيارهم لها، فلم يجتمع لهم نوعان، ولا حضر لهم من الأطعمة لونان" (٣). والحقيقة أن السهروردي وغيره من المتصوفة لم يستطيعوا أن يأتوا برباط واحد، أو بوجه شبه يعتبر قاسماً مشتركاً صحيحاً مقبولاً بين حال أهل الصفة رضوان الله عليهم وبين المتصوفة، مع كثرة ما حاول هو وغيره وبشتى الأساليب أن يوجدوا تلك الصلة المزعومة، وأن يكون أولئك الصحابة الأفاضل هم الأساس لأقطاب التصوف والمثل الأول لهم. مع محاولة بعضهم كذلك ربط حركة التصوف وما تحمل من حب العزلة والانفراد والخلوة بما وقع للرسول ﷺ ، من تحبيب الخلوة إليه في غار حراء يتعبد فيه الليالى ذوات العدد. وقد فاتهم أن هذا لا يصلح أن يكون دليلاً لهم على ذلك؛ فإن أقل ما ينقصه هو أن تلك الخلوة إنما كانت بعناية من الله له؛ ليستعد لحمل أعباء الرسالة فيما بعد، وقبل أن يكلف أيضاً بدعوة الناس وإقامة شعائر الدين، وأن الرسول ﷺ بمجرد أن اختاره الله لتبليغ الدعوة كان محط أنظار الناس في كل لحظة من لحظات عمره المبارك، وإلا فكيف انتشر الإسلام بعد ذلك ودخل الناس في دين الله أفواجاً لو بقى على تلك الخلوة وبمفهوم الصوفية أيضاً؟!.

стр. 2953

والحق أن المتصوفة ليس لهم مستند في تعلقهم بأساس تصوفهم سواء كان ذلك التعلق بالصحابة من أهل الصفة، أو بالرسول ﷺ في خلوته في غار حراء، ومن زعم أن بدايات التصوف كان الرسول ﷺ أو أهل الصفة فلا شك في خطئه. وإذا كان المتصوفة فيما يدعون يحبون الفقر والخرقة (١)، والانزواء في الزوايا والأربطة، فإن الثابت المتواتر أن أهل الصفة في مجملهم كانوا كثيراً ما يشكون حالهم إلى رسول الله ﷺ على أمل أن يساعدهم على حياة طيبة في الدنيا تكون عوناً لهم إلى الآخرة، وقد أخبر الله عنهم أنهم يتولون وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. وقد تحقق لمعظمهم بعد ذلك مال وافر، عملاً منهم بقول الله تعالى وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:٧٧]، واجتمعت لبعضهم ألوان الأطعمة المباحة ولم يزهدوا عن الدنيا نهائياً، لأنهم يعلمون أن ذلك لا ينافي الزهد، بينما معظم المتصوفة إنما يريد بإظهار ذلك الزهد وتلك الرهبانية الوصول إلى ما في أيدي الناس واستعباد أذهانهم وأفكارهم، لا زهداً حقيقياً عن الدنيا في أكثر أحوالهم؛ حيث وجد لبعضهم بعد موتهم مدخرات كثيرة مما يتنافى ودعوى الزهد؛ لأن الزهد الحقيقي هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه من بعده، فلا رهبانية ولا تواكل ولا تحريم لما أحله الله من الطيبات، ولا استحلال ما لم يرد به الشرع، وهذا هو الزهد لا إظهار الفقر والعوز كما يراه غلاة المتصوفة. إن تلك الصلة بين الصوفية وأهل الصفة التي يزعمها السهروردي والمنوفي محض خيال؛ ذلك أن أهل الصفة ما كانوا يحبون الفقر ولا يحبون الانفراد والعزلة عن الناس، وكيف يحبون العزلة والانفراد وهم في أكثر أماكن تجمع الناس؟! وأيضاً أكان مكثهم في الصفة بمحض رغبتهم أم كانت حالة طارئة أملتها عليهم الظروف المعيشية؟.ذلك أنه لا يخفى على طلاب العلم – أن أهل الصفة كانوا من الفقراء الذين لا يجدون مأوى غير المسجد، في الوقت الذي كانوا يبحثون فيه بكل جد من أجل الوصول إلى حال اليسار والغنى، خصوصاً وهم يتلون قول الله تعالى وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:٧٧]، كما يسمعون قول المصطفى ﷺ ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير)) (٢) وقوله أيضاً: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) (٣) ". فما كان أحدهم يحمل الزنبيل على ظهره ويطوف بالبيوت في طلب رزقه متكاسلاً عن العمل، متكلاً على ما في أيدي الناس أعطوه أم منعوه، كما هي حال كثير من المتصوفة بعد أن فسدت فطرهم واختلت مفاهيمهم. حين صاروا كما مدحهم السهروردي بقوله:"واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى، أسوة بأهل الصفة، تاركين للأسباب متبتلين إلى رب الأرباب" (٤). وأما زعم المنوفي أن الله اختار أهل الصفة ليكونوا كذلك وهم أيضاً قد اختاروا الفقر والمسكنة – فهو زعم باطل يكذبه الله في القرآن الكريم وتكذبه السنة النبوية والتاريخ. لقد كان من أهل الصفة أميراً ومن أصبح غنياً ذا ثراء كبير وفير، ومن أصبح قائد جيوش جرارة، وهم مع ذلك في قمة الزهد والخشوع لربهم. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ٨٦٩ - ٨٧٣

стр. 2954

المبحث الأول: نشأة التصوف لم يكن التصوف معروفاً في عهد رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ ولا في عصر التابعين ﵏، وإن كانت حقيقته معروفة، لأن جل ما يصبوا إليه المرء هو الانتساب إلى الصحابة ﵃ ثم إلى التابعين ﵏ وكفى بالمرءِ شرفاً أن ينتسب إلى محمد ﷺ وإلى أصحابه ﵃ بالاتباع. وفي القرن الأول لم يكن يعرف اسم التصوف، بل كان أهله يعرفون باسم الزهاد والنساك والبكائين وليس باسم الصوفية، وكان اعتقادهم صافياً وإيمانهم نقياً خالصاً وما كان ابتعادهم عن الدنيا إلا لارتياعهم من عذاب الآخرة، وهرعوا إلى الكهوف والمغاور ورؤوس الجبال حيث الوحدة الصافية والانعزال عن صخب الحياة المادية. ثم بعد مضي عصر الصحابة والتابعين وفي أواخر القرن الثاني الهجري بدأ لفظ الصوفية يظهر، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل ﵀ (١٦٤ـ٢٤١هـ) وأبو سليمان الداراني المتوفى سنة ٢١٥هـ وقيل إن أول من بنى دويرة للصوفية هو بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد المتوفى بعد الخمسين ومائة للهجرة. وهو من أصحاب الحسن البصري وكان ذلك في البصرة (وإن أول من عرف باسم صوفي في المجتمع الإسلامي هو أبو هاشم الصوفي المتوفى قبل منتصف القرن الثاني الهجري) (ويقول عمر رضا كحالة ورد لفظ (الصوفي) لقباً مفرداً في النصف الثاني للهجرة إذ نعت به جابر بن حيان الكوفي وأما صيغة الجمع (الصوفية) فإنها ظهرت فيما انتهي إليه عمر رضا كحالة عام ١٩٩هـ). المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ١٨ يرى المؤرّخ والرّياضي والفيلسوف محمد بن أحمد البيروني (د/٤٤٠) أنّ مَرَدَّ التَصّوف في بلاد المسلمين إلى تصّوف الهندوس في الهند، وقد نشأت وثنيّتهم قبل بعثة محمد ﷺ بألفي سنة وأخذها منهم البوذيّون منذ انفصالهم عنهم بعد ألف سنة من نشأة الهندوسيّة، وأنّ كلمة المتّصّوف جاءت من كلمة فيلسوف أي: محبّ الحكمة. والبيروني حري بأن يَشْهد بما عَلِم؛ لطول مُكثِه في الهند يَدْرسُ أحوال أهلها عدد سنين، ولِذِهْنِه الرّياضي ودقّته في البحث ثم في تسجيل نتائج بحثه، ولسعة اطلاعه وطول باعه في المعرفة، يدلّ على ذلك ما ذكره ياقوت عنه (من أن سجلّ مؤلّفاته بلغ ستّين ورقة) وكثرة نقله عنه (أعلام الزّركلي) ويدلّ على صحّة استنتاجه أن الله ذكر في كتابه الكريم أنّ النّصارى (قبل المسلمين) نَزَعُوا إلى شيء من المنهج التصّوفي وأنّه مما ابتدعه البشر وليس مما شرعه الله فقال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا [الحديد: ٢٧]، وقال النَبيّ ﷺ : ((لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع)) (١) متفق عليه. ويدل على صحّة استنتاجه أنّ كثيراً من معتقدات متصّوفة الهند وأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم موجودة في متصوفة المسلمين منذ انتهت القرون المفضلة حتى هذا العصر، وأكبرها: تعظيم المزارات والمقامات، ووحدة الوجود والفناء في ذات الإله، وأهونها: المِسْبَحَة والرّهبَنَة وضرب الشين والرقص والطبل. ٢) وظن بعض العلماء أنّ منشأ التّصّوف من لبْس الصّوف والله لم يشرعه قُرْبَة إليه، ورسوله ﷺ كان يلبس الكتّان وغيره وهو الذي جعله الله أسوةً حسنةً: لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١]، ولكن لُبْس الصُّوف والتّقشف بما يخالف سنة رسول الله ﷺ أمر شكليٌّ تركه متصّوفة العصر وأقبلوا على شهوات البطن والفرج حتى قال بعض منتقديهم: أقال الله حيث عشقتموه كُلُوا أَكْل البهائم وارقصوا لي ولكن أسوأ ما اتصف به المتصّوفة تعلّقهم بالشبهات حتى اليوم كما بتبيّن بالرجوع إلى شيء من كتبهم مقالاتهم قريبًا إن شاء الله. ٣) وظنّ بعض المتصّوفة أن كلمة الصّوفي جاءت من كلمة الصّفّة التي كان يأوي إليها بعض فقراء المسلمين في المدينة النبويّة، وهذا لا يصحّ لُغَة لأن النّسبة إلى الصّفة: (صُفِيَّ)، ولا يصحّ شرعاً لأنّ الصّفة (ومن سَكَنَها) لم تُميَّز بفضل المكان فالمسجد أفضل منها ولم يُمَيزْ أهلها بالفضل على غيرهم من الصّحابة فلاشك أن الخلفاء الراشدين وكبار فقهاء المهاجرين تقرّباً إلى الله بسكناها خاصّة، بل لأنّهم لا يجدون غيرها. المصدر: مقال التّصوُّف في ميزان الوحي والفقه لسعد بن عبد الرحمن الحصين

стр. 2955

المبحث الثاني: الأطوار التي مر بها التصوف • الطور الأول: طور التسامي عن الحياة المادية:. • الطور الثاني: طور التشبه بالسابقين:. • الطور الثالث: طور دخول الألفاظ الموهمة:. • الطور الرابع: طور التحرر من التكاليف الشرعية:. • الطور الخامس: تبلور الطرق الصوفية:. • الطور السادس: طور ظهور المجذوبين:.

стр. 2956

الطور الأول: طور التسامي عن الحياة المادية: ويكون هذا الطور هو عصر الصحابة وهو يتناول القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني عصر كبار التابعين، وهذا العصر مليء بأخبار زهد الصحابة ﵃، وأبرز رجال هذا الطور الخلفاء الراشدون، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك عبد الله بن عباس، وأبو عبيدة ﵃ وغيرهم كثير فهم الذين كان يتنزل القرآن بين ظهرانيهم ويتلوه عليهم سيد البشر ﵊ قال تعالى وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] ويبين لهم الرسول ﷺ ويأمرهم قائلا ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) (١). وإذا رجعنا إلى كتاب (حياة الصحابة) للكندهلوي ونظرنا في زهد الرسول ﷺ وزهدأصحابه ﵃ لوجدنا ترفعهم عن الدنيا وتزودهم فيها للآخرة ما يفوق الوصف. والملاحظ أن عصر الصحابة ﵃ كان عصر التوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد، وبين الدنيا والآخرة، وبين الخلوة والمخالطة، فهم مع ترفعهم عن الانخراط والانغماس في متاع الدنيا إلاّ أنهم لم يعزفوا عن الدنيا بالكلية لأن الإسلام يدعو إلى التوازن والتوسط في الأمور جميعها بلا إفراط ولا تفريط. ولم يدع الإسلام إلى الغلو والتنطع ولا إلى التفرغ الكامل للزهد والاعتكاف عن الجهاد بل هناك نصوص كثيرة تخالف هذا الاتجاه منها: قال تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:٧٧] قال ﷺ : ((صم وأفطر وقم ونم فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً)) (٢).وحين ((دخل النبي ﷺ المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا لزينب، إذا فترت أمسكت به، فقال النبي ﷺ : لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)) (٣). المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص١٩، ٢٠

стр. 2957

الطور الثاني: طور التشبه بالسابقين: وهذا الطور يبدأ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري والقرن الثالث. وامتاز هذا الطور بالحرص على الاتباع دون الابتداع وعلى رأس هذا الطور ظهر إبراهيم بن أدهم ت ١٦١ هـ وهو يغزو في بلاد الروم. - وأبو سليمان داوود بن نصر الطائي ت ١٦٥هـ وقد انشغل بالعلم والفقه واشتهر بالخلوة والعبادة. - ومن أعظم الذين ظهروا في هذا العصر رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية أم الخير المشهورة بالزهد والصلاح الداعية إلى حب الله لذاته وقد توفيت عام ١٨٥هـ. - ومن أهم أشعارها في حب الله: إني جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوس فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيس ومن أقوالها المشهورة ما عبدته خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته فأكون كالأجير السوء عبدته حباً له وشوقاً إليه. وقالت أيضاً: أحبك حبين حب الهوى وحباً لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك فما الحمد في ذا وفي ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك - والفضيل بن عياض توفي في مكة ١٨٧هـ، وشقيق البلخي توفي ١٩٤هـ. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢٠، ٢١

стр. 2958

الطور الثالث: طور دخول الألفاظ الموهمة: وقد امتد من القرن الثالث إلى أواسط القرن الرابع حيث ظهر في هذا الطور أبو يزيد البسطامي ت ٢٦١هـ وهو أول من تكلم في الفناء وقد قال: " لا حال للعارف فقد محيت رسومه وفنيت هويته لهوية غيره " وقد تكلم بالمكاشفة وأنكر الناس عليه ألفاظ. ومن رجال هذا الطور أبو محمد سهل التستري ت ٢٨٣هـ وكان زاهداً معروفاً وكان يذكر الله بقلبه أحياناً دون نطق وكان على عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري لذا فقد نحى بالزهد منحى كلامياً. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢١

стр. 2959

الطور الرابع: طور التحرر من التكاليف الشرعية: وهذا الطور بدأ في القرن الرابع الهجري وعلى رأسه الحسين بن منصور الحلاج ت ٣٠٩ هـ. - وكان الحلاج رجلاً محتالاً مشعوذاً وكان يعرف علم الكيمياء وخواص المواد وكان من خداعه أنه يدفن في الطرقات أواني فيها ماء وأخرى فيها طعام فإذا طلب أحد أتباعه ماءً قال له احفر هاهنا وإذا طلب طعاماً قال احفر هاهنا وكان قد سجن في بغداد ثم أخرج من السجن وقتل بعد مناظرة العلماء له. - ومن رجال هذا الطور أبو بكر محمد بن موسى الواسطي ت ٣٣١ هـ وكان يدعو إلى التأمل في الله وعدم ذكره باللسان، ويعتبر ذكر اللسان غفلة أكثر من غفلة اللاهين ويعتبر هذا الطور من أخطر الأطوار التي مر بها التصوف لأنه أدى إلى ظهور فكرة التخلي عن العبادات الظاهرة وإلى التحلل من التكاليف والأوامر والنواهي، وبسببه ظهرت الإباحية التي أثرت فيما بعد في كثير من الطرق الصوفية، حتى أصبحت في عصرنا هذا بعض الصوفية يجتمعون في حلقات للذكر بألفاظ موهمة وبحركات تؤدي إلى فقد الوعي واختلاط الرجال بالنساء أثناء الذكر أعاذنا الله وإياكم من الوقوع فيما نهانا الله تعالى عنه. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢٢

стр. 2960

الطور الخامس: تبلور الطرق الصوفية: وكان ذلك في القرن الخامس الهجري وما بعده ومن أبرز أعلام هذه الحقبة محيي الدين عبد القادر الجيلاني "الجيلي" ويرفع الشعراني نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁ ولد الجيلاني سنة ٤٧١هـ (-وقيل غير ذلك -) في جيلان وقدم بغداد وهي دار التصوف سنة ٤٨٨هـ وتوفي سنة ٥٦١هـ وإليه تنسب الطريقة القادرية، ونسب إليه أتباعه كثير من الكرامات، فقالوا كان يسير في الهواء وعلى رؤوس الناس، وكان يخاطب الجن ويهديهم. ومن مشاهير هذا الطور أيضاً أحمد بن أبي الحسين الرفاعي من بني رفاعة وإليه تنسب الطائفة الرفاعية البطائحية نسبة إلى مولد أحمد الرفاعي بالبطائح. وظهرت بعد ذلك الشاذلية ومؤسسها هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي نسبة إلى شاذلة في تونس توفي سنة ٦٥٦. وتنسب إليه الطريقة الشاذلية، وانتشرت طريقته في مصر واليمن ومراكش وغرب الجزائر. وكذلك ظهر في هذا الطور أحمد البدوي، ولد بفارس سنة ٥٩٦هـ، ورحل إلى العراق واستقر بمصر بطنطا حتى وفاته سنة ٦٣٤هـ وهو من أكبر أولياء مصر عند الصوفية، امتاز بالفروسية وانقطع عن العباد وامتنع عن الزواج، وإليه تنسب الطريقة الأحمدية حيث انتشرت طريقته في جميع أرجاء مصر ولها فروع متعددة يمتازون بشاراتهم وهي العمامة الحمراء. وظهر في هذه الحقبة إبراهيم الدسوقي (٦٢٣ - ٦٦٧) هـ وإليه تنسب الطريقة الدسوقية التي تقوم على الخروج عن حظوظ النفس والهوى، والدعاء إلى المحبة بين الناس والتسليم المطلق من المريد للشيخ وعدم استحباب الخلوة إلاّ في حضرة الشيخ. وقد صحب ظهور الطرق الصوفية القول بالكرامات، كما ظهرت وفشت البدع كبدع الأذكار والقبوريين. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٢٢، ٢٣

стр. 2961

الطور السادس: طور ظهور المجذوبين: وقد ظهر هؤلاء المجاذيب في القرنين التاسع والعاشر الهجريين وهم أقسام: ١ - منهم المتظاهرون بذلك الذين يخفون أهدافاً دينية أو سياسية لينجوا من قبضة السلاطين والشرطة والقضاة وأكثر هؤلاء ظهوراً كان بمصر. ٢ - تطور بعض هؤلاء إلى حالات مرضية نفسية وعصبية دائمة أدت بهم إلى اكتئاب دائم وكانوا يؤذون الناس. ٣ - وأناس حصلت لهم أزمات نفسية مؤقتة، وحين تحصل لهم هذه الحالات كانوا يقومون بأعمال جنونية لفقدهم الإرادة. وأمثال هؤلاء في التاريخ الإسلامي كثير، منهم أبو الخير الكليباني توفي سنة ٩١٠هـ وسمي بذلك لأنه كان يأمر الناس بشراء اللحم وإطعامه للكلاب وكان يفعل ذلك. وأحمد المجذوب توفي بعد سنة ٩٢٠هـ وكان يقيم عند الباعة ويصرخ قائلاً يا ما لى ومال السلطان ولا يتركهم حتى يعطونه من المال والطعام. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٢٣، ٢٤

стр. 2962

المبحث الثالث: تأثر الصوفية بالفكر الغريب • المطلب الأول: تأثر التصوف باليهودية. • المطلب الثاني: تأثر التصوف بالنصرانية. • المطلب الثالث: التأثر بالديانات الهندية. • المطلب الرابع: التأثر بالفلسفة الصينية. • المطلب الخامس: التأثر بالفلسفة اليونانية. • المطلب السادس: التأثر بعقائد الفرس.

стр. 2963

المطلب الأول: تأثر التصوف باليهودية كان ما يعرف بالتنبؤ مشهوراً بين اليهود وكان لمتصوفة اليهود مراكز تسمى المسفايات وكانت مراكزهم هذه منتشرة في كل البلاد التي تواجد فيها اليهود وفتحها الإسلام، وحارب الإسلام الكهانة فكانت تمارس الكهانة اليهودية في الغرف المظلمة وحاول هؤلاء الكهنة واستطاعوا تعليم الكهانة والتصوف إلى بعض المسلمين الذين نشروا هذه الأفكار بدورهم. وقد ظهر أحد الكهان وهوالحارث الدمشقي الذي سمى نفسه نبياً في زمن عبد الملك ابن مروان. كما يوجد هناك تشابه بين ذكر الصوفية البدعي وما دعا إليه العهد القديم حيث جاء فيه " ليبتهج بنو صهيون بملكهم ليسبحوا اسمه برقص بدف وعود ليرنموا هللو يا، سبحوا الله في قدسه، سبحوه برباب وعود، سبحوه بدف ورقص، سبحوه بأوتار ومزمار، سبحوه بسنوج الهتاف ". وكان التنبؤ ظاهرة معروفة لدى اليهود، وكذلك الكهانة والتنجيم، وقد ظهر ذلك في الصوفية وإن كان بأسماء أخرى مثل المعرفة الصوفية وطرقها التي هي ادعاء علم الغيب عن طريق الكشف وغيره. ولا يخفى على أحد تأثر الشيعة من الفكر اليهودي في مسألة تقديس الأئمة وتناسخ الجزء الإلهي في بعض البشر وقال بعض فرق الشيعة في علي ﵁ بذلك التناسخ، ومن ثم انتقل ذلك من هؤلاء أو أولئك إلى التصوف فظهر فيهم الغلو في المشايخ وأصحاب الطرق والأولياء. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢٥، ٢٦

стр. 2964

المطلب الثاني: تأثر التصوف بالنصرانية دخل الإسلام البلدان وخاصة الشام، وكان الرهبان منتشرين في الصحاري والجبال حيث يقيمون صوامعهم فتأثر أتقياء الأمة وزهادها بهم، وكان في أول الأمر التأثر باللباس، وكثرة العبادات من الذكر والصلوات والصيام. فتأثرت الصوفية بذلك وانتقلت الرهبنة النصرانية مثل العزوف عن ملذات الحياة الدنيا وعن الزواج، ولبس الثياب البالية والمرقعة إليهم. حتى تسمى بعض أتقياء الأمة بالرهبان أمثال الصحابي الجليل أويس القرني ﵁ الذي لقب براهب الأمة، والمردار أحد شيوخ المعتزلة سمي براهب المعتزلة، وأبو بكر المخزومي - ت٩٤هـ - راهب قريش، والدارمي - ت ٢٤٣هـ - راهب الكوفة. ولقد تمسك كثير من الصوفية بقصص الزهد التي تنسب إلى المسيح عيسى ﵇ والحواريين والاستشهاد بأعمال الرهبان ورجال الدين النصارى، والصوامع والخلوة. وكذلك تأثروا بالدعوة إلى التسامح والحب الإلهي والمحاسبة الشديدة للنفس وتعذيبها والاعتراف للشيخ ورجل الدين بالذنب وطلب العفو والغفران منه. وتأثر التصوف من النصرانية بفكرة المعرفة والشهود والتأمل والفناء، ومن ذلك ما ذهب إليه القديس (برنار) حيث يرى أن الحياة المسيحية الصوفية تنحصر في اتباع طريق النجاة، وطريق النجاة في نظره بأن يقوم العابد الزاهد بالبحث والتأمل في نفسه ثم في العالم ثم في الإله، ينتهي أولاً إلى الشهود والذي هو الإدراك اليقيني البعيد عن أي ريب في الحقيقة، وأخيراً ينتهي إلى الغيبوبة التي تكون الروح فيها شاغرة بنفسها فتسمو إلى مرتبة الاستمتاع بالصلة الإلهية، ولعل ذلك الإحساس أصل فكرة الفناء. ويرى المتأله (أميرسون) أن المعرفة تكون بواسطة الزهادة أكثر منها بواسطة البحث الإنساني، وهي مناهج التأمل المرتبط بالتقدم الروحي ثم تنتهي إلى الاتصال بالله. ويبين الدكتور/ حسن عاصي أن التشابه بين النصرانية والصوفية في ثلاثة مفاهيم وهي: أ) الفقر: وقد ورد ذكره في انجيل لوقا " طوبى لكم أيها المساكين فإن لكم ملكوت الله، طوبى لكم أيها الجياع الآن فإنكم ستشبعون " ١/ ١٠٦. ب) التوكل: وهو من مقامات الصوفية وجاء في إنجيل متى " لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون. انظروا إلى طير السماء فإنها لا تزرع ولا تحصد ولا تحزن وأبوكم السماوي يقوتها، أفلستم أنتم أفضل منها " ٦/ ٢٥ - ٢٦. ج) الحب الإلهي: واستدل على ذلك بقوله " العابد يقف أمام معبوده، يخاطبه مخاطبة العاشق معشوقه والحبيب محبوبه ". المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢٦، ٢٧

стр. 2965

المطلب الثالث: التأثر بالديانات الهندية لقد عرفت الهند الكهانة قبل المسيحية بثمانية قرون، وعرف المسلمون الهند في مطلع القرن الثاني الهجري عن طريق التجارة، وعن طريق السياحة الهندية التي كانت مشتهرة عند الهنود الذين تركوا الدنيا والملذات حيث ساحوا في العراق وغيرها من بلاد الإسلام ". والمطلع على أديان الهند يجد كثيراً من الفكر الشبيه بالفكر الصوفي وهذا بعضاً من ذلك: أ) التأمل والحلول: يوجد تشابه كبير بين معتقدات البراهمة وهم حكماء الهنود والصوفية، فإن الكهنة الهنود عن طريق التأمل يصبون إلى الوصول إلى الكمال الروحي الذي يؤدي في النهاية إلى الحلول في الله تعالى بزعمهم. ب) التناسخ والفناء: وإن كانت البوذية تأثرت بالبراهمة في فكرة الفناء غير أن النرفانا الكبرى هي من الفكر البوذي حيث يرى البراهمة أن الروح تخرج إلى جسد آخر، ولكن النرفانا الكبرى تعني الفناء المطلق وهو عودة الروح إلى منشئها لتحل في الله تعالى بزعمهم. ج) اليوغا (تعذيب الجسد): واليوغا الهندية هي عبارة عن رياضات شاقة فيها تعذيب للجسد للوصول إلى قتل الشهوة، وتحرير النفس من رغباتها وتعويد الجسد على الهدوء، وأحياناً يكررون بعض الألفاظ (الذكر عندهم). د) وحدة الوجود: ويعتقدون كما تشير كتبهم القديمة أن جميع أشكال الحياة من الحياة الإلهية إلى حياة أصغر الخلائق هي ذات واحدة وهي ماثلة في كل مخلوق وهي فكرة (وحدة الوجود). هـ) المظهر العام: إن الذي يذهب إلى الهند يجد عندهم لباس الخرقة والمرقعات، واستعمال السبح ذات الأعداد الكبيرة من الأمور المشتهرة بينهم. و) القدرات والمعجزات: يزعم صاحب كتاب (بيتنجل) في سياق حديثه عن التدين الهندي، أن الرجل إذا اشتغل بالرياضات وتهذيب النفس يمنح القدرة على ثمانية أشياء وهي: ١ - التمكن من تلطيف البدن حتى يخفى عن الأعين، وقال بهذا كثير من الصوفية حيث زعموا أن الولي عندهم يشاهد في أدنى الأرض، وبعد قليل في أقصاها وقد يشاهد في مكانين معاً. ٢ - التمكن من تخفيف البدن حتى يستوي عنده وطء السوائل والوحل والتراب. ٣ - التمكن من تعظيمه حتى يُرى في صورة هائلة عجيبة، وهذا ما تزعمه الصوفية من أن أحدهم يكبر حتى يملأ الغرفة. ٤ - انطواء المسافات بينه وبين المقاصد الشاسعة، وهذا ما يزعمه بعض الصوفية من أن أحدهم يصلي الصبح في المدينة والظهر في مكة والعصر في بيت المقدس، أو أنه يتحرك في لحظات من نجد إلى عرفة ويرجع وينقل لهم أخبار الحجيج. ٥ - التمكن من الإرادات، أي فعل ما يريد. ٦ - التمكن من علم مايروم (يريد)، أي يحصّل العلم الذي يريده. ٧ - التمكن من الترأس على أي طائفة، أي إذا أراد أن يكون رئساً على طائفة ما فيستطيع تحقيق ذلك. ٨ - خضوع المرؤوسين وطاعتهم وهذا واضح عند الصوفية فيستطيع الشيخ جعل المريد يطيعه طاعة مطلقة حتى وإن كانت في معصية الله ". مثال للتصوف الهندي: من أمثلة التصوف الهندي (راما كريشنا) وهو رجل هندوسي كغيره من جحافل الوثنيين الذين يقدسون الماء والتراب والحيوان، ويعد من أعظم نساك الهند حيث كان لحياته أثر كبير في تغلغل السمو الروحي أعماق القلوب. ويقول عنه الأديب الفرنسي الكبير (روما رولان): إن راما كريشنا تتويج لجهود آلاف السنين في سبيل ترقية الحياة الباطنية لمئات الملايين من الهنود، إذ كان هذا الرجل المنعش الوحيد للهند الحديثة. ومما تقدم نتبين تأثر الصوفية بكثير من المعان الموجودة في الفلسفة الهندية ولا نستطيع أن ننكر اتصال المسلمين بالهند منذ عصر الإسلام الأول كما تقدم. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٢٧، ٣٠

стр. 2966

المطلب الرابع: التأثر بالفلسفة الصينية ظهرت الحكمة الصينية قديماً في القرن السابع قبل الميلاد حيث عاش المفكر لأوتسة في ذلك القرن وهو زاهد متقشف يرفض المتع البشرية ويريد الإصلاح لقومه، ويدعو إلى ترك العمل والتخلي عن الشهوات وحاجات الجسد المادية، وقد عاصر أيضاً حكيم الصين الأكبر (كونفوشيوس)، وقد كان مفكراً عمليا ومصلحاً إجتماعياً. وحين عجز لاؤتسه (لي آره) عن إصلاح قومه ويئس من ذلك نزع إلى العزلة والهجرة، وحين طلب منه رجل أن يترك له كتاباً ترك له كتاب (تأوته) وهذا الإسم يتكون من مقطعين: (تآو) ومعناها الطريق الروحي (ته) النعمة أو اللطف الإلهي. وهذه الكلمة تآو ذات دلالة صوفية وهي كلمة قديمة تشتمل على الأخلاق، وفلسفة الحياة، وعلة الوجود، ونظام الطبيعة الخالد (بزعمهم)، وهي عندهم علة العلل المتجلية في الخالق والمرئية في العالم. وقد أكسب لاؤتسه هذه الكلمة معاني جديدة حين زعم أن الإنسان يستطيع الاتصال بالتأو عن طريق التجرد من الشهوات وعن طريق الرياضة الصوفية وترك الزهو وهجر الشعور الذاتي، فبذلك ينجو من شرك المادة (الجسد) ويترفع عن حواجز المكان والزمان ويكون بلوغ التآو في مراحل ثلاث: - أ – تزكية النفس وتطهيرها. ب- الإشراق ج- الاتصال والاتحاد. ونلاحظ أن هذه الأفكار والمعاني وجدت في التصوف سواءً بسواء فالعزلة وتعذيب الجسد وفكرة اللطف واعتزال الشهوات والطهارة والتزكية والاتحاد، فقد مُلئت كتب التصوف بها. كما نلاحظ أن الإشراق الصيني هو فكرة شبيهة بالكشف عند الصوفية، كما أن الاتصال والاتحاد شبيه بالفناء عند الصوفية. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي - ص٣٠، ٣١

стр. 2967

المطلب الخامس: التأثر بالفلسفة اليونانية لقد كان للفلسفة اليونانية تأثير واضح في التصوف وخاصة أن الإفلاطونية الحديثة كان لها شيوع واضح ما بين النهرين وفي حران. وكذلك انتشرت في بلاد الشام ومصر والعراق وفارس وبعض الهند حين سيطر اليونان بقيادة الاسكندر بن فليب المكدوني على تلك البلاد وامتزجت ثقافتهم بتلك الثقافات منذ القرن الثالث قبل الميلاد. وإن بعض المؤرخين والمتخصصين يرجع الصوفية إلى أصل يوناني باعتبارها مأخوذة من كلمة سوفيا وهي بمعنى الحكمة باليونانية وهذا ما يعترض عليه الصوفيون. ومن أبرز عناصر الفكر اليوناني الغنوصية، والإشراقية وقد أثر ذلك في التصوف فقد دعا إلى التقشف ودعا إلى اتصال النفس بالملأ الأعلى، إذ يعتقد بوجود عالم روحاني نوراني فوق عالم الطبيعة لا يدرك العقل حسنه وبهاؤه، ويبلغ الإنسان ذلك العالم إذا تطهرت نفسه من علائق هذا العالم المادي، فتغدو زكية إذا تبرأت من العجب والتكبر والرياء والحسد. والأفلاطونية الحديثة تحتوي على كثير من الفكر الصوفي إن صح التعبير – حيث يعتقدون بنظرية الفيض الإلهي وكذلك يقولون بالعقل الأول والنفس الكلية والهيولي والنفوس الجزئية وهي من مراتب الوجود عندهم وهذا ما يقول به بعض الصوفية كما عند ابن عربي، وكذلك نظرية الكشف والشهود والمعرفة. ومن الأفكار التي أثرت في التصوف أفكار (ديونيسوس) ومن أبرز آرائه ما يسمى (التأله) وهو أن المعرفة الحقيقية تحصل بعد تطهير القلب من رجاساته، والتحرر من عبودية الجسد ونبذ الدنيا ولذائذها، والخشوع والصمت والتأمل وعند ذلك فقط يصل الإنسان إلى مشاهدة الله والاتصال به. وكذلك تأثر التصوف بالغنوصية وهي كلمة يونانية بمعنى المعرفة وتطورت الكلمة حتى أخذت معنى اصطلاحياً وهو التوصل عن طريق الكشف والذوق إلى المعارف العليا دون الإستناد إلى البراهين العقلية. كما نقلت وترجمت إلى العربية كثير من الكتابات اليونانية ومنها كتب (إسطفانوس برصديلي) وهو راهب غنوصي سرياني عاش بين القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد وقد انتشرت ترجمات كتبه انتشاراً واسعاً عند ظهور التصوف الإسلامي. وهذا يدل دلالة واضحة على تأثر التصوف بالفلسفات اليونانية ومن الكلمات والمعاني الكثيرة التي كانت سائدة في الفكر اليوناني، واستعملت استعمالاً كثيراً في الفكر الصوفي المعرفة، والذوق، والكشف، الأزلية، والحقيقة، وحقيقة الحقائق، والكلمة، والعلة والمعلول، ووحدة الوجود. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٣١، ٣٢

стр. 2968

المطلب السادس: التأثر بعقائد الفرس لقد ظهر في بلاد فارس الفكر الصوفي منذ زمن بعيد حيث سادت عندهم فكرة صدور كل شيء عن الله ورجوعه إليه وأن الموجود بحق هو الله. وظهر الزهد والرهبنة في الديانة المانوية، والنهي عن ذبح الحيوان في الديانة المزدكية وكذلك ساعد دخول عدد كبير من الفرس في الدين الإسلامي على نقل تلك الأفكار بقصد حسن أو شيء وإن كثيراً من مشاهير الصوفية كانوا من أصول فارسية أمثال إبراهيم ابن أدهم ومعروف الكرخي، وشقيق البلخي، وحاتم الأصم، وسهل التستري، وأبو يزيد البسطامي والحلاج والسهروردي. ولقد كان الفرس قبل الإسلام يدينون بالزرادشتية (الماجوسية) المبنية على وحدة الوجود، منحدرة من اتحاد أو حلول بين انبثاقات صادرة عن الهين اثنين (النور والظلمة) وكان مذهب الأكثرية المجوسية يرجع المبدأين (النور والظلمة) إلى كائن أعلى واحد منه انبثق الوجود، ثم جاءت المانوية متفقة مع الزردشتية في أصل العقيدة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٢، ٣٣

стр. 2969

المبحث الرابع: موقف الناس من التصوف أ - طائفة من الناس نظرت إلى مساوئ القوم وأغمضت العيون عن محاسنها فقالوا بضلال الصوفية وردوا كلامهم سواءً ما وافق الكتاب والسنة أو خالفهما وهذه الطائفة كما يقول ابن القيم (حجبت عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم). ب - وطائفة أخرى نظرت إلى محاسن القوم وصدق معاملتهم وشفافية نفوسهم وحسن عبادتهم فأقبلت على علوم الصوفية وكتبهم وقصائدهم وقصصهم دون تمحيص مغمضة العيون عن عيوب القوم ومساوئهم، وهؤلاء كما يقول ابن القيم (حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملتهم عن رؤية شطحاتهم). ج - وطائفة ثالثة وهم كما يسميهم ابن القيم أهل العدل والإنصاف الذين يقبلون من القوم ما يجدونه حسناً موافقاً للكتاب والسنة ويردون ما خالف الكتاب والسنة ويردون على شطحات القوم، وهذا الموقف هو الذي يجب أن يقفه كل مسلم فلا تحملنا حسنات القوم على قبول خطئهم وتحسينه. كما يجب أن لا تحملنا سيئات القوم على رد حق ذهبوا إليه أو قالوا به، بل الحكم العدل الذي بيننا هو الكتاب والسنة فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء:٥٩]، وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:٨]. فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل العدل والإنصاف المتمسكين بكتاب ربهم وسنة نبيه محمد ﷺ . المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٣، ٣٤

стр. 2970

الفصل الخامس: أسماء الصوفية وسبب تسميتهم بها من أشهر الأسماء لهذه الطائفة اسم "الصوفية"، ولهم أسماء أخرى غير مشهورة علي ألسنة الناس، ومن تلك الأسماء التي أطلقت عليهم أو أطلقوها هم علي أنفسهم: ١ - الصوفية: وهو الاسم المشهور الذي يشمل كل فرقهم، وهم يرضون به ويتمدحون بالانتساب إليه، وقد سبق تعليل هذه التسمية.٢ - أرباب الحقائق: لزعمهم أنهم وصلوا إلى حقائق الأمور وخفاياها بخلاف غيرهم من الناس الذين أطلقوا عليهم اسم "أهل الظاهر"و"أهل الرسوم" (١).٣ - الفقراء: وهو اسم زعم السهروردي أن الله هو الذي سماهم به حيث قال: "وأهل الشام لا يفرقون بين التصوف والفقر يقولون: قال الله تعالى لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ [البقرة:٢٧٣]، هذا وصف الصوفية، والله تعالى سماهم فقراء" (٢).٤ - ويسمون شكفتية في خرسان نسبة إلى الغار، قال السهروردي عن الصوفية في خرسان: "كان منهم طائفة بخرسان يأوون إلى الكهوف والمغارات، ولا يسكنون القرى والمدن يسمونهم في خرسان شكفتية؛ لأن شكفت اسم الغار؛ ينسبونهم إلى المأوى والمستقر" (٣).٥ - جوعية: قال السهروردي: "وأهل الشام يسمونهم جوعية" (٤).٦ - الملامية أو الملامتية: وقد عنون المنوفي لها بقوله: "أهل الملامة والملامتية" (٥).والملامتية هي إحدي تطور المذهب الصوفي ووساوسه المتشعبة وأمانيه البراقة، وهذه الملامة التي يعتنقها بعض الصوفية ويتظاهر بها هي في أحد مفاهيمها بعينه، يدخل فيه الشخص من حيث يشعر أو لا يشعر، بل وسموه النفاق المحمود (٦)، حين يأتى الصوفي بما يلام عليه لأجل أغراض سامية فيما يزعمون، ولكن متى كان النفاق محموداً؟! والملامتي حسب المفهوم الصوفي عرفه السهروردي بقوله عن بعضهم: "الملامتي هو الذي لا يظهر خيراً ولا يضمر شراً"، ثم قال: "وشرح هذا هو: أن الملامتي تشربت عروقه طعم الإخلاص وحقق بالصدق، فلا يحب أن يطلع أحد على حاله وأعماله ولا يتم هذا الإخلاص إلا إذا أصبح يستوي عنده المدح والذم له من الناس، وألا يفكر في اقتضاء ثواب العمل في الآخرة" (٧). ويعللون لهذا بأنه مع الناس في الظاهر، وهو مع الله في الباطن مهما كانت أفعاله في الظاهر. ومن هنا أبو سعيد الخراز: "رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين "ومن شرح السهروردي هذا الكلام بقوله:"ومعنى قوله: إن إخلاص المريدين معلول برؤية الإخلاص والعارف منزه عن الرياء الذي يبطل العمل، ولكن لعله يظهر شيئا من حاله وعمله بعلم كامل عنده فيه؛ لجذب مريد أو معاناة خلق من أخلاق النفس في إظهاره الحال والعمل، وللعارفين في ذلك علم دقيق لا يعرفه غيرهم، فيرى ذلك ناقص العلم صورة رياء، وليس برياء إنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس ووجود آفة فيه (٨). والصحيح أنه التلاعب بعقول الناس والترويج للباطل بأبطل منه وقلب للحقائق، إذ كان الأولى أن يغلظ ذنب العارف لا أن يكون الرياء منه أفضل من غيره، ومتى كانت دعوة المصلحين تقوم علي أساس مداهنة الناس ومراءاتهم؟ ! وأيضاً كيف صح له أن يصف محض الرياء بأنه ليس رياء وإنما هو صريح العلم لله وبالله من غير حضور نفس؟!

стр. 2971

فمن يقبل هذا الخداع ويتهم نظره وعقله، ويصدق بأن تلك الحال التي اعترت الصوفي إنما هي من أجل أن يجذب المريد أو يرد أن يذل نفسه، فمن أين يعلم الناس ذلك حتى يمكنهم أن يسموا الرياء عبادة لله؟؛ ولهذا فإن من الثابت عندهم أن كل ما يصدر عن الصوفي ينبغي أن يفسر بخير حتى وإن كان فعل الفواحش، فيجب الاعتقاد علي أنه لم يفعل ذلك إلا لحكمة جليلة، كما بين ذلك الشعراني في طبقاته وغيره من كبار الصوفية، في تراجمهم لسادتهم عتاة الصوفية. وفي هذا يقول الدباغ:"إن غير الولي إذا انكشفت عورته نفرت منه الملائكة الكرام- والمراد بالعورة العورة الحسية، والعورة المعنوية التي تكون بذكر المجون وألفاظ السفه- وأما الولي فإنها لا تنفر منه إذا وقع له ذلك؛ لأنه إنما يفعله لغرض صحيح فيترك ستر عورته لما هو أولي منه" (١). ويؤكد الفوتي ظان الواجب في حق المشايخ والأولياء- وهو كثير جداً- منه: ١ - عدم الاعتراض علي الشيخ في أي شيء يفعله ولو كان ظاهره حرام.٢ - أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل (٢). وشروط أخرى يندى لها الجبين ويموت القلب حسرة لأولئك الذين أذلتهم الصوفية وملكت عليهم كل عرق ينبض بالحياء والحياة، وذكر علماء التصوف أمثلةً وأخباراً كثيرة في وجوب التسليم والرضاء لكل ما يفعله الولي الصوفي مهما كان ذلك العمل، وهو ما قرره الفوتي وعلي حرازم والشعراني والمنوفي وأبو يزيد البسطامي والسهروردي وغيرهم من كبار الصوفية المجرمين في حق البشرية. ومهما كان، فإن الملامتية في حقيقتها إنما هي إحدى مصايد الصوفية مهما زخرفوا القول فيها. وقال ابن عربي عن هؤلاء الملامتية:"أنهم رجال قطعهم الله إليه وصانهم صيانة الغيرة عليهم؛ لئلا تمتد إليهم عين فتشغلهم عن الله. لقد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين (٣).ويرى ابن عربي في فتوحاته المكية أن هذا الاسم أطلق عليهم؛ لأنهم أخفوا مكانتهم الشريفة في العامة، فكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها (٤).وقد شبههم المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء) بأهل الكهف في فتوتهم وحالهم، حين قال في التعريف بهم: "الملامة نعت لإبدال أهل الفتوة، واسم الملامية أو الملامتية أطلق علي قوم يلومون أنفسهم مع حسن أحوالهم ونموها"، وقد استفاض المنوفي في الأمثلة للملامتية وحشر كثيراً من الناس أمثلة للفتوة (٥). وقد قسم شيخ الإسلام الملامية إلى قسمين: ملامية يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وهؤلاء هم أهل الملام المحمود. وملامية يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصرون على الملام في ذلك والصبر عليه، وهؤلاء هم أهل الملام المذموم. قال: "وبهذا يحصل الفرق بين الملامية الذين يفعلون ما يحبه الله ورسوله ولا يخافون لومة لائم في ذلك، وبين الملامية الذين يفعلون ما يبغضه الله ورسوله ويصبرون على الملام في ذلك" (٦).وأشار العلامة ابن الجوزي – ﵀ – إلى مسلك من مسالك هؤلاء الملامية، وهو: ارتكاب المعاصى بحجة عدم لفت الأنظار إلى صلاحهم – كما يتصورون – فقال وفي الصوفية قوم يسمون الملامتية اقتحموا الذنوب وقالوا: مقصودنا أن نسقط عن أعين الناس فنسلم من الجاه، ثم قال معلقاً على هذا الزعم الباطل: وهؤلاء قد أسقطوا جاههم عند الله لمخالفة الشرع" (٧). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ٨٧٤

стр. 2972

الفصل السادس: المراتب والمصطلحات • المطلب الأول: الغوث. • المطلب الثاني: الأوتاد. • المطلب الثالث: القطب. • المطلب الرابع: الأبدال " البدلاء ". • المطلب الخامس: النجباء.

стр. 2973

المطلب الأول: الغوث ولا يكون إلا غوث واحد وهو في مكة المكرمة. وهو الذي يغيث الله به أهل الأرض في رزقهم ونصرهم، ويطلق عليه البعض القطب الغوث. ويرى آخرون أن الغوث يطلق على القطب حينما يلتجئ إليه الناس والبعض يطلق عليه قطب الأقطاب. والاعتقاد بالغوث الغائب الحاضر من الشرك، فإن الله هو المغيث وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه. ويقول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ إن لفظ الغوث والغياث لا يستحقه إلاّ الله تعالى فهو غيّاث المستغيثين وعليه فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم - التي يطلبون بها كشف الضر عنهم - إليهم ونزول الرحمة بهم فهو كاذب ضال مشرك. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٤

стр. 2974

المطلب الثاني: الأوتاد وعددهم أربعة أوتاد، وهم الذين يثبت الله بهم الإيمان في قلوب الناس كما تثبت الجبال الأرض. وسموا أوتاداً تشبيهاً لهم بالجبال التي يثبت الله بها الأرض قال تعالى وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ:٧]. ويكون كل واحد منهم في جانب من جوانب الأرض الأربعة أي أنهم في المشرق والمغرب والشمال والجنوب. وقال أحد المهاويس: إن مصر يحرسها أربعة ولولاهم لأصبحت في خبر كان قلت له (والكلام للكاتب)، احك لي. قال: الدسوقي والبدوي يحرسان الوجه البحري والأسيوطي والقناوي يحرسان الوجه القبلي. قلت له: إن الوجه القبلي أكبر من الوجه البحري ونحن في حاجة إلى عدد أكبر من ذلك فقال لي: على كل حال يوم الخميس حيث تعقد كل يوم خميس رئاسة رئيسة الديوان السيدة زينب، سوف أعرض عليها طلبكم وسوف ألح على المجلس أن يلبي طلبكم يا صعايدة. إنه كلام يدل على السذاجة وعدم العلم بل الجهل بالخالق وبربوبيته على خلقه. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٣٤، ٣٥

стр. 2975

المطلب الثالث: القطب والأقطاب عددهم سبعة أقطاب: الواحد قطب وسمي بذلك لأنه يكون قطب في القطر الموجود فيه كقطب الرحى، وبوجوده تحفظ البلاد، والمراد بالقطب هو الذي يحفظ الله به الشيء كقطب الدين وقطب القرية، وكل من دار عليه أمر من أمور الدنيا أو الدين فهو قطب. ويعتبر الجرجانى القطب أعلى منزلة عند الصوفية لأنه يعتبر الغوث قطباً والقطب هو موضع نظر الله في كل زمان وهو يسري في الكون وأعيانه الظاهرة والباطنة سريان الروح في الجسد. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٥

стр. 2976

المطلب الرابع: الأبدال " البدلاء " وعددهم أربعون بدلاْ، وسموا بالأبدال لأنهم ثابتون من حيث العدد كلما توفي أحدهم يسر الله تعالى واحداً غيره، وقيل: هم الذين أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بالحسنات، وهم بالشام، واستدلوا على ذلك بحديث منقطع الإسناد- كما يذكر ذلك ابن تيميه وهو عن علي ﵁ مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ قال: ((الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)) (١). ويرى الجرجانى إن البدلاء سبعة رجال، من سافر منهم يترك جسداً على صورته حياً بحياته، ظاهراً بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد وذلك هو البدل لا غير، ويقول إن الأربعين الموجودين في الشام هم النجباء وليس الأبدال. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٦

стр. 2977

المطلب الخامس: النجباء وعددهم ثلاثمائة، وهم في الشام، وتزعم الصوفية أن الأعمال وسؤال الحاجات ترفع إلى الأبدال ثم إلى الأقطاب ثم إلى الأوتاد ثم إلى الغوث الذي يقوم بقضاء الحاجات. والنجباء مشغولون بحمل أثقال الخلق وخاصة التي لا تفي القوة البشرية بحملها (١). ويزعم أصحاب هذه المعتقدات أن أصحاب هذه الألقاب هم من الأولياء الذين لا تخلو منهم الأرض فهم موجودون في كل زمان وفى كل مكان. ويعتقد هذه المعتقدات كثير عن أصحاب الطرق الصوفية. فإذا كان الأمر كذلك فمن حد لهؤلاء الأولياء حداً، والولاية ثابتة بالكتاب والسنة، فكيف حصرها الصوفية في هذه الأعداد والتحديد يحتاج لدليل شرعي. ثم إن هذه الألفاظ والمسميات لم ترد على ألسنة السلف الصالح، والذين ذكروهم من الأوائل كابن تيمية ﵀ إنما ذكرهم على سبيل الذم والنقد. وإن زعم زاعم أن الأرض لا تخلو من هؤلاء فلم لم يحدثنا عنهم الرسول محمد صلى الله علية وسلم، وهو الذي لم يترك خيراً إلا دلنا عليه ولا شراً إلا حذرنا منه. وهل وجودهم مقتصر على أمة محمد ﷺ ؟ فان كان مقتصراً عليها فكيف يزعمون أن الأرض لا تخلو منهم؟ وان كانوا فيمن قبله فأين هم في قوم نوح وإبراهيم وموسى وعيسي عليهم وعلي نبينا أفضل الصلاة والسلام؟ ولمَ لمْ يحدثنا محمد ﷺ عنهم؟. وكيف هم في الشام وفتحها جاء متأخراً عن عهد رسول الله محمد ﷺ ؟ وقد ذكر رسول الله ﷺ فضل الشام وفضل اليمن وغيرها من البقاع ولم يذكر في فضل الشام وجود هؤلاء الأولياء المزعومين. وكيف ترفع حوائج الناس عن طريق هؤلاء؟ والرسول ﷺ يقول ((يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا بصيرا. إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) (٢). ويقول تعالي: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦]. ثم إن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقاً في كل زمان، بل يجب القطع بأن هذا على عمومه باطل. فإن المؤمنين يكثرون تارة ويقلون أخرى، ويقل فيه السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى، وينتقلون في الأمكنة ليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى، ومن يدخل منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة. وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة، فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ومن الممتنع أن يكون منهم الكفار، ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصى عدده إلاّ رب العالمين، لا يحصون ثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف، ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان أيضاً في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين ومن جعل لهم عدداً محصوراً لازماً فهو من الظالمين عمداً أو خطأً ". المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٦ - ٣٨

стр. 2978

المبحث الثاني: مصطلحات الصوفية الكشف وهو الاطلاع على ما وراء الحجب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجوداً أو شهوداً أو هو اطلاع أحد المتحابين المتصافين صاحبه على باطن أمره وسره. أو هو ما يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالقلوب على المطلوب. ويعني هذا أن الكشف هو العلم اليقيني الذي ينكشف فيه للصوفي العلوم والمعارف انكشافاً تاماً لا يبقى معه ريب ولا شك، لذلك نجد أن بعض الصوفية جاءوا بمعان جديدة للقرآن والسنة والآثار وزعموا أنهم يأخذون ذلك عن الله مباشرة وليس عن الموتى بزعمهم، وقالوا إن علماء الشرائع يأخذون ميتاً عن ميت وهم يأخذون عن الحي الذي لا يموت. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٨ الفيض الإلهي وينقسم إلى قسمين: أحدهما: الفيض الأقدس: وهو تجلي الواحد أو التجلي الذاتي الموجب لوجود الأشياء واستعداداتها في الحضرة العلمية " في العالم المعقول ". ثانيهما: الفيض المقدس: وهو تجلي الواحد أو التجلي الموجب لظهور الأعيان في الخارج. فالأول: وجودها في العلم والعقل. والثاني: وجودها في الخارج مع لوازمها وتوابعها. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٨ وحدة الوجود تنسب نظرية وحدة الوجود إلى ابن عربي الذي جعل الله والخلق شيئا واحداً وجعل الإنسان والإله في مرتبة واحدة. حيث تقوم هذه النظرية في مدلولها البسيط على أن كل الموجودات التي في الكون رغم كثرتها وتعددها شيءٌ واحد وهذا الشيء هو الله سبحانه فالله يظهر ويتجلى في صور متعددة بزعمهم. والمراد بها أيضاً أن الله هو الحق، وليس هناك إلا موجود واحد هو الموجود المطلق وهو الله فليس غيره في الكون، وأما العالم فهو مظهر من مظاهر الذات الإلهية، والعالم ليس له وجود في ذاته لأنه صادر عن الله بالتجلي. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٩ الاتحاد يعني أن الإنسان يتحد بالله، وفي حالة الاتحاد قد يفقد الشيء ذاتيته أو بعض أوصافها أو خصائصها وفيه تكون الذاتان أكثر تداخلاً وأكثر قرباً. وتنسب هذه النظرية للبسطامي. وهو شهود الوجود الواحد المطلق، فالكل يتحد بالحق من حيث كون كل شيء موجوداً به، معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً انحل به فإنه محال. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٣٩ الحلول الحلول يعني أن الله تعالى حل في جميع أجزاء الكون في البحار والجبال والصخور والأشجار والإنسان والحيوان. مع بقاء عنصر كل من الطرفين – اللذين حل أحدهما في الآخر – على حالته الأولى فمن زعم أن الإله حل في البقرة فإن البقرة ما زالت هي هي تحلب وتؤدي وظائفها كما هي. الفرق بين الحلول والاتحاد ووحدة الوجود: الحلول يعني وجود شيء داخل شيء آخر دون أن يفقد أحدهما طبيعته أو هويته أو ذاتيته أو ماهيته فتحل الذات الإلهية في الذات الإنسانية فيحل على حد تعبيرهم اللاهوت في الناسوت. أما الاتحاد فيكون أكثر قرباً وامتزاجاً وتداخلاً، وقد يفقد الشيء الممتزج ذاته أو بعض صفاته وخصائصه. أما وحدة الوجود فتعني أن الله هو الموجود وما سواه فناء وأن الأشياء في الأصل كلها شيء واحد ولكنه قد يظهر بمظاهر متعددة فيظهر الله تعالى في صور الكائنات المتعددة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٣٩، ٤٠ الوقت

стр. 2979

يقول أبو علي الدقاق: " الوقت ما أنت فيه " فإن كنت في سرور فوقتك السرور، وكذلك الحزن، ويعنى هذا أن الوقت هو الحاضر، وكما يقال الوقت بين زمانين أي الماضي والمستقبل. لذا يرون التفكير في الوقت الماضي هو ضياع وقت حاضر، والانشغال بالمستقبل " الغيب " كذلك. ويرون الموت هو ضياع الوقت، لأن العمر وقت وقيل في هذا المعنى: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وقال الجرجانى: الوقت عبارة عن حالك، وهو ما يقتضيه استعدادك وهذا بنفس المعنى الذي ذهب إليه الدقاق. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٠ المقام والمراد بالمقام المنزلة التي يقيم عليها المتأدب، وهو ما يشتغل به العبد من الآداب والمعاملات والمجاهدات في ظاهره وباطنه وشرطه ألا يرتقي إلى مقام آخر حتى يستوفى ما هو فيه، فإنه من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومن لا توكل له لا يصح له التسليم، ومن لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد. ومن أمثلة المقام التوبة والصبر والشكر والزهد والخوف والرجاء والتوكل والرضا، فقد كان مقام آدم ﵇ التوبة، ومقام نوح ﵇ الزهد، ومقام إبراهيم ﵇ التسليم، ومقام موسى ﵇ الإنابة، ومقام داوود ﵇ الحزن، ومقام عيسى ﵇ الرجاء، ومقام يحيى ﵇ الخوف، ومقام محمد ﷺ الذكر. ونحن لا نقرهم على هذا فإن الأنبياء ﵈ كانوا يقيمون على جميع الأحوال سالفة الذكر. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٠، ٤١ الحال والحال معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب، مثل طرب أو حزن أو بسط أو قبض، أو شوق أو انزعاج أو هيبة. وقيل إن الحال تدوم، وقيل إنها عرضة للزوال، والصواب أن الحال قابلة للزوال، قبل زوالها تسمى حالاً، وعندما تزول تسمى وارداً، والوارد هو كل ما يرد على القلب من المعاني الغيبية، من غير تعمد. فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود. وعلى ذلك فالمقام ثابت ومستقر بخلاف الحال فإنه متغير ومتحول وزائل وقد يتصف المريد به في وقت دون آخر فإذا تكرر حدوثه للمريد فقد يستقر ويصبح مقاماً. ومن أمثلة الحال: المحبة والشوق والأنس والقبض والبسط والبقاء والفناء والمكاشفة والمشاهدة والغيبة والحضور. ملاحظة: نلاحظ أن الهجويري ذكر الخوف والحزن في المقامات وهي في الحقيقة أحوال لأنها غير متكلفة. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤١، ٤٢ القبض والبسط وهما حالتان تردان على العبد، تقربان من الخوف والرجاء، أو يسببهما الخوف والرجاء، بمعنى أن العبد يرتقي من حال الخوف والرجاء إلى حال القبض والبسط. يقول الجنيد: الخوف من الله يقبضني، والرجاء منه يبسطني. والخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب، والقبض والبسط يتعلقان بأمر حاضر في الوقت ويغلب علي قلب العارف من وارد غيبي. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٢ التواجد والوجد والوجود التواجد استدعاء الوجد بنوع من الاختيار، وليس لصاحبه كمال الوجد لأنه غير متكلف.

стр. 2980

والمواجيد جمع وجد، والوجد ما يصادف القلب، ويرد عليه بلا تكلف ولا تصنع، وقيل هي بروق تلمع ثم تخمد سريعاً والوجود فقدان العبد بمحاق (بزوال) أوصاف البشرية ووجود الحق لأنه لا بقاء للبشرية عند ظهور سلطان الحقيقة، فالتواجد بداية، الوجود نهاية، والوجد واسطة بين البداية والنهاية. يقول الحسين النورى: أنا منذ عشرين سنة بين الوجد والفقد، إذا وجدت ربي فقدت قلبي، وإذا وجدت قلبي فقدت ربى. وفى هذا المعنى يقول الشاعر: وجودي أن أغيب عن الوجود بما يبدو عليَّ من الشهود والوجد والتواجد هو نتيجة سماع شيء مثير للوجدان كالقرآن والمدائح والغناء، فعند السماع يحصل لهم هيجان وثوران، وتمايل ورقص وحركات بهلوانية حتى يفعل الواحد منهم أفعالاً لا يستطيعها في غير هيجانه (حضوره). يقال إن جهماً الدقي في حال هيجانه أخذ شجرة فاقتلعها من جذورها. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٢ الفناء والبقاء والفناء هو سقوط الصفات الذميمة، والبقاء بروز الأوصاف المحمودة، والفناء والبقاء متلازمان، فمن فني عن شهوته بقى بإخلاصه وعبوديته، ومن فني عن الدنيا بزهده فيها بقى بصدق إنابته. وفناء الجهل ببقاء العلم، وفناء المعصية ببقاء الطاعة وفناء الغفلة ببقاء الذكر. والفناء مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق تعالى في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه فالنفي هو الفناء والإثبات هو البقاء ومن بقي بطاعته عن طاعة ما سواه هو البقاء وحقيقته أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص٤٣ الغَيبة والحضور والغيبة هي غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق لانشغال الحس بما ورد عليه من تذكر ثواب أو عقاب روي أن الربيع بن خثيم كان يذهب إلى ابن مسعود ﵁ فرأى الحديدة المحماة في كير أحد الحدادين فغشي عليه، فلما أفاق من غيبته " حضر " سئل عن ذلك فقال: تذكرت كون أهل النار في النار. وسبب ترك أبي حفص النيسابورى الحداد حرفته أنه سمع آية من القرآن، فورد على قلبه وارد غفل فيه عن إحساسه فأدخل يده في النار وأخرج الحديدة المحماة دون أن يتألم، فلما رأى ما ظهر علية ترك حرفته. فالغيبة تكون عن الخلق والحضور بالحق، لتغلب ذكر الله على قلبه والسكر هو الإحساس بالانبساط حال غيبته وإن كان سكره مستوفيا لم يشعر بشيء حال سكره، والصحو هو الإفاقة من السكر الذي كان فيه. والسكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد. المصدر: مفهوم التصوف وأنواعه في الميزان الشرعي لمحمود يوسف الشوبكي (مجلة الجامعة الإسلامية- المجلد العاشر) - ص ٤٣ المحاضرة والمكاشفة والمشاهدة المحاضرة حضور القلب عن دوام الفكر وتواتر البرهان واستيلاء سلطان الذكر، والمكاشفة حضوره بنعت البيان بغير افتقار إلى التأمل ودوام الفكر والمشاهدة حضور الحق من غير بقاء تهمة " شك " والمعنى أن تتوالى أنوار التجلي على قلبه من غير أن يتخللها ستر وانقطاع كما لو قدر تتابع البرق واتصاله في الليلة الظلماء فتصبح كضوء النهار فكذلك القلب إذا دام به التجلي فإنه يرى الحق من غير شك. لذا قال النوري: لا يصح للعبد المشاهدة ما دام حياً. وقال الجنيد صاحب المحاضرة مربوط بآياته، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته، وصاحب المشاهدة ملقى بذاته، صاحب المحاضرة يهديه عقله، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته.
следующие страницы →