← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

المطلب الثالث: مؤلفات أحمد الرفاعي وقد نسبت إلى الرفاعي كتب ورسائل عديدة، فأما الكتب فنسب إليه كتاب (البرهان) المؤيد وكتاب (حالة أهل الحقيقة مع الله)، وهذان الكتابان يعتبران عند الرفاعية من أوثق ما نسب إلى الشيخ. فإنهم يقولون عنه: «هذا الكتاب الذي عز شأن سبكه عن المثيل، الذي جمعه من مجالس وعظه شرف الدين بن عبد السميع الهاشمي الواسطي، وقال شيخنا القوصي: ما قرئ هذا الكتاب - يعني البرهان المؤيد - على أهل مجلس إلا وظهرت لهم نفحات العرفان والإخلاص والتمكن». (١) أما كتاب (حالة أهل الحقيقة مع الله) فإنه ليس له مستند يصحح نسبته إلى الشيخ أحمد ﵀، وإنما أكد أتباعه صحة نسبته إليه، وهذا الكتاب عبارة عن تعليقات على الأحاديث التي يأتي لها بأسانيد خاصة بأهل البيت عن النبي ﷺ لم تذكر في كتب الحديث كالبخاري ومسلم. ويظهر منه عدم التضلع في علم الحديث حيث أنه يذكر كثيرا أحاديث لم تصح مثل حديث ((من ولد له ولد فسماه محمدا كان هو ومولوده في الجنة)) (٢) وحديث: ((نظر الولد إلى والديه عبادة)) (٣) بل ويكثر أن يقول: (قال الله في بعض كتبه) (٤) ثم يعول على غرائب الإسرائيليات. وفي هذين الكتابين يميل إلى نقل حكم الصوفية وأقوالهم وقد ينقل من كلامهم ما لا يليق بالمسلم اعتقاده مثل تزهيد الناس في الجنة والنهي عن طلبها مثل أن ينقل عن إبراهيم قوله: «إلهي إنك تعلم أن الجنة وما فيها لا تزن عندي جناح بعوضة بعد ما وهبت لي معرفتك». وأن رابعة كانت تصف من يطلب الجنة أنه «أجير سوء». (٥) مع أنه يذكر أيضا نقيض ذلك في الكتاب نفسه (٦).وكذلك ينقل فيهما دعوة المحبين إلى الرضا بالنار وحمد الله على الدخول فيها يوم القيامة لأنها من قضاء الله! مثل قوله: أن الله أمر جبريل أن يخبر أحد العابدين أنه من أهل النار فلما أخبره خر ساجداً يشكر الله ويقول: «لك الحمد يا مولاي على قضائك وقدرك حمدا يعلو حمد الحامدين». (٧) وكذلك ينقل عنهم الاستهانة بها مثل قول أحدهم: «إلهي لا تدخلني في النار فإنها تصير علي بردا من حبي لك» (٨).وكذلك يتضمن مخالفات صريحة للتعاليم النبوية مثل أنه أورد حديثا لا صحة له يوبخ فيه النبي ﷺ أحد الناس لأنه قبل ولده (٩) مع أن الثابت عنه ﷺ عكس ذلك تماما.

стр. 3607

هذا ما وجدته في الكتابين غير أنه ليس باليد ما يؤكد صحة نسبتهما إليه والله أعلم. ولعله أن يكون من الصحيح أن لا تصح نسبة ذلك إليه ﵀. وهناك كتب أخرى جمعها المنتسبون إليه من بعده ككتاب (المجالس الرفاعية)، وكتاب (رحيق الكوثر) وكتاب (حكم الرفاعي). وذكر الزركلي بعضا من أبيات الشعر التي نسبت إليه وقال أن الصحيح أنها ليست له (١).ومهما يكن من أمر فإن هذه الكتب إن ثبت صحتها فإن فيها ما يضاد كثيرا من المبادئ السنية الصحيحة بما يتنافى واعتقادات من انتسبوا إليه من بعده ممن يستغيثون بغير الله، فإننا نجد في كتابه (حالة أهل الحقيقة مع الله) النهي عن الاستغاثة بغير الله مرات عديدة، فيذكر فيه مثلا أن الله غضب من أحد الزهاد لما أراد أن يستغيث بغيره وقال له: ((أتستغيث بغيري وأنا الغياث؟)). (٢) وكذلك كان موقفه من البدع أشد بكثير مما هو حال المنتسبين إليه اليوم، وكان يقول: «من لم يزن أقواله وأفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره لم يثبت في ديوان الرجال». (٣) إذن فهذان الكتابان يظهران الرفاعي في شخصية تختلف تماما عن الصورة التي ترسمها كتب الرفاعية في ذهن القارئ. إننا نجد الرفاعي هنا ينهى عن الاستغاثة بغير الله وعن الابتداع في الدين مهما كان قليلا إلى درجة أنه يروي عن أحد السلف توقفه عن أكل البطيخ لأنه لم يرو له أن السلف أكله: فهل يتفق حاله هذا مع ما عليه المنتسبون إليه من بعده؟ وهل التزموا ما كان يحث عليه من التقيد التام بالكتاب والسنة وترك بناء الدين على المنامات واستنباط أحكام الدين من المشاهدات المنامية وإن خالفت الأحكام الشرعية؟ فلنتابع قراءة الفصول القادمة فإنها تحكي الجواب على ذلك المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١١ - ١٤

стр. 3608

المطلب الرابع: سيرة الرفاعي من خلال كتب التصوف ولد الشيخ أحمد الرفاعي ﵀ في أول سنة خمس مائة. تختلف سيرة الرفاعي عند الرفاعية تختلف اختلافا كبيرا عما نجده من سيرته في كتب المؤرخين وما على القارئ إلا أن يتابع ما أنقله عن كتبهم ليتأكد من ذلك. - مولده وخلقته: لقد سرى بين الصوفية اعتقاد أن الأنبياء والأولياء خلقوا من مادة متميزة على المادة التي خلق منها البشر. فنجد عند السهروردي مثلا أن الطينة التي خلق منها البشر قد وطئتها قدما إبليس قبل أن يأخذها جبريل لتتكون منها المخلوقات. بينما الطينة التي خلق منها الأنبياء والأولياء لم تمسهما قدما إبليس فبقيت زكية نقية. (١) وأما أرواح الأنبياء والأولياء فإنها تختلف أيضا عن طبيعة أرواح البشر كما يراه الإمام الغزالي، حيث يصف أرواح الأنبياء والأولياء بـ «الروح الأمرية» وأرواح باقي البشر بأنها «الروح البهيمية». (٢) وكانت هذه الأفكار مصدرا لباقي المتصوفة الذين غلوا في مشايخهم، حيث جعلوا لهم خلقة غير الخلقة المعهودة عند باقي البشر. فنجد محمد أبا الهدى الصيادي الرفاعي يجعل روح الشيخ أحمد الرفاعي مركبة من خلاصة أرواح الأنبياء بل من نور وجه الله . فقد جاء في كتابه (قلادة الجواهر) أن الشيخ أحمد الرفاعي قال: «وحق العزيز : قبض العزيز ﷻ من نور وجهه قبضة فخلق منها سيدنا المصطفى محمدا ﷺ فرشحت فخلقني منها» (٣).وجاء في كتاب (الروض النضير) أن الله أمر كل نبي أن يعطي شيئاً من روحه إلى الشيخ الرفاعي، فأجاب الأنبياء ربهم إلى ذلك، وأعطى كل منهم شيئاً من روحه إلى الشيخ الرفاعي، فتكونت روحه من أرواحهم ومن روح جده المصطفى. (٤) وبهذه الأقاويل يعطون الشيخ الرفاعي ميزة في الخلق على عامة البشر ليكون من طينة الأنبياء والأولياء الخاصة. يلحقونه بمرتبتهم ويجعلونه مشابها لهم في الأحوال والأقوال والأفعال والمقامات المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٥، ١٦

стр. 3609

المطلب الخامس: قصة نسب الرفاعي إلى آل البيت وقد نسب بعضهم الشيخ الرفاعي إلى آل بيت النبي ﷺ وألف الرفاعيون العديد من الرسائل والكتب لإثبات نسبته إليه ﷺ وقد تزعم هذه الحملة محمد أبو الهدى الصيادي الذي لم يزل يذكر هذه النسبة في رسائله التي كتبها عن الرفاعي، وخصص لهذا الموضوع مؤلفات منها: ١ - كتاب (التاريخ الأوحد) للغوث الرفاعي الأمجد. ٢ - كتاب (سلاسل القوم). وقد كان يقول: «الشيخ الإمام أحمد بن علي بن يحي بن ثابت بن حازم بن أحمد بن علي بن الحسن الملقب برفاعة بن المهدي بن محمد بن الحسن بن الحسين أحمد بن موسى بن إبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ﵁» (١).ومع القناعة التامة بأن النسب لا يقدم ولا يؤخر في صلاح المرء أو فساده فلا يجعل الرفيع وضيعا ولا الوضيع رفيعا، فإن مدار النجاة على الإيمان والعمل الصالح، غير أنني أجد ضرورة متابعة هذه النسبة للقناعة التامة أيضاً بأن الصوفية دأبوا على ربط من يعظمون من مشايخهم بآل البيت، وعلى وضع أنساب مكذوبة عليهم مثلما فعلوا في الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى حيث نسبوه إلى أهل البيت مع أنه من قبيلة «جنكي دوست» الفارسية (٢). وهذا الاسم كما ترى أعجمي. فالشيخ عبد القادر ﵀ فارسي الأصل بشثبري النسب. (٣) وقس على ذلك. وقد أنكر المحققون نسبة الرفاعي إلى أهل البيت، منهم بعض أهل الطريقة القادرية الذي كتبوا مصنفات ورسائل تبطل ما يدعيه الرفاعية من وجود أي صلة نسب بينه وبينهم. ومن ذلك كتاب (الفتح المبين فيما يتعلق بترياق المحبين) لظهير الدين القادري الذي نقل فيه عن العلامة شمس الدين ناصر الدمشقي أنه قال: «لم أعلم للرفاعي نسباً صحيحاً إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى أحد من ذريته الأطايب، وإنما الذي وصل إلينا وساقه الحفاظ وصح لدينا أنه: أبو العباس أحمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة المغربي الأصل البطائحي الرفاعي، نسبه إلى جده الأعلى رفاعة، قدم والده أبو الحسن رحمة الله عليه من بلاد المغرب فسكن البطائح». (٤) وكذلك نفى عالم الأنساب «ابن طباطبا» هو وتلميذه ابن معية أن تكون للرفاعي أية صلة بأهل البيت منكرا أن يكون هنالك أبو القاسم محمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد بن موسى». ونقل الصيادي عنهما قولهما: «وما رأينا ممن يملي النسب للحسين ذكر ولدا اسمه محمد أبو القاسم». ثم قالا: «ولم يذكر أحد من علماء النسب للحسين بن أحمد ولدا اسمه محمد، ولم يدّعِ السيد الرفاعي هذا النسب وإنما ادعاه أولاد أولاده». (٥)

стр. 3610

وكذلك تعقب علامة العراق الشيخ محمود شكري الألوسي، دعوى النسب الصيادي التي نافح عنها الصيادي مؤكدا على أن دعوى الانتساب إلى إبراهيم المرتضى من موسى الكاظم ﵁ لا أصل لها. قال: «فقد نقل عن صاحب (مختصر عمدة الطالب) أن الشيخ أحمد الرفاعي لم يدع هذا النسب وإنما ادعاه البطن الثالث من ولده ويقولون: أحمد بن علي بن الحسين المهدي بن أبي القاسم بن محمد بن الحسين بن أحمد بن موسى بن إبراهيم المذكور. قال أبو نصر البخاري: لا يصح لإبراهيم المرتضى عقب إلا من موسى وجعفر، ومن انتسب إلى غيرهما فهو كاذب». (١) وحتى الشيخ عبد الوهاب الشعراني الصوفي الذي لم يزل يذكر الرفاعي ومناقبه وأحواله فإنه لم يذكر هذا النسب، وإنما أورد عبارة توحي بالشك في صحة النسبة إلى أهل البيت، فإنه قال: «أحمد بن أبي الحسين الرفاعي منسوب إلى رفاعة قبيلة من العرب». (٢) وبالطبع لم ترض هذه العبارة الرفاعية فأبدى الصيادي تأسفه على كلمة: (منسوب) التي وردت في كلام الشعراني حتى قال: «وقد عاتبه بذلك الشيخ أحمد القليوبي في تحفة الراغب على ذلك فقال: فما أدري من أين أتى الشيخ ﵀ بهذه النسبة». (٣) ثم إن عامة المؤرخين أصحاب الطبقات ترجموا للرفاعي ولم يتطرق واحد منهم إلى ذكر نسبته إلى أهل البيت. فالسبكي ترجم للرفاعي في طبقاته ولم يذكر هذه النسبة. فإنه قال: «الشيخ الزاهد الكبير أحد أولياء الله العارفين والسادات المشمرين، أهل الكرامات الباهرة أبو العباس بن أبي الحسن الرفاعي المغربي، قدم أبوه إلى العراق ... » (٤) انتهى. وكذلك الأمر بالنسبة لعامة المؤرخين كالذهبي وابن كثير وابن العماد وابن الأثير وابن خلكان، فإنهم ترجموا للرفاعي ولم يذكروا له نسبة إلى أهل البيت. مع أن من عادتهم أنهم إذا ترجموا لرجل من أهل البيت ولم يفصلوا ذكر نسبه أن يضيفوا على الأقل ما يدل على نسبته إليهم مثل أن يستعملوا عبارة: «الحسيني» أو «الحسني» أو «العلوي» مع اسمه. مثال ذلك قال الذهبي: «الإمام القدوة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الهاشمي العلوي الحسيني» (٥).بينما نجده يقول في ترجمته للرفاعي: «أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة الرفاعي المغربي ثم البطائحي، قدم أبوه من المغرب وسكن البطائح. (٦) وقد علل الصيادي غفلة المؤرخين عن ذكر نسبة الرفاعي إلى أهل البيت بأن عامتهم يعنون بالوقائع التاريخية لا على أنساب الرجال وفضائلهم. وأنكر بالتالي عليهم لإطالتهم ترجمة الكثيرين من الظلمة وأهل الدنيا المحجوبين وعدم تعرضهم لأعالي مقامات المشايخ ولا إلى أنسابهم. (٧) وما قاله غير صحيح، فإن عامة المؤرخين ذكروا نسب الشيخ الرفاعي كابن خلكان وابن الأثير وابن العماد وابن كثير والذهبي وابن الوردي والصفدي (٨) غير أن السبب الحقيقي لنقمة الصيادي عليهم لأنهم لم يذكروا نسبة الرفاعي إلى أهل البيت، وهم محقون في عدم ذكر ذلك لعدة أسباب: أولاً: لأنه لا يوجد ما يؤكد صحة هذا النسب.

стр. 3611

ثانياً: إذا كان مؤرخا صوفيا كالشعراني يبدي الشك في نسبة الرفاعي إلى أهل البيت مع تعظيمه له، فلماذا يلام غيره على عدم إثباته هذه النسبة ما دام أنها مشكوك بها عند الصوفية قبل غيرهم. ثالثاً: أن ما يذكره المؤرخ إنما يجب أن يكون موثوقا به لا شك فيه، وليس بوسع المؤرخ الثقة أن يعتمد الأقاويل والشائعات ويجمع المعلومات جمع حاطب ليل، ولذا فإن عدم ذكر هؤلاء هذه النسبة إنما يدل على أصالتهم وأنهم كانوا يتوثقون مما يدونونه في كتبهم. فهذا مما يبعث على الثقة بهم. وليس الاختلاف حول نسبة الرفاعي إلى أهل البيت فحسب، وإنما الاختلاف أيضا حول حصول العقب منه. فالعلامة شمس الدين ناصر الدمشقي يقول: «إن الرفاعي لم يبلغنا أنه أعقب كما جزم غير واحد من الأئمة المرضية» (١) وعامة المؤرخين قد ذكروا بأن الشيخ لم يعقب وإنما العقب من أخيه. (٢) غير أن صاحب كتاب (النجوم الزواهر) يذكر أن الشيخ الرفاعي تزوج الصالحة الزاهدة «رابعة» أخت زوجته الأولى، وأعقبها السيد قطب الدين، وأن هذا الأخير تزوج في حياة أبيه وأنجب ولدا سماه «منصورا». (٣) وعلى العكس من ذلك فالصيادي يذكر أن قطب الدين توفي في حياة أبيه ولم يكن قد تزوج حينئذ، ودفن في قبة جده يحيى النجار، وأن من تؤول نسبتهم إلى الرفاعي إنما هم من بنتيه زينب وفاطمة. (٤) - كيف يثبت الرفاعيون نسبة شيخهم إلى آل البيت: وبما أن الدليل الذي قدمه الصيادي وغيره لإثبات نسبة الشيخ الرفاعي إلى آل البيت لم يكن كافيا: راحوا يستعيضون عن ذلك بالرؤى والحكايات المنامية. فقد ذكر الصيادي في كتابه (المعارف المحمدية) أن الشيخ أبا الفضل الواسطي كان ينكر نسبة الرفاعي إلى السلالة النبوية، وأنه رجع عن ذلك بسبب رؤيا منامية لا تميل النفس إلى تصديقها، وفيها أنه رأى أن القيامة قد قامت، واللواء على رأس محمد ﷺ وفاطمة بين يديه، والرفاعي عن يمينها. قال الواسطي: «وأنا على خوف عظيم، فدنوت من السيدة فاطمة واستنجدتها فأعرضت عني وقالت للشيخ الرفاعي: يا ولدي أحمد ما أعجب حال هذا الرجل، ينكر نسبك إلي ويستنجدني؟ والله لا نجدة له عندي إلا بواسطتك. فقال لي الرفاعي: أمي هذه أدرى بأولادها منك. فقالت السيدة فاطمة: الأدب الأدب مع السيد أحمد فإنه قطعة من كبدي». (٥) الدليل الآخر عندهم على ثبوت النسب: أن الرفاعي والجيلاني قالا ذلك والتأدب معهما يوجب تصديقهما من غير تردد ولا تثبت. فإن عدم تصديق ما قالوه من أنهم ينتسبون إلى أهل البيت قلة أدب في حقهم. والصحيح أنهما لم يثبت عنهما قول ذلك. قال محمد أبو الهدى الصيادي: «وقال رجل موصلي لشيخنا الشيخ عبد الرحمن جمال الدين الحدادي: يا سيدي إني رأيت بعضاً من كتب التاريخ سكت عن نسبة الشيخ عبد القادر الجيلاني وسكت عن نسبة السيد أحمد الرفاعي مع أنه عربي الأصل وأشهر منه بالسيادة، وقد قال بعض علماء فارس أن الشيخ عبد القادر «بشتبري» النسب وهكذا يقول بعض أهل بيته. فقال شيخنا قدس الله سره: أكفف يا ولدي عن الخوض واعلم أن من كتب التاريخ سكت عن نسبة الاثنين، إلا أن بعض الصوفية ذكر نسبة الشيخ عبد القادر حرصاً عليه لكيلا يطعن في نسبه من لا علم له لما اشتهر أنه من العجم ولما قيل فيه من أنه «بشتبري» النسب، والأصل الصحيح إنما هو رجل فاطمي لا ريب في نسبته إلى الجد الأعظم ﷺ سكن أجداده فارس إلى زمانه .. وهذا ما يجب علينا اعتقاده، فإن الأولياء أعلم منا بالأدب الديني والواجب الشرعي، ولو لم تكن نسبته ثابتة الوصول إلى الرسول لما ادعاها قط. وأما ما ذكرته من شهرة السيد أحمد الرفاعي بالسيادة وكونه عربي الأصل والمنشأ فهو السبب الذي اعتمد عليه الصوفية وسكت عن ذكر سلسلة نسبه». (٦) فهذا النص يبين أن من أهم أدلة الرفاعية على نسبة شيخهم إلى أهل البيت كونه عربي الأصل. وهذا ليس بكاف وإلا لجاز لكل عربي أن يسيغ لنفسه إلحاق نفسه بالنبوة لمجرد عروبته. الدليل الثاني حسب النص أن الرفاعي ادعى هذه النسبة. وهذا ما اتفق المؤرخون على خلافه، فإنهم ذكروا أن الرفاعي لم يدع هذا النسب وإنما ادعاه البطن الثالث من أولاده المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٣٣ - ٣٩

стр. 3612

المطلب السادس: قصة مد يد النبي من خارج قبره ومما يستدل به الرفاعية على صحة نسب الرفاعي إلى رسول الله ﷺ قصة مد النبي ﷺ يده إلى الرفاعي. وتفصيلها: أن الله ناداه: قم يا أحمد وزر بيت الله الحرام وزر النبي ﷺ ، فقال الرفاعي لربه: سمعا وطاعة. فسافر ومعه جم غفير إلى مكة ثم المدينة ووقف عند القبر وقال: السلام عليك يا جدي، فقال له النبي ﷺ : وعليك السلام يا ولدي. فتواجد الرفاعي وقال: في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي وهذه دولة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي فانشق التابوت ومد النبي يده إلى الرفاعي ليقبلها أمام جمع كبير من الناس يزيدون على التسعين ألفا وكان من بينهم عبد القادر الجيلاني وعدي بن مسافر وحيوة بن قيس الحراني. (١) واعتبروها حادثة متواترة يكفر منكرها (٢) ويصير خارجا من ملة الإسلام كما صرح الصيادي بذلك قائلا: «فخروج يد النبي ﷺ لسيدي أحمد بن الرفاعي ممكن ولا يشك فيه إلا ذو زيغ وضلالة، أو منافق طبع الله على قلبه، وإنكارها يؤدي إلى سوء الخاتمة». (٣) - التعقيب على هذه القصة: إن مجرد تهديد منكر هذه القصة بكفره وسوء خاتمته إنما كان بسبب ضعف الدليل الذي يمكن أن يقدمه الرفاعية لإثباتها، وإلا فالقصة من أساسها لا تثبت والأدلة على عدم ثبوتها كالآتي: (١) أن أصحاب كتب وتراجم الصوفية الأوائل كالسبكي والشعراني وابن الملقن والمناوي لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة مع أنهم كانوا أقرب إلى عصر الرفاعي من المتأخرين كالصيادي، وليس من المعقول أن يحرصوا على جمع كل ما روي عنه فيروون قصة الجرادة والبعوضة ويهملون هذه الحادثة التي اهتزت لها بقاع الأرض على حد تعبير الصيادي. (٢) أن المؤرخين - غير المتصوفة - كالذهبي وابن كثير وابن خلكان لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة إطلاقاً، ولو أنها وقعت حقيقة لتسابقوا إلى كتابتها. وقد ذكروا ما اشتهر به الرفاعيون من دخول النيران واللعب بالحيات وركوب السباع غير أنهم لم يتطرقوا إلى ذكر هذه الحادثة، الأمر الذي يبعث على الجزم بأن حبكها كان متأخرا عنهم. (٣) أن رواة هذه الحادثة هم «الصوفية» الذين شهد الرفاعي نفسه بأنهم يكذبون على مشايخهم وأئمتهم، حيث قال: «واحذر الفرقة التي دأبها التفكه بحكايات الأكابر وما ينسب إليهم فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم: وقال: «يا بني إذا نظرت في القوم الذين ادعوا التصوف وجدت أن أكثرهم من الزنادقة الحرورية والمبتدعة». (٤)

стр. 3613

وتصديقا لقول الرفاعي فإني أنقل عن الصوفية ما ورد في بعض كتبهم: - ذكروا أن إبراهيم الأعزب أنشد شعرا عند قبر النبي ﷺ فقال له النبي: «بارك الله بك، أنت منظور بعين الرضا». (١) - وأن الشيخ بهاء الدين الرواس الرفاعي وقف عند أحد القبور فخرج له إبراهيم ﷺ من القبر وأعطاه ورقة مكتوب عليها هكذا (محمد١١١١).ويتضمن هذا الرمز مئات الأسرار من كتاب (الجفر). (٢) - وأن الشيخ علي أبو الحسن الشاذلي استأذن في الدخول على رسول الله ﷺ فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة يقول له: «يا علي ادخل». (٣) - وأن عبد القادر الجزائري وقف تجاه القبر وقال: «يا رسول الله: عبدك ببابك، كلبك بأعتابك، نظرة منك تغنيني يا رسول الله عطفة منك تكفيني فقال له الرسول: أنت ولدي ومقبول عندي بهذه السجعة المباركة». (٤) فمع ما أنه ﵊ كان يكره السجع ويمقته ويصف أهله بأنهم «إخوان الكهان» (٥) إلا أننا نجده هنا يصف السجع بالمبارك!! - وأن الشيخ الشعراني قال: «ومما منّ الله علي: شدة قربي من رسول الله وهي المسافة بيني وبين قبره الشريف في أكثر الأوقات، حتى ربما أضع يدي على مقصورته وأنا جالس بمصر، وأكلمه كما يكلم الإنسان جليسه». (٦) وبهذا الزعم يصير الأمر مشاهدة عيانية لا منامية، وأي قيمة بعد ذلك لكتب السنة والحديث ما دام أنه ﷺ حي حاضر مع هؤلاء، وهل يصير اجتهاد المجتهدين في استخراج الأحكام إلا هدرا للوقت؟ هلا طلبوا من الصوفية استفتاءه ﷺ عنها توفيرا للوقت؟ وكيف يتفق أن يشتهر الصوفية بعدم الإلمام بالشريعة وبالحديث يخلطون بين الصحيح والموضوع من الحديث وبينهم رسول الله يحضرهم كلما شاؤوا؟؟ - أن الصيادي ذكر أن إبراهيم المتبولي كان يرى النبي ﷺ ويتلقى أوامره المحمدية، وأن أبا العباس المرسي كان يراه ﷺ ويرى الانحجاب عن رؤيته نقصا في مقام ولايته، وأن الشاذلي لم يكن طيلة حياته يفارق النبي ﷺ حيث يقسم على ذلك قائلا: «والله لو غاب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين». (٧) أن الصيادي ذكر أن أحد أعيان الطريقة (الشيخ جلال الدين) كان يجتمع بالنبي ﷺ يقظة لا في المنام، قيل له كم مرة رأيته يقظة؟ قال بضعا وسبعين مرة، فأيهما أعظم: من يستلم يد النبي ﷺ مرة واحدة أم من يجلس بجانبه يقظة ويحادثه أكثر من سبعين مرة؟!! (٨) (٤) أنهم زعموا أيضا أن النبي ﷺ رؤي في الرؤيا أنه شد الرحال إلى قرية الرفاعي والكعبة تسير معه وقد قال: «ها أنا والكعبة زائرون، وجلس ينادي أهل القرى في طريقه أن يزوروا معه الشيخ أحمد الرفاعي. (٩) ثم تبين للراوي أن الرؤيا حقيقية فقام وذهب إلى قرية الرفاعي مشاركا موكب النبي ﵊ والكعبة.

стр. 3614

(٥) أنهم رووا عن الرفاعي أيضا أنه في العام الثاني زار القبر مرة أخرى. قال الصيادي: «ولما حج الرفاعي عام وفاته وزار قبر النبي الذي هو أفضل من الجنة بل من العرش والكرسي، أنشد قائلا: إن قيل زرتم بما رجعتم ... يا أشرف الرسل ما نقول فخرج صوت من القبر سمعه كل من حضر وهو يقول: قولوا رجعنا بكل خير ... واجتمع الفرع والأصول (١) فالرفاعي نجده في كل مرة لا يخاطب النبي إلا بالشعر، والنبي لا يجيبه إلا بالشعر! لماذا لا يخاطبه بلغة القرآن من غير شعر ولا نثر ولا سجع؟ وهل نسي القوم قول الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ [يس: ٦٩] ألم يعلموا أن النبي ﷺ كان يبغض الشعر؟ عن قتادة: قالت عائشة: ((كان الشعر أبغض الحديث إليه)) (٢). وكان ﷺ يقول: ((إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي)) (٣). (٦) أنه يلزم من تكليم الرفاعي للنبي ﷺ وإمساك يده عيانا أن يصير صحابيا، فينال شرف الصحبة. ولو قالوا بأنها كانت رؤيا لما لزم ذلك. لكنهم يصرون على أن الحادثة كانت يقظة لا مناما. (٧) أن الرفاعية نقلوا عن الرفاعي أنه كان يحث المصلين على رفع الإصبع والإشارة به عند الصلاة مؤكدا على أن من فعل ذلك فإنه يمس به صدره الشريف. وأن من لم يفعل ذلك لا حصل على النبي ولا حصل له شيء من اليقين ولا علم كيف يصلي عليه. (٤) فما ميزة الرفاعي عن غيره من عامة الناس الذين يمسون كل يوم صدره الشريف وعند كل صلاة! (٨) أن هذا العدد الهائل الذي ذكروه «تسعين ألفا» من الناس لا تتسع له المنطقة المحيطة بالمسجد برمتها، ولا يستطيع هذا العدد رؤية تقبيل اليد كلهم في وقت واحد (٥) وحتى لو وقفوا صفوفا طويلة لرؤية يد النبي ﷺ لاستغرق ذلك أياما لكثرة عددهم الهائل، فهل بقي النبي مادا يده أياما أو على الأقل يوما كاملا ليراه هذا الحشد الهائل من الناس؟! (٩) أنهم ذكروا في سياق القصة أن الرفاعي نودي من الحضرة العلية أن قم يا أحمد وزر البيت الحرام وزر قبر النبي ﷺ فقال سمعا وطاعة. فإن أرادوا بذلك أن الهاتف هو الله تعالى فهذه إذن كرامة أعظم من مجرد تقبيل يد النبي ﷺ فلماذا لم يعيروها اهتمامهم؟! (١٠) أن سياق الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﷺ ينفي أن يكون هذا من كلامه، مثل أن يقول للرفاعي: «البس الزي الأسود» وكذلك قوله: «فإن الله نفع بك أهل السموات وأهل الأرض»، فبماذا انتفع به أهل السموات ثم إنه لم يكن يرد السلام بصيغة المفرد «وعليك السلام» ولم يعهد عنه لفظ «يا ولدي» ولم يقلها للحسن ولا الحسين ﵄.

стр. 3615

(١١) ادعى الصيادي أن الشيخ عبد القادر الجيلاني كان موجودا وقت الحادثة. وقد أراد الصيادي من ذكر الجيلاني أن يجعل منه شاهدا على ما حدث، ولكن أين شهادة الجيلاني نفسه بذلك وهو لم يذكر في مصنفاته كالمغني والفتح الرباني شيئاً من ذلك ولا روى عنه أصحابه ولا مترجموه أنه شهد على ذلك، بل لم يعرف عنه أبدا أنه رافق الرفاعي إلى الحج. أن الصيادي يأتي لنا بشهود لم يشهدوا. إذ لن يستطيع الجيلاني بعد موته أن يكذب هذه الدعوى المنسوبة إليه. (١٢) أن هذين البيتين اللذين أنشدهما الرفاعي عند القبر منسوبان إلى غيره. قال الشيخ الألوسي: «إن كثيراً من أهل العلم والأدب نسب البيتين إلى غير الرفاعي. قال الشيخ صلاح الدين الصفوي في تذكرته: حكي أن ابن الفارض لما اجتمع بالشهاب السهروردي في مكة أنشده: في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني وهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي قال: وممن نقل ذلك الشهاب الخفاجي في: كتابه (طراز المجالس). (١) (١٣) أن المتصوفة قد اشتهر عنهم ادعاء مخاطبة الموتى والتلقي عنهم وكتبهم مشحونة بذلك. مثاله: أن أبا المظفر المنصور أنشد قصيدة عند قبر الشيخ الرفاعي فظهر صوت الرفاعي من القبر يقول له: وعليك السلام. (٢) وأن السيدة نفيسة - صاحبة الضريح - كانت كثيرا ما تكلم أحد المشايخ المتصوفة وهي في قبرها. (٣) وأن السيد أحمد البدوي أخرج يده من القبر ووضعها بيد الشعراني ليبايعه وكان من شروط المبايعة أن يكون تحت رقابة البدوي أينما ذهب فأقره البدوي وقال وهو في قبره «نعم». (٤) وهذه شبيهة بقصة مد النبي ﵊ يده ليبايع الرفاعي حيث قال له: هذه البيعة لك ولذريتك إلى يوم القيامة. (٥) المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٤٠ - ٤٦

стр. 3616

المطلب الأول: استغاثتهم بالرسول ﷺ وغلوهم فيه بلا حد أما بشأن الرسول ﷺ فالصيادي - والصوفية أيضاً - يعتقدون أن النبي ﷺ هو علة الوجود وغاية كل موجود، ولولاه لما خلق الله الأكوان. ومع ذيوع هذه الفكرة بين المتصوفة فإنها تتعارض مع علة خلق الوجود التي صرح بها القرآن الكريم وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].وهي تصرف الناس عن معرفة السبب الحقيقي في خلق الله لهم، وهو تحقيق توحيد الله في العبادة. وهم يظنون أنهم بذلك يعظمون النبي ﷺ ويرضونه ولا يدرون إنهم إنما يصرفون الناس عن معرفة الأصل الذي أرسله الله تعالى من أجله. يقول الصيادي في «نور الإنصاف» (١): «وليعلم أن النبي ﷺ هو .. العلة الغائية لخلق الخلق ومعرفة الحق». (٢) وقد زعم أن مجرد تسمية الرجل «محمد» كاف في دخول الجنة وأورد لذلك حديثا لا أصل له وفيه: ((إنه ينادي يوم القيامة مناد: ألا من اسمه محمد فليدخل الجنة)) (٣) (٤) ويذكر الرواس الرفاعي أن هذا الاسم المحمدي «ممدود على صحائف الأكوان من أم زيق الأزل إلى حاشية ذيل الأبد». (٥) وأنشد الصيادي يقول (٦): أنت الذي لولاك ما كان الورى ... ولغير فهمك سره مجهول وقال الواسطي (٧): هو الذي خلق الله الوجود له ... هو الذي فضله جاءت به الكتب لولاه لم تكن الأكوان كائنة ... ولم يكن للورى نسك ولا قرب وأنت أرحم من لاذ المسيء به ... وخير من يرتجى أن جدت الكرب صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس وأصبح نجم وهو محتجب وقد شعر الصوفية بتناقض فكرة ربط علة خلق الكون بمحمد ﷺ مع فقدان هذه العلة بموته كما قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر:٣٠]، حيث يعترض معترض ويقول: إذا كان الوجود مخلوقا من أجله فما قيمة هذا الوجود بعد موته ولأي غاية يبقى؟ فقالوا حينئذ بحياته حياة كحياته التي كان يحياها قبل موته من أكل وشرب ورقابة على الأكوان وتحكم في العوالم العلوية والسفلية وهو في قبره. وأنه يخرج ويزور الأولياء والصالحين، ويقضي بنفسه حوائج المحتاجين، ويغيث المستغيثين به. وتتجلى حقيقة الشرك واضحة عند الصوفية من خلال البيت الشعري الثالث من هذا المقطع والذي يجعل فيه الواسطي النبي ﷺ أرحم من يلوذ إليه المسيء وخير مرتجى عند حصول الكرب والشدة متناسيا بذلك أرحم الراحمين سبحانه، معرضا عن قول النبي نفسه ((تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) (٨). وعن قول الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧]، وقوله: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٤].جاعلين رسوله ندا له. ولذلك يجعلون الله تعالى في أحد أبياتهم الشعرية ثالث الثلاثة فيقولون (٩): حسبنا الله والنبي وهذا الـ ... غوث حصنا عن الجبال الرواسي ناده لن تراع وأبشر إذا ما ... قلت غوثاه يا أبا العباس ... ...

стр. 3617

المطلب الثاني: حقيقة حياة النبي ﷺ قال الصيادي: «وأما بشأن النبي ﷺ فإنه حي في قبره، منعم متصرف كتصرفه حال حياته، متصرف - وهو فيه - بالعالم العلوي والسفلي. (١) وهو حي سميع يأكل ويشرب ويتنعم. وأن أهل الكشف من خواص هذه الأمة انكشف لهم ذلك في العالم الروحاني لا الجسماني». (٢) وأكد على أن كل الأولياء من المتصوفة: «يرونه ﷺ ويسمعون خطابه الكريم، وأن الفرق بين الولي وبين غيره هو سماع خطابه المبارك وعدمه. (٣) وبنى على هذا أن الاستمداد من الأموات أولى وأحرى بالإجابة من الاستمداد بالأحياء، وذلك لتصرفهم في قبورهم. قال: «وعلى هذا فالاستمداد من الأموات أسرع عندي لقضاء الحاجة. (٤) وهذا من قبس التشيع، فإن الشيعة يرجون من الأموات ما لا يرجون من الحي الذي لا يموت. وهو سم شركي دس في قالب تصوف يقتل التوحيد في النفوس ويجعلها تعتقد في غير الله ما لا تعتقده في الله. وانظر إلى آثار هذا الشرك في كلام الصيادي وأشعاره الذي يستغيث الله تارة ويسترحمه ويستعينه فيقول (٥): رحيم فكن عوني وغوثي وراحمي ... ويا مالك ملك فؤادي بالذكر ثم يطلب الرحمة والعون والغوث من غيره فيسألها النبي نافيا أن يجد العون والنصرة من غيره قائلاً (٦): رسول الرضى أدرك عبيدك بالبشرى ... تكرم تحنن جد تعطف أبا الزهرا علمتك يا مولاي ذخري وناصري ... وعوني في الدنيا وذخري في الأخرى وأنت عياذي والنصير وموئلي ... كفى بك يا سيف القضا ذخرا غوثاه يا سيد السادات خذ بيدي ... فلن أرى لي أعوانا وأنصارا ويقول (٧): غوثاه يا مصطفاه انظر بمرحمة ... عصابة قد أضرتها خطاياها ويا أبا القاسم الغوث الغياث فقد ... ضاقت بنا الأرض أقصاها وأدناها ويلح على النبي ﷺ ويسأله مزيدا من الرحمة والعون والحماية والنصرة فيقول (٨): أنت الذي لولاك ما كان الورى ... ولغير فهمك سره مجهول يا روح كل الكائنات ومن به ... من غير شك يحصل المأمول يا غوث كل العالمين وهيكل الـ ... ـمدد المتين إذا ألم مهيل ها أنت نصرة عاجزٍ مثلي أتاك ... له ببكاء تلهف وعويل وارحم عبيدا حين يحشر في غد ... من غير حبك ما لديه فتيل وحماك رحماك الغياث فإنني ... ما لي وحقك عن حماك عدول فأغث بفضلك واكفني هم الزمان ... ففيك فيه على بنيه أصول وارحم إذا داعي الحساب دعا فأنت ... المرتجى والسيد المأمول واشمل بعطفك والدي وإخوتي ... وبني إذ بك للمراد حصول واعطف على أهلي وكل عشيرتي ... عطفا به عند الرجاء قبول ها أنت كالئا إذا الباغي بغى ... ولحفظنا يوم الكروب كفيل ويجعل منه روح ذرات الكون وأصل سر الوجود ويزداد إلحاحا في طلب الرحمة والعون منه فيقول (٩): لولاه لم يكن الوجود ولا درى ... كل العبيد تفرد المعبود لولاه ما رفعت بقبتها السما ... ء ورصعت من أنجم بعقود هو روح ذرات العوالم كلها ... ذو المعجزات وذو اللوا المقصود أدعوك دعوة مستجير لائذ ... بعريض جاهك من جفا وصدود فلأنت غوث العاجزين وذخرهم ... ومجيرهم من وهدة التنفيذ يا خير من قصد العفاة رحابه ... وأتاه صاحب مقصد بقصيد ضاقت علي مذاهبي فامنن علي ... ضعفي بإحسان يغيظ حسودي وانظر بعين الرفق كسري واكفني ... هم الزمان ووصمة التنكيد المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٣٧ - ١٤١

стр. 3618

المطلب الأول: الاستغاثة بالرفاعي هذا الباب هو النتيجة والهدف الذي من أجله سطرت كل كرامات مشايخ الرفاعية وامتيازاتهم وخوارقهم، لقد سيق كل ذلك من أجل تقرير أنهم الأغواث الذين يلجأ إليهم المضطر، ويستغيث بهم الملهوف. فمن لا يملك التصرف في الأكوان كيف يرجى منه كشف الضر ورفع الكرب؟ فلذلك ذكروا أن مشايخهم يتصرفون في الأكوان. ومن لا يملك الكشف يكون غافلا عما يغيب عنه، فكيف يرجى منه سماع الاستغاثة فلذلك ذكروا أنهم يسمعون المستغيث بهم أينما كان. ومن لا يملك تغيير المقدور وغفران الذنوب كيف يرجى منه طلب ذلك؟ فلذلك ذكروا أن مشايخهم لهم صعود ونزول يصعدون إلى السماء ويحضرون ديوان الربوبية فيمحون من ذنوب مريديهم ما شاؤوا. ولعلي قبل الشروع في دخول هذا الباب أذكر القارئ المنصف الغيور على دين الله وتوحيده بآيتين من كتاب الله: (الأولى) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:] ٢١. (الثانية): وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]

стр. 3619

المطلب الثاني: الاستغاثة بالرفاعي في نظر الرفاعي إن الرفاعية قد جعلوا لشيخهم رتبة «الغوثية» وذكروا أن المظلوم يستغيث به، بل إن النعجة تستغيث به إذا انقض عليها الذئب وتناديه بلغتها: «يا سيدي أحمد». (١) وأن الرفاعي ما زال يرتقي من مقام إلى آخر حتى ارتفعت رتبته عن مقام «الغوثية» حتى صار هذا المقام ناقصا وقاصرا عن المقامات الأخرى التي تلته (٢).بمعنى أنه صار منزها عن رتبة «غوث الثقلين» (٣) تلك الرتبة التي اعتادوا أن يصفوه بها من قبل. حتى قالوا بأنه ارتفع عنها إلى مرتبة النيابة عن النبوة وأن مرتبة النيابة عن النبوة أرفع وأجل من مرتبة الغوثية. (٤) قالوا: «ولهذا لما قال له أحد تلامذته: أنت القطب، قال له الرفاعي: نزه شيخك عن القطبية. فقال له حينئذ: أنت الغوث. قال له الرفاعي: نزه شيخك عن الغوثية». (٥) فهذا التنزيه عندهم إنما أراد به الرفاعي ترفعه عن هذين المقامين القاصرين الناقصين إلى ما هو أعلى منهما. (٦)

стр. 3620

المطلب الثالث: موقف الرفاعي من الاستغاثة بغير الله وهذا التأويل لا يفيده كلام الرفاعي من قريب ولا من بعيد، وإنما يقال بأن سبب إنكاره على تلميذه كائن في أنه يعتقد أن ذلك من خصائص الألوهية وأن وصف المخلوق بمثل هذه الصفة شرك. يؤكد ذلك قول الرفاعي: «إذا استعنتم بعباد الله وأوليائه فلا تشهدوا المعونة والإغاثة منهم فإن ذلك شرك». (١) فهذا النص يفيد بوضوح أن الاستغاثة بالأولياء يعدها الرفاعي من الشرك المنافي للتوحيد، ولذلك اعترض على تلميذه حين وصفه بها. وزيادة على ذلك فقد كان الرفاعي يرى العكوف على قبور المشايخ والتبرك بها من الوثنية، وسمى القبر في مثل هذه الحالة «صنما».قال: «يا سادة: لا تجعلوا رواقي حرما، ولا قبري بعد موتي صنما، عليكم به سبحانه، لا يضر وينفع ويصل ويقطع ويفرق ويجمع ويعطي ويمنع إلا هو». (٢) وهذا الكلام موجود في الكتب التي يشدد الرفاعي على صحة نسبتها إلى شيخهم والتي يذكر فيها أن الله يقول: «ما من عبد نزلت به بلية فاعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء من يديه ووكلته إلى نفسه، وما من عبد نزلت به بلية فاعتصم بي دون خلقي إلا أعطيته قبل أن يسألني» (٣).وأن عيسى ﷺ قال: «طوبى لعبد سأل الله ولم يسأل إلا الله». (٤) وروي أن بعض الصالحين وقع في بئر، ومرت بجانب البئر قافلة فأراد أن يستغيث فهتف به هاتف «أتستغيث بغيري وأنا غياث المستغيثين؟». (٥) وأن الله تعالى قال لعبد من عباده: «لا تسأل غيري فأمقتك». (٦) هذا موقف الرفاعي من الاستغاثة بالمشايخ وملازمة قبورهم، وهذا هو موقف كبار أئمة الصوفية وعقلائها أمثال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى الذي كان يشنع على المستغيثين المستعينين بغير الله فيقول في كتابه (الفتح الرباني): يا من يشكو الخلق مصائبه، إيش ينفعك شكواك إلى الخلق، لا ينفعونك ولا يضرونك، وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق يبعدونك، وفي سخطه يوقعونك ... أنت يا جاهل تدعي العلم، تطلب الخلاص من الشدائد بشكواك الخلق .. ويلك، أما تستحيي أن تطلب من غير الله وهو أقرب إليك من غيره». (٧) وقال لولده عند مرض موته: «لا تخف أحدا ولا ترجه، وأوكل الحوائج كلها إلى الله واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى الله ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد التوحيد، وجماع الكل التوحيد». (٨)

стр. 3621

المطلب الرابع: موقف أتباع الرفاعي من الاستغاثة بغير الله هذا هو مذهب الرفاعي والجيلاني رحمهما الله من الاستغاثة، فما هو يا ترى مذهب الرفاعية؟ فلنستعرض هذا الكم من الأبيات الشعرية التي نسقها محمد أبو الهدى الصيادي الذي كتب في الطريقة ما يزيد على الخمسين مصنفا. فمن ذلك ادعاؤه عن الرفاعي أنه قال (١): من لاذ فينا اكتفى عن غيرنا أبدا ... وجاء في ركبنا بالأمن من ندم فالجأ بأعتاب عزتي والتمس مددي ... وطف ببابي وقف مستمطرا نعمي ولازم الذل في شطحاء منزلنا ... تنجو بهمتنا من حالة العدم وليس يعقل أن يقول الرفاعي مثل هذا القول الشركي «من لاذ فينا اكتفى عن غيرنا» وهل يكتفى أويستغنى بالرفاعي عن الله تعالى الله؟.ثم إن هذا لا يتفق مع ما حكوا عن الرفاعي أنه كان كلما طلب أحدهم الدعاء منه يقول له: «من أنا حتى أدعو لك؟ ما مثلي إلا كمثل ناموسة على الحائط لا قدر لها وكيف تدعوه نفسه إلى ذلك من هو لا شيء». (٢) قال الشيخ الآلوسي في غاية الأماني: «وقد تكلمت يوما مع أحد غلاة الرفاعية إذ استغاث بالرفاعي: فقلت له: هل يسمع الآن الرفاعي نداءك وهو في قبره في قرية «أم عبيدة» ويمدك بالمدد؟ فقال: نعم. قلت: فإذا اتفق مثلك في بلاد كثيرة ومواضع متعددة ألوف مؤلفة في أقطار شاسعة، هل يسمعهم أحمد الرفاعي ويمدهم ويغيثهم؟ قال: نعم. قلت له: أرأيت إن كان كثيرون مثلك في بلاد أخرى متعددة يستغيثونه في نفس الوقت الذي تستغيث أنت فيه، هل يسمع نداءهم جميعهم في آن واحد ويغيثهم؟ قال: نعم. (٣) فانظر كيف صار اعتقادهم في الرفاعي: أنه لا يشغله سمع عن سمع ولا يغفل عن أدعية الداعين واستغاثة المستغيثين ولو تعددوا واختلفت أمكنتهم في الوقت الواحد، فهذا بلا ريب إضافة صفات الخالق إلى المخلوقين!! وهذه مجموعة من أبيات الشعر التي قالها الصيادي، وقد تكون لغيره ونسبها إليه (٤) وهي تحوي في ثناياها أصنافا من الشرك والاستغاثة بالرفاعي وارتجائه وطلب المدد منه. يقول الصيادي (٥): يا رفاعي وقعت في أعتابك ... فتدارك عبدا يلوذ ببابك يا رفاعي يا غوث كل البرايا ... لا تضيع طفلا جميل الرجا بك أنت غوث الوجود مفتاح كنز الـ ... ـوجود والخير سحٌ من ميزابك أنت حصن الملهوف والباذل الـ ... ـمعروف والعاجزون من أحزابك أنت باب الرسول من غير شك ... وأتينا نرجو العطا من بابك وأنا عبدك الذي باعتقاد ... علقت راحتاه في أثوابك فتحرك بهمة وأغثني ... وتذكر تشرفي بانتسابك رضي الله عنك أدرك فإني ... يا رفاعي وقعت في أعتابك ويقول (٦): لك يا غوثاه تصريف الزمان ... حيث أنت المرتجى في كل آن ... أنت في بابك محراب الأمان ... فتداركني وأصلح سببي ... وأغث إنني في تعب ... ... ... ويقول (٧): كل الأنام عيال ... عليك يا ابن الرفاعي يا بحر كل المزايا ... ويا مجيب الدواعي ويقول (٨): يا ابن الرفاعي تدارك ... لمن أتى واستجارك شيخ العريجا أغثني ... أصبحت في الحي جارك لا تلو طرفك عني ... إني أروم انتصارك يا أحمد الأصفياء ... يا وارث الأنبياء يا شيخ كل الوجود ... يا بحر فضل وجود يا ابن الرسول أغثني ... فقد تعاظم حزني فان تغاضيت عني ... يصبح عاري عارك

стр. 3622

ويقول (١): لذ بباب الجليل الرفاعي ... ولك الأمن من ملم الدواعي وتململ برحبه فحماه ... حرم الوصل قاطع الانقطاع فهو في العارفين كعبة بيت الـ ... وصل محراب جامع الانتفاع وملاذي وملجأي ونصيري ... ومغيثي ومنقذي من ضياع فعليه الرضا من الله ما صلى مصل ... وطاف بالبيت ساعي ويظهر من البيت الآتي مدى اعتقاد الرفاعية في شيخهم من الحماية والقدرة والضر والنفع حيث يرجون منه ما لا يرجون من الله تعالى. يقول الصيادي (٢): يلاذ به إن جار في الدهر حادث ... ويحمى بعلياه إذا الزمن اعتدى ويقول (٣): به أحتمي إن سامني غدر غادر ... ودوما إليه في الصعاب التجائيه ومن كل كرب أستغيث باسمه ... فذا مأمني من كل عاد وعادية وما لي سواه في الأنام وسيلة ... ولا منجدا أيام تسطو أعاديه وما لي له إذا جئت خائفا ... وقمت أؤدي في القيام حسابيه ويقول (٤): غوثاه بالمصطفى وبالمرسلين وفي ... كل الصحابة أهل المجد والهمم أسرع وقم واكفني شر الزمان وجد ... عطفا بنظرة لطف تحي لي عدمي وانهض بهمتك العليا وقل حصل الـ ... ـمقصود صدقا وأسعف وارع لي هممي غوثاه يا ابن رسول الله خذ بيدي ... يا سيد الأوليا يا ثابت القدم ما لي لباب رسول الله واسطة إلاّك ... فاسمح وقل لا تخش من ندم ويقول (٥): توسل يا أبا العلمين عن النبي ... بنيل مأربي القصي لأنك يا رفاعي القوم غوثي ... وواسطتي لوالدك النبي وأنت (ملاحظي) في كل حال ... فداركني وشيد أركان حبي ويلاحظ في مقاطع الأبيات الأخيرة أن أبا الهدى الصيادي يدعو إلى اتخاذ الرفاعي وسيلة ليس إلى الله كما هو دأب الصوفية، بل إلى النبي، متوسلين إلى المخلوق بالمخلوق، متقربين بالرفاعي إلى النبي زلفى. وهذا شر وأشنع من شرك أهل الجاهلية الأولى الذين كانوا يتقربون بالمخلوقين إلى الخالق زلفى. وينقل عن محمد نور أفندي قوله (٦): يا ابن الرفاعي الرفيع مقامه ... يا سيد الأقطاب والسادات شرفت قيعان العراق جميعها ... فغدت بقبرك مهبط البركات كم نظرة وجهتها لمضيع ... فجمعت الأمر منه بعد شتات ولكم صرفت القلب نحو عويجز ... فرفعت رتبته إلى الغايات يا من يؤمل يوم كل ملمة ... يا من يؤم حماه للفضحات يا صاحب العلمين يا بحر الندى ... يا عمدتي أبدا وحصن نجاتي أدعوك غوثا يا ابن بنت محمد ... يا سيدي يا عالي الدرجات لا تقطعن رحمي لذنب مسني ... وأقل دائما بفضلك عثراتي ...

стр. 3623

المطلب الخامس: الاستغاثة بمشايخ الطريقة الرفاعية أما الاستغاثة بمشايخ الطريقة فمثاله قول خليفة الشيخ أحمد الرفاعي علي بن عثمان: «يا سادة، من كان له منكم حاجة فليلزمني بها، ومن شكى إلي سلطانه أو شيطانه أو زوجته أو دابته أو أرضه إن كانت لا تنبت أو نخلة لا تثمر أو دابة لا تحمل فليلزمني بها فإني مجيب له». (١) ويذكر الصيادي قصة قوم في بيروت يستغيثون بالبدوي وهو في قبره في مصر، ويسألونه بحق النبي ﷺ أن ينجيهم من قبضة الإفرنج الصليبيين يقول الصيادي: «وذكر أن جماعة من أهل بيروت أسرهم الإفرنج، فألهمهم الله أن يقولوا: يا سيدي أحمد يا بدوي: إن الناس يقولون إنك تأتي بالأسرى إلى بلادهم، وقد سألناك بالنبي ﷺ أن تردنا إلى بلادنا. فمكنهم البدوي من الهروب من الإفرنج». (٢) وهذا يوضح حقيقة اعتقاد الرفاعية في الأموات من مشايخ التصوف وأنهم يفعلون ما لا يمكن للأحياء فعله. وقد ذكر الوتري أن من الأولياء أربعة يتصرفون في قبورهم كتصرف الأحياء تماما وهؤلاء الأربعة هم: الشيخ عقيل المنبجي والشيخ قيس الحراني والجيلاني والشيخ معروف الكرخي. (٣) وقالوا في هذا الأخير: قبر معروف الكرخي: «الترياق المجرب» وأنهم جربوه لقضاء الحوائج. (٤) ثم مما يلاحظ في قصة استغاثة الأسرى بالبدوي أنهم توسلوا إليه بحق النبي ﷺ وهذا توسل إلى المخلوق بالمخلوق، وليس توسلا إلى الخالق بالمخلوق، وليس لله في ذلك ذكر ولا شأن عندهم. وهذه الرواية ذكرها الصيادي في كتابه (قلادة الجواهر). هذا الكتاب الذي قرظه كثير من علماء الشام ولبنان وأثنوا عليه مع ما فيه من أقوال الشرك. وروى النبهاني عن عامر العراقي أنه أتى الشيخ إبراهيم الأعزب مودعا فقال له إبراهيم: «إذا وقعت بشدة فناد باسمي. قال عامر: ففي صحراء خراسان أخذتنا خيالة (قطاع طرق) فذكرت قول الشيخ وكان بجانبي رفقة فاستحييت من ذكر اسمه بلساني لأنهم «لا يفهمون مثل ذلك» فاختلج في صدري الاستغاثة به، فلم يتم ذلك حتى رأيته على جبل يومئ بعصا إليهم فجاءوا بجميع أموالنا». (٥) ولما مات الشيخ عبد الله البلتاجي زاره يوسف العجمي فضاعت حمارته في الطريق فجاء إلى قبر البلتاجي وقال له: «يا عبد الله رد علي حمارتي وإلا لم أعد أزورك. فطلع الشيخ عبد الله من القبر وأتاه بالحمارة من البرية وقال: يا يوسف إذا جئت لزيارتنا مرة أخرى فقيد حمارتك بقيد من حديد». (٦) ورأى أحد مريدي الشيخ عز الدين الصياد أن ينقطع عن مجلسه وتعذر له بأعذار عديدة. وفي إحدى الليالي رأى القيامة قد قامت وأنهم جاؤا به إلى جهنم، فلما قذفوه في النار صاح «يا شيخي» فمد شيخه عز الدين الصياد يده واجتذبه قبل أن يصل، وقد لفح النار ثيابه فاستيقظ مذعورا مرعوبا وقام لوقته ذاهبا إلى شيخه المذكور، فلما دخل عليه أكب «على رجليه» معتذراً، قال له شيخه عز الدين: «ولفح اللهب كما مس ثيابك مس جبتنا وصانك الله من النار». قال المريد: «لقد رأيت أثر لفح اللهب في ثيابي وفي جبة أكمام سيدي حيث صارت دخانا». (٧) علق الصيادي على هذه القصة قائلا: «وهذه الكرامة تشير إلى قوة تصرفه في البرزخ» أي تصرفه في اليوم الآخر وليس في الدنيا فحسب!! وبعد: فهذه نماذج من عقائد هؤلاء وهي في نظري تحقق ما أخبر به النبي ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد الأوثان)) (٨) والاتجاه إلى المخلوق عند الشدائد من الشرك والوثنية إذ ليس بالضرورة أن يكون الوثن ذاك الصنم الحجري. بل اتباع الهوى واستبداله بالشريعة وثنية أيضاً كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]. المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٢٧ - ١٥٤ بتصرف

стр. 3624

المطلب الأول: أنواع الكرامات يمكن تقسيم أنواع الكرامات المحكية في كتب الرفاعية إلى ثلاثة أنواع: ١ - قسم منها يتعدى مقام الألوهية مثل الإحياء والإماتة والتصرف في الأكوان بكلمة «كن» فيكون. وإبراء مريض ودفع مرضه لآخر وادعاء علم الغيب وتبديل القوانين الكونية ومحو الشقي إلى سعيد ومحو الذنوب من اللوح المحفوظ، كل ذلك سأنقله عنهم بأمانة تامة مع الإحالة إلى ذلك من كتبهم. ٢ - قسم منها يحاكي النبوة ويتعدى مقامها، بل ويطعن فيها مثل قصة تعري سيدنا إبراهيم لأحد الرفاعية، ومثل ادعائهم أن أتباع الرفاعي يغوصون بحرا غرق فيه آلاف الأنبياء .. إلى غير ذلك مما سنراه. ٣ - قسم منها يسخر من الكرامة ويهبط بها إلى عالم الخيال والخرافة جاعلا الأئمة الصالحين الزهاد: عرضة لنقد الآخرين وسخريتهم لا سيما من يصطادون في الماء العكر من أعداء المسلمين الذين يظهرون هذه الخيالات على أنها تمثل تعاليم الإسلام.

стр. 3625

المطلب الثاني: موقف الرفاعي من هذه الكرامات المحكية وثمة نقطة مهمة أشير إليها وهي أن الشيخ الرفاعي ﵀ لم يكن خافيا عليه ما ينسبه المتصوفة إلى مشايخهم وأسيادهم، لذا فإنه لم يكن عجيبا أن يحذر أتباعه مما عهده عن المتصوفة من الكذب على مشايخهم حتى قال: «وأحذر الفرقة التي دأبها تأويل كلمات الأكابر والتفكه بحكايات وما نسب إليهم فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم. وما كان ذلك إلا من عقاب الله للخلق لما جهلوا الحق، فابتلاهم الله بأناس من ذوي الجرأة السفهاء .. وسلط أيضاً أناساً من أهل البدعة والضلالة: فكذبوا على القوم وأكابر الرجال وأدخلوا في كلامهم ما ليس منه. فتبعهم البعض فألحقوا بالأخسرين أعمالا». (١) هذه شهادة من الرفاعي نفسه تناقلتها كتب الرفاعية من بعده. ونتساءل: هل التزم الرفاعيون بما حذرهم منه شيخهم وهل احتذوا حذو الصوفية الذين تكلم عنهم الرفاعي ﵀؟ فلنذكر الحكايات التي نسبوها إلى شيخهم بالتفصيل وذلك لنتعرف على الجواب: - كن فيكون: هل تصير لغير الله تعالى؟ الولي المتمكن عند الصوفية يسمى «متصرفا في الأكوان».والتصرف ليس له حد ينتهي إليه لا سيما وإنما الصوفي المتمكن يستطيع أن يحوز على كلمة «كن» التي يخلق الله بها الأشياء. فقد ذكروا أن الشيخ أحمد الرفاعي قال: «جاء في بعض الكتب الإلهية أن الله تعالى قال: «يا بني آدم أطيعوني أطعكم، وراقبوني أراقبكم، وأجعلكم تقولون للشيء: كن فيكون». (٢) وقد نقل عن أحد الصوفية قوله: «تركت قولي للشيء: كن فيكون تأدبا مع الله». (٣).ونقل عن الرفاعي قوله: «وإذا صرف الله تعالى الولي في الكون المطلق: صار أمره بأمر الله تعالى: إذا قال للشيء كن فيكون» (٤) وصحيح أن الكرامة حق يجب على كل مسلم الإيمان به. أنها لا تبلغ حدا تصل فيه إلى ما لا يجوز في حق غير الله تعالى مثل كلمة «كن» التي يدعون أنها بحوزتهم وفي أيدي مشايخهم. - الإحياء والإماتة: إحياء الموتى عند الصوفية من علامات التمكن في الولاية، فإنه مما ذكروه عن الشيخ الرفاعي أنه قال: «الولي المتمكن يحيي الموتى بإذن الله». (٥) ولنذكر قصة من القصص المنسوبة إلى الرفاعي ذكرها الصيادي في العديد من كتبه وفيها: «أن الشيخ الرفاعي خرج مرة مع تلاميذه إلى شاطئ الفرات فقام الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان وسأله: يا سيدي: متى يصل المريد إلى مراده ويصير مرادا ويتصرف في الأكوان؟ فقال الشيخ: حتى يخرج عن نفسه ومألوفات حسه، ويترك جميع الشهوات المباحات وغيرها، ويصرفه الله تعالى في كون وجوده وعوالمه .. وإذا صرفه في الكون المطلق صار أمره بأمر الله تعالى: إذا قال للشيء كن فيكون. وإذا التفت إلى هذا النهر الجاري وقال لأسماكه: أجيبوا طائعين مطبوخين مشويين: يطلعوا بإذن الله ويطيعوه ولا يخالفون أمره. وكان في المجلس رجل كبير الشأن يقال له عمر الفاروثي فقال له: يا سيدي هذا الرجل الذي ذكرتموه لم يكن مخلوقا، بل ربا ثانيا!!

стр. 3626

فغضب الشيخ أحمد غضبا شديدا وقال: تأدب يا عمر. لا أفلح من كفر. حاشا وكلا أن يصل المخلوق إلى مرتبة الربوبية. بل لله أسماء وصفات، فإذا تخلق العبد بأسماء ربه وصفاته وتحقق بهما فينظر إليه الحق بعين قربه فيصير فعله من فعل ربه. والتفت الشيخ إلى النهر وقال: يا خلق ائتوني طائعين، واحضروا إلي مشويين لتأكل منكم الإخوان والحاضرون. فما استتم قوله حتى تراكمت عليه الأسماك من البحر ونطقت بلسان عربي فصيح: السلام عليك يا خلاصة خلقه. كل من لحمنا لنسعد بك يوم القيامة. فأخذ الشيخ من الأسماك وهي مشوية ووضعها بين أيديهم، وأتى لهم من عالم غيب الله تعالى بخبز طري ساخن رائحته تفوق المسك والعنبر، فأكل الشيخ وأكل القوم أجمعون وما بقي من الأسماك إلا العظام النخرة. - إحياء العظام النخرة: فقال السيد عمر الفاروثي: يا سيدي: ما علامة الرجل المتمكن المتصرف في كون وجوده؟ فقال الرفاعي: هو أن يقول لهذه العظام كوني سمكا كما كنت أولا بإذن الله تعالى. فما استتم كلامه حتى قامت وتناثرت سمكا حيا: شاهدة لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة وبالسيد الرفاعي بالولاية العظمى». انتهىولقد بلغ من حب الأسماك له أنه كان كلما مشى على الشاطئ تخرج الأسماك من بطن البحر لالتماس بركاته وتزدحم على أقدامه الشريفة، وتسأله بحق الله أن يأكل منها. (١) ورووا عنه أنه خرج مرة مع جماعته إلى البر فجاعوا فرأى الشيخ سربا طائرا من الأوز (البط) فأمرهم بالنزول حالا، فنزلت إحداهن بين يديه مشوية جاهزة، فأكلها رجل من رجال الغيب كان معه وما بقي إلا عظامها، فأخذ العظام ومرر عليها يده وقال: أيتها العظام المتفرقة الأوصال المنقطعة: اذهبي بسم الله الرحمن الرحيم. فذهبت وزة سوية وطارت في الجو ثانية. (٢) - الأسد يكلم الرفاعي بلسان فصيح الفصيح: وذكروا أيضاً أن الشيخ الرفاعي رأى أسداً يفترس شاباً وقد «خلع» كتفه من يده ومكث يأكله. فزجره الشيخ الرفاعي زجراً شديداً وقال له: يا خلق الله أما نهيتكم عن أذية الخلق الذين يمرون ببلادنا فنطق السبع وأتى إلى حضرة الشيخ مسلما عليه بلسان عربي فصيح قائلا له: «يا سيد السادات وصاحب الجود والكرامات: لي سبعة أيام ما أكلت شيئاً، وهذا الشاب أرسله الله لي رزقا مقسوما. فالتفت إليه الشيخ الرفاعي بنظر الغضب والجلال، فوقع السبع ميتا في الحال، فأخذ الشيخ ذراع الشاب ووضعها في مكانها وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. ومسح عليه بيده المباركة فعاد كما كان أولا بل أشد وأقوى». (٣) وهذه القصة منسوبة إلى آخر غير الرفاعي وهو الشيخ عزاز بن مستودع البطائحي ذكرها النبهاني في جامعه. (٤) قال الصيادي: «وحكي أن الفقراء - أي الصوفية - كانوا يتواجدون فداسوا طفلا كان نائما فمات وترضرض حتى لم يعد يعرف ظهره من بطنه، فأحياه الشيخ بعد موته. (٥) وحكي أن أمير مصر صنع لأحد الرفاعيين ضيافة عظيمة وجعل أمامه طبقا فيه دجاجة فنظر إلى الطبق وقال: «سمعت سيدي الشيخ أحمد الرفاعي يقول: الولي المتمكن يحيي الموتى بإذن الله. ثم نظر إلى الدجاجة وقال لها: قومي بإذن الله. فقامت الدجاجة وشقت المجلس وخرجت. (٦) وكذلك حكي أن الشيخ محمد سراج الدين الرفاعي المخزومي قد مر بغلام يذبح شاة فلما رآه والشاة تختبط مذبوحة وقد قرب خروج روحها قال للذابح:

стр. 3627

يا واضع السكين بعد ذبيحه ... في فيه يسقيه رحيق لهاته ضعها بجرح الذبح ثاني مرة ... وأنا الضمين له برد حياته فأعاد الذابح السكين إلى الجرح، فانتفضت الشاة سليمة لا جرح فيها ولا ذبح (١).وجاء رجل إلى الشيخ عثمان بن وروزة البطائحي ومعه ثور ليدعو له بالبركة، فأمر الشيخ السباع واحدا تلو الآخر أن يأكلوا من ثوره حتى لم يبق من الثور قطعة لحم ثم أعاده الشيخ له سمينا أكثر مما كان ولم يتأثر بأكلهم إياه. (٢) وكان الشيخ أبو محمد الشبنكي جالساً على السطح وحده فاجتاز به أكثر من مائة طير واختلطت أصواتها، فقال: يا رب قد شوش علي هؤلاء. فنظر فإذا الكل موتى. فقال: يا رب ما أردت موتهم. فقاموا ينتفضون وطاروا. (٣) - نقل المرض من رجل إلى آخر: وبإمكان الولي عند الرفاعية دفع المرض من شخص وإصابة بريء به. فقد روي عن إبراهيم الأعزب - ابن أخت الشيخ الرفاعي - أنه زار مريضا عليه جرب كثير، فشكى إليه المريض كثرة التألم بهذا المرض فالتفت الشيخ إبراهيم إلى خادمه وقال له: أتحمل هذا الجرب عن هذا الفقير؟ فقال: نعم يا سيدي. فقال الشيخ: قد حملته عنك وحملته هذا، فانتقل جميع ما كان على الرجل من الجرب إلى خادم الشيخ، وبقي جسد المريض الأول كالفضة البيضاء. ثم خرج الشيخ، وخادمه يشكو من الألم، فلما كانوا ببعض الطريق رأى الشيخ خنزيرا فقال لخادمه: قد حملت عنك هذا الجرب وحملته هذا الخنزير. فانتقل الجرب إلى الخنزير وعوفي الخادم. (٤) كذلك نقلوا عن الرفاعي أنه لمس بيده عين رجل مفقود منها ماء البصر فتنورت وصارت أحسن من السليمة وأقوى مع العلم بأن الرفاعي نفسه كان لا يرى إلا بعين واحدة كما ذكر الشعراني، وأن أعداءه كانوا يلقبونه بـ «الدجال الأعور». (٥) كذلك مسح على رأس امرأة قد تساقط شعرها فعاد كما كان ومسح بيده على أحدبية ظهرها فاستقام ورجع قويما كما كان. (٦) - دفع البلاء النازل من السماء: وقد ذكروا أن أحد تلاميذ الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - رأى البلاء وهو نازل من السماء على العراق فاستأذن شيخه في أن يدفع هذا البلاء فأذن له الشيخ فما كان منه إلا أن أخذ قضيبا وأشار إلى السماء فتفرق البلاء واستطاع بمجرد تحريك العصا أن يرد قضاء الله النازل من السماء. (٧) وكذلك الشيخ أبو محمد الشبنكي الرفاعي: إذا مر البلاء من السماء من فوق بلدته: «الحدادية» فإنه يتمزق ويرتفع بفضله. (٨) - التصرف في الأكوان:

стр. 3628

التصرف في الكون عند المتصوفة أشبه ما يكون بالتفويض الإلهي للولي لفعل ما يريد في الكون ويصير متصفا بصفات الحق ومتميزا بميزات عديدة منها: ما نقل عن الرفاعي أنه قال: «والولي إذا أصلح سره مع الله تعالى: كلفه ما بين السماء والأرض، ثم لا يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن يصير صفة من صفات الحق تعالى، فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره». (١) وزيادة على ذلك فإنه يكون له حماية خمسين فرسخا، ومائة فرسخ، وألف فرسخ .. ومنهم من يكون له حماية كذا وكذا سنة. (٢) ثم لا تزال ترتفع همته وترتقي رتبته عند الله، حتى تصير همته خارقة للسموات السبع، وتصير الأرضون السبع كالخلخال برجله، ويصير صفة من صفات الحق جل وعلا لا يعجزه شيء» (٣).وقد جعل الرفاعيون هذه المرتبة للشيخ الرفاعي، فذكروا أنه كان قطب الأقطاب في الأرض، ثم انتقل إلى قطبية السموات، ثم صارت السموات السبع في رجله كالخلخال. (٤) المطلب الثاني: نماذج أخرى من تصرفات مشايخ الرفاعية وخوارقهم: ونبدأ بسرد ما روي عن الرفاعي: فيحكون أنه وقف مرة على شاطئ النهر وقال لأتباعه: «أعطاني الله التصرف في الأشياء كلها، ثم قال: سيري يا سفن وقف يا ماء، فأوقف حركة الماء حتى صار جماداً ومع ذلك أمر السفن بمتابعة المسير فسارت. ثم بدل الطبيعة الكونية مرة أخرى فأمر الماء أن يسير وأن تتوقف السفن فقال: سر يا ماء وقفي يا سفن. فسار الماء وجمدت السفن. (٥) ومثل ذلك فعل أبو علي الروزباري حين أزعجه صوت الريح واهتزاز أغصان الشجر فنظر إلى الشجر فجمدت وبقيت الريح على سرعتها وقوتها. (٦) وأصدر الرفاعي أمراً إلى شجرة بالمجيء إليه بينها وبينه نهر الفرات، وأقسم عليها بذلك قائلا: «أقسم عليك بالعزيز سبحانه إلا ما أجبت دعوتي وأتيتيني طائعة، فانشقت الأرض، وانفلق البحر، وأتت الشجرة طائعة ناطقة بلسان عربي فصيح تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك شيخ الشيوخ على الإطلاق وشيخ أهل الأرض والسماء». (٧) ومن التصرفات في الطبيعة الكونية ما يروى عنه من أنه: - كان يصلي الصبح في مكة. - والظهر في المدينة. - والعصر في بيت المقدس. - والمغرب في بعلبك.- والعشاء في جبل «قاف» (٨) وذكروا أن الشيخ إبراهيم الأعزب كان له خمسون ألف تلميذ، فقال أحد تلاميذه في نفسه: كيف يقدر هذا على تربية هؤلاء ومعرفتهم؟ فاطلع الشيخ على ما أسره في نفسه وقال له: إن الله تعالى جعل قلوب الكل بيدي. ثم جمع أصابعه في الهواء وإذا بتلاميذه يهرولون من كل مكان حتى امتلأ المكان، ثم بسط أصابعه فرجع كل واحد منهم من حيث جاء. (٩) قال الصيادي: فانظر يا أخي إلى هذا التصريف العظيم. كفر ظاهر: إرادة الشيخ إبراهيم عندهم غلبت إرادة الله.

стр. 3629

وقد زعموا أن الشيخ إبراهيم هذا كانت إرادته تعارض إرادة الله في ملكه، وزعموا أن الله ناداه «سيدي إبراهيم». فقد حكى محمد أبو الهدى الصيادي أن الشيخ أحمد الرفاعي قال لإبراهيم: «ناداني العزيز سبحانه وقال: إني أريد أن أخسف الأرض وأرمي السماء على الأرض، فقلت: إلهي من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك؟ قال: سيدي إبراهيم. فأخذته الرعدة ووقع على الأرض». (١) وقد رووا عن إبراهيم هذا أنه كان يقول: «أعطاني ربي التصريف في كل من حضرني، فلا يقوم أحد ولا يقعد ولا يضحك في حضرتي إلا وأنا متصرف فيه، فقال رجل من الحاضرين في نفسه: فها أنا أقوم وأقعد إذا شئت. فقطع الشيخ إبراهيم كلامه والتفت إليه وقال: انهض. فلم أستطع. ثم قال: يا بني ألم تعلم أن قلوب الخلق بين أيدينا كالمصابيح من وراء الستارة نشهدها رأي العين. (٢) وكان (على حد قولهم) ظاهر التصريف في البواطن والظواهر وكان إذا قال لأشد الناس خوفا من النار: اذهب إلى النار: لم يشعر بنفسه إلا في النار ويمكث فيها ما شاء الله ويخرج منها وما احترقت ثيابه، وكان إذا أحب رجلا لا يقدر ذلك الرجل على مفارقته ويجد باعثاً من نفسه يقوده إليه طوعا أوكرها. (٣) وذكروا أيضا أن الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - حضر معركة بين جيش العراق وجيش العجم لم تقع بعد. فصفق بيده فتصادم الجيشان، ثم قبض اليد اليسرى وقال: هذه لجيش العجم. فظهر جيش العجم على جيش العراق. فلما بسطها ظهر الجيش العراقي وهزم الجيش العجمي هزيمة ساحقة. (٤) ويحكون عن الشيخ منصور أنه كان على قدر عظيم من التصريف فقد وصفوه بأن الله «أظهره للوجود، ووهبه المراتب المنيعة، وصرفه في الأكوان، وحكمه في الذرات، وألان له الصعاب، وأذل له الأسود، وجمع عليه القلوب، ونصبه قبلة للعارفين وكعبة للسالكين. (٥) ومن الجدير بالذكر أن نجد في كتب الرفاعية ما يفيد إدانة الرفاعي نفسه لهذا التصريف الذي يدعيه الرفاعيون لمشايخهم، فقد جاء في كتاب (الكليات الأحمدية) أن الشيخ أحمد الرفاعي ﵀ قال: «قال بعض صوفية خراسان أن روحانية بن شهريار تتصرف في ترتيب جموع الصوفية: ذلك لم يكن إلا لله الوهاب الفعال. إن تصرف الروح لا يصح لمخلوق. (٦) - الرفاعية يعرجون إلى السماء ويمحون ما في اللوح المحفوظ

стр. 3630

يكثر كلام الصوفية عن عروج مشايخهم إلى السماء وحضور ديوان الربوبية ومخاطبة الرحمن والاطلاع على ما في اللوح المحفوظ، بل بلغ الأمر بالرفاعية أن زعموا أن من مشايخهم من يعرج إلى السماء ويمحو من اللوح المحفوظ ما يشاء .. ومثل هذا عن كتب الطريقة النقشبندية مثل قول الشيخ أحمد الفاروقي: «كثيراً ما كان يعرج بي فوق العرش المجيد، ولقد عرج بي مرة فلما ارتفعت فوق العرش بقدر ما بين مركز الأرض وبينه رأيت مقام الإمام شاه نقشبند» إلى أن قال: «واعلم أني كلما أريد العروج تيسر لي». (١) على أننا نجد مثل ذلك بين كتب الرفاعية أيضاً. فقد ذكر أن الشيخ الرفاعي قال: «أيها الفقراء: الشيخ عثمان السالم أبادي قدس الله سره يصعد كل يوم عند غروب الشمس إلى ديوان الربوبية، وينظر ديوان ذريته: فما يجد من سيئة يمحوها ويكتب «عوضها» بلا معارضة. ثم التفت إلى ابن أخته - إبراهيم الأعزب - وقال له: يا إبراهيم لا يكون الرجل ممكنا في سائر أحواله حتى يعرض عليه عند غروب الشمس جميع أعمال أصحابه وأتباعه وتلامذته فيمحو منها ما يشاء ويثبت فيها ما يشاء». (٢) قال: وأما سيدي حمزة قدس الله سره فرجل عظيم المنقبة، علي المرتبة، من كان له حاجة فليقصده يوم الأربعاء، فإنه يحضر ديوان الربوبية ويقضي الحوائج (٣).وأما سيدي الشيخ منصور قدس الله سره فإنه لم يزل في السماء مثل الدلو في حوض البئر، له صعود ونزول، يقضي حوائج الناس وحوائج ذريته وأصحابه إلى يوم القيامة». (٤) يتابع الرفاعي فيقول: سيدي منصور صاحب طريق عجيب وسر غريب، لأنه كان يقول في أكثر أوقاته: قال لي العزيز سبحانه كذا وقلت للعزيز سبحانه كذا وقال لي ربي وقلت لربي» (٥) - تحويل الشقي إلى سعيد: وزيادة على ما يعتقده الرفاعية في مشايخهم من الإحياء والإماتة والمنع والإعطاء كما تجد مثل ذلك في شخص السيد عبد الرحيم الرفاعي شقيق علي بن عثمان خليفة الرفاعي. (٦) فإنهم يعتقدون فيهم أن بإمكانهم محو ما يشاؤون من السيئات وإثبات ما يشاؤون في اللوح المحفوظ، بل وتغيير الشقي إلى سعيد وبالعكس. ولقد رووا عن الشيخ أحمد الرفاعي أنه كان يقول: «كل شيخ لا يغير صفات تلميذه ويكتب الشقي سعيدا فما هو عندنا برجل». (٧) ورووا أنه دخل على الشيخ الرفاعي رجل مكتوب على جبهته سطر الشقاوة فمحاه (٨)

стр. 3631

- الطبيعة تتبدل من أجلهم: قال الصيادي: «ثبت بين السادة الرفاعية أن وقفت الشمس في قرصها للسيد قطب الدين أحمد كي لا تفوته صلاته. فلما وصل إلى قرية «أم عبيدة» توضأ وصلى لوقته فسقطت الشمس غائبة لوقتها». (١) ولا تتوقف الشمس أيضاً عن الحركة من أجل أحد مشايخ الرفاعية، بل إنها تنكسف لموت أحدهم أيضا كما صرح بذلك الصيادي والنبهاني وغيرهما، حيث ذكروا بأن الشمس كسفت لموت إبراهيم الأعزب. (٢) وهذه مخالفة صريحة لا يغفل عنها عالم ولا جاهل، فمن منا يجهل قول النبي ﷺ : ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)) (٣) وكذلك تتزحزح الجبال بمجرد إشارة من أحدهم وهو الشيخ عقيل المنبجي الملقب بـ «الطيار» لكثرة ما كان يطير في الهواء (٤) وتتفجر الصخرة عيونا من الماء بوكزة منه. ويسأل عقيل هذا عن علامة الرجل المتمكن، فيقول بأن علامته: أنه لو قال لهذا الجبل تحرك لتحرك. قال: فتحرك الجبل. (٥) وهذه مواصفات وقدرات خارقة عديدة تجتمع في أحد مشايخ الطريقة وهو الشيخ عبدالله بن نجم الدين مبارك الصيادي الرفاعي الذي كان يثني على نفسه قائلا: «منذ عامين وأنا أتلو سطور القربى، وأتقلب على بساط الصديقية الكاملة، وتحف حضرتي أقطاب الشرق والغرب ويجيئني الخضر، وأرى النبي ﷺ «عيانا» وأتلقى عنه ﵊ الأوامر الخاصة وتخدمني الهوام، وأفهم لغات الطيور والوحوش، وأسمع تسبيح الجمادات، وتمر بي حوادث الأكوان، ويرهب مكانتي الزمان، وتساعدني الأقدار بكل ما أروم ويبشرني الوارد المحمدي بالترقيات والقبول، وتسلم علي الأبدال، وتتضرع بي الأنجاب، وتنكشف لي عوالم البراري والبحار» (٦)

стр. 3632

فهذا الرجل لم يؤت ما أوتيه سليمان ﵇ فحسب، وإنما أوتي ما أوتيه الأنبياء جملة واحدة، وربما ما لم يؤتوه أيضاً. ومما يحكى عنه من الكرامات أن أبا بكر الدينوري سمع الصوفية يروون عن النبي ﷺ حديث)) من أكل مع مغفور له غفر الله له)) (١)، فلم يصدق به فسأل النبي ﷺ في المنام عن درجة هذا الحديث فقال له: أنا قلت هذا الحديث، وغدا تأكل مع مغفور له ويغفر الله لك. وفي اليوم التالي أخذ نجم الدين لقمة وقال له: «كل يا أخي أبا بكر، صدق سيدي رسول الله ﷺ : من أكل مع مغفور له غفر الله له، وأنت مغفور لك». (٢) فالرجل لم يتحقق من الحديث بالرجوع إلى رجاله ورواته وإنما بالتحقق من النبي ﷺ شخصياً، وهذا مشهور عند الصوفية أنهم ربما سألوه في الرؤيا عن الحديث الموضوع فيقول لهم أنا قلته، وربما سألوه عن الحديث الصحيح المتواتر فيقول: لم أقله فيعتبروه حينئذ موضوعا وإن رواه البخاري ومسلم. بمعنى آخر أن لهم إسناد خاص وحكم خاص على الحديث يأخذونه عن النبي مباشرة لا على الطريقة التي مضى عليها أهل الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما. ثم قد ذاع عند المتصوفة أيضا دعوى رؤية النبي ﷺ عيانا يقظة لا مناما، كما في نص الشيخ نجم الدين «وأرى النبي عيانا» وكما في ادعاء الشيخ جلال الدين الرفاعي أنه رأى النبي ﷺ في اليقظة بضعا وسبعين مرة. والذي ألف كتابا جمع فيه من اجتمعوا به يقظة وأسماه: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك. (٣) وهو قول لا يسلم من الزامات عديدة، منها: أن يصير الذي يراه يقظة «صحابيا». أن يصير زائر قبر النبي ﷺ إنما يزور قبراً خالياً. أن يكون النبي ﷺ متنقلا تارة هنا وتارة هناك إذ أن مدعي رؤيته عيانا كثيرون بل منهم من يزعم رؤيته كل يوم بل كل ساعة، وقد بلغ الأمر بأحدهم أن ادعى أنه لو غاب عنه رسول الله ﷺ طرفة عين ما عد نفسه من المسلمين. (٤) على أنهم ذكروا أن أبا الفضل الواسطي كان يعرف أيضا لغة الحيوانات والطيور ويذكر جميع أحوالهم وما هم عليه في البر (٥). - الطعن بالأنبياءلقد كنت من خلال استعراضي لسيرة الرفاعي من خلال ما كتبه عنه الرفاعيون أنهم يحاكونه بالنبي ﷺ وببعض ما جرى له مثل حادثة شق الملائكة لصدر الرفاعي، ومثل التلميح من وقت لآخر بعصمته، بل إنهم يدفعون أولياءهم دفعا إلى مرتبة النبوة حتى إنهم ليعتقدون فيهم أنهم الأولياء الكمل الذين هم في غالب أمورهم لا يعمل عملا إلا عن إذن سماوي (٦). ولا يختلف الإذن السماوي عن الوحي السماوي إلا في العبارة. - إبراهيم ﵇ يتعرى!

стр. 3633

وقد قالوا على سيدنا إبراهيم ﵇ بهتانا عظيما فزعموا أنه ﷺ تعرى ليكشف الشيخ إبراهيم الأعزب عن أعضائه. جاء ذلك في كتاب (روضة الناظرين) الذي ذكر أن إبراهيم الأعزب سئل عن حال الخليل إبراهيم ﷺ فذكر مجموع صفاته وكيفية أعضائه. فقال رجل: «من أهل العلم»: ما قاله السيد إبراهيم في شأن الخليل ما وجدناه في كتاب وما نقل عن أحد. فسمع إبراهيم الأعزب قوله فتبسم وأشار بيده إلى نحوه فنظر الفقيه إلى ذلك المكان فصرخ صرخة ووقع مغشيا عليه. فلما أفاق قال: رأيت الخليل ﷺ وقد تعرى ليرى أعضاءه السيد إبراهيم». (١) ولقد أثنى الصيادي على الشيخ الرفاعي بأبيات قال فيها (٢): برقعتك العناية الإلهية ... يا رفاعي بالبرود السنية لم نقل أنت في مقامك معصو ... م ولكن حفظا هجرت الخطية (٣) أنت زيتونة كريمة أصل ... لا شرقية ولا غربية أنت فرد الأغواث يا نبوي الـ ... خلق والخلق يثبت الفردية ثم زعم أن الرفاعي منزه عن مرتبة الغوثية لأنه نال ما هو أعلى وأجل منها وهي رتبة النيابة عن النبوة. (٤) وهذا طعن بالألوهية والنبوة معا. فإن الله هو غياث العباد ومددهم وكشاف كروبهم ولا ينزه عن ذلك، وليست مرتبة النبوة بأفضل من تلك فضلا عن أن تكون النيابة عن النبوة أفضل من غوثية الله تعالى. ومن صور استهزاء الرفاعية بالأنبياء ما رووه عن الرفاعي أنه قال لأتباعه: «يا سادة: هذا البحر الذي أنتم تغوصون فيه: غرق فيه وفي ساحله مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي. ومائة ألف وأربعة وعشرون ألف ولي. ومثلهم صديقون ما وجدوا له قراراً وحارت فيه أفكارهم، وضاعت فيه أوهامهم، وذهبت فيه عقولهم. (٥) - ادعاء علم الغيب مطلقا لم يختلف المسلمون يوما فيما بينهم عن علم الله الغيب: هل يشاركه فيه أحد كما قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [النمل: ٦٥]. وكما أمر نبيه أن يقول: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: ٥٠] وقد قال: ((إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)) (٦) متفق عليه. وقال لجبريل ﷺ حين سأله عن الساعة: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)) (٧). فادعاء الكشف عن علم الغيوب من أعظم الكذب على الله. غير أنه يعتبر عند المتصوفة منقبة من المناقب وكرامة من الكرامات. فالقلب - على حد قول الشيخ الرفاعي - إذا صلح صار مهبط الوحي والأسرار والأنوار والملائكة، وإذا فسد صار مهبط الظلم والشياطين. (٨) وعلى حد قوله أيضاً أنه: «إذا أراد الله أن يتخذ وليا أنعم عليه بأربع: ١ - الكفاية. ٢ - الحماية. ٣ - الرعاية. ٤ - الهداية. فإذا تحققت هذه الأربع أكرمه بأربع أيضاً: ١ - يقرأ ما على الجباه. ٢ - ويصافح الملائكة ويصافحونه. ٣ - ويكلم الموتى ويكلمونه. ٤ - ويدخل القبور فيعرف المنعم من المعذب. (٩)

стр. 3634

وإذا تحلى الأولياء بهذه الخوارق الهائلة من كفاية ورعاية وهداية وعناية فما المانع حينئذ من أن يكونوا ظل الأرض وأمان أهلها من كل خوف وأذية بعد أن ضاهوا الله في قدرته وصاروا صفة من صفاته، يقولون للشيء كن فيكون، ويتحكمون في الكون، ويكشفون المكنون!! الحقيقة أنهم صاروا عند الرفاعية كذلك، فقد ذكر الصيادي عن الشيخ عثمان القصير أنه قال: «كان الشيخ علي الرفاعي - خليفة الشيخ أحمد - أمانا لأهل الأرض، وظلا ظليلا على سائر الخلق». (١) ولما ذكر الرفاعي أنه صحب ثلاثمائة ألف أمة وأنه كان يعرف كلامهم وصفاتهم وأسماءهم وأرزاقهم وآجالهم، تعجب خادمه يعقوب فقال له الشيخ: «وأزيدك أيضاً أنه لا تستقر نطفة في فرج أنثى إلا ينظر الولي إليها ويعلم بها». فقال يعقوب: يا سيدي هذه صفات الرب جل وعلا!! فقال الشيخ: يا يعقوب، استغفر الله تعالى (٢) فإن الله إذا أحب عبدا صرفه في جميع مملكته، وأطلعه على ما شاء من علوم الغيب .. وإذا كان الحق تعالى مع عبده كما يريد، صار كأنه صفة من صفاته». (٣) ذكر الشعراني تلك المساجلة بين الشيخ الرفاعي وخادمه يعقوب، وزاد على ذلك بأن نقل عن شيخه (علي الخواص) شروطاً يجب توافرها في الولي الصوفي وهي: ١ - أن يكون عنده علم يكشف به الحقائق والدقائق. ٢ - أن يعلم ما جاز وما وجب وما استحال. ٣ - أن يكون له سريان في العوالم العلويات والسفليات. ٤ - أن يكون له قوة على التلبس (٤) في الصور، والتطور في الرتب. ٥ - أن ينظر أحوال مريده من اللوح المحفوظ. ٦ - أن يراقب مريده من حين كان في عالم الذر قبل وروده وهبوطه إلى أصلاب الآباء وبطون الأمهات. (٥) وإذا كان للأولياء هذا المبلغ من الكشف والعلم الغيبي على النحو الذي يشترطه شيخ الشعراني فلا يعجب حينئذ أن يقرأ في كتب الشعراني أن شيخه المذكور كان ينظر في الميضأة فيرى الذنوب التي تتساقط عليها من أثر الوضوء، وأنه نظر مرة إلى المغطس فقال: «لا جزى الله خيرا من اغتسل في هذا المغطس فإنه قذره وأنتنه. فسألوا عمن اغتسل فيه فوجدوه رجلا كان قد فعل الفاحشة في عبده» (٦) المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ٥٣ فما بعدها - الرفاعي يخاطب أمه وهو في بطنها وجاء في كتاب (الروض النضير) أن الشيخ الرفاعي كان يخاطب أمه وهو في بطنها فيقول: «يا أماه السلام عليك. فتقول: وعليك السلام يا ولدي. ما اسمك؟ فيقول: اسمي أحمد. ولقد سألها مرة - وهو حمل في بطنها -: ما تطلبين من الله؟ فقالت: الرحمة. فقال: لها أسباب سبعة: ١ - النية الصالحة. ٢ - الصلوات الخمس.

стр. 3635

٣ - الإحسان إلى الفقراء. ٤ - صفاء الضمير. ٥ - حفظ اللسان من الغيبة. (١) وكانت أمه تدخل على الشيخ أبي محمد الشنبكي وهي حامل به فيقوم لها إجلالا. فلما تكرر ذلك منه سئل عنه فقال: أنا أقوم إجلالا للجنين الذي في بطنها، فإنه أحد المقربين إلى الله وهو من أصحاب المقامات. (٢) - كيفية خروجه من بطن أمه قال صاحب كتاب (الروض النضير): «ولما ولدته أمه خرج منها ويده اليمنى على صدره كما يفعل المصلي. ويده اليسرى يغطي بها عورته، وكلما رفعوا يده عن عورته أعادها ليغطي عورته. وما أن خرج من بطن أمه حتى صار يحرك شفتيه، فأمر الشيخ منصور البطائحي بعض الحاضرين أن يقتربوا من شفتي الشيخ أحمد. فسمعوه يقول: سبحان الذي صوركم فأحسن صوركم. (٣) ولما ولدته أمه أبى أن يرضع، وما زال على ذلك حتى أتوا له بمرضعة تقية طاهرة، فكانت تجدد وضوؤها حالة إرضاعه. ولما جاء رمضان أمسك عن الرضاع، وامتنع عن شرب الحليب نهارا إلا بعد الإفطار وبقي كذلك إلى بعد العيد. (٤) - شق الملائكة لصدر الرفاعيومن قصة شق صدر النبي الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه أخذ الرفاعيون فكرة الرفاعي فذكروا عنه أنه قال لابن أخته «إبراهيم الأعزب»: «اعلم أني لما دعيت إلى هذا الأمر: حملت إلى قبلة هذا البلد، وشق صدري ملك من الملائكة المقربين، فأخرج منه شيئاً مظلما وغسله بماء الحيوان من الرياء وسوء الخلق وكل ما للشيطان فيه نصيب، كل ذلك وأنا أنظر بعيني كما فعل برسول الله ﷺ ». (٥) وهذه الحالة من الأحوال المطابقة لما حصل لسيدنا محمد ﷺ غير أن المرء يتساءل: ما الغرض من حدوث مثل ذلك للرفاعي أليكون معصوما كما كان الرسول ﵊؟ وأي أمر هذا الذي أخبر أنه «دعي إليه أهو النبوة أم الرسالة؟».إننا نجد عبارة أخرى بين كتب الرفاعية تحدد لنا ما هو هذا الأمر الذي دعي إليه. فقد جاء في كتاب (سواد العينين) أن الله قد رفع الشيخ الرفاعي إلى مقام القطبية والغوثية، وأنه من أجل ذلك ذهب إلى قبر النبي ﷺ وتململ على عتبته وصار يقول: «العفو العفو» إلى أن أحاط به النداء من كل جانب «فاستقم كما أمرت». (٦) إن مثل هذه الحادثة إنما وقعت للنبي ﷺ ضرورة لنبوته. فالعصمة من الزلل ومن كل ما للشيطان فيه نصيب إنما هو من ضرورات النبوة فما السبب في حصول مثل ذلك لغير النبي كالرفاعي؟ - صك بتحريم النار على الرفاعي وعلى كل ما تمسه يده ويدعي الرفاعية أن الشيخ الرفاعي كان بيده ورقة بيضاء فنادى أحد أتباعه وقال له: يا فلان تعال وأقرأ هذه الورقة قال: فقرأتها وهي مكتوبة بالنور. قال الرفاعي: رأيت في المنام رسول الله ﷺ فأعطاني هذه الورقة وقال: يا أحمد، هذه براءتك من النار. قال: فأخذت الكتاب فقرأته وإذا فيه مكتوب: براءة ابن أبي الحسن من النار، ثم انتبهت وإذا الكتاب بيدي». (٧)

стр. 3636

ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، بل ازداد ليجعل كل من مسته يد الرفاعي محرما على النار. فقد ذكروا أن الله وعد الرفاعي أن كل من دخل قريته أو مس كفه لا تأكله النار ولا تضره. وحكوا عن الرفاعي أنه أمسك مرة سمكة وأعطاها إلى أحد مريديه ليشويها له فلم تنشو ولم تنضج وبقيت نيئة على حالها فتعجب المريد من ذلك فأخبره الشيخ الرفاعي أن السبب في ذلك أن الله تعالى وعده أن لا تضر النار شيئاً مسته يده. (١) - الرفاعي يبيع قصرا في الجنة وهذه قصة منسوبة إلى الشيخ الرفاعي مفادها أن الرفاعي قد باع رجلا قصرا في الجنة محدد المساحة لقاء شراء بستان في الدنيا. قال محمد أبو الهدى الصيادي: «ونقل أن الشيخ جمال الدين الخطيب كان من أكابر أصحاب السيد أحمد الرفاعي وكان يريد أن يشتري بستانا لضرورة، فامتنع صاحب البستان عن بيعه إياه، فتشفع الشيخ جمال الدين إلى الرفاعي، فأتى رد الشفاعة من صاحب البستان (إسماعيل بن عبد المنعم) الذي قال للرفاعي: يا سيدي إن اشتريته مني بما أريد بعتك إياه. فقال الشيخ: يا إسماعيل قل لي كم تريد ثمنه حتى أعطيك؟ فقال: يا سيدي تشتريه مني بقصر في الجنة؟ فقال الرفاعي: من أنا حتى تطلب مني هذا يا ولدي؟ اطلب من الدنيا. فقال: يا سيدي شيئاً من الدنيا ما أريد، فإن أردت البستان فاشريها بما أطلب. فنكس السيد أحمد الرفاعي رأسه ساعة، واصفر لونه وتغير، ثم رفع وقد تبدلت الصفرة إحمرارا وقال: يا إسماعيل قد اشتريت منك البستان بما طلبت. فقال: يا سيدي اكتب لي خط يدك. فكتب له السيد أحمد الرفاعي ورقة فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي، ضامنا على كرم الله تعالى قصرا في الجنة تجمعه حدود أربعة: الأولى: إلى جنة عدن. الثانية: إلى جنة المأوى. الثالثة: إلى جنة الخلد. الرابعة: إلى جنة الفردوس وذلك بجميع حوره وولدانه وفرشه وستره وأنهاره وأشجاره، عوض بستانه في الدنيا. وله الله شاهد وكفيل. ثم طوى الكتاب وسلمه إليه، وأوصى صاحب البستان المذكور أن يوضع الصك معه في كفنه إذا مات، ففعل أبناؤه ذلك، ولما دفنوه وجدوا صبيحة اليوم التالي وقد كتب على قبره «وقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا» (٢).ويتغنى الصيادي بهذه القصة بأبيات من الشعر (٣) فيقول مخاطبا الرفاعي: وبستان إسماعيل لما اشتريته ... بقصر وقد أرهنته الخط والختما وذاك بدار الخلد في ساحة الرضا ... فصدقك المولى ووعدك قد تما على أن الرفاعي قد ضمن الجنة لآخر مقابل عصفور يشتريه منه. فجاء في كتاب (قلادة الجواهر) أن واحداً من أصحاب الشيخ الرفاعي اصطاد عصفورا وشد برجله خيطا وعلقه، والعصفور يصيح من شدة الألم، فقام الشيخ أحمد الرفاعي والتمس منه خلاص هذا العصفور فأبى وقال للشيخ: "تشتريه مني؟ " فقال الرفاعي: نعم، بكم هو؟ قال: بأن أكون بصحبتك في دار السلام، وأجوز معك بالسلام على الصراط. قال الرفاعي: نعم.

стр. 3637

فقال صاحبه: والله على ما نقول وكيل؟ قال: نعم. قال: اعهد معي. فعهد معه وخلص العصفور». (١) لقد اعتاد المتصوفة ذكر مثل هذه الحكايات التي يعِدون فيها من شاؤوا بدخول الجنة. ومثل ذلك أيضاً ما يزعمه متصوفة آخرون عن مشايخهم كالتيجاني القائل: «وعدني رسول الله ﷺ أن كل من رآني يدخل الجنة وإن كان كافرا». (٢) وكذلك قول أحد أتباعه: «رأيت شيخنا التيجاني بيده حلة، وقال لي: من رأى هذه الحلة دخل الجنة». (٣) ولا شك أن الإسلام يأبى مثل هذه الأقاصيص التي تعلق الناس بغير الله وتجعل رجاءهم فيما عند المحتاجين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا وتقطع الرجاء فيما عند الغني الذي بيده الضر والنفع والثواب والعقاب لا بيد أحد سواه. ونستطيع القول بأن صكوك ومواثيق دخول الجنة التي يذكرها المتصوفة عن مشايخهم قد سبقهم إليها النصارى، فقد اشتهر عن الكنيسة مثل هذه الصكوك المسماة «صكوك الغفران» والتي كانت تشبه في نصها هذا النص المنسوب إلى الشيخ الرفاعي. ولا يزال النصارى إلى اليوم يسخرون من مهزلة هذه الصكوك ويهزءون بسببها من الكنيسة، فليس للنصارى ولا للمتصوفة أن يتألوا على الله فيضمنوا الجنة لأحد من عباده. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] , أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ؟ [ص: ٩]. - الرفاعي يمرض ويجوع فداء للآخرين إن فكرة تعذيب شخص فداء عن الآخرين قديمة تبنتها العديد من الديانات والمذاهب، وهي مشتهرة عند النصارى الذين زعموا أن المسيح ﵇ تألم وتعذب من أجل الآخرين. وتعرف هذه الفكرة بمبدأ «الكفارة والفداء». والجدير بالذكر أن هذه الفكرة تسربت إلى أصحاب الطريقة الرفاعية الذين جعلوا شيخهم يتحمل البلاء والمرض نيابة عن الآخرين. فقد ذكروا أن شيخهم مرض فقال: «أقبل على الخلق بلاء عظيم فتحملته عنهم واشتريته بما بقي من عمري فباعني». وكان يبكي ويقول: اللهم اجعلني سقف البلاء على هؤلاء الخلق. (٤) وكان يقول لخادمه يعقوب: ما وجد أحد من الفقراء أذى إلا وجدت ألمه في قلبي. (٥) ورأى أحدهم حال الشيخ الرفاعي من الجوع والفقر فقال في نفسه: «أولاد المشايخ يركبون الخيل ويلبسون الناعم، والسيد أحمد لا يركب الخيل ولا يلبس المليح ولا يشبع من الطعام. فعلم الشيخ بما خطر في نفسه وقال له: يا ولدي استغفر الله مما خطر لك، فلو لم يجع سيدك ما شبع أحد من المسلمين، ولا ركب فرسا ولا حمارا». (٦) - الرفاعي يذوب ويتحول إلى ماء ومن أعجب ما حكي عن الشيخ الرفاعي أنه كان يذوب كالرصاص ويستحيل إلى ماء كلما جلس يتعبد الله تعالى. فقد ذكر محمد أبو الهدى الصيادي أنه لما كان الله يتجلى على الرفاعي بالعظمة كان يذوب حتى يبقى بقعة ماء ثم تدركه الرحمة الإلهية فيجمد شيئاً فشيئاً حتى يعود بدنه إلى ما كان عليه فيقول لأتباعه: «لولا لطف الله ما عدت إليكم». (٧)

стр. 3638

وذكر الصيادي والنبهاني أيضاً أن الرفاعي خرج مع أحد مرافقيه (الشيخ سعيد) في الليل فوصلا إلى بستان، فقال له الرفاعي: قف ههنا حتى أرجع. قال الشيخ سعيد: فوقفت مكاني حتى مضى من الليل شطره وهو لم يرجع. فمشيت على أثره لأعرف خبره، فإذا أنا بثيابه ملقاة على الأرض وعلى جانبه ماء، فجعلت أطوف يمينا وشمالا فلم أجده. فرجعت إلى موضعي وأنا مرعوب من ذلك إذ أقبل علي وأنواره تشرق، فسألته عن ذلك فقال: يا ولدي أنا كنت ذلك الماء الذي رأيته. نظرني العزيز سبحانه بعين اللطف فصرت كما ترى. يا سعيد لولا أن نظرني بعين اللطف لما رجعت إليكم أبدا». (١) ومثل هذه الأحوال نسبوها أيضا إلى غير الرفاعي، فقد ذكر الصيادي أن قوما جاءوا إلى الشيخ منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - فسألوه عن المحبة، فسكت ثم ذاب كما يذوب الرصاص قطرة بعد قطرة وهم ينظرونه حتى صار كالماء المائع. (٢) وقد أخبرني أحد من اجتمعت بهم ممن رجعوا عن هذه الطريقة أنه قرأ في أحد كتب الرفاعية أن سبب ذهاب إحدى عيني الشيخ الرفاعي: أنه كلما جلس للعبادة والذكر يذوب ويتحول إلى ماء، فكان يجلس في طست لئلا ينتشر هذا الماء فيضيع شيء من بدنه. فكان أن جلس في الطست مرة وتحول إلى ماء إلا عيناه فإنهما بدتا وكأنهما كرتين، فدخلت ابنته ولعبت بإحداهما فعطبتها ومنذ ذلك الحين صار يرى بعين واحدة. قال لي ذاك الأخ: فقلت في نفسي: أبلغت الخرافة في الدين إلى هذا الحد؟ قال: فأقبلت على الكتاب وما صح من السنة وخلعت عني أوهام التصوف. - الرفاعي لا يأكل ولا يشرب ومما حكوه عنه من الكرامات أيضاً امتناعه عن الطعام والشراب لأيام وأسابيع وشهور، بل وربما سنوات. فقد ذكر الصيادي أن الشيخ الرفاعي خرج إلى الحج ثم إلى المدينة. ومنذ خروجه من العراق إلى أن عاد إليها من الحج لم يأكل طعاما قط، ولم يتناول جرعة ماء واحدة. (٣) وذكر أيضاً أنه بقي مرة نصف نهار لم يشرب ماء فوجد قدحا على التنور وفيه ماء وسخ من غسل الأيدي. فقالت له نفسه: قد عذبتني نصف النهار بالعطش وتسقيني من هذا الماء الوسخ؟ فلما رأى منها هذا العتاب ألقى القدح من يده وأقسم أن لا يذيقها الماء سنة كاملة، وفعل ذلك. (٤) ومع عدم الاقتناع بأن يبقى إنسان شيئاً يسيراً بلا ماء، فإن الظاهر أن سياق القصة مأخوذ من قصة أبي يزيد البسطامي مع الماء فإنه لا اختلاف بين القصتين بتاتا. (٥) وذكروا مثل هذه الكرامات لغير الرفاعي: فالشيخ أبو رفاعة المهدي الرفاعي بقي أربعين يوما متتالية لا يأكل ولا يشرب بل ولا ينام. ومع ذلك كله لم يغب عن أداء ما افترضه الله عليه. (٦) وكذلك السيد ولي الله «السكران» أبو محمد اليعقوبي الرفاعي كان كثيرا ما يمكث الستة أشهر لا يأكل طعاما ولا يشرب ماء. (٧) ولقد ضرب الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي الرقم القياسي في الامتناع عن الطعام والشراب، حيث بقي بلا طعام ولا شراب سبع سنين. (٨) فهل حصل مثل هذه الكرامة لنبي من الأنبياء فضلا عن أن تحصل لغيرهم؟ المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٨ فما بعدها

стр. 3639

المطلب الثالث: نماذج من كشوفات مشايخ الرفاعية ذكر الصيادي أن من كرامات الشيخ بهاء الدين الرواس الرفاعي: «أنه كان يتكلم على خواطر أصحابه ومريديه كما في صدورهم. (١) واعترض أحد المريدين على الشيخ إبراهيم الأعزب (ابن أخت الشيخ أحمد) فعرك الشيخ إبراهيم أذنه وزجره عن أسرار الإنكار عليه وقال له: «ألم تعلم أن قلوب الخلق بين أيدينا كالمصابيح من وراء الستارة نشهدها رأي العين» (٢) وكذلك أسر أحد مريدي الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي في نفسه الاعتراض على شيخه في قلبه فقال له الشيخ عثمان: «ألم تعلم أني أعلم ما في قلبك». (٣) وكان الشيخ عبد الحافظ بن سرور الرفاعي له قدرة على إبداء ما في النفوس، ومحبة مريديه تزيد في إيمانهم. ونظرته تصلح قلوبهم. (٤) وذكر أن الشيخ علي أبو الفضل الواسطي يعرف لغات الطيور والحيوانات .. وكان يتكلم على الخواطر ويكشف الأسرار، ونظرته أيضا تصلح القلوب. (٥) وكشف الصوفية يحصل لغيرهم من غير المسلمين أيضاً كالكهان فإن الشياطين يكشفون لأمثالهم أخبارا غائبة عنهم وهي بذاتها ليست من علم الغيب فيظن الجاهل أن ذلك كشفا من عند الله تعالى. وقد صرح بذلك بهاء الدين الرواس فقال: «ومما لا يلتفت إليه سماع هاتف يشير إلى أمر غيبي .. وقد يكون ذلك الهاتف لا من هواتف الحق بل هو من هواتف الشياطين». (٦) ويصف الصيادي ابن عمه المهدي الرواس في أبيات من الشعر فيقول: بمكنون الغيب حوى إطلاعا ... تراه بكل آتيه خبيرا (٧) أما الشيخ أحمد الرفاعي نفسه فقد ذكروا أن مغنيا كان يغني للصوفية، فتواجدوا وطربوا، وكان بينهم أحمد الرفاعي صغيرا، فخسف أحمد الدف، فأنكروا عليه فقال لهم: «اسألوه عما خطر بباله. فاعترف المغني أنه لما رآهم على هذه الحالة من التمايل تذكر أنه كان البارحة مع قوم فشربوا الخمر حتى تمايلوا كتمايل المشايخ الصوفية، فخطر في باله أن هؤلاء كأولئك». (٨) الكشف عن علوم المستقبل ومرض الشيخ أبو زكريا العسقلاني مرضاً شديداً حتى ظن أنه ميت لا محالة، فقال له الشيخ إبراهيم الأعزب: «أنت لن تموت في هذه المدة، قد بقي من عمرك زمان طويل. وعاش الرجل بعدها خمسين سنة». (٩) أما الشيخ رجب الصيادي الرفاعي فكان يتنبأ بمن يأتيه من الزوار فيقول: «الآن بعد ساعتين أو قبيل المغرب يجيء إلينا ضيف شكله كذا وثيابه كذا وفرسه كذا وهو من القبيلة الفلانية، ومعه لنا هدية كذا. فيكون كما يقول بلا اختلاف حرف واحد». (١٠) المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٧٢ - ٧٤

стр. 3640

المطلب الرابع: الرفاعي وعقيدة ختم الولاية وذكر محمد أبو الهدى الصيادي أن النبي ﷺ ظهر على أبي منصور البطائحي - خال الشيخ الرفاعي - وبشره أن الله سيرزق أخته بولد يأتي من بعده اسمه أحمد الرفاعي. يكون رأسا في الأولياء كما أنه ﷺ رأس في الأنبياء. (١) كذلك أمر النبي ﷺ الشيخ علي الواسطي أن يعتني بالرفاعي، وأكد له بأنه: كما هو ﷺ رأس في الأنبياء فكذلك يكون الرفاعي رأسا في الأولياء، وحذره من مغبة إهمال وصيته في الرفاعي لأن شأنه عند الله عزيز. (٢) وقد ضرب الصيادي مثلا لتفضيل الرفاعي على الأولياء فقال: إذا ذكر الأنبياء فحدثوا عنهم، وإذا ذكر محمد ﷺ فاسكتوا. وإذا ذكر الأولياء فحدثوا عنهم، وإذا ذكر السيد أحمد الرفاعي فاسكتوا. (٣) ثم بلغ بهم الغلو في إطراء الشيخ الرفاعي ﵀ أن جعلوه خاتم الأولياء كما أن محمدا ﷺ خاتماً في الأنبياء وذلك جرياً على المشابهة التي بينه وبينه. فذكر الشيخ القرشي أن الله قد ختم بالرفاعي الولاية كما ختم بمحمد النبوة. (٤) وعقيدة ختم الولاية فكرة صوفية أول من تكلم بها الحكيم الترمذي وابن عربي وغيرهما من غلاة الصوفية، ثم أخذها المتصوفة عنهم ونسبها كل منهم لشيخه فنسبت بعد ذلك للشيخ عبد القادر الجزائري والتيجاني وغيرهما. وحقيقة الأمر أن خاتم الأولياء هو آخر مؤمن يبقى على هذه الأرض، وليست ولاية الله تنقطع بموت أحد هؤلاء المشايخ قبل مئات السنين من الآن، فإن كل مسلم يؤمن بالله ويتقيه فهو ولي لله ﵎. ولهذا فإن المفهوم الصوفي للولاية بعيد جدا عن مفهوم الإسلام لها. المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٧، ١٨

стр. 3641

المطلب الأول: غلو الرفاعية في شيخهم ومشايخهم قالوا عن الرفاعي: إنه: «كعبة القاصدين وقبلة أهل الحال». (١) وأنه «كما أن الكعبة قبلة المصلين، وكما أن العرش قبلة أصحاب الهمم، فكذلك الشيخ قبلة المريدين. (٢) فالعرش قبلة الهمم، والكعبة قبلة الجباه، وأحمد قبلة القلوب». (٣) وهم بذلك جعلوا للمسلم أكثر من قبلة وجعلوا أخصها: أحمد (القبلة) إذ القلوب تتجه إليه بينما يتجه الناس إلى سواه بهممهم وجباههم، وكأن قلوبهم تكون منعزلة عن الكعبة حين يتوجهون إليها. فجعلوا الرفاعي ندا حتى للكعبة لا سيما حين أخبروا أنها أتت بنفسها والرسول ﷺ إلى قرية الرفاعي (٤).وأنه «غوث الثقلين» أي الذي تستغيث به الجن والإنس (٥) بل إن النعجة تستغيث به إذا هاجمها الذئب وتقول بلسان فصيح أدركني يا سيدي أحمد (٦).وأن الله صرفه في الكون (٧) وأنه «مجيب الدواعي (٨) وأمان الخائفين، والمتحكم في ذرات الكون (٩) وأنه ملجأنا وملاذنا ومفزعنا وولي نعمتنا. (١٠) وأنه كشاف المدلهمات والكروب (١١) وأن التمسك بأذياله من أسباب النجاة. (١٢) وأن الله ختم به الولاية فهو «خاتم الأولياء». (١٣) وأن الله جعله ظلا ظليلا وأمانا لأهل الأرض، وأن مقامه وخلافته تشهد بها السموات والأرض، وأن كل الناس أجابوا ولايته، حتى الذر الذين لم يزالوا في أصلاب الآباء قد شهدوا بولايته. (١٤) فبه يدفع الله البلاء، وبه يمطر السماء وبه يرحم الخلق، وبه تخضر الأرض، وبه يدر الضرع، وبه تنزل البركات، وبه ترفع الدرجات. (١٥) ووصفوا الشيخ رجب الصيادي الرفاعي بأنه «رب الخوارق والفواضل، الواجد الماجد». (١٦) وقالوا بأنه لو قدر أن يكون الرفاعي حيا في زمن النبي ﷺ لنزلت فيه آيات تتلى. نقل ذلك الصيادي عن صدر الدين السبكي الذي رثى الرفاعي ببيتين من الشعر قال فيهما (١٧): يا ابن الرفاعي يا من شمس دولته ... لها بكل فجاج الكون عنوان لو كنت في زمن المختار شافعنا ... لجاء في خلقك الممدوح قرآن وقد يرون مثل ذلك لغير الرفاعي، فقد نقل الصيادي عن محارب بن دثار أنه أثنى على داود الطائي ثم قال: «لو كان داود الطائي في الأمم الماضية لقص الله علينا من خبره». (١٨)

стр. 3642

وهذا غلو وادعاء أنه كان يمكن أن تكون بعض آياته على خلاف ما هي عليه الآن لو كان الرفاعي في عهد النبوة. ثم ليس الرفاعي أعز عند الله من أبي بكر وعمر اللذين كانا أحب الناس إليه وإلى نبيه ﷺ ومع ذلك لم يرد ذكرهما في قرآنه!.وقد وصفوا تاج الدين الرفاعي أنه «غياث الملهوفين» (١) والشيخ عبد الرحيم بن علي الرفاعي أنه «غوث الثقلين» (٢) يعني أن الجن والإنس تستغيث به عند الشدائد والكربات. ولقد شجب الرواس فكرة الغلو هذه التي اتسم بها الكثيرون من أهل التصوف واعتبرها من طباع أهل الشرك. قال: «وبويعت في الحضرة على عدم النظر إلى الآباء والأجداد، فإن المفاخرة بهم من طباع أهل الشرك، والغلو بهم من بقايا نخوة الجاهلية». (٣) غير أنه قال كلمة حق في كتاب مليء بالباطل وهو (بوارق الحقائق) الذي يحكي فيه قصة طوافه بأهل البيت والمنتظر «الحجة» وخروجهم من قبورهم لاستقباله في كل زيارة وكل مناسبة. ثم إن آل الصيادي - والرواس منهم - يعتبرون السلالة التي غلت في الطريقة وفي الرفاعي ما لم يفعل غيرهم لا سيما محمد بن حسن وادي الصيادي الملقب بـ «أبي الهدى» الذي نقلت من كلامه أكثر انحرافات الرفاعية وغلوهم. ويأتي الشيخ بهاء الدين ابن عم الرواس بأبيات يمتدح فيها آباءه وأجداده، ويدعو المحتاجين والمضطرين إلى الاستغاثة بهم فيقول فيما ينقله الصيادي عنه (٤): إشاراتنا فوق الرؤوس تخفق ... وأعلامنا تحت المعالي تصفق ومن نال من أنفاسنا هام قلبه ... وأثوابه شوقا ووجدا يمزق ونحن بنو الغوث الرفاعي أحمد ... كمالاته والسر فينا محقق ومن أمنا لم يخش ضيما ولا عنا ... وأيدي البلايا نحوه لا تطرق لنا مدد في سائر الأرض قد سرى ... ونحن شموس في سما الكون نشرق بل يقول الصيادي نفسه (٥) الأحمديون للإسلام أركان ... وفوا العهود وأشعاث الحمى صانوا بهم أشد على الأخطار مقتحما ... لا السم سم ولا النيران نيران بهم تفرج عن ذي النون غمته ... وفاز نوح ولم يمسه طوفان عش طيب الأمن يا من يستجير بهم ... فما عليك لصرف الدهر عدوان ذاك الكبير أبو العباس أحمدهم ... له على ملكوت الله إيوان هذا أبو العلمين الفرد حجتنا ... في يوم لا يعرف الخلان خلان غوث الخلائق من ينبوع منهجه ... تفيض في الكون أسرار وعرفان يحمي الضعيف إذا ما سن شفرته ... دهرا وأرضى الرزايا وهو غضبان أجار حتى الثريا في مناعتها ... تود لو أنها قوم وجيران ومن صور الرفاعية في مشايخهم اعتقادهم أن البركة تحصل بمجرد ذكر أسماء مشايخهم ولذلك أمروا أتباعهم عند ذكر أسمائهم أن يمسحوا بأيديهم على وجوههم. وصرح الرفاعي أن الشيخ منصور كان يأخذ التوبة على الناس حتى الطفل الذي في المهد وحتى الأجنة في البطون (٦) ثم قال: «إذا ذكرتم الشيخ منصور فأمروا أيديكم على وجوهكم ينورها الله تعالى ببركته». (٧) ونقل عن أحد مشايخ الرفاعية أنه رأى النبي ﷺ في المنام وكلما ذكر أمامه أبو الوفا قال ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ما أقول فيمن أباهي الأمم به يوم القيامة. قال الوتري: «ولذلك كان مشايخ الرفاعية إذا ذكروا أبا الوفا يسمون الله تعالى ثم يأتون بذكره». وكانوا يقولون: «عجبنا لمن يذكر اسم السيد أبي الوفا ولم يسم الله ويمس بيده على وجهه كيف لم يسقط لحم وجهه لهيبته». (٨)

стр. 3643

المطلب الثاني: قرية الرفاعي «أم عبيدة» البيت الحرام لقد أضحت قرية «أم عبيدة» (مسقط رأس الشيخ أحمد الرفاعي) عند الرفاعية البقعة المقدسة والبلد الحرام الذي يتقرب الخلائق بزيارته إلى الله تعالى، ويتوجه إليه أصحاب الحوائج والكربات لدفع حوائجهم وكرباتهم، وذكروا أن أمر قدسيتها قد تم بمقتضى وعد إلهي. فقد ذكر الصيادي أن الشيخ الرفاعي قال: «إن الله أعطى هذه البقعة خاصية تقرب الخلائق إلى الله، ووعدني أنه يجيب إلى هذه البقعة للزيارة زبدة الخلق لاغتنام بركتها، وأن يجعل خواص خلقه من مشارق الأرض ومغاربها في هذه البقعة». (١) وقد جعلوا قرية «أم عبيدة» بمنزلة البلد الحرام فزعموا أن الأمر الإلهي قد صدر إلى الرفاعي بأن ينادي بالناس من كل حدب وصوب ليحجوا إليها ففعل مثلما فعل إبراهيم ﷺ حين نادى بالناس بالحج. وزعموا أنه قال: «قيل لي: قم فناد أهل المشرق والمغرب والسهل والجبل إلى زيارة هذه البقعة السعيدة، فقام الرفاعي وصار يشير بيديه وهو واقف ويقول: «تعالوا إلى «أم عبيدة» تعالوا إلى هذه البقعة المباركة: كل شهر قوم، وكل سنة قوم، وكل وقت قوم ثم أردف يقول «نعم، نعم» فلما سئل عن ذلك قال: لما ناديت أجابوني بقدرة الله خلق كثير لا تحملهم هذه البقعة فلما رأيت ذلك قلت رويدا رويدا كل شهر قوم، كل سنة قوم». (٢) - من دخلها لا تمسه النار قد جعلوا لقرية " أم عبيدة " فضائل عديدة ذكروا منها: ١ - أن زائرها يروح ويأتي تحت ظلال أجنحة الملائكة. (٣) ٢ - أن زائرها لا تأكله النار ولا تضره وهذا من وعد الله للشيخ الرفاعي كما يقولون. (٤) وهذا ما لا يضمن في العادة لزائر مكة ولا المدينة.٣ - أن زيارتها وملازمتها كفيلة بقضاء كل حاجة، ويروون في ذلك قصة الأمير عبد الله الصيرفي الذي وقع في حالة دين فلازم قبة الشيخ أحمد الرفاعي فقضيت حاجته. (٥) ٤ - أن زائرها يتوجه إليها عند طلب حاجته ويخطو إليها ثلاث خطوات. يقول الصيادي: «إن أهمه أمر فليتوضأ ويصلي لله ركعتين ثم يصلي على النبي مائة مرة، ثم يتجه إلى جهة البصرة محل مرقد الغوث الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويقول له: أيظلمني الزمان وأنت فيه ... وتأكلني الذئاب وأنت ليث ويروى من بنانك كل ظامي ... وأظمأ في حماك وأنت غيث

стр. 3644

وقد جربها رجل مظلوم ظلمه آل غريب فالتزم القبة الرفاعية وقال هذين البيتين فقال له الشيخ أحمد في المنام «قضيت حاجتك» فما مضى شهر حتى فني آل غريب عن آخرهم. (١) وزعموا أن الرفاعي كان يقول: «إذا كان لكم حاجة ولم تقدروا أن تصلوا إلى (قرية) أم عبيدة فتوجهوا نحوها لله تعالى ثلاث خطوات واسألوا حاجتكم». (٢) وهذا متعارض مع ما أوصى به الشيخ لأتباعه: أن لا يجعلوا رواقه حرما، ولا قبره بعد موته صنما. (٣) وهم يعتبرونه في قبره حيا متصرفا. ذكر الصيادي أن خادم القبة الأحمدية نعس مرة فنام وفي يده الكتاب وزجاجة الزيت بجانبه فرأى السيد أحمد في المنام وهو يقول له: «يا أبا الرضا تنبه، لولا أني صنت لك الكتاب لأخذه الزيت. فتنبه فوجد الكتاب صار في مكان والزجاجة في مكان آخر». (٤) - أوصاف القرية الحرام ومزاياها عندهم وقد وصفوا هذه القرية بأنها: ١ - كعبة هموم المحققين، وحرم الأمان للطالبين، البيت المقدس الأمين، مهبط الرحمات، منبع الفتوحات، نمط الجفر العلوي. (٥) ٢ - محط رحال العباد ومنها ينثر الخير إلى سائر البلاد. ٣ - البقعة المقدسة، طور سيناء قلوب العارفين. (٦) - الرسول والكعبة يزوران قرية أم عبيدة إن كل هذه الصفات التي تتصف بها قرية أم عبيدة تجعلها أفضل من المساجد الثلاثة، وأولها في ذلك مكة. وكيف لا تكون أفضل من مكة وقد زعموا أن الكعبة رؤيت وهي قادمة تشد رحالها إلى قرية أم عبيدة مع الرسول ﷺ . فلقد زعموا أن أحد الصوفية رأى في المنام خياما عظيمة على الطريق فسأل: لمن هذه الخيام فقالوا: هذه لرسول الله ﷺ فدخل إليه وسلم عليه. وقال: يا رسول الله إلى أين هذه الرحلة المباركة؟ فقال: إلى قرية أم عبيدة لزيارة أحمد بن أبي الحسن الرفاعي. فقلت: يا رسول الله: الناس لك يزورون والى نحوك يقصدون! فقال: يا حاج أنت حججت وقصدت البيت؟ فقلت: نعم. فقال: ارفع رأسك فانظر. قال: فرفعت رأسي فنظرت إلى الكعبة وهي سائرة. قال النبي ﷺ : ها أنا والكعبة زائرون، زورا زرنا. فقام الرجل من نومه وهب ينادي في الناس ويحثهم على المبادرة إلى المسير إلى قرية الرفاعي حيث الرسول ﷺ والكعبة زائرون. (٧) وهم إذا تكلموا عن الكعبة لم يعظموها كتعظيمهم قرية «أم عبيدة» وإنما يقللون من شأن الطواف حولها ويثبطون الناس عن الذهاب إليها. مثلما نقل الصيادي عن الجنيد أنه كان يطوف بالبيت الحرام فاعترضته جارية وقالت: «يا جنيد: تطوف بالبيت أم برب البيت؟ فقال: أطوف بالبيتفرفعت طرفها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار». (٨)

стр. 3645

إن هذه الهالة التي يحيطها الرفاعية بقرية أم عبيدة لا حقيقة لها إنما هو كلام لم يتعد الورق وبطون كتب أهل هذه الطريقة. وإلا فقرية «أم عبيدة» لا شهرة ولا ذكر لها في التاريخ، ولم يذكرها ياقوت الحموي ولا غيره. ودعوى أبي الهدى الصيادي الرفاعي أن سبط الجوزي (١) دخلها ووجد فيها خلائق كثيرة يقدرون بمائة ألف إنسان (٢) دعوى لا صحة لها. فإن سبط ابن الجوزي قد ولد بعد وفاة الرفاعي بثلاث سنوات. (٣) وهكذا رأينا وصف قرية الرفاعي وقبته بأنها الكعبة والحرم والبيت المقدس والبقعة المقدسة ومهبط الرحمات وكشف الكربات وموضع قضاء الحاجات فهل يتوافق كل هذا مع تعاليم شيخهم الرفاعي الذي كان يقول لهم: «يا سادة: لا تجعلوا رواقي حرماً، ولا قبري بعد موتي صنما، عليكم به سبحانه، لا يضر ولا ينفع، ويصل ويقطع ويفرق ويجمع إلا الله». (٤) لقد بات من الملاحظ أنهم ينتزعون من صفات الله، ومن صفات النبوة للرفاعي، وينتزعون صفات بيت الله وبلده الحرام لقرية الرفاعي فماذا يريدون من وراء ذلك؟ المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١١٥ - ١٢٤
следующие страницы →