← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

المطلب الأول: غلو الرفاعية في شيخهم ومشايخهم قالوا عن الرفاعي: إنه: «كعبة القاصدين وقبلة أهل الحال». (١) وأنه «كما أن الكعبة قبلة المصلين، وكما أن العرش قبلة أصحاب الهمم، فكذلك الشيخ قبلة المريدين. (٢) فالعرش قبلة الهمم، والكعبة قبلة الجباه، وأحمد قبلة القلوب». (٣) وهم بذلك جعلوا للمسلم أكثر من قبلة وجعلوا أخصها: أحمد (القبلة) إذ القلوب تتجه إليه بينما يتجه الناس إلى سواه بهممهم وجباههم، وكأن قلوبهم تكون منعزلة عن الكعبة حين يتوجهون إليها. فجعلوا الرفاعي ندا حتى للكعبة لا سيما حين أخبروا أنها أتت بنفسها والرسول ﷺ إلى قرية الرفاعي (٤).وأنه «غوث الثقلين» أي الذي تستغيث به الجن والإنس (٥) بل إن النعجة تستغيث به إذا هاجمها الذئب وتقول بلسان فصيح أدركني يا سيدي أحمد (٦).وأن الله صرفه في الكون (٧) وأنه «مجيب الدواعي (٨) وأمان الخائفين، والمتحكم في ذرات الكون (٩) وأنه ملجأنا وملاذنا ومفزعنا وولي نعمتنا. (١٠) وأنه كشاف المدلهمات والكروب (١١) وأن التمسك بأذياله من أسباب النجاة. (١٢) وأن الله ختم به الولاية فهو «خاتم الأولياء». (١٣) وأن الله جعله ظلا ظليلا وأمانا لأهل الأرض، وأن مقامه وخلافته تشهد بها السموات والأرض، وأن كل الناس أجابوا ولايته، حتى الذر الذين لم يزالوا في أصلاب الآباء قد شهدوا بولايته. (١٤) فبه يدفع الله البلاء، وبه يمطر السماء وبه يرحم الخلق، وبه تخضر الأرض، وبه يدر الضرع، وبه تنزل البركات، وبه ترفع الدرجات. (١٥) ووصفوا الشيخ رجب الصيادي الرفاعي بأنه «رب الخوارق والفواضل، الواجد الماجد». (١٦) وقالوا بأنه لو قدر أن يكون الرفاعي حيا في زمن النبي ﷺ لنزلت فيه آيات تتلى. نقل ذلك الصيادي عن صدر الدين السبكي الذي رثى الرفاعي ببيتين من الشعر قال فيهما (١٧): يا ابن الرفاعي يا من شمس دولته ... لها بكل فجاج الكون عنوان لو كنت في زمن المختار شافعنا ... لجاء في خلقك الممدوح قرآن وقد يرون مثل ذلك لغير الرفاعي، فقد نقل الصيادي عن محارب بن دثار أنه أثنى على داود الطائي ثم قال: «لو كان داود الطائي في الأمم الماضية لقص الله علينا من خبره». (١٨)

стр. 3642

وهذا غلو وادعاء أنه كان يمكن أن تكون بعض آياته على خلاف ما هي عليه الآن لو كان الرفاعي في عهد النبوة. ثم ليس الرفاعي أعز عند الله من أبي بكر وعمر اللذين كانا أحب الناس إليه وإلى نبيه ﷺ ومع ذلك لم يرد ذكرهما في قرآنه!.وقد وصفوا تاج الدين الرفاعي أنه «غياث الملهوفين» (١) والشيخ عبد الرحيم بن علي الرفاعي أنه «غوث الثقلين» (٢) يعني أن الجن والإنس تستغيث به عند الشدائد والكربات. ولقد شجب الرواس فكرة الغلو هذه التي اتسم بها الكثيرون من أهل التصوف واعتبرها من طباع أهل الشرك. قال: «وبويعت في الحضرة على عدم النظر إلى الآباء والأجداد، فإن المفاخرة بهم من طباع أهل الشرك، والغلو بهم من بقايا نخوة الجاهلية». (٣) غير أنه قال كلمة حق في كتاب مليء بالباطل وهو (بوارق الحقائق) الذي يحكي فيه قصة طوافه بأهل البيت والمنتظر «الحجة» وخروجهم من قبورهم لاستقباله في كل زيارة وكل مناسبة. ثم إن آل الصيادي - والرواس منهم - يعتبرون السلالة التي غلت في الطريقة وفي الرفاعي ما لم يفعل غيرهم لا سيما محمد بن حسن وادي الصيادي الملقب بـ «أبي الهدى» الذي نقلت من كلامه أكثر انحرافات الرفاعية وغلوهم. ويأتي الشيخ بهاء الدين ابن عم الرواس بأبيات يمتدح فيها آباءه وأجداده، ويدعو المحتاجين والمضطرين إلى الاستغاثة بهم فيقول فيما ينقله الصيادي عنه (٤): إشاراتنا فوق الرؤوس تخفق ... وأعلامنا تحت المعالي تصفق ومن نال من أنفاسنا هام قلبه ... وأثوابه شوقا ووجدا يمزق ونحن بنو الغوث الرفاعي أحمد ... كمالاته والسر فينا محقق ومن أمنا لم يخش ضيما ولا عنا ... وأيدي البلايا نحوه لا تطرق لنا مدد في سائر الأرض قد سرى ... ونحن شموس في سما الكون نشرق بل يقول الصيادي نفسه (٥) الأحمديون للإسلام أركان ... وفوا العهود وأشعاث الحمى صانوا بهم أشد على الأخطار مقتحما ... لا السم سم ولا النيران نيران بهم تفرج عن ذي النون غمته ... وفاز نوح ولم يمسه طوفان عش طيب الأمن يا من يستجير بهم ... فما عليك لصرف الدهر عدوان ذاك الكبير أبو العباس أحمدهم ... له على ملكوت الله إيوان هذا أبو العلمين الفرد حجتنا ... في يوم لا يعرف الخلان خلان غوث الخلائق من ينبوع منهجه ... تفيض في الكون أسرار وعرفان يحمي الضعيف إذا ما سن شفرته ... دهرا وأرضى الرزايا وهو غضبان أجار حتى الثريا في مناعتها ... تود لو أنها قوم وجيران ومن صور الرفاعية في مشايخهم اعتقادهم أن البركة تحصل بمجرد ذكر أسماء مشايخهم ولذلك أمروا أتباعهم عند ذكر أسمائهم أن يمسحوا بأيديهم على وجوههم. وصرح الرفاعي أن الشيخ منصور كان يأخذ التوبة على الناس حتى الطفل الذي في المهد وحتى الأجنة في البطون (٦) ثم قال: «إذا ذكرتم الشيخ منصور فأمروا أيديكم على وجوهكم ينورها الله تعالى ببركته». (٧) ونقل عن أحد مشايخ الرفاعية أنه رأى النبي ﷺ في المنام وكلما ذكر أمامه أبو الوفا قال ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ما أقول فيمن أباهي الأمم به يوم القيامة. قال الوتري: «ولذلك كان مشايخ الرفاعية إذا ذكروا أبا الوفا يسمون الله تعالى ثم يأتون بذكره». وكانوا يقولون: «عجبنا لمن يذكر اسم السيد أبي الوفا ولم يسم الله ويمس بيده على وجهه كيف لم يسقط لحم وجهه لهيبته». (٨)

стр. 3643

المطلب الثاني: قرية الرفاعي «أم عبيدة» البيت الحرام لقد أضحت قرية «أم عبيدة» (مسقط رأس الشيخ أحمد الرفاعي) عند الرفاعية البقعة المقدسة والبلد الحرام الذي يتقرب الخلائق بزيارته إلى الله تعالى، ويتوجه إليه أصحاب الحوائج والكربات لدفع حوائجهم وكرباتهم، وذكروا أن أمر قدسيتها قد تم بمقتضى وعد إلهي. فقد ذكر الصيادي أن الشيخ الرفاعي قال: «إن الله أعطى هذه البقعة خاصية تقرب الخلائق إلى الله، ووعدني أنه يجيب إلى هذه البقعة للزيارة زبدة الخلق لاغتنام بركتها، وأن يجعل خواص خلقه من مشارق الأرض ومغاربها في هذه البقعة». (١) وقد جعلوا قرية «أم عبيدة» بمنزلة البلد الحرام فزعموا أن الأمر الإلهي قد صدر إلى الرفاعي بأن ينادي بالناس من كل حدب وصوب ليحجوا إليها ففعل مثلما فعل إبراهيم ﷺ حين نادى بالناس بالحج. وزعموا أنه قال: «قيل لي: قم فناد أهل المشرق والمغرب والسهل والجبل إلى زيارة هذه البقعة السعيدة، فقام الرفاعي وصار يشير بيديه وهو واقف ويقول: «تعالوا إلى «أم عبيدة» تعالوا إلى هذه البقعة المباركة: كل شهر قوم، وكل سنة قوم، وكل وقت قوم ثم أردف يقول «نعم، نعم» فلما سئل عن ذلك قال: لما ناديت أجابوني بقدرة الله خلق كثير لا تحملهم هذه البقعة فلما رأيت ذلك قلت رويدا رويدا كل شهر قوم، كل سنة قوم». (٢) - من دخلها لا تمسه النار قد جعلوا لقرية " أم عبيدة " فضائل عديدة ذكروا منها: ١ - أن زائرها يروح ويأتي تحت ظلال أجنحة الملائكة. (٣) ٢ - أن زائرها لا تأكله النار ولا تضره وهذا من وعد الله للشيخ الرفاعي كما يقولون. (٤) وهذا ما لا يضمن في العادة لزائر مكة ولا المدينة.٣ - أن زيارتها وملازمتها كفيلة بقضاء كل حاجة، ويروون في ذلك قصة الأمير عبد الله الصيرفي الذي وقع في حالة دين فلازم قبة الشيخ أحمد الرفاعي فقضيت حاجته. (٥) ٤ - أن زائرها يتوجه إليها عند طلب حاجته ويخطو إليها ثلاث خطوات. يقول الصيادي: «إن أهمه أمر فليتوضأ ويصلي لله ركعتين ثم يصلي على النبي مائة مرة، ثم يتجه إلى جهة البصرة محل مرقد الغوث الرفاعي ويخطو ثلاث خطوات ويقول له: أيظلمني الزمان وأنت فيه ... وتأكلني الذئاب وأنت ليث ويروى من بنانك كل ظامي ... وأظمأ في حماك وأنت غيث

стр. 3644

وقد جربها رجل مظلوم ظلمه آل غريب فالتزم القبة الرفاعية وقال هذين البيتين فقال له الشيخ أحمد في المنام «قضيت حاجتك» فما مضى شهر حتى فني آل غريب عن آخرهم. (١) وزعموا أن الرفاعي كان يقول: «إذا كان لكم حاجة ولم تقدروا أن تصلوا إلى (قرية) أم عبيدة فتوجهوا نحوها لله تعالى ثلاث خطوات واسألوا حاجتكم». (٢) وهذا متعارض مع ما أوصى به الشيخ لأتباعه: أن لا يجعلوا رواقه حرما، ولا قبره بعد موته صنما. (٣) وهم يعتبرونه في قبره حيا متصرفا. ذكر الصيادي أن خادم القبة الأحمدية نعس مرة فنام وفي يده الكتاب وزجاجة الزيت بجانبه فرأى السيد أحمد في المنام وهو يقول له: «يا أبا الرضا تنبه، لولا أني صنت لك الكتاب لأخذه الزيت. فتنبه فوجد الكتاب صار في مكان والزجاجة في مكان آخر». (٤) - أوصاف القرية الحرام ومزاياها عندهم وقد وصفوا هذه القرية بأنها: ١ - كعبة هموم المحققين، وحرم الأمان للطالبين، البيت المقدس الأمين، مهبط الرحمات، منبع الفتوحات، نمط الجفر العلوي. (٥) ٢ - محط رحال العباد ومنها ينثر الخير إلى سائر البلاد. ٣ - البقعة المقدسة، طور سيناء قلوب العارفين. (٦) - الرسول والكعبة يزوران قرية أم عبيدة إن كل هذه الصفات التي تتصف بها قرية أم عبيدة تجعلها أفضل من المساجد الثلاثة، وأولها في ذلك مكة. وكيف لا تكون أفضل من مكة وقد زعموا أن الكعبة رؤيت وهي قادمة تشد رحالها إلى قرية أم عبيدة مع الرسول ﷺ . فلقد زعموا أن أحد الصوفية رأى في المنام خياما عظيمة على الطريق فسأل: لمن هذه الخيام فقالوا: هذه لرسول الله ﷺ فدخل إليه وسلم عليه. وقال: يا رسول الله إلى أين هذه الرحلة المباركة؟ فقال: إلى قرية أم عبيدة لزيارة أحمد بن أبي الحسن الرفاعي. فقلت: يا رسول الله: الناس لك يزورون والى نحوك يقصدون! فقال: يا حاج أنت حججت وقصدت البيت؟ فقلت: نعم. فقال: ارفع رأسك فانظر. قال: فرفعت رأسي فنظرت إلى الكعبة وهي سائرة. قال النبي ﷺ : ها أنا والكعبة زائرون، زورا زرنا. فقام الرجل من نومه وهب ينادي في الناس ويحثهم على المبادرة إلى المسير إلى قرية الرفاعي حيث الرسول ﷺ والكعبة زائرون. (٧) وهم إذا تكلموا عن الكعبة لم يعظموها كتعظيمهم قرية «أم عبيدة» وإنما يقللون من شأن الطواف حولها ويثبطون الناس عن الذهاب إليها. مثلما نقل الصيادي عن الجنيد أنه كان يطوف بالبيت الحرام فاعترضته جارية وقالت: «يا جنيد: تطوف بالبيت أم برب البيت؟ فقال: أطوف بالبيتفرفعت طرفها إلى السماء وقالت: سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار». (٨)

стр. 3645

إن هذه الهالة التي يحيطها الرفاعية بقرية أم عبيدة لا حقيقة لها إنما هو كلام لم يتعد الورق وبطون كتب أهل هذه الطريقة. وإلا فقرية «أم عبيدة» لا شهرة ولا ذكر لها في التاريخ، ولم يذكرها ياقوت الحموي ولا غيره. ودعوى أبي الهدى الصيادي الرفاعي أن سبط الجوزي (١) دخلها ووجد فيها خلائق كثيرة يقدرون بمائة ألف إنسان (٢) دعوى لا صحة لها. فإن سبط ابن الجوزي قد ولد بعد وفاة الرفاعي بثلاث سنوات. (٣) وهكذا رأينا وصف قرية الرفاعي وقبته بأنها الكعبة والحرم والبيت المقدس والبقعة المقدسة ومهبط الرحمات وكشف الكربات وموضع قضاء الحاجات فهل يتوافق كل هذا مع تعاليم شيخهم الرفاعي الذي كان يقول لهم: «يا سادة: لا تجعلوا رواقي حرماً، ولا قبري بعد موتي صنما، عليكم به سبحانه، لا يضر ولا ينفع، ويصل ويقطع ويفرق ويجمع إلا الله». (٤) لقد بات من الملاحظ أنهم ينتزعون من صفات الله، ومن صفات النبوة للرفاعي، وينتزعون صفات بيت الله وبلده الحرام لقرية الرفاعي فماذا يريدون من وراء ذلك؟ المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١١٥ - ١٢٤

стр. 3646

المبحث السادس: كرامات أم خرافات ؟ بجانب ما سقته عن الرفاعية من الكرامات التي تجعل لله شركاء في التصرف والقدرة وحيازة كلمة التكوين. فإني أذكر هنا نوعا آخر من الكرامات، وهي هذه المرة كرامات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. ولأضرب مثالا على الحد الذي وصلت إليه هذه الكرامات أنقل ما أورده النبهاني عن أحد الأولياء أنه كان كثير التطور والتغير: فتارة تدخل عليه فتراه وحشا، وتارة تدخل فتجده فيلا، وتارة تدخل فتجده صبيا صغيرا. (١) ويذكر عن ولي آخر أنه: كان إذا أراد دخول الباب فوجده مقفلا: يدخل من شقوقه التي تعجز النملة عن دخولها. (٢) وإيراد مثل هذه الحكايات على أنها كرامات هو استخفاف بالكرامة وهبوط بها إلى حد المهزلة، واستخفاف بعقول الناس، وتعريض لبعض الجهال منهم إلى فتنة إنكار الكرامة من أصلها لما يراه من أنواع الترهات المسماة بالكرامات. فيخرج بسببها عما اتفق عليه أهل السنة من ثبوت الكرامة. وبالمناسبة فإن استخدام لفظ «الترهات» في حق الصوفية إنما هو صوفي المنشأ وليس مني: فقد قيل للصوفي رويم: أوصني فقال: « .. ولا تشتغل بترهات الصوفية». (٣) وللرفاعية كرامات قريبة من هذا النوع الذي ذكره النبهاني منها: أن الشيخ الرفاعي سجد مرة فبقي ساجدا سنة كاملة لم يرفع رأسه أبدا حتى نبت العشب على ظهره. (٤) ويتساءل المرء: أين أداء الصلوات المفروضة خلال فترة السنة هذه من جمعة وجماعة؟ بل حكى عنه أتباعه أنه حدث أن النبي ﷺ مر برجل ساجد على صخرة منذ ثلاثمائة سنة. (٥) وذكروا أن الشيخ رجب الرفاعي كان كثيراً ما يتواجد في حلقة الذكر فيقطر من عرقه العطر النفيس الخالص كما يقطر المطر. (٦) وأن الشيخ منصور - خال الشيخ الرفاعي - كان إذا فتح فمه يخرج منه عمود من نور يخرق السموات السبع. (٧) قال الصيادي: «(أبو الفتح الواسطي) من أكابر أحمد الرفاعي. كان يقول: اسمعوا هذا الكلام الذي له خمسة آلاف سنة ما تكلم به أحد غيري. (٨)

стр. 3647

أي حتى قبل مجيء النبي ﷺ . من كرامات الواسطي هذا أنه كان هناك خطيب لجامع العطار ينكر على الواسطي أشد الإنكار، وكان هذا الخطيب على منبره، فتذكر أنه جنب، فمد له الشيخ أبو الفتح كمه فوجده «زقاقا» - أي وجد في كمه شارعا ضيقا - فرأى فيه ماء ومطهرة، فاغتسل وخرج وعاد على منبره يخطب، فلما ستره الشيخ الواسطي هذه السترة: اعتقده وصار من أجل أصحابه (١) وبقي الشيخ عثمان بن مروزة البطائحي الرفاعي شاخصا بصره إلى السماء سبع سنوات دون طعام ولا شراب. ثم ما لبث أن «عاد إلى بشريته» فقيل له: اذهب إلى قريتك وجامع أهلك فقد أن ظهور ولد منك. فلما أراد مجامعة أهله صعد السطح ونادى في أهل القرية: يا أهل القرية، أنا فلان، اركبوا فإني سأركب فبلغهم الله صوته وأفهمهم معناه، فمن وافقه تلك الليلة رزق ولداً صالحاً. (٢) أما الشيخ عبد الله الكيال الرفاعي الحلبي فكان يشكو من رجل غير مسلم يكثر من الإنكار عليه، فنظر الشيخ إليه نظرة وهز رأسه، فصار ذلك الرجل يهز رأسه أيضاً، وتركه الشيخ الكيال وذهب، فبقي على حاله أياما يهز رأسه، ثم ما لبث أن مات. (٣) وكان الشيخ عقيل المنبجي - من كبار أصحاب الشيخ الرفاعي - يقول: «أعطاني الله الكلمة النافذة في كل شيء. ثم قام وقال: يا هوام يا حجارة يا شجر صدقوني. فوفدت الوحوش من الجبل، وملأ زئيرها وصراخها البقاع ودارت حوله ورقصت الحجارة. فهذه صاعدة، وهذه نازلة، واشتبكت الأغصان ببعضها». (٤) وكان الشيخ عبد الله بن حماد الرفاعي يعمل ميعاد السماع (الأناشيد الصوفية) حول شجرة فحصل لأصحابه وجد وأحوال، فالتفت نحو الشجرة وقال لها: لقد رقص القلوب وتلك صخر ... فلم لا ترقصين وأنت عشب

стр. 3648

فصارت الشجرة تهتز رقصا حتى اقتلعت من أصولها. (١) وأنشد إبراهيم الأعزب سماعا (نشيدا صوفيا) فتواجد ثم صاح ونادى: يا للرجال قال راوي الحادثة: «فرأيت رجال الغيب ينزلون عليه من الهواء مثنى وثلاث ورباع». (٢) وإبراهيم هذا كان من أحب الناس إلى الشيخ أحمد فقد قال له مرة: «يا إبراهيم، رمى العزيز محبتي ومحبتك في الماء والهواء، فكل من شرب الماء وشم الهواء أحبني وأحبك». (٣) ودخل الشيخ عمر الحريري - شيخ الطريقة الرفاعية بحماه - إلى حجرته الكبيرة مع صديقه السيد عبد الله أفندي الحلبي، وإذ به يملأ الحجرة بعد أن كبر حجمه أضعافاً عما كان عليه في خلال لحظات، فارتعد السيد عبد الله، فطمأنه الشيخ عمر، وأخبره أن ما حصل له إنما كان من فرحته بحضور روحانية المصطفى ﷺ إلى الحجرة. (٤) وذكر الشيخ أحمد الصياد الرفاعي - من سلالة الشيخ أحمد الرفاعي -: «كنا كلما مررنا على نهر ماء استقبلت السمك الشيخ أحمد من النهر إلى الشاطئ وازدحمت على قدميه، وكذلك الدواب والغزلان في البر تقف على حافتي الطريق وتزدحم على شم قدميه الشريفين. (٥) وذكروا أن الأسماك كانت تسأل الرفاعي بحق الله أن يأكلها. (٦) ووقع بين الشيخ بهاء الدين الرواس وإحدى الأشجار مساجلة كلامية حين كان مع قافلة إذ توقفت فطلب الشيخ من أحد ركاب القافلة أن يسمح له بأن يستظل تحت خيمته فأبى الرجل. وإذا بشجرة تنادي الشيخ وتخاطبه مشافهة وبصوت تقول له: ما أقل حظ صاحب هذه الخيمة، ما أبعده عن ربه، بالله عليك يا ولي الله تعالى شرفني باستظلالك عندي». (٧) وثبت عند الشيخ عز الدين الصيادي أن الشيخ أحمد كان إذا صعد الكرسي يسمع كلامه القريب والبعيد من إخوانه حتى الأطرش والأصم، فإن الله يفتح سمعهما لكلامه فإذا انتهى الدرس عادا إلى الصمم والبكم. (٨) وكان الشيخ القطناني في دمشق يسند رأسه إلى الحائط ويسمع دروس الشيخ الرفاعي في العراق وبينهما من المسير مسافة شهرين. (٩) ورأى الشيخ القوصي النبي ﷺ في المنام يقول له: «ولدي السيد أحمد الرفاعي يربي بحاله أكثر مما يربي بمقاله. فقام مرعوبا وأتى الشيخ الرفاعي فتبسم الشيخ له وقال: الرجل الكامل يربي بحاله أكثر مما يربي بمقاله. (١٠) وذكروا أن الشيخ أبا السعود أبا العشائر الواسطي كان إذا خلع نعليه يسمع الناس له أنينا كأنين المريض، فسألوه عن ذلك فقال: هي نفسي أخلعها عند النعال فتحدث أنينا عند زوال تكبرها. قالوا: وكان يصوم في المهد. (١١) وحكى الصيادي أن رجلا حضر عند الرفاعي فقال له: «يا سيدي أنت تعطي الناس يدك يقبلونها فقال: ما يقبلون يدي وإنما يقبلون اسم الله العظيم.

стр. 3649

ثم مد الرفاعي أصابعه وقال: أنظر إلى أصابعي فإنها اسم الله تعالى، ففرق أصابعه وأقام الخنصر في مقام الألف والبنصر والوسطى في مقام اللامين وضم الإبهام بالسبابة حتى صار بشكل الهاء من اسم الله تعالى فتعجب الرجل». (١) وذكر الصيادي أن رجلا كان يكثر من أن يقول: لا إله إلا الله. فوقع يوما على رأسه جذع فانشج رأسه وجرى الدم فكتب على الأرض: الله الله. (٢) ويحكي لنا الصيادي عن ديك الذي عند عرش الرحمن يصيح عند الصلوات الخمس ويراه أحد أولياء الرفاعية من الأرض. فيروي أن مؤذنا أذن لصلاة العصر فقال أبو الوفا للشيخ أبي محمد الشبنكي: «يا سيدي إن هذا المؤذن أذن قبل ديك العرش فأراد أبو محمد أن يمتحن كشفه وفراسته فقال له: وأنت ترى ديك العرش؟ قال نعم قال: أرنيه فقال: يا سيدي ضع قدميك على قدمي وارفع بصرك إلى هذه الجهة العلية تراه. ففعل فرأى صحة قوله ورؤياه ففرح به وسجد لله شكرا لله الذي جعله ينظر إلى العالم العلوي. (٣) وحتى ماء بيوت مشايخ الطريقة كانت بمثابة ماء «زمزم» بالنسبة للمريدين. فقد كانت ماء بيت الشيخ محمود الأسمر مجربة لقضاء الحوائج والإبراء من العلل، وقد جربها أهل البصرة فنفعهم الله بها. وكذلك ماء بيت الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم العربي الرفاعي «مجربة»، فهي أعظم دواء لحل العقد وشفاء المرض وحصول الحاجات. (٤) هذه بعض ما تجده عن الرفاعي ومشايخ الطريقة في كتب الرفاعيين وهي في الحقيقة إنما تبعث على الاستهزاء بهم وبشيخهم الرفاعي ﵀ وتجعلهم موضع النكتة والسخرية، ولهذا أعيد ما صدرت ذكره في باب الكرامات من أن الرفاعي كان محقا حين قال: «واحذر الفرقة التي دأبها تأويل كلمات الأكابر والتفكه بحكاياتهم وما نسب إليهم، فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم». (٥) المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٧٥ - ٨٠

стр. 3650

المبحث السابع: تحذير الرفاعي أتباعه من الكذب عليه • المطلب الأول: تحذيره من كذب الصوفية على أئمتهم. • المطلب الثاني: أدلة كذبهم على الشيخ الرفاعي وعلى غيره.

стр. 3651

المطلب الأول: تحذيره من كذب الصوفية على أئمتهم والذين غلوا في الرفاعي هم أنفسهم الذين رووا عنه أنه كان ينهى عن الغلو والشطح وما شابههما ويقول بأنهما «زندقة بشكل تصوف».يقول الرفاعي: «وإننا ما رأينا من عواقب أهل الغلو إلا أنهم ضلوا وأضلوا وما رأينا من عواقب التشرع - يعني الاستقامة على الشريعة وملازمة السنة - إلا السلامة». (١) وكان يحذر أتباعه من أن ينساقوا وراء حكايات المتصوفة وأكاذيبهم التي نسبوها إلى مشايخهم كما أسلفت ذلك عنه حيث قال: «واحذر الفرقة التي دأبها التفكه بحكايات الأكابر وما ينسب إليهم فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم». (٢) وفي موضع آخر نجده يكشف الستار عن حقيقة ما يكمن وراء دعاوى الوجد والتخشع والتزهد والتصفية التي يدعيها المتصوفة فيقول لأحد تلاميذه: «يا بني، إذا نظرت في القوم الذين ادعوا التصوف اليوم وجدت أن أكثرهم من الزنادقة الحرورية والمبتدعة، ورأيتهم أكثر الناس جهلاً وحمقاً، وأشدهم مكراً وخديعة، وأعظمهم عجبا وتطاولا، وأسوأهم ظنا بأهل الزهد والتقوى. (٣) بل نراه يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين نجده يؤكد اشتقاق التصوف من أحد زهاد الجاهلية في قريش قبل الإسلام، واسمه: «الغوث بن مرة بن أد بن طابخة الربط». (٤) وكان ﵀ يعيب على الصوفية موقفهم من الفقهاء وتذمرهم من إنكارهم الدائم عليهم قائلا: «قل يا أخي للمساكين المحجوبين من الصوفية: ما تريدون أن يوجد في قطركم هذا الرجل العالم يدفع شبه الملحدين وأهل البدع والزيغ بالحجج الظاهرة». (٥) ويستفاد من هذا النهي عن انتهاج منهج الصوفية المتسم بالغلو ما يلي: (أولاً) اعترافه بمادة الغلو التي عرفت عند الصوفية. (ثانياً) اعترافه بكثرة كذبهم على مشايخهم وأئمتهم. (ثالثاً) اعترافه بأن أكثرهم من الزنادقة المبتدعة الذين يتسترون بالزهد والتذلل والانكسار ويبطنون العجب والتطاول على حد قوله. (رابعاً) اعترافه بكثرة إنكار الفقهاء عليهم، وليس ذلك إلا لسهولة انتشار البدع والمخالفات الشرعية بينهم. وموقف الشيخ ﵀ من البدعة لا يتفق وموقف أتباعه منها، ويتجلى ذلك في قوله: «لو عبد العابد ربه خمسمائة عام بطريقة غير شرعية، فعبادته راجعة إليه، ووزره عليه، ولا يقيم الله له يوم القيامة وزنا، وركعتان من فقيه في دينه أفضل عند الله من ألفي ركعة من فقير جاهل في دينه». (٦) وقوله: «إياكم ومحدثات الأمور، قال رسول الله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (٧) اطلبوا الله بمتابعة رسول الله ﷺ وإياكم وسلوك طريق الهدى بالنفس والهوى، فمن سلك الطريق بنفسه ضل في أول قدم».

стр. 3652

ولقد بالغ الرفاعي في الحث على اتباع السنة إلى درجة قد لا يوافقه عليها كثيرون وذلك أنه قال: «بلغنا عن بعض الأئمة أنه ما أكل البطيخ لأنه لم ينقل له كيف أكله رسول الله ﷺ .. ما تهاون قوم بالسنة وأهملوا قمع البدعة إلا سلط الله عليهم العدو .. وما انتصر قوم للسنة وقمعوا البدعة وأهلها إلا ورزقهم هيبة من عنده ونصرهم وأصلح شأنهم. (١) ولكن هل يوافق الرفاعيون شيخهم بأن كل بدعة ضلالة؟ وهل يتابعون الرسول ﷺ في أقوالهم وأفعالهم وسلوكهم؟ إنهم كثر الزغل بينهم كما يقول الذهبي ﵀، وانتشرت بينهم البدع وعمل المخاريق، كما أن عامة المتصوفة يجيزون البدعة الحسنة ويتعبدون الله بها وإلا فما مصدر الخلوة المحرمية وأحزاب البر والبحر والأوراد التي لا تجد شيئاً منها في صحيح الأذكار النبوية، وما مدى شرعيتها، وهل يقيم الله لها وزنا يوم القيامة أم أنها عائدة على مبتدعيها ومتبعيها وزرا!! لقد أشرب غلاة التصوف حب البدعة والدفاع عنها حتى قال قائل منهم: «كل ما ابتدع على طريق القربة إلى الله تعالى فهو من الشريعة والسنة الظاهرة» (٢) إن هذا هو الانحطاط الذي جعل التصوف محط أنظار أعداء الإسلام كالباطنية وغيرهم يبثون فيه ما يشاءون من سمومهم ليجعلوا أهل السنة ينتمون إلى السنة اسما فقط مع كونهم يتبنون في الحقيقة كثيرا من مبادئ مخالفة للسنة كالقول بالعلم الباطن واستمداد العلوم والبيعات من سلسلة المشايخ الأموات وهو عين مبدأ التلقي من المعصوم عند الباطنية، والموالد والأضرحة، ولا ننسى تعمد الفاطميين ملأ مساجد أهل السنة بالأضرحة أثناء فترة حكمهم في مصر والشام وغيرها، وكذلك الأحزاب والأوراد التي تتضمن الشرك وسجع العرافين، والسماع الذي لا يضاهيهم فيه إلا الرافضة. ولو قفل باب البدعة لاستعصى الأمر هؤلاء الأعداء وسد في وجوههم هذا الباب وحصن المسلمون دينهم وطهروا مجتمعهم من أمراض البدع المختلفة التي تعاني منها الأمة والتي توقعهم في سخط الله بسبب تبديل السنن باستحداث البدع، فإن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأنها تخل بالتشريع الإلهي، أما المعصية فلا تخل إلا بصاحبها.

стр. 3653

المطلب الثاني: أدلة كذبهم على الشيخ الرفاعي وعلى غيره لقد ثبت لي من خلال متابعتي للكرامات المذكورة عن الشيخ الرفاعي أنه تم اقتباس العديد من كرامات السابقين المروية في كتب التصوف المتقدمة كالرسالة القشيرية. وللدلالة على ذلك أحيل القارئ أن يقارن القصص التالية التي نسبت إلى الشيخ الرفاعي: ١ - قصة دعوة الرفاعي والتي قال فيها: «أتستكثر علي خصلة من خصائل الكلب». والتي ذكرها الصيادي أن يقرأ القصة عينها منسوبة إلى أبي عثمان الحيري كما في الرسالة القشيرية للقشيري، وإحياء علوم الدين للغزالي وكلاهما ماتا قبل مولد الرفاعي. ٢ - قصة الأسد الذي أكل الشاب وفيها أن الرفاعي قال له: «ألم أقل لكم لا تتعرضوا لضيوفنا». ذكرها الصيادي منسوبة إلى الرفاعي والعبارة في الحقيقة مذكورة في الرسالة القشيرية ومنسوبة إلى إبراهيم الدقي. ٣ - قصة الأستاذ الذي أعطى كل تلميذ من تلاميذه عصفورا وأمر أن يذبح كل منهم عصفوره على حدة بحيث لا يراهم أحد ففعل كل منهم ذلك إلا الرفاعي فإنه جاء ولم يذبح العصفور، فقال له الأستاذ: لم لم تذبح العصفور؟ قال الرفاعي: يا سيدي شرطتم علي خلو المكان، وكل موضع ذهبت إليه رأيته مشغولا بالله .. هذه القصة ذكرها الصيادي في قلادة الجواهر. غير أنك تجدها بتفاصيلها موجودة في الرسالة القشيرية منسوبة إلى شيخ لم يذكر اسمه لكنها بالطبع لغير الرفاعي لأن القشيري كتب رسالته قبل أن يولد الرفاعي بعشرات السنين. ولقد روى الرفاعية من تواضع الرفاعي الشيء الكثير وأنه لم يكن يرى لنفسه مقاماً ولا رتبة ولا مشيخة حتى إنه كان يحلف بالله أن يحشره مع فرعون وهامان إن كان خطر بباله يوما أنه شيخ على أحد من الناس. ويقول: «ما مثلي إلا كمثل ناموسة على الحائط لا قدر لها». إن هذا التواضع الذي يحكيه الرفاعية عن شيخهم لا يتفق مع ما نسبوه إليه من الخفض والرفع والعطاء والمنع، وكون الأرض في قبضته والدهر طائع لأمره إلى غير ذلك مثل زعمهم أنه قال: أنا الكعبة الغرا أنا البيت والحما ... أنا المسجد الأقصى لمن جاء بالذكر أنا الدولة العظمى أنا السطوة التي ... تذل لها الأشياخ في البر والبحر وكل رجال الله طافوا بحضرتي ونا ... لوا المدادات العظيمة من ذكري فإن عدت الأقطاب أدعى كبيرهم ... وإن عدت الأشياخ في بدئهم ذكري وطاعت لي الحيات والأسد في الفلا ... وباسمي يلقى زمهرير على الجمر أنا أحمد الغوث الرفاعي وبصرتي ... محط رحال القوم في مدة العمر وأنه قال أيضاً: أنا الرفاعي طبولي في السما ضربت ... والأرض في قبضتي والأوليا خدمي الجأ بأعتاب عزي والتمس مددي ... وطف ببابي وقف مستمطرا نعمي ولازم الذل في شطحاء منزلنا ... تنجو بهمتنا من حالة العدم من لاذ فينا اكتفى عن غيرنا أبدا ... وجاء في ركبنا بالأمن من ندم وأنه قال أيضاً: أنا الرفاعي ملاذ الخافقين فلذ في ... باب جودي لتسقى الخير من ديم إذا دعاني مريدي وهو في الحج من ... البحار نجا من حالة العدم هلال سلطان عزي للوجود بدا ... وحالتي انفردت من جملة الأمم فلو ذكرت بأرض لا نبات لها ... لأقبلت بصنوف الخير والنعم ولو ذكرت بنار قط ما لهبت ... ولو ذكرت ببحر غار من عظمي ولو دعوت لميت قام لي ومشى ... بإذن ربي يسعى على القدم ونوبتي ضربت في الأرض واشتهرت ... ودولتي حكمت في العرب والعجم بعد هذا نخلص إلى نتيجة هامة وهي أن سيرة أئمة التصوف كالرفاعي والجيلاني والجنيد والبسطامي في كتب وتراجم الصوفية: متناقضة وشخصياتهم مضطربة لا يمكن التعرف على حقيقة شخصياتهم من خلال كتب التصوف المليئة بالمبالغة. إن الصوفية إذا أرادوا تعريف الناس بتواضع مشايخهم صوروهم للناس على غاية من الضعف والمذلة، وإذا أرادوا إثبات كراماتهم وقدراتهم وصفوهم بما يوصف الله به من التمكن في عوالم الكون العلوية والسفلية وكشف خفايا الضمائر والصدور وتغيير المقدور الخ .. المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٨١ - ٨٧

стр. 3654

المبحث الثامن: خوارق الرفاعية وموقف الرفاعي منها • المطلب الأول: موقف صلحاء أصحابه من خوارق الرفاعية:. • المطلب الثاني: الصيادي يصرح بأن الخوارق تقع عند ذكر اسم الرفاعي. • المطلب الثالث: كيفية حصول هذه الخوارق بالتفصيل:. • المطلب الرابع: سعيد حوى والرفاعية.

стр. 3655

المطلب الأول: موقف صلحاء أصحابه من خوارق الرفاعية: أما صلحاء أصحابه الذين أشار إليهم الذهبي فمنهم الشيخ شمس الدين محمد الذي كان يقول: «إظهار الكرامات مرض، وإخفاؤها سر، وما ينبغي أن تظهر الأسرار». (١) ومنهم سبط الشيخ أحمد الرفاعي: «صدر الدين علي» الذي كان يقول: «إظهار الكرامات مرض، وكتمها سر». (٢) ومنهم أحمد بن محمد تاج الدين الرفاعي: «نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الإمام الذهبي قوله فيه: إنه كان كبير القدر وكان وقوراً عاقلاً فاضلاً يكره دخول النار وأخذ الأفاعي» (٣). واعترف الصيادي بكراهيته لذلك. (٤) وقد حمل عليهم ابن تيمية فيما يفعلونه من تفتيل الشعر وحمل الحيات، وقال بأن هذا لم يكن من شعار الصالحين ولا من الصحابة والتابعين، ولا شيوخ المسلمين ولا الشيخ أحمد بن الرفاعي ولا غيره، وإنما ابتدعت ذلك بعد موته بمدة طويلة طائفة ممن انتسبوا إليه، مخالفين بذلك طريق المسلمين. (٥) وكذلك حمل عليهم الشيخ الألوسي الذي قال: «وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة: مبتدعة الرفاعية، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم. وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات». ا. هـ (٦) ويظهر أن إنكار أهل العلم على الرفاعية في ذلك الزمن قد اشتد حتى أصدروا فتوى بأن: أخذ الحيات وشرب السم والضرب بآلات السلاح مثل السيف والخنجر والسكين من الكفر، وفاعل ذلك يكفر. (٧) ولقد ضاق الصيادي صدرا بهذه الفتوى معتبرا ذلك من جملة الحسد على هذه الطريقة، وشنع عليهم في رسالته المسماة «الغارة الإلهية» واصفا إياهم بالحسدة أصحاب التعصب الواهي (٨) غير أنه هو الآخر استنكر ما يفعله الرفاعية من هذه الخوارق التي يدعون أنها كرامات على حد قوله. قال: «وإني رأيت كثيرا ممن تصدر لمشيخة هذه الطريقة العلية الرفاعية لا يعرفون أصولها ولا فروعها ولا خلواتها ولا أورادها .. غاية ما عرفوا في هذه الطريقة اللعب بالنار والدبوس والحيات وغيرها وادعوا أن هذه البراهين كرامات لهم، حاشا». (٩) فالعجب أن تحصل الخوارق لهؤلاء الذين تصدروا مشيخة الطريقة مع أنهم لم يعرفوا أصول الطريقة ولا فروعها! فلم يعد من تفسير لهذه الظاهرة إلا أن تكون كما ذكر الشعراني خدعة من خدع شياطين الجن.

стр. 3656

المطلب الثاني: الصيادي يصرح بأن الخوارق تقع عند ذكر اسم الرفاعي إن احتمال أن تكون هذه الخوارق خدعة شيطانية قريب جدا وغير مستبعد لا سيما أنها تحصل لهم عند الاستعانة بالرفاعي وندائه. والرفاعية يعترفون بأن خوارقهم لا تحصل إلا عند ذكر اسم الرفاعي وطلب المدد منه. وهذه هي مادة الشرك التي بها تحصل الخوارق بواسطة الشياطين. هذه المادة التي بها يفعل الوثنيون من البوذيين والهندوس فعل خوارق مماثلة لخوارق الرفاعية. فالاعتراف الأول: من الصيادي نفسه الذي أنشد يثني على الرفاعي ويقول (١): له مدد قد أطفأ النار نوره ... وعزم به ما السيف أن سل باتر يذل الأفاعي حين يذكر اسمه ... وتخضع أسد الغاب وهي كواشر يمد ويحمي الملتجي لطريقه ... سواء بها بر ومن هو فاجر ناده واهجم على ليث الثرى ... تلقه في غابه كالثعبان ناده وأقبل على الأفعى تقف ... وتناولها تجدها غصن بان وبهذا الاعتراف يسقط ما قاله الصيادي من أن دخول الرفاعية النار مسبوق بمعجزة إبراهيم الخليل، وأن السقوط من أعلى إلى أسفل مسبوق بإسقاطه ﵇ بالمنجنيق، وأن أخذ الحيات مسبوق بمعجزة موسى. فإن معجزة إبراهيم ﷺ كان سببها التوحيد ومحاربة الوثنية بين قومه. أما الرفاعية فلا تمنح الخوارق لهم إلا عند ذكر اسم الرفاعي والاستغاثة به. وأما اللعب بالحيات فلم يكن من عمل موسى وإنما كان من عمل سحرة فرعون، فإن موسى لم يمسك حية واحدة وإنما ألقى العصا فانقلبت حية، وكانت معجزته تحديا لأخذهم الحيات الذي كان من وراءه شياطين الجن. ثم إن الشبه إنما هو حاصل في الحقيقة بين الرفاعية وبين سحرة فرعون وليس بينهم وبين موسى. فإن الرفاعية يقولون: «بعزة الرفاعي» عند فعل الخوارق وكان سحرة فرعون يقولون: «بعزة فرعون» فكلا الفريقين يعتزون بغير الله فمن أين وقع الشبه بينهم وبين موسى؟ إنهم كانوا - ولا يزالون - يمسكون الحيات ويدأبون على اللعب بها والتباهي بذلك أمام الناس كما قال الشيخ الألوسي عنهم بأن أعمالهم «مسك الحيات والعقارب» (٢) الاعتراف الثاني: من أحد من كانوا من كبار الطريقة الرفاعية في هذا العصر واسمه (مصطفى السعدني) (٣) بقي في هذه الطريقة زمناً طويلاً إلى أن نال فيها مرتبة «الشاويشية» ثم رجع عنها. وقد التقيت به فترة بمصر، ثم أرسل إلي رسالة أخبرني فيها أنهم كانوا يستغيثون بالرفاعي ويطلبون منه أن يذلل لهم الثعابين فيتمكنون من تذليلها، وكانوا ينادون باسمه ويغرسون الدبابيس في وجوههم، والصيغة كانوا يقولونها كالتالي: ناد على الأربعة يلي أنت لهم محتاج أربع سلاطين أمارى لابسين التاج أحمد ويا أحمد (٤) نظرة يا أبا فراج دسوقي وجيلاني نظرة يا ساكن بغداد أنا لاموني العوازل لقول سر الكرام راح فين أنا لهجم على الدبوس وقول مددين مدد يا أبا العلمين قال: ثم نغرس الدبوس بهذا الدعاء الشركي، الذي به كنا نمسك الثعابين ونخرجها من الشقوق أمام الناس في القرى. وقد أخبرني شخصياً أن أهم ما جعله يعيد النظر في انتمائه إلى الرفاعية هو قصة ذوبان الشيخ الرفاعي وتحوله إلى ماء كلما ذكر ربه، وما تتضمنه هذه القصة من الخرافة التي لا يمكن للعقل استساغتها. وهنا ينجلي الأمر وتنكشف حقيقته، فإن الشياطين وراء هذه الخوارق يسوقون الناس بها إلى الشرك بالله واعتقاد حل المشكلات وكشف الكربات والاتيان بالمعجزات بواسطة الرفاعي والبسملة به لا بالله. وهذا هو السر في اعتراف الشيخ صالح الرفاعي أحد كبار الرفاعية أمام ابن تيمية وأمام أمير البلاد بأن: «أحوالنا ما تنفذ أمام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ أمام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة». فذكر ابن كثير أنه قال: «نحن أحوالنا إنما تتفق عند التتار، ليست تتفق عند الشرع». قال ابن كثير: فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة. (٥) وذلك لأن أهل الشرع والسنة تؤيدهم الملائكة فتنكص الشياطين حينئذ على أعقابها كما نكصت يوم الزينة يوم حشر الناس ضحى، وانكشف للناس السحر وبطل عمله. ولا يفلح الساحر حيث أتى

стр. 3657

المطلب الثالث: كيفية حصول هذه الخوارق بالتفصيل: أما الكيفية التي تحصل بها هذه الخوارق فيبينها ابن تيمية الذي كان له مع الرفاعيين مواقف عديدة، قائلا بأنهم «لا يدخلون النار إلا مع خروجهم عن الشريعة، فإن الشياطين تلابس أحدهم بحيث يسقط إحساس بدنه، حتى أن المصروع يضرب ضرباً عظيماً وهو لا يحس بذلك ولا يؤثر في جلده. فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين وتدخل بهم النار وقد تطير بهم في الهواء. وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب عقله كما يلبس الشيطان المصروع .. ومنهم من يصعد في الهواء ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم يضعه على بدنه». أضاف: «وهؤلاء عندهم أحوال شيطانية تعتريهم عند السماع الشيطاني، فتنزل الشياطين عليهم كما تدخل في المصروع، ويزبد أحدهم كما يزبد (١) المصروع، وحينئذ يباشر النار والحيات والعقارب، ويكون الشيطان هو الذي يفعل ذلك» (٢).وهذه الأحوال - والكلام له - لا تحصل لهم عند الصلاة ولا عند الذكر ولا عند قراءة القرآن، لأن هذه عبادات شرعية إيمانية إسلامية نبوية محمدية تطرد الشياطين وتلك عبادات شركية شيطانية فلسفية تستجلب الشياطين» (٣).وللرفاعية مراسم يجتمعون عليها، ومن هذه المراسم: عدة النوبة وهي عبارة عن الدفوف يضربونها ليالي الجمعة والجمع، يرفعون الألوية والرايات ويضربون الدفوف، ففي إحدى زوايا الرفاعية - وهي زاوية الشيخ سلمان البارودي - في مدينة طرابلس تجري حلقات ما يسمى بالذكر كل ليلة جمعة تستخدم فيها «الآلات الموسيقية» بشكل إيقاعي، وخلال الذكر يقوم بعض المشايخ باستعمال الشيش ويبدأ بطعن المريدين ويمسك الجمر المحمى. وفي زاوية الشيخ أحمد الرافعي يعملون ذكر النوبة هذا ويضربون أنفسهم بالسلاح والشيش والنار (٤).

стр. 3658

المطلب الرابع: سعيد حوى والرفاعية ولقد اغتر الأستاذ سعيد حوى ﵀ بما يفعله الرفاعية من كونهم يدخلون النار ولا تؤثر فيهم، ويضربون أنفسهم بالرصاص أو بالسيوف ولا يؤثر ذلك فيهم، معتبرا أن هذا من أعظم فضل الله على هذه الأمة، مع أنه اعترف في نفس الوقت أن مثل هذا قد يجري على يد بعض الفساق. قال: «إن الحجة الرئيسية للمنكرين أن هذه الخوارق تظهر على يد فساق من هؤلاء كما تظهر على يد صالحين». أجاب: «هذا صحيح، والتعليل هو: ١ - أن الكرامة ليست لهؤلاء بل هي للشيخ الأول الذي أكرمه الله بهذه الكرامة وجعلها مستمرة في أتباعه.٢ - أن هذا قد يكون استدراجا في حق بعض أتباعه الفساق (١). الجواب: ١ - أما قوله: «أن حجة المنكرين الرئيسية كون هذه الخوارق تظهر على يد الفساق من أتباع الطريقة» أن هذه الحجة ليست هي الرئيسية كما ذكر. وإنما السبب الرئيسي في الإنكار: كون هذه الخوارق تظهر على غير المسلمين كالبوذيين والهندوس مما يؤكد أن هذه الخوارق ليست في حقيقتها كرامات وإنما خدع شيطانية قد تنطلي على فاعليها أيضاً حيث يظنون أنها كرامات وهي في الحقيقة خداعات. ولولا ذلك لقلنا بأن ما يفعله أولئك البوذيون والهندوس كرامات أيضاً. ٢ - أنه إذا كان الرفاعية يضربون أنفسهم بالرصاص ولا يؤثر فيهم ويدخلون الشيش في بطونهم ويخرجونه من ظهورهم: فإنه يصير من الواجب عليهم والحالة هذه أن يستعملوا هذه الكرامات لصالح المسلمين فيتحتم عليهم إخراج الأمة من هذا الذل والهوان وتسلط الأعداء على بلاد المسلمين إذ ماذا ينفع المسلمين أن يقف هؤلاء وسط المحتشدين من عامة الناس ويفعلون هذه الخوارق بينما كان الأولى بهم - إذا كان عندهم شيء من الكرامات - أن يذهبوا وكراماتهم إلى ساحات الجهاد ليريحوا المسلمين من تسلط الكفار والباطنية على بلاد المسلمين. ٣ - لعل الأستاذ سعيد ﵀ غفل عما يقوله هؤلاء عند إدخال الشيش والضرب بالنار من كلمات الشرك التي يتعلمونها من مشايخهم مثل أن يقسموا بالرفاعي من دون الله ليحقق لهم هذه الخوارق وينادونه باسمه. وهذا ما صرح به الصيادي وغيره من الرفاعية حيث قال بأن الرفاعي (٢): له مدد قد أطفأ النار نوره ... وعزم به ما السيف أن سل باتر يذل الأفاعي حين يذكر اسمه ... وتخضع أسد الغاب وهي كواشر ناده واهجم على ليث الثرى ... تلقه في غابه كالثعبان ناده وأقبل على الأفعى تقف ... وتناولها تجدها غصن بان ٤ - إن للكرامة سببا مهما وعظيما، ألا وهو نصر الدين ورفعته، وتأييد المؤمنين في حربهم ضد الكفار والمشركين، وماذا تنفع الكرامة إن كان أهلها أعزة في ساحات الاستعراضات أذلة: مستضعفين عاجزين عن مقاومة أعدائهم في ساحات الجهاد؟! إن الصوفية يكثرون من التحدث عن صنوف الكرامات، ولا يتدبرون السبب الذي من أجله يعطي الله هذه الكرامات، ذلك أن كرامات الأولياء إنما هي امتداد لمعجزات الأنبياء التي أيدهم الله بها لإقامة دينه وإخضاع أعداء المسلمين. ٥ - أن الأستاذ سعيد وغيره يدركون تماما أن هذه الخوارق لا تحصل عند تلاوة القرآن، وإنما تحصل عند استعمال الآلات الموسيقية كالطبل والدف والمزامير وغيرها، فهذا دليل آخر على أن حالهم شيطاني وليس إيماني. ٦ - أن بعض من شهدهم حدثني أنهم كانوا يشترطون عليهم ألا يقرأوا قرآنا ولا يتكلموا بشيء البتة. وقد طلبوا من أحد إخواننا أن ينصرف عنهم حيث كان يتمتم بالذكر وقراءة القرآن مما أدى إلى جرحهم لدى إدخالهم الشيش حتى قالوا: إن بين الحاضرين رجل روحه شريرة فلينصرف عنا وحكى لي أحد الثقات من أهالي عكار أنهم أدخلوا الشيش في ولد أحد أقاربه فأصيب الولد بجرح عميق وأسرعوا به إلى المستشفى، وأقسم والده أنه إن مات سيقتلهم واحداً واحداً لكن الولد لم يمت. وقد طلب أحد مشايخ التصوف في بيروت من مريده أن يجلس على الموقدة وينادي باسم الشيخ غير أن مقعدته احترقت وأخزى الله الكذب وأهله. وقد زعم أمامي واحد من أهل الطريقة الرفاعية أن من إكرام الله لهم حاصل في كونهم يأكلون الزجاج أمام الكفار وأنهم عاينوا الزجاج في بطنه وتأكدوا من صحة ذلك وأدى ببعضهم إلى الإسلام. فقلت: هذا من جهل أولئك بحقيقة الأمر، فإنهم لو علموا أن هذا يحدث للوثنيين والبوذيين لربما ارتدوا على أعقابهم. المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص٩٦ - ١٠٥

стр. 3659

المبحث التاسع: حقيقة العلاقة بين الرفاعية والتتار عار لا كرامة لقد عمل الصيادي على إعطاء الرفاعية في عهد دخول التتار إلى بغداد صورة مشرفة ودوراً بارزاً من غير إثبات تاريخي يدعم هذا الادعاء، إلا أن الوثائق التاريخية تشهد بخلاف ذلك. فقد بين الذهبي وغيره أن فساد الرفاعية تزامن مع دخول التتار إلى العراق بعد أن سقطت بأيديهم فقال: «قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجدد لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق». (١) وفي فوات الوفيات أن الرفاعية: «فسدت حالهم منذ مجيء التتار، وأنهم بدءوا يفعلون ما الشيخ بريء منه حين دخل التتار العراق. (٢) إن هذين النصين ليؤكدان بوضوح على أن ابتداء هذه الخوارق إنما كان متزامنا مع دخول التتار العراق، حيث كان الرفاعية يتوددون إليهم بها ليدرؤوا شرهم أو لينالوا عندهم الحظوة والمكرمة والمكافأة على الخوارق التي كانوا يفعلونها أمامهم. فقد روى المؤرخون عنهم أنهم كانوا يترددون على التتار، ويأوون عندهم ويقبلون منهم الهدايا والأعطيات. فذكر ابن كثير مثلا أن الشيخ صالح الأحمدي - وهو من أكابر مشايخ الرفاعية في وقته - كان يأوي إلى نائب التتار " قطلو شاه " ويقيم عنده وكان هذا الأخير يكرمه جداً. وهو الذي كان قد قال لابن تيمية أمام الأمير: «أحوالنا لا تتفق إلا عند التتار، وأما عند الشرع فلا» (٣) وقد اعترف الوتري والصيادي بمنزلة الشيخ صالح عند التتار وأنه كان يقيم عندهم ويكرمونه خلال إقامته عندهم. (٤) إن خوارق الرفاعية قد أكسبتهم الحظوة والرضا عند التتار ومنعت عنهم القتل والتنكيل الذي أصاب كثيرا من المسلمين آنذاك، ولم تكن هذه الخوارق تحديا للتتار. إذ لو كان الأمر كذلك لشملهم القتل والتنكيل. ولو كانت أحوالهم كرامات من عند الله فأين كانت هذه الكرامات عند دخول التتار عنوة إلى بغداد يوم قتل فيه أكثر من مليوني مسلم؟ أين كان التصرف في الأكوان، أين الأمان الذي تحقق بهم، ولماذا لم يرفعوا البلاء الذي نجد في كتب الرفاعية أن مشايخهم كانوا يرفعونه بالقضيب والعصا؟ - هل أسلم زعماء التتار على يد الرفاعية؟ ولقد أراد الصيادي أن يمحو هذه الصفحة المشينة من حسن العلاقات بين الرفاعية وبين التتار وعمل على استبدالها بصفحة أخرى مناقضة لها تماما. فادعى أن للرفاعية الفضل في دخول التتار إلى الإسلام وتخليص الأمة الإسلامية من شرهم وفتنتهم حيث استولوا على بلاد المسلمين لفترة طويلة من الزمن، وقتلوا منهم مئات الآلاف واستذلوهم. وذكر أن اثنين من كبار زعماء التتار دخلا الإسلام على أيدي الرفاعية هما: «هولاكو» و «غازان خان».أما هولاكو فذكر الصيادي أنه أسلم فزعاً من الشيخ عز الدين أحمد بن محيي الفاروثي بعدما رأى بعينه دخول النار وأكل الحيات. وادعى أن ابن كثير ذكر ذلك في تاريخه وبالتحديد في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة (٥) مع أن ابن كثير لم يذكر عن عز الدين هذا إلا أنه كان خطيبا فعزله السلطان عن الخطابة فألح عليه ألا يعزله وأخبره أنه يصلي كل ليلة مائة ألف ركعة ويقرأ في كل ركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]

стр. 3660

قال ابن كثير: «وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي».وذكر أنه خرج مرة في جمع من الناس ليستسقي لهم فلم يسقوا، واستسقى لهم ثانية فلم يسقوا، ثم سقوا بعد ذلك من غير دعائه. (١) ثم إن الصيادي نقض ما قاله عن عز الدين الفاروثي، فزعم في موضع آخر أن إسلام هولاكو ورجوعه عن الكفر والزندقة كان على يد الشيخين «بندي ويعقوب» اللذين دخلا النار أمامه وشربا النحاس المذاب والسم. (٢) والقولان على تناقضهما يردهما المؤرخون الذين أكدوا موت هولاكو كافرا مصابا بالصرع. وأنه مات على ملة الكفر. قال الذهبي: «ومات طاغية المغول» هولاكو بن تولى بن جنكيز خان الذي أباد الأمم ببغداد وحلب .. مات على دينه بعلة الصرع. (٣) وقال ابن كثير: «وجاءت الأخبار بأن هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه بمرض الصرع .. وكان ملكا جبارا فاجرا لعنه الله». (٤) أما «غازان خان» فقد زعم الصيادي أنه أسلم على يد عثمان سيف الدين بن عز الدين الرفاعي. (٥) وهذا غير صحيح أيضاً، فإن إسلامه كان بناء على إشارة من نائبه «نورور» كما صرح الذهبي بذلك حيث قال: «ونثر الذهب واللؤلؤ، ولقنوه شيئاً من القرآن، وفشا الإسلام في التتار». (٦) وبالتالي فإننا ننتهي إلى أنه لم يسطر التاريخ للرفاعية أي فضل في دخول التتار إلى الإسلام وإنما على العكس من ذلك فإنه يشهد بفساد أحوالهم وكثرة الزغل بينهم منذ دخل التتار العراق. إن هذا الذي ذكره الصيادي لم تشهد به كتب التاريخ بل ولا طبقات التصوف المتقدمة ولم يكن معروفا حتى جاء هو وطرح دعواه التي لا دليل عليها، وإنما يمكن الشهادة بضدها استنادا إلى كتب التاريخ والطبقات التي بينت أنهم كانوا يتولونهم ويتقربون إليهم. وهذا ما عرف عن الرفاعية حتى المتأخرين منهم، فقد روي عن أحد كبار مشايخهم في عصرنا الحاضر واسمه الشيخ وهيب البارودي الرفاعي الطرابلسي (ت ١٣٦٢هـ)، أنه عمل أستاذا في معهد الفرير (٧) وتتلمذ على يديه المطران عبد وجورج صراف وسابا زريق وغيرهم من كهان النصارى وكان لهم معه أطيب العلاقات، وكان هو بدوره يقيم معهم علاقات ودية وصداقات مع رجال الدين المسيحي إلى درجة أنه كان يرسل أبناءه لحضور احتفالات المسيحيين في الكنائس. (٨) ولا يزالون إلى اليوم تحت نظر وتأييد المتسلطين على بلاد المسلمين في مصر وغيرها، وفي لبنان يسرحون ويمرحون تحت عناية النظم المتسلطة عليه والتي يعاني منها المسلمون الويلات والدمار والقتل والسجن. المصدر: الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٠٨ - ١١١

стр. 3661

المبحث العاشر: الشعائر الخاصة للطريقة الرفاعية: وللطريقة الرفاعية شعائر خاصة كشأن كل الطرق الصوفية وإليك أهم هذه الشعائر والعقائد .. ١ - من أهم ما يميز الطريقة الرفاعية هو التتلمذ لكل شيخ، ينقل الشعراني أيضاً عن الرفاعي أنه قال: "من تمشيخ عليكم فتتلمذوا له، فإن مد يده لكم لتقبلوها فقبلوا رجله .. ومن تقدم عليكم فقدموه وكونوا آخر شعرة في الذنب، فإن الضربة الأولى تقع في الرأس" (الطبقات الكبرى ص١٤١). ٢ - تبنت الطريقة مذهب التفويض في الأسماء والصفات زاعمة أنه مذهب السلف، ولكن الرفاعيين مع ذلك يخالفون ذلك ويؤولون تأويل الأشاعرة فيزعمون أن الله لا يوصف بفوقية أو سفلية وليس في جهة من الجهات، ولا يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وكذلك يقولون بوجوب التقليد الفقهي .. (الطريقة الرفاعية ص٤٢). ٣ - ويجعلون السماع والمواجيد والتواجد من الصراخ وغيره مما درج عليه أهل التصوف ديناً ويكفرون من يقول ببدعية ذلك أو يعيبه. قالوا "وإن من أنكر ذلك فقد كفر، لأنه عاب خيراً أمر الله به، ومن عاب ما أمر الله به فهو كافر" (الطريقة الرفاعية ص٦٤،٧٨). ٤ - أنكر أحمد الرفاعي ما قاله الحلاج ونفى أن يكون ولياً أو واصلاً حيث قال: "أي سادة تفرقت الطوائف شيعاً، وأحمد (يعني نفسه) بقي مع أهل الذل والانكسار والمسكنة والاضطرار، إياكم والكذب على الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]. ينقلون عن الحلاج أنه قال: أنا الحق. أخطأ بوهمه، لو كان على الحق ما قال أنا الحق، يذكرون له شعراً يوهم الوحدة كل ذلك ومثله باطل، ما رآه رجلاً واصلاً أبداً، ما أراه شرب، ما أراه حضر، ما أراه سمع إلا رنة وطنيناً، فأخذهم الوهم من حال إلى حال، وما زاد قرباً ولم يزدد خوفاً فهو ممكور. إياكم والقول بهذه الأقاويل إن هي إلا أباطيل" .. أ. هـ (البرهان المؤيد ص٢٦).

стр. 3662

وهذه أقوال صريحة في رفض أقوال الحلاج الكفرية، والتمسك بالحق والحكم على قائلها بما حكم به أهل الإسلام جميعاً في عصره أنه كافر زنديق وأنه يستحق القتل والصلب الذي وقع له. ويستطرد الرفاعي أيضاً مبيناً أن حال الأولياء الصادقين لا تكون كحال فرعون الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:٢٤] .. وليست كذلك كحال نمرود الذي قال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:٢٥٨] فيقول: "درج السلف على الحدود بلا تجاوز. بالله عليكم هل يتجاوز الحد إلا الجاهل وهل يدوس عنوة في الجب إلا الأعمى! ما هذا التطاول وذلك التطاول ساقط بالجوع. ساقط بالعطش. ساقط بالنوم. ساقط بالوجع. ساقط بالفاقة. ساقط بالهرم. ساقط بالعناء. أين هذا التطاول من صدمة صوت لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:١٦]. العبد متى تجاوز حده مع إخوانه يعد في الحضرة ناقصاً. التجاوز علم ناقص ينشر على رأس صاحبه. يشهد عليه بالغفلة. يشهد عليه بالزهو. يشهد عليه بالحجاب. يتحدث القوم بالنعم لكن مع ملاحظة الحدود الشرعية. الحقوق الإلهية تطلبهم في كل قول وفعل. الولاية ليست بفرعونية. ولا بنمرودية قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:٢٤]. وقال قائد الأولياء وسيد الأنبياء ﷺ ((لست بملك)) ((١) نزع ثوب التعالي والإمرة والفوقية. كيف يتجرأ على ذلك العارفون: والله يقول وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: ٥٩] وصف الافتقار إلى الله وصف المؤمنين. قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ [فاطر:١٥] , هذا الذي أقوله علم القوم. تعلموا هذا العلم. فإن جذبات الرحمن في هذا الزمان قلت. اصرفوا الشكوى إلى الله في كل أمر. العاقل لا يشكو لا إلى ملك ولا إلى سلطان. العاقل كل أعماله لله" أ. هـ (البرهان المؤيد ص٢٦). وهذا كلام جيد جداً في رفض دعاوي الصوفية وشطحهم ولكن أتباعه اليوم يخالفون هذا تماماً فيترضون على ابن عربي ومن على شاكلته ويطبعون أقوال هؤلاء جنباً إلى جنب مع أقوال الرفاعي .. ويعتذرون عما قاله الحلاج وغيره أنه من الشطح ولا يصرحون بما صرح لنا في إبعاد قائل هذه الأقوال من الدين. وبذلك يتناقضون على عاداتهم في قولهم أحياناً في رفض الدعوى والشطح، وفي نشرهم لهذه الدعاوي وترضيهم على فاعليها. ٥ - ومن المشاعر الخاصة بالطريقة الرفاعية أيضاً الخلوة الأسبوعية السنوية وتبدأ عندهم في اليوم الحادي عشر من المحرم كل عام، ومن شروطها أن لا يأكل المريد طعاماً أخذ من ذي روح، ويذكر المريد في اليوم الأول لا إله إلا الله بعدد معلوم واليوم الثاني الله الله، والثالث وهاب وهاب، والرابع حي حي والخامس مجيد مجيد .. والسادس معطي معطي .. والسابع قدوس قدوس، وكل ذلك بعدد معلوم، وكذلك أن يقول المريد بعد كل صلاة من صلوات هذا الأسبوع (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله وصحبه وسلم) يقول ذلك مائة مرة، وزعموا أن لهذه الخلوة فتوحات محمدية، وعنايات أحمدية لا تحصى وأن من فعلها شاهد من البراهين العظيمة وكأن له شأن عظيم (الطريقة الرفاعية ص١١٥).

стр. 3663

ولا يخف أن هذه الخلوة في هذا الوقت المخصوص بدعة ضلالة وكل بدعة في النار كما قال ﷺ وأنها تشريع جديد لم يأذن به الله ولا رسوله، وأن فيها مشابه لصيام النصارى الذين يصومون عن ذوات الأرواح، وأن فيها تقرباً من الرافضة حيث يخصص الحادي عشر من محرم من كل عام بذلك حيث تنتهي مشاعر الرافضة الخاصة ليدخل مشاعر الرفاعية ولعل ذلك السبب في قولهم إن الرفاعي تأتي منزلته بعد الأئمة الاثني عشر مباشرة (الطريقة الرفاعية ص١٢٧). وأما تخصيصهم كل يوم بذكر خاص فهو بدعة، وأما ذكرهم الله بالاسم المفرد فقط الله، حي، مجيد فبدعة عظيمة ولم يرد ذكر الله بالاسم المفرد مطلقاً .. بل لا يذكر الله إلا بجملة مفيدة نحو (لا إله إلا الله) فهي جملة (وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، ونحو ذلك فكلها جمل تفيد معنى تعظيماً، فكل من ذكر الله باسم فرد من أسمائه فهو مبتدع، ولذلك لا يستغرب على هؤلاء المبتدعة أن يروا في خلواتهم هذه النيران الشيطانية التي يحسبونها أنواراً ملائكية رحمانية وما هي كذلك لأن الله لا يشرق نوره إلا في قلوب الصالحين المتبعين للحق من عباده. ٦ - ومن مشاعر الطريقة الخاصة أيضاً جواز المحاضرة وربط الروح بأرواح من شاء استحضار روحه من كافر ومسلم (الطريقة الرفاعية ص١٢٠) , وكذلك من مشاعرهم ما يسمى بالاستفاضة وهي ربط قلب المريد بقلب الشيخ طلباً لإفاضة العلم الباطني إليه، وهذه بدعة صوفية معلومة. ففي التربية الصوفية يطلب من المريد أن يستحضر روح شيخه عند الذكر ويتمثله أمامه ويطلب من شيخه أن يربط روحه بروح الرسول الذي يزعمون أنه يفيض العلوم والأسرار على قلوب شيوخ الصوفية. والحق أن هذه العملية عملية شيطانية لأن المريد الذي يغيب عقله بالذكر المبتدع الذي يذكره آلاف المرات وعشرات الآلاف حتى يكل عقله ودماغه وهو في كل ذلك يحاول استحضار صورة شيخه أمامه، وقد يكون هذا في ظلام دامس فإن هذا هو الوقت المناسب ليدخل الشيطان إليه زاعماً أنه هو شيخه وأنه يراه الآن، وأنه يربط الآن قلبه بقلب الرسول ليفيض عليه العلوم والأسرار الإلهية، ويبدأ الشيطان يلقي في قلوب هؤلاء وساوسه الإبليسية فيوهم الواحد منهم أنه الآن صاعد إلى السماء، وأن هذا هو عرش الله، وهذا هو كرسيه هذه هي الأرض، وأن قد أصبحت الحبيب والعظيم وصاحب الهمة وما إلى ذلك من هذا النفح الشيطاني حتى يتصور المسكين فعلاً أنه وصل إلى مكان القرب من الله، وأن السماوات قد أصبحت طوع أمره، والأرض أصبحت كالخلخال برجله، وأنه يستطيع أن يقول للشيء كن فيكون .. وهكذا يكون المريد الذي دخل الخلوة، وذكر هذه الأذكار المبتدعة، وقطع نفسه بالظلام على هذا النحو يعود بنفس أخرى وحال أخرى غير الحال التي دخل بها. وهذا سر قولهم إن لهذه الخلوة أسراراً وبراهين عظيمة، ولو علموا أنهم يربطون قلوبهم بالشياطين لعرفوا الحق المبين وأنهم نهوا عن سلوك الطرق المعوجة لأنها لا توصل إلا إلى الهاوية والضلال المبين. ٧ - وقد جعل الرفاعية الفضيلة العظمى والشرف الأسمى لهم على سائر الفرق ببركة الرفاعي فإن الله قد أبرد لأتباعه النيران، وأزال لهم فاعلية السموم، وألان لهم الحديد، وأذل لهم السباع والحيات والأفاعي، وأخضع لهم طغاة الجن (الطريقة الرفاعية ص١٣٤). ولذلك فإنهم في موالدهم ومؤتمراتهم العامة يأتون بمن يشعل النار ويدخلها إلى فمه، ومن ينفخ ناراً من فمه على هيئة التنين .. ومن يحمل الأفاعي ويلعب بها، ونحو ذلك من الشعبذات والخزعبلات التي لا يكاد يخلو منها قوم من أقوام أهل الشرك كالهنادك والفرس، وغيرهم. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق

стр. 3664

المبحث الحادي عشر: الرفاعية في طور جديد في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري تزعم الطريقة الرفاعية رجل يسمى محمد مهدي الصيادي الرفاعي، الذي رفع نفسه إلى مرتبة الغوثية الكبرى، ودعا الناس إلى طريقته واقتفاء أثره، وزعم أنه سالك سبيل جده مؤسس الطريقة الرفاعية، ولكنه جاء بما لم يسبقه أحد من الدعاوي في علو منزلته، والحق أنني لم أجد أجرأ منه على مدح نفسه وكذبه فيما نسبه إلى الله ورسوله من تعظيم نفسه إلا أحمد التجاني وابن عربي، وإليك بعضاً من نصوصه في هذا الصدد .. ١ - الدرة البيضاء: ألف كراسة صغيرة سماها (الدرة البيضاء) ملأها بالجهل والغباء، وبدأها للأسف بقوله "أمرني بكتابتها وإذاعتها حبيبي رسول الله ﷺ " (المجموعة النادرة ص٨) وزعم في هذه الرسالة أن الله خلق الرسول من نوره (المجموعة النادرة ص١٥) فأشرك بالله . وأن على المسلم أن يشفق على الخلق كلهم فخالف أمر الله القائل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣] ومن جملة مزاعمه في هذه الكراسة دعوة الناس إلى الاستمداد وطلب الإغاثة والإعانة من الأنبياء والأولياء (المجموعة النادرة ص١٨) فدعا بذلك إلى الشرك بالله ، ودعا إلى العمل بأي رأي فقهي لأن اختلاف الأئمة رحمة (المجموعة النادرة ص٢٣) ودافع عن ابن عربي واصفاً إياه بأنه العارف الشيخ محي الدين ابن عربي طيب الله ثراه (المجموعة النادرة ص٢٦). وزعم أن آل الرسول من أجزائه النورانية (المجموعة النادرة ص٢٦) وبالتالي فهم أجزاء من الله حسب زعمه أن الرسول مخلوق من نور الله .. وقسم في هذه الرسالة الأولياء فجعل منهم المجاذيب وأهل الشطح والأميين .. وجعل نفسه في آخر هذه الكراسة أفضل الأولياء في زمنه على الإطلاق حيث يقول عن نفسه: "الاختصاص رحمة من الله تعالى للعبد لا بسعي ولا بعمل ولا برأي، ولا بِجَعْلٍ يختص الله برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم: هو عطاء رباني، ومنح صمداني، وفضل أسبغ في القدم، قبل أن تتعين النسم، والعناية قسم، فأهل الاختصاص جذبتهم يد المشيئة الربانية، بمحض الفضل والعناية الصمدانية، إلى أقصى المراتب العلية وهذا المنح الباهر، والفضل الوافر، هو اليوم حصتي، ومنصته منصتي، أقامني الله في هذه المنزلة إماماً، واختارني لرتبة هذه الخصوصية ختاماً، وكشف لي مخبآت الغيب باطلاع من كرمه، وجليل نعمه، ففهمت أسرار الرموز الفرقانية وسبرت خفايا دقائق البطون القرآنية، ولم تبرح تترقى همتي بكشف تلك الحجب اللطيفة، وبشق ديباجات هاتيك المحاضر الشريفة، فأنا اليوم ولربي الحمد والشكر، وله الإحسان والبر، كنز الفيوضات الطاهرة المحمدية، وسجل العلوم المقدسة النبوية، وهذه النوبة نوبتي، تتقلب في وراث منزلتي، وخدام قدمي إلى ما شاء الله، بهذا بشرت من صاحب الوعد الصادق، وقرأته في صحف الرموزات العلوية التي طفحت بدقائق الحقائق، سينشر علم ظهور حالي بعد هذا الخفاء في الأكوان ويبرز بروز الشمس من بطن ليل الطمس للعيان، وتعكف على بابي القلوب والأرواح، ويسري سر إرشادي في الجبال والأودية والبطاح ولم يمس شأن نهجي المبارك غبار دنيوي، ولم يرجع منه حرف إلى قصد نفساني بل كله لله" (المجموعة النادرة ص٣٧) أ. هـ. وبعد أن مدح نفسه بكل ما استطاع من نعوت يقول: "جاءت لي بذلك البشرى المحمدية الصحيحة والعناية النبوية الصريحة بوساطة روح سلطان الأولياء وزعيمهم وسيد منصتهم وكريمهم مولانا السيد أحمد الرفاعي الحسيني" أ. هـ منه بلفظه (المجموعة النادرة ص٣٧). ٢ - برقمة البلبل.

стр. 3665

وتكاد تكون كل الوسائل التي ألفها هذا الصياد الرفاعي على هذا النحو ولكن في رسالة أخرى سماها (برقمة البلبل) أتى فيها بما لم يسبقه به أحد من الكذب، ولا أظن أن لاحقاً يستطيع مجاراته أيضاً في مثل هذا الكذب السمج حيث يقول في أول رسالته هذه أنه كان في سنة ١٢٥٢هـ في مكة المكرمة في بيت الله الحرام، وأنه سمع بلبلاً يتكلم مع بلبل آخر وعلى حد تعبيره (يبرقم) بلغة فهمها لأنه زعم أن رجلاً من رجال الغيب كان قد علمه لغة البلابل، فزعم أن أحد البلبلين كان يتكلم مع صديقه فأخبره أن أولاد آدم كلهم مكرمون، وجميعهم مرحومون وأنه لا يجوز أن نحتقر ذرة واحدة منهم، وأن منهم أيضاً أولياء عارفين، وأن من هؤلاء الأولياء قسم يتصرفون في العالم؛ ومن جملة ما يتصرفون فيه الطير فيقول البلبل لصديقه (ومنهم المتصرفون في وفيك وفي عالم الأكوان والنائبون بإذن الله عن نبي الرحمن) ثم يستطرد الصيادي الرفاعي في هذيانه الصوفي فيزعم أن أحد البلابل قال لصديقه: إن هذا الرجل الملتحف بكسائه الرث المستقبل الكعبة (يعني نفسه) هو من آل الرسول وقد فهم لغتنا وعرف ما قلناه وهو نائب الرسول الآن في هذا الوقت، وهو عالم الزمان وشيخ الأوان .. فقال البلبل الآخر إذن تعال نتبرك به ونقبل قدميه .. ويستطرد الصيادي الرفاعي قائلاً إن البلبلين جاءا إليه، وعكفا عليه، وسألاه الدعاء، وأنهما أخبراه بعد ذلك أنه إمام الدين، وسيد الأولياء وإن نوره لا يعدله نور، وإن مدده سيعم الأمصار والأقطار حيث تشب قلوب الحاسدين له بنار، وتنفلت عليه ألسنة الجاحدين (كذا .. ) ..

стр. 3666

ويستطرد الصيادي قائلاً بأن البلبلين أخبراه أن الله قد كتب صحيفة منزلته ووضعها فوق مقام إبراهيم فقام الصيادي من فوره وأخذ الصحيفة وفرح بما وجد فيها حسب زعمه من إطناب الله في الثناء عليه، ومدحه له وتبشيره إياه بظهور طريقته وعلو شأنه. يقول الصيادي هذا: وقد طبت بالله تعالى حين قرأت ما في الصحيفة المباركة بشأني، وبشأن ظهور أمر طريقي، وكدت أطير سروراً لما امتن الله تعالى علي به من إطناب في الألقاب فيها ما نصه بلفظه: هذا غريب الغرباء أبو البراهين، وأحد آل طه ويس. خلف الأئمة الهادين. بقية أعيان العترة الطاهرين، سيف الرسالة المسلول على أهل الضلالة. المجدد الأكمل. الأشعث الأغبر. سجنجل الحكمة والفراسة المحمدية. رافع ألوية الشريعة الطاهرة الأحمدية. باني مباني أحكام الطريقة المرضية الرفاعية. شيخ الأئمة. نور المدد المصطفوي الذي سيتجلى به الظلمة. الرفاعي الثاني. الإمام الأوحد الرباني. طلسم البرهان المحمدي الذي لا يدافع. معنى ناطقة البيان النبوي الذي لا ينازع. بحر الفتح. هادم الدعوى والشطح. الفتى ابن الفتى. محمد مهدي بهاء الدين. باب النبي ﷺ في العصر. وجه علي في الدهر. الفقير الغني. الضعيف القوي. الخفي الظاهر. العاجز القادر. شمس الإفاضة المصطفوية للذرات كلها من التحق بها سلم ومن أبغضه عن جحد أو حسد ندم ومن آذى نوابه وأحبابه لم يقم. ولو التفّت عليه المحافل، وسارت لأمره الكتائب، وصفت له الصفوف، ومرت لديه من قناطير الذهب المقنطرة الألوف. هذه آيه الله المخبأة في دفتر الغيب ينتفع بقراءة فحواها، والاندماج في ظل معناها، كل من لله في عناية، يصل به الله ويقطع، ويعطي ويمنع، ويرفع ويضع، هذا الزاهد الواجد، الآبد الماجد، هذا بركة الله في الكون. هذا الممهد هذا الموطد. هذا القائم لله، ولإعلاء كلمة الله، ولخدمة رسول الله، لا لغرض من أغراض الأكوان، ولا لعلو، ولا لغلو، ولا لتقدم، ولا لترفع، ولا لعظمة نفسانية، بل هو بحر مطمطم رباني، وكنز مطلسم سبحاني، أفيض له مددنا بواسطه (كذا والصواب: بوساطة)، جده سر الوجود وبارقة النظم الأول في كيانتي النسقين الطموس والشهود (محمد) ﷺ هذا سيد عشاق رسول الله، وسيد محابيب الله اليوم في ملك الله عليه سلام الله ورضوان الله. وهناك غَبّت عني، وأخذت مني، وذبت معنى، وترقرقت مهنى، وانطمست بوجودي وظهرت بمجدي" انتهى منه بلفظه (برقة البلبل من المجموعة النادرة ص٧٧ - ٧٩).

стр. 3667

ولا يكتفي الصيادي بهذا الكذب الأبلج على الله فإن الله لم يخاطب أحداً بمثل هذا الخطاب المزعوم، فخطاب الله لصفوة أوليائه وهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يكن فيه عشر معشار هذا المدح بل كان عامته تأديباً وعتاباً؛ كمثل قوله لنوح: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦] وذلك لمجرد قول نوح: رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥] وكذلك قوله لإبراهيم: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] عندما طلب إبراهيم أن يكون من ذريته أئمة .. وقوله لمحمد ﷺ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] وقوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨] وقوله: عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ َ [التوبة: ٤٣] وقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس: ١] وقوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧] هذا بعض من خطاب الله في قرآنه لرسله فانظر كيف يزعم هذا الصيادي أن الله كتب في صحيفة له "هذا أبو البراهين، هذا سيف الرسالة المسلول على أهل الضلالة .. هذا الإمام الأوحد الرباني .. باني مباني الطريقة المرضية الرفاعية .. هذا شمس الإفاضة المصطفوية للذرات كلها .. " .. الخ، هذا الكفر والضلال وهذا الكذب الصريح .. ومثل هذا لو كان يسمى باللغة تجوزاً مدحاً فإن أسقط الساقطين ينزه أن يمدح غيره بمثل هذا الكلام فلو أن شاعراً متملقاً كاذباً قام يمدح رجلاً بمثل هذه الأوصاف لاستحق السقوط واللعنة، ولرمي بالتزلف والجهالة والمبالغة الممقوتة، ورفع الإنسان الحقير عن مكانته. فكيف يسوغ أن ينسب مثل هذا الكلام الحقير الذي يقع في آخر سلم المدح الممجوج فينسب إلى رب العباد ؟ أيليق أن ينسب مثل هذا التزلف الحقير لله جل وعلا .. ؟ ولا يكتفي الصيادي بالكذب المكشوف هذا على رب العالمين فيكمل بعد ذلك كذبه على سيد المرسلين ﷺ فيقول أنه بعد أن قرأ هذه الرسالة (الربانية) التي كانت فوق مقام إبراهيم انجلى له مظهر الرسول ﷺ ثم ناداه قائلاً: "قد ملأناك علماً وفهماً ومدداً وقدرة وبهاءً وعرفاناً ونوراً وحظاً كبيراً، ورفعنا لك منبراً لا يسقط، ووهبناك ناطقة تتدرج كتائب مددها في الأكوان فلا تسكت إلى يوم الدين، أنت هو القبول عندنا، المؤيد بنورنا، المبارك بعلمنا، المنصور بمددنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك، ونصون بعون الله من حاماك، يرفع علمك من أفلاذ بيتنا حبيب لنا فأعد عليه نظر حنانك، وعلمه رقرقة قلبك وناطقة لسانك، ولا توافق أهل البدعة، ولا تلايم أرباب الدعوى، ولا تجنح بالقلب ولا باللسان إلى القول بالوحدة المطلقة، ولا تتعمق بالكلام على الذات والصفات، ولا تعمل الفكر في المتشابهات، خذ ما أخذ أجدادك الآل الطاهرين، وسر سير الصحابة، واتبع مناهج السلف، ووافق إماماً ترتضيه من أئمة المذاهب المتبعة اليوم، فالأربعة على حق ولا تقلد غير نبيك، وتحقق بالحب لله ولكتابه ولرسوله، ولا تشق العصا، ولا تجمع القلوب عليك بل اجمعها على الله، وعلى شريعة نبيك، وعليك بمشرب جدك السيد أحمد الرفاعي، واثبت على طريقته فإنها الطريقة المحمدية الحقة .. واعلم أنك اليوم خاتمة الصديقين وشيخ الطريقة القويمة المحمدية ثم الأحمدية .. وأنت سيد الآل فمن دونهم وصل علي وسلم" أ. هـ منه بلفظه (البرقمة ص٨٣). ويزعم الصيادي أنه بعد أن سمع خطاب الرسول هذا غاب عن نفسه ستة أشهر كاملة، لا يصحو إلا أوقات الفروض فقط، وأنه شكر الله بعد ذلك إذ جاءته هذه النعمة الكبرى على يد طير صغير (برقمة البلبل ص٨٢) .. فانظر إلى هذا الإسناد العجيب "حدثنا الصيادي حدثنا البلبل قال الله تعالى .. " فأين نضع هذا البلبل يا علماء الحديث وعلماء الأصول .. هل هو عدل ضابط، وهل الذي يحدث عن بلبل أيضاً يكون عدلاً ضابطاً .. وليتهم لم يقحموا اسم الله واسم رسوله في هذه الخرافات الممقوتة والمدح الكاذب لأنفسهم! وليتهم إذا أرادوا هذا العلو في الأرض وأكل أموال الناس بالباطل سلكوا غير هذا السبيل! فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. المصدر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق

стр. 3668

المبحث الثاني عشر: بعض أورادهم وللرفاعية أوراد مخصوصة كثيرة نذكر نبذة منها، فيقولون: "ومن أحزابه الشريفة هذا الحزب واسمه الحزب الصغير، وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ إني أسألك بعظيم قديم كريم مكنون مخزون أسمائك وبأنواع أجناس أنفاس رقوم نقوش أنوارك وبعزيز أعزاز أعزّ عزتك وبحول طول حول شديد قوتك وبقدر مقدار اقتدار قدرتك وبتأييد تحميد تمجيد عظمتك وبسمو نموّ علوّ رفعتك وبحيوم قيوم بدوم دوام أبديتك رضوان غفران أمان رفعتك وبرفيع بديع منيع سلطانك وبصلاة سعاة بساط رحمتك وبلوامع بوارق صواعق صحيح وهيج بهيج وهيج نور ذاتك وببهر قهر جهر ميمون ارتباط وحدانيتك وبهدير تيار أمواج بحرك المحيط بملكوتك وباتساع انفساخ ميادن بواذخ كرسيك وبهيكليات علويات روحانيات أملاك عرشك وبالأملاك الروحانيين المديرين الكواكب أفلاكك وبحنين أنين تسكين المريدين لقربك وبحرقات زفرات جمعات الخائفين من سطوتك وبأمال نوال أقوال المجتهدين في مرضاتك وبتحمد تمسجد تجلد العابدين على طاعتك وتخضع تخشع تقطع مرائر الصابرين على بلوائك يا أوّل يا آخر يا ظاهر يا باطن يا قديم يا مقيم اطمس بطلسم) (١). ومن أحزابه الغريبة العجيبة " المص الر الر الر المر المر المر كهيعص ط طسم طس طسم طسم الم الم الم الم يس ص حم حم حمعسق حم حم حمعسق حم حم ق ن ... محمد رسول الله حصني مكملاً وأبو بكر يميني حرزاً ووكيلاً وعمر بن الخطاب يساري عزاً وتجملاً وعثمان بن عفان من خلفي قوة وحولا وعلي بن أبي طالب أمامي مهابة ... لا إله إلا أنت أحون قاف آدم حم هاء آمين ... شتوش هموش أطوش شرح خمدت النار من مخافته" فهذه هي الأوراد وأمثالها التي قال فيها بعض الرفاعية: "عليك بأوراد الرفاعي إنها [] [إلى شيخ أشياخ الطريقة تنسب] وداوم عليها فهي حصن وجنة [] ودرع لدفع النائبات مجرّبوباب بوصل العبد بالله عامر [] [ونهج به للمصطفى يتقرّب" (٢).] وأحياناً كانوا يرددون مثل هذه الأوراد لنيل المآرب وحصول المطالب، فيذكر أحد الرفاعيين "كنت أمشي تحت جبل قاف، فجاء وقت الصلاة فتوضأت وصليت وقرأت الورد الشريف ثم ذكرت اسم سيدي أحمد (الرفاعي) فلما أتممت جاءت حية عظيمة وفي فمها درة فألقتها أمامي، ثم أنطقها الله فقالت: خذ هذه الهدية مني لحضرة سيدي أحمد، فتعجبت وقلت: أتعريفين سيدي أحمد؟ فقالت: عجيب هذا، هل على بساط الأرض من رطب ويابس من يجهل سيدي أحمد الرفاعي، بلغّه سلامي، فأنا من مردائه" (٣) المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص٢٣٣، ٢٣٤

стр. 3669

المبحث الثالث عشر: مناظرة شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية للبطائحية الرفاعية قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً دائماً إلى يوم الدين (أما بعد) فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر (البطائحية) يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس (أي بعد السبعمائة) لتشَوّف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه. فإن من كان غائباً عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويرى لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين. وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء (البطائحية) وطريقتهم وطريق (الشيخ أحمد بن الرفاعي) وحاله، وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم. ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام، فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظراتهم ومقابلتهم. وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع -وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام، وطريقة الفقر والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد- فيوجد أيضاً في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر، ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير ما جاء به الرسول، والاستخفاف بشريعة الإسلام، والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله ما يوجد .. وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي يسمونها الإشارات، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة النار والحيات، وإظهار الدم، واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة، ومن احترق كان مغلوباً، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك.

стр. 3670

وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق، وكان له صنم يعبده، قال: فقال: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بيناً يرى فيه!! فأنكرت ذلك، فقال لي إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت نعم، قال: فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر! فاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك. فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك. ذلك التتري كافر مشرك، ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة لأمثالك. فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض. فأعجب هذا المثل من كان حاضراً!!! وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا تريد أن تظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن: من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفرقة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك. فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك. فقالوا لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا، فقلت: همتي ليست معكم، بل أنا معارض لكم مانع لكم، لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله ﷺ فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا. فانقلبوا صاغرين. فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر. مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذين يتميزون به عن المسلمين. ويتخذونه عبادة وديناً يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم، وأنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم –أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع، وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله، ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك، ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتماً من حديد فقال: ((مالي أرى عليك حلية أهل النار)) (١). وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال، فالتشبه بأهل النار من المنكرات. وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الرؤيا قال في آخره ((أحب القيد وأكره الغل. القيد ثبات في الدين)) (٢) فإذا كان مكروهاً في المنام فكيف في اليقظة؟!

стр. 3671

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحواً منه مع زيادة، وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به. وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقاً إلى الله وسبباً لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيراً عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعاراً للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم. فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟ ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه. فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة طاعة وعبادة. ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل (الفتوة) و (رماة البندق) ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله ﷺ واتباع الكتاب والسنة؛ إذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله ﷺ ، وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة. فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول، ولا بإرادة وعمل. وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً، وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاص وسيئات. فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم والإصرار على الابتداع في الدين، وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين، ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة، وأنتظر الرجوع والفيئة، وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر (ذلك الشيخ) لمسجد الجامع. وكان قد كتب إلي كتاباً بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار، وهو كلام باطل لا تقوم به حجة، بل إما أحاديث موضوعة، أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 3672

فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب. فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه. وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠]. ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: ٧٧]، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء. فحملهم هواهم على أن تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب، بالأحوال التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله ﷺ ، ونتفق على اتباع سبيله - فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة، وكأنهم اتفقوا مع بعض الكبار على مطلوبهم، ثم رجعوا إلى مسجد الشاغور -على ما ذكر لي- وهم من الصياح والاضطراب، على أمر من أعجب العجاب. فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلباً للبيان والتبصرة، ورجاء المنعة والتذكرة. فعمدوا إلى القصر مرة ثانية، وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد، واضطراب الرؤوس والأعضاء، والتقلب في نهر بردى وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال، الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال. فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر، وسأل عنهم فقيل له هم مشتكون، فقال ليدخل بعضهم، فدخل شيخهم، وأظهر من الشكوى عليّ ودعوى الاعتداء مني عليهم كلاماً كثيراً لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضراً أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله ﷺ ؟ فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله ﷺ ، قال: فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا، قال: فنسمع كلامه فمن كان في الحق معه، قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم، فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم، فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء. فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين، لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان، ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال، وأني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال، وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان، فهو الذي أوقع نفسه في الهوان. فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار، الذين يعرفون حقيقة الأسرار، وأشاروا إليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة، والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة. وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبدالله. وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق، وأجابوا إلى الوفاق.

стр. 3673

ثم ذكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع. فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته، واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذا السبيل. وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين، لسبب يعرفه من عرف الحق المبين، فالغالية من القرامطة والباطنية، كالنصيرية والإسماعيلية، يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة، ثم إلى الإشراك، ثم إلى جحود الحق تعالى. ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العادات، والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو لائق، كالملحدين من أهل الاتحاد، والغالية من أصناف العباد. فلما أصبحنا ذهبت إلى الميعاد، وما أحببت أن أستصحب أحداً للإسعاد، لكن ذهب أيضاً بعض من كان حاضراً من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب، وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء، الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء، وأن لهم طريقاً لا يعرفه أحد من العلماء. وأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة. وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر، غير واصل إلى الحقائق والسرائر. وأن لهم طريقاً وله طريق. وهم الواصلون إلى كنه التحقيق وأشباه هذه الدعاوي ذات الزخرف والتزويق. - أنواع من تلبيسات الرفاعية: وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل. قال المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر، وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعاً من الخطاب، والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فعاد الرسول، إلي مرة ثانية فبلغه أنّا في الطريق، وكان كثير من أهل الاتحاد مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم، مجهزين لمن يعنيهم في حضورهم. فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق في هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع. فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء. وقال إنهم قالوا: إنك طلبت منهم الامتحان، وأن يحموا الأطواق ناراً ويلبسوها، فقلت هذا من البهتان.

стр. 3674

وها أنا ذا أصف ما كان. قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحداً بأن يدخل ناراً، ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار. وفي ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون في ذلك، وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم. وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء، وأنهم لبسوا على الأمير المعروف بالأيدمري، وعلى قفجق نائب السلطة وعلى غيرهما، وقد لبسوا أيضاً على الملك العادل كتغا في ملكه، وفي حالة ولاية حماة، وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم. فذكرت تلبيسهم على الأيدمري، وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة، ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب. فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوماً يطوفون على الجبل وهم يرتفعون على الأرض وأخذوا منه مالاً كثيراً ثم انكشف له أمرهم. قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك، وهو ممن حدثني بهذه القصة. وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان، ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله، وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز. فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي إنه لما انقضى المجلس وانكشف ما لهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتاباً وهو نائب السلطنة بحماة يخبره صورة ما جرى. وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع، مثل الأغلال ونحوها، وأنّا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة، فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه، فذكرت حديث العرباض بن سارية، وحديث جابر بن عبدالله، وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره. - ابن تيمية يتحداهم بدخول النار معهم: قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار، وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا: هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع ليس لهم أن يعترضوا علينا، بل يسلم إلينا ما نحن عليه -سواء وافق الشرع أو خالفه- وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله، وكان مغلوباً، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار. فقال الأمير: ولم ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع، وباطن قشر النارنج، وحجر الطلق، وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار، وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم! قد استخرت الله في ذلك وألقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ﷺ المتبعين له باطناً وظاهراً لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشارتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب إلينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا، فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات.

стр. 3675

وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم. فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك، وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس بينهما على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال: اليوم ترى حرباً عظيماً، ولعل ذلك كان جواباً لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل. وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون، فقال الأمير: إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر، أنا وهو وبهادر، فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة، وأن لهم فيهم ظناً حسناً والله أعلم بحقيقة الحال؛ فإنه ذكر لي. وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق؛ فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده، وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه، فأمر ببساط يبسط في الميدان. وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون، وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء، والظفر والحبو والتقلب، ونحو ذلك من الأصوات المنكرات، والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: "واقصد في مشيك واغضض من صوتك". فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي، وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة سيده أحمد، ويركب بعلمين، وهم يسمونه: عبدالله الكذاب، ولم أكن أعرف ذلك. وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا خفي علي تلبيسه إلى أن غاب، وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد، بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين نظرته، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بي قديماً فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون حيث كتم تلبيسه بيني وبينه. الرفاعية البطائحية ينكلون عن دعاويهم ويقرون بما هم فيه من الباطل: فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة، وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع، ومتبعون للشريعة. (فقلت) أما التوبة فمقبولة. قال الله تعالى: غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر: ٣] وقال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].

стр. 3676

فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب بن منبه روى أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقاً في حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت. (فقلت) لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبدالله أن النبي ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: ((أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)) (١) وفي مراسيل أبي داود أن النبي ﷺ رأى مع بعض أصحابه شيئاً من كتب أهل الكتاب فقال: ((كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم)) (٢) وأنزل الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥١]. فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا. كما قال تعالى: فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٨]. فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها؟! وما علينا من عباد بني إسرائيل؟! تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٣٤] هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية. فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء ونحن قوم شافعية. (فقلت) له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة، وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته وقلت: يا كمال الدين! ما تقول في هذا؟ فقال هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة. أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك. (وقلت) ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد ﷺ ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بعد عهدي به.

стр. 3677

فانتدب ذلك الشيخ (عبدالله) ورفع صوته. وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها، وذكر كلاماً لم أضبط لفظه: مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر؛ ومضمونه أن لنا الباطن ولغيره الظاهر، وأن لنا أمراً لا يقف (نسخه: لا يقدر) عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا، (فقلت) له -ورفعت صوتي وغضبت- الباطن والظاهر والمجالس والمدارس، والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء، ولا من العلماء والقضاة وغيرهم، بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله ﷺ . وذكرت هذا ونحوه. فقال -رفع صوته-: نحن لنا الأحوال وكذا وكذا. وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها، واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها. ابن تيمية يتحدى البطائحية بالدخول في النار ومن احترق فعليه لعنة الله: فقلت -ورفعت صوتي وغضبت- أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب، وربما قلت فعليه لعنة الله، ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: إن لهم حيلاً في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق. فضج الناس بذلك، فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نلف في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت. (فقلت) فقم. وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك، فمد يده يظهر خلع القميص، فقلت: لا! حتى تغتسل في الماء الحار والخل، فأظهر الوهم على عادتهم فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشباً أو قال حزمة حطب. فقلت هذا تطويل وتفريق للجمع؛ ولا يحصل به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل؛ ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل. وذكر لي أن وجهه أصفر. ثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة، ولو طرتم في الهواء، ومشيتم على الماء، ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع، ولا على إبطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر؛ وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له قم فيقوم، ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون، لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب. وذكرت قول أبي يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي، وذكرت عن يونس بن عبدالأعلى أنه قال للشافعي أتدري ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد؟ قال: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به. فقال الشافعي: لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به؛ وتكلمت بهذا ونحوه بكلام بعد عهدي به. ومشايخهم يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون، وقد اجتمع عامة مشايخهم الذي في البلد والفقراء المولهون منهم، وهم عدد كثير، والناس يضجون في الميدان، ويتكلمون بأشياء لا أضبطها.

стр. 3678

فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: " فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩] , " وذكروا أيضاً أن هذا الشيخ يسمى عبدالله الكذاب. وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهماً، فقلت: ظهر لي حين أخذ الدراهم وذهب أنه ملبس، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها أنه أدخل النار في لحيته قدام صاحب حماة، ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة، وأنه دخل الروم واستحوذ عليهم. - رجوع الرفاعية وإقرارهم العمل بالكتاب والسنة: فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم، وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون رجعوا، وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال، وعرفوا حقيقة المحال؛ وقمنا إلى داخل ودخلنا، وقد طلبوا التوبة عما مضى، وسألني الأمير عما تطلب منهم، فقلت: متابعة الكتاب والسنة مثل أن (لا) يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك، لو أنه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما، ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر، وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه. فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة؟ نحن نخلعها. فقلت: الأطواق وغير الأطواق، ليس المقصود شيئاً معيناً، وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله ﷺ . فقال الأمير: فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً، من خرج عنه ضربت عنقه –وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان- وكان المقصود أن يكون هذا حكماً عاماً في حق جميع الناس؛ فإن هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه، فيتقرر عند المقاتلة، وأهل الديوان، والعلماء والعباد، وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. - فظائع الرفاعية في الصلاة: قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله؛ فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته، حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيئاً لله. وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي أمرنا أن نقول فيها: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [: الفاتحة: ٥] وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب. ولم يأمره بإعادة الصلاة. وكذلك يصيحون في الصلاة صياحاً عظيماً وهذا منكر يبطل الصلاة. فقال: هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس. فقلت: العطاس من الله والله يحب العطاس ويكره التثاؤب ولا يملك أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان، وهو باختيارهم وتكلفهم، ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس أنهم يفعلون في الصلاة مالا تفعله اليهود والنصارى: مثل قول أحدهم أنا على بطن امرأة الإمام، وقول الآخر كذا وكذا من الإمام، ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالنوبة، وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين ليسوا مغلوبين على ذلك كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها.

стр. 3679

فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم (قلت له) أهذا موافق للكتاب والسنة؟ فقال: هذا من الله حال يرد عليهم، فقلت: هذا من الشيطان الرجيم لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ ولا أحبه الله ولا رسوله، فقال: ما في السماوات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته، فقلت له: هذا من باب القضاء والقدر، وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هم بمشيئته وإرادته وليس ذلك بحجة لأحد في فعله؛ بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن. فقال: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال؟ فقلت: بهذه السياط الشرعية. فأعجب الأمير وضحك، وقال: أي والله! بالسياط الشرعية، تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير وقلت: هذا نائب رسول الله ﷺ وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله ﷺ . فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟ فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فأفحموا لذلك. و (حقيقة الأمر) أن من أظهر منكراً في دار الإسلام لم يقر على ذلك، فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لا يقر، ولا يقر من أظهر الفجور، وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم فإن كان مسلماً أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلماً ولا ذمياً فهو إما مرتد، وإما مشرك، وإما زنديق ظاهر الزندقة. وذكرت ذم المبتدعة فقلت: روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبدالله أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبته: ((إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) (١). وفي السنن عن العرباض بن سارية، قال: ((خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٢) وفي رواية ((وكل ضلالة في النار)) (٣).

стр. 3680

فقال لي: البدعة مثل الزنا، وروى حديثاً في ذم الزنا، فقلت هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، والزنا معصية، والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. وكان قد قال بعضهم: نحن نتوب الناس، فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق، والسرقة، ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقاً يعتقدون تحريم ما هم عليه، ويرجون رحمة الله، ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة. فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله، وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي. قلت مخاطباً للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في (صحيحه) عن عمر بن الخطاب ((أن رجلاً يدعى حماراً، وكان يشرب الخمر، وكان يُضحك النبي ﷺ ، وكان كلما أتي به النبي ﷺ جلده الحد فلعنه رجل مرة. وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ ؟! فقال النبي ﷺ : لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) (١). قلت: فهذا الرجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي ﷺ بذلك فنهى عن لعنه. وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في (الصحيحين) عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض- ((أن النبي ﷺ كان يقسم، فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية، محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال. فقال النبي ﷺ : يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد - وفي رواية - لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل - وفي رواية - شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوا)) (٢). (قلت): فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وقيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي ﷺ بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي ﷺ وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرت قول الشافعي: لئن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلى الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء. فلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنهم مبتدعون بدعاً منكرة فيكون حالهم أسوء من حال الزاني والسارق وشارب الخمر أخذ شيخهم عبدالله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجانب العزيز -يعني أتباع أحمد بن الرفاعي- فقلت منكراً بكلام غليظ: ويحك؛ أي شيء هو الجانب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو الزرجنة (كذا بالأصل) تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله، فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم، وقلت: مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم، ويقول أصحابهم إن لهم سراً مع الله فنصر الله وأعان عليهم. وكان الأمراء قد عرفوه بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة في الجبل. وقلت لهم: يا شبه الرافضة يا بيت الكذب، فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم. وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك، أو يساوونهم. أو يزيدون عليهم، فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: لا تقولوا أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم، وقلت لهم: أنا كافر بكم وبأحوالكم فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ [هود: ٥٥]. ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك، وأعيد الكلام: من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك. والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. المصدر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - ١١/ ٤٤٥
следующие страницы →