المطلب الثالث: من الحيوانات شيوخ الطريقة وحتى الحيوانات فإن منها من وصل إلى درجة الولاية الكاملة واعتبر عند الطريقة النقشبندية من شيوخ الطريقة، قال محمد بن عبد الخاني النقشبندي «وأما الحيوانات فلنا منهم شيوخ: ومن شيوخنا الذين اعتمدت عليهم: الفرس، فإن عبادته عجيبة، والبازي والهرة والكلب والفهد والنحلة وغيرهم: فما قدرت أن أتصف بعبادتهم على حد ما هم عليها فيها» (١).
стр. 3712
المطلب الرابع: زعمهم أن الله يتشكل بأشكال الحيوانات
حكى صاحب الرشحات أن الشيخ بهاء الدين عمر كان يركب فرسا أبيض في كل الأوقات فسئل عن ذلك فأجاب بأن اختياره للفرس الأبيض لأن بعض التجليات الصورية مشهودا له كذلك. فمثلا وقع التجلي الصوري لموسى في شكل شجرة بالوادي المقدس ووقع التجلي الصوري لنبينا محمد ﷺ في صورة شاب مخطط الوجه، وقال الشيخ محي الدين ابن عربي: رأيت ربي على صورة الفرس. قال: وهكذا فالسالكون يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى إنه يتجلى في جميع صور الأشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان ... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي ... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني وأنا الحق، وما في الجبة إلا الله، وهل في الدارين غيري، وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي (١).ويحكي النقشبنديون قصة متواترة بينهم عن بدايات سلوك محمد بهاء الدين نقشبند طريق التصوف فذكروا أن شيخه أمره أن يشتغل بخدمة الكلاب ومداواتهم قال «فنهضت بأعباء هذه الخدمة سبع سنين. حتى كنت إذا لاقاني في الطريق كلب وقفت حتى يمرّ هو أولا، ثم بعد ذلك أمرني أن أشتغل بخدمة كلاب هذه الحضرة بالصدق والخضوع وأطلب منهم الإمداد. وقال: إنك ستصل إلى كلب منهم تنال بخدمته سعادة عظيمة. فاغتنمت نعمة هذه الخدمة ولم آل جهدا بأدائها حسب إشارته. حتى وصلت مرة إلى كلب، فحصل لي من لقائه أعظم حال فوقفت بين يديه واستولى عليّ بكاء شديد فاستلقى (الكلب) في الحال على ظهره ورفع قوائمه الأربع نحو السماء فسمعت له صوتا حزينا وتأوها وحنينا فرفعت يدي وجعلت أقول آمين حتى سكت وانقلب ... ووجدت حرباء فخطر لي أن أطلب منها الشفاعة فاستلقت على ظهرها وتوجهت إلى السماء، وأنا أقول آمين» (٢).
وهذه القصة ما زالت متداولة ومتناقلة بين النقشبنديين في مجالسهم، ولم تعد شيئا منسيا. فقد احتج بها أحد مشايخ النقشبنديين في لبنان في محاضرة له مسجلة بصوته. وهو المسمى رجب ديب.
стр. 3713
المطلب الخامس: أقوال صريحة في الكفر
ومن الكفر الصريح ما حكاه صاحب الرشحات قال «جاء مولانا - سعد الدين - يوما حجرتي ورأى مصحفا في الرف:
فقال ما هذا الكتاب؟
فقلت: هو مصحف.
قال: إن ذلك من علامة البطالة فإن تلاوة القرآن وظيفة المتوسطين. والصلاة شغل المنتهين وأهم المهمات للمبتدئين: الاشتغال بالنفي والإثبات وترك الأهم، والاشتغال بغيره بطالةكمن يقرأ الفاتحة في القعود زعما منه أنها أم القرآن» (١).وقال صاحب الرشحات «قال مولانا - سعد الدين - كان لي أب يمشي في الماء ويضع قدمه على الهواء ولكن لم يكن له رائحة من التوحيد. وحضر مرة مجلسه كثير من الأكابر والعلماء فقال الشيخ: إن الله سبحانه ليس بعالم للغيب، فانفجع أكثر الحاضرين من هذا الكلام وارتعدت فرائصهم حتى تغطى البعض بثوبه من الخوف لكونه خلاف نص التنزيل «بحسب الظاهر» (٢).وقد أقر السرهندي أن قائل هذا الكلام هو عبد الكريم اليمني وابن عربي (٣).
стр. 3714
المطلب السادس: الرب عندهم يصلي !!!
ومن مراتب ومقامات الولاية عند النقشبندية مرتبة: حقيقة الصلاة. وهي مرتبة عالية جدا. قالوا «ولعل فيما ورد في قصة المعراج «قف يا محمد فإن الله يصلي» إيماء إلى حقيقة هذه المرتبة» ثم انتهى إلى أن الله «في الحقيقة هو العابد والمعبود» (١). وهذا تصريح بموافقة ابن عربي في قوله:
الرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف
ولقد قال أحد النقشبنديين في لبنان (أحمد بدر الدين حسون) في خطبة له مسجلة عن الإسراء والمعراج فذكر هذه العبارة أن الله يصلي ثم قال: فيا تارك الصلاة، ألا تتشبه بربك؟ ألا تقتدي بربك؟ إن ربك يصلي وأنت لا تصلي؟.
فها قد زعم النقشبنديون أن الله يصلي فماذا تنتظرون يا مسلمين بعد ذلك. هذه مقولة شنيعة لم يقل بمثلها الكفرة ولا المجوس. وأن الله هو العابد وهو المعبود.
ونقل السرهندي أن السلطان محمود الغزنوي أرسل إلى أبي الحسن الخرقاني النقشبندي يذكره بطاعة أولي الأمر فلما قرأ عليه أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] , قال إني مشغول بطاعة الله بحيث لم أفرغ بعد لطاعة رسول الله» (٢).
الجامي يصرح: لا مبدأ ولا معاد
قال السرهندي «ورأيت جماعة من المريدين يستشهد بشعر مولانا عبد الرحمن الجامي قدس الله سره:
ما مبدأ ولا معاد صاح إلا وحدة ... ما نحن في ذا البين إلا كثرة موهومة (٣) ...
стр. 3715
المطلب السابع: مقام الجهل بالله
أما ثمرة وغاية الذكر عندهم حصول الجهل بالله والانتهاء إلى التصريح بأنهم يذكرون من لا يعرفون. قال «مولانا» علاء الدين «سألني الشيخ عبيد الله أحرار عن الذكر قلت: لا إله إلا الله. قال: ما هذا ذكر: هذا عبارة. قلت: فما هو عندك؟ قال: أن تعرف بأنك لا تقدر أن تعرفه. ثم قال: ينبغي - على السالك - أن يقبل ويتوجه إلى الجهل وأن ينوي الصلاة هكذا: أعبد الله الذي لا أعرفه: الله أكبر» (١).
стр. 3716
المطلب الثامن: كفر آخر
وأعظم من ذلك ما حكاه صاحب الرشحات أن الشيخ الجامي النقشبندي سأل أحد مريديه «ما يقول شيخكم حين يغضب عليكم؟ قال: يقول: إذا حضرتم عندي تكونون على حذر مني وإذا خرجتم من عندي تنسون الله ولا تعرفونه أبدا! قال الشيخ: فما تقولون له حينئذ؟ قال: نسكت ولا نرد شيئًا. قال الشيخ: يا عجبا ليست عندكم همة. ينبغي لكم أن تقولوا: نحن لا نعرف الله بل نعرفك أنت».وقال لهم مرة «كان الله ولم نكن نحن. ويكون الله ولا نكون. والآن نحن معدومون أيضا والله موجود (١).
стр. 3717
المطلب التاسع: مقام الخمر والسُكر
وكعادة السرهندي يعتذر عن مثل هذه الأقوال بأنها حصلت في حالة سكر الولي وغياب عقله. وهو عذر أقبح من ذنب. ويتغنون بمقام السكر والخمر ومدح المخمورين. (١) فيقولون كما ذكر الكردي:
فيا حادي العشاق قم واحْدُ قائما ... ودندن لنا باسم الحبيب وروحنا
وصُن في سرنا سُكرنا عن حسودنا ... وإن أنكرت عيناك شيئًا فسامحنا
فإنا إذا طبنا وطابت قلوبنا ... وخامرنا خمر الغرام تهتكنا
فلا تلم السكران في حال سكره ... فقد رفع التكليف في سكرنا عنا
وسلم لنا فيما ادعيناه إنا ... إذا غلبت أشواقنا ربما بحنا
وقد اعترف السرهندي كبير النقشبنديين صدور فظائع الكلام من مشايخ الطريقة النقشبندية، كقولهم بأن الولي أفضل من النبي وقول الواحد منهم أنا الحق وسبحاني ما أعظم شأني. ولكنه بررها فقال «وما وقع في عبارات مدح الكفر والترغيب في شد الزنار فمصروف عن الظاهر المتبادر فإنهم معذورون بغلبة السكر في ارتكاب هذه المحظورات» (٢)
السرهندي يعتبر الإنسان على صورة الله
واعتبر السرهندي أن الإنسان نسخة جامعة من عالم الإمكان بطريق الحقيقة، ومن طريق الوجوب بطريق الصورة أن الله خلق آدم على صورته.
قال: فالله خلق آدم على صورته وهو منزه عن الشبيه والمثلية:
فكذلك خلق الله روح آدم التي هي خلاصته على صورة لا شبيهة ولا مثلية.
وكما أن الحق سبحانه لا مكاني: فكذلك الروح لا مكانية.
ونسبة الروح إلى العالم كنسبة الله تعالى: لا داخلة في العالم ولا خارجة عنه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه ... وانتهى إلى أن خلق العالم يدل على أصله.
وصرح بأن كمالات الإنسان مستفادة من كمالات الرب ومن هنا ورد أن الله خلق آدم على صورته ومعنى من عرف نفسه عرف ربه.
فلا جرم كان الإنسان خليفة الرحمن ولا عجب: فإن صورة الشيء خليفة الشيء. وما لم يُخلق على صورة شيء لا يليق بخلافه شيء (٣).
ووصف القلب بالعرش المجيد وأنه لو ألقي عرش الرحمن وما فيه في زاوية من قلب العارف لما أحس به صاحبه لأن القلب جامع للعناصر والأفلاك والعرش والكرسي ... بل لصار العرش مضمحلا ومتلاشيا، ومن هذا القبيل كلام بعض المشايخ الذين صدر عنهم وقت غلبة السكر كقولهم: إن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الإلهي» (٤).
وللتعريف بمعنى الشهود عند النقشبندية يقرر صاحب الرشحات أن للشهود معنيين: أحدهما: شهود الذات المبرأة عن الظهور في لباس المظاهر. يفسر الكوثري ذلك أكثر بما نقله عن الإمام الرباني في مكتوباته أن الكمال في «التوحيد الوجودي: ظهور أن العبد والرب: رب» (٥).
ولهذا يقسم النقشبنديون التوحيد إلى قسمين: ١ - توحيد وجودي: بمعنى أن تؤمن أنه لا موجود إلا واحد وهو الله. وأن كل ما سواه معدوم. قاله السرهندي. أضاف: ومثل هذا التوحيد قول الحسين بن منصور الحلاج: أنا الحق، وقول أبي يزيد: سبحاني ما أعظم شأني (٦).
٢ - توحيد شهودي: أن لا تشاهد في الكون إلا الله.
وإذا كان ما سوى الله معدوما وهو كالظل، لا وجود حقيقي له ففعل ما سوى الله أيضا ليس فعلا حقيقيا وإنما هو فعل الله في الحقيقة.
стр. 3718
نعم أقر السرهندي هذا القول فزعم أنه لما كانت إرادة البشر مخلوقة لله تعالى من غير تأثير لها في حصول المراد كانت تلك الإرادة كالميت ... فلذلك فالتأثير أيضا مخلوق فيها ... ففي تأثيرها لا اختيار له أصلا فيكون تأثيرها كالجماد، ثم انتهى إلى التصريح بأن المؤثر في الأفعال إنما هو قدرة الله تعالى لا تأثير لقدرة المخلوق كما هو مذهب علماء المتكلمين (١).
وهؤلاء يصيحون في وجه ابن تيمية: من أين لك تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات؟
أما أن يقسموا التوحيد إلى قسمين كل منهما ينفي وجود ما خلق الله ويجعلون الخالق والمخلوق شيئًا واحدا فهذا تقسيم مشروع! ويصرح صاحب كتاب (مدارج السبع) بأن «الصوفية الوجودية هم القائلون بوحدة الوجود مثل الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وغيره ﵏ الذين كانوا أرباب التوحيد، وأنهم معذورون لغلبة حالهم» (٢).
فالتوحيد لفظ شرعي شريف صار هؤلاء يطلقونه ويصطلحون فيما بينهم على أن معناه وحدة الوجود. فلا تغتر بلفظ التوحيد إذا ذكره النقشبنديون فإنهم يريدون به الفناء بالله ووحدة وجود الممكن بالواجب. تعالى الله عما يقولون.
стр. 3719
المطلب العاشر: البشر عند النقشبنديين ظلال أسماء الله وصفاته ويحكي السرهندي أنه بالوصول إلى العالم العلوي ينتهي إلى امتزاج العدم بالوجود الذي هو منشأ الإمكان ... وبالسير إلى الله تتم دائرة ظلال الأسماء الواجبة ويحصل للسائر الوصول إلى مرتبة الأسماء والصفات، وفي هذا الموطن يتحقق الشروع في حقيقة الفناء. فإن هذه الأسماء هي في الحقيقة كالحجب، ساترة لوجه حضرة الذات تعالت وتقدست (١).ثانيهما: شهود الذات من لباس المظاهر من غير وصف الكثرة بل بنعت الوحدة ويقال لهذا الشهود عند الصوفية شهود الأحدية في الكثرة وكان رسول الله ﷺ على هذا الشهود بعد البعثة» (٢). وقد عبر نقشبندي آخر وهو محمد مصطفى أبو العلا عن هذا الشهود بقوله «فإذا داوم المريد على المراقبة ترقى إلى مرتبة المشاهدة بأن ينكشف له بعين البصيرة أن أنوار وجود وحدة الذات الإلهية محيطة بجميع الأشياء وأنه تعالى متجل بصفاته وأسمائه في مصنوعاته» (٣).قال صاحب الرحمة الهابطة: «قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته». وذكر تندم اللقاني (٤) على قتل الحلاج وأن قاتله لو فهم مقصوده من كلامه لما وجد مساغا لقتله (٥).بل صرح مشايخهم كالسرهندي وغيره بأن «سائر الموجودات مظاهر الأسماء الإلهية ومرايا شؤوناته وكمالاته الذاتية» وأن هذا العالم إنما هو مظهر لظهور كمالات الأسماء والصفات الإلهية (٦). وأن الله كان كنزا مخفيا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملاء. وأن أشخاص العالم ظلال الأسماء والصفات حيث يخرج السالك عن أوصافه ويتصف بأوصاف ذلك الظل، وإن حصل للسالك الترقي عن هذا الظل ينصبغ بلونه ويصل إلى الأصل الذي هو اسم من الأسماء الإلهية: وحينئذ تصير القطرة بحرا والحصاة جبلا ... فلما حصل للسالك الفناء والبقاء: صار بحرا وجبلا» وهذا عندهم هو السير للتحلي بأسماء الله وصفاته ويسميه السرهندي «السير الأسمائي والصفاتي» ويحدد هذا السير بأنه «نهاية عروج الأنبياء والأولياء أولا إلى أسماء إلهية هي مبادئ تعينات وجودهم» (٧).ويقول عبيد الله أحرار: «كمال الحمد أن يحمده العبد ويعرف أنه لا حامد إلا هو تعالى. وأنه - أي العبد - عدم محض لا رسم له ولا اسم ولا فعل وإنما يبتهج سرورا بكونه تعالى جعله مظهرا لصفاته (٨) ... فإنه إذا تجلى الحق على قلبه - أي السالك - بالتجلي القهري يمحو منه الغير والسوا، فلا يبقى فيه إلا هو (٩) فلا جرم يسمع في هذا القلب: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار، وسبحاني ما أعظم شأني وأنا الحق وهل في الدارين غيري» (١٠).
وقد أورد صاحب (الرشحات) تساؤلا أبداه أحد الحاضرين للشيخ سعد الدين النقشبندي ونصه ما يلي «إذا كان لا وجود غير وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق وأن الظاهر في لباس المظاهر واحد: فما معنى مخالفة أهل الإسلام لأهل الكفر ومنازعتهم إياهم؟
أجاب الشيخ: لما كان وجود الحق سبحانه الذي هو الوجود المطلق الذي لا وجود غيره عند محققي الصوفية مقترنا بالتعينات والنسب والاعتبارات ونحوها من النعوت التي تلحقه بواسطة تعلقه بالمظاهر: جرى كل واحد من أفراد الممكنات بمقتضى مبدأ تعينه الذي هو حقيقته فأفضى ذلك إلى نزاع موسى ﵇ بموسى السامري لاختلاف مبدأ تعينهما. فإذا ارتفعت تلك النسب والاعتبارات بحكم (وإليه يرجع الأمر كله) يرجع موسى إلى الاتفاق كما كانا على ذلك قبل عروض التعين والمراد بموسى الثاني هو السامري، فإن اسمه موسى أيضا فإن أمه ربته بين الجبال فرباه جبريل ﵇ كما قيل:
إذا الطفل لم يكتب حنينا تخلفت ... ظنون مربيه وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل (١١). ...
стр. 3720
المطلب الحادي عشر: تصريحهم بوحدة الوجود
كان بعض النقشبنديين يعتبون علي ويقولون: أنت تتصدى لمن يقولون لا إله إلا الله. لماذا لا تكرس جهودك ضد أعداء التوحيد وتترك الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وشأنهم؟!
ولكن ماذا تعني لا إله إلا الله عند هؤلاء؟ ولقد قال النقشبنديون: «معنى كلمة لا إله إلا الله بالنسبة إلى حال المنتهين: لا معبود إلا الله. وبالنسبة إلى حال المتوسطين: لا مقصود إلا الله. وبالنسبة إلى حال المبتدئين: لا موجود إلا الله» (١).يقول صاحب الرشحات: «قال بعض الأكابر في معنى لا إله إلا الله: أحيانا يقول في مرتبة سلوكه: لا معبود إلا الله وأحيانا لا مقصود إلا الله وأحيانا لا موجود إلا الله» (٢).وذكروا أن (لا إله إلا الله) ذكر العوام. و (الله) ذكر الخواص و (هو) ذكر خواص الخواص (٣). هكذا جعلوا (هو) أفضل وأعلى مرتبة في الذكر من لا إله إلا الله.
فهم يقولون: لا إله إلا الله ويفهمون أن الموجود الحقيقي ولا غير هو الله بل هو متجل في صور المخلوقات التي نراها كلها!!! ويستحق المرء عندهم أن يوصف بأنه عالم بعلم التوحيد «إذا اعتقد توحيد الأفعال والصفات والذات وتقرر في قلبه أن لا فاعل في الوجود إلا الله. فحينئذ يقال لمثل هذا: إنه عالم بعلم التوحيد» (٤).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص ٣٨ فما بعدها
стр. 3721
المطلب الأول: الطريقة النقشبندية على ثلاث طرق
وقد قسم شيخ الطريقة النقشبندية السرهندي الطريقة النقشبندية إلى ثلاث طرق:
الأولى: قائلون بأن العالم موجود في الخارج بإيجاد الحق.
الثانية: يقولون بأن العالم ظل الحق سبحانه. وأن الوجود قائم بوجود الحق قيام الظل بالأصل. مثلا: إذا امتد الظل من شخص وجعل ذلك الشخص من كمال قدرته وصفات نفسه منعكسة فيه».وقد زعم السرهندي أنه غلبته الحال حتى وصل إلى مقام الظلية ووجد نفسه وسائر العالم ظلا كما تقول به الطائفة الثانية من النقشبندية. ظنا منه أن الكمال في وحدة الوجود (١).
الثالث: قائلون بوحدة الوجود. أي في الخارج موجود واحد فقط: وهو ذات الحق ... ويقولون: إن الحق متصف بصفات وجوبية وإمكانية، ويثبتون مراتب التنزلات، ويقولون باتصاف الذات الواحدة في كل مرتبة وأحكام لائقة بتلك المرتبة، ويثبتون للذات التلذذ والتألم، ولكن لا بالذات بل في حجب هذه الظلال المحسوسة الموهومة. ويلزم من هذا محظورات كثيرة شرعا وعقلا ... وهؤلاء الطائفة وإن كانوا واصلين كاملين ولكن كلامهم دل على طريق الضلالة والإلحاد وأفضاهم إلى الزندقة والإلحاد. فحكم بأن قولهم عين الزندقة والضلال ثم وصفهم بأنهم من الواصلين الكاملين (٢). مع أنه اعتذر عن القائلين بوحدة الوجود بأن قولهم بوحدة الوجود سببه السكر وغلبة المحبة لله (٣).غير أنه وافقهم على ذلك في كثير من أقواله، فزعم أنه لما وصل إلى مقام الفناء في الله «رأيت نفسي وكل فرد من أفراد العالم بل كل ذرة منه: الحق جل وعلا ورأيت نفسي عين جميع الذرات حتى وجدت تمام العالم مضمحلا في ذرة واحدة ... ثم وجدت صور العالم وأشكاله عين الحق تعالى موهومة ... فتذكرت عبارة (الفصوص) (٤) حيث قال: «إن شئت قلت: إنه أي العالم حق، وإن شئت قلت: إنه خلق. وإن شئت قلت: إنه حق من وجه ومن وجه خلق ... وبعد ما شرفت بعد الفناء بالبقاء لم أجد غير الحق ووجدت جميع الذرات مرآة لشهوده سبحانه. ولما رجعت إلى نفسي وجدت الحق سبحانه مع كل ذرة من ذرات وجودي» (٥). واعترف بأن عبارة (الفصوص) مشعرة بعدم التمييز بين الله وبين خلقه. وقد صدق في اعترافه هذا. وقد تقدم اعتراف مؤلف نقشبندي آخر بأن «الصوفية الوجودية هم القائلون بوحدة الوجود مثل الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وغيره ﵏ الذين كانوا أرباب التوحيد، وأنهم معذورون لغلبة حالهم» (٦).
السرهندي يقول: وجدت الله عين نفسي. يقول أحمد السرهندي: «وجدت الله عين الأشياء كما قاله أرباب التوحيد الوجودي من متأخري الصوفية ... ثم وجدت الله في الأشياء من غير حلول وسريان، ثم وجدته سبحانه معها بمعية ذاتية، ثم رأيته بعدها ثم قبلها ثم رأيته سبحانه وما رأيت شيئًا وهو المعني بالتوحيد الشهودي وهو المعبر عنه بالفناء فوجدت الله عينها بل عين نفسي، ثم وجدته تعالى في الأشياء بل في نفسي ثم مع الأشياء بل مع نفسي» (٧).وسئل شاه نقشبند عن قول البعض «إذا تم الفقر فهو الله». فقال: هذا إشارة إلى الفناء. وأنشد يقول (٨):
стр. 3722
من كان لم تكن ... لم يك إلا الله
وإذا فنيت من بقي ... لم يبق إلا الله
وقد تركوا للحلاج تبيين معنى وحدة الشهود فقالوا: هو كقول الحلاج: أنا الحق. وقول أبي يزيد: سبحاني (١).ومقصودهم بالتوحيد الوجودي وحدة الوجود بين الله وخلقه. والدليل على ذلك قولهم: إنه يجب على الشيخ أن يشغل المريد في ابتداء أمره بظواهر الشريعة ويغلق عليه باب الكلام في التوحيد المطلق. فإن من فتح هذا الباب على مريديه ربما تزندقوا فخسروا الدارين (٢).
ونحن نسأل كيف يؤدي التوحيد وعبادة الله إلى أقوال الزندقة إلا أن يكون للتوحيد عندهم معنى آخر وهو وحدة الوجود. وبالطبع، الكلام عن التوحيد على منهج الأنبياء لا يؤدي إلى الزندقة وخسارة الدارين بل من حقق التوحيد دخل الجنة. وإنما التوحيد عند النقشبندية عبارة عن وحدة الوجود ويسمونه توحيدا: تمويها وخوفا من التشنيع والتكفير (٣).وقال في (تنوير القلوب) «قال أبو سعيد الخراز: إذا أراد الله أن يوالي عبدا من عبيده فتح عليه باب ذكره. فإذا استلذ الذكر فتح عليه باب القرب. ثم رفعه إلى مجالس الأنس. ثم جعله على كرسي التوحيد (٤). ثم رفع عنه الحجاب وأدخله دار الفردانية وكشف له حجاب الجلال والعظمة. وإذا وقع بصره على الجلال والعظمة بقي بلا هو فحينئذ يصير العبد زمنا فانيا.
ثم أنشد صاحب (التنوير) يقول:
وبعد الفناء في الله كن كيفما تشاء ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر (٥)
يقول شيخهم محمد بارسا: «إن حقيقة الذكر عبارة عن تجليه سبحانه لذاته بذاته في عين العبد» (٦). وهكذا يصبح الذاكر عندهم عين المذكور وبالعكس.
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا [النجم: ٢٩] أي أعرِض عمن استغرق واستهلك في ذات الله. واحتج بما قاله محيي الدين بن عربي:
ألا بذكر الله تزداد الذنوب ... وتنطمس البصائر والقلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا ... فإن الشمس ليس لها غروب (٧)
- حكى صاحب (الرشحات) أن السالكين يرون الحق سبحانه بالتجليات الصورية، حتى أنه يتجلى في جميع صور الأشياء من معادن ونباتات وحيوانات وإنسان ... وغاية التجلي الصوري وأفضله أن يتجلى الله للسالك في صورة صاحب التجلي ... ومنشأ هذا الظهور قول القائل: سبحاني، وأنا الحق، وما في الجبة إلا الله، وهل في الدارين غيري. وأمثال ذلك من أدلة حصول التجلي (٨).
وقد زعموا أن هذه الحالة هي حالة سكر وتوهم وخطأ يحصل عند الذاكر في سكرته فيحصل له ما يشبه الوحدة بالله ولهذا تصدر عنهم هذه الكلمات وتلك الأحوال. فإذا أفاقوا عرفوا أن ما حدث لهم يشبه الاتحاد. ويخرج على ألسنتهم كلام الشطح والكفر لحصول قمة الصلة بالله! وحينئذ يقول: أنا الحق وسبحاني (٩).
стр. 3723
المطلب الثاني: هل تتسبب العبادة الصحيحة في التلفظ بالكفر ؟!
وبالطبع فهذه النتيجة الخطأ دليل على أن العبادة خطأ وعلى أن الشيطان يستحوذ عليه. فلو كان هذا الذكر متوجها إلى الله توجها صحيحا لما أثمر الكفر وانتهى بادعاء الذاكر للألوهية!!!
وحرم الله الاقتراب من الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] , وهؤلاء يدعون أن العبادة هي سبب السكر وتعطل العقل! وذكر صاحب كتاب (الرشحات) أن رجلا سأل المولى بهاء الدين عمر عن قول القائل: (الممكن عين الواجب) فرجع عن هذا الكلام وقال: (بل الواجب عين الممكن) فقال: ما هناك فرق بين الكلامين. فلم يتجاسر أحد في الجواب ولم يقولوا شيئًا» (١). وقد صرح صاحب (السبع الأسرار) أن حقيقة مقام الفناء هو فناء السالك هو «اتحاد وجود الممكن بوجود واجب الوجود وذلك نسبة لغلبة التوحيد وقوة ظهور الوحدة على بصيرته» (٢).- وذكر في قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] , أن المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الأحدية لا يترك فيه شيئًا غيره فيلقي إليه صدى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فإذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] , ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (٣).- وصرح نقشبندي آخر بأن «وجود الحق مثل المرآة: ووجود الممكنات مثل الصور التي تنجلي في المرآة. فوجود المرآة حقيقي. ووجود الصور فيها وهمي وخيالي» (٤).
стр. 3724
المطلب الثالث: الاتحاد بذات الله وصفاته وأفعاله ويذكرون أنه عندما يتجلى الله للعبد بذاته يجد العبد جميع الموجودات وصفاتهم وأفعالهم متلاشية في أشعة ذاته تعالى وصفاته وأفعاله ويجدها بالنسبة إليه كالأعضاء إلى البدن ... ويرى ذاته وذات الحق وصفاته وصفات الحق وأفعاله مع الأفعال الحق متحدة لكونه مستهلكا في عين التوحيد، ولا يرى شيئًا غير الله. فيرى الصور الموجودة هي الله عينه وهذا ما يسمونه بالتجلي الصوري لله (١). هذا قول السرهندي. وذكر صاحب الرشحات «أن المريد إذا سلك طريق المذلة والمسكنة يحصل له الفناء حتى يرى جمال الشاهد اللاهوتي في مرآة انعدامه» (٢).قال عبد الكبير: «بينما أنا في الطواف إذ هبت الريح وحركت أستار الكعبة وانكشفت بعض جدرانها فحصل لي منه «كيفية» وسقطت مغشيا علي، وتوجهت نحو حضرة الشيخ فقال لي: ما ترى في البيت فهو غير محدود بل هو في الجبال وفي الجدار وفي السماء وفي الأرض وفي الحجر وفي المدر: موجود ومشهود بل كل ذلك هو هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو الله الذي لا إله إلا هو» (٣).
стр. 3725
المطلب الرابع: بالفناء يخرجون عن طور البشرية إلى الألوهية وإذا حصل الفناء بالله عندهم صاروا طورا آخر غير الطور البشري. وبعد ورود الفيض يترقى السالك حتى تنقص مناسبته عن طور البشرية، فترتفع عنه صفات البشرية. (١) قال بهاء الدين نقشبند «كنت في بستان فغلبت علي الجذبات الإلهية فحصل لي غيبة اتصلت بالفناء الحقيقي وحقيقة الفناء في الله ورأيت أني في صورة نجم في بحر من بحور بلا نهاية ثم بعد ست ساعات رُدَتْ إليّ بشريتي شيئًا فشيئًا» (٢).
ولعلك تسأل عن معنى قوله: (فعادت إلي بشريتي شيئًا فشيئًا)؟
فإلى أي مادة تحول بعد خروجه من طور البشرية؟ بالطبع إذا حصل الفناء بالله فهو خروج عن الطبيعة البشرية إلى الطبيعة الإلهية. لا سيما وأنه يتلفظ بألفاظ الكفر (أنا الحق وسبحاني) الشبيهة بقول فرعون: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:٣٨] وأَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:٢٤].
стр. 3726
المطلب الخامس: هل العشق أعظم من المحبة ؟
تبين مما تقدم أن مرتبة الفناء في الله والخروج عن طور البشرية يعتبر غاية الغايات عند النقشبندية وأن كل أذكارهم وطقوسهم إنما هي لأجل ذلك. وجعل محمد أمين الكردي العشق لمرتبة خواص الخواص: «ومحبتهم لله عبارة عن التعشق الذي ينمحي به العاشق عند تجلي نور معشوقه» (١). مع أن الله لم يذكر مرتبة أفضل من مرتبة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] وكذلك ((لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) (٢). ولم يقل: (يفنى فيهم ويفنون فيه) أو: (يعشقهم ويعشقونه). ولا يتصور مؤمن أن يحب الله أحدا أكثر من رسوله وأصحاب رسوله ولم يقل منهم أحد أنه يعشق الله أو أن الله يعشقه. وهذا هو قول العز بن عبد السلام.
والعشق لفظ أفتى ابن عبد السلام بمنع استخدامه فيما يتعلق بمحبة الله كما في فتاويه (ص ٧٢). وقال ابن الجوزي: «العشق عند أهل اللغة لا يكون إلا لما ينكح». ونقل عن أبي الحسن النوري أنه سمع رجلا يقول: «أنا أعشق الله وهو يعشقني. فقال له: سمعت الله يقول يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] , وليس العشق بأكثر من المحبة» وإنما يكثر التكلم عن الفناء والعشق عند الهندوس البراهمة كما اعترف به النقشبنديون بأن ما يحصل لهم من المكاشفات والتجليات والفناء في الله شبيه بما يحصل للهندوس البراهمية فقالوا: «وبراهمية الهند وجوكية وفلاسفة اليونان لهم كثير من قسم التجليات الصورية والمكاشفات المثالية والعلوم التوحيدية وليس لهم من نتائجها سوى الفساد والفضاحة ولا نصيب لهم من الرحمن» (٣).
ولكن كيف سلموا للهندوس ذلك واعتبروا ذلك منهم كشفا وتوحيدا وهم يعلمون أنهم أكثر الناس شركا مما يؤكد أنهم إذا أطلقوا لفظ التوحيد فإنهم يعنون به وحدة الوجود! وقد ذكروا أن طريقة الذكر عند النقشبندية تورث في قلب الذاكر سر التوحيد حتى يفنى عن نظره وجود جميع الخلق ويظهر له وجود الواحد المطلق في المظاهر» (٤).
وذكر عبيد الله أحرار أن الله إذا تجلى في قلب العبد يمحو منه الغير فلا يبقى فيه إلا هو، فيسمع القلب حينئذ (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (٥).وقالوا: إذا توجه الشيخ إلى قلب المريد تحصل للمريد الحركة العلمية: فيخرج من دائرة الإمكان إلى دائرة الوجوب (٦). وهذا الكلام يفهمه من يعلم ما اصطلح عليه علماء الكلام حيث يقسمون الموجودات إلى وجود واجب وهو الله، ووجود ممكن وهو كل ما سوى الله من المخلوقات. وخطر ببال أحد الواقفين أمام الشيخ محمد سيف الدين الفاروقي أن هذا الشيخ متكبر فعرف ما في قلبه وقال له: تكبري من تكبر الحق تعالى. والقصة نفسها منسوبة إلى بهاء الدين نقشبند (٧).وفي معنى قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١] , أي: أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة» (٨). فهؤلاء اتحاديون وَحْدويون حلوليون يدعون إلى وحدة الوجود.
стр. 3727
المطلب السادس: الحقيقة المحمدية حقيقة الحقيقة المحمدية عند القوم شيء ليس مخلوقا وإنما خلقت الأشياء منه أو به. وهذه عودة إلى عقيدة النصارى وفلسفتها. بما أن مادية نبينا ﷺ عند النقشبندية قد صارت في حكم المجرد لم يكن له ظل (١).
الكفر الصريح:
وانظر ماذا يخفي القوم وراء لفظ الحقيقة المحمدية لتعلم: كيف ينصر الله هذه الأمة وهي على هذا المعتقد المضاهي لعقيدة النصارى والهندوس.
يقول في الحدائق الوردية ما نصه: «اعلم أن الله تعالى لما توجه لخلق العالم خلق روحا كليا سماه حضرة الجمع والوجود لكونه جامعا لحقائق الوجود وسماه بالحقيقة المحمدية. لكون محمد ﷺ أكمل مظاهرها ..
وما زال الحق تعالى يخلق الموجودات من الحقيقة المحمدية علوية وسفلية لطيفة وكثيفة بسيطة ومركبة. وكلما خلق صورة قبضها إلى صورتها الأولى حتى انتهى الأمر إلى الإنسان فخلقه منها ولم يقبضها. فكان الإنسان صورة حضرة الجمع والوجود.
ثم خلق الله العماء الذي كان فيه الرب قبل خلق الخلق وكان أول ما خلق الله في العماء الأرواح المهيمنة والعقل والنفس الكلية. فهم مخلوقون من حضرة الجمع والوجود وهم مظاهر لها. لكن دون مظهرية الإنسان الكامل. والكمال الإنساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الإلهي. ولا يتجلى الحق إلا من خلف حجاب الكمال المحمدي إذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال إلا بها (٢).
محمد من نور لا من طين: وقد زعموا أن جسد نبينا ﷺ نوراني لأن أصل خلقته نورانية وأن روحانيته سر ملكوتي ولهذا كان لا يرى له ظل بالغدو والآصال» (٣).
ومحمد ﷺ الإنسان الأكمل فإنه لا إنسان يماثل محمدا. وكل ما عداه فهو مخلوق منه. فهو عين الوجود الصادر من الله تعالى بلا واسطة سوى الأمر فهو صورة الأمر الإلهي الذي لا صورة له في نفس الأمر. ويكذب ذلك ما رواه مسلم عن عائشة قالت: ((فقدت رسول الله ﷺ من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي في بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)) (٤) ... وفي رواية ((افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت فاذا هو راكع أو ساجد)) (٥)
فالطبيعة ظاهرة وهو باطنها بل ليست الطبيعة غير الروح إلا باعتبار كثافة بعض الصور ولطافة بعضها. فقيل: الطبيعة مغايرة للروح، فإذا أراد الله إيجاد شيء توجه إليه الروح وتوجهه عينه وعين ما توجه على المرآة هو عين وجود صورة المتوجه: عين التوجه عين الصورة ... ولهذا فتنبهوا من يصف النبي بالإنسان الكامل يخفي عن القوم تأليها للنبي قالوا: وأول الصور: النور المحمدي لما روي: ((أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)) (٦)(٧) انتهىواحتج السرهندي بقول ابن عربي: إن الجمع المحمدي أجمع وأشمل من الجمع الإلهي (٨).
فهل في الكفر أفحش من هذا الكفر ومن هذه الفلسفة المقتبسة من كتاب (الفتوحات المكية) وكتاب (الفصوص) الذي إن لم يكن فيه كفر فليس في الدنيا كفر كما قاله الذهبي. ومع ذلك يثني الكوثري الثناء البالغ على (الفتوحات) وأنه من أعظم السنوحات ويعلل سبب الطعن عليه من الجاهل لدقة مدركه (٩).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص ٥٨ فما بعدها
стр. 3728
المطلب الأول: صفات الأولياء عند النقشبندية هي صفات الألوهية
وأما أنواع الأولياء وأوصافهم فقد توسع الكمشخاتلي النقشبندي في بيان ذلك وبالغ حتى جعل لهم صفات الربوبية. فقال ما نصه: «وأما أنواع الأولياء والمتصرفين: فمنهم قطب الأقطاب وقطب الإرشاد وقطب البلاد وقطب المتصرفين. وهم الكلمات الجامعة الإلهية. وقدرتهم القدرة الذاتية ... وهم أقطاب العالم وهؤلاء الأوتاد نوابهم: لا موت ولا عارض ولا صعق ولا تغير لهم (١)».
فهكذا صرح بأنهم لا يموتون ولا يتغيرون ولا تؤثر عليهم عوارض الدنيا.
يتابع فيقول:
ومنهم الاثنا عشر نقيبا: وهم مطلعون على تأثيرات الكواكب التي تنزل على البروج.
ومنهم النجباء وهم ثمانية عدد السموات مع الكرسي: وهم واقفون على أحوال النجوم ومطلعون على أسرار النجوم والكرسي والعرش.
ومنهم: ثلاثمائة رجل من الأولياء على قلب آدم.
ومنهم أربعون على قلب نوح.
ومنهم سبعة غير الأبدال السبعة على قلب إبراهيم.
ومنهم خمسة على قلب جبريل.
ومنهم ثلاثة على قلب ميكائيل.
ومنهم واحد على قلب إسرافيل. وعلمه علم إسرافيل جامع للقبض والبسط وعلى هذا المشرب أبو يزيد البسطامي.
ومنهم ثمانية عشر قائمون بحقوق الله وظاهرون بأمره ويحكمون بما أراد الله.
ومنهم خمسة عشر رجلا وهم المسمون رجال الحنان والعطف الإلهي.
ومنهم أربعة يسمون رجال الهيبة والجلال وهم يمدون بالأوتاد الأربعة: قالبهم روحاني وقلبهم سماوي معروفون في السماء مجهولون في الأرض وعلمهم مما لا يتناهى.
ومنهم رجال الاشتياق وهم خمسة.
ومنهم رجال الأيام الست ... وهذه الأيام مقالة الصفات السبع: الأحد موجود من صفة السمع. والاثنين من صفة الحياة والثلاثاء من صفة البصر. والأربعاء من صفة الإرادة، والخميس من صفة القدرة. والجمعة من العلم. والسبت من الكلام. وكل واحد نال من مظهرية صاحبه: فافهم».
يزعمون أن قدم الجيلاني على رقبة كل أولياء الله.
الصوفية هم الطاعنون في الأولياء:
وبعد هذا نسأل: من هم الطاعنون في الأولياء؟ الصوفية هم الذين زعموا أن عبد القادر الجيلاني قال: «قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى». صرح السرهندي بأن السهروردي سمعها من عبد القادر نفسه، إذ كان مصاحبا له. (٢)
وهذا طعن بالنبي وصحابته لأن النبي أعظم أولياء الله يليه الصحابة. وعبد القادر لم يخصص جماعة من الأولياء دون آخرين بأنهم تحت قدمه بل أطلق وعمم أن كل ولي لله فهو تحت قدمه. فمن الطاعن في أولياء الله؟! وحقيقة الأمر أن الصوفية قد كذبوا على لسان نبيهم، وكل واحد منهم يزعم أنه يراه يقظة بين الآونة والأخرى فكذبهم على سواه من باب أولى. وقد كذب الحافظ ابن رجب هذه الرواية عن الجيلاني واتهم راويها (الشطنوفي) بالوضع والكذب (٣).
стр. 3729
المطلب الثاني: الأولياء خالقون عند صاحب (الرشحات) ! بل قد نسبوا إلى الأولياء الخالقية فقال صاحب (الرشحات): «قال حضرة شيخنا: قد أعطي بعض العارفين قدرة على كل ما أرادوا خلقه» (١).ولهم نظر آخر وراء القوة المبصرة: يرون به الأشياء في ليلة مظلمة من مواضع بعيدة ولا يكون البعد المكاني مانعا عن هذا النظر» (٢).
стр. 3730
المطلب الثالث: مشائخهم فعالون لما يريدون !! هكذا أثبتوا صفات مشايخهم فقال صاحب (الرشحات): «كما أن معارضة القرآن غير ممكنة فكذلك معارضة الأولياء أصحاب الهمة (١) فإن همة العارف فعالة لا يتخلف المراد عنها فمن عارض تلك الهمة يصير مغلوبا البتة. وضرب لذلك مثالا، فحكى أن سعد الدين الكاشغري وغيره كانوا يمتحنون قوة همتهم فيذهبون إلى أمكنة المتصارعين فيتوجهون بهمتهم إلى أحد المتصارعين وهو ضعيف فيتغلب على خصمه وإن كان أقوى منه. وأن قوتهم لا يقف في وجهها ولا حتى مائة ألف رجل فإن في أكابر سلسلتهم تصرفات يحصل كلما يريده خواطرهم. والعجيب قوله أن مثل هذه الهمة تحصل حتى للكافر إذا توجه بخاطره إلى أمر وصرف همته إليه يحصل له ذلك الأمر وليس الإيمان والعمل الصالح شرطا فيه (٢).ولمزيد تخويف العامة من الاعتراض فقد حكوا أن أحد أولياء النقشبنديين اعترض عليه رجل فعاقبه هذا الولي بمرض الإسهال. فصار يقعد بين النجاسات والقاذورات ويضعها في أنفه ويقول: نعم الشيء المسهل ويعمل من نجاسته دمى يلعب بها ثم تقطعت أمعاؤه ومات بسبب شدة مرض الإسهال الذي أصابه به الولي (٣).وكلام الصوفية عن الخوارق لا يمت إلى الواقع بصلة فإن التاريخ لا يثبت لواحد منهم شيئًا من هذه القوة الخارقة المزعومة بالرغم من المغالطات العجيبة في كتبهم فقد زعموا أن فتح السلطان محمد الفاتح للقسطنطينية إنما تحقق حين طلب السلطان المدد من عبيد الله أحرار النقشبندي فظهر له الشيخ راكبا على فرس أبيض وقال له: لا تخف. فقال له السلطان: كيف لا أخاف وعسكر الكفار كثير؟ قال السلطان: فأراني الشيخ في كمه فإذا فيه عساكر لا تحصى. وقال له: جئتك بهذه العساكر لإعانتك» (٤).
فأبشروا يا مسلمين، هناك جنود مجندة في أكمام مشايخ الطريقة.
ولكن؛ لماذا يخبئونهم في أكمامهم؟ وفلسطين لا تزال تحت الاحتلال.
متى سمع المسلمون المغترون بترهات التصوف أن الطريقة الصوفية استردت أرضا مسلوبة؟
إن التاريخ لا يذكر للصوفية شيئًا من هذه الحكايات الغريبة. فأين كانوا يوم دخل التتار ويوم دخل الصليبيون؟ وأين هم اليوم واليهود والنصارى في الشرق والغرب يحتلون بلاد المسلمين؟ إنها دعاوى لا تعدو أوراق وكتب الصوفية الصفراء. إن الذين امتلأت كتبهم بالروايات الموضوعة والمكذوبة لم تخل من باب أولى من القصص والحكايات المكذوبة أيضا. وذكروا أيضا أن الشيخ منصور البطائحي ـ خال الشيخ الرفاعي ـ حضر معركة بين جيش العراق وجيش العجم لم تقع بعد. فصفق بيده فتصادم الجيشان، ثم قبض اليد اليسرى وقال: هذه لجيش العجم. فظهر جيش العجم على جيش العراق. فلما بسطها ظهر الجيش العراقي وهزم الجيش العجمي هزيمة ساحقة (٥).
стр. 3731
المطلب الرابع: يعلمون الغيب وما في الصدور وقد صرح النقشبنديون بأن مشايخهم يعلمون ما يختلج في صدور الناس، فقال الدهلوي: «وللنقشبندية تصرفات عجيبة من التصرف في قلوب الناس والإشراف على خواطر الناس وما يختلج في الصدور» (١).لما حصل للشاه نقشبند التكليف والولاية للطريقة اجتمع مع سلفه من أصحاب الطريقة (أمواتا) فأعطوه علامات قبول ولايته وقالوا له: «تذهب غدا عند مولانا شمس الدين الأبنيكوني وتخبره بأن ما يدعيه فلان التركي صحيح، والحق مع التركي فإن أنكر السقا صحة هذه الدعوى فقل له: عندي شاهدان: الأول أنك يا سقا عطشان، فهو يعرف معنى هذه الكلمة. والثاني أنك أتيت امرأة أجنبية فحملت منك فسعيت بإسقاط الحمل ودفنته في الموضع الفلاني ... ثم اذهب إلى نسف (٢) لخدمة السيد أمير كلال وستجد في المحل الفلاني شيخا يعطيك رغيفا حارا فخذه منه ولا تكلمه ... وامض على طريقك فتمر على قافلة إذا تجاوزتها استقبلك فارس فانصحه فإنه ستكون توبته على يديك» (٣).ويحكون عن الشيخ عبيد الله أحرار أنه «ما من خاطر إلا وقد اطلع عليه» (٤).وزعم الكوثري أن أبا الحسن الشاذلي قال: «أطلعني الله على اللوح المحفوط فلولا التأدب مع جدي رسول الله لقلت: هذا سعيد وشقي» (٥).ونقلوا عن إبراهيم الدسوقي قوله لمريديه: «يا أولادي إن صح عهدكم معي فأنا قريب منكم ... فلو كان أحدكم بالمشرق وأنا بالمغرب وورد عليكم من المشكلات شيء تستخيرون به ربكم فوجهوا وجوهكم إلي، وافتحوا عين قلبكم فإنكم تروني جهارا وتستشيروني في جميع أموركم فمهما قلته لكم فاقبلوه وامتثلوه ... هكذا جرت سنة الله مع أوليائه» (٦).ومن كرامات الشيخ أحمد ضياء الدين أن أحد مريديه حدثته نفسه أن يسأل حضرة الشيخ ظهور كرامة فكاشفه الشيخ في الحال بما في نفسه وقال له: الاستقامة خير من ألف كرامة» (٧).وخطر ببال أحد الواقفين أمام الشيخ محمد سيف الدين الفاروقي أن هذا الشيخ متكبر فعرف ما في قلبه وقال له: (تكبري من تكبر الحق تعالى) والقصة نفسها منسوبة إلى بهاء الدين نقشبند (٨).وأما محمد الخاني النقشبندي فكان يخبر بالأمر قبل أن يقع فيقع كما أخبر وكان في الاطلاع على خواطر المريدين مرآة صقيلة يلوح فيها أدنى الخطرات كأعلاها. وكان لا يسأل مريده عن أحواله أبدا بل هو الذي يخبر المريد بأطواره (٩).
стр. 3732
المطلب الخامس: لا يبالون بالجنة ولا بالنار
وأنشد محمد أمين الكردي هذين البيتين إلى ربه
أحبك لا أرجو بذلك جنة ... ولا أتقي نارا وأنت مراد
إذا كنت لي مولى فأية جنة ... وأية نار تتقى وتراد (١)
ونقل قول رابعة العدوية: «ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن لوجهك الكريم». وقول أرسلان الدمشقي: «من عبد الله لأجل الجنة والنار فهو طاغوت» (٢).
وهذه هي المرة الأولى يتحدث فيها صوفي عن الطواغيت. ولكن الطواغيت عنده هم الذين يرجون ثواب الله ويخافون عقابه، ويسألونه جنته ويخافون نيرانه. وقد جهل هؤلاء أن الخوف من النار ورجاء الجنة عبادة بحد ذاتها لله . وقد أمرنا الله بما تنهانا عنه رابعة العدوية فقال وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦] , قال الطبري: «أي لا تشركوا في عملكم لله شيئًا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه. وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذبين لأن من لم يخف عقاب الله ولم يرج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه» (٣).وقال رسول الله: ((لا يجتمعان - يعني الخوف والرجاء - في قلب عبد في مثل هذا الموطن - أي عند الاحتضار - إلا أعطاه الله الذي يرجو وأمنه مما يخاف)) (٤).
وما قاله الطبري حق. فإن مطالبة الصوفية بحب الله حبا مجردا من طلب الجنة واجتناب النار زادهم جرأة وزندقة فاسمع ما تتناقله كتب النقشبندية عن أبي يزيد:
أريدك لا أريدك للثواب ... ولكني أريدك للعقاب (٥)
وحكى عنه ابن الجوزي أنه قال: «إن لله عبادا لو بصقوا على جهنم لأطفئوها» «ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم، فسأله رجل: ولم ذاك يا أبا يزيد؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة للخلق» ثم قال: «اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري» وقال: «وما النار؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي» (٦).وكان يقول فيما تتناقله كتب النقشبنديين «إن لله عبادا لو حجبهم في الجنة عن رؤيته لاستغاثوا بالخروج من الجنة كما يستغيث أهل النار للخروج من النار» (٧).
стр. 3733
المطلب السادس: يقولون للشيء: كن فيكون . قال صاحب (نور العرفان) «وسئل أحد أكابر الأئمة عمن قال: أن من كرامات الولي أن يقول للشيء: كن فيكون. فنهى أحدهم هذا القائل عن ذلك؟ فقال - أي لمن نهاه - من أنكر ذلك فعقيدته فاسدة. فهل ما ادعاه صحيح - أي أن من كرامات الولي أن يقول للشيء: كن فيكون؟ فأجاب بأن ما قاله صحيح إذ الكرامة الأمر الخارق للعادة يظهره الله تعالى على يد وليه» (١).وقال الدهلوي: «وللنقشبندية تصرفات عجيبة من التصرف في قلوب الناس» (٢).فمن ذلك تصرف الشيخ عبد الله الدهلوي في باطن المريدين وإلقاء الفيوضات والأسرار في صدورهم، ومن كراماته أيضا أن زوجة أحد أصحاب هذا الشيخ قد مرضت، فالتمس من حضرته أن يدعو الله تعالى بتخفيف مرضها فلم يفعل، فألح عليه، فقال له لا تبقى هذه المرأة أكثر من خمسة عشر يوما، فبقدرة الله تعالى توفيت يوم الخامس عشر» (٣).وقالوا عن محمد الخواجكي الأمكنكي: «ليس من ذرة في العالم الا وهو يمدها بالروحانية» (٤).
أفلا تصدق أيها الغيور أن هذه الأمة قد ابتليت بالتشيع وركبت سنن من قبلها؟
أهذه التعاليم التي نادى بها سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه؟
стр. 3734
المطلب السابع: من تصرفات الأولياء
وحكى محمد أسعد صاحب زادة أن للأولياء الكاملين ثلاثة أنواع من التصرفات: الأول: التجسد والتمثيل بالصور: كتجسدهم في الصور في أمكنة متعددة في وقت واحد. وتسميه الصوفية بعالم المثال: وبنوا عليه تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة .. واستأنسوا بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧] , (١). وأكد ذلك خالد البغدادي وأن الروح تظهر في سبعين ألف صورة في دار الدنيا (٢).الثاني: التصرف في الأجساد النورانية كجسد نبينا محمد لأن أصل خلقته نوراني وروحانيته سر ملكوتي: فلهذا يعتقدون أن النبي لا ظل له (٣).وكما أن الشيطان لا يتمثل بصورة النبي فكذلك لا يستطيع أن يتمثل بصورة الشيخ ولذا تظهر صور المشايخ في مناطق مختلفة في آن واحد، ويمكنهم الله من الظهور بصور عديدة بلا حصر وقد يكون لهم صورة واحدة تملأ الكون. (٤)
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص ٧٢ فما بعدها
стр. 3735
المطلب الثامن: من كرامات مشايخ الطريقة حكي أن محمد أمين الكردي «زار قبر النبي يونس ﷺ وفجأة رفع الله الحجاب بينه وبين صاحب القبر فرآه جالسا والأنبياء جلوسا حوله. وهم ينتظرون مجيء سيد البشر محمد بن عبد الله» (١)
стр. 3736
المطلب التاسع: لهم الثواب والعقاب وأهديت لبهاء الدين نقشبند سمكة مطبوخة وكان عنده شاب زاهد عابد فقال للشاب: أفطر فلم يقبل الشاب فقال له: أفطر وأنا أهبك صوم يوم من شهر رمضان، فأبى فقال له: أفطر وأنا أهبك صيام أيام شهر رمضان. فأبى فقال بهاء للناس: دعوه فإنه من المبعدين. فنظراً لانهماكه في أوامر أهل الله ابتلاه الله بالانهماك في الدنيا والإعراض عما فيه من سعادة العبادة» انتهى. وهذه القصة مقتبسة من (الرسالة القشيرية) (١).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص٩٥ - ٩٧
стр. 3737
المطلب الأول: الغلو وتقديس المشايخ
وللمؤلفين النقشبنديين طريقة عجيبة في مدح مشايخهم فيقتبسون من آيات القرآن ألفاظا يستخدمونها في مدح مشايخهم كقولهم عن شيخ النقشبندية «محمد الخواجكي الأمكنكي» ما يلي: «لم يزل في بدايته بعين هدايته ملحوظا وفي ظل سلطنة تربيته محظوظا، حتى صار لمناقبه لوحا محفوظا لا يدع فضيلة جليلة إلا أحصاها ... فكان تلو والده كالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها .. لا ذرة في العالم إلا وهو يمدها بالروحانية» (١).
وهذا يشبه قول الخميني في أئمة أهل البيت: «إن لأئمتنا مقاما عظيما وخلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات هذا الكون» (٢).ويستخدمون بعض عبارات الغلو التي يطرون بها مشايخهم كوصفهم عبد الخالق الغجدواني أنه «الغوث الصمداني والمحبوب السبحاني ومحمديته الكعبية» (٣).ويصفون عبد الله الدهلوي بصفة «قيوم الزمان» (٤).
والمقامات عندهم خمسة وهي القلب والروح والسر والخفي والأخفى:
(القلب) وهو تحت قدم آدم ﵇.
(الروح) تحت قدمي سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم.
(السر) تحت قدم سيدنا موسى.
((الخفي) تحت قدم سيدنا عيسى. (الأخفى) تحت قدم سيدنا محمد ﵊ (٥).
стр. 3738
المطلب الثاني: مقام الكفر من أعلى مقامات العبادة
وهناك مقام (الحيرة) من أعلى المقامات عند النقشبندية وليس بعده إلا مقام اليقين. ومقام الحيرة هذا هو مقام الكفر حيث يرى المريد السالك الأشياء هي الله، وحكى السرهندي عن نفسه أنه وصل إلى مقام الفناء بالله ثم إلى مقام البقاء ثم إلى مقام الحيرة فوجد الله مع كل ذرة من ذرات وجوده.
ويسمي السرهندي مقام الحيرة بالكفر الحقيقي الذي إذا خرج منه عرج إلى مقام أعلى منه وهو مقام الإيمان الحقيقي بعد الكفر الحقيقي.
وهذا المقام وهو الحيرة الكبرى مخصوصة بالأكابر. أضاف قائلا: «ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من الكفر الحقيقي فيقول: ((اللهم أعطني يقينا ليس بعده كفر)) (١). فكان يستعيذ من الكفر الحقيقي الذي هو مقام الحيرة» (٢).
فهكذا صار عند القوم مرتبة شريفة للكفر عالية جدا تحصل للعابد عندهم بعد حصول الفناء بالله.
стр. 3739
المطلب الثالث: الرابطة بالشيخ أفضل من ذكر الله ! قال صاحب (نور الهداية): «رؤية الشيخ تثمر ما يثمره الذكر، بل هي أشد تأثيرا من الذكر، وقد كانت تربية النبي لأصحابه كذلك فكانوا يشتغلون برؤية طلعته السعيدة وينتفعون بها أكثر مما ينتفعون بالأذكار» (١).- ومن الأدب مع المشايخ تمريخ أبدانهم (تدليكها) قال في (الرشحات): «قال حضرة شيخنا: كنت أمرخ الشيخ بهاء الدين عمر كثيرا وأدلكه وما كان يقول يكفي. ولا أنا كنت أترك التمريخ. وكان الشيخ ينام وله غطيط. وكان كثيرا يقول لي: تعال يا شيخ زادة ومرخ كتفي. فكنت أمرخ كتفه وكنت أنزع خفيه من رجليه أحيانا فشممت شيئًا أطيب من رائحة الخرقة التي كان يلف بها رجليه» (٢).- وهم يتوجهون بالدعاء إلى حيث أماكن مشايخهم ولو من مكان بعيد ويستقبلون قبلتهم. فقد ذكر صاحب (الرشحات) أن واحدا من مريدي الشيخ قطب الدين حيدر كان جائعا فقلب وجهه نحو قرية شيخه وقال: «شيء لله يا قطب الدين حيدر لا تحرمنا من بركاتك أصلا ولا تنسانا» (٣).
بيوت المشايخ قبلة مقدسة- وقد جعلوا التوجه إلى قبلة الشيخ والاستمداد من باطن همته أفضل من التزام أعمال الخير بل أفضل من التزام الرجوع إلى الله (٤).
- قال أحد مريدي الشيخ محمد بهاء الدين: «أمرني الشيخ شادي أحد أجلاء أصحاب الشيخ بهاء الدين أن لا يمدّ أحدنا رجله إلى جهة يكون فيها الشيخ قدس الله سره، فأتيت يوما إلى قصر العارفان (مسكن الشيخ بهاء الدين) لزيارته فأويت إلى ظل شجرة في الطريق واضطجعت فجاء حيوان فلدغني في رجلي مرتين فقمت وقد تألمت ألما شديدا. ثم اضطجعت فعاد مرة ثالثة كذلك، فجلست أتفكر في سبب ذلك مدة حتى تذكرت نصيحة الشيخ شادي ووجدت أني قد مددت رجلي إلى ناحية قصر العارفان، فعلمت أن ذلك تأديب لي على ما فرط مني» (٥).
١ - عبد الله الدهلويوكان أحد كبار مشايخهم واسمه عبد الله الدهلوي يقول: «كما أن طلب الحلال فرض على المؤمنين كذلك ترك الحلال فرض على العارفين» (٦).وكان يقول: «أرواح عامة المؤمنين يقبضها ملك الموت وأما قبض أرواح خاصة الخاصة فلا دخل للملائكة فيها» (٧).وقال: «سمعت في سري الخطاب الإلهي ثلاث مرات: مرة وأنا في المدرسة ومرتين في الخانقاه ... وجاءتني فاطمة الزهراء فقالت لي: إني قد بعثت لزيارتك» (٨).ومرضت امرأة أحد أصحابه فالتمس من حضرته أن يدعو الله تعالى لها بتخفيف مرضها فلم يفعل. فألح عليه فقال له: «لا تبقى هذه المرأة أكثر من خمسة عشر يوما. فبقدرة الله تعالى توفيت يوم الخامس عشر» (٩).
стр. 3740
٢ - حبيب الله جان جانانوكان الشيخ حبيب الله جان جانان من أكابر النقشبنديين وابتدأ يرى سيدنا إبراهيم الخليل منذ أن كان عمره تسع سنوات. وكان في هذا السن كلما ذكر أبا بكر الصديق يحضر صورته ويراه بعينه. ونظر يوما في المرآة فرأى صورة شيخه بدل صورته (١).وكان «متوكلا» لا يعمل وكان يسافر مع أصحابه بغير زاد ولا راحلة فكانوا إذا نزلوا منزلا تأتيهم موائد الطعام من الغيب. (٢) وهؤلاء يتركون الطعام لأن حلال الطعام عندهم حرام، ألم يقل أحد كبارهم وهو عبد الله الدهلوي: «كما أن طلب الحلال فرض على المؤمنين كذلك ترك الحلال فرض على العارفين» (٣).وكان يقول: «إن الصوفي الكامل هو الذي لا ينسب الخير لنفسه ويعلم أنه مستعار، وهذا هو الحق معنى الفناء التام وحصول الشهود الصحيح وهذا سر قول الحلاج: «أنا الحق» (٤). وقد عذر السرهندي الحلاج في التفوه بهذا الكفر لأن السكر قد غلبه. وحين توفي حبيب الله جان جانان النقشبندي ارتفع نصف القرآن إلى السماء ووقع في الدين فتور (٥).وكان عبد الله الخاني يخبر بالامور قبل وقوعها ولا يسأل أتباعه عن أحوالهم وإنما يخبرهم عنها» (٦).
٣ - عبيد الله أحراروكان لعبيد الله أحرار ميزة عجيبة فكان عنده قوة ينقل بها المرض من شخص لآخر (٧).ونص الدهلوي على أن نقل المرض من كرامات مشايخ هذه الطريقة (٨) ويحكي الخاني أن الشيخ عبيد الله أحرار مرض فقال له الشيخ قاسم: إني قد فديتك بنفسي. فقال له عبيد الله: لا تفعل هكذا فإن المتعلقين بك كثيرون وأنت رجل شاب. فقال الشيخ قاسم: ما جئتك مستشيرا في هذا الأمر بل قررته في نفسي وصممت عليه وجئتك، وقد قبل الله مني ذلك. ففي اليوم التالي انتقل مرض الشيخ عبيد الله إلى الشيخ قاسم، وبرئ الشيخ عبيد الله من المرض برءا تاما فلم يعد بحاجة إلى طبيب (٩) .. ويحكي الخاني أن تحمل المشايخ للأمراض ونقله إلى آخرين من عادة السادة أصحاب الطريقة (١٠).وقال أحد أصحاب المولى الجامي الذي يصفه النقشبنديون بـ (روح الله) (١١) «لما سمعت بمرض مولانا الجامي حضرت إليه لعيادته فرأيت المرض قد قام منه وتوجه إلي فتضرعت إلى الله وقلت يا رب ليس لي طاقة لتحمل هذا المرض فاندفع المرض عني. وهذا الجامي حضر شخصيا أثناء نزعه الأخير وأعاده إلى الحياة بالرغم من خروج الروح منه» (١٢).
٤ - الشيخ محمد المعصوم
стр. 3741
أما الشيخ محمد المعصوم فقد كان غوثا يستغيث به الناس ويصفونه بحضرة القيوم فقد سقط أحد مريديه عن فرسه في الصحراء، قال: «فاستغثت بحضرة القيوم فحضر بنفسه وأيقظني».كذلك أشرف آخر من أتباعه على الغرق فاستغاث به فحضر في الحال وأنقذه. وكان يغيث الناس في أقصى الأرض وهو جالس في مكانه. فقد استغاث به رجل في سفينة كانت تغرق فمد الشيخ يده وانتشل السفينة وهو في بيته أمام أصحابه الذين رأوا فجأة أن كمه صارت مبللة بعد أن رأوه يمدها في الهواء (١).وجاء يوما سيل عظيم على قرية «مولانا عارف» فخاف أهلها من الغرق ففزعوا إليه فخرج وجلس مكان طغيان الماء وقال للماء: إن كان لك قوة فاحملني. فتراجع السيل (٢).
إن هؤلاء في الحقيقة إنما يثبتون صفات الأولياء «الحسنى» ليتعلق بهم العوام وقد عطلوا صفات الله الحسنى بالتأويلات التي يسمونها تأويلات أهل الحق. فحرروا القلوب من التعلق بالله وعلقوها بالأولياء. ويحكون عن هذا الشيخ أنه كان وليا منذ الولادة. وأنه لم يكن يأخذ ثدي أمه في رمضان. وتكلم بـ (التوحيد) وهو ابن ثلاث سنوات فقال: أنا الأرض أنا السماء أنا كذا أنا: هذا الجدار حتى هذه الأشجار حق. وكان يقول: إني أرى نفسي نورا ساريا في كل ذرة من ذرات العالم والعالم يتنور بي كالشمس. وقد خلعه الله بخلعة (أي صفة) القيومية فصاروا يصفونه بالقيوم (٣).قالوا: وذكر عنده رافضي يطعن في أبي بكر وعمر فغضب الشيخ محمد المعصوم غضبا شديدا وكان بين يديه بطيخ: فأخذ السكين وقال لها: اذبحي هذا الخبيث ثم أمرّ السكين على البطيخ فمات الرافضي من وقته (٤).
مكالمات بين الله وبين ولدهكتب ولد الشيخ محمد المعصوم يقول لوالده: «إني تشرفت في هذه الأيام بإلهامات غريبة ومخاطبات عجيبة فقيل لي: أنت من أوليائي وأنت من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ورأيت يوما أن وصولي إلى جناب قدسه ﵎ بلا واسطة أحد. وإذا بصورتك المباركة قد ظهرت بيننا ووجدت نفسي قد اتحدت بجنابكم فهنالك ظهر تنزل الحق سبحانه بلا كيف فأرجو التصديق على هذا» (٥) انتهى.
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص٨٥ - ٩٥
стр. 3742
المبحث الثامن: النهج الباطني عند النقشبندية والصوفية وزعم عثمان سراج الدين النقشبندي أن للقرآن ظاهرا وبطنا وظهر ظهر وبطن بطن وهكذا إلى ما لا يعلمه الا الله (١). وفسر قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ [الحجر:٢٦] أي أوجدنا كل فرد من أفراد الإنسان الباطني وهو مجرداته الخمسة: القلب والروح والسر والخفي والأخفى» (٢).وقال بهاء الدين نقشبند في قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١] , «أي أعطيناك شهود الأحدية في الكثرة» (٣).وفسر عبد الرزاق النقشبندي بِسْمِ اللَّهِ [النمل:٣٠] أي باسم الإنسان الكامل (٤).والكمال الإنساني عندهم مرآة للكمال المحمدي. والكمال المحمدي مرآة للكمال الإلهي. ولا يتجلى الحق إلا من خلف حجاب الكمال المحمدي إذ هو الواسطة العظمى التي لا كمال إلا بها (٥).وفسر مشايخ النقشبندية قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] , بمعنى أن العبد بعد الفناء يبقى في الله فيصير مظهر تجليات أسماء الأفعال ويجد في نفسه آثار الأسماء الكونية ويحصل له حظ من كل اسم (٦).وفسر الكردي قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢] , الظالم لنفسه أي من منع نفسه عن اللذات وما أعطاها مرادها فصار مستعدا لقبول الفيض الإلهي وحينئذ يكون مقدما على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. وهذا تحريف للقرآن وهو عمل اليهود. وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن تحريف معاني النصوص موجود بكثرة عند اليهود (٧).وفسروا الآية إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] , أي يصعد من القلوب أنوار الذكر وأنوار نازلة من العرش على قلبك، فإذا فني وجودك الجسماني عن شهودها من النور إلى النور فتصعد منك وتنزل منه» (٨).وقول النبي ﷺ : ((أمط الأذى عن الطريق)) (٩) قال بهاء الدين نقشبند: «الأذى معناه أذى النفس والطريق طريق الحق» (١٠).وقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤] , أي إذا نسيت غيره وحمل الآية على معنى الفناء في الله (١١).وقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] , المراد من (الملك) قلب السالك حين يتجلى الله سبحانه للقلب بقهر الأحدية لا يترك فيه شيئا غيره فيلقي اليه صدى لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فإذا لم ير في تلك المملكة غيره يجيب تعالى بنفسه بالضرورة بقوله: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] , ويسمع صدى (سبحاني ما أعظم شأني) و (أنا الحق) و (هل في الدارين غيري) (١٢).
стр. 3743
وفي قوله تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ [يس: ٣٧] , قالوا: النهار هو نور الوجود والليل ظلمة العدم (١).وقالوا في قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: ١٢] , أي اخلع حبك من الدنيا والآخرة (٢).
وقالوا في تفسير سورة الإخلاص: «إن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول ولما كان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة قال تعالى: لَمْ يَلِدْ نفيا لشبه الولادة. ولما ظهر تعالى في المظاهر الإلهية بحسب الذات والأسماء والأفعال وكان هذا الظهور يشبه المولودية قال تعالى: وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:٣] نفيا لشبه المولودية. ولما جعل الحق هذا النوع الإنساني مظهر جميع أسمائه، أن الله خلق آدم على صورته أو صورة الرحمن: فكان مرآة ذاته الأقدس الذي: هو الله أحد الله الصمد صفته وكان هذا التوهم كفر، نفى هذه المشابهة وقال: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٤]» (٣).
وقالوا عن معنى قوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا [الشورى: ٤٩] , أي العبادات والمعاملات وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩] , أي الأحوال والعلوم والمقامات. وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: ٥٠] , أي بلا علم ولا عمل» (٤).
المطلب الثاني: تعاليم هندوسية
ويحكي صاحب (الرشحات) قصة أحد كبار النقشبندية قال: «وكان الشيخ لا يأكل الطعام الحاصل من الحيوانات ويمتنع عنه ويقول: أنا أتعجب من الناس كيف يضعون السكين على حلق ما له عينان ينظر بهما إليهم ويقتلونه ثم يطبخون لحمه ويأكلون؟ قال صاحب (الرشحات): «ويفهم من كلام الشيخ هذا أنه في ذلك الوقت كان متحققا بمقام الأبدال فإن تلك الخصلة مخصوصة بمقام الأبدال فإنهم لا يقتلون شيئًا من الحيوانات ولا يؤذونه ولا يأكلون لحمه لغلبة شهود سريان الحياة الحقيقية في الأشياء عليهم في هذا المقام» (٥).
ويحكي صاحب (الرشحات) نفسه عن أحد شيوخه أنه كان يصلي قائما على رجل واحدة فقط. وهذه من تعاليم الهنود. فقد قال الغزالي: «وعباد الهنود يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على رجل واحدة» (٦).
تعظيمهم للحسين بن منصور الحلاج
стр. 3744
هو الحسين بن منصور الحلاج كان من أصحاب أسياد الصوفية كـ " الجنيد " و"الشبلي" غير أنه كان أكثر الصوفية جرأة على إظهار العقيدة الباطنية الاتحادية للفكر الصوفي ولم يكتمها على نحو ما كان يوصي به أئمة التصوف. يقول الشبلي: «كنت أنا والحسين بن منصور شيئًا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت» واعتبروا أن خطأه كان في إظهار ما كان يجب عليه كتمانه. (١).وقد أظهر الحلاج من كلمات الكفر ووحدة الوجود ما اضطر كثيرين من الفقهاء وحتى الصوفية إلى الفتوى بوجوب قتله كالجنيد حتى إن الرفاعي نفسه أيد من أفتى بقتله قائلا: «لو كنت في زمن الحلاج لأفتيت مع من أفتوا بقتله» «ولو كان على الحق لما قال أنا الحق .. ما أراه رجلا واصلا أبدا» (٢). مع أن السرهندي يعذره لقوله هذا بأن السكر قد غلبه (٣).ويروي القشيري أن الحلاج كان مصاحبا لعمرو بن عثمان المكي (أحد سادة التصوف) وكان مرة يكتب شيئًا فسأله عمرو عنه فقال: أكتب شيئًا أعارض به القرآن. فهجره ودعا عليه قائلا: «اللهم اقطع يديه ورجليه». ومن ثم قالوا: إن قتل الحلاج بطريقة الصلب وتقطيع الأيدي والأرجل إنما كان استجابة من الله لدعوة هذا الرجل (٤).
ومع ذلك فإن الصوفية يلمحون تارة بولائهم وتعظيمهم للحلاج وتارة يصرحون بذلك. ولكن بالرغم من ذلك كان القشيري والغزالي وغيرهما يستشهدون بكلامه في إثبات عقائد أهل السنة مما جعل الشعراني يؤكد أن القشيري إنما افتتح كتابه بالاستشهاد بكلام الحلاج لأجل إحسان الظن به. واحتج به الغزالي في إثبات أفضل مراتب التوحيد عند الصوفية وهي مرتبة «وحدة الوجود والفناء بالله».
وروى الشعراني عن شيخه أبي العباس المرسي أنه كان يكره من الفقهاء خصلتين:
١ ـ قولهم بكفر الحلاج.٢ ـ قولهم بموت الخضر (٥).
لقد كان الرجل من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و «سبحاني ما أعظم شأني» و «ما في الجبة الا الله».
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال (٦)
وقوله (٧) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):
أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتنا
وقد استحسنت أمهات كتب النقشبندية من الحلاج هذا البيت من الشعر الذي كان بهاء الدين يتمثل به وكان كلما ذكر اسم الحلاج قال «قدس الله سره» وهذا البيت هو:
كفرت بدين الله والكفر واجب ... لدي وعند المسلمين قبيح (٨)
فأي إسلام يرجى ويقبل ممن يستحسن هذا البيت ويتمثل به؟!
стр. 3745
فيا من تتكلمون عن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من علماء الأمة تبرءوا من مدح أئمة الكفر واستحسان كلام الكفر الذي تناقلتموه قبل أن تنقضوا الآخرين. وكان يعتبر فرعون وليا والشيطان مؤمنا. فيقول مثنيا على أخويه: «وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، فصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون، إبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم وما رجع عن دعواه، ولم يقر بالواسطة البته» (١).وقد ضبط الجنود رسالة إلى شخص وإذا فيها «من الرحمن الرحيم إلى فلان». فقالوا له: كنت تدعي النبوة فأصبحت تدعي الألوهية؟ قال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة» (٢).وكتب رسالة أخرى إلى أحد خواص أصحابه قال له فيها: «ستر الله عنك ظاهر الشريعة وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي وحقيقة الكفر معرفة جلية» (٣).وكان يتهكم بالقرآن ويقول عنه: «بإمكاني أن أؤلف مثله» (٤).وكان قد أفتى بأن الإنسان إذا أراد الحج ولم يتمكن فليعمد إلى غرفة من بيته فيطهرها ويطيبها ويطوف بها فيكون كمن حج البيت. قال ابن كثير معقبا على فتوى الحلاج: «وكان يقول لأتباعه: من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات أجزأه ذلك عن صوم رمضان» (٥).ومهما حاولوا التنصل منه والتظاهر بمخالفته فإنهم في الحقيقة مفتونون فيه ويهتمون بنقل كلامه وإشاراته في التوحيد (أي وحدة الوجود) كما فعل أبو حامد الغزالي في الاستشهاد بكلام الحلاج عن الفناء في التوحيد (٦).بل يدافعون عنه ويصفونه بأعلى مقامات الولاية حتى زعم محمد معصوم النقشبندي أنه «لما وضع الحلاج في السجن كان يصلي في الليلة الواحدة خمسمائة ركعة نافلة وكان لا يأكل من أيدي الظالمين» (٧).وقال الشيخ علي الراميتني: «لو كان أحد على وجه الأرض من أولاد الشيخ عبد القادر الغجدواني موجودا لما صلب الحلاج» (٨).وكان الشيخ حبيب الله جان جانان يعتذر عن شطحات الحلاج ويقول: «وهذا سر قول الحسين بن منصور ﵀ (أنا الحق) فإنه وإن كان معذورا في ذلك نظرا لغلبة السكر عليه إلا أنه كان مخطئا في تلك الرؤية» (٩).
стр. 3746
وهكذا فالنقشبنديون متفقون على استحسان هذه العبارة لأنها توافق أعظم غاية الطريقة وهي: الفناء في ذات الله وتحقيق الوحدة بين العابد والمعبود فيصير الرب عبدا والعبد ربا. ويقول مولاهم الجامي «لقد أراد الحلاج بهذه العبارة حقيقة نفسه وحيث قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:٢٤]: أراد به صورة نفسه» (١)!. فهكذا دائما: كتبهم مملوءة بإشارات وتصريحات وحدة الوجود. وجاء في كتاب (الإيمان والإسلام) للشيخ خالد البغدادي النقشبندي (ص ٩٢) فصلا بعنوان «السلفيون» يظهر أن ملتزم الطبع ألحقه به وفيه يذكر تبديع ابن تيمية لبعض الأئمة قال: «كما تتبع ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وتتبع أيضا الحلاج ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه بل كفره بعض منهم» (٢).
فالنقشبنديون يزعجهم طعن ابن تيمية في الحلاج وابن عربي وابن الفارض الذي كان يتغزل بالله بأبيات الشعر ويكنيه بالأنثى.
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحانيوكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد: «سبحاني ما أعظم شأني» (٣).
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك إلى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول إلى الله. والإسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها إلى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية. وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت إليهم فقال: «إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (٤).وجاء إلى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله (٥).وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال: «لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (٦).وحكوا أيضا أنه قال: «إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (٧). وقوله: «الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي: يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (٨).
وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا إلى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق. فالنصارى تقول: «يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (٩). وقال فليبس: «يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط إلى الجحيم».
стр. 3747
وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط. قال: «أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (١). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (٢).وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة إلى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال: «وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال» (٣).
وإنما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد. فقد رووا عنه أنه قال: «اطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف «وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج إلى أن تطلبوا المعاصي» (٤).
تعظيم النقشبنديين لابن عربييصفونه بالشيخ الأكبر ويقولون عند ذكر اسمه: «قدس الله سره» ويصفونه بـ «غوث المحققين وقطب الموحدين» مع اعترافهم بأنه كان يقول: أنا ختام الأنبياء والمرسلين (٥).ولا يزال النقشبنديون يصفونه بخاتم الأولياء (٦)، يعني أنه لا يوجد ولي لله بعد ابن عربي إلى يوم القيامة.
стр. 3748
وبالرغم من اعتراف السرهندي الفاروقي مجدد الطريقة النقشبندية أن ابن عربي أول من صرح بوحدة الوجود وأن عباراته مشعرة بالاتحاد وأنه بوب مسائل وحدة الوجود وفصلها. وأنه زعم أن خاتم الأنبياء يأخذ علومه من مشكاة خاتم الأولياء ويعني بخاتم الأولياء نفسه (١) انتهى. ويصرح بأن أكثر كشوفات ابن عربي مخالفة لعلوم أهل السنة بعيدة عن الصواب ولا يتبعها إلا كل مريض القلب (٢).فقد استحسن السرهندي الفاروقي قول ابن عربي أن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الإلهي. وتعجب السرهندي من اعتقاد ابن عربي بأن ذات الله مجهولة مطلقة ومع ذلك فإنه يثبت الإحاطة والقرب والمعية الذاتية. (٣).وتحدث السرهندي عن الرضا بالخير والرضا بالشر ثم اعترف بأن «الإيمان مرضي الاسم (الهادي) والكفر مرضي الاسم (المضل) مخالفة لما عليه أهل الحق وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرضا» (٤). واعتبر أن قوله بترتيب خلافة الخلفاء الراشدين بحسب مدة أعمارهم، اعتبر ذلك من شطحاته (٥).ونقل صاحب (الرحمة الهابطة) عن ابن عربي قوله: «إن الله له لسان يتكلم به وأذن يسمع بها وأن عبد القادر الجيلاني قال: رأيت ربي بعين رأسي بصورة» (٦).ومع اعتذار كثيرين عن كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي بأنه مدسوس عليه إلا أنهم لا يزالون يصرحون بإعجابهم بالكتاب وشغفهم بقراءته فقد قال عبد المجيد الخاني عن جده محمد صاحب (البهجة السنية) بأنه كان مشغوفا بمطالعة كتب الصوفية وخصوصا كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي وتائية ابن الفارض قدس الله سرهما ... وكذلك كتاب (الفصوص) لابن عربي، ويسمون نصوص الفصوص بالكلمات القدسية» (٧).فقد جاء في (الرشحات) «أن كتاب (الفصوص) (روح) و (الفتوحات المكية) (قلب) ومن علم (الفصوص) علما جيدا تتقوى داعية متابعته للنبي ﷺ وذكر في (الرشحات) أن الشيخ محمد الكوسوي كان يعتقد مصنفات حضرة الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي كان يقرر في كتبه التوحيد الوجودي بما لا يمكن الإنكار عليه (٨).
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا [النجم:٢٩] بما قاله محيي الدين بن عربي
ألا بذكر الله تزداد الذنوب
وتنطمس البصائر والقلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا
فإن الشمس ليس لها غروب (٩)
فذكر الله يطمس البصائر والقلوب وترك الذكر خير من الذكر.
في أي دين هذا؟ إن النصرانية لا تنهى عن ذكر الله كما ينهى عنه هؤلاء الذين يدعون أنهم وصلوا في محبة الله إلى المقامات العليا وهم لا يزالون يسبون الله ورسوله. ويمدحون قول الحلاج: كفرت بدين الله.
ويدافع الكمشخاتلي صاحب (جامع الأصول) عن قول ابن عربي:
العبد رب والرب عبد
يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
أو قلت رب أنى يكلف
غير أنه يحرفه فيجعله كالتالي:
العبد حق والرب حق
فليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فالعبد ميت
أو قلت رب فما يكلف (١٠)
ومما قاله ابن عربي في فصوص الكفر:
فوقتا يكون العبد ربا بلا شك
стр. 3749
ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
فإن كان عبد اكان بالحق واسعا
وإن كان ربا كان في عيشة ضنك
ويقول:
فأنت عبد وأنت رب
لمن له فيه أنت عبد
وأنت رب وأنت عبد
لمن له في الخطاب عهد
ويقول:
فيحمدني وأحمده
ويعبدني وأعبده
ففي حال أقر به
وفي الأعيان أجحده
ويقلد النقشبنديون كلام ابن عربي في فلسفته الصوفية فيقولون: «فيدعون أن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول وكان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة» (١).فهذه مخالفة عظيمة لعلماء الإسلام الذين طعنوا في ابن عربي وحذروا منه. أبرزهم في ذلك العلامة العز بن عبد السلام ﵀ الذي وصفه بأنه شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا (٢).
وكتب الشيخ ملا علي قاري كتابا في الرد عليه لقوله بإيمان فرعون. وقد صرح بضلاله الحافظ ابن حجر والسخاوي ووصفه ابن حيان النحوي بالملحد والزنديق وقال المقري: «من لم يكفره كان كمن لم يكفر اليهود ولا النصارى (٣).
فكيف تكون الطريقة النقشبندية على السنة وهي تستمد تعاليمها من كتب (الفصوص) و (الفتوحات المكية) وتتجاهل تضليل أئمة الأمة لأخطر وأكفر شخصية امتلأت كتبها بكفر لم يجرؤ عليه اليهود ولا النصارى!!!.بل تقبل كل كلامه حتى قوله بأنه رأى الله على صورة فرس كما صرح به صاحب الرشحات (٤)!.
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص٩٨ فما بعدها
стр. 3750
المبحث التاسع: آداب المريد مع شيخه
أن يكون مستسلما منقادا راضيا بتصرفات الشيخ يخدمه بالمال والبدن لأن جوهر الإرادة والمحبة لا ينبني إلا بهذا الطريق، ولا ينكر عليهم شيئًا من أفعالهم لأن المنكر عليهم لا ينجو. وفضلوا خدمة الشيخ على التقرب إلى الله بالنوافل بل على أي عمل صالح آخر كما قال محمد أمين الكردي: «قال بعضهم: الخدمة عند القوم من أفضل العمل الصالح» (١).فقال عبيد الله أحرار: «وظن بعض الناس أن الاشتغال بالنوافل أولى من خدمة الشيخ وليس كذلك، فإن نتيجة الخدمة المحبة وميل القلوب لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، وفرق بين ثمرة النوافل وثمرة الخدمة» (٢).
وقد تجاهلوا ثمرة التقرب إلى الله بالنوافل وهي محبة الله كما قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». زاعمين أنه لا يزال المريد يتقرب إلى الشيخ بالخدمة حتى يحبه!!! وزعموا في ذلك أن صوفيا رأى النبي في المنام فسأله أن يوصيه فقال له النبي: «وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو شي بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع إربا إربا، قال: حيا أم ميتا يا رسول الله؟ قال: حيا كان أو ميتا» (٣).
أن يحب ما يحبه شيخه ويكره ما يكرهه. وأن لا يتوجه إلا لما أراده شيخه رافعا نظره عن غيره.
أن يكون اعتقاده مقصورا على معتقد شيخه. أن يفنى في الشيخ في ذاته وأفعاله وصفاته فإن الفناء في الشيخ مقدمة للفناء في الله (٤). أن لا يتوضأ بمرأى من شيخه ولا يصلي النوافل بحضرته بل زاد السرهندي على ذلك فقال: ولا يذكر الله إلا بإذن الشيخ (٥).
أن لا يتوجه إلا لما أراده الشيخ. أن لا يتكلم في مجلس قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب (٦).
أن لا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلم أحدا في حضور شيخه.
أن لا يكون متوجها إلى أحد. ولا يمد رجله عند غيبة شيخه إلى جانب هو فيه ولا يرمي بصاقه إلى ذلك الجانب. أي الجهة التي يكون فيها الشيخ في أي مكان في العالم.
أن لا ينكر على شيخه قولا أو فعلا ظاهرا كان أم باطنا؛ لأن شيخه بيد الله تعالى: والله لا يأمر بالفحشاء والمنكر. أن يعتقد أن كل شيء يصدر عن شيخه يعتبره صوابا وإن لم يره صوابا في الظاهر فإنه يفعل ما يفعله بطريق الإلهام والإذن (٧). أن لا يقوم في محل يقع ظله على ثوب شيخه أو ظله (٨).
أن لا يضع رجله في مصلاه. أن يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا يخالفه في شيء مطلقا (٩).
ثم أنشد الكردي شعرا يبين كيف يكون المريد من شيخه فقال:
وكن عنده كالميت عند مغسل
يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ولا تعترض فيما جهلت من أمره
عليه فإن الاعتراض تنازع
وسلم له فيما تراه ولو يكن
على غير مشروع فثم مخادع (١٠)