وهكذا فالنقشبنديون متفقون على استحسان هذه العبارة لأنها توافق أعظم غاية الطريقة وهي: الفناء في ذات الله وتحقيق الوحدة بين العابد والمعبود فيصير الرب عبدا والعبد ربا. ويقول مولاهم الجامي «لقد أراد الحلاج بهذه العبارة حقيقة نفسه وحيث قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:٢٤]: أراد به صورة نفسه» (١)!. فهكذا دائما: كتبهم مملوءة بإشارات وتصريحات وحدة الوجود. وجاء في كتاب (الإيمان والإسلام) للشيخ خالد البغدادي النقشبندي (ص ٩٢) فصلا بعنوان «السلفيون» يظهر أن ملتزم الطبع ألحقه به وفيه يذكر تبديع ابن تيمية لبعض الأئمة قال: «كما تتبع ابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وتتبع أيضا الحلاج ولا زال يتتبع الأكابر حتى تمالأ عليه أهل عصره ففسقوه وبدعوه بل كفره بعض منهم» (٢).
فالنقشبنديون يزعجهم طعن ابن تيمية في الحلاج وابن عربي وابن الفارض الذي كان يتغزل بالله بأبيات الشعر ويكنيه بالأنثى.
موقفهم من قول أبي يزيد: سبحانيوكذلك استحسن النقشبنديون قول أبي يزيد: «سبحاني ما أعظم شأني» (٣).
ولم ينكروا هذا القول أو يستنكروه، بل أثبتوه على أنه نهاية ما يحصل للسالك إلى الله الفاني به. وقد زعموا - خوفا من السوط أو السيف - أن هذا القول خطأ ووهم يحصل للعبد عند بلوغه قمة الوصول إلى الله. والإسلام لا يعرف عبادة تنتهي بصاحبها إلى التلفظ بالكفر وادعاء الألوهية. وذكرت كتبهم أنه صلى بالناس الفجر ثم التفت إليهم فقال: «إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني. فتركه الناس وقالوا: مجنون، مسكين» (٤).وجاء إلى بيته رجل فدق بابه فقال أبو يزيد: من تطلب؟ فقال الطارق: أريد أبا يزيد. فقال له أبو يزيد: ليس في البيت غير الله (٥).وحكى السرهندي الفاروقي شيخ النقشبنديين أن أبا يزيد قال: «لوائي أرفع من لواء محمد» وعذره السرهندي لأنها مقولة سكرية قالها أبو يزيد في حالة سكره بالله (٦).وحكوا أيضا أنه قال: «إن لله علي نعما منها أني رضيت أن أحرق بالنار بدل الخلق شفقة عليهم» (٧). وقوله: «الناس يفرون من الحساب وأنا أتمناه لعله يقول لي: يا عبدي فأقول: لبيك. فيفعل بي ما يشاء» (٨).
وهذا مبدأ الفداء والكفارة وقبول التعذيب نيابة عن الخلق مقتبس من عقيدة النصارى نجده عند النقشبندية يروونه عن أبي يزيد. ونجده عند الرفاعية الذين نسبوا إلى شيخهم الرفاعي أنه قبل أن يعذب كفارة عن خطايا الخلق. فالنصارى تقول: «يسوع الذي صلب ومات لأجلنا وهو الآن يتردى في جهنم ليخلصنا ويضحي بنفسه من أجلنا» (٩). وقال فليبس: «يسوع الذي تألم لخلاصنا وهبط إلى الجحيم».
стр. 3747
وقد بلغ الزهد بأبي يزيد أن صار زاهدا في الآخرة وفي الجنة، فهو لا يريدها لكنه يريد الله فقط. قال: «أوقفني الحق بين يديه مواقف في كلها يعرض علي المملكة فأقول: لا أريدها، فقال الله: فماذا تريد؟ فقلت له: أريد أن لا أريد» (١). وصرح السرهندي بأن رفع الاثنينية بين الخالق والمخلوق مطلوب في مقام الولاية، ثم احتج بقول أبي يزيد هذا (٢).وحتى العبادة لا يريدها ولا يراها مقربة إلى الله، ولهذا روى النقشبنديون عنه أنه قال: «وقفت مع العابدين فلم أر لي معهم قدما، فوقفت مع المجاهدين فلم أر لي معهم قدما، ووقفت مع المصلين فلم أر لي معهم قدما، فقلت: يا رب كيف الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال» (٣).
وإنما العبادة مشغلة ينشغل بها العابدون عن الله، هذا ما استحسن ذكره النقشبنديون بصرف النظر عن مدى ثبوت ذلك عن أبي يزيد. فقد رووا عنه أنه قال: «اطلع الله على قلوب أوليائه فرأى منهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا: فشغله بالعبادة» أضاف «وإن في الطاعات من الآفات ما يحتاج إلى أن تطلبوا المعاصي» (٤).
تعظيم النقشبنديين لابن عربييصفونه بالشيخ الأكبر ويقولون عند ذكر اسمه: «قدس الله سره» ويصفونه بـ «غوث المحققين وقطب الموحدين» مع اعترافهم بأنه كان يقول: أنا ختام الأنبياء والمرسلين (٥).ولا يزال النقشبنديون يصفونه بخاتم الأولياء (٦)، يعني أنه لا يوجد ولي لله بعد ابن عربي إلى يوم القيامة.
стр. 3748
وبالرغم من اعتراف السرهندي الفاروقي مجدد الطريقة النقشبندية أن ابن عربي أول من صرح بوحدة الوجود وأن عباراته مشعرة بالاتحاد وأنه بوب مسائل وحدة الوجود وفصلها. وأنه زعم أن خاتم الأنبياء يأخذ علومه من مشكاة خاتم الأولياء ويعني بخاتم الأولياء نفسه (١) انتهى. ويصرح بأن أكثر كشوفات ابن عربي مخالفة لعلوم أهل السنة بعيدة عن الصواب ولا يتبعها إلا كل مريض القلب (٢).فقد استحسن السرهندي الفاروقي قول ابن عربي أن الجمع المحمدي أجمع من الجمع الإلهي. وتعجب السرهندي من اعتقاد ابن عربي بأن ذات الله مجهولة مطلقة ومع ذلك فإنه يثبت الإحاطة والقرب والمعية الذاتية. (٣).وتحدث السرهندي عن الرضا بالخير والرضا بالشر ثم اعترف بأن «الإيمان مرضي الاسم (الهادي) والكفر مرضي الاسم (المضل) مخالفة لما عليه أهل الحق وفيه ميل إلى الإيجاب لكونه منشأ للرضا» (٤). واعتبر أن قوله بترتيب خلافة الخلفاء الراشدين بحسب مدة أعمارهم، اعتبر ذلك من شطحاته (٥).ونقل صاحب (الرحمة الهابطة) عن ابن عربي قوله: «إن الله له لسان يتكلم به وأذن يسمع بها وأن عبد القادر الجيلاني قال: رأيت ربي بعين رأسي بصورة» (٦).ومع اعتذار كثيرين عن كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي بأنه مدسوس عليه إلا أنهم لا يزالون يصرحون بإعجابهم بالكتاب وشغفهم بقراءته فقد قال عبد المجيد الخاني عن جده محمد صاحب (البهجة السنية) بأنه كان مشغوفا بمطالعة كتب الصوفية وخصوصا كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي وتائية ابن الفارض قدس الله سرهما ... وكذلك كتاب (الفصوص) لابن عربي، ويسمون نصوص الفصوص بالكلمات القدسية» (٧).فقد جاء في (الرشحات) «أن كتاب (الفصوص) (روح) و (الفتوحات المكية) (قلب) ومن علم (الفصوص) علما جيدا تتقوى داعية متابعته للنبي ﷺ وذكر في (الرشحات) أن الشيخ محمد الكوسوي كان يعتقد مصنفات حضرة الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي كان يقرر في كتبه التوحيد الوجودي بما لا يمكن الإنكار عليه (٨).
ويفسر عبيد الله أحرار قول الله تعالى: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا [النجم:٢٩] بما قاله محيي الدين بن عربي
ألا بذكر الله تزداد الذنوب
وتنطمس البصائر والقلوب
وترك الذكر أحسن منه حالا
فإن الشمس ليس لها غروب (٩)
فذكر الله يطمس البصائر والقلوب وترك الذكر خير من الذكر.
في أي دين هذا؟ إن النصرانية لا تنهى عن ذكر الله كما ينهى عنه هؤلاء الذين يدعون أنهم وصلوا في محبة الله إلى المقامات العليا وهم لا يزالون يسبون الله ورسوله. ويمدحون قول الحلاج: كفرت بدين الله.
ويدافع الكمشخاتلي صاحب (جامع الأصول) عن قول ابن عربي:
العبد رب والرب عبد
يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب
أو قلت رب أنى يكلف
غير أنه يحرفه فيجعله كالتالي:
العبد حق والرب حق
فليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فالعبد ميت
أو قلت رب فما يكلف (١٠)
ومما قاله ابن عربي في فصوص الكفر:
فوقتا يكون العبد ربا بلا شك
стр. 3749
ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
فإن كان عبد اكان بالحق واسعا
وإن كان ربا كان في عيشة ضنك
ويقول:
فأنت عبد وأنت رب
لمن له فيه أنت عبد
وأنت رب وأنت عبد
لمن له في الخطاب عهد
ويقول:
فيحمدني وأحمده
ويعبدني وأعبده
ففي حال أقر به
وفي الأعيان أجحده
ويقلد النقشبنديون كلام ابن عربي في فلسفته الصوفية فيقولون: «فيدعون أن أول موجود أوجده الله بلا واسطة هو التعين الأول وكان ظهوره من المبدأ الفياض بما يشبه الولادة» (١).فهذه مخالفة عظيمة لعلماء الإسلام الذين طعنوا في ابن عربي وحذروا منه. أبرزهم في ذلك العلامة العز بن عبد السلام ﵀ الذي وصفه بأنه شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجا (٢).
وكتب الشيخ ملا علي قاري كتابا في الرد عليه لقوله بإيمان فرعون. وقد صرح بضلاله الحافظ ابن حجر والسخاوي ووصفه ابن حيان النحوي بالملحد والزنديق وقال المقري: «من لم يكفره كان كمن لم يكفر اليهود ولا النصارى (٣).
فكيف تكون الطريقة النقشبندية على السنة وهي تستمد تعاليمها من كتب (الفصوص) و (الفتوحات المكية) وتتجاهل تضليل أئمة الأمة لأخطر وأكفر شخصية امتلأت كتبها بكفر لم يجرؤ عليه اليهود ولا النصارى!!!.بل تقبل كل كلامه حتى قوله بأنه رأى الله على صورة فرس كما صرح به صاحب الرشحات (٤)!.
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص٩٨ فما بعدها
стр. 3750
المبحث التاسع: آداب المريد مع شيخه
أن يكون مستسلما منقادا راضيا بتصرفات الشيخ يخدمه بالمال والبدن لأن جوهر الإرادة والمحبة لا ينبني إلا بهذا الطريق، ولا ينكر عليهم شيئًا من أفعالهم لأن المنكر عليهم لا ينجو. وفضلوا خدمة الشيخ على التقرب إلى الله بالنوافل بل على أي عمل صالح آخر كما قال محمد أمين الكردي: «قال بعضهم: الخدمة عند القوم من أفضل العمل الصالح» (١).فقال عبيد الله أحرار: «وظن بعض الناس أن الاشتغال بالنوافل أولى من خدمة الشيخ وليس كذلك، فإن نتيجة الخدمة المحبة وميل القلوب لأنها جبلت على حب من أحسن إليها، وفرق بين ثمرة النوافل وثمرة الخدمة» (٢).
وقد تجاهلوا ثمرة التقرب إلى الله بالنوافل وهي محبة الله كما قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». زاعمين أنه لا يزال المريد يتقرب إلى الشيخ بالخدمة حتى يحبه!!! وزعموا في ذلك أن صوفيا رأى النبي في المنام فسأله أن يوصيه فقال له النبي: «وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو شي بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع إربا إربا، قال: حيا أم ميتا يا رسول الله؟ قال: حيا كان أو ميتا» (٣).
أن يحب ما يحبه شيخه ويكره ما يكرهه. وأن لا يتوجه إلا لما أراده شيخه رافعا نظره عن غيره.
أن يكون اعتقاده مقصورا على معتقد شيخه. أن يفنى في الشيخ في ذاته وأفعاله وصفاته فإن الفناء في الشيخ مقدمة للفناء في الله (٤). أن لا يتوضأ بمرأى من شيخه ولا يصلي النوافل بحضرته بل زاد السرهندي على ذلك فقال: ولا يذكر الله إلا بإذن الشيخ (٥).
أن لا يتوجه إلا لما أراده الشيخ. أن لا يتكلم في مجلس قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب (٦).
أن لا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلم أحدا في حضور شيخه.
أن لا يكون متوجها إلى أحد. ولا يمد رجله عند غيبة شيخه إلى جانب هو فيه ولا يرمي بصاقه إلى ذلك الجانب. أي الجهة التي يكون فيها الشيخ في أي مكان في العالم.
أن لا ينكر على شيخه قولا أو فعلا ظاهرا كان أم باطنا؛ لأن شيخه بيد الله تعالى: والله لا يأمر بالفحشاء والمنكر. أن يعتقد أن كل شيء يصدر عن شيخه يعتبره صوابا وإن لم يره صوابا في الظاهر فإنه يفعل ما يفعله بطريق الإلهام والإذن (٧). أن لا يقوم في محل يقع ظله على ثوب شيخه أو ظله (٨).
أن لا يضع رجله في مصلاه. أن يكون بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا يخالفه في شيء مطلقا (٩).
ثم أنشد الكردي شعرا يبين كيف يكون المريد من شيخه فقال:
وكن عنده كالميت عند مغسل
يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ولا تعترض فيما جهلت من أمره
عليه فإن الاعتراض تنازع
وسلم له فيما تراه ولو يكن
على غير مشروع فثم مخادع (١٠)
стр. 3751
فتأمل صفات المريد تجاه شيخه: استسلام وانقياد مطلق كأنه ميت. ثم تأمل ما قاله في موضع آخر من نفس الكتاب أن أكمل أحوال العبد مع الله «أن يكون بين يدي الله تعالى كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد» (١).
وماذا لو كان المريد فتاة تريد أن تتخذ لها شيخا؟ أليس مطلوبا منها أن تكون ميتة (أو مستلقية) بين يدي الشيخ وأن لا تعترض على ما ظاهره حراما؟
ولقد حيرنا هذا الرجل فتارة يأمر المريد بأن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي غاسله وتارة يأمرنا بأن نكون بين يدي الله كالميت بين يدي مغسله! «أن لا ينكر على أفعالهم فإن المنكر عليهم لا ينجو» (٢). أن يرى كل نعمة إنما هي من شيخه (٣).
أن لا يعترض عليه فيما فعله ولو كان ظاهره حراما أن لا يشير على الشيخ برأيه ... بل يرد الأمر إلى شيخه اعتقادا منه أنه أعلم منه بالأمور وغني عن استشارته» (٤). وهذا معناه والله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الشيخ ذلك خير وأحسن تأويلا»!!! أين هذه التعاليم الهندوكية من أمر الله لنبيه بمشورة أصحابه وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:١٥٩] وقد كان يستشيرهم دائما كقوله: ((أشيروا علي أيها الأنصار)) (٥). وقد أشار عليه الحباب بن المنذر بخلاف رأيه يوم بدر فقال له رسول الله: ((لقد أشرت بالرأي)) (٦). فأقره على نصيحته.
فهذا رسول الله لم يستغن عن مشورة أصحابه وهو المعصوم. فهذه التعاليم النقشبندية تجعل للمشايخ العصمة والكمال المطلق وهذا تقديس في صورة أدب! قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ [التوبة:٣١] هؤلاء وإن ادعوا أنهم لا يدعون العصمة للمشايخ فإن لسان حالهم يؤكد اعتقادهم العصمة.
فهل هذا إلا طلب الشرف في الدين وتحقيق الملذات والتسلط على العوام باسم الدين وباسم التأدب مع الشيخ.
فالمشيئة مشيئتهم والأمر أمرهم والخدمة لهم أحب إلى الله من صلاة النوافل إليه.
وهم يراقبون المريد ولو من بعيد، ويغيثون المكروب ويقلبون الشقي إلى سعيد.
الاستسلام لمعاصيهم طاعة، والاعتراض على معاصيهم معصية.
من رأى منهم غلطا فليقل هذا ظاهره خطأ ولكن باطنه صواب.
التوجه إلى الله لا يكون إلا بهم.
بيوتهم قبلة ولنعالهم ألف وألف قبلة. وفي ذلك الاستسلام المطلق للشيخ، يقول محمد أمين الكردي: «اعلم أن كل ما وضعوه من الآداب للمريدين كتغميض العين وقت الذكر وإغلاق الأبواب فينبغي أن تتلقاه بالقبول وتعلم أنهم اقتبسوه من مصباح السنة، فإذا أردت أدبا من آدابهم ولم تعرف مأخذه من السنة فلا ينبغي أن تطيل لسانك بالاعتراض عليهم» (٧).
وهذه دعوة إلى التقديس وتهديد للمعترض بالحرمان على نمط وثائق الحرمان الكنسي عند النصارى لكل من يجرؤ على الاعتراض على البابا الممثل لإرادة الله على الأرض!!!
стр. 3752
إنها تعاليم تحجر العقل وتروض على الذل وهدم الشخصية. إذ إن هؤلاء لما رأوا العقل لا يقبل بدعهم سارعوا إلى الهيمنة على عقول العوام وتسلطوا عليها بالتخويف والتهديد والطرد من رحمة الله، وسلب الفيوضات التي أفاضها الشيخ على المريد مما يجعل المريد عبدا يحقق كل معاني الإسلام للشيخ لا لله. ولا تنس أن للمشايخ مريدات لا مريدين فقط: والباقي عندك أيها القارئ.
الشيخ يأمر مريده بالسرقة
بل قد أرغموا المريد على ارتكاب المعصية مهما كبرت إذا أمر الشيخ مريده بها: وفي ذلك يحكون قصة للشيخ بهاء الدين مؤسس الطريقة أنه كان في بخارى مع تلميذه نجم الدين دادرك فقال الشيخ له: «أتمتثل كل ما آمرك به؟ قال: نعم. قال: فإن أمرتك بالسرقة تفعلها؟ قال: لا. قال: ولِمَ؟ قال: لأن حقوق الله تكفرها التوبة، وهذه من حقوق العباد. فقال: إن لم تمتثل أمرنا فلا تصحبنا. ففزع نجم الدين فزعا شديدا وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأظهر التوبة والندم وعزم على أن لا يعصي له أمرا فرحمه الحاضرون وشفعوا له عنده وسألوه العفو عنه فعفا عنه» (١).
ومن آداب المريد مع شيخه أيضا
أن لا يتزوج زوجة طلقها شيخه أو مالت نفسه إليها. ويلزم منه أن تنطبق أحكام تحريم زواج نساء النبي بنساء الولي. وكأن الله قال: وما كان لكم أن تؤذوا أولياء الله ولا أن تنكحوا أزواجهم من بعدهم أبدا إن ذلكم كان عند الإله عظيما. وبذلك تصير زوجات الأولياء أمهات المؤمنين (٢)!!!
أن يلازم عند الذكر في مخيلته وبين عينيه صورة الشيخ وذلك من أصول الذكر (٣). ولا يبعد عند هذه الحالة أن يتشكل الشيطان بصورة الشيخ فيكون التوجه عند الذكر للشيطان وحينئذ يفتح له عجائب الخيالات ويحصل الفناء في الشيطان في حين يظن المسكين أنه فني في ذات الله.
آداب أخرى للمشيخة مع المريدين
أن ينام في مكان ويجعل رأسه إلى الغرب وقدميه إلى الشرق.
أن يجلس المريد بين يدي شيخه متوركا عكس تورك الصلاة. أن يغلق الباب، وهذه عندهم من أهم الآداب ويستدلون على ذلك بما زعموه أن الرسول قال لأصحابه: ((هل فيكم غريب؟ يعني أهل الكتاب. قالوا: لا، قال ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله)) (٤)(٥). وهذا الحديث لا أصل له، ثم إن نصه يفيد أن الغريب أهل الكتاب وهم يحتجون به لغلق الباب عن المسلمين لا عن أهل الكتاب! أن يعلم المريد أسماء آبائه في الطريق لئلا ينتسب إلى غير أبيه ولأن الأبوة الروحية أقوى من الأبوة الجسمية فإنه إذا أراد أن يستمد من روحانيتهم وكان انتسابه إليهم صحيحا أمدته رجال السلسلة النقشبندية بأسرارها وأنوارها» (٦).واعتبروا أنه يمكن للسالك في طريقة القوم أن يكلم من يشاء ابتداء من مشايخ الطريقة الأموات إلى النبي إلى الله. قالوا: وأقل ما يحصل للمريد إذا دخل في سلسلة القوم بالتلقين: أنه إذا حرك السلسلة تجيبه أرواح الأولياء: من شيخه إلى رسول الله ﷺ إلى حضرة الله (٧).وجعلوا من أعرض عن السلسلة في حكم اللقيط الذي لا يعرف أباه وأمه. وحرموه ميراث النبوة فصرحوا بأنه «مقطوع الفيض غير وارث للنبي وزعموا أن النبي قال: ((طوبى لمن رآني ورأى من رآني)) (٨) بل زعموا أن النبي قال في الصحيحين: ((من صافحني أو صافح من صافحني إلى يوم القيامة دخل الجنة)) (٩)(١٠).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص١١٤ فما بعدها
стр. 3753
المطلب الأول: مبدأ الرابطة عند النقشبنديين
أول مبدأ يشدد عليه النقشبنديون هو مبدأ الرابطة يعدون به المريد بالوصول إلى الله والفناء فيه وفيض المعارف والحكمة والاتصال بسلسلة مشايخ الطريقة. لقد أخذ النقشبنديون يبحثون للسالك عن رابطة أخرى بالله غير تلك الرابطة التي كانت قرة عين النبي ﷺ أعني الصلاة. والتي كان إذا حزبه أمر نادى بلالا: ((أرحنا بها يا بلال)) (١). فابتدعوا الرابطة.
وهذه الرابطة مبناها على ربط القلب بغير الله أي بالشيخ محبة وطاعة وخضوعا وتذللا. والشريعة إنما طالبت بالرابطة أن تكون بالله وليس بغيره. وزعموا أن قلب الشيخ مفتوح إلى عالم الغيب وكل لحظة يحصل فيها المدد من الله إنما تكون بواسطة الشيخ، بل إذا حدثت وسوسة فعلى المريد أن يغتسل بالماء البارد ويدخل خلوته ويتخيل صورة النبي أو صورة شيخه (٢). ولكن: إن كان تخيل الشيخ موصل ضروري إلى الله فما المانع من تخيله في الصلوات الخمس؟
ولا تنس أنها صلة غير مباشرة يشترطون أن يكون الشيخ وسيطا فيها بل لا يمكن أن تحصل إلا به. أما مشروعيتها عندهم فهي مستنبطة من قوله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران:٣١] قالوا: ففي الآية إشارة إلى الرابطة لأن الاتباع يقتضي رؤية المتبوع حساً أو تخيله معنى، وهو غرضنا من الرابطة (٣).قالوا: «ومنكرها مكتوب في جبهته الخسران متسم بالمقت والحرمان» (٤).الرابطة تفيد إن كانت مع الإنسان الكامل المتصرف بقوة «الولاية» لأن الإنسان الكامل مرآة الحق فمن ينظر إلى روحانيته بعين البصيرة يشاهد الحق فيها (٥).
стр. 3754
المطلب الثاني: آداب الرابطة أن يغمض العينين ويلصق اللسان بسقف الحلق والأسنان بالأسنان والشفة بالشفة مع إطلاق النفس (١).
أن يستحضر صورة الشيخ في جبهته ويقررها وسط الجبهة. أن يعتقد أن تصرفات روحانية الشيخ من تصرفات الحق سبحانه. فإن الشيخ واسطة بين المريد وبين الله والإعراض عن الشيخ يعتبر إعراضا عن الله (٢). أما الشيخ فإنه يتلقى العلم اللدني من الله مباشرة وبلا واسطة (٣).
أن لا يشرب الماء بعد الورد فإنه يطفئ حرارة الذكر.
أن يتصور أن لقلبه لسانا. ويسمونه باللسان الخيالي.
أن يحمل مسبحة حسنة التكوير حتى يحسن عد الأذكار بخمسة آلاف مرة. أن يلصق اللسان والأسنان والشفة ولكنه يحبس النفس تحت سرته ويتخيل منها نقش (لا) ممتدة إلى منتهى دماغه ويتخيل من دماغه نقش (إله) ممتدة إلى كتفه الأيمن. ويتخيل من كتفه الأيمن نقش (إلا الله) مارّا بها على اللطائف الخمس ضاربا بلفظ الجلالة على القلب (٤).
стр. 3755
المطلب الثالث: الصورة صنم والصنم صورة
ولعلك تلاحظ أهمية تخيل الأشياء والصور.
ولا تنس أن الصور جماد كما أن الصنم جماد فصار تقرب المريد النقشبندي بالجماد وهو الصنم مشابه لتقرب مشرك قريش بالصنم المشكل على صورة الرجل الصالح!
وهل الصنم إلا صورة؟!!!
فتوى مفتي العراق ببطلان الرابطة
وقد كتب محمد أسعد صاحب زادة كتابا في الرد على فتوى ببطلان الرابطة النقشبندية وأنها من البدع المنكرة قال في بدايتها: «ووقفت على التاريخ المسمى بـ (التاج المكلل) تأليف الفاضل المشهور صديق حسن خان البخاري القنوجي نواب بهوبال فرأيت فيه سؤالا واردا عليه من الأديب الفاضل السيد نعمان ابن الإمام الكبير والحجة المفسر الشهير السيد محمود الألوسي مفتي بغداد عن الرابطة الشريفة التي تستعملها ساداتنا الأئمة النقشبندية ... وملخص السؤال: ما قولكم في حكم الرابطة المستعملة عند أصحاب الطريقة النقشبندية .. وهل لها أصل من السنة والكتاب أم هي اختراع واجتهاد؟
فأجاب بما ملخصه: أما مسئلة الرابطة فلا يخفى أنها من البدع المنكرة وقد صرح بالنهي عنها الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي فقال: قالوا: والركن الأعظم ربط القلب بالشيخ على وصف المحبة والتعظيم وملاحظة صورته. قلت: إن لله تعالى مظاهر كثيرة فما من عابد غبيا كان أو ذكيا الا وقد ظهر بحذائه شيء صار معبودا له في مرتبته ولهذا السر نزل الشرع باستقبال القبلة والاستواء على العرش وقال رسول الله ﷺ ((اذا صلى أحدكم فلا يبصق قبل وجهه فإن الله بينه وبين قبلته)) (١). وسأل جارية سوداء فقال: ((أين الله؟ فأشارت إلى السماء)) الحديث (٢). فلا عليك أن لا تتوجه إلا إلى الله ولا تربط قلبك إلا به ولو بالتوجه إلى العرش ... أو إلى القبلة فيكون كالمراقبة لهذا الحديث. وقد أفاد الشيخ العلامة محمد إسماعيل الدهلوي في كتاب (الصراط المستقيم) أن هذه الرابطة بمكان من الشرك لا يخفى. وأقول: ما لنا ولقلبنا وربطه بالشيخ كائنا من كان. وإنما تربط قلوب الأنام ببارئها» (٣).ثم كتب محمد أسعد صاحب زاده كتابه للرد على هذه الفتوى وزعم أنه يبرهن على صحة الرابطة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. لكنه أتى بأدلة واهية مثل أن النبي ﷺ كان يخلو بغار حراء. وتجاهل أنه ﷺ بعد أن جاءه الحق لم يعد يخلو بغار حراء. وأن قوله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:٣١] دليل على مشروعية الرابطة، وذكر ما عليه دين الفلاسفة كمبدأ الاستفاضة من أرواح الأموات الفياضة واستحضار روحانيات أموات سلسلة الخواجكان ... الخ (٤).ولما أحس بضعف أدلته قال متحكما: «على أنه لا يجب علينا الاستدلال على الرابطة الشريفة بدليل لأن دليل من قلدناه من العلماء العاملين والأولياء العارفين كاف واف بالمقصود» (٥).وفي موضع آخر من كتابه زعم أنه حتى لو افترضنا بأن عمل الرابطة الشريفة لا دليل عليه: وإنما استعملناه لما حصل لنا من الفائدة بالتجربة، فالإنكار علينا من أي وجه وما دليله؟» (٦).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٢٣فما بعدها
стр. 3756
المطلب الأول: آداب الذكر عند الطريقة (١)
وهذا الذكر الخفي جعلوا له آدابا: تغميض العينين وإلصاق اللسان بسقف الحلق والأسنان بالأسنان والشفة بالشفة مع إطلاق النفس (٢). وجعلوا اللسان مربوطا لأن الذكر عندهم بلسان القلب لأن القلب كله لسان عندهم كما قاله محمد مصطفى أبو العلا النقشبندي (٣).أن يقول بقلبه: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي. هكذا واحدا وعشرين مرة في نفس واحد (٤). لترويضه على الوسوسة.
أن يقول «لسان القلب»: الله الله. مئة مرة. هكذا من غير اقتران ألفاظ التنزيه الأخرى بلفظ الجلالة كلفظ: سبحان والحمد ولا إله إلا .. إلخ. قالوا: فإن سلطان الذكر عندهم أن يقول: (الله الله) وربما جرى على لسانه (الله الله) (٥) أو (هو هو) أو (ها ها) أو (هـ هـ) أو (آآ) أو (أهـ أهـ) أو (لا لا) أو عياط بغير حرف أو صرع أو تخبط. فإذا داومت على الذكر بهذه الطريقة رأيت الذكر كنار تصعد وتحرق جميع الشهوات ... ثم تشهد نارا صافية وهي علامة قوة الهمة، فإن رأيت اختلاطا في الألوان فهي حالة تلوين. وثبات لون الخضرة علامة على التمكين (٦).وبهذا أبطلوا دور اللسان في الذكر. وهذه بدعة شنيعة فإن مجموع الأحاديث تبين أن مدار الذكر على اللسان لا في القلب دون اللسان كقول النبي: ((لا يزال لسانك رطبا بذكر الله)) (٧) ولم يقل: لا يزال لسان قلبك؟
استقبال القبلة في مكان خال.
يقول بلسانه: (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي).
ويكرر الأذكار جميعها إلى خمسة آلاف مرة .. الجلوس متوركا عكس توركه للصلاة بأن يجلس على أليته اليسرى مخرجا الرجل اليمنى من تحت الرجل اليسرى (٨) ويبين له الشيخ محل القلب الصنوبري وأنه تحت الثدي الأيسر بإصبعين.
الذكر يكون خفيا.
إغماض العينين وإطباق الفم ووضع اليد اليمنى بالمسبحة على القلب تحت الثدي الأيسر.
الاستغفار خمسا وعشرين مرة.
الصلاة على النبي ﷺ خمسا وعشرين مرة.
قراءة الفاتحة مرة. وسورة الإخلاص ثلاثا وإهداؤها إلى روح سيدنا محمد وأرواح سلسلة مشايخ الطريقة النقشبندية.
رابطة الموت وهو استحضار النزع للروح وكأنه يعاين الموت ويسأله الملكان.
стр. 3757
المطلب الثاني: رابطة المرشد وذلك بأن يستحضر الشيخ وصورته في قلب الذاكر عند الذكر. على أساس أن الشيخ وسيلة المريد الذاكر إلى الله يتقرب به إلى الله زلفى. وقد عرف خالد البغدادي الرابطة بأنها «عبارة عن استمداد المريد من روحانية شيخه بكثرة رعاية صورته ليتأدب ويستفيض منه في الغيبة كالحضور» (١).وقيل: الفناء في الشيخ مقدمة الفناء في الله (٢). وهذا من أهم المهمات وآكد الآداب في العبادة (٣).أما من ينكر شيئًا من هذه الآداب أو يشك في أنها مبنية على أصول السنة فيقول الشيخ محمد أمين الكردي: «وهذا الأمر لا يجحده إلا من كتب الله على جبهته الخسران واتسم والعياذ بالله بالمقت والحرمان أولئك هم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» (٤).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٢٣ - ١٣٣
стр. 3758
المطلب الثالث: أصول الذكر عندهم وطريقته وغايته ونهايته من أصول الذكر عند النقشبنديين ترك الذكر باللسان وتفضيل الذكر بالقلب بدلا منه، فصاحب تنوير القلوب وغيره لا يعجبهم الذكر كثرة الأذكار اللسانية والأوراد الظاهرية (١).وقد زعموا أن الشيخ الغجدواني أخذ طريقة الذكر من الخضر الذي لقنه الذكر العددي والذكر الخفي وهو أن ينغمس في الماء ويذكر بقلبه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» (٢).علق النقشبنديون على هذا الغوص في الماء بقولهم: «ولعل الأمر بالغوص بالماء لحفظ النفس والاحتياط في حبسه» (٣)
وهذه الرواية المكذوبة يبطلها قول الشيخ عبد الرحمن درويش الحوت الذي قال: «لم يرد في حياة الخضر شيء يعتمد عليه» (أسنى المطالب ٦١٦).
واعترافهم بأن مصدر طريقتهم في الذكر مستقاة من الخضر لا من سنة النبي ينقض قولهم أن طريقتهم مبنية على الكتاب والسنة على أصلها لم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها. فإن هذا الذكر الخفي شريعة خضرية لا محمدية! هذا مع عدم التسليم بأنه الخضر، وكثيرا ما ينتحل الشيطان شخصية الخضر.
من الدنيا إلى الجنة فوراقال الشيخ عبد الوهاب أحد أصحاب الشيخ بهاء الدين: «لما دفن حضرة الشيخ ﵁ فتح من جهة وجهه المبارك له طاقة إلى الجنة ... فدخلت عليه حوريتان وسلمتا عليه وقالتا له: نحن منذ خلقنا الله ننتظر خدمتك. فقال قدس الله سره: إني عاهدت الله تعالى أن لا ألتفت إلى شيء ما من الأشياء ما لم أتشرف برؤيته التي بلا كيف ولا مثال: وأشفع بجميع من اتصل بي وسمع مني القول الحق وعمل به» (٤).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٢٩، ١٣٠
стр. 3759
المطلب الأول: مرتبة الطعن في النبوة
ويقسم محمد المعصوم النقشبندي مراتب الولاية إلى عدة مراتب:
مرتبة الولاية الصغرى.
مرتبة الولاية الكبرى وهي ولاية الأنبياء.
مرتبة الولاية العليا. وهي مرتبة الوصول إلى مرتبة الذات الإلهية.
- أما مرتبة الولاية الكبرى وهي المقام الأخير من مقامات النقشبندية التي هي ولاية الأنبياء.
- وأما مرتبة الولاية العليا. فهذا المقام من أعلى درجات الولاية السابقة بل كشف تفوقه على ولاية الأنبياء، أما فضيلة الأنبياء فهي بطريق النبوة ... - واذا تم السير في اسم «هو الظاهر» واسم «هو الباطن» اللذين هما جناحان للطيران إلى مرتبة «الذات البحت تعالت وتقدست» المعبر عنها بالولاية العليا يكون السير في مرتبة «كمالات النبوة» وفي هذا المقام قطع السير مقدرا نقطة واحدة أفضل من جميع المقامات من الولايات الثلاثة أعني الولاية الصغرى والولاية الكبرى والولاية العليا (١).
وأما مرتبة ما بعد الولاية العليا فهي:
مرتبة تجلي الذات تعالى من غير حجب الأسماء والصفات وجعل لها ثلاث مراتب:
الأولى: مرتبة كمالات النبوة.
الثانية: مرتبة كمالات الرسالة.
الثالثة: مرتبة كمالات أولي العزم. وهذه المراتب كلها تحصل لغير الأنبياء. ولما أحس بأن هذا تفضيل صريح للولي على النبي اعتذر قائلا «ولا يلزم من حصول كمالات النبوة لبعض أفراد الأمة بطريق التبعية والوراثة أنهم من الأنبياء أو مساو لهم» (٢).وثمة طعن آخر ظهر من أحد النقشبنديين المعاصرين وهو عبد الله الفايز الداغستاني شيخ ناظم القبرصلي حيث زعم أن «من قرأ خواتيم البقرة ولو مرة واحدة يفوز بما لم يفز به الأنبياء» (٣).
وهناك دوائر تحصل للسالك منها:
دائرة حقيقة الكعبةدائرة حقيقة القرآن: وفي هذه المرتبة يزعمون أنه يظهر للولي في هذا المقام بواطن كلام الله ويرى كل حرف من حروف القرآن بحرا موصلا إلى كعبة المقصود ويصير لسان القارئ وقت تلاوة القرآن كالشجرة الموسوية (٤).
دائرة حقيقة الصلاة
دائرة المعبودية الصرفة
دائرة الحقيقة الموسوية
دائرة الحقيقة المحمدية.
دائرة الحقيقة الأحمديةدائرة الحب الصرف: وتعني أن الحب هو سبب خلق الله لظهور الممكنات كما جاء في الحديث القدسي «كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» (٥). ونقلوا عن السرهندي «إن أول شيء ظهر من خزينة المكنونة الإلهية هو الحب الذي صار سببا لخلقة الخلائق فلو لم يكن الحب لكان العالم معدوما محضا ويتحقق ههنا معنى الحديث القدسي الوارد في شأن النبي ﷺ ((لولاك لما خلقت الأفلاك)) (٦) وكذلك معنى الحديث () لولاك لما أظهرت الربوبية (((٧)(٨).
دائرة اللاتعين: وهذا المقام مخصوص بسيد الأولين والآخرين.
فهذا طعن في النبوة والألوهية وهو اغتراف من معين عقائد الباطنيين والقرامطة والفلاسفة.
стр. 3760
المطلب الثاني: زعمهم أنهم يرون الله في الدنيا واختلف علماء بخارى في إمكان رؤية الله فمنهم من نفى ومنهم من أثبت فأتوا إلى الشيخ محمد بارسا وقالوا له: إنا رضيناك حكما علينا في هذه المسألة. فقال للنافين: أقيموا في صحبتي ثلاثة أيام متطهرين ولا تتكلموا بشيء ما حتى أجيبكم، فلما مضت ثلاثة أيام حصل لهم حال قوي فصعقوا، فلما أفاقوا جعلوا يقبلون قدم الشيخ وقالوا: آمنا أن الرؤية حق» (١).ويؤكد محمد أمين الكردي هذه الرؤية في الدنيا فيقول: «فإذا جاهد فيه - أي الذكر - حق جهاده وصدق فيه: ظهرت النتيجة وهي: رؤية جناب الحق بعين البصيرة على الدوام والمداومة عليها مع المجاهدة التامة يكون دائما في التقرب وأبدا في التحبب حتى تنتهي مراقبته إلى المشاهدة من غير حجاب» وقد أثبت السرهندي رؤية النبي ربه في الدنيا (٢).
стр. 3761
المطلب الثالث: ختم الخواجكان
ولهذا الختم عند الطريقة شرطان:
أن لا يحضر فيه أجنبي ولا أمرد: أن يغلق الباب. وهو شرط يرمز عندهم إلى كتم الطريقة ومراسيمها حتى لا تتعرض لألسنة النقاد (١).وقد يصاب من لم يحصل له الاتصال بسلسلة الطريقة عند ذكر ختم الخواجكان جنون وصرع. قال صاحب (الرشحات): «حصل لي اضطراب قوي لعدم حصول نسبة الخواجكان قدس الله أرواحهم، فكنت أضرب رأسي على الأرض في الليالي المظلمة وأخرج في النهار إلى الصحراء أبكي فيها» (٢).وهذا الضرب دائم عندهم. فقد حكى صاحب (الرشحات) أن أحد مشايخ النقشبندية كان معتكفا في المسجد لا يأكل ولا يشرب فلما عزم على الخروج من المسجد ليأكل ألقى الله إليه إلهاما ربانيا أن: بعت صحبتنا على خبز؟ قال: فرجعت المسجد ثانية ولطمت وجهي بيدي حتى بقي أثر الضرب فيه أسبوعا» (٣).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٣٤فما بعدها
стр. 3762
المطلب الأول: الخلوة وشروطها
ولا يمكن الوصول عند النقشبندية إلى الله إلا بالخلوة، أقلها ثلاثة أيام وأكملها أربعون يوما.
وأهم شروط هذه الخلوة:
استئذان الشيخ وطلب الدعاء منه.
العزلة وتعوّد السهر والجوع والذكر.
أن لا يسند ظهره إلى الجدار!!!
أن يكون مستيقظا من أعدائه الأربعة: الشيطان والنفس والهوى والدنيا. أن يغلق الباب وهو من أهم شروط الخلوة وأن لا يفتح الباب لمن يريد التبرك به إلا لشيخه (١).أن يرى كل نعمة حصلت له إنما هي من شيخه (٢).
стр. 3763
المطلب الثاني: طقوس أخرى
وقوف زماني: وشروطه وآدابه ما يلي:
لا يتحدث بعد صلاة العشاء
يصلي اثني عشرة ركعة في كل ركعة منها الفاتحة وسورة يس وإن لم يستطع يقطعها في الركعات الثمان: في الركعة الأولى إلى وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:١١] وفي الثانية إلى وَهُم مُّهْتَدُونَ [يس:٢١] وفي الثالثة إلى لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:٣٢] وفي الرابعة إلى فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:٤٠] وفي الخامسة إلى وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:٥٠] وفي السادسة إلى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ [يس:٦١] وفي السابعة إلى فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:٧١] وفي الثامنة إلى آخر السورة (١).واشترطوا على المريد لبس الخرقة وزعموا أن السلف اشترطوا في لبسها شروطا معينة (٢).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص١٣٩
стр. 3764
المبحث الرابع عشر: أهم رجالاتها المعاصرين
١ - محمد ناظم قبرصلي وقد تلقى مبادىء الطريقة على عدة رجال أهمهم عبد الله فايز الداغستاني ثم رحل إلى طرابلس وأنشأ زوايا للطريقة هناك ثم صار ينتقل بين إسطنبول ولندن. وله أثر سيئ جدا في نشر الخرافة بين المسلمين الإنجليز الجدد وبين المهاجرين الباكستانيين والهنود في لندن. ومن خرافاته أن النبي ﷺ لم يكن له ظل على الأرض وأنه نور كما تقتضي عقيدة الحقيقة المحمدية التي يعتقدها عامة الصوفية وقد وزع رسالة باللغة الإنجليزية في هذا الموضوع. وتتضمن تزكيته وتزكية شيخه عبد الله الداغستاني.
وقد كتب شيخه هذا رسالة بعنوان (وصية مرشد الزمان وغوث الأنام) زعم فيها أنه تلقاها على لسان رسول الله ﷺ وروجها له تلميذه القبرصلي وترجمها بالانجليزية وفيها يدعي:
أن الكافر إذا قرأ الفاتحة ينال قسما من العناية الإلهية (ص١٢).
وأن من قرأ خواتيم البقرة ولو مرة واحدة يفوز بما لم يفز به الأنبياء (ص ١٣).
وأن الله لم يفرق بين مؤمن ومنافق وكافر (ص ١٤).ولهذا حمل الأحباش عليه وعلى تلميذه القبرصلي وحذروا من ضلالهما وحذروا من كتابه (محيطات الرحمة آفاق لا متناهية) وفيه يدعو إلى ترك التعلم ويزعم أن الأولياء يتلقون الحديث وإن كان ضعيفا، ودعا إلى قبول أي حديث احتراما وإجلالا لرسول الله ﷺ وأن أوامر القطب هي ذاتها أوامر الله تعالى. وأن رحمة الله تشمل الكفار كالروس والهندوس ... وأن في الأولياء من له عيون مقدسة تحرق الشرور بين الناس فبسبب هذه النظرة تحترق شرارة الشرور. فيجوز لهم النظر إلى أي مكان حتى النساء. (١)
٢ - محمد عثمان سراج الدين النقشبندي الملقب بسلطان الأولياء. وجعلوا له سلطانا على الأنبياء والصحابة.
وهو رجل كردي طاعن في السن لا يكاد يتكلم. يتلقون المعرفة عنه بالاتصال الروحي وبمجرد النظر بطريقة أشعة الليزر. ينشر هو وأتباعه حروز السحر والخرافة.
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية - ص ٩٥
стр. 3765
المبحث الخامس عشر: كلام العلماء في الطريقة النقشبندية
- فتوى اللجنة الدائمة في الطريقة النقشبندية
س: ما حكم الإسلام من خلال معرفتكم في الطرق الصوفية عامة والطريقة النقشبندية خاصة؟ ج: تكثر البدع عند جماعة الطرق الصوفية عموما كالذكر الجماعي في صفوف أو حلقات بصوت واحد وذكرهم الله بالاسم المفرد بصوت واحد مثل: الله الله، حي حي، قيوم قيوم .. وذكرهم بضمير الغائب مثل: هو، هو .. وذكرهم بكلمة آه، وفي نشيدهم على الأذكار شر كثير، مثل: الاستغاثة بغير الله وطلب المدد من الأموات مثل: البدوي، والشاذلي، والجيلاني، وغيرهم، وفي كتبهم بدع كثيرة وشر مستطير، ويخص النقشبندية وذكرهم الله بلفظ الجلالة في الورد اليومي بحركات قلبية مع نفس تشبه حركة اللسان بالكلام دون تحريك للسان واستحضار المريد شيخه وورده اليومي مع اعتقاد وساطته في نجاته يوم القيامة، وهذه الأمور كلها من البدع المنكرة؛ لأن تلك الأذكار لم يثبت منها شيء عن النبي ﷺ فيما أوحي إليه من الكتاب والسنة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١).
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد العزيز بن عبد الله بن باز, عبد الله بن قعود, عبد الله بن غديان, عبد الرزاق عفيفي,
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٣/ ٥٢
- ورد سؤال على اللجنة الدائمة للبحوث العلمية عن أذكار الطريقة النقشبندية فأجابت:
ج: المعروف عن جميع طوائف الصوفية وفرقهم أنهم يذكرون الله أذكارا بدعية، فيرقصون ويترنحون ويتمايلون يمنة ويسرة وأعلى وأسفل، ويسمون الله في ذكرهم بغير ما سمى به نفسه وبغير ما سماه رسوله ﷺ ؛ مثل: هو هو هو، ومثل: آه آه، ويذكرونه بالاسم مثل: الله الله الله، وبما يسمونه: الذكر القلبي، كما يفعله النقشبندية، ويذكرونه بما ذكر جماعة بصوت واحد ويستغيثون في أذكارهم بالأموات والغائبين فيقولون: مدد يا أبا العباس، مدد يا دسوقي، وذلك شرك يخرج من ملة الإسلام، ويعتقدون في مشايخهم أن لديهم علما لَدُنِّيا يطلعون به على الغيبيات، وأن لهم أسرارا يتصرفون بها وراء الأسباب العادية، وننصحك بقراءة كتاب (هذه هي الصوفية) للشيخ عبد الرحمن الوكيل لتعرف الكثير من بدعهم، وجالس من تعرف عنه أنه يتمسك بالكتاب والسنة وينكر البدعة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس ... نائب رئيس اللجنة ... عضو
عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن غديان
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٣/ ٢١
стр. 3766
مراجع للتوسع
أهم الكتب النقشبندبة
ومن أراد مزيد التوسع في معرفة هذه الطريقة فعليه بأهم المراجع التالية
(إرغام المريد لتوسل المريد برجال الطريقة النقشبندية). لمحمد بن زاهد الدوزجوي. ت ١٣٧٠.
(أصفى الموارد من سلسال أحوال الإمام خالد). تأليف عثمان بن سند الوائلي النجدي.
(الأنوار القدسية في مناقب السادة النقشبندية) جمعها من كتب عبد المجيد بن محمد الخاني الشيخ إبراهيم بن يس السنهوتي. ط السعادة بمصر.
(البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية). محمد بن عبد الله الخاني.
(أوراد الذاكرين أوراد الطريقة النقشبندية). لمحمد الحبش. ط دار المحبة، دمشق.
(البهجة السنية في آداب الطريقة العلية) النقشبندية محمد بن عبد الله الخاني. ط مكتبة الإخلاص تركيا.
(جامع الأصول في الأولياء وأنواعهم). أحمد ضياء الدين الكشمخانلي ط الجمالية بمصر ١٣٢٨ وقد أثنى الكوثري على هذا الكتاب بالغ الثناء.
(الحديقة الندية في الطريقة النقشبندية) محمد بن سليمان النقشبندي. ط الإخلاص.
(تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب) محمد أمين الكردي. ط دار إحياء التراث العربي. بيروت.
(الحدائق الوردية في حقائق أجلاء النقشبندية) عبد المجيد بن محمد الخاني ١٣٠٦.
(الرحمة الهابطة في ذكر اسم الذات والرابطة) للشيخ حسين الدوسري بهامش مكتوبات السرهندي ط: دار الكتب العلمية. (رشحات عين الحياة) لعلي بن الحسن الواعظ الهروي وهذا الكتاب فيه كفريات عجيبة ومع ذلك فهو كتاب عظيم عندهم، وكان الكوثري يحيل الناس إليه (١). واستحسنه واحتج به خالد البغدادي الملقب بذي الجناحين في كتابه (رسالة في تحقيق الرابطة) ضمن كتاب (علماء المسلمين وجهلة الوهابيين) ط: مكتبة الحقيقة - تركيا وهي مكتبة متخصصة في بث كتب البدع والشرك والطعن في أهل السنة. وبالرغم من تخصصها في بث الشرك فقد جعلوا لها وقفا باسم " وقف الإخلاص".
(السبع الأسرار في مدارج الأخيار) محمد بن معصوم المجددي ط تركيا - ١٣٣١.
(السعادة الأبدية فيما جاء به النقشبندية) عبد المجيد بن محمد الخالني الخالدي. ط الإخلاص بتركيا.
(مكتوبات الإمام الفاروقي السهروهندي). ط دار الكتب العلمية.
(المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية) محمد أمين الكردي. ط السعادة سنة ١٣٢٩.
(نور الهداية والعرفان في سر الرابطة والتوجه وختم الخواجكان). محمد أسعد صاحب زادة النقشبندي. ط المطبعة العلمية بمصر ١٣١١. كتاب: (الشيخ محمد الحامد العلامة المجاهد). تأليف عبد الحميد طهماز (٢)
مؤلفات ومقالات عن الطريقة النقشبندية
كتاب (النقشبندية) عبد الرحمن دمشقية ط: دار طيبة.
كتاب (النقد والتزييف). ط: المكتب الإسلامي.
كنت نقشبنديا مقالة للشيخ محمد جميل زينو (مجلة الاستجابة العدد الرابع - مركز الملك فيصل ٥٠٧٠٤).
الطرق الصوفية ومشايخها في طرابلس د. محمد درنيقة
حاشية على شرح الخريدة البهية أحمد بن محمد الخلوتي الصاوي (مركز الملك فيصل ٣١٩٢٤).
تراجم إسلامية (ناصر عبيد الله أحرار) يحيى الساعاتي (مركز الملك فيصل ٣٧٨٠١).
الطرق الصوفية في آسيا ألكسندر بنغسين (مركز الملك فيصل ٥٤٢٠١).
الطرق الصوفية في شمال القوقاز لشانتال لوميرسيه (مركز الملك فيصل ٥٤٢٠١).
المصدر: الطريقة النقشبندية لعبد الرحمن دمشقية
стр. 3767
المبحث الأول: التعريف
طريقة صوفية تنسب إلى أبي الحسن الشاذلي، يؤمن أصحابها بجملة الأفكار والمعتقدات الصوفية، وإن كانت تختلف عنها في سلوك المريد وطريقة تربيته بالإضافة إلى اشتهارهم بالذكر المفرد "الله" أو مضمرًا "هو".
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 3768
المبحث الثاني: سيرة الشاذلي
أبو الحسن الشاذلي: اختلف في نسبه، فمريدوه، وأتباعه ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ كعادة أهل كل طريقة صوفية، وبعضهم ينسبه إلى الحسين، وبعضهم إلى غيره.
المصدر: الموسوعة الميسرة
وقال الكمشخانوي:
"بل ولد بقرية عمان من قرى أفريقية قرب مرسية، وهي من المغرب الأقصى أيضاً" (٧٧).
ولكن عطاء الله الإسكندراني وهو تلميذ أبي العباس المرسي يذكر أن مبدأ ظهوره بشاذلة ولكن منشأه بالمغرب الأقصى فلم يعرف بالمنشأ والمولد، بل نسب إلى مبدأ ظهوره (٧٨).
واختلفوا في نسبه أيضاً، فمريدوه والمتعلّقون به ينسبونه إلى الأشراف ويصلون بنسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، كعادة أهل كل طريقة صوفية ولو أنهم يختلفون فيما بينهم في أسماء آبائه، فالبعض ينسبونه إلى إدريس بن عبدالله المبايع له ببلاد المغرب (٧٩). وبعضهم إلى غيره (٨٠).
وأما الجامي فينسبه في نفحاته إلى الحسين، لا إلى الحسن (٨١).
وكان ضريراً كما سماه ابن الملقن والشعراني بالضرير الزاهد (٨٢).
ولكن لم يتضرر عيناه إلا بعد مدة من تحصيل العلم كما يظهر من ترجمته في مختلف الكتب (٨٣).
وانتقل في صغره إلى مدينة تونس، فبدأ ينتقل من مدينة إلى مدينة وبلدة إلى بلدة حتى حجّ ثم دخل العراق وبدأ يفتش عن القطب الصوفي -حسب زعمه- وقال له أحد الأولياء هناك:
"إنك تبحث عن القطب بالعراق، مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده" (٨٤).
فرجع إلى بلاده باحثاً ومفتشاً عن القطب، يسأل عن المقبل والمدبر والراحل والمقيم إلى أن اجتمع به، وهو أبو محمد عبدالسلام بن مشيش، فيقول الشاذلي: أتيت إليه "وهو ساكن مغارة برباط رأس جبل، فاغتسلت في عين أسفل الجبل وخرجت عن علمي وعملي، وطلعت إليه فقيراً، وإذا به هابط إليّ، فقال: مرحباً يا علي، وذكر نسبي إلى رسول الله" (٨٥).
"ثم قال لي: يا علي، طلعت إلينا فقيراً من علمك وعملك، وأخذت منا غنى الدنيا والآخرة، فأخذني من الدهش فأقمت عنده أياماً إلى أن فتح الله عليّ بصيرتي" (٨٦).
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص ٢٣٥ بتصرف
ـ ذكره الإمام الذهبي في (العبر) فقال: "الشاذلي: أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار المغربي، الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية، سكن الإسكندرية وله عبارات في التصوف توهم، ويتكلف له في الاعتذار عنها، وعنه أخذ أبو العباس المرسي، وتوفي الشاذلي بصحراء عيذاب متوجهًا إلى بيت الله الحرام في أوائل ذي القعدة ٦٥٦هـ". (عيذاب على طريق الصعيد بمصر). ـ تتلمذ أبو الحسن الشاذلي في صغره على أبي محمد عبد السلام بن بشيش، في المغرب، وكان له أكبر الأثر في حياته العلمية والصوفية. ـ ثم رحل إلى تونس، وإلى جبل زغوان، حيث اعتكف للعبادة، وهناك ارتقى منازل عالية، كما تزعم الصوفية. ـ رحل بعد ذلك إلى مصر وأقام بالإسكندرية، حيث تزوج وأنجب أولاده شهاب الدين أحمد وأبو الحسن علي، وأبو عبد الله محمد وابنته زينب، وفي الإسكندرية أصبح له أتباع ومريدون، وانتشرت طريقته في مصر بعد ذلك، وانتشر صيته على أنه من أقطاب الصوفية.
стр. 3769
المبحث الثالث: أنواع الكرامات المنسوبة إلى أبي الحسن الشاذلي
تروي كتب الصوفية كثيرًا من كراماته وأقواله البعيدة عن التصديق، التي تنطوي على مخالفة صريحة لعقيدة الإسلام وللكتاب والسنة، اللذين هما أساس دعوته كما يقول عن نفسه، ومن هذه الكرامات والأقوال: ـ ينقل الدكتور عبد الحليم محمود نقلاً عن (درَّة الأسرار): "لما قدم المدينة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه، عريان الرأس، حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣] فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: يا علي، ادخل". وهذا مخالف للعقيدة. ويقول عن نفسه: "لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" وهذا ادعاءٌ لعلم الغيب وشرك بالله تعالى.
المصدر: الموسوعة الميسرة
وينقل الشيخ الأكبر للأزهر سابقاً عبدالحليم محمود عن صاحب (الدرة البهية):
"هو القطب الأكبر، والعلم الأشهر، والطود الأظهر العالي السنام.
هو البدر الطالع الواضح البرهان، الغنيّ عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، والذي لا يختلف في غوثيته اثنان.
وطريه ترياق شاف لأدواء العباد، وذكره رحمة نازلة في كل ناد.
سرى سرّه في الآفاق، وسارت بمناقبه الركبان والرفاق.
قضى عمره في العبادة، وقصده للانتفاع أهل السعادة.
وكان ﵁ في العلم في الغاية، وفي الزهد في النهاية، جمع الله له الشرفين: الطيني والديني، وأحرز الفضل المحقق اليقيني"
ويذكره الشاذلي بنفسه هو ومكانته السامية ودرجته الرفيعة، ومعرفته وعلمه بما يختلج في صدور الناس، وفيضه وفيضانه بقوله:
"كنت في سياحتي في مبدأ أمري حصل لي تردد: هل ألزم البراري والقفار للتفرغ للطاعة والأذكار أو أرجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار؟ فوصف لي وليٌّ هنالك، وكان برأس جبل فصعدت إليه، فما وصلت إليه إلا ليلاً، فقلت في نفسي لا أدخل عليه في هذا الوقت، فسمعته يقول من داخل المغارة: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك. قال: فالتفت إلى نفسي وقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترف هذا الشيخ. فلما أصبحت دخلت إليه فأعربت من هيبته.
فقلت له:
يا سيدي كيف حالك؟
فقال: أشكوا إلى الله من برد الرضا والتسليم كما تشكو أنت من حر التدبير والاختيار.
فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار فقد ذقته وأنا الآن فيه، وأما شكواك من برد الرضا والتسليم فلماذا؟
فقال: أخاف أن تشغلني حلاوتها عن الله.
قلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قوماً سألوك أن تسخر لهم خلقك، فسخرت لهم خلقك، فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئي إلا إليك، فتبسم ثم قال:
يا بني، ما تقول: سخر لي خلقك قل: يا رب كن لي، أترى إذا كان لك أيفوتك شيء؟ فما هذه الجناية"
وحتى ابنه الصغير يعلم ما في قلوب الناس كما يذكر الشاذلي أيضاً:
"كنت يوماً بين يدي الأستاذ فقلت في نفسي: ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله الأعظم؟ فقال ولد الشيخ وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم الأعظم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ من صدر المكان: أصاب وتفرس فيك ولدي"
стр. 3770
ويقول ابن عطاء الله السكندري: إن طريقة الشاذلي تنتسب إلى الشيخ عبدالسلام بن مشيش، والشيخ عبدالسلام ينتسب إلى الشيخ عبدالرحمن المدني، ثم واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب
وبعد مدة من الزمن وبقائه عند ابن مشيش قال له شيخه ابن مشيش: يا علي، ارتحل إلى أفريقية واسكن بلداً بها تسمى شاذلة، فإن الله يسميك شاذلياً، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس وبعد ذلك تنتقل إلى بلاد المشرق، وترث فيها القطبانية
ولما ورث القطبانية "وظهر بالخلافة الكبرى والولاية الكثرى والقطبية العظمى والغوثية الفردى، وخصّه الله بعلوم الأسماء ومن عليه بأعلى مقامات الأولياء، وخصوصيات الأصفياء، وانفرد في زمانه بالمقام الأكبر والمدد الأكثر والعطاء الأنفع والنوال الأوسع، بدأ يقول كما ذكروا عنه أنه قيل للشيخ أبي الحسن: من هو شيخك؟
فقال: كنت أنتسب إلى الشيخ عبدالسلام بن مشيش، وأنا الآن لا أنتسب لأحد، بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر.
و"تصرّف في أحكام الأولياء ومددها بالإذن والتمكين، وانفراد بسؤددها حق اليقين، وأمدّ الأولياء أجمعين، وكذا الصديقين، ونال مقام الفردانية الذي لا يجوز المشاركة فيه بين اثنين، وأجمع على ذلك من عاصره من العلماء العارفين والأولياء المقربين وخواص الصديقين، وشهد بقطبانيته وفردانيته الجمّ الكثير" (٩٤).
وبدأ يقول:
"والله لقد جئت في هذا الطريق ما لم يأت به أحد" (٩٥).
حتى تعالى وتفاخر:
"قدمي على جبهة كل ولي لله" (٩٦).
ومن الجدير بالذكر أن الدكتور عبدالحليم محمود الذي تولّى مشيخة الأزهر، وتخرّج من جامعة فرنساوية كتب كتاباً في تمجيد الشاذلي ومدح الشاذلية، ففي ذلك الكتاب يذكر أن الله كلّمه على جبل زغوان، الجبل الذي اعتكف الشاذلي فيه في قمته، وتعبّد وتحنّث، والذي يذكره نقلاً عن صاحب كتاب (درة الأسرار):
" قرأ الشيخ على جبل زغوان سورة الأنعام إلى أن بلغ إلى قوله تعالى: وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام:٧٠] أصابه حال عظيم، وجعل يكررها ويتحرك، فكلما مال إلى جهة مال الجبل نحوها ... وما كانت حياته على الجبل إلا على نباتات الأرض وأعشابها" (٩٧).
وعلى هذا الجبل ارتقى منازل، وتخطّى مراتب حيث "نبع له عين تجري بماء عذب.
ثم بدأت الملائكة تحفّ بأبي الحسن، بعضها يسأله فيجيبه.
وبعضها يسير معه.
ثم تأتيه أرواح الأولياء زرافات ووحداناً تحفّ بأبي الحسن وتتبرك به (٩٨).
وبعد تجاوز هذه المراتب كلها التي أهّلته لأن يخاطب الرب بدون واسطة ولا ملك، كلّمه الرب ﵎ حسب قول ذلك الدكتور، فقال له:
"يا علي، اهبط إلى الناس ينتفعوا بك.
فقلت:
يا رب أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخاطبتهم.
فقيل لي:
انزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة.
فقلت:
تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم.
فقيل لي:
انفق علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب.
ونزل الشاذلي ﵁ من على الجبل ليغادر شاذلة، ويستقبل مرحلة جديدة، فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه.
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه ﵁ فيما يتعلق بنسبه إلى شاذلة، قال:
قلت يا رب لم سميتني بالشاذلي، ولست بشاذلي.
فقيل لي:
يا علي، ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشَّاذُّلِي بتشديد الذال المعجمة، يعني: المفرد لخدمتي ومحبتي" (٩٩).
стр. 3771
وقبله قد تكلّم به رسول الله ﷺ من داخل حجرته الشريفة كما ذكر ذلك الدكتور عبدالحليم محمود نقلاً عن (درة الأسرار) عن أبي الحسن:
"ولما قدم المدينة زادها الله تشريفاً وتعظيماً، وقف على باب الحرم من أول النهار إلى نصفه عريان الرأس حافي القدمين، يستأذن على رسول الله ﷺ تسليماً.
فسئل عن ذلك فقال: حتى يؤذن لي، فإن الله يقول:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣]
فسمع النداء من داخل الروضة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام: "يا علي ادخل" (١٠٠).
فمن يكن هذا شأنه ومقامه ومكانته لا يستبعد عنه أن يقول:
"لولا لجام الشريعة على لساني لأخبرتكم بما يكون في غد وبعد غد إلى يوم القيامة" (١٠١).
وأيضاً: "أعطيت سجلاً مدّ البصر، فيه أصحابي وأصحاب أصحابي إلى يوم القيامة عتقاء من النار" (١٠٢).
وعلى ذلك ينقل عنه الإسكندري عن شيخه أبي العباس المرسي خليفة أبي الحسن الشاذلي وتلميذه الخاص به أنه قال:
" قال لي عبد القادر النقاد، وكان من أولياء الله: اطلعت البارحة على مقام الشيخ أبي الحسن.
فقلت له: وأين مقام الشيخ؟
فقال: عند العرش.
فقلت له: ذاك مقام تنزل لك الشيخ فيه حتى رأيته.
وإلا مقامه فهو فوق ذلك، وقد صرّح بذلك حيث يواصل كلامه فيقول:
"ثم دخلت أنا وهو على الشيخ، فلما استقر بنا المجلس قال الشيخ ﵁:
رأيت البارحة عبد القادر النقاد بالمنام فقال لي:
أعرش أنت أم كرسيّ؟
فقلت له:
دع عنك ذا.
الطينة أرضية.
والنفس سماوية.
والقلب عرشي.
والروح كرسي.
والسر مع الله بلا أين.
والأمر نزل فيما بين ذلك ويتلوه الشاهد منه (١٠٣).
وذكروا من جملة كراماته أنه أثناء سفره إلى الإسكندرية مكث بتونس مدة، واشتهر أمره وذاع صيته، والتف حوله خلق كثير فحسده فقيه تونس وقاضي قضاتها ابن البراء فوشاه إلى السلطان، ودسّ له عنده، وتكلّم في نسبه ولكن السلطان لم يمسه بسوء، ووقره في قلبه واحترمه ولكن منعه من الخروج، وما أن منعه إلاّ وماتت جاريته في ذاك الحين، التي أحبها فملكت عليه جميع أقطاره، ثم التهبت النار في البيت فلم يشعروا حتى احترق كل ما في البيت من الفرش والثياب وغير ذلك من الذخائر، فعلم السلطان أنه أصيب من قبل هذا الوليّ (١٠٤).
ولكن من الغرائب أنه لم يصب ابن البراء شيئًاً مع تصريح عبد الحليم محمود وغيره أنه بقى على عدائه للشاذلي ومخالفته له إلى أن الشاذلي كان يسلّم عليه فلم يكن ابن البراء يردّ ﵇، وكان يطعن في نسبه (١٠٥).
ولكن أني للمختلقين العقل، ومن أين للقصاصين العقل، والمسامرين الوضاعين الفكر.
فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً.
وهل يستعبد هذا من أولئك الناس الذين يفضلون هؤلاء المتصوفة على أنبياء الله ورسله ويزعمون فيهم من القدرة والاختيارات، ومعرفة علم الغيب، والتصرف في أمور الكون، وتدبير أمور الدنيا والآخرة، ومددهم الأحياء منهم والأموات، وإعطائهم الثواب والعقاب، وتقسيمهم الجنة والنار لمن يريدون ويزعمون إعطاءه، ويصفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وأمر سيد الخلائق وأفضل المخلوقات وأشرف المرسلين بأن يقول:
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨] (١٠٦).
قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠] (١٠٧).
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠] (١٠٨).
وغيرها من الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة ... ولكن المتصوفة يعتقدون في أوليائهم أوصافاً إلهية ونعوتاً ربانية فيقول الإسكندري:
"لو كشف عن حقيقة الولي لعبد، لأن أوصافه من أوصافه، ونعوته من نعوته"
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص ٢٣٦ فما بعدها
стр. 3772
المبحث الرابع: من أبرز مشايخ الطريقة الشاذلية
- أبو العباس المرسي أبو العباس المرسي: أحمد بن عمر المرسي أبو العباس شهاب الدين، من أهل الإسكندرية، لا يُعرف تاريخ ولادته وأهله من مرسيه بالأندلس، توفي سنة ٦٨٦هـ ـ ١٢٨٧م. ـ يعد خليفة أبي الحسن الشاذلي وصار قطبًا بعد موته، حسب ما يقول الصوفية، وله مقام كبير ومسجد باسمه في مدينة الإسكندرية.
المصدر: الموسوعة الميسرة
كما ينقلون عن زكي الدين الأسواني أنه قال:
"قال لي الشيخ أبو الحسن ﵁: يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله إنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه فلا يمسي عليه المساء إلا قد أوصله إلى الله، يا زكي، عليك بأبي العباس، فو الله ما من ولي لله كان أو هو كائن إلا وقد أطلعه الله عليه، يا زكي، أبو العباس هو الرجل الكامل".
ويقول أبو العباس هذا عن نفسه:
"والله ما سار الأولياء والأبدال من قاف حتى يلقوا واحداً مثلنا، فإذا لقوه كان بغيتهم، ثم قال: وبالله لا إله إلا هو، ما من ولي لله كان أو كائن إلا وقد أطلعني الله عليه وعلى اسمه ونسبه وكم حظه من الله".
وهو الذي قال:
"والله لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين".
وكان يقول:
"لا أعلم أحداً اليوم يتكلّم في هذا العلم غيري على وجه الأرض" وقدم إليه بعضهم طعاماً فيه شبهة يمتحنه فامتنع الشيخ من أكله، وقال: "إنه كان للشيخ المحاسبي عرق في أصبعه يضرب إذا مدّ يده إلى شبهة فأنا في يدي ستون عرقاً تضرب، فاستغرب الرجل وتاب على يديه".
وتكلم يوماً في القطب وأوصافه ثم قال:
"وما القطبانية بعيدة من بعض الأولياء وأشار إلى نفسه".
قال: "لقد علمت العراق والشام ما تحت هذه الشعرات لأتوها ولو سعياً على وجوههم".
وكان المرسي هذا أيضاً يدّعي صحبة الخضر واللقاء معه.
وكان له تأويل باطني مثلما كان لأستاذه وشيخه، ومثال ما ذكره تلميذه عطاء الله الإسكندري:
"سمعت شيخنا ﵁ يقول في قوله :
مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:١٠٦] أي: ما نذهب من وليّ لله إلا ونأت بخير منه أو مثله".
وكان كأستاذه يعتني بكتاب (الإحياء) لأبي حامد الغزالي، وكتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، وكتاب (ختم الأولياء) للحكيم الترمذي، وكتاب (المواقف والمخاطبات) لمحمد عبدالجبار النفري.
مات سنة ٦٨٦هـ.
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص٢٤٥، ٢٤٦
- ياقوت العرش
ثم خلفه على مشيخة الشاذلية ياقوت العرش وكان حبشياً.
"وهو الذي شفع في الشيخ شمس الدين بن اللبان لما أنكر على سيدي أحمد البدوي ﵁ وسلب عمله وحاله بعد أن توسل بجميع الأولياء، ولم يقبل سيدي أحمد شفاعتهم فيه، فسار من الإسكندرية إلي سيدي أحمد، وسأله أن يطيب خاطره عليه وأن يردّ عليه حاله فأجابه.
ثم إن سيدي ياقوت زوّج ابن اللبان ابنته، ولما مات أوصى أن يدفن تحت رجليها إعظاماً لوالدها الشيخ ياقوت.
وإنما سمّى العرش لأن قلبه لم يزل تحت العرش، وما في الأرض إلاّ جسده.
وقيل: لأنه كان يسمع لأذان حملة العرش.
وكان ﵁ يشفع في الحيوانات.
وجاءته مرة حمامة فجلست على كتفه وهو جالس في حلقة الفقراء وأسرّت إليه شيئًاً في أذنه، فقال: بسم الله ونرسل معك أحدا من الفقراء، فقالت: ما يكفيني إلا أنت، فركب بغلته من الإسكندرية وسافر إلى مصر العتيقة حتى دخل إلى جامع عمرو فقال: اجمعوني على فلان المؤذن، فأرسلوا وراءه، فجاء، فقال له:
هذه الحمامة أخبرتني بالإسكندرية أنك تذبح فراخها كلما تفرخ في المنارة، فقال: صدقت، قد ذبحتهم مراراً، فقال: لا تعد، فقال: تبت إلى الله تعالى ورجع الشيخ إلى الإسكندرية ﵁.
ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة بين الطائفة الشاذلية بمصر وغيرها
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص ٢٤٦، ٢٤٧
- محمد المغربي
ثم خلفه ناس آخرون، فاشتهر من بينهم محمد المغربي الذي يقولون عنه بأنه تنبأ بظهوره الشاذلي، فقال:
"يظهر بمصر رجل يعرف بمحمد يكون فاتحاً لهذا البيت، ويشتهر في زمانه ويكون له شأن" (١٢٧).
وهو الذي قال:
"أعطيت الشاذلية ثلاثاً لم تحصل لمن قبلهم ولا لمن بعدهم:
الأول: إنهم مختارون في اللوح المحفوظ.
الثاني: إن المجذوب منهم يرجع إلى الصحو.
الثالث: إن القطب منهم إلى يوم القيامة (١٢٨).
وآخر هذه الثلاث أن يركز عليه، فإن كل طائفة من الطوائف الصوفية تدعي أن القطب منهم، ولا يرضى بهذه المقولة أحد من غير الشاذلية.
وآخرون مثل علي بن عمر القرشي وناصر الدين بن محمد عبدالدائم وابن عبدالرحمن بن إبراهيم ومعصوم بن أحمد وغيرهم العديدون.
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص٢٤٧
стр. 3773
المبحث الخامس: الأفكار والمعتقدات
تشترك كل الطرق الصوفية في أفكار ومعتقدات واحدة، وإن كانت تختلف في أسلوب سلوك المريد أو السالك وطرق تربيته، ونستطيع أن نُجمِل أفكار الطريقة الشاذلية في نقاط محددة، مع العلم أن هذه النقاط كما سنرى قد تفسر لدى الصوفية غير التفسير المعهود لدى عامة العلماء والفقهاء، وهذه النقاط هي: ـ التوبة: وهي نقطة انطلاق المريد أو السالك إلى الله تعالى. ـ الإخلاص: وينقسم لديها إلى قسمين: ١ ـ إخلاص الصادقين. ٢ ـ إخلاص الصِّدِّيقين. ـ النية: وتعد أساس الأعمال والأخلاق والعبادات. ـ الخلوة: أي اعتزال الناس، فهذا من أسس التربية الصوفية. وفي الطريقة الشاذلية يدخل المريد الخلوة لمدة ثلاثة أيام قبل سلوك الطريق. ـ الزهد: وللزهد تعاريف متعددة عند الصوفية منها: ١ ـ فراغ القلب مما سوى الله، وهذا هو زهد العارفين. ٢ ـ وهو أيضًا ـ عندهم ـ الزهد في الحلال وترك الحرام. ـ النفس: ركزت الشاذلية على أحوال للنفس هي: ١ ـ النفس مركز الطاعات إن زَكَتْ واتقت. ٢ ـ النفس مركز الشهوات في المخالفات. ٣ ـ النفس مركز الميل إلى الراحات. ٤ ـ النفس مركز العجز في أداء الواجبات. لذلك يجب تزكيتها حتى تكون مركز الطاعات فقط. ـ الورع: وهو العمل لله وبالله على البينة الواضحة والبصيرة الكامنة. ـ التوكل: وهو صرف القلب عن كل شيء إلا الله. ـ الرضى: وهو رضى الله عن العبد. ـ المحبة: وهي في تعريفهم: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج اللسان بذكره على الدوام. ـ وللحب درجات لدى الشاذلية وأعلى درجاته ما وصفته رابعة العدوية بقولها:
أحبك حبَّين حب الهوى
وحبًّا لأنك أهل لذاك
ـ الذوق: ويعرِّفونه بأنه تلقي الأرواح للأسرار الطاهرة في الكرامات وخوارق العادات، ويعدونه طريق الإيمان بالله والقرب منه والعبودية له. لذلك يفضل الصوفية العلوم التي تأتي عن طريق الذوق على العلوم الشرعية من الفقه والأصول وغير ذلك، إذ يقولون: علم الأذواق لا علم الأوراق، ويقولون: إن علم الأحوال يتم عن طريق الذوق، ويتفرع منه علوم الوجد والعشق والشوق. ـ علم اليقين: وهو معرفة الله تعالى معرفة يقينية، ولا يحصل هذا إلا عن طريق الذوق، أو العلم اللدني أو الكشف .. إلخ. - ومع ذلك فإن الشاذلي يقول بأن التمسك بالكتاب والسنة هو أساس طريقته، فمن أقواله: "إذا عارض كشفك الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إن الله تعالى قد ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة". ـ ويقول أيضًا: "كل علم يسبق إليك فيه الخاطر، وتميل إليه النفس وتلذّ به الطبيعة فارمِ به، وإن كان حقًّا، وخذ بعلم الله الذي أنزله على رسوله ﷺ واقتدِ به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده". - وكذلك فإن الصوفية عامة يرون ـ ومنهم الشاذلية ـ أن علم الكتاب والسنة لا يؤخذان إلا عن طريق شيخ أو مربٍّ أو مرشد، ولا يتحقق للمريد العلم الصحيح حتى يطيع شيخه طاعة عمياء في صورة: "المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي مُغسِّله" لذلك يُنظر إلى الشيخ نظرة تقديسية ترفعه عن مرتبته الإنسانية.
المصدر: الموسوعة الميسرة
وصرح بعضهم بأنه يعلم كل ما يعلمه الله ويقدر على كل ما يقدر الله عليه وادعوا أن هذا كان للنبي ثم انتقل إلى الحسن بن علي ثم من الحسن إلى ذريته واحدا بعد واحد حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن الشاذلي ثم إلى ابنه خاطبني بذلك من هو من أكابر أصحابهم.
وحدثني الثقة من أعيانهم أنهم يقولون: إن محمدا هو الله.
وحدثني بعض الشيوخ الذين لهم سلوك وخبرة أنه كان هو وابن هود في مكة فدخلا الكعبة فقال له ابن هود وأشار إلى وسط الكعبة: هذا مهبط النور الأول. وقال له: لو قال لك صاحب هذا البيت أريد أن أجعلك إلها ماذا كنت تقول له؟ قال: فقف شعري من هذا الكلام وانخنست. أو كما قال
المصدر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية -١٤/ ٣٦٥
ـ السماع: وهو سماع الأناشيد والأشعار الغزلية الصوفية. وقد نقل عن أحد أعلام التصوف قوله: "الصوفي هو الذي سمع السماع وآثره على الأسباب". ونقل عن الشعراني عن الحارث المحاسبي قوله: "مما يتمتع به الفقراء سماع الصوت الحسن"، و"إنه من أسرار الله تعالى في الوجود". ـ وقد أفرد كُتَّاب (التصوف) للسماع أبوابًا منفصلة في مؤلفاتهم، لما له من أهمية خاصة عندهم. ـ يكثر في السماع الأشعار التي تصل إلى درجة الكفر والشرك، كرفع الرسول ﷺ إلى مرتبة عالية لم يقل بها أحد من أصحابه، ولا هي موجودة في كتاب ولا سنة، فضلاً عن الإكثار من الاستغاثة لا المناجاة كما يقول البعض: يا كتاب الغيوب قد لجأنا إليك يا شفاء القلوب الصلاة عليك
- وهناك أفكار واعتقادات كثيرة يجدها القارئ في كتب التصوف مبتدعة دخلت الفكر الإسلامي عن طريق الفلسفات اليونانية والهندية.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 3774
المبحث السادس: أوراد الشاذلية
وقد اشتهر عن الشاذلية أوراد عديدة منها حزب البر وحزب البحر والحزب الكبير وغيرها من الأحزاب والأوراد، اختلقوا لها فضائل ومناقب لم ينزل الله بها من برهان، ذكرها كل من عطاء الله الإسكندري في كتابه (لطائف المنن) والدكتور عبدالحلم محمود في كتابه (المدرسة الشاذلية وإمامها أبو الحسن الشاذلي) والآخر في (النفحة العلية في الأوراد الشاذلية).
المصدر: دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص٢٤٨
ومن الأوراد الشاذلية (وغيرهم يستعملها): قولهم في الصلاة البشيشية- أو المشيشية-: وزج بي في بحار الأحدية، وانشلْني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أحس إلا بها (١) ...
- ومما جاء في الوظيفة الشاذلية (الممزوجة بصلاة سيدي عبد السلام بن بشيش، وتقرأ صباحاً ومساءً): ... اللهم صل وسلم بجميع الشئون، في الظهور والبطون، على مَن منه انشقت الأسرار الكائنة في ذاته العلية ظهوراً .. وفيه ارتقت الحقائق منه إليه، وتنزلت علوم آدم به فيه عليه .. ولا شيء إلا وهو به منوط، وبسره الساري محوط .. اللهم إنه سرك الجامع لكل الأسرار، ونورك الواسع لجميع الأنوار ... اللهم ألحقني بنسبه الروحي .. وعرفني إياه معرفة أشهد بها محياه وأصير بها مجلاه ... وسر بي في سبيله القويم وصراطه المستقيم إلى حضرته المتصلة بحضرتك القدسية ... وزج بي في بحار الأحدية المحيطة بكل مركبة وبسيطة، وانشلني من أوحال التوحيد إلى فضاء التفريد المنزه على الإطلاق والتقييد، وأغرقني في عين بحر الوحدة شهوداً، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها نزولاً وصعوداً، كما هو كذلك لن يزال وجوداً ... وأيدني بك لك بتأييد من سَلَك فملك، ومن ملك فسلك، واجمع بيني وبينك، وأزل عن العين غينك، وحل بيني وبين غيرك .. الله، منه بدأ الأمر، الله، الأمر إليه يعود، الله، واجب الوجود وما سواه مفقود (٢) ...
ومن أورادهم (مناجاة ابن عطاء الله وتُقرأ وقت السحر): ... إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، وكلما أيأستني أوصافي أطمعتني منتك .. وتردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك ... أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعُدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ... وحققني بحقائق أهل القرب واسلك بي في مسالك أهل الجذب .. أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك، وأنت الذي أزلت الأغيار من أسرار أحبائك ... يا من أذاق أحبّاءه حلاوة مؤانسته فقاموا بين يديه مؤتلفين، ويا من ألبس أولياءه ملابس هيأته فقاموا بعزته مستعزين ... فاطلبني برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنتك حتى أُقْبلَ عليك ... وأنت تعرفت لي في كل شيء فرأيتك ظاهراً في كل شيء ... ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار (٣) ...
ومن حزب الفتح لأبي الحسن الشاذلي: .. ونسألك الإحاطة بالأسرار .. وجلّت إرادتك أن يوافقها أو يخالفها شيء من الكائنات، حسبي الله (ثلاثاً) وأنا بريء مما سوى الله .. (٤).
- يُرجى من القارئ أن ينتبه لقوله: (وأنا بريء مما سوى الله) في معنييها، الظاهر والصوفي، وأن يلاحظ مدى شمول البراءة في المعنى الظاهر!!
- ومن حزب اللطيف لأبي الحسن الشاذلي: ... إلهي لطفك الخفي ألطف من أن يُرى، وأنت اللطيف الذي لطفت بجميع الورى، حجبت من سريان سرك في الأكوان فلا يشهده إلا أهل المعرفة والعيان، فلما شهدوا سر لطفك بكل شيء أَمنوا به من سوء كل شيء .. (٥).
المصدر: الكشف عن حقيقة الصوفية محمود عبد الرءوف القاسم – ص ٢٤٨
ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي يكون الجمع في قلبك مشهودا والفرق على لسانك موجودا كما يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي مما يوجب أن يجوز عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي، وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر وكافر ويقولون هذه موهبة ويظنونها من الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان كما قال تعالى وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ [البقرة: ١٠١] إلى قوله هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة:١٠١]
المصدر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية -١٤/ ٢٢٦
стр. 3775
المبحث السابع: الطريقة الشاذلية ودلائل الخيرات
وقد ورد في كتاب (دلائل الخيرات) من أوراد الشاذلية، للشيخ عبد الفتاح القاضي، ورد بعض صلوات الشيخ الفاسي نصه ما يلي: "يا الله يوه واه هو يا هو يا من هو أنت، أنت هو يوه هو يا يوه هو يا جليل يا هو يا من لا هو إلا أنت هو"
كما في كتاب (كنوز الأسرار في الصلاة والسلام على النبي) (ص ٧٩) -
كما يعتقد الشاذلية فيما يسمى الدائرة، والخاتم، والسيف، وكلها أسماء لمسمى واحد، ويعتقدون أن من وضع هذه الدائرة على رأسه لا يموت، ويروون الحكايات عن أقوام لم يموتوا إلا بعد أن خلعوا هذه الدائرة، وتضم هذه الدائرة أشهر الألفاظ السريانية، والمتفق عليها بين عدد كبير من الطرق الصوفية، وقد نقل شرح هذه الأسماء أحمد بن عياد في المفاخر العلية في المآثر الشاذلية، يرويه عن أبي عبد الله اليافعي، وشرح مجالات استخدام كل اسم منها، فيقول:
· طَهُورٌُ: الاسم الأول الكامل في ذاته المنور لصفاته، (ويستخدم) للدخول على الملوك، كَبِّر الله سبعا ثم قل: طاء، ثم اقرأ: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤]، ثم قل حكمت على أنفسهم الطاء، واذكر الاسم سبعاً.
· بَدْعَقٌُ: الاسم الثاني، بمعنى الباقي الذي كل شيء به باق، ذات الأقسام (أي القسم) للدخول على العلماء والقضاة، هلل الله سبعا، ثم قل باء، ثم اقرأ: سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨]، ثم قل: فلقت عقولهم بالقاف، ثم اذكر الاسم سبعا.
· مَحْبَبَهٌُ: الاسم الثالث مبين الحكم، وملقن المنن، لاستجلاب الرزق، سبح لله سبعا، ثم اقرأ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحديد: ١]، ثم قل: حاء، فتحت بها باب الاستمطار من الفتاح العليم، ثم اذكر الاسم سبعاً.
· صُوَرَهٌُ: الاسم الرابع، الذي لهيبته كل جبار خاضع، لدفع المضار، تقول: يا سلام سبعا، ثم تقول: سلبت عن نفسي، وعن فلان من كان من عباد الله المؤمنين جميع المضار، ثم اذكر الاسم سبعا.
· الخامس، وهو اسم العزة: مَحْبَبَهُ، نظير ما تقدم، تقول هنا: الحمد لله سبعا، ثم تقول: عين ملأت قلبي عزة ونورا، ومن شئت من إخوانك المؤمنين، ثم تذكر الاسم سبعا.
· الاسم السادس، زهو المعروف بمفتاح الغيب: سَقْفَاطِيسٌُ: للفتح على القلب، تقول: يا سلام سبعا، ثم تقول: سين، أسألك بالسناء الأعظم أن تعطيني مفتاح قلبي، وتذكر الاسم سبعا.
· الاسم السابع، وهو اسم الجلالة الموصل إلى مفتاح الكنوز، ولرتبة الكمال: سَقَاطِيمٌُ، وهو أن تقول يا الله بألف الوصل، وهاء الرفع، والمد سبعا، ثم تقول: وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].رب أسألك حولا من حولك، وقوة من قوتك، وتأييدا من تأييدك حتى لا أرى غيرك، ولا أشهد سواك، ثم اذكر الاسم سبعا. ثم قال (اليافعي): أدغمت الكلام أوله صيانة له من غير أهله.
ويستطرد اليافعي في بيان أسراره، فيقول: "أََحُونٌُُ أَدُمَّ حَمَّ هَاءٌُ آمين". هي الاسم الأعظم، بل ويعلم الأتباع من الصوفية كيف يذكرون بها، وينسب ذلك إلى شيخه الذي يقول: واتل الاسم الأعظم" أََحُونٌُُ أَدُمَّ حَمَّ هَاءٌُ آمين" سبعين مرة، وسَل ما تريد، وصفة السؤال أن تقول عقب تلاوتك في الوقت المخصوص: أسألك اللهم يا من هو: " أََحُونٌُُ أَدُمَّ حَمَّ هَاءٌُ آمين" افعل لي كذا وكذا.
المصدر: الأسماء السريانية عند الصوفية- منتدى الدفاع عن السنة بالمغرب العربي
стр. 3776
المبحث الثامن: الجذور الفكرية والعقائدية
كانت المذاهب الصوفية كلها عبارة عن مدارس تربوية تدعو إلى تزكية النفس وإلى الزهد في الدنيا والعمل الصالح، إلا أن هذه المدارس دخلتها الفلسفة اليونانية والفلسفة الهندية، وحتى النصرانية واليهودية وغيرها من الفلسفات، وذلك أثناء حركة الترجمة في القرن الرابع الهجري، فتأثرت الصوفية بها، وبدأ الانحراف في هذه المدارس عن الطريق الإسلامي السوي. فقد أخذت الصوفية من الفلسفة الهندية مراحل ترقِّي الإنسان إلى الفناء أو الزفانا، وذلك بتطهير نفسه بالجوع والزهد وترك الدنيا حتى يصل إلى السعادة الحقيقية. وأخذت الصوفية الرهبانية من النصرانية المنحرفة، وهو الانقطاع عن الناس والعزلة عن الخلق والزهد. ومن الفلسفة اليونانية نظرية الفيض الإلهي، والاتحاد والحلول عند بعض الصوفية. ولو تتبع المدقق في المذاهب الصوفية لوجد العجب من المصطلحات والمعلومات البعيدة كل البعد عن تعاليم الشريعة الإسلامية الواضحة البينة.
стр. 3777
المبحث التاسع: أماكن الانتشار
مركز الشاذلي الأول هو مصر وبخاصة مدينة الإسكندرية، وطنطا، ودسوق بمحافظة كفر الشيخ، ثم انتشرت في باقي البلاد العربية. وأهم مناطق نشاطها سوريا والمغرب العربي، ولها وجود إلى الآن في ليبيا، وفي السودان في الوقت الحاضر. يتضح مما سبق: أن الشاذلية طريقة صوفية تنتسب إلى أبي الحسن الشاذلي، وهو علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الهذلي الشاذلي نسبة إلى شاذلة في المغرب بشمال أفريقيا. وتشترك هذه الطريقة مع غيرها من الطرق الصوفية في كثير من الأفكار والمعتقدات، وإن كانت تختلف في أسلوب سلوك المريد وطرق تربيته. ومجمل أفكار هذه الطريقة: التوبة، والإخلاص، النية، الخلوة، الذكر، الزهد، النفس، الورع، التوكل، الرضى، المحبة، الذوق، علم اليقين، السماع. ولهذه الألفاظ معانٍ تختلف بدرجات متفاوتة عن المعاني الشرعية. أما علم القرآن والسنة فلا يؤخذان عند الشاذلي إلا عن طريق شيخ أو مُربٍّ أو مرشد، وهو ما يستوجب على السالك الطاعة العمياء لهم. ويؤخذ على الشاذلية ما يؤخذ على الطرق الصوفية من مآخذ انحرفت بسالكيها عن الطريق الإسلامي السوي.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 3778
المبحث العاشر: كلام العلماء في الطريقة الشاذلية
س١: هل الطرق الصوفية مثل الشاذلية والرفاعية على حق أم أهل فرقة وضلال؟ وهل يجوز الانتماء إلى فرقة منهم أم لا؟
ج١: الطرق الصوفية جميعها يغلب عليها البدع ومخالفة الشرع فيجب الابتعاد عن تلك الطرق.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٢/ ٤٨٣
سئلت اللجنة الدائمة عن حكم الانتساب لبعض طرق الصوفية مثل الشاذلية فأجابتج: روى أبو داود وغيره من أصحاب السنن من طريق العرباض بن سارية أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (١).
فأخبر رسول الله ﷺ بأنه سيقع في أمته اختلاف كثير وتتشعب بهم الطرق والمناهج وتكثر فيهم البدع والمحدثات، وأمر المسلمين أن يعتصموا بكتاب الله وأن يتمسكوا بسنته وأن يعضوا عليها بالنواجذ، وحذرهم من التفرق والاختلاف واتباع البدع والمحدثات؛ لأنها مضلة ومتاهات تتفرق بمن سلكها عن سبيل الله فوصاهم بما وصى به عباده في قوله سبحانه: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران:١٠٣] وقوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:١٥٣] فنوصيكم بوصية الله ووصية رسوله، وننصحكم بلزوم منهج أهل السنة والجماعة، ونحذركم ما أحدث أهل الطرق من تصوف مدخول وأوراد مبتدعة وأذكار غير مشروعة وأدعية فيها شرك بالله أو ما هو ذريعة إليه كالاستغاثة بغير الله وذكره بالأسماء المفردة وذكره بكلمة آه وليست من أسمائه سبحانه، وتوسلهم بالمشايخ في الدعاء، واعتقاد أنهم جواسيس القلوب يعلمون ما تكنه، وذكرهم الله ذكرا جماعيا بصوت واحد في حلقات مع ترنحات وأناشيد إلى غير ذلك مما لا يعرف في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن غديان ... عبد الله بن منيع
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٣/ ٨
стр. 3779
س: ما هي حقيقة هذه الطرق الكثيرة عندنا مثل: الشاذلية، والأحمدية، والسعدية، والبرهانية، وغيرها، وكيف نرد عليهم، وما الكتب الشافية في ذلك، وهل هم على حق كما يزعمون هم بذلك؟ ج: طريقة الشاذلية والأحمدية والسعدية والبرهانية ونحوها من الطرق طرق ضلال، لا يجوز للمسلم أن يتبع واحدة منها، بل الواجب عليه أن يتبع طريقة الرسول ﷺ وخلفائه وصحابته من بعده الذين أخذوا بسنته وكذا من أخذ بها بعدهم، قال ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (١). وأما الرد عليهم فيحتاج إلى أن تعرف أنت تفاصيل عقائدهم وبدعهم وشبههم وتعرض ذلك على الكتاب والسنة، ونرى أن تستعين في ذلك بالكتب المؤلفة في ذلك؛ كـ (السنن والمبتدعات)، و (مصرع التصوف) لعبد الرحمن الوكيل، و (الاعتصام) للشاطبي، و (الإبداع في مضار الابتداع) للشيخ علي محفوظ، و (إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان) للعلامة ابن القيم وأمثال هذه الكتب.
المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٣/ ١٤١
стр. 3780
مراجع للتوسع:
ـ دراسات في التصوف، إحسان إلهي ظهير، لاهور، باكستان ١٤٠٩هـ. ـ سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، طـ. بيروت. ـ جامع الرسائل، ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، القاهرة ١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م. ـ الاستقامة، ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم ط. جامعة الإمام ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
ـ التصوف في ميزان البحث والتحقيق، عبد القادر حبيب الله السندي، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة ١٤١٠هـ ـ ١٩٩٠م.
ـ المذاهب الصوفية ومدارسها، عبد الحكيم عبد الغني قاسم، مكتبة مدبولي، القاهرة ١٩٨٩م.
ـ لطائف المنن، ابن عطاء الله الإسكندري، مطبعة حسان، القاهرة.
ـ من أعلام التصوف الإسلامي، طه عبد الباقي سرور، دار نهضة مصر. ـ المدرسة الشاذلية الحديثة ـ إمامها أبو الحسن الشاذلي، للدكتور عبد الحليم محمود. ـ الطبقات الكبرى، للشعراني، مكتبة القاهرة ١٣٩٠هـ.
стр. 3781
المبحث الأول: التعريف
الختمية طريقة صوفية، تلتقي مع الطرق الصوفية الأخرى في كثير من المعتقدات، مثل: الغلوِّ في شخص الرسول ﷺ ، وادعاء لقياه وأخذ تعاليمهم وأورادهم وأذكارهم التي تميزوا بها، عنه مباشرة. هذا إلى جانب ارتباط الطريقة بالفكر والمعتقد الشيعيِّ وأخذهم من أدب الشيعة وجدالهم، ومحاولة المعاصرين منهم ربط الطائفة بالحركة الشيعيَّة المعاصرة.
стр. 3782
المبحث الثاني: التأسيس والجذور التاريخية
• المطلب الأول: نشأة الطائفة الختمية.
• المطلب الثاني: أبرز شخصيات الطائفة الختمية.
стр. 3783
المطلب الأول: نشأة الطائفة الختمية
تعود طائفة الختمية في أصولها القريبة إلى السيد/محمد عثمان الميرغني " الختم "، (الذي ينحدر من أسرة الأشراف يقال أنها هاجرت من الحجاز في أزمان سابقة إلى تركستان ثم إلى الهند وعادت أخيرا حيث استقر بها المقام في الحجاز. ورغم اشتغال بعض أفراد الأسرة، وشهرتهم بالعلم وتصدرهم للتدريس والإفتاء بالحرم المكي، فإنه قد غلب عليهم الميل إلى التصوف وسلوك طريقة المتصوفة. فقد كان السيد عبد الله الميرغني المحجوب (١٢٠٧ أو ١٢٠٨هـ/١٧٩٢/ ١٧٩٣م) جد السيد محمد عثمان (الختم) عالما وصوفيا مشهورا، نسبت إليه العديد من المؤلفات، من بينها كتاب (فرائض الدين وواجبات الإسلام لعامة المؤمنين)، و (الفروع الجوهرية في الأئمة الإثني عشرية)، و (المعجم الوجيز في أحاديث النبي العزيز)، و (كنوز الحقائق)، و (البدر المنير)، و (مشارق الأنوار في الصلاة على النبي المختار)، وجمع شعره في ديوانين أحدهما: (العقد المنظم على حروف المعجم)، والثاني: (عقد الجواهر في نظم المفاخر)، وغيرها من المؤلفات التي تغلب عليها النزعة الصوفية، وقد أشاد الجبرتي بمناقبه وعلمه وزهده ونسب إليه بعض الكرامات (١). كما كان عم المترجم له، السيد محمد ياسين الميرغني (١٢٥٥) عالما وفقيها ورعا زاهدا، أتقن علم الفرائض وألف العديد من الكتب، ودرس بالمسجد الحرام الحديث والفقه، وعرض عليه منصب الإفتاء بمكة فلم يقبله لشدة ورعه (٢). وكان أخوه السيد عبد الله الميرغني (ت ١٢٧٣هـ) مفتيا في مكة (٣).
стр. 3784
في هذا المحيط العلمي المشبع بالتصوف ولد السيد محمد عثمان بمكة عام (١٢٠٨هـ/١٧٩٣م)، وتوفيت والدته في اليوم السابع من ولادته ورباه والده إلى أن بلغ العاشرة، وعهد بتربيته قبيل وفاته إلى عمه السيد محمد ياسين الذي كان أحد أعلام مكة وعلمائها كما أشرنا. وقد درس السيد محمد عثمان وتلقى العلم على يد عدد من علماء مكة من بينهم عمه السيد محمد ياسين، وحصل في وقت مبكر على علوم العربية والشريعة الإسلامية، حيث درس الفقه والحديث والتفسير واللغة وألف وصنف في هذه الفنون، وكتب كتاب (تاج التفاسير)، وبعض الرسائل في اللغة والتوحيد ومصطلح الحديث. ولكن غلب عليه الاهتمام بالتصوف فدرس علوم الصوفية وسلك طريقهم عبادة وسلوكا، وغلب على مؤلفاته نثرا وشعرا هذا النهج الصوفي، إذ دفعه التطلع إلى معرفة أسرار التصوف إلى الوقوف على العديد من الطرق فأخذ الطريقة النقشبندية من عدة مشايخ وبأسانيد متنوعة، وانخرط في سلك الطريقة القادرية، وتأدب بأدب الطريقة الجندية، كما تلقى الطريقة الميرغنية طريقة جده عبد الله الميرغني، والطريقة الشاذلية على يد السيد أحمد بن إدريس، حتى صار من أقطابها، واستطاع في النهاية أن يؤسس طريقة خاصة به جمع فيها من كل هذه الطرق واعتبرها خاتمة الطرق جميعها وعرفت بالطريقة (الختمية). ورغم أن السيد محمد عثمان تلقى العلم الصوفي وأخذ الطريقة على العديد من المشايخ فإنه مدين من بين هؤلاء جميعا للسيد أحمد بن إدريس، الذي أخذ منه ولازمه كأخلص ما يكون التلميذ لشيخه حتى وفاته عام ١٨٣٨م، وكان السيد محمد عثمان من ألمع تلاميذ السيد أحمد بن إدريس وأقواهم منطقا وأكثرهم قبولا لدى العامة، ولذلك انتدبه شيخه إلى السودان لكي يبشر بالإسلام ويدعو إلى الطريقة الإدريسية الشاذلية، فأبحر السيد محمد عثمان من مكة إلى سواكن، ولكنه وجد الطريق إلى الداخل عبر الجبال غير مؤتمن ومن ثم ركب البحر الأحمر إلى بلدة قصير المصرية الساحلية، ودخل إلى أسوان داعيا إلى الطريقة، ولكن دعوته لم تجد قبولا فدخل بلاد النوبة جنوبا حيث صادف نجاحا كبيرا، ومنها سار إلى منطقة المحس فدنقلا. وفي تلك المناطق السودانية وجد من الناس قبولا لدعوته وترحيبا بالدخول في الطريقة والولاء لها.
ورأى السيد محمد عثمان أن يتوغل برسالته إلى أعماق السودان فاتجه غربا واتخذ طريقه من الدبة بصحراء بيوضة إلى شمال كردفان وأقام فترة في تلك المناطق يبشر بالإسلام بين القبائل الوثنية ويدعو أهالي كردفان إلى طريقة شيخه أحمد بن إدريس. وقد وجد استجابة محددة لدعوته في منطقة بارا وتزوج منها كريمة السيد محمود جلاب، وأنجبت له السيد الحسن الميرغني عام ١٢٣٥هـ - ١٨١٩م)، الذي نشر الطريقة فيما بعد في السودان على أوسع نطاق. ومن شمال كردفان توجه السيد محمد عثمان إلى سنار عاصمة دولة الفونج، ويصف نعوم شقير أحداث زيارته قائلا: وفي عام ١٢٣٢/ ١٨١٧م حضر إلى سنار الشريف السيد محمد عثمان الميرغني مؤسس الطريقة الميرغنية في السودان، وقابل حكامها ودعا الناس إلى أخذ الطريقة، فلم يأخذها عنه إلا القليل، وأرسل حكام سنار إلى الفقيه إبراهيم بن بقادي ليناظر السيد المذكور ويختبره، فمرض حال وصوله إلى سنار وتوفي فيها قبل أن يجتمع به، ثم خرج السيد محمد عثمان الميرغني من سنار وكان عمره إذ ذاك ٢٥ سنة (١).
ومن سنار سار السيد محمد عثمان إلى البحر الأحمر، ومن هناك إلى الحجاز.
стр. 3785
وزعم أن السيد محمد عثمان لم يصادف نجاحا كبيرا في دعوته في السودان باستثناء منطقة شمال السودان وغربه، فإنه يمكن القول بأنه استطاع أن يكون له رابطة بالسودان وأن يلقى بذورا للمستقبل ويضع النواة لطائفة الختمية في تلك البلاد.
وفي الحجاز استمر محمد عثمان في خدمة شيخه السيد أحمد بن إدريس وصحبه إلى منفاه في "صبيا" ولازمه حتى وفاته عام ١٨٣٧م/٢١ رجب ١٢٥٣هـ. وبعد وفاة الشيخ أحمد بن إدريس تنافس على وراثة الطريقة السيد محمد عثمان والسيد محمد بن علي السنوسي، ونتج عن هذه المنافسة أن أسس كل منهما طريقة خاصة به. واستطاع السيد محمد عثمان أن يفوز بتأييد أشراف مكة ضد السنوسي، ومن ثم أسس زاوية لطريقته في " دير الخيزران " بمكة مع زوايا فرعية في مكة وجدة والمدينة والطائف. ونتيجة لهذا التحول الذي تبعه تغير في الأوراد وأسس السلوك مما تميزت به الطريقة الختمية، أوفد السيد محمد عثمان أبناءه للأقطار المختلفة للتبشير والدعوة للطريقة الختمية. فأرسل أكبر أبنائه (محمد سر الختم) إلى اليمن وحضرموت، ثم أوفد ابنه السيد الحسن - الذي تعلم في مكة، إلى شرق السودان حيث اكتسب ثقة البجا والبني عامر والحلنقة وغيرهم من القبائل التي سبق أن زارها والده في رحلته التي أشرنا إليها من قبل. وفي هذه المناطق لقي السيد الحسن قبولا وكون أتباعا الأمر الذي دفعه في همة ونشاط إلى مواصلة سيره إلى سنار ثم إلى كردفان موطن خئولته، ثم طاف شمال السودان من ملتقى النيلين مرورا بمناطق الجعليين والرباطاب والشايقية والدناقلة والمحس وبلاد النوبة، ورغم أن السيد الحسن لم يلق نجاحا ملحوظا في المنطقة الوسطى من السودان فإن دعوته لقيت نجاحا كبيرا في الشمال والشرق.
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي - ص ١٣