المبحث الأول: التعريف
الختمية طريقة صوفية، تلتقي مع الطرق الصوفية الأخرى في كثير من المعتقدات، مثل: الغلوِّ في شخص الرسول ﷺ ، وادعاء لقياه وأخذ تعاليمهم وأورادهم وأذكارهم التي تميزوا بها، عنه مباشرة. هذا إلى جانب ارتباط الطريقة بالفكر والمعتقد الشيعيِّ وأخذهم من أدب الشيعة وجدالهم، ومحاولة المعاصرين منهم ربط الطائفة بالحركة الشيعيَّة المعاصرة.
стр. 3782
المبحث الثاني: التأسيس والجذور التاريخية
• المطلب الأول: نشأة الطائفة الختمية.
• المطلب الثاني: أبرز شخصيات الطائفة الختمية.
стр. 3783
المطلب الأول: نشأة الطائفة الختمية
تعود طائفة الختمية في أصولها القريبة إلى السيد/محمد عثمان الميرغني " الختم "، (الذي ينحدر من أسرة الأشراف يقال أنها هاجرت من الحجاز في أزمان سابقة إلى تركستان ثم إلى الهند وعادت أخيرا حيث استقر بها المقام في الحجاز. ورغم اشتغال بعض أفراد الأسرة، وشهرتهم بالعلم وتصدرهم للتدريس والإفتاء بالحرم المكي، فإنه قد غلب عليهم الميل إلى التصوف وسلوك طريقة المتصوفة. فقد كان السيد عبد الله الميرغني المحجوب (١٢٠٧ أو ١٢٠٨هـ/١٧٩٢/ ١٧٩٣م) جد السيد محمد عثمان (الختم) عالما وصوفيا مشهورا، نسبت إليه العديد من المؤلفات، من بينها كتاب (فرائض الدين وواجبات الإسلام لعامة المؤمنين)، و (الفروع الجوهرية في الأئمة الإثني عشرية)، و (المعجم الوجيز في أحاديث النبي العزيز)، و (كنوز الحقائق)، و (البدر المنير)، و (مشارق الأنوار في الصلاة على النبي المختار)، وجمع شعره في ديوانين أحدهما: (العقد المنظم على حروف المعجم)، والثاني: (عقد الجواهر في نظم المفاخر)، وغيرها من المؤلفات التي تغلب عليها النزعة الصوفية، وقد أشاد الجبرتي بمناقبه وعلمه وزهده ونسب إليه بعض الكرامات (١). كما كان عم المترجم له، السيد محمد ياسين الميرغني (١٢٥٥) عالما وفقيها ورعا زاهدا، أتقن علم الفرائض وألف العديد من الكتب، ودرس بالمسجد الحرام الحديث والفقه، وعرض عليه منصب الإفتاء بمكة فلم يقبله لشدة ورعه (٢). وكان أخوه السيد عبد الله الميرغني (ت ١٢٧٣هـ) مفتيا في مكة (٣).
стр. 3784
في هذا المحيط العلمي المشبع بالتصوف ولد السيد محمد عثمان بمكة عام (١٢٠٨هـ/١٧٩٣م)، وتوفيت والدته في اليوم السابع من ولادته ورباه والده إلى أن بلغ العاشرة، وعهد بتربيته قبيل وفاته إلى عمه السيد محمد ياسين الذي كان أحد أعلام مكة وعلمائها كما أشرنا. وقد درس السيد محمد عثمان وتلقى العلم على يد عدد من علماء مكة من بينهم عمه السيد محمد ياسين، وحصل في وقت مبكر على علوم العربية والشريعة الإسلامية، حيث درس الفقه والحديث والتفسير واللغة وألف وصنف في هذه الفنون، وكتب كتاب (تاج التفاسير)، وبعض الرسائل في اللغة والتوحيد ومصطلح الحديث. ولكن غلب عليه الاهتمام بالتصوف فدرس علوم الصوفية وسلك طريقهم عبادة وسلوكا، وغلب على مؤلفاته نثرا وشعرا هذا النهج الصوفي، إذ دفعه التطلع إلى معرفة أسرار التصوف إلى الوقوف على العديد من الطرق فأخذ الطريقة النقشبندية من عدة مشايخ وبأسانيد متنوعة، وانخرط في سلك الطريقة القادرية، وتأدب بأدب الطريقة الجندية، كما تلقى الطريقة الميرغنية طريقة جده عبد الله الميرغني، والطريقة الشاذلية على يد السيد أحمد بن إدريس، حتى صار من أقطابها، واستطاع في النهاية أن يؤسس طريقة خاصة به جمع فيها من كل هذه الطرق واعتبرها خاتمة الطرق جميعها وعرفت بالطريقة (الختمية). ورغم أن السيد محمد عثمان تلقى العلم الصوفي وأخذ الطريقة على العديد من المشايخ فإنه مدين من بين هؤلاء جميعا للسيد أحمد بن إدريس، الذي أخذ منه ولازمه كأخلص ما يكون التلميذ لشيخه حتى وفاته عام ١٨٣٨م، وكان السيد محمد عثمان من ألمع تلاميذ السيد أحمد بن إدريس وأقواهم منطقا وأكثرهم قبولا لدى العامة، ولذلك انتدبه شيخه إلى السودان لكي يبشر بالإسلام ويدعو إلى الطريقة الإدريسية الشاذلية، فأبحر السيد محمد عثمان من مكة إلى سواكن، ولكنه وجد الطريق إلى الداخل عبر الجبال غير مؤتمن ومن ثم ركب البحر الأحمر إلى بلدة قصير المصرية الساحلية، ودخل إلى أسوان داعيا إلى الطريقة، ولكن دعوته لم تجد قبولا فدخل بلاد النوبة جنوبا حيث صادف نجاحا كبيرا، ومنها سار إلى منطقة المحس فدنقلا. وفي تلك المناطق السودانية وجد من الناس قبولا لدعوته وترحيبا بالدخول في الطريقة والولاء لها.
ورأى السيد محمد عثمان أن يتوغل برسالته إلى أعماق السودان فاتجه غربا واتخذ طريقه من الدبة بصحراء بيوضة إلى شمال كردفان وأقام فترة في تلك المناطق يبشر بالإسلام بين القبائل الوثنية ويدعو أهالي كردفان إلى طريقة شيخه أحمد بن إدريس. وقد وجد استجابة محددة لدعوته في منطقة بارا وتزوج منها كريمة السيد محمود جلاب، وأنجبت له السيد الحسن الميرغني عام ١٢٣٥هـ - ١٨١٩م)، الذي نشر الطريقة فيما بعد في السودان على أوسع نطاق. ومن شمال كردفان توجه السيد محمد عثمان إلى سنار عاصمة دولة الفونج، ويصف نعوم شقير أحداث زيارته قائلا: وفي عام ١٢٣٢/ ١٨١٧م حضر إلى سنار الشريف السيد محمد عثمان الميرغني مؤسس الطريقة الميرغنية في السودان، وقابل حكامها ودعا الناس إلى أخذ الطريقة، فلم يأخذها عنه إلا القليل، وأرسل حكام سنار إلى الفقيه إبراهيم بن بقادي ليناظر السيد المذكور ويختبره، فمرض حال وصوله إلى سنار وتوفي فيها قبل أن يجتمع به، ثم خرج السيد محمد عثمان الميرغني من سنار وكان عمره إذ ذاك ٢٥ سنة (١).
ومن سنار سار السيد محمد عثمان إلى البحر الأحمر، ومن هناك إلى الحجاز.
стр. 3785
وزعم أن السيد محمد عثمان لم يصادف نجاحا كبيرا في دعوته في السودان باستثناء منطقة شمال السودان وغربه، فإنه يمكن القول بأنه استطاع أن يكون له رابطة بالسودان وأن يلقى بذورا للمستقبل ويضع النواة لطائفة الختمية في تلك البلاد.
وفي الحجاز استمر محمد عثمان في خدمة شيخه السيد أحمد بن إدريس وصحبه إلى منفاه في "صبيا" ولازمه حتى وفاته عام ١٨٣٧م/٢١ رجب ١٢٥٣هـ. وبعد وفاة الشيخ أحمد بن إدريس تنافس على وراثة الطريقة السيد محمد عثمان والسيد محمد بن علي السنوسي، ونتج عن هذه المنافسة أن أسس كل منهما طريقة خاصة به. واستطاع السيد محمد عثمان أن يفوز بتأييد أشراف مكة ضد السنوسي، ومن ثم أسس زاوية لطريقته في " دير الخيزران " بمكة مع زوايا فرعية في مكة وجدة والمدينة والطائف. ونتيجة لهذا التحول الذي تبعه تغير في الأوراد وأسس السلوك مما تميزت به الطريقة الختمية، أوفد السيد محمد عثمان أبناءه للأقطار المختلفة للتبشير والدعوة للطريقة الختمية. فأرسل أكبر أبنائه (محمد سر الختم) إلى اليمن وحضرموت، ثم أوفد ابنه السيد الحسن - الذي تعلم في مكة، إلى شرق السودان حيث اكتسب ثقة البجا والبني عامر والحلنقة وغيرهم من القبائل التي سبق أن زارها والده في رحلته التي أشرنا إليها من قبل. وفي هذه المناطق لقي السيد الحسن قبولا وكون أتباعا الأمر الذي دفعه في همة ونشاط إلى مواصلة سيره إلى سنار ثم إلى كردفان موطن خئولته، ثم طاف شمال السودان من ملتقى النيلين مرورا بمناطق الجعليين والرباطاب والشايقية والدناقلة والمحس وبلاد النوبة، ورغم أن السيد الحسن لم يلق نجاحا ملحوظا في المنطقة الوسطى من السودان فإن دعوته لقيت نجاحا كبيرا في الشمال والشرق.
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي - ص ١٣
стр. 3786
المطلب الثاني: أبرز شخصيات الطائفة الختمية
- الحسن بن محمد عثمان (الختم): وُلد في مدينة بارا بغرب السودان عام ١٢٣٥هـ/١٨١٦م من امرأة تزوجها والده بتلك المدينة خلال رحلته إلى السودان التي أشرنا لها من قبل، التحق بوالده في مكة وتلقى تعليمه بها. بعث به والده إلى السودان لنشر الطريقة الختمية. لقي الحسن نجاحًا كبيرًا في دعوته لا سيما في شمال السودان وشرقه. أصبح الحسن شيخ الطريقة في السودان وأسَّس قرية الختمية بالقرب من مدينة كسلا في شرق السودان، كمركز للطائفة، وأصبح له مكانة كبيرة في تلك الأنحاء فاقت مكانة والده مؤسس الطريقة، وظل الحسن شيخًا للطريقة حتى وفاته عام ١٢٨٦هـ/١٨٩٩م. - محمد عثمان تاج السر بن الحسن بن محمد عثمان (الختم): أصبح شيخ الطريقة بعد وفاة والده، وخلال فترة تولِّيه زعامة الطائفة ظهرت الحركة المهدية في السودان، فعارضها محمد عثمان تاج السر معارضةً شديدةً، وقاد أتباعه من الختمية لمقاومتها وخاضوا عدة معارك ضد جيوش المهدية في شرق السودان. وانتهى الأمر بهزيمته وفراره إلى مصر حيث ظل بها حتى وفاته عام ١٣٠٣هـ/١٨٨٦م. - علي الميرغني بن محمد عثمان تاج السر ١٨٨٠ ـ ١٩٦٨م: ولد بجزيرة مسّاوي مركز مروري بشمالي السودان عام ١٨٨٠م، انتقل مع والده إلى مدينة كسلا، وحينما اضطر والده إلى الهجرة إلى مصر إثر هزيمته على يد جيوش المهدية، تركه والده مع عمه تاج السر الحسن في سواكن. ثم لحق بأبيه وبقي في مصر حتى مجيء جيش الغزاة الإنجليز للسودان، حيث اختاره الإنجليز لمرافقتهم في غزوهم للسودان للقضاء على دولة المهدية. وحينما تمَّ للإنجليز الاستيلاء على السودان وهزيمة المهدية، اتخذوه صنيعة لهم وأطلقوا عليه الألقاب ومنحوه الأوسمة والمكافآت نظير خدماته لهم. واعترفوا به زعيمًا لعموم طائفة الختمية في السودان. واستفادوا منه في القضاء على المشاعر الدينية التي حركت الثورة المهدية من ناحية، وفي كسب ولاء السودانيين من ناحية أخرى. ـ وحينما بدأت الحركة المهديَّة تظهر من جديد على يد أحد أبناء المهدي، وبمباركة الإنجليز، شعر علي الميرغني بخطورة الموقف لا سيما وأن الإنجليز أرادوا ضرب الطائفتين (الختمية والأنصار) والاستفادة من العداء التقليدي بينهما والصراع بين زعيميهما. نتيجة لذلك تحول ولاء زعيم الختمية نحو مصر، وأصبح راعياً فيما بعد للحركة السياسية التي كانت تدعو إلى الوحدة بين مصر والسودان، وظل يحرك الأحداث السياسية من وراء ستار ويلعب دوراً خطيراً فيها حتى وفاته عام ١٩٦٨م. - محمد عثمان بن علي الميرغني:
وُلد عام ١٩٣٦م، تولَّى زعامة الطريقة بعد وفاة والده عام ١٩٦٨م، وهو الزعيم الحالي للختمية. وخلافاً لوالده الذي كان يحرِّك الأحْداث السياسيَّة ويشارك فيها من وراء ستار، انخرط محمد عثمان في العمل السياسي، مستنداً إلى ولاء أتباعه وأصبح زعيماً للطائفة وللحزب الاتحادي الديمقراطي الذي تزعَّمه وقد استغل ولاء أتباعه لخدمة الحزب بينما الحزب يضم كثيراً من العلمانيين واليساريين، بل وحتى النصارى الذين تولوا مناصب عليا فيه، ومن ثم اتخذ الحزب مواقف لا تتلاءم مع انتماء الطائفة الديني كتحالفه مع الشيوعيين، وعقد اتفاقية من طرف واحد مع المتمردين، وأخيراً قيادته للتجمع الديمقراطي الذي يضم خليطاً من العلمانيين واليساريين المناهضين لشرع الله والموالين لحركة التمرد التي تحارب الإسلام.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 3787
المبحث الثالث: الأفكار والمعتقدات
• المطلب الأول: عقيدتهم في الرسول ﷺ .
• المطلب الثاني: الفناء في ذات الرسول ﷺ .
• المطلب الثالث: الاستمداد من الرسول ﷺ .
стр. 3788
المطلب الأول: عقيدتهم في الرسول ﷺ
بالإضافة إلى قول الختمية بالنور المحمدي وزعمهم أن الرسول ﷺ هو ذلك النور الأزلي الذي سرى في الكون أزلا فكان مصدر وجود الكون وسببه وأن الكون وجد به وله وبسببه، فإنهم أسبغوا عليه صلوات الله عليه من الصفات ما لا يكون إلا لذات الله تعالى، وذهبوا إلى أن الرسول ﷺ لا تدرك حقيقته ويعجز الوصف عن بيان ذاته. ويعلق السيد المحجوب على قول ابن مشيش " فلم يدركه سابق ولا لاحق " قائلا: وكيف يدرك من كان خلقه القرآن وذاته من نور ذات الرحمن ومن له كل مراتب الإحسان، ومن هو الحبيب الأكرم، والمخصوص بالتجلي الأعظم، ومن هنا قال بعض العارفين ﵏: لو انكشفت حقيقته ﷺ للخلق لارتدوا جميعا، إذ من كانت صفاته صفات الرحمن، وذاته من ذات نور المنان، وهو مدرك بالحواس والعيان لا يختلف في معبوديته اثنان، ومن هنا اختلف الناس في الأديان لما ظهر من تجليه تعالى في الجمادات والحيوان، ولكن سبحان الحنان المنان الذي حفظ من شاء من عباده بالدليل والبرهان، وحجز من أحب باليقين والعيان. وإذا كان الأمر كذلك فليس إلى إدراكه من سبيل، بل، ولا إلى شم رائحة السيد النبيل ولكن غاية التحقيق والإدراك أنه سيد المرسلين والأملاك. ثم يستشهد ببعض الأبيات من البردة والتي تعبر عن هذا المعنى وتقول:
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى
للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بعد
صغيرة وتكل الطرف من أمم
وكيف يدرك في الدنيا حقيقته
قوم نيام تسلوا عنه بالحلم
فمبلغ العلم فيه أنه بشر
وأنه خير خلق الله كلهم
ولا شك أن هذا تصور للرسول مخالف تماما للإسلام وتصوره للأنبياء والرسل، فالأنبياء بما فيهم سيد المرسلين، في نظر القرآن ليسوا آلهة ولا أنصاف آلهة ولا أبناء آلهة، بل هم بشر منَّ الله عليهم بنعمة الوحي واصطفاهم لتبليغ رسالاته للناس: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم: ١١]. فالإسلام لم يرفع الأنبياء إلى مقام الألوهية فيتجه الناس إليهم بالعبادة أو الاستعانة مع الله كما اعتقد أهل الملل في أنبيائهم، ولم ينزل بهم إلى مستوى السفلة من الناس فنسب إليهم ارتكاب الموبقات كما زعم اليهود الذين حرفوا الكتاب وأخذوا الدين، بل إنهم بشر علم الله طيب معدنهم وحسن استعدادهم فأنزل عليهم، وحيه، اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وجعلهم أسوة لأتباعهم وعصمهم من قبائح الذنوب ودنيء الأعمال. ومن ثم لا ينبغي القول بأن حقيقتهم لا تدرك ولا تعرف، فالذات التي لا يدرك كنهها هي ذات الله تعالى الذي يقول عنه القرآن الكريم: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] والحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، بهذه اللغة وبمثل هذا الأسلوب يلقي بظلال من الشرك على العقيدة ويوحي بخلل في المعتقد.
стр. 3789
المطلب الثاني: الفناء في ذات الرسول ﷺ وإذا كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه بهذه الصورة وهذه الصفات في نظر الختمية، فإنه لا غرابة أن جعلوه غاية فنائهم ومنتهى سيرهم، واعتبروا الفناء في ذاته موصلا إلى الله فيقول الميرغني: "الحمد لله الذي جعل التعلق بالذات المحمدية والصلاة عليها أقرب الطرق إلى حضرته العلية، وجعلها الواسطة والصلاة عليها أعظم واسطة إليها بهية" (١)، وأطلقوا عليه لفظ الحجاب الأعظم الذي يقوم بين السالك وبين الله . ويقول المحجوب: إن السالك الصادق، إذا توجه بكمال السير، وفنى عن السوي والغير انكشف له أنه ﷺ قائم بين يدي الله، وأنه سبحانه متوجه إليه بالتجليات كلها لأنها مقصودة من الوجود، وما سواه فإنما تحصل له رشحات من ذلك تتميما لفيض فضله وتكميلا لعموم رحمته، فكل من رام حقيقة التجليات انحجب عنها بسيد السادات، فهو الحجاب الأعظم الذي لا يمكن قطعه" (٢).
стр. 3790
ووفقا لهذا التصور فإن همة هؤلاء اتجهت إلى الاستغراق في الرسول ﷺ سعيا إلى الفناء فيه وتوجهوا إلى الله بالدعاء أن يبلغهم هذه الغاية وينيلهم هذا المقصود: وهذا المحجوب في تعليقه على قول ابن مشيش "واجعل الحجاب الأعظم حياة روحي، وروحه ﷺ سر حقيقتي، وحقيقته جامع عوالمي" ويقول: أي حاوي أسراري وأنواري كي لا تهيم روحي في محبة خالقها إلا بشوقه، ولا تنير حقيقتي إلا بغرام روحه، ولا يصير جامع عوالمي إلا حقيقة ذاته. ثم يردف قائلا: وإذا أذهب عينه من البين لم يبق إلا استعداد حائز الشرفين وسيد الكونين ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم، وهذا كما يقول المحجوب مقام الفناء في الرسول ﷺ الموصل إلى كمال الوصول. ويدافع المحجوب عن ابن مشيش وما اتهم به من أنه قدم الفناء في الله على الفناء في الرسول ﷺ ، فيقول: فإن قيل: كيف يطلب الشيخ الفناء في الله بقوله: " وأغرقني في عين بحر الوحدة "، ثم يؤخر طلب الفناء في الرسول ﷺ على أنه عادة الله في أوليائه جارية بعكس هذا؟ قلت: هذا لا يصح إيراده لمن له ذوق عظيم وفهم مستقيم، لأن كلام الشيخ (ابن مشيش)، من أول الصلاة، فناء فيه ﷺ . يعرف ذلك من كان من أربابه وقد تخلى من حجابه، وليس هذا إلا فناء خاصة يرقيه إلى مرتبة خاصة يشير إليها قوله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)) (١) , وقد جاءنا بثلاثة أشياء يفترض علينا محبتها ولزومها: الأول: ذاته الشريفة وقد بالغ في محبتها وجعلها حياة روحه التي بها ذكر، الثاني: صفاته المنيفة وقد أشار إلى محبتها بقوله: "وروحه سر حقيقتي"، والثالث: ما نبأنا به عن الله وهو شامل للكل وقد أومأ إليه بقوله: " وحقيقته جامع عوالمي " فإذا لا ذات له ولا صفة فضلا عن هوى، وهذه المرتبة هي الاستقامة " (٢).وقد ردد الميرغني (الختم) في صلواته وأدعيته وأشعاره هذه المعاني طلبا للفناء في الرسول ﷺ ، فيقول في أحد صلواته: "اللهم صل وسلم وبارك عليه وببركة الصلاة عليه اجعله اللهم لي سمعا وبصرا وقوى لأفني لديه " (٣)، ويقول أيضا: " وأن تجعله يا رب روحا لذاتي من جميع الوجوه في الدنيا قبل الآخرة يقظة ومناما ظاهرا وباطنا إنك على كل شيء قدير" (٤)، ويقول: "وفرحني بالفناء والبقاء في نبيك الأعظم" (٥).
وفي منظومة أسماء الله الحسنى من مجموع الأوراد الكبير يقول الميرغني سائلا المولى :
وتمنحنا حسن اليقين وتوبة
وتصحبنا تأديب حق النبوة
وتجلي لنا أسرار حضرة ذاتكم
تخلقنا بصفاتكم يا مثبت
وتمنحنا حسن الفناء في نبينا
وتبقينا فيه به بعناية (٦)
وفي حديثه عن سر الطريقة الختمية يقول الميرغني: " واعلم أن كل الخير في العكوف على جانب الحبيب وهذا هو المقصود إلى هنا يا لبيب، وذلك أما تعلقا صوريا أو معنويا. فالصوري على نوعين: الأول: باتباع جميع أوامره واجتناب نواهيه وذلك بمواظبة سننه وآثاره والعكوف على ما ورد عنه لتحظى بأسراره وصحوب ارتكاب العزائم لتحظى بالمغانم. والثاني: الفناء في محبته وشدة الشوق والغيبة في مودته وكثرة تذكره والصلاة عليه ومداومة مطالعة المدائح المحركة للشوق إليه. والمعنوي أيضا على نوعين: الأول: استحضار صورته الشريفة وذاته المنيفة وحضرته العفيفة. والثاني: استحضار حقيقته العظيمة وهذا مشهد أهل الأحوال الكريمة واستمداد العالم منه محقق، فقد وقع لنا في الكشف أنه روح الكون، ونوره به قائم العالم" (٧).
стр. 3791
المطلب الثالث: الاستمداد من الرسول ﷺ
تبعا لهذا التصور لذات الرسول ﷺ ، توجه الميرغنيه بدعواتهم واستغاثاتهم وشكاواهم إليه، سائلينه أن يفك ضيقهم وينصرهم على عدوهم مخاطبين إياه بأنه مزيل للغم والكرب، ومفرج للهم والضيق، وتكاد لا تخلو قصيدة من قصائد مدحهم للرسول ﷺ من معنى من هذه المعاني أو منها جميعها، فأشعارهم جميعها تتضح بهذه المعاني التي تجعل الرسول ملجأ السائلين، وقبلة المحتاجين، يتوجهون إليه بالدعاء ويتوسلون إليه بالإعانة. ولعل في النماذج التالية ما يكشف عن هذه الحقيقة في عقائد الختمية ومبادئهم:
يقول "الميرغني الختم" في النفحات المدنية مخاطبا الرسول ﷺ :
كر صلى الله عليك يا نبي
ما مزيل الغم والكربى
كل هم أنت تفرجه
إن وفاء للعجم والعربي
فأغث يا خير غوث بدا
وأجل كربا عم من حقبى
وأرحنا من عنا سيدي
من عنا الدنيا والأخرى نبي (١)
ويقول أيضا في (النور البراق) مخاطبا الرسول ﷺ :
إليك التجائي حين تذهل الورى
وفي دار دنيا وفي يوم محشرا
فإنك ملجأ للأنام تحفظ ... وقول أبا عثمان ابني لك الهنا
بما رمته لا تختشي قط بطشنا
غفرنا لزلات دنوناك نحونا
تمتع بنا في أخرة وكذا الدنا (٢)
ويقول في قصيدة أخرى من نفس الديوان مخاطبا الرسول بأنه عليه الاعتماد في الدنيا والآخرة وعند الموت، ويرجو من الرسول أن يحضر وفاته وأن يجهزه بعد موته وينزله في القبر ويحضر معه سؤال الملكين وأن يكون أنيسه في القبر وشفيعه في يوم الحشر (٣).
وتتردد هذه المعاني أيضا في أشعار هاشم بن الميرغني (الختم). ومن بين هذه الأشعار قوله مخاطبا الرسول ﷺ :
رسول الله زيل الخطب عني
فصب معسر قد زاد عسري
رسول الله أشكو الحال حقا
إليك ومن يغيث سواك ضري
رسول الله امح ثم محص
ذنوبا ثم آثامي ووزري
وأوهبني رضاك وقل محبي
وابني هاشم لا تخش ضري (٤)
ويصف الرسول ﷺ بقوله:
وإنه المرتجى في كل نائبة
وكل صرف وإيجال ومنعسر
فجد علي بما يغني ويسعدني
واسقني منك فيض الكأس منهمر (٥)
ويقول في قصيدة أخرى عن الرسول:
مغيث من استغاث به كلمح
مفرج لوعة العبد الشجي
رجوتك يا نبي الله سرعا
تطهرني من الدنس الخسي
وتسعدني وتقضي ذي منائي
تدمر كل ذي طاغ بغي
فإنك عالم يا غوث ما بي
ومضموني وجهري والخفي
رحيم سيد بر وصول
سراج أنور نور مضي (٦)
وتتردد أيضا هذه المعاني في أشعار جعفر الميرغني ومدائحه فهو أيضا يستغيث بالرسول ﷺ ويسأله أن يعدل من أحواله وأن يهب له قربا ووصلا ويصفه بأنه مغيث المكروبين وهادي الضالين: فلنستمع إليه:
فديتك يا رسول الله أغثني
فجاهك يمنع الأسواء منعا
أجرني من عدو رام قتلي
يحاول مهجتي ختلا وخدعا
ونفس تأمر الإنسان سوءا
ومعصية بشؤم الذنب تدعى
وحول حالتي لطريق هدي
وضع عن ظهري الأوزار وضعا
وكن لي واقيا في يوم حشر
стр. 3792
إذا انقطع الرجاء وخاب مسعى (١)
ويقول أيضا:
أغثني يا شفيع الخلق طرا
جميل الذات والطبع السليم
وكن لي واقيا في كل أمر
ودمر شر شيطان رجيم
أذقني برد عفوك يا رجائي
وهديا للطريق المستقيم
وهبني منك قربا ثم وصلا
أنال به شهودا من رحيم (٢)
ويقول أيضا في قصيدة أخرى:
رسول الله ما لي من مغيث
سواك يغيث من كرب وخطب
رسول الله هب لي منك فتحا
وأمنا منك في أهلي وسربي
رسول الله هب لي منك فيضا
وقربا من جنابك أي قرب (٣)
من هذه النصوص يتبين لنا أن الختمية يذهبون إلى أن الرسول ﷺ مصدر للمدد والعون، فهو يجيب دعاء المضطر ويفرج كرب المستغيث، ويغيث الملهوف، ولا شك أن هذا اعتقاد باطل مخالف لأساسيات العقيدة الإسلامية، وزعم واهن يرده القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ الصحيحة. فقد بين القرآن الكريم أن الله وحده هو المتصرف في الكون وأن النفع والضر بيده سبحانه وأن الإحياء والإماتة والرزق والمنع والعطاء منه وحده لا شريك له في ذلك، وهو الذي يملك الهداية والضلال وفي الجملة فإن الخلق والأمر بيده. سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شيئا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الفتح: ١١] قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس: ٣١].
وبين أن الرسول ﷺ لا يملك لا لنفسه ولا لأحد شيئًا، وأمره أن يقول ذلك للناس: قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إذا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩]. قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا [الجن: ٢١] وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ [التوبة: ٩٢]. ويؤكد الرسول ﷺ نفسه هذه المعاني في أحاديثه، ومن ذلك قوله ﷺ من حديث ابن عباس: ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء, لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)) (٤).ويقول ﷺ : ((لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ) (٥).
стр. 3793
وبين القرآن أنه لا ينبغي أن يدعو المؤمن غير الله ولا يستعين إلا به ولا يطلب كشف كرب أو جلب النفع ودفع الضرر من أحد غيره نبيا أو ملكا أو غيره من الكائنات، وأن من يفعل ذلك فقد أشرك مع الله غيره وحبط عمله وكان في الآخرة من الخاسرين: وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]، قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٦].
فهذه الآيات فيها الدلالة الواضحة على النهي عن اتخاذ الوسائل ودعاء غير الله سبحانه، بل الواجب إخلاص العبادة لله والتوجه إليه وحده فمنه وحده النفع والضر والمنع والعطاء. ويقول ابن تيمية: "من يدعي القول بضرورة واسطة بينه وبين الله، إن أراد أنه لابد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه، ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده. . إلى أن قال: "وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار، ثم قال: " وقال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]، فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين " (١).وقال الإمام الحافظ بن عبد الهادي في رده على السبكي، " وقوله- أي وقول السبكي- إن المبالغة في تعظيمه، أي تعظيم الرسول ﷺ ، واجبة: إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما، حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين " (٢).
стр. 3794
قول الختمية برؤية الرسول ﷺ ولقياه والتلقي منه: وفقا لتصورهم لذات الرسول ﷺ ، فقد ذهب الختمية إلى أنهم يرون الرسول ﷺ ويلقونه ويحضر احتفالاتهم بمولده ﷺ ، وأنهم يتلقون منه وتلقوا كثيرا من أسس الطريقة وأورادها وتعاليمها. فيذهب الشيخ محمد عثمان (الختم) إلى أنه وضع راتبه بإذن من الرسول ﷺ : " إننا لم نضع شيئًا منه إلا بإذن إلهي وسر محمدي وكل ترتيبه كذلك. . حتى أني كنت أكتب نبيا رسولا، فقال لي المصطفى نبيا ورسولا (١)، ويذهب إلى أن الرسول ﷺ هو الذي أمره أن يصنف مولدا وأن يجعل إحدى قافيتيه هاء والأخرى نونا، وبشره بأنه يحضر قراءته وأن الدعاء مستجاب في ختمه وعند ذكر ولادته ﷺ (٢)، ويدعي أن الرسول ﷺ أخبره بلزوم التمسك بطريقته لكل من وقف عليها: " اعلموا معشر الإخوان. . أنه أخبرني المصطفى أن من وقف على طريقتي ولم يتمسك بها فهو محروم، ومن تمسك بها وتركها يخشى عليه سوء الخاتمة فمن رأيتموه تمسك بها ثم تركها فلا تظنوا فيه خيرا ولو رأيتموه طائرا " (٣).ويزعم أنه حينما هم بتأليف (مجموع فتح الرسول) استأذن الرسول ﷺ في تأليفها فأذن له، ووعده بقبول الناس لها وقبولها منهم، " ثم أردت هذا الجمع على نسق ما ذكرت آنفا، فدخلت الحجرة ووقفت بين يدي المصطفى ﷺ واستأذنته في ذلك الصفا، فأذن وأمد بسر بالمقصود وفا. فبدأت بالخطبة ثم إلى قولي بهية، وتركتها بائتة تحت الستر ليلة هنية، وسألت منه قبولها عني، ومن الزهراء والصاحبين وقبول الناس لها وقبولها منهم، فجاد بلامين، وأفاد أن بها يحصل سر الفتح والقرب منه في الدارين، وأنبأ بما لا تسعه عقول السامعين " (٤). ويقول في كتابه (تاج التفسير) عند تفسير الآية: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢]، يقول: لما وصلت في التفسير إلى هذا الموضع رأيت في تلك الليلة المصطفى ﷺ في محفل من الرسل الكرام، ويقول لي: الأنبياء من نوري، وطارت نقطة نور منه فتخلق منها صورة سيدنا إسماعيل الذبيح فقال لي: هكذا خلقوا من نوري والأولياء من نور الختم!!. . ثم رأيته الليلة، فقال لي ﷺ : ما قام بأمر الله والمؤمنين أحد بعدي مثلك، شكر الله سعيك، فقلت: كيف يا رسول الله؟ فقال: تعبت في المؤمنين ونصحتهم ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك فقلت له: أأرضاك ذلك؟ قال: أرضاني وأرضى الله من فوق سبع سمواته وعرشه وحجبه. ثم نادى رضوان فقال: يا رضوان عمر جنانا ومساكن لابني محمد عثمان وأبنائه وصحبه وأتباعه وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة. ثم قال: يا مالك فحضر فقال عمر في النار مواضع لأعداء محمد عثمان إلى يوم القيامة (٥)،
стр. 3795
ويقول في كتاب (مجموعة الفتح): "لما كان ليلة الأحد أدخلت آخر الليل إلى الحجرة الفاخرة ووقفت بين يدي الحبيب وقال لي في تلك الليلة: أنت محبوبي وأنت مطلوبي وأنت مرغوبي – وأشار أن في أتباعي ما ينوف عن ألف يكونون من أكابر المقربين" (١)، ويذكر أن الرسول ﷺ حضر أثناء قراءته المولد فيقول: كان يوم الجمعة يوم ثلاثة وعشرين من رجب الذي فيه الأنوار تنصب، كنت في قراءة المولد فحضر صاحبه ﷺ ومعه جمع من أهل منصبه، فبشرني بأن عشرة من الذرية يكونون ورثة الكبار من الذروة النبوية، منهم الثمانية الظاهرون له في السموات في المعراج (٢)، ونوح والمرقى لكل في علو الأدراج، وألف من الصحب يكونون في الجوار في أعلى الجنان مع الأنبياء من جواره وذلك أكبر امتنان " (٣).والقول برؤية الرسول ﷺ في المنام حق لا شك فيها ويمكن تحققها لبعض الصالحين، لما ورد من الأحاديث الصحيحة التي بين فيها صلوات الله وسلامه عليه ذلك ووضح أن الشيطان لا يتمثل به ومن ثم فمن رآه في المنام فقد رآه حقا. ومن ذلك ما رواه أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) (٤).وما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني)) (٥).وأما رؤيته ﷺ بعد موته يقظة، فلم يقل بها أحد من أهل السنة والجماعة، ومن ثم فإن مزاعم بعض الصوفية أنهم يرون الرسول ﷺ عيانا لا أساس له، ومن زعم أنه رأى ما يوهم ذلك فليعلم أنه من تلبيس الشيطان ولا ينطبق عليه، ((فإن الشيطان لا يتمثل بي))، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)) (٦).فهذا في رؤية المنام لأن الرؤية في المنام تكون حقا وتكون من الشيطان، فمنعه الله أن يتمثل به في المنام، وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا. فمن ظن أن المرئي هو الميت فقد أتي من جهله، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وبعض من رأى هذا أو صدق من قال أنه رآه، اعتقد أن الشخص الواحد يكون بمكانين في حالة واحدة فخالف صريح المعقول، ومنهم من يقول إن: هذا رفيقه ذلك المرئي (أي قرينه وشبحه) أو هذه روحانيته، أو هذا معناه تشكل، ولا يعرفون أنه جني تصور بصورته، ومنهم من يظن أنه ملك، والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة، والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان، فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها، وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل أو تمريض ونحو ذلك، وتارة يجلبون له من يريد من الإنس، وتارة يسرقون له ما يسرقون من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك، فيعتقد أنها من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقا".
стр. 3796
وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد، فمنهم من يذهبون به إلى مكة عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة مع أنه لم يحج حج المسلمين: لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال" (١).وقد بين القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ أن اتصال الرسول بالناس قد انقطع بوفاته وأنه لا صلة له بالناس بعد أن أدى رسالة ربه وتوفاه الله تعالى. فقد روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤] وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح)) (٢)، وقال الألوسي: "ومعنى الجملتين إني ما دمت فيهم كنت مشاهدا لأحوالهم فيمكن لي بيانها فلما توفيتني كنت أنت المشاهد لذلك لا غيرك فلا أعلم حالهم ولا يمكنني بيانها" (٣).وعليه فإن ما يدعيه بعض الصوفية، كالختمية، من أنهم يتلقون علوما ومعارف عن النبي ﷺ بعد موته يقظة في الدنيا، ليس من النبي ﷺ وإنما هو من تخييل الشيطان وتوهيمه – ويذكر ابن تيمية، أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يطمع الشيطان أن يضلهم كما أضل غيرهم من أهل البدع الذين تأولوا القرآن على غير تأويله، أو جهلوا السنة، أو رأوا وسمعوا أمورا من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين وكانت من أفعال الشياطين. فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم، والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم، والضُّلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه، إما النبي وإما غيره من الأنبياء يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل إليه أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ﷺ وعانقه هو وصاحباه، وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددا كثيرا. وقد حدثني بما وقع له في ذلك، وبما أخبره به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضوع بذكرهم. ولكن كثيرا من الناس يكذب بهذا، وكثيرا منهم إذا صدق به يظن أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله الشيطان" (٤).
стр. 3797
المبحث الرابع: دعاوى مشايخ الختمية وادعاء أتباعهم فيهم
يدعي مشايخ الختمية أنهم استمرار لمدد الرسول ﷺ ، وبناء على ذلك فإنهم أعطوا لأنفسهم من الصفات ما أعطوه للنبي ﷺ وأسبغوا على أنفسهم من القدرات ما أسبغوه على النبي ﷺ ، فادعوا بأنهم المدخل للحضرات الإلهية، وأن مقامهم برزخ بين النبوة والولاية، وادعوا التصرف في الكون وزعموا أنهم يغيثون من يلتجئ إليهم ويحتمي بحماهم فيزيلون كربات المكروبين وهم المهمومين وأنهم الوسيلة للسعادة في الدنيا والنجاة من العذاب يوم الدين. ومن ثم يدعون الناس إلى اتباعهم، ويدعون من تبعهم إلى الاعتقاد فيهم هذه المعتقدات الباطلة.
فالميرغني (الختم) يصف نفسه وآله في إحدى قصائده، بأنهم مفاتيح الحضرة الإلهية، وأنهم يعطون من يخلص إليهم ويسدون الباب أمام من لا يعتقد فيهم، ولن ينال شيئًا مهما اجتهد في نيله عن غيرهم.
نحن المفاتيح للحضرات أجمعها
ونحن باب الإله الواحد الصمد
ونحن بززخ بين النبوة والولاية
العظمى أي وبابه الحمد
فمن يريد لماذا نحن قلناه
يأتي (إلينا) بإخلاص بلا بدد
نعطيه مأموله ونوله فوقا
وذا بفضل مرقينا العلي سندي
ومن يقافي (يجافي) نسد الباب دونه
لا يجد دخولا ولو قد قام بالجهد
فقم مريد الغنى وديم فينا فنى
تلقى علوما تفوق الحصر والعدد
وقل إلهي بختم الأولياء أفض
محمد عبدكم عثمان للمدد
وقل به يا رسول الله أدركني
بما أرجيه من نيل كذا سعد
تجد مناك وكم من طالب أمنا
له النبي يوم أسبوع ذا ولد
أبقاه ربي وأحياه وحققه
باسمه عبده وهديه مددي (١)
ويورد الميرغني رواية عن شيخه أحمد بن إدريس يقول فيها: إن الرسول ﷺ أخبره أن محمد بن عثمان الميرغني أعظم الناس بعد الرسول ﷺ وبعد المنتظر وأنه من المصطفين منذ الأزل ومن ثم فلا عجب أن يفنى الناس فيه ويهيموا.
حديث أتانا عالي إسناد حكمة
به صرت ولهانا مع كل أخوة
خذ إسناده حديثا من غير مرية
محمد بارة، المدعو مني خليفة
(عن الشيخ ابن إدريس قطب الولاية)
يقول: لقد حدثني يوما مبشرا
أمام جميع الأولياء بلا مرا
عن المصطفى أنبأ له ليسطرا
يقول حلف والله والله كررا
(بأن أعظم الناس الأكابر حضرتي)
لدى الله من بعدي ومن بعد منتظرا
هو والله عثمان الخاتم الذي جرى
له الإصطفاء قدما ولم يكن مشهرا
بلا زمان ألست كان منظرا
(فبالله هيموا فيه ثم إخوتي (٢)) ... وفي إحدى قصائده أو شطوحاته يؤكد الميرغني هذا المعنى ويدعي بأنه ختم الأولياء ومن ثم فهو أعظم من كل الأولياء السابقين، وإن مكانته تأتي بعد مكانة الرسول ﷺ ويدعو الناس من ثم أن يلوذوا به عند النزول وأن يستمدوا منه الكمال:
أنا ختم إذا ما كان دوري
سترأى يا فتى ماذا منالي
لكل الأولياء من عهد آدم
إلى دور "الوسيلة" في المآل
فيوض من بحار وهي قطر
من أسراري ولا يخفاك قالي
إذا قاموا جميعهم صفوفا
أضاهيهم وأعلاما ترى لي
فإني أحمد المولى تعالى
على كوني بإثر أولي الكمال
فدوري خلف دور المصطفى
مع قيام الكل خلفي في المجال
وصحبي ثاني الدور المعلى
وقرني ذاك قرن لا محال
ويشهد لي اقتفائي نسج طه
فمن مثلي وصحبي في المعالي
فلذ بي في نوازل كل ضيم
وأستمدد إذا رمت الكمال
بإمدادي وقل رب الورى هب
بختمك لي منائي والمجال (٣)
стр. 3798
وفي قصيدة أخرى يؤكد الميرغني هذه المعاني ويدعي أنهم ورثوا هذا المجد من عالم النور، وأن الرسول ﷺ أخبر عن مكانتهم في رؤيا منامية وذكر أن من زار عثمان فقد رأى الرسول ومن بايعه بايع الرسول. . إلخ.
ما الفخر إلا لنا من سابق الأزل
ما العز إلا بنا من حضرة الرسل
من عالم الذر مولى الخلق قدمنا
تقديم حق بلا ريب ولا زغل
فطالما أنبأ المختار من عظم
عنا وطال بناه دوحة الكمل
لنا وهو الصادق المصدوق في وعد
وقوله الصدق لا يدخله من خلل
ومن رآه مناما قد رآه بلا شك
كما جاء في متن الحديث عل
وكم مرارا يفيد الناس قائل ذا
من زار عثمان ابني زارني حصل
ومن يبايعه بايعني ومن يكن
صافحه صافحني بايعه على عجل
يدخل جنان نعيم نعم فردوس
جواره يحظى من غير ما ملل
بشرى لكم يا أصحاب الختم قاطبة
من مثلكم في الورى قد نال أو ينل (١)
ولم تقتصر هذه الدعاوى على الميرغني (الختم) وحده بل إن ابنه هاشم ادعى أيضا أنه الغوث والقطب المقدم الذي يرضى الله لرضاه ويغضب لغضبه وله التصرف في الكون، والإدخال في الحضرات وإنهم مدد للكثيرين:
أنا الغوث الذي ربي إلهي أتى
بي في الكيان بلا محال
أنا إن شئت أدعو الكون يرقص
بإذن الله وأسكن دع جدالي
أنا لرضائي يرضى الله ربي
لغضبي يغضب الله ذو الجلال
أنا الهادي أنا القطب المقدم
لأهل الله دع عنك الفضال
وأطع واسمع ولا تنكر وبادر
إلي لتستقي كأس الزلال
وأدخلك المسارع كل حضرة
بيدي لا تضام فخذ مقالي
أنا مقدام أهل الوقت جمعا
أنا متبوع فيهمو قطب وآل
ومن صغري استمد الكل مني
مدادي وارتقى سطح الكمال
وحالي ليس يدركه الطحاطح
تعلم حالتي واشطح بحال
أتدري من أنا يا من تفرد
وهو روحي ورب بلا محال (٢)
وتبعا لهذا فإن آل الميرغني يدعون الناس طرا إلى اتباعهم والدخول في طريقتهم لكي ينالوا السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة فيقول الميرغني (الختم):
ألا يا معشر الناس
لنا الرحمن أجرا
مدادا ثم طه
تولانا وأمرا
فمن يأتي إلينا
بدنياه والأخرى
سيلقى كل عز
وإحسانا وبرا
علوا فوق خلق
وينجو يوم حشرا
وندخله الحضائر
ونعطي ما يسرا
ومن يعرض فحسبه
وبالآثام خسرا
وهما ثم غما
وخفضا معه ذعرا
وفي الأخرى سيلقى
من المختار زجرا
فهيا من يردنا
يجينا نحن أمرا
سنعطيه مراما
وفضلا نعم فخرا (٣)
ويقول أيضا داعيا الناس إلى أن يلوذوا بهم ويدعوا ما سواهم حتى ينالوا المكارم لأنهم هم أهل الوقت:
فمن يتبع لأهل الوقت يحظى
ومن عنهم يجد يلقى بلايا
فيا إخوان يا أهل العصر لوذوا
بنا ودعوا سواناهم خوايا
فمن يشغل بقول أبي وشيخ
يقصر يا محبي في العطايا
ومن يخلص ينل عني المكارم
وحب الأولياء جمعا سمايا (٤)
بل يدعي الميرغني الكبير أن مجرد رؤيته ينال بها المحظي الجنة وأن الرسول ﷺ بشره بذلك وينقل عنه ابنه جعفر ذلك فيقول: (سمعته مرارا يقول: "من رآني أو رأى من رآني إلى خمسة لا تمسه النار"، يقول: قال لي جدي النبي المختار) (٥). ويقول الميرغني نفسه ذلك ناسيا الوعد بإدخال من يراه الجنة إلى الله ؛
لقد صار رب العزة سمعي وناظري
وقلبي ورجلي مع يدي ولساني
وأوعدني أن لا يعذب مسلما
رآني حقيقا أو رأى من رأني
وإني كبير الأولياء بأسرهم
جمعنا من العرفان كل بيان (٦)
стр. 3799
ويزعم أيضا أن الرسول ﷺ قال له: "من صحبك ثلاثة أيام لا يموت إلا وليا" (١)، ويحكى أنه لما قدم المدينة قال له ساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام في مكة: "إن من زارني في سنتك هذه والتي قبلها والتي بعدها عندنا مقبول" (٢).
ودعاوى المراغنة هذه دعاوى عريضة تحتاج إلى إثبات، كما أنها مخالفة تماما للأدب الإسلامي الذي نهى عن تزكية المرء نفسه: أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا [النساء: ٤٩ - ٥٠]، فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]، كما أنها لا تتفق مع أدب المؤمن الذي ينبغي أن يكون دوما في مقام بين الخوف والرجاء، الخوف من أن لا يقبل عمله أو لا يختم له بالصالحات، والرجاء في القبول وحسن الخاتمة. فالاطمئنان التام والجزم بالنتائج بهذه الصورة التي يحملها أدب المراغنة مخالف حتى لسلوك كثير من المتصوفة. وتتضح عدم مصداقيته حين يصل إلى درجة الفخر والتباهي ودعوة الناس إلى التصديق بهم واتباعهم نتيجة لذلك. أما زعم الميرغني بأن الرسول ﷺ بشره بأن من رآه أو رأى من رآه إلى خمسة لا تمسه النار. "فهذه دعوى تحتاج إلى برهان، وميزة لم تكن للنبي ﷺ نفسه ولا لأحد من الأنبياء قبله، فهل الميرغني أفضل من الرسول ﷺ ، فالنبي ﵇ كان يرى الكفار ويرونه كل يوم ولم يكن ينفعهم ذلك، بل إن الله أخبره أن استغفاره للكفار ودعاءه لهم لا ينفعهم، فقال سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٨٠] لأن الجنة بعد تفضل الله تعالى بالأعمال: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف: ٧٢]، ورؤية الميرغني ليست من العمل في شيء.
نتيجة لهذا الفضل والميزة التي أسبغها أئمة الختمية على أنفسهم والمكانة عند الله والولاية التي ادعوها، ساد في أدبهم التوسل ببعضهم البعض، وساد في أدب أتباعهم التوسل بهم والتوجه إليهم بالدعاء وطلب العون والنصر وتفريج الكروب وإزالة الهموم وإغاثة الملهوف إلى غير ذلك من أنواع الدعاء والتوجه والعبادة التي لا ينبغي أن تكون إلا لله، والذي هو في واقع الأمر نوع من الشرك في العبادة. وقد كان مشايخ الطريقة قدوة لأتباعهم في هذا النهج والسلوك. فنجد الميرغني (الختم) يمدح شيخه ابن إدريس ويعتبره مقدما له وملجأ، وأن له يمينا إذا قبلها الشخص تمحو أوزاره!!
على من له يمن اليمين ومن له
يمين إذا ما قبلت تمحو للوزر
فيا عمدتي يا مركزي يا مقدمي
ويا ملجئي والله والله والطهر
ويذكر أنه لم يصحب شيخه لغاية دنيوية وإنما رغبة في أن يحضر الشيخ موته ويدفع عنه سوء الخاتمة، وأن يحضر شيخه والمصطفى ﷺ ويؤنساه في وحشة قبره، وأن يدنيه شيخه منه في يوم الحشر:
نعم مرادي حين يحضرني موتي
تدافع عني السوء تختم لي عمري
بحسن ختام يحضر المجتبى أيضا
تدافعا عني لوحشة ذا القبر
وفي الحشر تدنيني لنحو لوائكم
تقول أيا ابن إدريس للمصطفى ذخر
محمد عثمان المسيء الذي له
من الذنب أوزار تفوق عن الحصر (٣)
стр. 3800
ولا أدري كيف يتصور الميرغني أن شيخه سيقدم له كل هذه المساعدات والعون وهو ميت في قبره.
ونجد أيضا محمد سر الختم يصف جده السيد المحجوب بصفات تفوق صفات البشر، فينسب إليه معرفة حجب القلوب، وأنه يفرج الكربات إذا دعي اسمه، وينجد من يستنجد به حيا أو ميتا، على السواء، وأن إليه التصرف في الكون، لأنه كما يقول: من سلالة، من التجأ إلى حماها سعد، ومن الذين هم خزائن أسرار الإله:
يا رب أمدنا بفيض الميرغني
السيد المحجوب غوث اللاهف
كشاف حجب للقلوب فأصبحت
ملأى بنور الحق ذات تحائف
كم فرج الكربات إن دعي اسمه
يأتي كلمع البرق أرأف رائف
خلع الإله على اسمه خلع الرضا
وحباه كل مواهب وتحائف
نطق الجماد له وكان بمحضر
في شهر صوم في تلاوة عاكف
إذا ما تلا وأتى سلاما قالها
فأجابه الكون المقر لعارف
فاهتزت الأشجار والأحجار قائلة
سلاما كررت بمواقف
نجداته بحياته كمماته
جرب فسرعتها كبرق خاطف
إلى أن يقول:
هو صفوة الأخيار والأطهار من
قوم لهم في الدين حسن مواقف
من يلتجئ بحماهمو يلقى الهنا
فوق الرجا جادوا لنا بمضاعف
وهم الخزائن للإله وسره المكنون
في الملأ العلي الصائف
وهم العطية للرضا وكوثر
المختار في الذكر الحكيم الواصف (١)
ويمدح جعفر الميرغني والده محمد عثمان ويدعو مريديه أن يتوسلوا به لقضاء حاجاتهم وتحقيق آمالهم إذ هو الذي يغيث المكروب ويشفي السقيم وبجاهه تكون النجاة:
يا رب صلي على مقام الختم سيدنا
وحفه بالرضا يا واسع الكرم
بادر بصدق وود عالي الهمم
وأنزل بساحة ختم القوم من حرم
وحط رحلك في أبوابه فعسى
بجاهه ينجك المولى من العدم
وسل به كل ما ترجوه من أمل
فهو الذي جوده كالغيث والديم
غياث ذي كرب شفاء ذي وصب
غوث لذي نصب في السهل والأكم (٢)
ويقول أيضا عن والده مادحا له واصفا له بصفات تتضمن معاني مخالفة لمقررات العقيدة الإسلامية فيقول: إنه ملاذ الخائفين، الذي يصفح عن الزلات، ويغيث المكروبين ولا أدري ماذا ترك هذا السيد لله من صفات:
أنت الغياث إذا ناداك ذو كرب
أنت العياذ ملاذ الخائف الحزن
أنت الصفوح عن الزلات يا أملي
كجدك المصطفى المعهود بالمنن (٣)
ونجد أيضا محمد سر الختم يمدح والده (محمد عثمان الختم) مدعيا أن من لاذ به في الدنيا نجا، وفوق هذا فإنه يجادل عن من قصده في يوم الحشر:
من لاذ بالختم إذ نابته واقعة
مثل الحديد ورت نار الورى شرره
يكفيه ذاك وفي العقبى مجادلة
في الحشر يوم امتحان الله من وره (٤)
ويقول محمد سر الختم الحفيد مادحا جده (محمد عثمان الختم) طالبا من الناس أن يلوذوا به ليحقق لهم مقاصدهم وأن ييمموا حماه ليجدوا ما يطلبون:
ختم الولاية والعرفان سيدنا
السيد السند القدسي عثمان
الميرغني الذي ما زال معتصما
بربه وله من شأنه شان
يمم حماه تجد ما أنت طالبه
ينصاع بالذكر من جدواه إنسان
ولذ به عندما أملت نيل مني
وحقق القصد فيه فهو محسان (٥)
ويقول عثمان تاج السر يمدح عمه محمد الحسن الميرغني:
أضحت رقاب الخلق خاضعة له
والوحش في الفلوات والأفيال
فالملك والملكوت طوع يمينه
والكون والجبروت طوع شمال
يا واقفا عند المقام فلذ به
وأمدد أكف الفقر والإذلال
فالله يقبل كل من يسأل به
متوسلا ويجيبه في الحال (٦)
стр. 3801
هذه النقول المتنوعة من أدب مشائخ الختمية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء القوم يظنون في أنفسهم أنهم يجيبون دعوة المضطر، ويتصرفون في الكون، ويكشفون حجب الغيب، وينفسون كربات المكروبين وأنهم وسيلة يتوسل بها لقضاء الحاجات وإجابة الدعوات وأن بهم تنال السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. وإذا كان هذا هو ظن المشائخ بأنفسهم ودعواهم، فلا عجب أن نجد أن الطريقة في جملتها دائرة حول أشخاصهم فيتخذهم الأتباع واسطة بينهم وبين الله، ويتوسل بهم المريدون، ويصفونهم بكل الصفات التي تحمل في طياتها معاني الشرك، وتمتلئ بالتصورات التي لا تليق إلا بذات الله .
فهذا أحد المريدين يقسم أن مقام محمد عثمان الختم لا يدانيه أحد، وأن من يرد السعادة في الدارين فعليه بهذا السيد الذي بشره الرسول بأن من رآه لا تمسه النار:
إن رمت أن تحظى بكل فضيلة
وتفوز في الدارين بالإسعاد
وتجار من ضيق الزمان وغدره
ومن العنا والضر والأنكاد
فعليك بالحبر الهمام أبي الوفا
الميرغني عثمان ذي الإسناد
قطب الورى وأميرهم والمرتضى
ختم الكرام القادة الأمجاد
تالله ما نال امرؤ كمقامه
وفضله لا يحصى بالتعداد (١)
إلى أن يقول:
قد بشر الهادي النبي المجتبى
المنتقى عثمان ذا الإرشاد
من رآه حقيقة بمحبة أو
من رأى فلخمسة يا حادي
ما مست النيران قطعا جسمه
فمكارم تبنى بكل سداد
وإذا تصبك ملمة فبه استغث
متصرخا ينجي كقدح زناد (٢)
وهذا أبو بكر بن المتعارض خليفة الشيخ الحسن الميرغني يخاطب شيخه في لغة صوفية رمزية لا يخاطب بها إلا الله تعالى، ويقف، كما يقول، أمامه في ذلة وتجرد عن كل فعل وحس وروح وقلب، ذاهلا عن ثنويته، كما يقول، وعن وجوده، ويطلب منه أن يتجلى له تجلي الرسول لشيخه ويذيقه من الكأس التي أذاقه منها رسول الله ﷺ ، ويتحدث عن غيبة شيخه واحتجابه ويطلب منه في إلحاح أن يكشف عن ذاته ويظهر له بعض علاماته، ويبدل جسمه نورا بسيطا ويعلمه كتاب (الجفر) المحيط بالبواطن وأن يعدل حاله، ويسأل الله في إلحاح أن يزيل عنه حجاب البعد وكرمه برؤية ذات شيخه، وهكذا نجد بأن الشيخ تقمص صورة الرسول ونعته بنعوته فلنستمع إلى بعض ما يقول ابن المتعارض مخاطبا شيخه الحسن الميرغني:
على ذات الذوات إمام كل
بكنه الذات للذات التجلي
ببابك قد وقفت بكل ذل
وكل تجرد عن كل فعلي
وعن جسمي وروحي ثم قلبي
وعن سري وعن وصفي لقولي
وعن ثنويتي عن كل دعوى
ورؤية ذاك مني في التجلي
وعن كل التوهم عن وجودي
فأنت الأكرم الذاتي كن لي
كما كان الرسول حباك ذاتا
هي الكنه المحيط بكل كلي
ثم يقول:
منى يا أكرم الكرماء تمحو
بطلعة شمس ذاتك كل ظلي
تربينا بحجرك في سويدا
عميم الجود مرفوع المحلي
وتسقينا شرابا أحمديا
لإطلاقات كنه الكنه يعلي
وكم علمتنا حكما أفادت
بأنك أنت صرت عديم مثل
وأنك نلت سرا لا يضاهى
تلوت الأعظم الأسنى بشكل
ألوفا وانفردت بذات أحمد
بغير حجاب نور في التدلي
وأنا قد جزمنا واعتقدنا
يقينا غير منفك بحل
فهذا القول أين الفعل شيخي
وأستاذي متى ومتى تخلي
غيابك واضطراب القلب يسكن
خليلي قال لاطمئنان عقلي
وكم في الأرض قبلك من رجال
وكم نطقوا وكم قالوا بقولي
فإن كنت المشار إليه فاخرج
بخال الحسن بل بلباس نعل
وبدل جسمنا نورا بسيطا
يضيء كما السراج بجنح ليل
وعلمنا كتاب الجفر علما
محيطا بالبواطن والتجلي
وبدل هذه الأحكام وأظهر
وجود الله في أزل بعدل
فمالك في البشائر غير هذا
ظهرت أم اختفيت فأكشفن لي
نقاب الوجه أنظره عيانا
فأطرب حين أذكر أو أصلي
إلى كم تمنحني لست أقوى
لبلوى البعد عجل جمع شملي
стр. 3802
فإني طائح بالباب دهرا
أروم بمحض جودك كل فضل
إلى أن يقول سائلا الله تعالى:
وأكرمني برؤية ذات شيخي
بكل جواهري حجبي تولي (١)
وفي نفس الأسلوب وفي لغة مليئة بالخضوع والذل يخاطب عبد الله بن أبي بكر القلوصي جعفر الميرغني حين ودعه فيقول:
فها أنا الآن ملهوفا ومضطربا
أسامر النجم أدعو وقت أسحاري
أن يجمع الله شملي عن قريب بكم
بجاه طه وبالزهراء وأحبار
حتى أمرغ خدي في مواطئكم
وألثم النعل وأسعى سعي حمار
يا ابن غوث الورى عثمان من بهرت
أسراره وسمى قدرا بمقدار
يا جعفر الفضل جد بالفضل يا ثقتي
فإنك الميرغني غث عبدك العاري (٢)
ويشيد أحد المريدين بآل الميرغني، مصرحا بأن من استجار بهم لا تسطو عليه حوادث الدهر، داعيا الله أن يفرج بهم كرباته ويحقق عن طريقهم رجاءه:
محبتهم فرض على كل مسلم
مودتهم في الله لله قربان
هم الصيد آل الميرغني معدن الحلي
إذا ما فاخر الأقران بالمجد وازدانوا
وهل نتقي من حادث الدهر سطوة
ونحن لسر الختم في مصر جيران
إلهي بهم فرج من الهم كربتي
وحقق رجائي والرجاء منك غفران (٣)
وقد أصبحت هذه المعتقدات الباطلة والبدع المنكرة من الأتباع والشيوخ هي الطابع المميز لأصحاب الطريقة الختمية، فالأتباع والمريدون يدعون مشائخ الطريقة أحياءا وأمواتا، ويعتقدون أنهم ينجونهم من النار ويفرجون عنهم كرب الدنيا فيشفون مرضاهم، ويعينون محتاجهم، والمشائخ لا ينكرون هذا الأمر إن لم يشجعوه. وقد أشار الشيخ أبو الحسن الندوي في مذكراته إبان زيارته للسودان عام ١٩٥١م، أنه رأى أثناء خروجه من دار السيد علي الميرغني حلقة قائمة من الشباب يرددون في لحن: (شيئًا لله يا حسن. . أنت سلطان الزمن) فأنكر هذا النشيد الذي لا يرى له مبررا كما يقول، والذي يعارض التوحيد معارضة صريحة، وكيف تجوز الاستغاثة بشيخ ميت والاعتقاد بأنه سلطان الزمن وتساءل الأستاذ الندوي عما إذا كان السيد يعلم هذا فيوافقهم عليه أو لا يعلمه. . (٤)، وقد رأينا من قبل الإجابة على هذا التساؤل، وتبين لنا أن الختمية جميعا سادة وأتباعا يعتقدون هذه الاعتقادات الباطلة المخالفة تماما لعقيدة التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى. وقد سرت هذه المعتقدات لدى عامة الختمية وأصبحوا يعبرون عنها في أشعارهم وأناشيدهم الشعبية ويتخذونها شعارا لهم، ولعل في المقاطع التالية من أدب الشايقية ما يكفي:
فيقول أحد شعراء الشايقية عن أئمة المراغنة:
ابن عثمان جدكم
والحقائق عندكم
والبفوت فوق حدكم
أسقوه كأس الحنظل
يا ابن عثمان الشريف
من حمو النار يا لطيف
في الصراط حالتنا كيف
في حوى السيد علي
ود عثمان قليبنا بريدوا
والختمية جملة عبيدو
جيد لينا بالسيدة مريم
ستي وقيعه ما بيندم
ستي يا بنت سيدي هاشم
وأبوك لابس الرجال خاتم (٥)
стр. 3803
إن الرسول ﷺ وهو سيد الأنبياء والأولياء وسيد ولد آدم وهو المرسل من عند الله، لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ولا يملك هداية شخص أو إلهامه، فمن باب أولى أن أهل الأرض جميعا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، إلا بإذن الله، ومن ثم فإن دعوى أصحاب هذه الطريقة وغيرها من الطرق أنهم يستطيعون التصرف في أقدار الله الكونية وأن بيدهم النفع والضر والمنع والعطاء دعوى باطلة فاسدة مخالفة لتعاليم الإسلام وأصوله. بل إن مثل هذا الاعتقاد قد يؤدي إلى الكفر، وهو شبيه باعتقاد النصارى في المسيح وغلاة الشيعة في علي. يقول ابن تيمية في تفسير معنى كلمة، "الغوث": "مثل تفسير بعضهم أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول: "إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁، وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه، فإن تاب وإلا قتل فإنه ليس في المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته". ويذكر ابن تيمية أيضا أن من بين أسباب المروق من الإسلام الغلو في بعض المشائخ بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك. ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إلى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: ١٨] فبعث الله رسله تنهى أن يدعي أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة" (١).
وهكذا يتبين لنا خطورة معتقدات أصحاب هذه الطائفة، وخطر آرائهم وفساد تصوراتهم وما تضمنته من غلو قد يؤدي إلى الشرك المحقق. وهي كما أسلفنا معتقدات مصادمة لصريح القرآن الذي دل في أكثر من آية على أن الله سبحانه هو وحده المتفرد بالخلق والتصرف والتدبير والتقدير، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، ولِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [المائدة: ١٢٠]، ونفى أن يكون لغيره سبحانه تصرف في الكون وبين أن من غير الله عاجزون عن نصرة أنفسهم فهم عن نصرة غيرهم أعجز وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣]، ومن ثم فإن الاستغاثة بهم لا فائدة منها ولا جدوى، بل تقود إلى الشرك أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل: ٦٢]، قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]. وأفحش من هذا وأنكر توجيه دعائهم واستغاثتهم بالأموات من المشائخ، لأن الميت كما هو معلوم قد انقطع حسه وحركته وأمسك الله روحه اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر: ٤٢]، ومن ثم فإن أعماله قد انقطعت فلا زيادة ولا نقصان بل إنه رهين بما كسب كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]، وفي الحديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله. .)) (٢) الحديث، فإذا كان الميت عاجزا عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره. ودعوى هؤلاء إن هذه كرامات للميتين، مجرد مغالطة واضحة، إذ أن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه لا قصد لهم فيها ولا تحدي ولا قدرة ولا علم، بينما هؤلاء يخاطبون مشائخهم الميتين كأنهم يسمعون، ويستغيثون بهم كأنهم قادرون، ويلجأون إليهم ويستجيرون بهم كأنهم عالمون بأحوالهم وشئونهم، فيا بئس ما يقولون وما يعتقدون.
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص ٧٥فما بعدها
стр. 3804
المطلب الأول: مقدمات الذكر
جعل الختمية للذكر مقدمات معينة لابد من القيام بها قبل أن يلقن الشيخ المريد الذكر ويقول في ذلك السيد محمد عثمان (الختم) تحت عنوان " كيفية انتقال المقدمات " مخاطبا المريد: " تغتسل أولا كغسل الجنابة يوم الأربعاء بأمر شيخك وتصلي ركعتين: الأولى بالفاتحة والكافرون، والثانية بالفاتحة وسورة النصر، ثم تسلم وتقرأ البيعة بالكيفية المشار إليها في غير هذا المكان، ثم تشرع في التهليل وعدده سبعون ألفا بالوضوء، وتستعمل في مجلسك ذلك نحو مائة مرة، ثم تتم باقي العدد قائما أو قاعدا بالوضوء، ثم بعد فراغك من التهليل تغتسل ثانيا كما تقدم وتستعمل الإخلاص مائة ألف بالوضوء أيضا ثم تغتسل أيضا كما تقدم يوم الأربعاء بعد الصبح وتستعمل البسملة اثني عشر ألفا في مجلس واحد مع الطهارة الكاملة، ثم بعد تمام المقدمات تمضي إلى شيخك يلقنك الذكر ويمسكك الأساس الكبير ذا الفيض الغزير (١).
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص ١١٣
стр. 3805
المطلب الثاني: ما في أوراد الختمية وأذكارهم من بدع
للختمية أوراد وأذكار كثيرة جمع بعضها في كتاب (مجموع الأوراد الكبير)، و (مجموعة فتح الرسول)، وكلاهما للسيد محمد عثمان الميرغني (الختم). وسنتناول فيما يلي بالتحليل ما يتضمنه هذان الكتابان، ومن خلال ذلك يمكن أن نقيم أوراد هذه الطائفة وأذكارها.
أما (مجموعة فتح الرسول)، فيتضمن الصلوات والأذكار التالية:
فتح الرسول ومفتاح بابه للدخول لمن أراد الوصول.
صلاة باب الفيض والمدد من حضرة الرسول السند.
صلاة الجواهر المستظهرة من الكنوز العلية.
راتب الطريقة الميرغنية الختمية.
منظومة أسماء الله الحسنى المسماة بحبل الوصال.
صلاة نور الأنوار في الصلاة على النبي المختار.
صلاة جواهر السطح في الصلاة بسورة الفتح.
صلاة الشهود المحمدي.
قصيدة منجية العبيد في التوحيد.
стр. 3806
أما " فتح الرسول ومفتاح بابه للدخول ": فقد ذكر الميرغني أن الرسول ﷺ بشره أن بها يحصل سر الفتح والقرب منه في الدارين. وهي مقسمة إلى أحزاب سبعة بعدد أيام الأسبوع بدءا بالسبت وانتهاء بالجمعة، وكل حزب منها يتضمن خمسة فصول: الفصل الأول: يشتمل على أحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ ، والثاني: في الصلاة عليه، والثالث: في صلاة الصحابة والتابعين، والرابع: فيما صلى به كمل العارفين، والخامس: فيما صلى به المؤلف نفسه. ولا شك أن تخصيص يوم معين بدعاء معين ابتداع لا دليل عليه من الشرع، ولم يؤثر عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وفي الدعاء الذي هو عبادة وفي الذكر ينبغي التقيد بما أثر عنه ﷺ من هدي، أما مضامين هذه الفصول فإن ما ذكره مؤلف هذه الصلاة من أحاديث في فضل الصلاة عليه فإن المؤلف لم يتقيد بصحتها بل أورد كثيرا من الأحاديث الضعيفة وحرص على نسبتها إلى مظانها في الكتب وربط ذلك بسجع متكلف يهتم باللفظ أكثر من اهتمامه بالمعنى، فلنستمع إليه وهو يقول: اللهم صلى وسلم وبارك على الراحم لنا بقوله: ((إذا صليتم علي فعمموا)) (١) اللهم صلي وسلم عليه عدد ما قرئ هذا الحديث في شرح الشرعة، وعلى آله وصحبه أهل الشرف والرفعة ". ثم يورد حديثا آخر ويقول: اللهم صلي وسلم وبارك عليه عدد ما نظر هذا الحديث في " تنبيه الغافلين "، وعلى آله وصحبه الرحماء بينهم الأشداء على الكافرين ". وبعد حديث آخر يقول: اللهم صلي وسلم وبارك عليه عدد ما حكي هذا الحديث في المستطرف والنزهة، وعلى آله وصحبه التاركين لكل شبهة " (٢)، وهكذا يجري هذا الفصل والفصول المشابهة له في أدعية الأيام الأخرى. وفي الفصول التي خصصها للصلاة على النبي ﷺ ، لم يلتزم المؤلف بالصيغ المأثورة الصحيحة الواردة في الصلاة على النبي، بل زاد عليها أشياء لا أصول لها كقوله: " اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (٣). وفي الفصل الثالث يورد بعض الصلوات المنسوبة إلى علي وابن مسعود ﵄ (٤).ولم يؤثر أنه كان لهؤلاء الصحابة صلوات خاصة بل كانوا متقيدين بالصيغ الصحيحة الواردة عنه ﷺ ، وفي الفصل الرابع يورد المؤلف صلوات لأحمد بن إدريس، وابن مشيش، والشاذلي، وعبد الله المحجوب. وأحمد البدوي وغيرهم من أعلام الصوفية، وبعض هذه الصلوات يحمل في طياته معاني وحدة الوجود وصيغ التجلي والفناء البدعي، كصلاة ابن مشيش مثلا التي يقول فيها: اللهم ألحقني بنسبه وحققني بحسبه وعرفني إياه معرفة أسلم بها من موارد الجهل وأكر بها من مواهب الفضل واحملني على سبيله إلى حضرتك حملا محفوفا بنصرتك، واقذف بي على الباطل فأدمغه، وزج بي في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها (٥). وفي بعضها إشارة إلى النور المحمدي كصلاة أحمد البدوي: اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد شجرة الأصل النورانية ولمعة القبضة الرحمانية. . اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد السابق للخلق نوره ورحمة للعالمين ظهوره (٦).
стр. 3807
أما الفصل الخامس، والذي هو من وضع المؤلف نفسه، فهو مليء بالتصورات والمعاني التي سبق أن ذكرناها عن معتقدات الختمية في الرسول كمظهر للتجلي الإلهي ومدد للكون، الخ، ومن بين صلواته مثلا: اللهم صلي وسلم وبارك على إنسان عين الممالك. . قبلة التجلي الذاتي ومظهر النور الصفاتي ومجلي الاسم الأعظم. . المطلع على الغيوب. . اللهم صلي وسلم وبارك على سر العدد، اللهم صلي وسلم وبارك على ممد المدد (١)، وتتكرر هذه النماذج في كل الأحزاب وفقا للأيام التالية فلتراجع. أما صلاة باب الفيض والمدد: فهي مقسمة إلى ثلاثة أثلاث، يقرأ كل يوم ثلث، وفي يوم الجمعة تقرأ كلها، وهي في جملتها من تأليف السيد محمد عثمان ليس فيها دعاء مأثور ولا تجري على صيغة الصلوات المأثورة، بل ينتظمها نسق معين من السجع المتكلف في كثير من الأحيان، كقوله مثلا: اللهم صلي وسلم وبارك على من به تفرج الكرب، وتدفع البلايا الآتية بالكبب، وتحل به العقد، وترفع الهموم والشدد، وتقضي الحوائج، وترفع المهمات، وتنال الرغائب وحسن المعطيات، وتحسن الخواتم التي هي أقصى البغيات، وعلى آله وصحبه سفن النجاة " (٢)، كما أنها أيضا تتضمن بعض المعاني المبتدعة، كما ورد في قوله: اللهم صلي وسلم وبارك على عرش تجليات الذات، كرسي أنوار الصفات روح العالم وسره المكنون، ممد الكون وأس جداره المخزون، من تخدمه رؤساء الملائكة وتتشرف بخدمته، وتتضع لديه أكابر الرسل وتتحلى بحليته. . اللهم أدخلنا من بابه وأمحقنا في جنابه واجعلنا من أحبابه. . الخ (٣).
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص١١٣ فما بعدها
стр. 3808
المطلب الثالث: صلاة الجواهر المستظهرة
وهذه الصلاة أيضا مقسمة إلى ثلاثة أجزاء يذكر الميرغني أنه ألفها وعمره أقل من العشرين عاما ولكنها تحوي معارف لم ينلها إلا كمل الواصلين.
هذي الصلاة حوت معارف لم تنل
إلا لذي أهل الكمال الواصلين
أبديتها في وقال تعالى بدء الحال
عمري بعشرين تعلى من سنين (١)
ورغم دعوى الميرغني حول مضمون هذه الصلاة، فإنها في الواقع تجري على أسلوب من السجع فيه كثير من التكلف كقوله: اللهم بألف الابتداء وباء الانتهاء وبالصفات العلي، وبالذات يا أعلى صلي على سلطان المملكة، وإمام الحضرة المقدسة، المفيض على الملأ الأعلى من وراء حجبك الجلا، من قامت به عوالم الجبروت، وظهرت عنه عوالم الملك والملكوت، المطمطم بالأنوار العلية، والكنز الذي لا يعرفه على الحقيقة إلا مالك البرية " (٢). وتتخللها أيضا بعض المعاني المبتدعة: اللهم أشهدني جماله وأمحقني في جلالك وجلاله (٣). اللهم صلي على السر المطلسم، والكنز المبهم والرمز الذي لا يفهم (٤)، كما استشهد فيها وأشار إلى بعض الأحاديث الموضوعة كحديث الكنز الخفي، والنور المحمدي (٥)، وحديث "مدينة العلم " (٦)(٧).
راتب الطريقة الميرغنية الختمية: هو في جملته عبارة عن أدعية مأثورة وصلوات وأذكار وردت في أحاديث صحيحة، ورغم ذلك فإنه لا يخلو من بعض الأدعية المبتدعة التي يغلب عليها السجع المتكلف، كقوله مثلا: اللهم يا دائم الفضل على البرية، ويا باسط اليدين بالعطية، يا صاحب المواهب السنية صلي على سيدنا محمد خير الورى بالسجية، واغفر لنا يا ذا العلا في هذه العشية (٨).كما أن فيه بعض الأدعية التي تشير إلى عقائد مبتدعة كالتجلي ومن ذلك قوله: يا رب يا رحمن يا عظيم أسألك تجليا يذهب عني حجب النفس الظلمانية، يا فرد يا أحد يا نور تجلى لي بالتجليات الصمدانية (٩)، كما يأمر ببعض الحركات لدى بعض الأدعية، كوضع اليدين على الركبتين، ووضع اليدين على الصدر (١٠)، كما يصف قطب الطريقة الختمية بأنه صاحب الضريح الذي تقضى لديه حوائج البرية (١١).
стр. 3809
صلاة نور الأنوار: وهذه الصلاة مرتبة على الحروف الهجائية تبدأ بالهمزة وتنتهي بالياء (١). وتقرأ كل يوم مرة، وهي أيضا مسجوعة تنتهي كل صلاة منها بحرف معين: ففي حرف الثاء مثلا يقول: اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد من برحمتك يستغيث، وصلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وقنا بها شر كل خبيث (٢). وفي حرف الخاء يقول: اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد الذي شرعه لجميع الشرائع ناسخ، وصلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد ما تأدب تلميذ بين يدي المشائخ (٣). وهكذا يجري السجع مع كل الحروف.
صلاة جواهر السطح في الصلاة بسورة الفتح: وهي صلاة مسجوعة يقتبس فيها المؤلف آيات سورة الفتح ويضمنها أدعية من وضعه بحيث تأتي الآية في نهاية كل مقطع من الدعاء ويبدأ بقوله: اللهم صلي وسلم وبارك على مظهر فضلك العميم ومجلي فيضك الفخيم المغفور له كما نص الباري، فنسأل الله به الأسرار والمواهب من منحه ما يملأ الوجود ظلا وفيئا، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا [الفتح: ١ - ٢]. . اللهم صلي وسلم وبارك على المعاين في كل المواقع العظيمة، والمؤيد بالتآييد الإلهية الكريمة المعتز باعتزازك المرتفع على من سواه حقا وتمييزا بتمام. وينصرك الله نصرا عزيزا. وهكذا تجري الصلاة إلى تمامها (٤). ولم يؤثر عن الرسول ﷺ ولا عن الصحابة أو التابعين أن وضعوا دعوات بهذه الطريقة أو أنشأوا صلوات مبتدعة كهذه.
صلاة الشهود المحمدي: أما هذه الصلاة فيدعي مؤلفها أن لها خصائص معينة بينها له الرسول ﷺ ، فيقول: " لما أراد الحق تعالى إبراز هذه الصلاة أجلسني بين يدي الحبيب ﵊، ثم قال لي صاحب المدد صلي علي في هذا الحين بصلاة تليق بجمالي لتفوز بكمالي، وأنا ضامن لمن صلى علي بها أن لا يموت حتى يشاهدني، وبها في الجنة سيمدحني، وتزيد حسناته بكل حرف وتذهب سيئاته (٥).وهذه الصلاة كغيرها من مؤلفات الميرغني يسودها السجع، ومؤلفها يشير إلى ذلك حينما قال: ومع ذلك كلما اشتبه علي يشير لي (أي الرسول) بلفظة من أول تلك السجعة (٦). ومن ذلك مثلا: اللهم صلي وسلم وبارك على ميزاب حضرتك العندية، سقف كعبة كمالاتك الربانية، متجر بيعتك الرحمانية ركن يماني أسرارك الفردانية، حجر أمنك الذي من دخله أمن من سطواتك الرهبوتية، مقام خلتك الذي من غاب فيه لم تدرك حقيقته العوالم الخلقية الخ (٧)، وبالإضافة إلى ذلك فقد ورد في هذه الصلاة بعض الكلمات الأعجمية التي لا مفهوم ظاهر لها. فيسأل الميرغني الله قائلا: وألحق دائرتي في الطهارة الخالصة من النفسانية بإفاضة من علم عيسى روح التكريم. أحما حميثا أطما طميثا وكان الله قويا عزيزا، حم. ن. صرفت بحول الله صدمات نفوسنا ووقينا شر خطراتها فإمداد ربنا الخ (٨).
стр. 3810
أما مجموع الأوراد الكبير: فهو يشتمل أيضا على مجموعة من الصلوات والأوراد والأذكار المختلفة للشيخ محمد عثمان الميرغني، وغيره من مشائخ الطريقة. وفي أول، هذا المجموع نجد "الأساس" الذي يؤديه أفراد الطريقة عقب الصلوات، وهو عبارة عن أدعية تشتمل على كثير من الآيات القرآنية كأواخر البقرة، والإخلاص والمعوذتين والفاتحة. ولكن نجد فيه أيضا جملة من الأدعية غير المأثورة التي يسود فيها سجع متكلف ودعوات وذكر بالاسم المفرد: " الله " و " هو ". وبعض العبارات التي تتضمن معاني الوحدة والتجلي والنور المحمدي. ففي عبارات مسجوعة يقول (الختم) مؤلف الأساس: اللهم بألف الابتداء وباء الانتهاء وبالصفات العلى وبالذات يا أعلى، صلي على سلطان المملكة، وإمام الحضرة المقدسة المفيض على الملأ الأعلى من وراء حجبك الجلا من قامت به عوالم الجبروت وظهرت عنه عوالم الملك والملكوت المطمطم بالأنوار العلية والكنز الذي لا يعرفه على الحقيقة إلا مالك البرية. . المكمل لعباد الله بالنفحات الفردية والمؤيد لهم بالظهورات الأنسية والعرش كما يليق بهما، من ظهر الرب من أجله من العما ذروة الدواوين الإلهية، ترجمان الحضرات الصمدانية روح المعارف العلمية ومادة الحقائق النورانية المتجلي في سماء الربوبية (١).وبعد الأساس نجد مجموعة من الأذكار والأوراد خاصة بأوقات معينة فذكر بعد (يس) في الصباح ودعاء الاضطجاع، وأذكار الضحى وأوراد ما بعد الظهر، وأوراد ما بعد العصر وما بعد المغرب وأذكار السحر وأوراد آخر الليل، وهي في جملتها لا تخرج عما سبق أن أشرنا إليه من أنها أدعية غير مأثورة يغلب على معظمها السجع والتكلف، ويؤخذ عليها أنها تخصص أوقاتا معينة بدعوات معينة غير مأثورة من غير سند أو دليل شرعي، وقراءة سور معينة بعدد معين في أوقات معينة من غير أن يؤثر ذلك عن رسول الله ﷺ . أما (المناجاة) التي تأتي بعد هذه الأدعية والأذكار، فينص على قراءتها بعد الفراغ من أذكار وقت السحر، وهي في جملتها توجه لله أن يكشف لتاليها عن عالم الملك والملكوت، ويطلعه على الأسرار المودعة في كل العوالم والناسوت وهي مليئة بالعبارات المتضمنة لمعاني طلب الفناء والغيبة والكشف والمشاهدة: " إلهي زج بي في بحار أسرارك اللاهوتية، وزمزم قلبي لمشاهدة ذاتك العلية وزهدني فيما سواك ليدوم شربي بكرة وعشية. . إلهي شرفني بشروق نور لاهوتيتك في ناسوتي وشممني ذلك حتى لا أرى ولا أسمع إلا بك في رغبوتي ورهبوتي، وأشدد قوتي بذلك حتى أفوز برحموتي. إلهي صرفني في عالم الملك والملكوت وصب علي أنوار الرحموت، وصم على قلبي عن الالتفات لسواك من العرش إلى البهموت، إلهي ضمني إليك ضم فناء وبقاء بك، ونور لي بنورك لأشهدك في كل مكون بقدرتك، واكشف لي الغيوب وطورني في حالة أنال بها صحبة الخضر وصاحبه المحبوب إلهي فك لي عن كل سر مطلسم وفرحني بالفناء والبقاء في نبيك الأعظم وفرج عن قلبي وسويداي كل هم وغم. . وقلبني في حضراتك وحضرات مصطفاك حتى (أكون) في المشاهدة أقوى " (٢).وبعد ذلك نجد أدعية خاصة بعاشوراء وليلتي العيدين، وليلة النصف من شعبان، وأذكار للأشهر الحرم، وأدعية لختم القرآن وأذكار ليلة الجمعة والإثنين، وهي كلها أدعية وأوراد غير مأثورة، فأذكار ليلتي الإثنين والجمعة تجري على النحو التالي: بعد قراءة المولد، تقول لا إله إلا الله الأمان الأمان، محمد رسول الله السلطان السلطان تمد بها صوتك إلى تمام عشر، ثم " الشكية" (٣)،
стр. 3811
بصوت واحد، ثم لا إله إلا الله خمسين مرة، ثم لا معبود إلا الله، خمسين مرة، ثم لا موجود إلا الله خمسين مرة، ثم ما في الملك إلا الله خمسين مرة، ثم هو الله مائة مرة، ثم الله الله خمسمائة، ثم الله قيوم مائة، ثم يا حي يا قيوم مائة وأربعة وخمسين، ثم قراءة البراق حرفا أو حرفين، ثم ما استطعت من القصائد والسفائن ثم "الله جل الله الخ" (١). وبعد هذه الأدعية والأذكار نجد ما سماه الختم نور الإله في الصلاة بتعريف المصطفى نفسه ومولاه. ويقول الناشر: إن المؤلف وضع كل هذه الصلوات بأمر من النبي ﷺ وأن قارئها فائز بثواب الصلاة وثواب تلاوة الكتب المنزلة وحديث رسول الله ﷺ ، ومدد الأستاذ المؤلف فهي مرقاة الكمالات الموصلة إلى أرفع الدرجات " (٢)، وهذه الصلاة في جملتها صيغ من الصلاة على النبي ﷺ غير مأثورة مقسمة إلى سبعة أحزاب على عدد أيام الأسبوع لكل يوم حزب يقرأ فيه، بدءا بالسبت وانتهاء بحزب الجمعة، وهي أيضا مليئة بالسجع المتكلف. ويتضمن هذا المجموع بعض الأحزاب والأدعية والاستغاثات للميرغني الختم من أهمها: "حزب الفتح" و "حزب النصر"، وهذا الأخير كما يقول: لعقد الألسن والدخول على الأمراء والوزراء ولو كانت السيوف على رأسه، وأن من قرأه نجا من شرهم، ومن حكم عليه بسجن ثم قرأه لم يدخله أبدا بإذن الله، ومن قرأه ودخل على قوم يبغضونه فإنه يرى منهم المحبة ويرون منه الهيبة " (٣)، ثم دعاء آية الكرسي (٤). وهذه الأدعية عبارة أيضا عن آيات قرآنية ودعوات خاصة يسود فيها ما سبق أن أشرنا إليه كظاهرة عامة في أوراد الختمية وهي ظاهرة السجع المتكلف. ثم نجد للميرغني أيضا ما سماه بالصلاة المحمدية (٥). وقد ذهب إلى أن هذه الصلاة المحمدية خوطب بها من حضرة المخصوص بالعبودية (الرسول ﷺ ، بعدما أجلسني – كما يقول – بين يديه وأمرني أن أمدحه بها وقال لي: من قرأها كنت أنيسه في وحشته وجليسه في حفرته وأنها تمحو عنه بكل حرف سيئة وتكتب له بها حسنة " (٦)، وهذه الصلاة أيضا ليس فيها شيء من الأدعية أو الصلوات المأثورة بل تجري على السجع المتكلف وتتضمن كثيرا من المعاني والعبارات المبتدعة: اللهم صلي وسلم على فاتح الوجودات الكونية السابق في ضمن قبضتي الأزلية عين كنوز العلماء في حضرة الشهود، المقصود من الرتق قبل فتق الوجود روح حياة اللاهوت ومكنون سر الناسوت. ثم يدعو الله قائلا: هب لي من نور جمالك هيبة وارزقني من سر جلالك سطوة أتصرف بها في جميع الأرواح وأتمكن بها من جذب القلوب والأشباح، واجعل اللهم نصرتي بتوحيدك واستهلكني في فناء شهودك وأفض علي من روحانية الختم الأكرم فيضا متصلا بنوال أستاذه الأعظم مع بقائي في شهود حبيبك المصطفى ونبيك المجتبى " (٧). . الخ. وقد اهتم المراغنة، كغيرهم من الصوفية، بأدعية خاصة وأوراد معينة لمخاطبة الجن والمقدرة على تسخيرهم وجعلهم في خدمتهم، والسيطرة على طريقهم على الناس والتصرف في الكون.
стр. 3812
ولا شك أن هذه كلها دعوات شيطانية وأوراد مبتدعة لم ينزل الله بها سلطانا، ومن ثم جاءت مغلقة في كلماتها، غريبة في عباراتها، مليئة بالألفاظ الأعجمية، ومن هذه الأوراد والدعوات دعوة البرهتية لمحمد الحسن الميرغني، والتي يبدأها بمخاطبة تلك الأرواح مقسما عليهم وزاجرا لهم مذكرا إياهم بالعهد المأخوذ عليهم من سليمان بن داود وما عاهدهم عليه عند باب الهيكل الكبير ببابل ثم يخاطبهم قائل: أيتها الأرواح الروحانية العلوية والسفلية وخدام العهد الكبير بحق ما تلوته عليكم وما أتلوه عليكم وهو برهتية، كرير، تتلية، طوران، مزجل، بزجل، ترقب، برهش، غلمش، خوطير. . ويذكر عددا من هذه الأسماء الأعجمية إلى أن يصل إلى شمخاهر شمهاهير، شمهاهير هو رب النور الأغلاغيطال غيطل فلا إله إلا هو رب العرش العظيم أهـ ياهـ هيوه بقطريال أجب يا شرنطيائيل الملك الموكل بالعهد بكهطهطهونية كهطهطهونية ياه واه نموه. . الخ ويطلب منهم بحق ذلك الاسم الأعظم أن يهبطوا إلى الأرض بحق هذه الأسماء عليهم، ويخاطب فريقا آخر أن يجيبوا ويزجروا له الملوك العلوية والسفلية ويحضروهم إلى مقامه ويفعلوا ما يأمرهم به. ثم يخاطب الملك الموكل بفلك الشمس بأن يزجر له خادم الأحد وأن يحضر إلى مقامه، والملك الموكل بفلك القمر بأن يزجر خادم الإثنين، والملك الموكل بفلك المريخ ليحضر خادم الثلاثاء، والملك الموكل بفلك عطارد ليزجر ويحضر خادم الأربعاء، والملك الموكل بفلك المشتري ليزجر خادم الخميس ويحضره، والملك الموكل بفلك الزهرة ليحضر خادم الجمعة والملك الموكل بفلك زحل ليحضر خادم يوم السبت ويخاطبهم جميعا: أجيبوا أيتها الملوك السبعة العلوية والسبعة السفلية وأحضروا إلى مقامي أسرع من لمح البصر وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ". ولا أدري أين العبادة من هذه الطلاسم والشعوذة والدجل وتسخير الأرواح ومخاطبة الشياطين والجن والعفاريت. وفي دعاء اسم يا حي يا قيوم، يطلب محمد الحسن الميرغني أن يمده الله بمدد يخضع له كل جبار عنيد وشيطان مريد وأن ينفع كل موجود علوي أو سفلي بهذا المدد ويقول: أسألك أن تمدني بروحانية اسمك الحي القيوم حتى تكون معي إذا قال للشيء كن فيكون من غير معالجة ولا تعب ولا معاناة ولا نصب، أجب يا مور شطيث ويا طهيوج أسألك يا من هو آحون قاف أدم هاء آمين (١). ولا أدري بمن يخاطب بهذه الألفاظ الأعجمية، ومن هو أحون وقاف الخ المتوجه إليهم بالسؤال.
وفي دعوة اسم ودود يسأل السيد محمد الحسن الميرغني الله أن يسخر له العباد ويقول: " اللهم إني أسألك بنور سرك وسر ودك الذي ألقيته على أنبيائك وأصفيائك وأوليائك أن تلقي ودي ومحبتي في قلوب عبادك أجمعين. . وأن تسخر لي روحانيتهم كما سخرت البحر لموسى ﵇، وسخرت الجن والإنس والشياطين لسيدنا سليمان ﵇، وأن تلين قلوبهم كما ألنت الحديد لسيدنا داود ﵇، واجعل اللهم ناصيتهم بيدي فإنك أنت العزيز القوي الحميد الحي القيوم ذو الجلال والإكرام بحق مالخ مليخ امليخوم أجب يا طئكيائيل وأنت يا اسطيس بحق جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ﵈ "، ويعجب المرء من هوية هؤلاء الذين يستشفع بهم لله تعالى، والذي يستشفع جبرائيل فيهم.
стр. 3813
وفي (مجموعة فتح الرسول) وتحت عنوان: " باب إرسال الهواتف "، نجد أيضا هذه الطلاسم والأسماء الأعجمية الغريبة يستعان بها لتخويف الناس وإرهابهم، فينقلون عن محمد النورسي صيغة هذا الدعاء، ويقدم له كما يقولون: أن تصوم لله تعالى يوم الخميس وتصلي العشاء الآخرة ليلة الجمعة، ثم تصلي ركعتين لله تعالى وتقرأ الجلالة ألف مرة، وعلى رأس كل مائة تقول هذا الدعاء: اللهم إني أسألك بألف القائم، الذي ليس قبله سابق، وأسألك بالأمين الذي تمم بهم الأسرار، وجعلتهم بين العقل والروح، وأسألك بها المحيطة باللام، والمتحركات والصوامت والجوامد والنواطق، نموخ سلوخ بعزة أجب سيد يا كيهيائيل، واذهب إلى فلان بن فلانة، على صفتي وكيستي واسمي ولبسي وامض إليه وخوفه خوف الموتى حتى إذا أصبح يأتي إلي ويقضي حاجتي، الوحا، العجل، الساعة (١) "!!!.
من هذا العرض لأوراد الختمية وأذكارهم يتبين لنا ما يأتي:
إن أذكار الختمية وأورادهم بعيدة كل البعد عن الأذكار الواردة في القرآن والمأثورة عن الرسول ﷺ .
أنهم خصصوا أذكارا معينة وأورادا معينة بأيام خاصة وأوقات خاصة من غير دليل شرعي أو سند من أثر.
إن أورادهم وأذكارهم يغلب عليها السجع المتكلف الذي يصرف الذهن عن التوجه إلى الله في صدق ومخاطبته تعالى في إخلاص.
إن بعض أورادهم مليئة بالألفاظ الأعجمية والأسماء الغريبة لروحانيات يخاطبونها كما يزعمون ويسعون إلى تسخيرها لخدمتهم.
وعلى كل واحدة من هذه النقاط نورد ما يلي: أما بالنسبة للقضية الأولى والثانية، فإنه مما لا مأخذ فيه أن يدعو المسلم الله بما شاء من أنواع الأدعية والأذكار، سواء كانت مما ورد في الكتاب والسنة أم لا، بشرط أن لا تتضمن مخالفة ما للعقائد أو التصورات الإسلامية، رغم أنه من الأفضل، أن يقتصر المسلم ما أمكنه ذلك، ويتقيد بما ورد في الكتاب والسنة. ولكن يتوجه الإنكار حين يتخذ المسلم هيئات معينة وكيفيات مخصوصة من الأدعية والأذكار والصلوات، ويجعل لنفسه أدعية معينة وأوراد مخصوصة يرددها في أوقات معينة وبأعداد محدودة ويتخذها شعارا لطائفة معينة يتميزون بها عن سائر المسلمين ويعتقدون أنها واجبة أو مندوبة، ويرتبون على ذلك ما لا يحصى من الثواب، وأن من تركها حلت عليه العقوبة ويستغنون بها عن الأوراد الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة فالختمية وقعوا في هذا الخطأ حينما اتخذوا لهم أورادا خاصة وأذكارا معينة وخصصوها بأوقات وأعداد وجعلوها شعارا لطائفتهم وآثروها على الأدعية المأثورة والأذكار الواردة في القرآن والسنة ولا شك أن هذا تشريع ما لم يأذن به الله في أمر العبادة التي ينبغي فيها التقييد والتقليد، وهذا داخل في الأعمال المردودة على صاحبها لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢).وقد قرر كثير من علماء الإسلام أن مثل هذه الأوراد من البدع المحرمة وأكدوا أنه لا ينبغي الاستعاضة بهذه الأوراد المأخوذة من الطريقة أو مشايخها عما ورد عن المصطفى ﷺ ، فيقول ابن الجوزي: ثم من أقبح الأشياء القول: إن الصوفية ينفردون بسنن، لأنها إن كانت منسوبة إلى الشرع فالمسلمون كلهم فيها سواء، والفقهاء أعرف بها، فما وجه انفراد الصوفية بها، وإن كانت بآرائهم فإنما انفردوا بها لأنهم اخترعوها (٣).
стр. 3814
ويحذر القاضي عياض من تلك الأدعية المبتدعة والاشتغال بها بدلا من الأدعية المأثورة فيقول: أذن الله في دعائه وعلم الدعاء في كتابه لخليفته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد والعلم باللغة والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ وأشد ما في الحال أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دعاء نوح، دعاء يونس، دعاء أبي بكر الصديق، فاتقوا الله في أنفسكم لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح ". وإلى مثل ذلك يذهب أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]. قال: " يقال ألحد ولحد إذ مال والإلحاد يكون بوجهين: بالزيادة فيها والنقصان منها، كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها البارئ بغير أسمائه، ويذكرونه بما لم يذكره من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به، فحذار منها، لا يَدْعُونَّ أحد منكم إلا بما في الكتب الخمسة وهي: كتاب البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، فهذه الكتب هي بدء الإسلام، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا سواها ولا يقولن أحد أختار دعاء كذا، فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك للخلق رسوله ". وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤٧]، " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون " (١)، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥] وبعد أن ذكر وجوها من الاعتداء في الدعاء قال: " ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة فيتخير ألفاظا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله ﵇ وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء " (٢)، وقد بلغ من تشديد العلماء في إنكار أي زيادة على ما أثر عن رسول الله من صيغة الصلاة عليه والأدعية والأذكار أن أنكر ابن العربي ما زاده ابن أبي زيد المالكي، " وارحم محمد وآل محمد "، وقوله باستحباب ذلك وخطأه في ذلك قائلا: " إن النبي علمنا كيفية الصلاة عليه فالزيادة على ذلك استقصار لقوله واستدراك عليه ". ولا أدري ماذا كان سيقول ابن العربي لو رأى ما زاده هؤلاء الختمية وأمثالهم وما اخترعوه من أدعية وأذكار مليئة بالبدع في ألفاظها والانحراف في معانيها. أما السجع في الدعاء فإنه من الأسباب التي تصرف القلب عن معرفة الله وتدفعه إلى التعلق بالألفاظ بدلا من الغوص على المعاني ومن ثم كرهه العلماء، وقال الطرطوشي: " ويكره السجع في الدعاء وغيره، وليس من كلام الماضين "، ويورد رواية عن ابن وهب عن عروة بن الزبير أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي ﷺ وعن أصحابه قال: " كذبوا لم يكن رسول الله ﷺ ولا أصحابه سجاعين ".
كما أورد رواية عن البخاري في صحيحه أن ابن عباس قال لعبيد بن عمير: " أقصص يوما ودع يوما ولا تمل الناس، وإياك والسجع في الدعاء فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون إلا ذلك أي ترك السجع ". أما توجيه الدعاء والأذكار نحو السيطرة على الجن واستخدام الشياطين والأرواح في جلب نفع ودفع ضر فهذا من أنكر المنكرات ونوع من الشعوذة والباطل الذي يؤدي إلى الشرك والعياذ بالله، كما أن استخدام الألفاظ العجمية التي لا يدرك معناها قد تتضمن نوعا من الشرك كما قال مالك ﵁ إذ روي عنه أنه قال في هذه الألفاظ السريانية والعبرانية والعجمية: وما يدريك لعلها تكون كفرا " (٣).
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص ١١٧فما بعدها
стр. 3815
المبحث السادس: البيعة وأخذ الطريق
الختمية طريقة صوفية تركز كما تركز الطرق الأخرى على أخذ البيعة من الأتباع والعهد من المريدين، ولهم طقوس خاصة يلزمون بها من أراد أن يسلك هذه الطريقة وينخرط في سلكها، وتتمثل هذه الطقوس فيما يأتي: يضع الشيخ يده في يد المريد ويقول ويجاوبه المريد معه: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم: اللهم إني تبت إليك ورضيت بسيدي السيد محمد عثمان الميرغني شيخا لي في الدنيا والآخرة فثبتني اللهم على محبته وعلى طريقته في الدنيا والآخرة بحق سيدنا محمد بن عبد الله بن عدنان وبحق بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين إلى آخر السورة، (بشرط أن تكون البسملة والفاتحة في نفس واحد)، ثم يقرأ سورة "والعصر" إلى آخرها، ثم يقول الشيخ للمريد سرا: ثبتك الله على الحق وعلى الصبر وعلى الطريقة المحمدية المستقيمة بحق (أهم سفك حلع يص، وبحق آحون قاف أدم هاء آمين) ثم يقول الشيخ:
أهيم بطه مذ أعيش وإن أمت
سأوكل بطه من يهيم به دهري
стр. 3816
ثم يقول الشيخ للمريد: اتخذتك مريدا لسيدي السيد محمد عثمان الميرغني الختم رضيت؟ فيقول له المريد قبلت، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (١).والبيعة الصوفية تتضمن التزاما من قبل المريد بالولاء والطاعة التامة للشيخ والالتزام بآداب الطريقة، ولا شك أن هذه بدعة لم تعرف لدى سلف هذه الأمة، وليس هناك بيعة ملزمة للمسلم سوى بيعة إمام جماعة المسلمين، إذ أن قيام الجماعة المسلمة واجب على المسلمين وانتماء المسلم لهذه الجماعة واجب عليه، وقد يقال أنه لا بأس بالبيعة إذا كان الغرض منها تعلم العلم النافع من الشيخ واكتساب أعمال صالحة منه وأخذ المنهاج والطريقة المؤدية والموصلة إلى الله (٢)، ولكن مما يلاحظ أن بيعة الختمية هذه ليس فيها إشارة إلى هذا المضمون كما أنها تتضمن أمورا منكرة لا أساس لها، كإلزام المريد وإقراره بأن يتخذ الشيخ محمد عثمان الميرغني وليا له في الدنيا والآخرة، وقد أشار ابن تيمية إلى أن مثل هذا القول بدعة منكرة من جهة أن المريد جعل نفسه لغير الله، ومن جهة أن قوله شيخ لي في الدنيا والآخرة كلام لا حقيقة له، فإنه إن أراد أن يكون معه في الجنة فهذا إلى الله لا إليه، وإن أراد أن يشفع فيه وإلا لم يشفع، وليس بقوله أنت شيخي في الآخرة يكون شافعا له. هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة، فقد تقدم أن سيد المرسلين والخلق لا يشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة بعد امتناع غيره منها. وكم من مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى " (٣).وقد حاول بعض الختمية المعاصرين الدفاع عن اتخاذ السيد محمد عثمان شيخا في الدنيا والآخرة محتجين بقوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً [الإسراء: ٧١] زاعمين أن المولى يدعو الناس بأئمتهم يوم القيامة لأن المرء يحشر مع من أحب" (٤).وهذا فهم للآية لا سند له، إذ أن الإمام في الآية فسر بأنه النبي ﷺ كما قال مجاهد وقتادة، بإمامهم أي نبيهم، وهذا كقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [يونس: ٤٧]، وقال بعض السلف هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث، لأن إمامهم النبي ﷺ ، وقال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، واختاره ابن جرير. وروي عن مجاهد أنه قال: بكتبهم فيحتمل أن يكون أراد ما روي عن ابن عباس في قوله: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:٧١] أي بكتاب أعمالهم. وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]، وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف: ٤٩]، ويحتمل أن المراد " بإمامهم " أي كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء ﵈ وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم (٥). وهكذا نجد أن الإمام في الآية المراد به الكتاب أو الرسول ولم يقل أحد من السلف أن المراد به الأئمة، اللهم إلا إذا أريد به أئمة أهل الكفر والعياذ بالله.
ويضاف إلى ذلك أن ما ورد في صيغة البيعة من كلمات أعجمية لا يعرف معناها، أو طلاسم لا معنى لها، لا أصل له في دين الله، بل من البدع المنكرة، كما سبق أن أشرنا.
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص ١٣٢
стр. 3817
المبحث السابع: الخلوة عند الختمية من وسائل الصوفية في طريق السير إلى الله تعالى دخول الخلوة والاعتزال عن الناس لفترة معينة يشتغلون فيها بالعبادة والذكر، والختمية شأنهم شأن غيرهم من الصوفية اهتموا بالخلوة وبينوا كيفية دخولها وما يشتغلون به فيها من أعمال، ففي الفصل الأول الذي عقده السيد / محمد عثمان الميرغني عن " كيفية الخلوة " يقول: الحمد لله الذي جعل الخلوة فيها أسرار الجلوة (١)، بمعنى أن الخلوة فيها لوائح الفتح ومحل التمكين والشطح ومنها اللوامع تزهر وإليها الكمالات تظهر "، ويفتخر الميرغني بأن خلوتهم من أعظم الخلوات إذ قل أن يدخلها إنسان إلا وتبدو له فيها سواطع الفتوحات وغالبا ثلاثا وقل أن تستعمل سبعا (٢).والخلوة بهذه الصورة الصوفية ليست من المسائل التي شرعها الإسلام فالله شرع من العبادات الإسلامية الاعتكاف وفقا لآدابه الشرعية المعروفة، كما أن الإنسان يمكن أن يعتزل الناس في فضول المباحات ويعتزل ما لا ينفع وذلك بالزهد فيه فهو مستحب، وقد قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته يكف فيه بصره وسمعه، كما يمكن للإنسان أن يختلي في بعض الأماكن إذا أراد اكتساب علم أو عمل بشرط أن لا يتخلف عن الجمعة والجماعة، وفقا لما ورد أن النبي ﷺ سئل أي الناس أفضل؟ قال رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار إليها يتتبع الموت مظانه، ورجل معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويدع الناس إلا من خير " (٣).وقد حاول الصوفية أن يلتمسوا سندا شرعيا لخلوتهم هذه، وزعموا أن لهم أسوة في رسول الله ﷺ حيث كان يختلي في غار حراء، وقد أشار إلى ذلك محمد عثمان الميرغني في قوله: " الحمد لله الذي جعل الخلوة فيها أسرار الجلوة "، والصلاة والسلام على من اختلى في غار حراء فجاءه الفتح من الوحي بلا امتراء، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١]، وأشهد أن سيدنا محمد المنزل عليه اقرأ وذلك من سر اختلائه وصار لنا كنزا " (٤).وهذا الاحتجاج غير صحيح لأن اختلاء الرسول ﷺ في الغار كان قبل النبوة والبعثة، ولسنا مأمورين بأن نتأسى إلا بما جاء به الشرع بعد النبوة إضافة إلى أن النبي ﷺ بعد أن جاءه الوحي لم يعتزل في ذلك الغار ولم يفعل ذلك أحد من أصحابه أو التابعين، مع أنه أقام في مكة قبل الهجرة بضعة عشرة سنة ودخل مكة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريبا من عشرين ليلة وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا كان مما يأتيه الناس في الجاهلية. ويقال إن عبد المطلب هو الذي سن لهم إتيانه لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة صلوات الله عليه، كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذه تغني عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي " (٥).وبالإضافة إلى ذلك، فإن خلوة الختمية لها طقوس خاصة لا سند لها من الشرع، كما أنها تحتوي على أوراد مبتدعة وأذكار منكرة لم يرد بها أثر.
стр. 3818
إذ اشترطوا على داخل الخلوة إذا جاء داخلا فيها أن يقدم رجله اليمنى ويقول عند تقديمها: بسم الله الرحمن الرحيم على ملة رسول الله ﷺ وعلى طريقة سيدي محمد عثمان: رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، رب أدخلني مدخل صدق إلى حضرتك وأخرجني مخرج صدق لإهداء (الهداية) خلقك واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ينصرني على غفلاتي ويؤيد لي حقيقة حقائقي المنتجة من خيالاتي وحققني يا حق بالكمالات، وبعد دخولك تقول: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، اللهم أمدني برسول الله وبسيدي جبريل وأمدني بسيدي أحمد بن إدريس وأمدني بسيدي عثمان شيخنا صاحب الإيقان في خلواتي وجلواتي ودنياي وآخرتي، ثم تقرأ الاستغفار الكبير المستعمل في أذكار الإصفرار ثلاثا وسبعين مرة، ثم الاستغفار وهو أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاثمائة وثلاث عشرة، ثم لا إله إلا الله اثني عشر ألفا، ثم الاسم الفرد (الله) ستا وستين ألفا، ثم هو هو أحد عشر ألفا، ثم حي قيوم سبعة آلاف وأربعمائة وأربعين مرة، كل ذلك نصف باللسان ونصف بالقلب ما عدا الاستغفارين، ثم " الصلاة الذاتية " ثلاثمائة وثلاثا وستين مرة " الله " بألف الابتداء ثلاثا وستين، ثم " الفواتح الثلاثة "، وكل ذلك مع تغميض عينيك وتخيل ذات شيخك السيد محمد عثمان، فإذا ظهرت لك روحانيته فتخيل من جهة قلبه نورا فإذا ظهر لك النور فتأمل فيه الصور حتى تظهر لك روحانية المصطفى ﷺ وترى ما ترى من أنبياء وأولياء وروحانيتهم، وهناك مبادئ الفتح، ومن ثم يتسع الإمداد ولا تغفل عن شيخك محمد عثمان ولو بلغت مقام القطبية ولا تدخل إلا بإذنه أو بإذن متكمل من تلامذته وصار مربيا " (١)، ثم يحددون أنواعا معينة من الأكل فيقولون: " وليكن أكلك خبزا على دهن سمسم وإن كان خبز شعير فأحسن، وسكرا وما أشبه ذلك، ولا تأكل كل ما خرج من ذي روح إلى أن تخرج من خلوتك" (٢).
وهكذا نجد أن الخلوة عند الختمية تتضمن ما يأتي:
إن هدفها الأساسي هو الوصول إلى الحضرة الإلهية وحدوث التجليات والكشف للعابد ولا شك أن هذا ليس هو هدف العبادة في الإسلام.
فيها يطلب العابد المدد من الرسول ﷺ وجبريل ومشايخ الطريقة وهذا أيضا من الأمور المنكرة فلا يطلب المدد والعون إلا من الله تعالى كما سبق أن أشرنا.
إنها تطلب من المريد استحضار صورة السيد محمد عثمان حتى تظهر له روحانيته ثم يظهر نور من جهة القلب، ويظل الحال هكذا حتى تظهر له روحانية النبي ﷺ ، وهذا كله من الأمور المبتدعة التي لا أساس لها من الشرع ولا تمثل أثرا من آثار العبادة الشرعية، كما أن في ذلك صرف للعابد عن الله تعالى وتوجيه فكره وخياله إلى بعض من خلقه كشيخه وفي هذا ما فيه من أنواع الشرك وأصناف البدع إذ أن العبادة ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى لا شركة لأحد فيها لا بتوسط ولا طلب ولا دعاء.
إنها تتضمن أورادا معينة وأذكارا محددة بأعداد محصورة وكل ذلك من غير سند شرعي، إضافة إلى أنها تتضمن ذكر الله تعالى بالاسم المفرد وقد رأينا من قبل ما في ذلك من ابتداع في الشرع وخطأ في القول واللغة.
وإذا كانت هذه الوسائل جميعها غير مشروعة ولا تتفق مع الشرع فلا عجب أن يرى صاحب الخلوة بعض الخيالات أو الصور أو الروحانيات التي قد تكون في غالبها من الشياطين الذين كثيرا ما يتصورون بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا يعرف فيقول أنا الشيخ فلان أو العالم فلان وربما قالت أنا أبو بكر وعمر وربما يأتي في اليقظة دون المنام وقال: أنا المسيح، أنا موسى، أنا محمد، وهذا كله من تلبيس الشياطين على الناس لأنهم اتخذوا غير طريق المؤمنين واستبدلوا نهج الشرع مناهج وأساليب ما أنزل الله بها من سلطان. إن الإسلام قد شرع الاعتكاف في المساجد، وسن الاعتكاف في المساجد في رمضان طلبا لليلة القدر، وفي الإسلام يجوز الاعتزال إذا ساءت أحوال الناس وخاف المسلم الفتنة في دينه، فله أن يعتزل الناس فيبقى في منزله أو مزرعته أو باديته يرعى غنمه كما جاء ذلك في حديث البخاري: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)) (٣).
أما الخلوة، بذلك المفهوم الذي يقول به الختمية، وما فيها من طقوس مختلفة، وأذكار مبتدعة، فلا أساس لها من الشرع، ولا سند لها من الدين.
المصدر: طائفة الختمية لأحمد محمد أحمد جلي – ص ١٣٤
المطلب الأول: مشايخ الختمية وأئمة الشيعة الاثني عشرية يرتبط الختمية من ناحية نسبهم كما يقولون بأئمة الشيعة الاثني عشرية وقد أورد السيد جعفر الميرغني نسب والده محمد عثمان (الختم) مؤكدا ذلك على النحو التالي: " إنه محمد عثمان بن السيد محمد أبي بكر بن مولانا السيد عبد الله الميرغني المحجوب بن السيد إبراهيم بن السيد حسن بن السيد محمد أمين بن السيد علي المرغني بن السيد حسن بن ميرخورد بن حيدر بن حسن بن عبد الله بن علي بن حسن بن السيد حيدر ابن ميرخورد بن حسن بن أحمد بن علي بن إبراهيم بن يحيى بن حسن بن بكر بن علي بن محمد بن إسماعيل بن ميرخورد البخاري بن عمر بن علي بن عثمان بن علي المتقي بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وابن الزهراء البتول (١).وفي مقدمة كتابه (لؤلؤة الحسن)، حمد السيد جعفر الميرغني الله تعالى الذي جعلهم منتمين إلى أهل البيت المطهر بنص الآيات القرآنية، ومن الذين أودع الله فيهم سر النبوة، وشفعهم في أمة جدهم محمد ﷺ فيقول: " وأشكره على أن دلنا بالتمسك والانتماء لخلاصة الوجود، المطهرين بنص الآيات تطهيرا سبق لهم في الأزل بخالص الكرم والجود، وأوجب لهم إنافة المقام، وعلو القدر في عالم الغيب والشهود، وصرخت بذكره ألسنة أفواه آية قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود:٧٣]، فبان بذلك رفع الشأن. . وأشهد أن لا إله إلا الله الحاكم بالتقدير لهذه النسبة في الدارين، المانح لهم الشفاعة في أمة جدهم سيد الكونين، المودع سر النبوة فيهم، فبه دائما صباح وجوههم مسفرة تقر برؤيتها كل عين " (٢).وهكذا ينتسب الختمية - كما يقول أحد أتباعهم - إلى رسول الله ﷺ ، من خلال الأئمة الاثني عشر، الذين التفت حولهم الأمة الإسلامية بقلوبها وجوارحها في القرون الأولى من الإسلام بزعمه. وبعد أن أورد هذا الكاتب سلسلة النسب أعلاه قال: وكما هو واضح من النسب أعلاه فإن السادة المراغنة ينتسبون إلى الأئمة الاثنى عشر عظماء الأمة المحمدية ووارثي علم المصطفى وباب مدينة العلم "علي" وشهرتهم تغني عن التعريف بهم فقد كانوا أقمار السموات ونجوم الأرضين " (٣).
ومعلوم أن المراد بالأئمة الاثني عشر - في هذه الإشارة - أئمة الشيعة الذين يبدأون بعلي ثم. . الحسن والحسين، وينتهون كما يقول الشيعة بمحمد بن الحسن العسكري (المهدي الغائب أو المنتظر)، وعند هذا الأخير الثاني عشر تقف سلسلة الأئمة عند الشيعة، لأنه اختفى أو غاب غيبة صغرى ثم غيبة كبرى لم يظهر بعدها حتى الآن. ونسب الختمية بهذا التسلسل، ودعوة ارتباطهم بالأئمة الاثنى عشر يثير عدة إشكالات:
أولها: أنه يوجد اضطراب في عدد هذه السلسلة، إذ أن فيها ثلاثة أسماء وردت في رواية جعفر هذه، لم ترد في الروايات الأخرى، كما أن الاسم حسن، ورد في روايات أخرى باسم " عيسى " والاسم بكر ورد باسم " أبي بكر".