← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

المبحث الثالث عشر: مخالفات الطريقة القادرية للشريعة الإسلامية المخالفة الأولى: - الشيخ الجيلاني يصرح بأنه هو الواحد والصمد وهما من أسماء الله تعالى وأصحاب الطريقة القادرية يؤيدون ذلك، جاء في كتاب الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية ص ٤٧ "قال الشيخ في الشطح والتوقير (أنا الذاكر المذكور ذكرًا لذاكر، أنا الشاكر المشكور شكرا بنعمه، أنا السامع المسموع في كل نعمه، أنا الواحد الفرد الكبير بذاته، أنا الواصف الموصوف شيخ الطريقة) " والرد على هذا الكفر والإلحاد واضح من كتاب الله تعالى. وتكذيبه من أوجب الواجبات على كل مسلم لقوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد [الإخلاص: ١ - ٤] ولقوله تعالى: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ [النحل: ٢٢] المخالفة الثانية الشيخ الجيلاني يزعم أنه كان مع النبي ﷺ في ليلة الإسراء وكان مع نوح زمان الطوفان وكان مع إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وأنه أطفأ النار بدعوته!! وأصحاب الطريقة القادرية يؤيدون ذلك، جاء في كتاب (الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية) (ص ٤٧) قال الشيخ"أنا كنت في العليا بنور محمد وفى قاب قوسين عند اجتماع الأحبة، أنا كنت مع نوح أشاهد في الورى بحاراً وطوفاناً على كف قدري. وكنت مع إبراهيم ملقى بناره وما برّد النيران إلا بدعوتي" والرد على ذلك الافتراء واضح وجلي من حيث البعد التاريخي بين الجيلاني وأولئك الأنبياء وهذه حقيقة لا تقبل الجدل ثم ادعائه أنه كان مع النبي ﷺ في قاب قوسين فهذا يكذبه صريح النص القرآني فالآية تقول فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم: ٩] وذلك بصيغة المفرد فلو كان الجيلاني معه لتغيّر اللفظ إلى صيغة المثنى وصار (فكانا قاب قوسين أو أدنى) مما يتضح الكذب. أما عن ادعائه أنه كان مع إبراهيم ﵇ في النار فأيضاً يكذبه صريح النص القرآني فالآية جاءت بصيغة المفرد قال تعالى قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ [الأنبياء: ٦٨] فلو كان الجيلاني معه كما يزعم لتغير اللفظ إلى صيغة المثنى فكان (حرقوهما وانصروا آلهتكم .. ) فبينت بطلان ادعائه. أما عن ادعائه أن النار أطفأت بدعوته فيكذبه صريح قوله تعالى قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] ولذا يتضح ذلك الزيف والضلال. المخالفة الثالثة: - يزعم الجيلاني أن ضريحه بيت الله لمن جاء زائراً وأصحاب الطريقة القادرية يؤيدون ذلك، جاء في كتاب الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية ص٣٣ في الوسيلة "ضريحى بيت الله من جاء زاره، يهرول له يحظى بعز ورفعة" والرد على ذلك الكفر أنه يدعو لعبادته حياً وميتاً وذلك لأن الطواف عبادة وتصرف لله ولا تكون إلا ببيت الله الحرام قال تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩] قال ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧] الطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمس: إبليس، ومن عُبد وهو راض، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن لم يحكم بما أنزل الله. المخالفة الرابعة: -

стр. 3852

الجيلاني يزعم أن أمره أمر الله وأنه يعلم عدد نبات الأرض وعدد أمواج البحر ويعلم عدد رمل الأرض، ويعلم علم الله ويحصي حروفه!!! وأصحاب الطريقة القادرية يؤيدون ذلك، جاء في كتاب (الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية) (ص٣٣ - ٣٦) (قال الشيخ في الوسيلة: "وأمري أمر الله إن قلت كن يكن وكل بأمر الله أحكم بقدرتي. وأعلم نبات الأرض كم هو نابت. وأعلم رمل الأرض كم هو رملة، وأعلم علم الله أحصي حروفه، وأعلم موج البحر كم هو موجة") والرد على ذلك الكفر أوضح من الشمس في رابعة النهار، أما عن ادعائه أن أمره أمر الله فذلك يكذبه قوله تعالى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٣٦] أما عن ادعائه أنه يعلم عدد نبات الأرض وعدد رمل الأرض وعدد موج البحر فيكذبه قوله تعالى وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٥٩]. أما عن ادعائه أنه يعلم علم الله ويحصي حروفه فيكذبه قوله تعالى قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩]، ويكذبه صريح قوله تعالى: قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل: ٦٥] المخالفة الخامسة: - الجيلاني يزعم أنه يحمي أتباعه في الدنيا ويوم القيامة من كل شر ويدعوهم للاستغاثة به!، وأصحاب الطريقة القادرية يؤيدون ذلك، جاء في كتاب (الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية) (ص٤٧) (قال الشيخ في (الوسيلة): مريدي لك البشرى تكون على الوفاء ... إذا كنت في هم أغثك بهمتي مريدي تمسك بي وكن بي واثقاً ... لأحميك في الدنيا ويوم القيامة أنا لمريدي حافظ مما يخافه ... وأنجيه من شر الأمور وبلوة وكن يا مريدي حافظاً لعهد وما ... أكن حاضر الميزان يوم الوقيعة والرد على ذلك الكفر والافتراء من وجوه: الأول: كيف يدعو الجيلاني أتباعه أن يستغيثوا به وقد قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]، وقال النبي ﷺ ((إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله)) (١) رواه الترمذي، فدعاء أي مخلوق من دون الله كفر وضلال والدليل على هذا قوله تعالى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف٥: -٦].

стр. 3853

الثاني: كيف يزعم الجيلاني أنه يحمي أتباعه من كل شر وبلوى في الدنيا ويوم القيامة وقد قال تعالى في الرد على ذلك الإفك قل ادعو الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا [الإسراء: ٥٦]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ [الأنعام: ١٧]، وقال تعالى: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ [يونس: ١٠٦]، وقال النبي ﷺ : ((واعلم لو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفّت الصحف)) (١) رواه الترمذي. ثم إن أفضل الخلق هو النبي ﷺ لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً قال تعالى قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًاً [الجن: ٢١ - ٢٢]، وقال تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦]. أما في ادعائه بأنه يحمي أتباعه ومن تمسك به يوم القيامة يكذب قوله تعالى يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩]. وقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]. وقال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١ - ٢] وقال تعالى قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: ١٢]. أما عن ادعائه بأنه يكون حاضراً عند الميزان كى ينجو مريده فيكذبه حديث عائشة رضي الله عنهاأنها قالت: يا رسول الله ﷺ هل يذكر أحدٌ أحدا يوم القيامة فقال: ((أما في ثلاثة مواضع فلا يذكر أحد أحدا، عند تطاير الصحف وعند الصراط وعند الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أم يخف)) (٢) رواه أحمد. المخالفة السادسة: -

стр. 3854

إنّ أصحاب الطريقة القادرية يتعبدون بالكفر والضلال والأباطيل جاء في كتاب (الفيوضات الربانية) في المآثر والأوراد القادرية ص٣٢ "إذا وقع لك هم أخطو أحد عشر خطوة إلى جهة العراق وتقول في الأول يا شيخ محيي الدين وفي الثانية يا سيدي محيي الدين وفي الثالثة يا مولانا محيي الدين وفي الرابعة يا مخدوم محيي الدين وفي الخامسة يا درويش محيي الدين وفي السادسة يا خواجة محيي الدين وفي السابعة يا سلطان محيي الدين وفي الثامنة يا شاه محيي الدين وفي التاسعة يا غوث محيي الدين وفي العاشرة يا قطب محيي الدين وفي الحادية عشر يا سيد السادات عبد القادر محيي الدين ويا شيخ الثقلين أغثني " وهذا كفر واضح بدعائه غير الله وقد سبق بيانه، ثم إنه بدعة وتبديل لشرع الله ويكفي العمل بموجب صلاة الاستخارة التي علمناها من النبي ﷺ في صحيح الإمام مسلم. المخالفة السابعة: - أباطيل وبدع وضلالات في أوراد وأذكار الطريقة القادرية، جاء في كتاب (الفيوضات الربانية) في المآثر والأوراد القادرية ص١٣٥،ورْد دعوة الجلالة تقرأ (دعوة الجلالة) ١٦٦ و١٧، وبعد القراءة تقسم عليها بهذا القسم وهو محضرة الغوث الأعظم والقطب المعظم الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني (اللهم أسألك بسر سر هو أنت وعدت به أهل الذكر فهو من مريه ذاهل اتيوتغ املولخ بّ أى آمن أى امى مهياش طهفليوش انقطع الرجاء واغوثاه العمل)، وفي صفحة ١٤٤ في أوراد تقرأ عند المهمات وذكرها الشيخ في كتابه (الغيثة) (قلبي قطبي وقالبي لبناني في سرى خضري وعليه عرفاني ماروت عقلي وكليمي روحي فرعوني نفسي والهوى مائي تسع مرات أو ست مرات) وفي ص٨٤ في الفيوضات الربانية والأوراد القادرية ٢٥ ورد الظهر نقول (يا الله بصعع بصعع والباء بهبوب هبوب أو النور السام بسهسهوب سهسهوب ذي الفر الشامخ مطهطهوب هطوب يا الله يا الله كهوب كهوب كهوب بي.) والرد على ذلك الكفر والضلال أن ذلك من جنس تلبيس الحق بالباطل وقد قال تعالى وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٤٢]، فالذكر عبادة ولكن يتعبد بها على طريقة رسول الله ﷺ وليس على طريقة الجيلاني ولا غيره حتى تلك الأذكار يجمع فيها بين اسم الله وأسماء الشياطين ويسمى بها الله وقد قال تعالى وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الاعراف: ١٨٠]، وقد حذر النبي ﷺ من البدع والمبتدعين وذلك في قوله ((إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) (١) أبو داود والبيهقي وعن ابن عباس ﵁ ((من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) (٢) الطبراني، ونعوذ بالله من الخذلان والكفر بعد الإيمان، ونسأل الله السداد والهدى وأن يثبت قلوبنا على دينه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المصدر: الطريقة القادرية لمحمد مصطفى عبد القادر

стр. 3855

المبحث الرابع عشر: الانتشار ومواقع النفوذ تنتشر القادرية في العراق ومصر وتركيا واليمن والصومال والهند والمغرب وغرب السودان وبعض بلدان أفريقيا، وتفرعت منها طرق صغيرة، منها: اليافعية والنابلسية والرومية والعروسية (١). ومنها كذلك: الصمادية والرومية والعزيزية والهندية والمقدسية (٢). ومنها أيضاً: الأشرفية في تركيا، نسبة لمؤسسها عبد الله الأشرفي الرومي، وتسمى أيضاً: الواحدية (٣). ومنها في السودان: الطريقة البكائية، ولها فرعان: الفضيلة، والآل سيدية. والطريقة العركية، وتتركز في مدينتي أبو حراز وطيبة الشيخ عبد الباقي في ولاية الجزيرة، وشيخها الحالي هو أحمد عبد الباقي، وقد خلف والده على مشيخة الطريقة سنة ١٩٩٢م. وتنسب هذه الطريقة إلى الشيخ عبد الله العركي، المتوفى سنة ١٠١٩هـ (١٦١١م). وفيما يتعلق بالطريقة القادرية عموماً، فيعتقد أن الذي أدخلها إلى السودان، تاج الدين البهاري، في القرن العاشر الهجري [. ومنها: البودشيشية، في المغرب، وشيخها الحالي حمزة بن العباس]. ومنها: اليافعية، والمشارعية، والعرابية في اليمن والصومال. ومنها: البناوة، والكرزمر في الهند. ومنها: الخلوصية، والهندية، والنابلسية، والرومية، والوصلنية في تركيا. الكسنزانية، في العراق، وخاصة في مدينة كركوك، وشيخها الحالي هو محمد الكسنزاني، المولود سنة ١٣٥٨هـ (١٩٣٨م)، وتنسب الطريقة إلى عبد الكريم الشاه الكسنزان المولود سنة ١٢٤٠هـ في شمال العراق، وقد انتسب إليها عدد من المسؤولين العراقيين السابقين. كما أنها تعد أصلاً لكثير من الطرق التي نشأت بعدها، كالعدوية (٤).، والمدينيّة، والسهروردية، والأكبرية، والمولوية، والرفاعية، والخلوتية (٥). ومن فروعها في مصر: ١ـ الفارضية: وتستمد اسمها من أحد مشايخهم المتأخرين، وهو محمد الفارضي، المتوفى سنة ١٢٨٥هـ. ومقر هذه الطريقة جامع السادة القادرية بالقرافة الصغرى بالقاهرة، وشيخها الحالي: مسعود عبد السلام حجازي. ٢ـ القاسمية: وهي الأخرى اشتقت اسمها من أحد شيوخها المتأخرين، وهو قاسم بن حمد الكبير. ومن أقطاب هذه الطريقة الشيخ أحمد بن عبد الحي الأشهب، صاحب بعض المؤلفات مثل: هداية المريد، وهداية السالكين، والنصيحة المرضية. والكتاب الأخير في العقيدة والأوراد القادرية. وشيخ الطريقة الحالي في مصر: حسين أحمد علي القادري. ٣ـ الشرعية: واشتق اسمها من استخدام شيخها عبد المنعم القادري، للفظة "الشرعية" في بعض مؤلفاته، مثل: الركائز الإيمانية في أصول مجلس ذكر طريقة السادة القادرية الشرعية. ٤ـ النيازية: واشتقت اسمها من الشيخ عبد الرحمن نيازي، المتوفى سنة ١٣١١هـ والذي قدم من تركيا إلى مصر واستوطن بها، وأقام في مدينة الإسكندرية، وهي الآن مقر هذه الطريقة (٦). المصدر: موقع الراصد نت

стр. 3856

المبحث الخامس عشر: فتاوى اللجنة الدائمة في الطريقة القادرية ١ - فتوى اللجنة الدائمة في حكم جمع الناس لقراءة مناقب الشيخ عبد القادر س- ما حكم جمع إنسان جيرانه لقراءة مناقب الشيخ عبد القادر؛ لأنه يؤدي إلى محبة الأولياء ثم يمد له سماطا يقصد إكرام الضيوف؛ عملا بحديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فما حكم ذلك هل هو حرام أو مكروه أو سنة؟ ج- محبة أولياء الله وإكرام الضيف من محاسن الشريعة ومما حث عليه الكتاب والسنة، لكن اتخاذ قراءة مناقب الشيخ عبد القادر أو نحوه وسيلة لمحبة الأولياء واتخاذ مد السماط عادة عند ذلك من البدع التي تفضي إلى الغلو في عبد القادر وأمثاله وقد تنتهي إلى دعائه والاستغاثة به والتوسل بجاهه عند الدعاء، وذلك ممنوع شرعا؛ لأنه إما شرك كالاستغاثة به وإما ذريعة كالتوسل به أو بجاهه إلى الله، ولأنه يقع كثيرا في تراجم من يسمون أولياء من الكذب والأباطيل ما قد يفضي إلى الغلو فيهم، وخير من ذلك أن يجمع معارفه على قراءة القرآن ودراسته وقراءة الأحاديث الصحيحة لمعرفة الأحكام والاتعاظ بذلك. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الرئيس ... نائب رئيس اللجنة ... عضو ... عضو عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء – ٣/ ٥٠ ٢ - فتوى اللجنة الدائمة في الطريقة القادرية س- يطلب فيه السائل إعطاءه فكرة عن الطائفة القادرية، ويذكر أنه قرأ كتابا من كتب هذه الطائفة يسمى: (الفيوضات الربانية) في المآثر والأوراد القادرية فوجد فيه قصيدة تتضمن دعاوى ومآثر لشيخ الطريقة القادرية فهل ما فيها حق أو باطل؟ وقد أرسل السائل القصيدة مع استفتائه لإفتائه عما فيها. ج- إن القصيدة التي أرسلها المستفتي ليعرف ما فيها هل هو حق أو باطل تدل على أن قائلها جاهل يدعي لنفسه دعاوى كلها كفر وضلال. فيدعي أن كل علوم العلماء مستقاة من علمه وفروع له، وأن سلوك العباد إنما هو بما فرضه وسنه لهم، وأنه يقدر على إغلاق الجحيم بعظمته لولا سابق عهد من الرسول، وأنه يغيث من وفى له من المريدين وينجيه من البلايا ويحميه في الدنيا والآخرة ويؤمنه من المخاوف ويحضر معه الميزان يوم القيامة.

стр. 3857

فهذه الدعاوى الكاذبة لا تصدر إلا من جاهل لا يعرف قدر نفسه، فإن كمال العلم لله وحده وإن شئون الآخرة ومقاليد الأمور إلى الله وحده لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولا لصالح ما من الصالحين، وقد أمر الله رسوله - وهو خير خلقه - أن يتلو على الأمة قوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨] وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢١] وقد أمر النبي ﷺ ألصق الناس به وأقربهم إليه رحما وأولاهم بمعروفه أن ينقذوا أنفسهم من عذاب الله بالإيمان به سبحانه والعمل بشريعته، وأخبرهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأخبر أن آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى يقول كل منهم يوم القيامة: نفسي، نفسي، فكيف يملك شيخ الطريقة القادرية أو غيره من المخلوقين أن ينجي مريديه وأن يحمي من وفى له بعهده ويغيثه ويحضر معه عند وزن أعماله يوم القيامة؟! وكيف يملك أن يغلق أبواب الجحيم بعظمته؟ إن هذا لهو البهتان المبين والكفر الصراح بشريعة رب العالمين. لقد زاد صاحب هذه القصيدة في غلوه وتجاوز حد الحس والعقل والشرع، فادعى أنه كان بنور محمد قبل أن يكون الخلق، وأنه كان في قاب قوسين اجتماع الأحبة أي مع جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأنه كان مع نوح ﵇ في السفينة وشاهد الطوفان على كف قدرته، وأنه كان مع إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وأن هذه النار بردت بدعوته، وأنه كان مع إسماعيل، وأنه ما نزل الكبش إلا بفتواه أو فتوته، وأنه كان مع يعقوب ﵇ حينما أصيب بصره، وأن عينيه ما برئتا إلا بتفلته، وأنه هو الذي أقعد إدريس ﵇ في جنة الفردوس، وأنه كان مع موسى ﵇ حين مناجاته لربه، وأن عصا موسى مستمدة من عصاه، وأنه كان مع عيسى في المهد، وأنه هو الذي أعطى داود حسن الصوت في القراءة، بل ادعى أفحش من ذلك: ادعى أنه هو الله في الأبيات الثلاثة من قصيدته وأصرحها قوله: أنا الواحد الفرد الكبير بذاته أنا الواصف الموصوف شيخ الطريقة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فأي كفر بعد هذا الكفر والعياذ بالله؟. فيا أيها الأخ المستفتي يكفيك من شر سماعه ويغنيك عن معرفة تفاصيل تاريخ وسيرة القادرية ما في قصيدة شيخ هذه الطائفة من البهتان والكفر والطغيان، واجتهد في معرفة الحق من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وبيان السلف الصالح من الصحابة وتابعيهم للكتاب والسنة النبوية الصحيحة مع اعتقادنا أن الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي تنسب إليه هذه الطريقة بريء من هذه القصيدة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأتباعه يكذبون عليه كثيرا وينسبون إليه ما هو بريء منه. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان المصدر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء -٣/ ٤٧

стр. 3858

المبحث الأول: التعريف بالبريلوية البريلوية فرقة صوفية نشأت في شبه القارة الهندية الباكستانية في مدينة بريلي في ولاية أوترابراديش بالهند أيام الاستعمار البريطاني. المصدر: الموسوعة الميسرة البريلوية ... نشأت شديدة الانحراف عن الإسلام، ولعله لن يمضي وقت طويل حتى ينسى أتباعها أنهم أتباع طريقة صوفية، وتغدو ديانة جديدة مستقلة، والتشيع فيها واضح المصدر: الكشف عن حقيقة الصوفية لمحمود عبد الرؤوف قاسم ص٨١١

стр. 3859

المبحث الثاني: التأسيس والجذور التاريخية • المطلب الأول: سيرة البريلوي. • المطلب الثاني: أسرته. • المطلب الثالث: وفاته. • المطلب الرابع: مبالغات البريلويين وغلوهم فيه. • المطلب الخامس: مؤلفاته. • المطلب السادس: مخالفته الجهاد والمجاهدين، ومناصرته الاستعمار والمستعمرين.

стр. 3860

المطلب الأول: سيرة البريلوي ولد قائد هذه الطائف وزعيمها ومؤسس هذا الحزب وبانيه في بيت علمي حيث كان أبوه نقي علي وجده رضا علي يعدّان من العلماء الأحناف (١) في ١٤ يونيو ١٨٦٥م الموافق ١٠ شوال ١٢٧٢هـ (٢) فسمى بمحمد، وأمه سمته أمّن ميان، ووالده أحمد ميان، وجده أحمد رضا (٣) ولكنه لم يرض بهذه الأسماء كلها فسمى نفسه عبدالمصطفى (٤) وكان يلتزم باستعماله في المكاتبات والرسائل والكتب. ...... وأما البريلويون فيحكون القصص وينسجون الأساطير في إمامهم مثل الطوائف الكثيرة التي يبنون عمائرها على الحكايات الباردة والمختلقات الباطلة لرفع قيمته وشأنه، وإعلاء كلمتهم ودعوتهم مع أن الكذب يجلب الذم والنقيصة بدل الثناء والمديحة، فيقولون: إنه في الرابعة من عمره قرأ القرآن كله، وقبل الرابعة بكثير "يعني في الثالثة أو قبل ذلك" عندما جلس أول مرة لدى أستاذه ليبدأ بالألف والباء بدأ أستاذه ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم علمه ألف، ب، ت إلى أن لقنه بقوله: لام ألف: لا، فسكت البريلوي، فلقنه أستاذه مرة أخرى قل: لام ألف لا، قال البريلوي الطفل: قرأت الألف وقرأت اللام، فلم مرة ثانية؟ فقال له جده رضا علي: يا بني إقرأ كما يعلمك معلمك، فنظر الطفل إلى جده نظرة عرف جده بنور إيمانه من نظرته تلك أن هذا الطفل سيكون شمسا للعلم والحكمة ويجلي العالم بنوره ويريد أن يكشف الأسرار من قلبه وبصره من الآن، فقال: صدقت أنت قرأت الألف واللام مقدما ولكن الألف الذي قرأته سابقا لم يكن ألفا حقيقية بل كانت همزة لأن الألف يكون ساكنا دائما ولا يمكن الابتداء بالساكن لأجل ذلك يؤتى بلام قبله حتى يعرف الألف ويعلم. فالبريلوي الطفل لم يقتنع مرة ثانية وقال: فلم خصص اللام بالابتداء وكان من الممكن أن يبدأ بالباء والتاء والدال والسين، فتحير الجد فقال: بدئ اللام لأنه يتفق بالألف صورة وسيرة (٥) - إلى آخر ذلك من الخرافات - وهل لقائل أن يقول وسائل أن يسأل عن هؤلاء الأعاجم: أي اتفاق بين الألف واللام صورة وسيرة إنتبه له ذلك الطفل الصغير الذي لم يبلغ الثالثة أو الرابعة من العمر، والذي لم يعرفه معلموا الألسنة ومهرتها ولم ينتبهوا إلى هذه الخرافة، ومادونها خرافة. وفي أول يوم من تعليمه عرفه ذلك الصغير كأن القوم يريدون تشبيه زعيمهم بالأنبياء والرسل حيث أنهم يعلمون بدون تعليم الخلق إياهم بل وأكثر من ذلك يحاولون أن يزيدوه عليهم ويرفعوه فوقهم "عياذا بالله" حيث إنه لم ينقل عن واحد منهم في الروايات الصحيحة والكتب المعتمدة مثل هذا التنقيب والتحقيق، والتفحص والتعمق - حسب مزاعمهم - اللهم إلا ما نقل في المرويات المرميات والكتب القصصية الخيالية من المفتريات على البعض. وفعلا هذا ما قصدوه، وهذا ما يريدونه لأنهم كتبوا قبل بيان هذه القصة قصصها مثلها بأن أحمد رضا لم يكن يحتاج إلى تعليم المعلمين وتدريس المدرسين لأن الله نفسه علمه منذ ولادته أو لعله قبل ولادته؟ وقد صرح بذلك ناسجوا الخيال حيث يقول واحد منهم قبل ذكر هذه القصة: إن عالم الغيب ملأ قلبه وروحه، ذهنه وفكره من الإيمان واليقين، وملأ صدره المبارك من العلوم والمعارف وجعله خزينة لها، ولأجل ذلك مشى الحضرة الأعلى رضي الله تعالى عنه ظاهرا في طرق عالم الأسباب (٦).

стр. 3861

هذا وهو نفسه لم يكن يرضى بشأن أقل من شأن الأنبياء حتى أنه قال مرة لأتباعه ومريديه وهو يشكو من صداعه وحماه: أن هذه الأمراض مباركة، وكانت تلازم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالحمد لله لازمتني كما لازمتهم" (١). وعلى ذلك كان يقول: إن تاريخ ولادتي يستخرج من قول الله والذي ينطبق على: أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ [المجادلة: ٢٢] (٢).وهذا هو ظفر الدين أيضا كتب عن طفولته أنه عندما كان يقرأ القرآن "وهو دون الرابعة من العمر" لقنه أستاذه آية من القرآن ولكن البريلوي كلما يحاول أن يقرأ لم يكن يتمكن، فلاحظ هذا جده فاستغرب، وبعدما نظر في المصحف رأى أنه كان في قراءة المعلم لحنا ولسان البريلوي كان يأبى بقراءة هذه الآية ملحونا (٣). يعني أن العصمة كانت حاصلة له وحتى في صغره ولم ينطق بغلط، وقد نص عليه القوم وما أكثرهم وما أجرأهم على الله، فكتب غير وحد منهم: أن قلم أحمد رضا ولسانه حفظ من زلة وحتى قدر النقطة مع الثابت أن لكل عالم هفوة" (٤). وقال الآخر: إن البريلوي لم ينطق بلسانه المبارك بلفظة غير شرعية، والله عصمه من كل زلة" (٥).وأيضا "إن أحمد رضا عصم في طفولته من الانحراف والغلطة وأودع فيه أتباع الصراط المستقيم" (٦).و "إن الله صان قلمه ولسانه من الخطأ (٧).وأكثر منه صراحة أن الحضرة الأعلى "أي البريلوي" كان في يد الغوث الأعظم "يعني الشيخ عبدالقادر الجيلاني" كالقلم في يد الكاتب، والغوث الأعظم في يد رسول الله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كالقلم في يد الكاتب، والرسول في الحضرة الإلهية ما ينطق عن الهوى" (٨). وعلى ذلك قال بريلوي في حقه: إن "رضى الله في رضى الرسول، ورضى رسول الله في رضى البريلوي" (٩) و "إن وجود البريلوي كان آية من آيات الله المحكمات" (١٠). وعلى ذلك قال أحد المهينين لأصحاب رسول الله ﷺ : إن زيارة البريلوي قللت اشتياقنا إلى زيارة أصحاب النبي عليه وسلم" (١١) هذا ما نسجته الأيدي الأثيمة من الخرافات والخزعبلات لإثبات أباطيلهم وأكاذيبهم والكذب لا يفيد الكذاب. وأخيرا قصة أخرى وما أردأها وما أكثرها "أن شخصا لقى البريلوي وهو لم يتجاوز يوم ذلك ثلاث سنوات وستة أشهر من العمر، فكلمه بالعربية الفصحى فرد عليه البريلوي بالعربية مثله، ولم ير ذلك الرجل بعد" (١٢). هذا وهذه الأشياء كلها لم تكفهم ولم يقتنعوا بها حتى قالوا: إن والده الذي كان يدرسه ويعلمه قال له مرة: لا أدري أعلمك أم تعلمني؟ ويوم ذلك لم يتجاوز العاشرة من عمره" (١٣).والجدير بالذكر أن المدرس الذي كان يدرسه مرزا غلام قادر بيك (١٤) كان أخا للمرزا غلام أحمد المتنبي القادياني. ويقولون: إنه فرغ من التعليم والدراسة وجلس على مسند الإفتاء وعمره لم يتجاوز الرابع عشرة سنة" (١٥). وكما يذكره هو نفسه بالتحديد:"الحمد لله أفتيت أول فتيا حينما كنت في الثالثة عشر من عمري للرابع عشر من شعبان سنة ١٢٨٦هـ، وفي هذا التاريخ فرضت على الصلاة وتوجهت إلى الأحكام" (١٦). المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير - ص١٣

стр. 3862

المطلب الثاني: أسرته إن أسرة البريلوي التي ولد فيها لم يعرف عنها كثير غير أن والده وجده كانا من الذين ينتسبون إلى العلم كما مر. نعم إن المخالفين يقولون: إنه من أسرة شيعية أظهر تسننها تقية للإضرار بهم ويستدلون على ذلك بأمور: أولا: إن أسماء آبائه وأجداده أسماء شيعية لم تكن رائجة في أهل السنة مثلها، وهذه هي الأسماء: أحمد رضا بن نقي علي بن رضا علي بن كاظم علي (١). ثانيا: إن البريلوي تكلم بكلمات حول الصديقة، أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لا يتصور التفوه بها من سني أبدا. ثالثا: إنه روّج في السنة عقائد وأفكاراً لم تكن رائجة بين السنة في شبه القارة الهندية الباكستانية قبله، وكلها كانت مأخوذة من الشيعة علم الغيب للأنبياء والصلحاء وعلم ما كان وما يكون، والاختيار والقدرة وغيرها من الأشياء (٢).رابعا: إنه كان يروى روايات شيعية وأحاديثها ويروّجها بين السنة ويستدل بها مثل "إن عليا قسيم النار" (٣).وأيضا "إن فاطمة سميت بفاطمة لأن الله فطمها وذريتها من النار" (٤).وكان يقول: إن ترتيب الأغواث أي المغيثين للخلق والذين يستغاث بهم يبدأ من علي رضي الله تعالى عنه إلى الحسن العسكري، الأئمة الإحدى عشر عند الشيعة" (٥). وقال: إن عليا يدفع البلا ويكشف الكروب لمن يقرأ الدعاء السيفي المشهور سبع مرات أو ثلاث مرات أو مرة واحدة، وهذا هو الدعاء: ناد عليا مظهر العجائب تجده عونا لك في النوائب كل هم وغم سينجلي بولايتك يا علي يا علي " (٦) وأيضا "إن هذا الشعر نافع لدفع الأمراض وسبب لحصول الوسيلة والثواب وهو هذا: لي خمسة أطفي بها حر الوباء الحاطمة المصطفى والمرتضى وابناهما والفاطمة " (٧) ثم ويتحدث عن الجفر الشيعي ويقرّه حيث يقول: الجفر جلد كتبه جعفر الصادق، كتب فيه لآل البيت كلما يحتاجون إليه وإلى معرفته وكلما يكون إلى يوم القيامة" (٨). كما يذكر الجامعة الشيعية أيضا بقوله: (الجفر) و (الجامعة) كتابان لعلي ﵁ ذكر فيهما الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم على طريقة علم الحروف، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونها ويعلمون بها" (٩). وروى هذه الرواية المكذوبة وأقرها ولقنها أهل السنة:"قيل للرضا – الإمام الثامن والمعصوم لدى الشيعة – رضي الله تعالى عنه: علمني كلاماً أتكلم به إذا زرت واحدا منكم أهل البيت؟ فقال: أدن من القبر وكبّر الله أربعين مرة ثم قل: السلام عليكم يا أهل البيت إني مستشفع بكم ومقدمكم أمام طلبي وإرادتي ومسألتي وحاجتي، وأشهد الله أني مؤمن بسركم وعلانيتكم، وأني أبرأ إلى الله تعالى من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس" (١٠).وقد كتب في إحدى كتبه "لا بأس بوضع تمثال مقبرة الحسين في البيت للتبرك" (١١).

стр. 3863

هذا وما أكثر مثله. خامسا: إن سلسلة بيعته تصل إلى النبي ﷺ بواسطة أئمة الشيعة كما ذكر نفسه في عبارته العربية "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد المصطفى رفيع المكان، المرتضى علي الشان الذي رجيل من أمته خير من الرجال السالفين، وحسين من زمرته أحسن من كذا وكذا، حسنا من السابقين، السيد السجاد زين العابدين، باقر علوم الأنبياء والمرسلين ساقي الكوثر، ومالك تسنيم، وجعفر الذي يطلب، موسى الكليم، رضا ربه بالصلاة عليه" (١). ومن هذه العبارة يظهر أيضا نبوغه في العربية ومهارته فيها، الشخص الذي يقولون عنه: إنه كان يتكلم بها وهو في الثالثة من العمر. ولا ندري أي تركيب هذا وأية عبارة هذه "حسين من زمرته أحسن من كذا وكذا"؟ وأيضا ما معنى "باقر علوم الأنبياء"؟ وما معنى "بالصلاة عليه"؟. فالحاصل أنهم يستدلون على تشعيه من أقاويله ومعتقداته التي أراد ترويجها في السنة. سادسا: إنه كفّر السنة وأساطينها من شبة القارة وخارجها، وصرح بأن مساجدهم لا يحكم عليها أنها مساجد، ولا يجوز مجالستهم ومناكحتهم غير أنه لم يجعل الشيعة هدف فتاويه ولم يتكلم على مراكزهم ومعابدهم وحسينياتهم بل عكس ذلك يروون عنه "إن شيعة بنوا حسينية ثم ذهبوا إلى البريلوي ليختار لها إسما فاستخرج أسمها من التاريخ (٢).سابعا: إنه نظم بعض القصائد بالغ فيها في مدح أئمة الشيعة ومنقبتهم" (٣). ولأجل هذه الأشياء يتهمه المخالفون هو وأسرته بالتشيع وأنه كان يعمل على حسابهم ويروج دعوتهم متقنعا بنقاب السنة. المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير - ص٢١

стр. 3864

المطلب الثالث: وفاته مات البريلوي من مرض ذات الجنب ويقولون: لما حضره الوفاة أوصى بوصايا عديدة – وقد طبعت هذه الوصايا في رسالة مستقلة باسم "وصايا شريف" – منها ما أوصى بها طائفته وجماعته:"تمسكوا بديني ومذهبي الذي هو ظاهر من كتبي، تمسكوا به واستقيموا عليه لأنه فرض أهم من جميع الفروض" (١).وقال: لا أدري ما بقائي فيكم ... أنتم ضئان المصطفى الساذجة صلى الله تعالى عليه وسلم وإن الذئاب محيطون بكم من كل الجوانب ويريدون أن يغووكم ويوقعوكم في الفتنة ويذهبوا بكم إلى الجحيم، فاجتنبوهم وخاصة الديوبنديين" (٢).وآخر ما قال: إن أمكن فأرسلوا في الأسبوع مرتين أو ثلاثا في الفاتحة "يعني النذر" هذه الأشياء: المحلبية المثلجة ولو كانت من لبن الجاموس، والأرز البرياني، والأزر البخاري، والكباب، والكوفة، والمطبق، والقشطة، والفول، والسمبوسة، وعصير الفتاح، وعصير الرمان، والقارورة الغازية، والحليب المثلج فإن أمكن فأرسلوا كل يوم منها ولو شيئاً واحدا وإلا فكما ترون" (٣).ومات في ٢٥ صفر ١٣٤٠هـ الموافق ١٩٢١م بعدما عمر ٦٨ سنة ظهرا (٤) .....

стр. 3865

المطلب الرابع: مبالغات البريلويين وغلوهم فيه ولو ما كان هذا لكان هناك قصص وأساطير، وهل يستبعد الأساطير من القوم الذين اختلقوا أن جنازته لما حملت:"رأى بعض الناس أنه حملها ملائكة الرحمان على أكتافهم" (١). والذين قالوا فيه: أن رسول الله كان جالسا في جمع من أصحابه منتظرا مجيء البريلوي لأنه لما سئل عن سكوته وسكوت أصحابه فقال: نحن ننتظر البريلوي حتى يأتي" (٢).وأكثر في ذلك "إن رسول الله صل الله تعالى عليه وسلم أرسل هدية الطيب لغسل البريلوي" (٣). ومادمنا بدأنا في مبالغات القوم ومقالاتهم في البريلوي نريد أن نذكر بعض ما قالوه في حقه: فمن المغالاة التي بلغت حد الإساءة والإهانة قول البريلويين: إن رؤية البريلوي قللت شوق زيارة أصحاب النبي ﷺ – عياذ بالله –" (٤).ولا يوجد في القرنين الأخيرين من عالم جامع مثله" (٥).وقال الثاني: إنه لا نظير لجلالته العلمية وكماله العملي، وإن البريلوي كان عديم النظير في قوة علمه وإصابة رأيه" (٦).وقال الثالث: إن البريلوي أحيا الدين بتعليماته" (٧).ورابع قال: إن "الفتاوى الرضوية" تشتمل على آلاف من المسائل التي لم تسمعها أذن العلماء" (٨).وقال الخامس: لو رأى أبو حنيفة ﵀ (الفتاوى الرضوية) لقرت عينه ولجعل مؤلفها من جملة الأصحاب (٩).وقال السادس: إنه هو كان أبا حنيفة عصره" (١٠).وسابعهم أعتقد إن هذا كله لا يكفي فقال: إن البريوي كان يملك فطانة أبي حنيفة في الاجتهاد وضياء الخصاف وعقل الرازي وذاكرة قاضي خان" (١١).وليس هذا فحسب، بل كان "عكس الصديق في قول الحق، ومظهر الفاروق في تمييز الباطل، وصورة ذي النورين في الجود والرحم، وسيف عليّ في ضرب الباطل" (١٢). هذا ما قاله ثامنهم. والتاسع قال: إن البريلوي كان معجزة من معجزات النبي ﷺ " (١٣).وقال العاشر: إن أحمد رضا حجة الله في الأرض" (١٤). فتلك عشر كاملة. وهذه الأشياء إن دلت على شيء دلت على مسابقة القوم في المبالغة والغلو ونحن ذكرنا فيما مر أنهم يقولون بصيانته من الأغلاط وعصمته من الأخطاء مع أن العصمة ليست إلا من اختصاصات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وهناك بعض الأشياء الأخرى نذكرها إكمالا للبحث وبرهانا على أن القوم تعودوا الكذب. منها أنهم يقولون: إن البريلوي رأى في طفولته مومسات في الطريق، فرفع قميصه ووضعه على العيون حجابا منهم، ولما رفع القميص تعرى "فضحكت عليه المومسات وقلن له: غطيت وجهك وكشفت سترك، فأجاب: إذا زلت البصر ضل القلب، وإذا ضل القلب هتك الستر، وكان عمره آنذاك ثلاث سنوات وستة أشهر" (١٥). وهل لسائل أن يسأل من الذين يريدون أن يجعلوه فوق البشر! كيف عرف الزانيات بأنهن زانيات مومسات؟ الطفل الذي لا يعرف ستر عورته، ومن أين عرف معاملات النظر والقلب وتأثيرهما على الستر. وهل يحتاج الكذب إلى العقل؟ كلا!

стр. 3866

ويقولون: إن علماء الطبيعة في أوروبا، والفلاسفة في آسيا، كانوا يرتعدون من هيبة علم البريلوي" (١).و "إن البريلوي كان يحفظ جميع الكتب المتداولة والغير المتداولة التي ألفت وكتبت في أربعة عشر قرنا، وإن أرباب اللغة والاصطلاح عجزوا عن إيجاد لفظة تعبر عن مقامه الرفيع" (٢). ومن ناحية أخرى يقولون: إن البريلوي لما ذهب للحج ذهب إلى مسجد خيف هناك وبات فيه فبشر بالمغفرة" (٣).وإنه كان مجدداً وسيداً وإماماً ومرشداً ومالكاً وشافعاً وداره دار الشفا، وهو الذي أبصر العيان وأسمع البكم، وإنه مشكاة نور الله ومرآة حسن المصطفى وأسد أسود الله" – إلى آخر ذلك من الخرافات – (٤) و "إنه قاضي الحاجات وكاشف الكروب ومحلّل المشكلات وساقي الكوثر وصاحب القبر والنشر والحشر، وهو الغوث وقطب الأولياء وخليفة المصطفى وخضر بحر الهدى، والمعطي والرزاق" (٥). هذا ومثل هذا كثير. فهذا هو القوم وهذا هو البريلوي زعيمهم، وهذه هي مجازفاتهم وغلوهم فيه وإن البريلوي هو الذي لقّن طائفته هذه العبارات وعلمهم، ولم ير له مثيل في الغلو في شبه القارة كلها وسيأتي بيان مجازفاته ومبالغاته في المباحث الآتية لكننا نريد أن نثبت ههنا شيئين فقط لإثبات ما قلناه بالدليل، فإن البريلوي قال مخاطباً الشيخ عبدالقادر الجيلاني ﵀: ياغوث إن أقطاب العالم كلهم يطوفون بالبيت العتيق ولكن الكعبة تطوف حول بابك العالي" (٦) – عياذا بالله -. ومن بالغاته في نفسه أنه قال: أنا ملك مملكة البيان ولابد للناس من تسليم كلما أقوله" (٧).و "إن صدري عيبة العلوم لا أسأل عن شيء إلا وأجيب عليه فوراً في أي علم كان" (٨). ومرة عاكس الأمر في مبالغاته حيث أخرج شخصه عن الآدمية والإنسانية فقال مخاطبا نفسه: لا يسأل أحد عنك ولا يبالي أحد بك لان كلابا أمثالك كثيرون" (٩).وأيضا يقول عن نفسه: أنا كلب الغوث الأعظم وفي عنقي قلادته" (١٠). ومرة طلب شيخ البريلوي كلبين أصيلين من سلالة عالية فذهب إليه البريلوي بابنيه وقدمهما إليه بقوله: يا سيدي! جئت إليكم بهذين الكلبين الأصيلين وإنهما من نسل جيد عال فاقبلوهما مني" (١١). فهذه هي المبالغات وها هي طرفاها الأدنى والأعلى، الإمام الهمام المرشد، الغوث المغيث القطب، قاضي الحاجات فارج الهم، كاشف الغم، مجيب الدعوات وكلب وأبو الكلاب!. فعلى هذه المبالغات والمجازفات والترهات والشطحات قامت شريعته وأسست ديانته وراج سوقه واشتهر ماله. المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير - ص٤٥

стр. 3867

المطلب الخامس: مؤلفاته إن البريلوي لم يكتب كتابا، وإنما كتب الفتاوى في جواب استفتاءات يستفسره الناس من طائفته فكان يرد على أسئلتهم ويفتيهم على استفتاءاتهم بمعونة أشخاص عديدين الذين كانوا معينين موظفين عنده لأداء هذه المهمة، ولأنهم كانوا أفرادا عديدين لذلك كان كل واحد يكتب ويجمع الجواب من كتب فقهية موجودة، وربما كانت ترسل الاستفتاءات إلى مدن أخرى لوجود بعض الكتب هناك وبعض المساعدين فيها فكانوا يرسلون الأجوبة بالعبارات المنقولة من بطون هذه الكتب ثم تجمع هذه الفتاوى كلها وتقدم إلى البريلوية، والبريلوي يجمعها ويصوغها في عباراته بدون التنقية والتنقيح، وعلى ذلك يوجد فيها الإبهام الشديد والتعقيد والإغلاق، ويوقع القارئ في الحيرة والاضطراب، ثم قبل إرسالها إلى المستفتي كان يطلق عليها الاسم المناسب للاستفتاء والاسم التاريخي الآخر أي الاسم الذي يخرج منه تاريخ كتابة الفتوى وبعد نقلها عنده يرسلها إلى المستفتين، وأحيانا كان يطبعها قبل أن يرسلها بصورة كتيب أو رسالة، وهذا كان دأبهز وكان يراعي في الفتاوى أن يكون فيها الرد على المتمسكين بالكتاب والسنة والدعاة إلى التوحيد الخالص، ولذلك يرى القارئ أكثر ما يرى من انطلاقة قلمه في المسائل الخلافية أو المسائل الخرافية كما يسميها المخالفون له مثل علم الغيب للرسل والأولياء والصالحين، وكونهم من جنس البشر أو النور، ووجودهم في بقعة من بقاع العالم في آن واحد وحياتهم بعد وفاتهم وتصرفاتهم الكاملة في عالم الكون والتدبير أثناء وجودهم في الدنيا وغيابهم منها، وقدرتهم واختياراتهم، والتبرك بالقبور وأصحابها وبالتماثيل والصور وغير ذلك من المسائل. وعلى ذلك يمكن القول بأنه لم يؤلف وحتى في فتاويه إلا ما يعدّ على أصابع اليدين لأن جل فتاويه أن لم نقل كلها يدور حول هذه المواضيع، الواحدة المتحدة في ذاتها وجوهرها. وإليكم النصوص التي تثبت ما قلناه من كتب القوم أنفسهم، أولا: إن قول البريلويين إن كتبه تتجاوز الألف هذا مما لا يثبت بالدليل لأن لفظة الكتاب لا تشمل إلا فتاواه التي طبعت في ثماني مجلدات فقط صغير الحجم وكبيرة، والباقي كلهاه رسائل وكتيبات لا يطلق عليها اسم الكتاب. ومن الطرائف أن الفتاوى بمجلداتها الثمانية لم يطلق عليها اسم الكتاب إلا أنه أدرج فيها هذه الرسائل والكتيبات جميعا فغرق جل هذه الرسائل إن لم نقل كلها في هذه المجلدات وأدرج فيها، ومثال ذلك (الفتاوى الرضوية) المجلد الأول من هذه المجلدات الثمانية، وهو يشتمل على أحدى وثلاثين رسالة التي عددناها بالنظرة الخاطفة الأولى. وهذه هي أسماءها: ١ - الجود الحلو. ٢ - تنوير القنديل. ٣ - أخر مسائل. ٤ - النميقة الأنقى. ٥ - رحب الساعة. ٦ - هبة الحمير. ٧ - مسائل أخر. ٨ - فصل البئر. ٩ - بارق النور. ١٠ - ارتفاع الحجب. ١١ - الطرس المعدل. ١٢ - الطلبة البديعة. ١٣ - بركات السماء. ١٤ - عطاء النبي. ١٥ - النور والنورق. ١٦ - سمع الندر. ١٧ - حسن التعمم. ١٨ - باب العقائد. ١٩ - قوانين العلماء. ٢٠ - الجد السعيد. ٢١ - مجلى الشمعة. ٢٢ - تبيان الوضوء. ٢٣ - الدقة والتبيان. ٢٤ - النهي النمير. ٢٥ - الظفر لقول زفر. ٢٦ - المطر السعيد. ٢٧ - لمع الأحكام. ٢٨ - المعلم الطراز. ٢٩ - نبه القوم. ٣٠ - أحلى الأعلام. ٣١ - الأحكام والعلل. وبعض هذه الرسائل لا تشتمل إلا على ست صفحات مثل (تنوير القنديل) وسبع صفحات مثل (تبيان الضوء) والبعض على ثماني صفحات مثل (لمع الأحكام) و (هبة الحمير).فهذه هي حقيقة القوم وهذه هي حقيقة العدد الكبير لمؤلفات الرجل، وقد ذكرت هذه الرسائل في عداد مؤلفاته (١).

стр. 3868

ثانيا: من السهل أن يقال عن شخص أنه ألف ألف كتاب أو ألفين أو أكثر لأن هذا القول لا يحتاج إلى كثير العناء والكلفة، ومن الصعب أن يثبت له ذلك، فهكذا القوم. فإن البريلوي نفسه ذكر في إحدى كتيباته بأنه ألف حتى ذلك اليوم مائتي كتاب (١) وابنه علق عليه بأن هذا العدد من الكتب هي التي كتبت ردا على الوهابية، وأما جميع مؤلفاته فتبلغ أربع مائة كتاب، منها فتاواه في أثنى عشر مجلدا (٢).وأما تلميذه وخليفته البهاري فهو لم يستطع أن يعد أكثر من ثلاثة مائة وخمسين رسالة وكتيبا (٣).ثم اجتمع القوم واستقلوا هذا العدد وحاولوا أن يجازفوا ويبالغوا، فلم يستطع آخرهم أن يعد أكثر من ثمانية وأربعين وخمس مائة كتاب (٤). ولبيان أضحوكة القوم وأطروفتهم نذكر أسماء بعض الكتب التي عدوها من جملة من مؤلفاته: (حاشية صحيح البخاري) (حاشية صحيح مسلم) (حاشية النسائي) (حاشية ابن ماجه) (حاشية التقريب) (حاشية مسند الإمام الأعظم) (حاشية مسند الإمام أحمد) (حاشية الطحاوي) (حاشية خصائص كبرى) (حاشية كنز العمال) (حاشية كتاب الأسماء والصفات) (حاشية الإصابة) (حاشية موضوعات كبير) (حاشية شمس بازغة) (حاشية عمدة القاري) (حاشية فتح الباري) (حاشية نصب الراية) (حاشية فيض القدير) (حاشية أشعة اللمعات) (حاشية مجمع بحار الأنوار) (حاشية تهذيب التهذيب) (حاشية مسامرة ومسايرة) (حاشية تحفة الأخوان) (حاشية مفتاح السعادة) (حاشية كشف الغمة) (حاشية ميزان الشريعة) (حاشية الهداية) (حاشية بحر الرائق) (حاشية منية المصلي) (حاشية رسائل شامي) (حاشية الطحطاوي) (حاشية فتاوى خانية) (حاشية فتاوى خيرية) (حاشية فتاوى عزيزية) (حاشية شرح شفا) (حاشية كشف الظنون) (حاشية تاج العروس) (حاشية الدر المكنون) (حاشية أصول الهندسة) (حاشية سنن الترمذي) (حاشية تيسير شرح جامع الصغير) (حاشية كتاب الآثار) (حاشية سنن الدارمي) (حاشية الترغيب والترهيب) (حاشية نيل الأوطار) (حاشية تذكرة الحفاظ) (حاشية إرشاد الساري) (حاشية مرعاة المفاتيح) (حاشية ميزان الاعتدال) (حاشية العلل المتناهية) (حاشية شرح الفقه الأكبر) (حاشية كتاب الخراج) (حاشية بدائع الصنائع) (حاشية كتاب الأنوار) (حاشية فتاوى عالمكيري) (حاشية فتاوى بزازية) (حاشية سرح زرقاني) (حاشية ميزان الأفكار) (حاشية شرح جغميني) ... فهذا هو ما في جعبة القوم أنهم ذكروا جميع الكتب التي كانت في مكتبة البريلوي وكان يلقى عليها النظرات، أو علق على صفحة وصفحتين منها فجعلوها مصنفا لمجددهم وعدوها في جملة كتبه ومؤلفاته، ثم ولم يطبع منها ولا كتيب فضلا عن كتاب، وعلى هذا يمكن لكل شخص أن يدعى ويقول: إن مؤلفاته تجاوزت الآلاف المؤلفة، وأمثالنا الذي يكتب في الفرق والأديان، والردود على الفرق الباطلة المنحرفة عن الصراط المستقيم، والزائغة عن جادة الصواب، ويطالع كتبهم ويكتب عليها الانتقادات يمكن له أن يقول: إن مؤلفاته جاوزت خمسة آلاف مؤلف لأننا في الكتابة عن هذه الطائفة أعنى البريلوية قرأنا أكثر من ثلاث مائة كتيب ورسالة ومؤلف، ونادرا تركنا كتابا واحدا منها ولم نعلق عليه، وهذا أيضا من تعليقاتنا علي تلك الكتب.

стр. 3869

إن كان الأمر هكذا فأية مفاخرة فيه؟ وإكمالا للبحث نورد الأقوال المتضاربة المتخالفة في بيان عدد المؤلفات من الآخرين فإن البريلوي قال: إن كتبه بلغت مائتين (١) وخليفته وتلميذه قال: أنها ثلاث ومائة وخمسون كتابا (٢) وابنه قال: أنها أربع مائة كتاب (٣) وصاحب (أنوار رضا) إنها خمس مائة وثمانية وأربعون كتابا (٤) وقال البهاري: ست مائة كتاب (٥) وألف كتاب (٦).وثالثا: إن كل ما طبع من الرسائل والكتيبات من اليوم الذي كان البريلوي حيا إلى يومنا هذا لا يتجاوز عن خمس وعشرين ومائة كما ذكره صاحب (أنوار رضا) (٧) وهي التي أدرجت في فتاواه. رابعا: نذكر أكذوبة أخرى ومبالغة القوم في بيان المؤلفات لمناسبة ما ذكرناه أنفا، فقد كتب "حضرة بران الملة والدين مولانا المفتي محمد برهان الحق القادري الرضوي المفتي الأعظم الجبل بوري" – "إن البريلوي كان مجددا، والدليل عليه أنه كتب الفتاوى التي لا يوجد لها مثيل في المتقدمين والمتأخرين، والتي تشتمل على اثني عشر مجلدا" والمعروف أنه لم يطبع منها حتى اليوم إلا ثماني مجلدات. ثانيا: من بين هذه المجلدات الثمانية لم يطبع منها إلا المجلد الواحد على القطع الكبير والبقية كلها على الحجر الصغير. ثالثا: إن واحدا من هذه المجلدات لا يشتمل على ألف صفحة فضلا عن الزيادة عليها والمجلد الذي طبع على القطع الكبيرة يشتمل على ٢٦٤ صفحة، والبقية المطبوعة على الحجم الصغير يشتمل على ٥٠٠ أو ٦٠٠ صفحة، وواحد منها يشتمل على ٣٢٥ صفحة، ولا واحد من هذه المجلدات يبلغ عدد صفحاتها ألف صفحة. ولقد فصلنا القول في هذا للفت النظر إلى أن مذهب هذه الطائفة وأمثالها لا يقوم ولا يؤسس إلا على المبالغات والمغالات والأكاذيب. خامسا: إن كتاب هذه الفتاوى كانوا متعددين من أنصار البريلوي وأتباعه وتلامذته ومؤيديه، ولقد ذكر البهاري في غير موضع من كتابه الذي كتبه في ترجمته أن البريلوي كان يأتيه الاستفسارات فيوزعها على الكتاب للجواب عليها، كما أقر بذلك البريلوي نفسه في خطابه الذي كتبه إلى أحد المعاصرين والمناصرين له "إنني أرسل إليكم شخصا الذي هو مدرس في مدرستي ومعين لي في الفتاوى" (٨). ويكتب في خطاب آخر:"وصلت إلى عبارات التفاسير وأحتاج إلى ما بقى منها. وما هو تفسير (روح المعاني)؟ ومن هو الآلوسي البغدادي؟ لا أعرفه، إن كان لديك ترجمته أو شيء من الكتاب فأخبرني بذلك، وأيضا أحتاج إلى عبارات هوامش (المدارك) " (٩) وأيضا "أحتاج في مسألة الخضاب إلى العبارات الكاملة من هذه الكتب، إن كانت هذه الكتب موجودة عندك فيها ونعمت، وإلا فاذهب إلى "بتنه" وانقلها من هناك: التاتارخانية، (زاد المعاد)، (عقد الفريد) لابن عبدربه، (نزهة المجالس)، (صراح)، (قاموس)، (تاج العروس)، (خالق زمخشري)، (مغرب) مطرزي، (مصباح المنير)، (مختار الصحاح)، (نهاية ابن الأثير)، (مجمع البحاري)، (تحفة مخزن الأدوية)، (تذكرة أنطاكي)، (جامع ابن بيطار)، (أنوار الأسرار)، (مرقاة)، (أشعة اللمعات)، (فتح الباري)، (عمدة القاري)، (إرشاد الساري)، (شرح مسلم للنووي)، (شرح شمائل الترمذي)، (شرح شرعة الإسلام)، (شرح مشارق الأنوار)، (تيسير السراج المنير)، و (شرح الجامع الصغير) " (١٠). وبهذا كله يثبت أنه لم يكن وحيدا في كتابة هذه الفتاوى، بل كان له المساعدون والأعوان الذين كانوا يحققون المسائل ثم يقدمونها إليه، فكان يرسلها إلى المستفتين وينسبها إلى نفسه. المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير- ص٢٨

стр. 3870

المطلب السادس: مخالفته الجهاد والمجاهدين، ومناصرته الاستعمار والمستعمرين إن العصر الذي وجد فيه البريلوي كان عصر ابتلاء المسلمين ونكبتهم وأدبارهم في شبه القارة لأن الاستعمار الانجليزي الغاشم طوى بساط المسلمين وحكمهم عن هذه القارة، وتسلط عليها تسلطا كاملا عام ١٨٥٧م بعد إراقة دمائهم وكسر شوكتهم وتدمير قوتهم وزعمائهم وطردهم عن وطنهم ومنبت رأسهم، وكان المستعمرون يرون أنه لم يبق لهم قوة رادعة تردعهم عن مطامعهم، وتمانعهم عن أغراضهم ومنافعهم من بسط النفوذ، والغصب، والنهب، اللهم إلا شرارة في رمادهم وشعلة في ترابهم ولم يكن يظنون مصدرها ومولدها إلا المسلمين عامة والوهابين خاصة". لمعرفتهم أن المسلمين ثائرون على الاستعمار لضياع دولتهم وملكهم وغصب قوتهم واقتدارهم لأنهم هم كانوا حكاما على شبه القارة عند تسلط الإنجليز وقد سلبوا منهم الاختيار والملك، والوهابيين لأنهم هم كانوا أكثر الناس ثورة من بين المسلمين وهم الذين قاوموهم ونازلوهم في ميادين مختلفة، وقاتلوهم، ورفعوا علم الجهاد ضدهم، ونغّصوا عليهم عيشهم وكدّروا عليهم صفوهم، فكم من الحارات هدمت بأسرها على أهاليها وسكانها، وكم من القرى دمّرت بما فيها من الأطفال والأشياخ والنساء بتهمة أنهم وهابيون، يريدون التمرد على المستعمر الغاصب (١) وشنق أكثر من مائة ألف عالم موحد، متبع السلف بتهمة الوهابية والطغيان في بنغال فقط (٢). وقد كتب هنتر في كتابه (مسلمو الهند):إنه لا خطر على الإنجليز ولا على بقائهم في السلطة اللهم إلا من الوهابيين لأنهم هم يثيرون القلق الإضطراب والفتن ضدنا، وهم الذين يهيجون الناس ويحرضونهم باسم الجهاد على خلع ربقة الإطاعة والولاء لنا" (٣).

стр. 3871

ثم بعد الانتفاضة التي سميت بانتفاضة ١٨٥٧م، والتي سمّاها المستعمرون "الغدر" قدم الوهابيون وعلماؤهم وزعماؤهم وقادتهم إلى المشانق جملة لإستيصال شأفتهم وقطع دابرهم سنة ١٨٦٣م إلى ١٨٦٥م، وممن سجن في تلك الآونة علماء بارزين لأهل التوحيد عامة ولأهل الحديث خاصة مثل الشيخ جعفر تانيسري، والشيخ عبدالرحيم، وعبدالغفار، وشيخ المسلمين الشيخ يحيى على صادق بوري، والشيخ أحمدالله وغيرهم، ثم بعدهم قائد أهل الحديث وزعيم متبعي السلف الصالح، العلم الرفيع شيخ الكل الشريف نذير حسين المحدث الدهلوي. ولم يكتف المستعمرون بهذا، بل أصدروا فرمانا آخر لمصادرة أملاك هؤلاء المجاهدين (١).وأكثر من ذلك هدمت عمائرهم ودمرت بيوتهم وحتى نبشت قبور أسرهم وأهليهم (٢).وأخيراًَ أراد الإنجليز في محاولتهم القضائية على الحركة الوهابية القبض على الإمام الكبير لأهل الحديث وقائدهم وزعيمهم شيخ الكل الشريف نذير حسين المحدث الدهلوي ولكنهم كانوا يخافون هيبته العلمية ومقامه الشامخ ورسوخه في المسلمين، فاضطربوا في أمره كي لا يثور المسلمون وتقوم قيامتهم، فسجنوه لمدة ثم اضطروا إلى إطلاق سراحه (٣) ولكنه بدؤا يتحفظونه والآخرين من أمثاله، ثم رأوا أن الأمر لا يسوغ لهم، ولا يستريحون من إشتعال نائرة المسلمين عامة والوهابيين خاصة، فقرروا إشاعة الفتن بين المسلمين أنفسهم كي ينشغلوا بها عنهم ويتقاتلوا ما بينهم، فاستعملوا لهذه الأغراض والتفريق بين المسلمين أشخاصا عديدين منهم، واختاروهم لمهمتهم، فكان واحد من هؤلاء غلام أحمد القادياني (٤) والثاني هذا البريلوي كما يتهمه المخالفون (٥). أما القادياني فأمره مكشوف، وأما البريلوي فيحتاج أمره إلى البيان والتوضيح.

стр. 3872

إن الكلمة الرائجة عند الاستعمار، والمنقولة عنهم هي "فرّق تسد"، فحمّلوا لواء التفريق والتكفير لأحمد رضا البريلوي، فإنه حمل هذا اللواء ورفعه فوق شبه القارة كلها، فلم يجد شخصا إلا وسبّه وشتمه وفسّقه وكفّره، وخاصة الذين نازلوا الاستعمار وقاتلوا ضده، والذين مازالوا يترقبون عليهم الدوائر ويتحيّنون لهم الفرص لينقضوا عليهم ويطردوهم من بلادهم، فرماهم بأسهمهم التي قصد المستعمرون أن يرميهم بها، وحرّض السذج من المسلمين عليهم باسم الدين والإسلام، واتهمهم إياهم وطوائفهم بهتك حرمات الصالحين وتصغير شأن الأولياء وتقليل مرتبة الأنبياء حسب الخطة المرسومة، فشحذ عليهم لسانه وسنانه، وسل عليهم سيف قلمه وبيانه، ولقن الناس بابتعادهم عنهم وعن حركاتهم القومية والوطنية، وعندما كان هؤلاء المجاهدون أتباع الرسول المجاهد الباسل صلوات الله وسلامه عليه، يستغلون الوقائع والحوادث لقلب نظام حكم الإنجليز في شبه القارة الهندية الباكستانية كان يقف البريلوي في وجههم ويسد طريقهم بتأييد السذج من المسلمين وعامتهم، الذين أغتروا بحب الأولياء والصالحين، بإيدي خفية من وراء الأستار وبمساندتهم وتأييدها ومناصرتها، فهكذا وبهذه الأعمال هون البريلوي للمستعمرين الإنجليز القضاء على مخالفيهم، الوهابيين والمناوئين لحكمهم، والمبغضين وجودهم في وطنهم، لأن الشخصيات البارزة والزعماء الأقوياء في الحركات المناوئة للحكم صارت شخصيات مختلفة بين المسلمين بعد ما كان المسلمون ينظرون إليهم نظرة إجلال وإكبار، ونظرة تقديم وإحترام. فإن الباحث والقارئ يندهش ويتحير عندما يرى أنه لم تقم حركة في شبه القارة لمواجهة الاستعمار إلا وخالفها البريلوي وكفّر زعماءها هو وذووه، طائفته ومناصروه. ونذكر ههنا حكرة عرفت بحركة الخلافة وحركة أخرى التي اشتهرت بركة ترك الموالاة، وبذلك يظهر عمله وموقفه من الاستعمار واستخلاص الوطن منه، ونظرته للمسلمين المستعبدين المستضعفين، ووجهته تجاه إخوانهم ونكباتهم. وقبل أن ندخل الموضوع في صميمه نريد أن نبيّن أن الأحزاب الكبيرة التي قاومت الاستعمار ونازلت المستعمرين كانت حزب المجاهدين الموحدين الذين سموا من قبل مخالفيهم الوهابيون أو الحركة الوهابية، وجميعة علماء الهند، ومجلس أحرار الإسلام، وحزب الخلافة، وحزب الرابطة المسلمة، ونيلي بوش، من المسلمين، وحزب الفائيين، وآزاد هند فوج، وحزب الوطنين، للهندوس وحزب الغاندي كونجرس، فلقد اعتزلت البريلوي والبريلوية عن جميع هذه الحركات واجتنبوها، وكفر وكفروا هذه الأحزاب كلها، وخاصة الرابطة المسلمة وبالأخص حزب المجاهدين مع قادتها زعمائها، وحرموا الدخول فيها ومشاركتها لتحرير الوطن كما سيلاحظ القارئ كل هذا في الباب الذي خصصناه لهذا الغرض. وهنا نحن ندخل في أصول الموضوع. إن البريلوية وعلى رأسها البريلوي نفسه أمر المسلمين بالتباعد عن هذه الحركات كلها واعتزالهم إياها، كما أفتى بتحريم الجهاد في ربوع هذه البلاد مستدلا بأن الهند ليس بدار الحرب ولا يؤذن ويعلن بالجهاد إلا فيها، ولم يكتف على هذا فحسب، بل إرضاء للآخرين تجاوز أكثر من ذلك وقال: إن الهند دار الإسلام وكتب رسالة مستقلة باسم "إعلام الأعلام بأن هندوستان دار الإسلام".

стр. 3873

وأغرب من ذلك إن هذه الرسالة التي تشتمل على عشرين صفحة من الحجم الصغير خصص فيها قسما لبيان أن الهند التي تسلط عليها الإنجليز الكفار ونهبوها وغضبوها هي دار الإسلام كما أن قسما من هذه الرسالة خصصه لبيان –أن الوهابيين لمرتدون، ولا يجوز أخذ الجزية منهم ولا يعطى لهم الأمان المؤبد، ويجوز استرقاق نسائهم، ولا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتتهم، ولا مخالطتهم ولا مجالستهم ولا محادثتهم ولا مشاركتهم في أمورهم، قاتلهم الله أن يؤفكون" (١). وبهذا يظهر السر المكنون والأسباب التي حرّضت البريلوي لكتابة هذه الرسالة وإصدار الفتوى في صالح المستعمرين ومخالفة الجاهدين المستخلصين الهند من مخالبهم. وأما حركة الخلافة التي زلزلت أقدام الإنجليز وزحزحت عرشهم وضعفت شوكتهم في الهند فهي الحركة التي قامت على أساس أن المستعمرين الإنجليز وعدوا عام ١٩١٧م الهنديين بتحرير وطنهم وأراضيهم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ولكنهم بعدما فازوا في هذه الحرب عام ١٩١٨م غدروا بهذا الوعد، فيكتب عن هذه الأحوال أحد البريلويين."أن الإنجليز لما انتصروا على ألمانيا وتركيا والنمساء وعاهدوا الأتراك على شروطهم القاسية إنحرفوا عن وعدهم الذي وعدوا به الهنديين من تحرير الهند، فاضطرب من ذلك الغدر الهنديون الأحرار وثاروا ضدهم وأرادوا أن ينتقموا الإنجليز بخيانتهم وغدرهم، فاستغلوا لذلك مسألة الخلافة في تركيا، وحرّضوا الناس على أن حفظ الخلافة الإسلامية وصيانتها من الفرائض والواجبات، ومحاربة مخالفيها "أي الإنجليز" فرض عين، فقامت على هذا الأساس حركة الخلافة وأثارت ضجة كبرى في أوساط المسلمين (٢).وفعلا عام ١٩١٩م استغل قادة المسلمين وزعماء حركة تحرير البلاد هذه النعرة ضد الاستعمار الإنجليزي الغاشم وهيجوا عواطف الناس وحرضوهم على وضع الأغلال والأواصر وكسر القيود والسلاسل، وحثوهم على الضربة القاضية على رأس الاستعمار والمستعمرين كما صرح بذلك أحد أعلام هذه الحركة، العالم الجليل الذي لقب بلقب أمام الهند والذي روّج الدعوة السلفية في ربوعها الشيخ أبو الكلام آزاد (٣). فأدرك البريلوي خطر هذه الحركة وما تشتمل وتتضمن على دعوة الجهاد واستخلاص الوطن، فبادر بكتابة رسالته المشهورة للقضاء على هذه الحركة وإقامة السد المنيع في وجهها، وألف رسالة أخرى (دوام عيش) أبطل فيها دعوى المناصرين للخلافة التركية مستدلا بأن الخليفة لا يكون إلا قرشيا، فمادام إن العثمانيين الأتراك ليسوا من قريش فلا نثبت خلافتهم وعلى ذلك ليس على مسلمي الهند مناصرتها ومساعدتها ومحاربة الإنجليز ومقاتلتهم لأجلها وقد صرح أكثر من ذلك حيث قال: إن حماية الأتراك خداع محض وإلا المقصود الأصلي من ذكر اسم الخلافة تحرير الأراضي الهندية" (٤). ومن الغرائب أيضا أن هذه الرسالة التي كتبها للضربة على حركة تحرير الهند وزحزحة أقدام المسلمين فيها لم يتركها خالية عن السباب والشتائم على الوهابيين، رافعي علم الجهاد ومعلني كلمة الحق في هذه الديار.

стр. 3874

وأما حركة ترك الموالاة فإنها قامت على أنقاض حركة الخلافة، ففي سنة ١٩٢٠م لما رأى مسلموا الهند أن الإنجليز لا يريدون أن يخضعوا لطلباتهم وينزلوا على رغباتهم ويفوا بالعهود التي عهدوا بها الهنديين ويغادروا بلادهم قاموا بإقدام آخر، وهو أن يترك الهنديون المعاملات مع الإنجليز المستعمرين ويتجنبوا عنهم ويعلنوا بترك ولائهم ويقاطعوا الحكومة الإنجليزية مقاطعة تامة، لا يطاوعونهم ولا يشاركونهم في أمورهم ولا يشتركون معهم ولا يقدمون لهم الجمارك والضرائب ولا يأخذون منهم المراعاة ولا يحكمونهم فيما بينهم وفي أمورهم ولا يقبلون وظائفهم، فعاونهم في ذلك طلاب الحرية من الهندوس أيضا وعلى رأسهم زعيمهم وقائدهم الغاندي، فتكونت ثورة عظيمة ضد الاستعمار لم ير لها مثال سابق في تاريخ الهند بعد ثورة ١٨٥٧م، وأشترك فيها جميع طوائف المسلمين وزعماؤهم وقادتهم وعلماؤهم غير البريلويين، فلم يشاركوا في هذه الحركة الوطنية أيضا كدأبهم القديم، بل عكس ذلك أنهم بادروا بإصدار فتاويهم ضد القائمين بهذه الحركات مناصرة للاستعمار ومساعدة للمستعمرين، رافعين الأصوات أن ترك موالاة الاستعمار الإنجليزي الغاشم الكافر حرام، فقد كتب البريلوي كتيبا مستقلا والذي أدرج فيما بعد في فتاويه باسم "المحجة المؤتمنة في آية الممتحنة"، وبدأ كتيبه هذا حسب عادته بقوله: إن المعاملة الدنيوية التي لا تضر الدين ليست ممنوعة مع أحد سوى المرتدين مثل الوهابية والديوبندية وأمثالهم" ثم بعد ذلك كتب بألفاظ واضحة: إن المقصود من هذه الحركات هو الحصول على الحرية من الإنجليز لا غير" (١) ثم قال بألفاظه الصريحة التي تنبئ بما في الصدور: أنه لا جهاد علينا مسلمي الهند بنصوص القرآن العظيم، ومن يقول بوجوبه فهو مخالف للمسلمين ويريد إضرارهم" (٢). ثم رد على من يستدل على جهاده بجهاد حسين بن علي ﵄ فقال: إنه لم يكن يريد القتال، بل سلط عليه القتال، وحرام على سلطان الإسلام الذي يجب عليه إقامة الجهاد أن يبدأ بقتال الكفار إذا لم يكن يكافئهم، فكيف ونحن لا نستطيع مكافئة الإنجليز ومحاربتهم" (٣).ثم نصح المسلمين بقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: ١٠٥] – محرفاً الكلم عن مواضعه - (٤).وأخيراً ختم كتابه هذا أيضاً بتكفير كل من يناضل ضد المستعمرين ويدعو إلى ترك الموالاة لهم والمعاملة معهم" (٥). وقبله قد أفتى بتعطيل الجهاد في كتابه (دوام العيش) بقوله:"لا جهاد وقتال على مسلمي الهند (٦).فشُهّر بين المسلمين بعمالة الاستعمار والعمل على حسابهم، ولأجل ذلك اضطر أحد مريديه إلى القول: بأن المسلمين ظنوا فيه ظن السوء" (٧).والآخر كتب "إن أكثر مريديه ومعتقديه إنحرفوا عنه لاختلافه مع حركة الخلافة" (٨). فهذه هي الأعمال التي قام بها في عصر كان مسلموا الهند فيه مبتلين بابتلاءات صعبة شديدة وكانوا يجتاحون فيه المراحل الحرجة والظروف الضيقة والأحوال العصيبة. ولا يمكن لمنصف أن يعرض عن القول بأن كل وزن البريلوي والبريلوية وثقلهم كان في كفة المستعمر الإنجليزي الغاصب إن لم يقل بعمالتهم وجاسوسيتهم وعملهم على حسابهم، لأنه أمر الناس بمقاطعة الجهاد والمجاهدين وترك موالاتهم ضد الاستعمار والمستعمرين بل خلاف ذلك أمر الناس بولايتهم وموالاتهم. فالمسلمون يقاطعون ويخاذلون، والنصارى المستعمرون يوالون ويناصرون. وعلى ذلك كتب الإنجليزي المشهور "فرانسس رابنسن":"إن البريلوي كان عمله حماية الحكومة الإنجليزية، فإنه أيد الحكومة في الحرب العالمية الأولى، واستمر في هذه الحماية والتأييد للحكومة حتى أيام حركة الخلافة سنة ١٩٢١م وعقد المؤتمر في بريلي وجمع فيه العلماء الذين كانوا يخالفون ترك موالاة الحكومة، والذين كان لهم أثر كبير في نفوس العامة المتعلمين والدارسين المسلمين" (٩). المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير- ص٣٦

стр. 3875

المبحث الثالث: أبرز زعماء البريلوية فمن أبرزهم نعيم الدين المراد آبادي ولد في يناير سنة ١٨٨٣م وكان معاصراً للبريلوي، ولم يكن بينهما أية رابطة سوى مخالفة كل واحد منهما الموحدين وأتباع الكتاب والسنة، وتأييد الرسوم والعادات الهندوسية التي دخلت على المسلمين باسم الدين وراجت فيه، ومناصرة البدعات، والتبرك بالقبور والتوسل بالصالحين، والنذور للأموات، وإقامة الأعياد التي تسمى الأعراس وغير ذلك من الأمور. "وإنه أسس مدرسة في مراد آباد بالهند وسماها في البداية "مدرسة أهل السنة" ثم غير إسمها وسماها "بالجامعة النعيمية" ويتلقب تلامذة هذه المدرسة والمتخرجون منها النعيميون. "وإنه أسس مدرسة في مراد آباد بالهند وسماها في البداية " مدرسة أهل السنة" ثم غير إسمها وسماها "بالجامعة النعيمية" ويتلقب تلامذة هذه المدرسة والتخرجون منها النعيميون. وكان المراد آبادي يشاهد ويرى شدة البريلوي وقسوته على السلفيين والدعاة إلى التوحيد الخالص، والعاملين بالكتاب والسنة، فكان يعجب به ويفرح، ويظهر سروره ويؤيده ويناصره ويكتب ويؤلف في تأييده وتوثيقه، كما كتب بعض الكتيبات في نفس المسائل التي أثار البحث حولها البريلوي. ومن أهم ما ألف هوامش القرآن الكريم باللغة الأردية وسمّاها (خزائن العرفان) التي نشرت فيما بعد مع ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الأردية للبريلوي و (أطيب البيان) الكتاب الذي ردّ به على (تقوية الإيمان) للشهيد الشاه إسماعيل الدهلوي، و (الكلمة العليا) في إثبات علم الغيب للنبي ﷺ وغيرها من الكتب والرسائل، ومات سنة ١٩٤٨م، وطائفته تلقبه بلقب صدر الأفاضل" (١).ومن زعمائهم أمجد علي "ولد في كهوسي بولاية أعظم كره، ودرس في المدرسة الحنفية بجونبور، وتخرج سنة ١٣٢٠هـ وأيد دعوة البريلوي ونصرها بكل قوة، ومكث مدة في بريلي عند البريلوي، وألف عدة مؤلفات في تأييد مسلكه وموقفه، وساعده في تكوين مذهبه وطائفته، ومن أهم ما صنفت كتاب فقه باسم (بهار شريعت) الذي بين فيه المسائل والأحكام في ضوء التعليمات البريلوية، وصار الكتاب فيما بعد موسوعة فقه للبريلوية ومات سنة ١٣٦٧هـ الموافق سبتمبر ١٩٤٨م" (٢). ومن قادة البريلويين السيد ديدار علي الذي ولد في نواب بور بولاية ألور في الهند سنة ١٢٧٠هـ ودرس على الشيخ أحمد على السهارنفوري، وبعد تخرجه سنة ١٢٩٣هـ درس في المدارس الحنفية العديدة حتى استقر في مدينة لاهور، ويقول كاتب ترجمته: إنه وقي وحفظ مدينة لاهور من الوهابية والديوبندية ومن عقائدهم المسمومة وتوفي في أكتوبر سنة ١٩٣٥م. ومن مؤلفاته (تفسير ميزان الأديان) في جزئين صغيرين و (علامات الوهابية) وبعض الكتيبات الأخرى" (٣).ومن كبار زعمائهم حشمت علي ولد بالكهنو في الهند وكان أبوه من مريدي السيد عين القضاة وباشارة منه أدخله في المدرسة الفرقانية، فقرأ القرآن ودرس بعض الكتب في لكهنو ونشا وربي هناك ثم إنتقل إلى مدرسة البريلوي أحمد رضا "منظر إسلام" ودرس على يدي أمجد علي الذي يلقبه القوم بصدر الشريعة وفرغ من دراسته سنة ١٣٤٠هـ واستلم الشهادة من ابن البريلوي أحمد رضا، ثم بدأ يروج تعاليم البريلوية ويناصرها فلقبه البريلوي "بغيظ المنافقين" وأعطاه سند خلافته، واشتهر بالرد على الوهابية والديوبندية ثم مرض بمرض سرطان ومات من ذلك سنة ١٣٨٠هـ ودفن في بيلي بهيت في الهند" (٤).

стр. 3876

ومن قادتهم مفتي أحمد يار نعيمي البدايوني."ولد في بدايون سنة ١٩٠٦م ودرس مدة في "المدرسة الإسلامية" عند الديوبنديين ثم انتقل منها إلى مراد آباد ودرس عند السيد نعيم الدين المراد آبادي ولذلك يلقب نفسه بنعيمي، ثم عين مدرسا في مدرسته وبعد ذلك انتقل إلى مدن عديدة في الهند حتى استقر في كجرات وأسس مدرسة باسم "الجامعة الغوثية النعيمية" واسم مدرسته يدل على عقائده ومعتقداته، وكان من كبار المناصرين للبريلوي والبريلوية، وكتب كتبا عديدة لتأييد هذه الطائفة ونشر أفكارها وعقائدها، ومن أهمها كتابه (جاء الحق) الذي حاول فيه مناصرة مذهبه ومسلكه وكرس جهده في الرد على يسميهم الوهابيين، أتباع الكتاب والسنة وسالكي مسلك التوحيد في شبه القارة، وله هوامش على ترجمة القرآن للبريلوي سماها "نور العرفان" أيد فيها مسلكه وموقفه وأوّل كثيراً من الآيات من معانيها الأصلية ومدلولاتها الحقيقية، كأستاذه المراد آبادي وقائد طائفته البريلوي، وله أيضا رسالة "رحمة إله بوسيلة أولياء" و"سلطنة مصطفى" وغيرها من الكتيبات والرسائل ومات سنة ١٩٧١م" (١). المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير- ص٥١

стр. 3877

المبحث الرابع: معتقدات البريلوية • المطلب الأول: الاستغاثة والاستعانة بغير الله. • المطلب الثاني: قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم. • المطلب الثالث: سماع الموتى. • المطلب الرابع: مسألة علم الغيب. • المطلب الخامس: مسألة بشرية الرسول. • المطلب السادس: مسألة الحاضر والناظر.

стр. 3878

المطلب الأول: الاستغاثة والاستعانة بغير الله أن البريلويين قالوا يقول لم يأت الإسلام إلا للرد عليه. وهو "إن لله عبادا إختصهم بحوائج الناس يفزعون إليها بحوائجهم" (١). وقال البريلوي: إن الاستعانة والاستغاثة بغير الله مشروع ومرغوب، ولا ينكره إلا مكابر أو معاند" (٢). سواء كان المستغاث والمستعان من الأحياء أو الأموات، وسواء كان نبيا ورسولا أو وليا وصالحا لا فرق بينهم، فإنهم ولاة الأمور وقضاة الحاجات ودافعوا البليات وشافوا الأمراض وكاشفوا الكربات. ولقد نص على ذلك البريلوي والبريلويون حيث قالوا: الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأنبياء والصالحين جائزة" (٣). ويقول: إن رسول الله ﷺ هو دافع البلاد ومانح العطاء" (٤).و "إن جبرائيل ﵊ قاضي الحاجات، وإن رسول الله ﷺ هو قاضي قضاة الحاجات حيث أنه علي السلام يقضي حوائج جبرائيل أيضا" (٥). وعلى كذلك رضي الله تعالى عنه، كما نقل البريلوي: ناد عليا مظهر العجائب ... تجده عونا لك في النوائب كل هم وغم سينجلي ... بولايتك يا علي يا علي (٦) والشيخ عبدالقادر الجيلاني رحمه الله تعالى، كما كذبوا عليه أنه قال: من استغاث بي في كربة كشفت عنه، ومن ناداني في كربة كشفت عنه، ومن نادى بإسمى في شدة فرجت عنه، ومن توسل بي إلى الله في حاجة قضيت حاجته" (٧). وأيضا هناك صلاة غوثية: وصورتها أن يصلى ركعتين، ثم يخطو إلى بغداد إحدى عشرة خطوة، وكلما يضع قدمه يستغيث بالغوث "أي الشيخ الجيلاني" ويناديه باسمه ويقدم حاجته ويقرأ هذين البيتين: أيدركني ضيم وأنت ذخيرتي ... وأظلم في الدنيا وأنت نصيري وعار على حامى الحمى وهو منجدي ... إذا ضاع في البيداء عقال بعيري" (٨) وكان البريلوي يقول: ياظل إله شيخ عبدالقادر ... شيئا لله شيخ عبدالقادر عطفا عطفا عطوف عبدالقادر ... اصرف عنا الصروف عبدالقادر (٩) كما كتب: إن لأهل الدين مغيثا وهو عبدالقادر" (١٠). وقد قال: إنني لم استعن في حياتي أحدا ولم أستغث غير الشيخ عبدالقادر، كلما أطلب المدد أطلب منه، وكلما أستغيث أستغيث به، ومرة حاولت أن أستغيث وأستعين بولي آخر "حضرت محبوب الهي" وعندما أردت النطق باسمه للاستغاثة والاستعانة ما نطقت إلا بياغوثاه، فإن لساني يأبى أن ينطق الاستغاثة بغيره" (١١). وأحمد زروق أيضا، كما ذكرو أن أحمد زروق قال في قصيدته: إنا لمريدي جامع لشتاته ... إذا ما سطا جورا الزمان بنكبة وإن كنت في ضيق وكرب ووحشة ... فناد بيازروق آت بسرعة (١٢) وابن علوان كذلك:"إن الإنسان إذا ضاع له شيء وأراد أن يرده الله فليقف على مكان عال مستقبل القبلة ويقرأ الفاتحة ويهدي ثوابها للنبي ﵊، ثم يهدي ثوابها لسيدي أحمد بن علوان، ثم يقول: يا سيدي يا أحمد بن علوان إن لم ترد عليّ ضالتي وإلا نزعتك من ديوان الأولياء" (١٣).

стр. 3879

والسيد محمد الحنفي أيضا: إن محمد الحنفي كان يتوضأ في خلوته، فيوما من الأيام خلع نعله ورماها في الفضاء وأعطى الثانية لخادمه وقال له: ضعها عندك حتى يأتي بالثانية أحد وبعد مدة طويلة جاء الشخص من الشام ومعه تلك النعل التي رماها الشيخ وغابت في الفضاء وقال: مرشيد وشيخي!، إن ناهبا جاء لينهبني وركب على صدري ليذبحني، فناديت يا سيدي محمد حنفي، فحضرت النعل من الغيب وضربت صدر ذلك الناهب فأغمى عليه فنجوت منه" (١). والسيد البدوي أيضا، فليقل المريد والمستغيث به: يا سيدي أحمد بدوي خاطر معي (٢). ونقلوا عنه أنه قال: من كانت له حاجة فليأت إلى قبري ويطلب حاجة أقض حاجته" (٣). وأبو عمران موسى أيضا:"كان إذا ناداه مريده أجابه من مسيرة سنة أو أكثر" (٤). هذا وقالوا: كل من كان متعلقا بنبي أو رسول أو ولي فلابد له أن يحضره ويأخذ بيده في الشدائد" (٥). ومشايخ الصوفية أيضا: مشايخ الصوفية يلاحظون أتباعهم ومريديهم في جميع الأحوال والشدائد" (٦) والاستغاثة والاستعانة ليس بمشروع عند القوم من الأحياء فحسب، بل ومن أهل القبور أيضا، كما يقول البريلوي: إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور" (٧). وقال واحد منهم: إن زيارة القبور تنفع وتفيد، وإن أصحاب القبور يعينون الزوار" (٨).و "إن المقصود من زيارة القبور أن يستفاد من أهلها" (٩).و "إن قبر موسى الكاظم لدرياق أكبر" (١٠). وقال البريلوي: إن محمد بن الفرغل كان يقول: أنا من المتصرفين في القبور، فمن كانت له حاجة فليأت إلى قبالة وجهي ويذكر حاجة أقضها له" (١١). كما نقل عن السيد البدوي أنه قال بعد مقولته: أقضها له":فإنما بيني وبينكم فداع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه فداع من تراب فليس برجل" (١٢). فهذه هي عقائد القوم في الاستغاثة والاستعانة بغير الله، وقد قال الله في كتابه المحكم الذي أنزله الهدية البشر وشفاء ورحمة للمؤمنين، قال فيه على لسان عباده الصالحين الذين علموا منه عقيدة التوحيد الخالص: العقيدة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]. وقال جل مجده مستنكرا قول المشركين وفعلهم ومؤبخاً إياهم: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]. وقال : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُنَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر ١٣ - ١٤]. وقال مبينا فسادهم ومظهرا عوارهم:

стр. 3880

قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا [فاطر: ٤٠]. وبين لهم مؤكدا: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: ١٩٧]. وأيضا: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ [الرعد ١٤]. وأيضا: وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [العنكبوت: ٢٢]. وقال لنبيه ﷺ أن يسأل المشركين والمستعين بغير الله أن يجيبوه على سؤاله: أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر: ٣٨]. وأَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل: ٦٢]. ثم أراد إفهامهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف: ١٩٤]. وأيضا: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا [الرعد: ١٦]. وشنع عليهم قولهم بقوله عز شأنه: إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا [النساء: ١١٧] ثم حكم عليهم بقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]. وقد ذكر الله في كتابه المحكم عديدا من الأنبياء وعباده الصالحين وهم احتاجوا إلى الاستغاثة والاستعانة والدعاء في مسائلهم ومشاكلهم والملمات التي المت بهم، فلم يستغيثوا ولم ينادوا إلا ربهم وحده من آدم إلى نوح، ومن إبراهيم إلى موسى، ومن يونس إلى خاتم النبيين وأشرف المرسلين محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، سواء كان مطالبة المغفرة أو الولد أو الشفاء أو النجاة من المآزق والمهالك، من البؤس والفقر والسجن وغير ذلك، أو طلب النصر، فلم يتقدموا بدعواتهم إلا إلى الله وحده، ولم ترد واقعة ولا حادثة استغاث أحد من عباد الله المقربين وأوليائه المنتخبين بأحد دونه وسواه. ولكن البريلوي يقول: كل من كان متعلقا بنبي أو رسول أو ولي قفلابد أن يأخذ بيده في الشدائد" (١).

стр. 3881

وقال الآخر: إن جميع العالم للأولياء ككفة يد ينظرون إليها، وإن ناداهم أحد واستغاث بهم من أية بقعة كان يغيثونه ويقضون حوائجه" (١).هذا والرسول ﵊ قال لابن عمه عبدالله ابن عباس ﵁: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، فلو جهدت الخليفة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو جهدت أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك)) (٢). ولكن البريلوي يقول: إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا من أصحاب القبور" (٣). ثم وأكثر من ذلك يطعن ويقدح في الذين ينكرون عليه هذا القول ولا يستغيثون إلا الله وحده ولا يستعينون إلا به ولا يتوكلون إلا عليه ولا يدعون إلا إياه إتباعا بالثقلين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، يشنع عليهم هذا المحدث المبتدع بقوله: حدث في زماننا شرذمة قليلة ينكرون الاستمداد من الأولياء، ويقولون ما يقولون وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون" (٤). فذاك قول الله وقول رسول الله ﷺ في هذه المسألة، وهذا قول البريلويين، وإنهم عكسوا الأمور حيث سموا متبعي الكتاب والسنة المحدثين، وسموا أنفسهم المتبعين والمتمسكين بأقاويل المتقدمين الذين ما أنزل الله بهم من سلطان مصداق قول الله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠]. ولا يعلمون أنهم لا يتبعون من المتقدمين إلا الذين لم ينزل الله إلا للرد عليهم، ولقد قال بأصرح الألفاظ وأظهرها: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]. ووَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]. وصدق الله مولانا العظيم.

стр. 3882

المطلب الثاني: قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم ويقرب من هذه المسألة ويتعلق بها مسألة أخرى، وهي مسألة قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم حيث أن القوم جعلوا الله معطلا معزولا عن الاختيار والقدرة والاقتدار – عياذا بالله – لأن الاستغاثة والاستعانة والاستمداد والدعاء لا يكون إلا من القادر والمختار، وإن الأنبياء والصلحاء والأولياء انتقلت إليهم قدرة الله وملكه واختياراته – حسب زعمهم – ولم يبق عنده شيء، لذلك على الناس أن يرجعوا إليهم ويراجعوا إياهم، يستغيثوا بهم ويستعينوا منهم ويسألوا عنهم، والله فوض إليهم أموره ولم يبق عنده شيء، وصار متقاعدا متعطلا، عن العمل والقدرة، ونوابه أنبياءه وأولياؤه هم الذين أخذوا زمام الأمور في أيديهم، وهم ملاك الأرض ومن فيها وما فيها، وهم حكام السماء ولهم كلمة مطلقة، ينفذون أوامرهم في الكونين، ويتصرفون فيهما بما يشاؤن، وهم الذين يخلقون، وهم الذين يرزقون، وهم الذين يعطون ويمنعون، وهم الذين يحيون ويميتون، وهم الذين يدبرون الأمر، ومنهم النصر والمدد، ومنهم الشفاء والعطاء، ومن عندهم كل شيء. وليس لله إلا العبادات وهم له شركاء فيها أيضا. وقبل أن نسرد النصوص من كتب القوم نريد أن نلفت أنظار القراء إلى أن كفار مكة ومشركي الجزيرة وثنيى الجاهلية ما كانوا بأفسد منهم اعتقاداً أو أرداً منهم معتقدا الذين لم يأت إليهم رسول الله ﷺ إلا لبيان ضلالهم وشركهم بالله وإصلاحهم وتطهيرهم من هذه الوثنيات والشركيات. وكذلك الأنبياء والرسل قبله هل جاؤا بشيء غير الرد على مثل هذه الأفكار الباطلة والنظريات الخبيثة الرديئة؟ وهل الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه دعا في حياته المكية طوال ثلاثة عشر سنة إلى غير توحيد الألوهية والربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؟ ثم وكيف يستسيغ لقوم ينسبون أنفسهم إلى الإسلام ويدعون النسبة إلى محمد بن عبدالله رسول الله الصادق الأمين ﷺ حامل لواء التوحيد ورافع رأية وحدانية الله وقدرته واختياراته، والقائل بأمره: لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الدخان:٨]. وبِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك: ١] وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨] وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٨٣] وإِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] ووَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: ٦] ووَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٦٠] وقُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ [سبأ: ٣٦] واللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦] وغير ذلك من الكثير الكثير الذي ملئ منه الكتاب العزيز الحميد. نعم كيف يستسيغ لهؤلاء الناس أن يدعوا الإسلام وانتسابهم إلى محمد ﷺ ثم ينكروا تعاليمه وإرشاداته وتوجيهاته، ويتنكروا على الآيات التي نزلت عليه، أنزلها رب السماوات والأرض رب العالمين، ونزل بها جبرئيل الروح الأمين على قلب سيد البشر رحمة للعالمين هدى للمتقين وبشرى للمحسنين ورحمة للمؤمنين.

стр. 3883

فلينصف القراءة وليعدل الباحثون أيحق للقائلين بتلك المقولات أن ينسبوا إلى أفكارهم وأبطالهم آرائهم، ومن جاء حامله ومبلغه للقضاء على وثنياتهم وإشراكهم بالله: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر: ١٩ - ٢٢] وصدق الله : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣]. فيا أسفا على هؤلاء الغفلة وقد تسرب الشرك إليهم ودبت الوثنيات والبدعيات والخرافات والجاهلية كبيب النمل وهم لا يدرون عنها. وقد استحوذ عليهم الشيطان فلقنهم على أنها هي الإسلام وهؤلاء الذين قال الله فيهم: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] بعدما أخبر عنهم بقوله: : أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً [الكهف: ١٠١ - ١٠٢] وإليكم نصوص الذين يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل، فيقول البريلوي إن كل مفاتيح الكون في يد رسول الله ﷺ ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة "كن". وأما ابنه فيكتبت تحته تأييد الأبيه نقلا عن واحد ممن كان على منوال أبيه وطائفته: كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه " ﷺ " إذا رام الأمر لا يكون خلافه، وليس لذلك الأمر في الكون صارف" (١). وقال البريلوي أيضا: إن رسول الله ص هو المبرئ من السقم والآلام، والكاشف عن الأمة كل خطب وهو المحيى، وهو الدافع عن المعضلات، والنافع للخلق، والرفع للمراتب، وهو الحافظ والناصر، وهو دافع عن المعضلات، والنافع للخلق، والرفع للمراتب، وهو الحافظ والناصر، وهو دافع البلاء أيضاً، وهو الذي أبرد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطى، وحكمه نافذ وأمره جار في الكونين" (٢). وقال أيضا ناقلا عن واحد من أئمته: هو ﷺ خزانة السر وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه" (٣). وقال أيضا: منه الرجا منه العطا منه المدد ... في الدين والدنيا والأخرى للأبد" (٤)

стр. 3884

ويقول الآخر: إن رسول الله سيد الكونين سخى رزاق ونحن محتاجون إليه" (١).و "إن اسمه مكتوب على العرش ليلعم أن العرش ملكه وهو مالكه – عياذ بالله –" (٢).و "إن رسول الله ﷺ متصرف في كل مكان" (٣). ومثل ذلك قال البريلوي: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء" (٤). وبريلوي آخر نقل عن البريلوي أنه قال: إن رسول الله مالك الأرضين ومالك الناس ومالك الأمم ومالك الخلائق، وبيده مفاتيح النصر ولمدد، وبيده مفاتيح الجنة والنار، وهو الذي يعز في الآخرة، ويكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، وهو الذي يكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ لأمته وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي بالاستجداء" (٥). وقال آخر: إن رسول الله ﷺ نائب الرب يعطي ما يشاء من يشاء، وينزع ما يشاء ممن يشاء" (٦)."وإن الأرض في قبضته وتصرفه، وإن الجنة سلطنته ورياسته، وإنه هو قسام الأرزاق" (٧). وقال مفتي البريلوية: إن جميع العالم وكل الأمور في يد رسول الله ﷺ يتصرف فيه وفيها كما يشاء ويعطي منه ومنها ما يشاء من يشاء" (٨). هذا والأنبياء الآخرون كذلك."إن الأنبياء يتصرفون في بواطن الخلق وأرزاقهم كما يتصرفون في ظواهر الخلق" (٩). وصحابة الرسول كذلك، كما روى البريلوي روايات موضوعة في ذلك، منها: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ويؤتى بمنبرين من نور، فينصب أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يساره، ويعلوهما شخصان، فينادي الذي عن يمين العرش: معاشر الخلائق! من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا رضوان خازن الجنة، إن الله أمرني أن أسلم مفاتيح الجنة إلى محمد وأن محمدا أمرني أن أسلمها إلى أبي بكر وعمر ليدخلا محبيهما الجنة، ألا فشاهدوا. ثم ينادي الذي عن يسار العرش: معاشر الخلائق! من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك خازن النار، إن الله أمرني أن أسلم مفاتيح النار إلى محمد ومحمد أمرني أن أسلمها إلى أبي بكر وعمر ليدخلا مبغضيهما النار، ألا فاشهدوا" (١٠). وأيضا ما رواها: إن رسول الله قال: إن عليا قسيم النار يدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار" (١١). وأما الشيخ عبدالقادر الجيلاني فإنه غوث المغيثين وغياث المستغيثين، فإن البريلوي قال فيه: إن الشيخ عبدالقادر متصرف في العالم ومأذون له ومختار، وهو المدبر لأمور العالم" (١٢).و "ياغوثي أنت المحيى وأنت المميت، وأن النبي هو القاسم وأنت الموصل" (١٣). وينادي أيضا: يا ظل إله عبدالقادر ... ويا ملجأ العباد عبدالقادر ... إننا لمحتاجون وفقراء ... وأنت ذو التاج والكرم ... شيئا لله الشيخ عبدالقادر" (١٤) ... وقال في قصيدته العربية: حمدا يا مفضل عبدالقادر يا ذا الأفضال ... مولاى بما منت بالجود عليه من دون سؤال يا منعم يا مجمل عبدالقادر أنت المتعال ... امنن وأجب السائل عبدالقادر جد بالآمال" (١٥).

стр. 3885

وقال: إن عبدالقادر فرش فراشه على العرش، وأنزل العرش على الفرش" (١). ويقول: إن عبدالقادر مغيث لأهل الدين" (٢).و "إن الشيخ الجيلاني هو الغوث الذي حصلت له قدرة كلمة "كن فيكون" (٣). ويكذبون على الشيخ الجيلاني أنه قال: وولاني على الأقطاب جمعا ... فحكمى نافذ في كل حال مريدي لا تخف واش فإني ... عزوم قاتل عند القتال طبولي في السماء والأرض دقت ... وشاؤس السعادة قدبالي بلاد الله ملكي تحت حكمي ... وأوقاتي لقلبي قد صفالي نظرت إلى بلاد الله جمعا ... كخردلة على حكم اتصال أنا الجيلي محي الدين اسمي ... وأعلامي على رأس الجبال" (٤) كما يكذبون عليه أنه قال: إن أزمة أمر أهل الزمان على قلبي، وهو متصرف في عطائهم ومنعهم" (٥). ونسبوا إليه أيضا أنه قال: إن قلوب الناس في يدي، إن أردت صرفها عني صرفتها، وإن أردت صرفتها إلى" (٦). وقال الآخر: إن الشيخ الجيلاني هو غوث الأغواث، وإن له حق التثبيت في اللوح المحفوظ، وإنه يملك أن يجعل المرأة رجلا" (٧).وأيضاً "أزال موت شخص كان مكتوبا في اللوح المحفوظ بأنه يموت، وهكذا غير قضاءه وقدره" (٨). ونقل البريلوي عن أئمته في الضلال: إن الشيخ عبدالقادر كان يمشي في الهواء على رؤس الأشهاد في مجلسة ويقول: ما تطلع الشمس حتى تسلم على" (٩). فمادام الشيخ عبدالقادر مأذونا مختارا، متصرفا، محييا، مميتا، مغيثا، معطيا، موصلا، فلماذا الدعاء إلى الله، ولماذا الاستغاثة به والاستعانة منه والتوكل عليه، فكلما يطلبه الإنسان يطلب من الشيخ الجيلاني – عياذا بالله -. ثم وليس هذا كله مختصا بالجيلاني والصحابة والأنبياء وسيد الرسل، بل أن عامة الأولياء والصالحين والمتصوفة ومشايخ الطرق يملكون كل هذه الأشياء ويقدرون عليها، وأن الأرض في قبضتهم، وأن السماء في ملكهم، كما ينقل البريلوي عن واحد من أمثاله أنه قال: إن أئمة الفقهاء والصوفية كلهم يشفعون في مقلديهم ويلاحظون أحدهم عند طلوع روحه وعند سؤال منكر ونكير له وعند الحشر والنشر والحساب والميزان والصراط ولا يغفلون عنهم في موقف من المواقف ... وجميع الأئمة المجتهدين يشفعون في أتباعهم ويلاحظونهم في شدائدهم في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة حتى يجاوزوا الصراط" (١٠). وهو الذي قال: إن ملك "البدل" من السماء إلى الأرض، وإن ملك "العارف" من العرش إلى الفرش" (١١). وأما البريلوي فإنه قال: إن نظام الخلق قائم بوساطة الأولياء" (١٢).و "إن الأولياء يحيون الأموات ويبرؤن الأكمة والأبرص، ويطوون الأرض كلها بقدم واحد" (١٣).و "لا يخلو زمان من الغوث، ولا تقوم السموات والأرض إلا به (١٤).

стр. 3886

وقال الآخر منهم: إن أولياء الله ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم (١).و "إن للأولياء قدرة واختيار أن يرجعوا السهم المطلق من الرمية إليها" (٢).و "إن الوهابيين يقولون: إن أولياء الله لا يستطيعون دفع الذباب عن قبورهم ولكنهم لا يعلمون أن لهم قدرة أن يقلبوا العالم كله ولكنهم لا يتوجهون إلى ذلك" (٣).و "إن أولياء الله لهم تأثر في تغيير القضاء المعلق" (٤). ويقول الآخر: إن تصرف الأولياء يزداد بعد وفاتهم" (٥). هذا ومثل هذا كثير جدا. فهذه هي معتقدات القوم في الأولياء والصالحين وفي الأنبياء والمرسلين كمعتقدات النصارى واليهود في المسيح وعزيز والكليم، وكعقيدة المشركين والوثنيين القدامى في اللات والهبل والعزى والمناة ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم من عباد الله الصالحين الذين جعلوهم لله شركاء. ومادام أن أنبياء الله ورسله وأولياء الله وصلحاءه يملكون هذه القدرة والاختيار فلابد أن يحصل لمؤسس هذه الطائفة نصيب منها. وفعلا نسب أنصاره ومناصروه إلى البريلوي أحمد رضا أكثر مما نسبه هو والآخرون إلى المشايخ والصالحين والأولياء. فقالوا فيه: إنه مالك ورزاق وسيد مرشد ومالك وشافع ومغيث وغير ذلك" (٦). ويناديه أحد أتباعه ويدعوه بقوله: يا سيدي يا رزاق أعطني من نوالك، لأن كلبك هذا راج لعطائك منذ مدة فانظر إلى عبيدك هذا بنظرة الكرم، لأنه مهما ارتكب من الأخطاء والذنوب فإنه كلبك" (٧).وأيضا "إن تركنا بابك يا أحمد رضا فمن أين نسأل ونستجدي، لم يخب أحد من بابك، فإنك يا أحمد رضا تعطي السائلين كل ما يطلبونه" (٨). وقيل في قبره: إن قبره ومزاره دار الشفاء للمرضى، وإنه حلال المشاكل ومسهل الأمور وقاضي الحاجات" (٩).و "إن المرضى كانوا يستشفون من عيسى، ولكن أحمد رضا يحيى الأموات" (١٠). وقال الآخر: إن أحمد رضا هو المبصر للقلوب والأعين، وهو معطي الإيمان، وهو المنجي في الكونين" (١١). ويقول: إن أحمد رضا هو الرزاق وهو مجيب الدعوات وهو حلال المشاكل، وهو الغوث وقطب الأولياء، وهو الذي كان له الظل في الحشر يوم لا يكون هناك الظل، وتحصل معيته في القبر والحشر والنشر، وإنه هو الرزاق ونحن فقراء إليه" (١٢). فهذا هو القوم وهذه هي معتقداتهم مخالفة تماما لتعاليم الرحمن الذي بينهما في القرآن، وتعاليم الرسول الكريم التي ثبتت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه، بل هي عين تلك العقائد التي كان مشركو قريش وكفار الجزيرة وأهل الجاهلية الأولى يعتقدونها ويؤمنون بها، ولم يأت نبي الله ﵎ وصلواته وسلامه عليه إلا للقضاء عليها وإبطالها كما بيناه سابقا. وقبل أن نختم هذا البحث نريد أن نورد ههنا ما كتبه علامة شبه القارة ووحيد عصره النواب الشيخ صديق حسن خان في تفسيره "فتح البيان" تحت قول الله : قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما يشاء الله:

стр. 3887

وفي هذا أعظم وازع وأبلغ زاجر لمن صارديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ ، أو الاستعانة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العلمين، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرزاق المعطي المانع؟ وحسبك بما في الآية من موعظة، فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقود لعباده: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا: فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره – ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته – لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره؟ فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى "لا إله إلا الله"، ومدلول "قل هو الله أحد"؟ وأعجب من هذا إطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرزاق، المحيى المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان – أخزاه الله – بهذه الذريعة إلى ما تقربه عينه، وينثلج به صدره، ومن كفر كثير من هذه الأمة المباركة "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، إنا لله وإنا إليه راجعون" (١). هذا وذكر شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في فتاواه قول بايزيد البسطامي أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. وقول الشيخ أبي عبدالله القرشي المشهور بالديار المصرية، استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، كما نقل دعاء موسى ﵇ الذي كان يدعو به: أللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك. – ثم بعد ذلك: لا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله" (٢).

стр. 3888

المطلب الثالث: سماع الموتى ويتعلق بالمسألتين السابقتين أي مسألة الاستغاثة والاستعانة عن غير الله، ومسألة قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم مسألة سماع الموتى، لأن الجهال الذين ينادون الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين بعد موتهم ويدعونهم من دون الله ، لا يدعونهم ولا ينادونهم إلا للاعتقاد بأن الموتى يسمعون ويستجيبون لندائهم ودعائهم مع تملكهم القدرة والاختيار. ولأجل ذلك قالوا: إن الأولياء والصالحين يسمعون ويبصرون في قبورهم أكثر مما كانوا يسمعون ويبصرون في حياتهم" (١). لأنهم في معتقدهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين، فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وعلى ذلك يقول أحد البريلويين: إن النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية اتصلت بالملأ الأعلى وترى وتسمع الكل كالمشاهد" (٢). وقال الآخر: إن الموتى يسمعون، وإن المقربين بعد موتهم ليغيثون" (٣). والثالث قال: إن الشيخ الجيلاني يرى في كل حين، ويسمع نداء الجميع" (٤).وأما البريلوي فقد كتب: إن الأموات ليسمعون، إذ لا يخاطب" إلا من يسمع" (٥). ولقد كتب رسالة مستقلة باسم "الوفاق المبين بين سماع الدفين وجواب اليمين" التي طبعت في ضمن الرسائل التي شكلت وكونت منها "الفتاوى الرضوية". وقد حكي عدة حكايات كاذبة أثبت بها أن الموتى يسمعون، بل أكثر من ذلك أنهم يتكلمون أيضا. ومنها هذه الحكاية التي ذكرت في "ملفوظات" و "الحكايات الرضوية":أن السيد إسماعيل الحضرمي مر على المقابر ومعه أصحابه فوقف على أربعين قبرا وقفة طويلة وبدأ يبكي حتى انتصف النهار فضحك، فسئل عن أسباب بكاءه وضحكه فقال مررت على هذه القبور لأن أصحابها الأربعين كانوا يعذبون فبدأت أشفع لهم عند الرب وأبكى على عذابهم حتى رفع عنهم العذاب ولما انتهيت سمعت امرأة تناديني من آخر المقابر وتقول: يا سيدي! أنا مغنية فلانة فشفعت لهم وحرمتني عنها فضحكت من قولها وقلت لها: أنت منهم، ورفع عنها العذاب" (٦). هذا ويقول آخر من أتباعه: يجوز النداء بعلي وغوث لأن هؤلاء المحبوبين لدى الله يسمعون بعد موتهم" (٧). هذا ولقد قال البريلوي أكثر من ذلك. وهو: إن الأولياء والأنبياء لا يموتون ويدفنون أحياء وحياتهم في القبر حياتهم في الدنيا بل أكثر منها وأفضل، فيقول البريلوي في الأنبياء: إن حياة الأنبياء حياة حقيقية حسية دنيوية يطرأ عليهم الموت لثانية من الثواني ليصدق وعد الله، وإلا بعد الثانية من الوقت يرجع لهم الحياة ويصيرون كما كانوا ويحكم على هذه الحياة بالأحكام الدنيوية ولأجل ذلك لا يقسم ميراثهم ولا يزوج من أزواجهم ولا عليهم من عدة فإنهم يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون" (٨). وقال الآخر: إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدى الله" (٩). ويقول الآخر: إن الأنبياء أحياء في قبورهم وهم يمشون فيها ويتماشون، يصلون فيها ويتكلمون، وفي أمور الخلق يتصرفون" (١٠).

стр. 3889

وأما النبي الكريم ﷺ فيقولون: إنه قبل دفنه ﷺ كان حيا يتكلم كما صرح بذلك القوم، فيقول البريلوي: إن رسول الله ﷺ لما نزل به الصحابة إلى قبره كان يتكلم ويقول أمتي أمتي" (١). ويقول الآخر: لم يطرأ على رسول الله ﷺ ولا للحظة لأنه عندما أريد قبض روحه للحظة كانت الحياة موجودة في جسده" (٢). والثالث قال: لا فرق بين موته وحياته ﵇ في معرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك جلى عنده لا خفاء به" (٣). ويقول الآخر: إن الناس لما فارقوا المدينة في وقعة الحرة أياما ثلاثة ولم يدخل أحد المسجد النبوي الشريف كان يسمع الأذان من قبر النبي ﷺ في الأوقات الخمسة" (٤) وآخر يقول: لما وضعت جنارة أبي بكر ﵁ أمام الحجرة الشريفة نادى رسول الله ﷺ والناس قد سمعوا نداءه: أدخلوا الحبيب إلى الحبيب" (٥). هذا وليس هذا مختصا بالأنبياء. فالأولياء والصلحاء مثلهم في ذلك، كما يقول أحد البريلويين: إن أولياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار" (٦). وبنفس ذلك قال البريلوي نفسه حيث كتب: إن حضرات الأولياء أحياء بعد وصالهم "أي وفاتهم"، ولهم تصرفات وكرامات باقية، وفيوضهم جارية، وإعانتهم وإغاثتهم ثابتة" (٧). ويقول الآخر: إن موت أولياء الله كمثل الرؤية التي يرونها للحظة كالبرق الخاطف" (٨). وأما البريلوي فإنه قال: إن الأولياء أحياء في قبورهم بالحياة الدائمية، ويكون علمهم وإدراكهم وسمعهم وبصرهم أقوى من قبل" (٩). ونقل عن أئمته أنهم قالوا: إن الأولياء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلبون من دار إلى دار" (١٠).و "إن شخصا مات، ولما حضره شيخه ليقبره فتح عينيه، فقال له: حي أنت؟ قال: نعم أنا حي، وكل محب الله. حي" (١١).وعنون: إن الأنبياء والأولياء والشهداء أحياء بأبدانهم مع أكفانهم" (١٢). كما يحكى: إن شخصا مسافرا اظلم عليه الليل، فأراد الاستراحة فوضع أمتعته ونام ووضع رأسه على كوم مرتفع، فلما أصبح رأى أن هذه الكومة قبر لشخص، فإذا يناديه صاحب ذلك القبر ويشكو إليه: لقد آذيتني منذ الليلة" (١٣). ويتسابق القوم في الكذب حيث يحكى الآخر: إن شخصا مات فغسلوه وكفنوه فنادى: عجلوا بي وبجنازتي، لأن رسول الله ﷺ ينتظرني ليصلى علي" (١٤). فهذه هي ترهات القوم، وهذه هي عقيدتهم مخالفة لما قال الله وقاله رسول الله ﷺ ومنافية لشريعة الإسلام النقية الصافية عن شوائب الشرك والوثنية والأوهام، وإنما اعتقد القوم بهذه العقائد ليجعلوا لله شركاء وأندادا كعمل أهل الجاهلية الأولى الذين قال الله فيهم:

стр. 3890

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] وقال تعالى: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٨] هذا ولقد حكى الله عن مشركي قريش والجزيرة عقيدتهم في الاستغاثة بالله والاستعانة بغير الله في قوله: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: ٢٢] يعني أنهم على الأقل في أسفارهم البحرية لا ينادون إلا الله لاعتقادهم أن غير الله ومن دون الله لا يستطيعون نصرهم في البحار ولا يقدرون عليها. خلافا لهذا القوم فإنهم لا يستغيثون لا في البر ولا في البحر إلا بغير الله، ولا ينادون إلا غيره، كما نقلنا عن البريلوي أنه قال: إني لم أستغث في حياتي أحدا ولم أستعن بغير الشيخ عبدالقادر، كلما أطلب المدد أطلب من الشيخ الجيلاني، وكلما أستغيث استغيث به" (١). ولأجل ذلك كتب الشيخ الآلوسي المفسر الحنفي في تفسيره تحت هذه الآية: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى أحدا فيهم يخص مولاه بتضرعه ودعاه ويكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الناحية أهدي سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهى عن المنكر صنوف الحتوف" (٢). وأما السيد رشيد رضا المصري فإنه كتب: وفي هذه الآية وأمثالها بيان صريح لكون المشركين كانوا لا يدعون في أوقات الشدائد وتقطع الأسباب بهم إلا الله ربهم، ولكن من لا يحصى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا يحصى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سدنة المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسل وغيره. وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلوننها، وربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر في خرافاتهم، ملخصا: إن جماعة ركبوا البحر، فهاج بهم حتى اشرفوا على الغرق، فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يابدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبدالقادر يا جيلاني! ... الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعا فقال: يا رب أغرق أغرق، ما بقي أحد يعرفك" (٣). فالله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل ويحفظنا من الشرك والمشركين.
следующие страницы →