وقال الآخر منهم: إن أولياء الله ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم (١).و "إن للأولياء قدرة واختيار أن يرجعوا السهم المطلق من الرمية إليها" (٢).و "إن الوهابيين يقولون: إن أولياء الله لا يستطيعون دفع الذباب عن قبورهم ولكنهم لا يعلمون أن لهم قدرة أن يقلبوا العالم كله ولكنهم لا يتوجهون إلى ذلك" (٣).و "إن أولياء الله لهم تأثر في تغيير القضاء المعلق" (٤).
ويقول الآخر: إن تصرف الأولياء يزداد بعد وفاتهم" (٥).
هذا ومثل هذا كثير جدا.
فهذه هي معتقدات القوم في الأولياء والصالحين وفي الأنبياء والمرسلين كمعتقدات النصارى واليهود في المسيح وعزيز والكليم، وكعقيدة المشركين والوثنيين القدامى في اللات والهبل والعزى والمناة ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم من عباد الله الصالحين الذين جعلوهم لله شركاء.
ومادام أن أنبياء الله ورسله وأولياء الله وصلحاءه يملكون هذه القدرة والاختيار فلابد أن يحصل لمؤسس هذه الطائفة نصيب منها.
وفعلا نسب أنصاره ومناصروه إلى البريلوي أحمد رضا أكثر مما نسبه هو والآخرون إلى المشايخ والصالحين والأولياء. فقالوا فيه: إنه مالك ورزاق وسيد مرشد ومالك وشافع ومغيث وغير ذلك" (٦).
ويناديه أحد أتباعه ويدعوه بقوله: يا سيدي يا رزاق أعطني من نوالك، لأن كلبك هذا راج لعطائك منذ مدة فانظر إلى عبيدك هذا بنظرة الكرم، لأنه مهما ارتكب من الأخطاء والذنوب فإنه كلبك" (٧).وأيضا "إن تركنا بابك يا أحمد رضا فمن أين نسأل ونستجدي، لم يخب أحد من بابك، فإنك يا أحمد رضا تعطي السائلين كل ما يطلبونه" (٨).
وقيل في قبره: إن قبره ومزاره دار الشفاء للمرضى، وإنه حلال المشاكل ومسهل الأمور وقاضي الحاجات" (٩).و "إن المرضى كانوا يستشفون من عيسى، ولكن أحمد رضا يحيى الأموات" (١٠).
وقال الآخر: إن أحمد رضا هو المبصر للقلوب والأعين، وهو معطي الإيمان، وهو المنجي في الكونين" (١١).
ويقول: إن أحمد رضا هو الرزاق وهو مجيب الدعوات وهو حلال المشاكل، وهو الغوث وقطب الأولياء، وهو الذي كان له الظل في الحشر يوم لا يكون هناك الظل، وتحصل معيته في القبر والحشر والنشر، وإنه هو الرزاق ونحن فقراء إليه" (١٢).
فهذا هو القوم وهذه هي معتقداتهم مخالفة تماما لتعاليم الرحمن الذي بينهما في القرآن، وتعاليم الرسول الكريم التي ثبتت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عنه صلوات الله وسلامه عليه، بل هي عين تلك العقائد التي كان مشركو قريش وكفار الجزيرة وأهل الجاهلية الأولى يعتقدونها ويؤمنون بها، ولم يأت نبي الله ﵎ وصلواته وسلامه عليه إلا للقضاء عليها وإبطالها كما بيناه سابقا.
وقبل أن نختم هذا البحث نريد أن نورد ههنا ما كتبه علامة شبه القارة ووحيد عصره النواب الشيخ صديق حسن خان في تفسيره "فتح البيان" تحت قول الله : قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما يشاء الله:
стр. 3887
وفي هذا أعظم وازع وأبلغ زاجر لمن صارديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ ، أو الاستعانة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وكذلك من صار يطلب من الرسول ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العلمين، الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين، ورزقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء، أو ملك من الملائكة، أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه؟ ويترك الطلب لرب الأرباب، القادر على كل شيء، الخالق الرزاق المعطي المانع؟ وحسبك بما في الآية من موعظة، فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقود لعباده: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا: فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره – ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته – لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره؟
فيا عجبا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك، ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى "لا إله إلا الله"، ومدلول "قل هو الله أحد"؟ وأعجب من هذا إطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم، ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرزاق، المحيى المميت، الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله، ومقربين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه، ومطهر شريعته من أوضار الشرك، وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان – أخزاه الله – بهذه الذريعة إلى ما تقربه عينه، وينثلج به صدره، ومن كفر كثير من هذه الأمة المباركة "وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، إنا لله وإنا إليه راجعون" (١).
هذا وذكر شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في فتاواه قول بايزيد البسطامي أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. وقول الشيخ أبي عبدالله القرشي المشهور بالديار المصرية، استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، كما نقل دعاء موسى ﵇ الذي كان يدعو به: أللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك. – ثم بعد ذلك: لا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله" (٢).
стр. 3888
المطلب الثالث: سماع الموتى
ويتعلق بالمسألتين السابقتين أي مسألة الاستغاثة والاستعانة عن غير الله، ومسألة قدرة الأنبياء والأولياء واختياراتهم مسألة سماع الموتى، لأن الجهال الذين ينادون الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين بعد موتهم ويدعونهم من دون الله ، لا يدعونهم ولا ينادونهم إلا للاعتقاد بأن الموتى يسمعون ويستجيبون لندائهم ودعائهم مع تملكهم القدرة والاختيار.
ولأجل ذلك قالوا: إن الأولياء والصالحين يسمعون ويبصرون في قبورهم أكثر مما كانوا يسمعون ويبصرون في حياتهم" (١).
لأنهم في معتقدهم قبل موتهم كانوا عاجزين، وبالأسباب الكونية مقيدين، فإذا ماتوا انطلقوا وتفلتوا من تلك الأسباب، وعلى ذلك يقول أحد البريلويين: إن النفوس القدسية إذا تجردت عن العلائق البدنية اتصلت بالملأ الأعلى وترى وتسمع الكل كالمشاهد" (٢).
وقال الآخر: إن الموتى يسمعون، وإن المقربين بعد موتهم ليغيثون" (٣).
والثالث قال: إن الشيخ الجيلاني يرى في كل حين، ويسمع نداء الجميع" (٤).وأما البريلوي فقد كتب: إن الأموات ليسمعون، إذ لا يخاطب" إلا من يسمع" (٥).
ولقد كتب رسالة مستقلة باسم "الوفاق المبين بين سماع الدفين وجواب اليمين" التي طبعت في ضمن الرسائل التي شكلت وكونت منها "الفتاوى الرضوية".
وقد حكي عدة حكايات كاذبة أثبت بها أن الموتى يسمعون، بل أكثر من ذلك أنهم يتكلمون أيضا. ومنها هذه الحكاية التي ذكرت في "ملفوظات" و "الحكايات الرضوية":أن السيد إسماعيل الحضرمي مر على المقابر ومعه أصحابه فوقف على أربعين قبرا وقفة طويلة وبدأ يبكي حتى انتصف النهار فضحك، فسئل عن أسباب بكاءه وضحكه فقال مررت على هذه القبور لأن أصحابها الأربعين كانوا يعذبون فبدأت أشفع لهم عند الرب وأبكى على عذابهم حتى رفع عنهم العذاب ولما انتهيت سمعت امرأة تناديني من آخر المقابر وتقول: يا سيدي! أنا مغنية فلانة فشفعت لهم وحرمتني عنها فضحكت من قولها وقلت لها: أنت منهم، ورفع عنها العذاب" (٦).
هذا ويقول آخر من أتباعه: يجوز النداء بعلي وغوث لأن هؤلاء المحبوبين لدى الله يسمعون بعد موتهم" (٧).
هذا ولقد قال البريلوي أكثر من ذلك. وهو:
إن الأولياء والأنبياء لا يموتون ويدفنون أحياء وحياتهم في القبر حياتهم في الدنيا بل أكثر منها وأفضل، فيقول البريلوي في الأنبياء: إن حياة الأنبياء حياة حقيقية حسية دنيوية يطرأ عليهم الموت لثانية من الثواني ليصدق وعد الله، وإلا بعد الثانية من الوقت يرجع لهم الحياة ويصيرون كما كانوا ويحكم على هذه الحياة بالأحكام الدنيوية ولأجل ذلك لا يقسم ميراثهم ولا يزوج من أزواجهم ولا عليهم من عدة فإنهم يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون" (٨).
وقال الآخر: إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدى الله" (٩).
ويقول الآخر: إن الأنبياء أحياء في قبورهم وهم يمشون فيها ويتماشون، يصلون فيها ويتكلمون، وفي أمور الخلق يتصرفون" (١٠).
стр. 3889
وأما النبي الكريم ﷺ فيقولون: إنه قبل دفنه ﷺ كان حيا يتكلم كما صرح بذلك القوم، فيقول البريلوي: إن رسول الله ﷺ لما نزل به الصحابة إلى قبره كان يتكلم ويقول أمتي أمتي" (١).
ويقول الآخر: لم يطرأ على رسول الله ﷺ ولا للحظة لأنه عندما أريد قبض روحه للحظة كانت الحياة موجودة في جسده" (٢).
والثالث قال: لا فرق بين موته وحياته ﵇ في معرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك جلى عنده لا خفاء به" (٣).
ويقول الآخر: إن الناس لما فارقوا المدينة في وقعة الحرة أياما ثلاثة ولم يدخل أحد المسجد النبوي الشريف كان يسمع الأذان من قبر النبي ﷺ في الأوقات الخمسة" (٤)
وآخر يقول: لما وضعت جنارة أبي بكر ﵁ أمام الحجرة الشريفة نادى رسول الله ﷺ والناس قد سمعوا نداءه: أدخلوا الحبيب إلى الحبيب" (٥).
هذا وليس هذا مختصا بالأنبياء. فالأولياء والصلحاء مثلهم في ذلك، كما يقول أحد البريلويين: إن أولياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار" (٦).
وبنفس ذلك قال البريلوي نفسه حيث كتب: إن حضرات الأولياء أحياء بعد وصالهم "أي وفاتهم"، ولهم تصرفات وكرامات باقية، وفيوضهم جارية، وإعانتهم وإغاثتهم ثابتة" (٧).
ويقول الآخر: إن موت أولياء الله كمثل الرؤية التي يرونها للحظة كالبرق الخاطف" (٨).
وأما البريلوي فإنه قال: إن الأولياء أحياء في قبورهم بالحياة الدائمية، ويكون علمهم وإدراكهم وسمعهم وبصرهم أقوى من قبل" (٩).
ونقل عن أئمته أنهم قالوا: إن الأولياء أحياء وإن ماتوا، وإنما ينقلبون من دار إلى دار" (١٠).و "إن شخصا مات، ولما حضره شيخه ليقبره فتح عينيه، فقال له: حي أنت؟ قال: نعم أنا حي، وكل محب الله. حي" (١١).وعنون: إن الأنبياء والأولياء والشهداء أحياء بأبدانهم مع أكفانهم" (١٢).
كما يحكى: إن شخصا مسافرا اظلم عليه الليل، فأراد الاستراحة فوضع أمتعته ونام ووضع رأسه على كوم مرتفع، فلما أصبح رأى أن هذه الكومة قبر لشخص، فإذا يناديه صاحب ذلك القبر ويشكو إليه: لقد آذيتني منذ الليلة" (١٣).
ويتسابق القوم في الكذب حيث يحكى الآخر: إن شخصا مات فغسلوه وكفنوه فنادى: عجلوا بي وبجنازتي، لأن رسول الله ﷺ ينتظرني ليصلى علي" (١٤).
فهذه هي ترهات القوم، وهذه هي عقيدتهم مخالفة لما قال الله وقاله رسول الله ﷺ ومنافية لشريعة الإسلام النقية الصافية عن شوائب الشرك والوثنية والأوهام، وإنما اعتقد القوم بهذه العقائد ليجعلوا لله شركاء وأندادا كعمل أهل الجاهلية الأولى الذين قال الله فيهم:
стр. 3890
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥]
وقال تعالى:
أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٨]
هذا ولقد حكى الله عن مشركي قريش والجزيرة عقيدتهم في الاستغاثة بالله والاستعانة بغير الله في قوله:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: ٢٢]
يعني أنهم على الأقل في أسفارهم البحرية لا ينادون إلا الله لاعتقادهم أن غير الله ومن دون الله لا يستطيعون نصرهم في البحار ولا يقدرون عليها.
خلافا لهذا القوم فإنهم لا يستغيثون لا في البر ولا في البحر إلا بغير الله، ولا ينادون إلا غيره، كما نقلنا عن البريلوي أنه قال: إني لم أستغث في حياتي أحدا ولم أستعن بغير الشيخ عبدالقادر، كلما أطلب المدد أطلب من الشيخ الجيلاني، وكلما أستغيث استغيث به" (١).
ولأجل ذلك كتب الشيخ الآلوسي المفسر الحنفي في تفسيره تحت هذه الآية: فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير، وخطب جسيم، في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع، ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى أحدا فيهم يخص مولاه بتضرعه ودعاه ويكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الناحية أهدي سبيلا، وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة، وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهى عن المنكر صنوف الحتوف" (٢).
وأما السيد رشيد رضا المصري فإنه كتب:
وفي هذه الآية وأمثالها بيان صريح لكون المشركين كانوا لا يدعون في أوقات الشدائد وتقطع الأسباب بهم إلا الله ربهم، ولكن من لا يحصى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق إلا معبوديهم من الميتين كالبدوي والرفاعي والدسوقي والجيلاني والمتبولي وأبي سريع وغيرهم ممن لا يحصى عددهم، وتجد من حملة العمائم الأزهريين وغيرهم ولا سيما سدنة المشاهد المعبودة الذين يتمتعون بأوقافها ونذورها من يغريهم بشركهم، ويتأوله بتسميته بغير اسمه في اللغة العربية كالتوسل وغيره. وقد سمعت من كثيرين من الناس في مصر وسورية حكاية يتناقلوننها، وربما تكررت في القطرين لتشابه أهلهما وأكثر مسلمي هذا العصر في خرافاتهم، ملخصا: إن جماعة ركبوا البحر، فهاج بهم حتى اشرفوا على الغرق، فصاروا يستغيثون معتقديهم، فبعضهم يقول: يا سيد يابدوي! وبعضهم يصيح: يا رفاعي! وآخر يهتف: يا عبدالقادر يا جيلاني! ... الخ، وكان فيهم رجل موحد ضاق بهم ذرعا فقال: يا رب أغرق أغرق، ما بقي أحد يعرفك" (٣).
فالله نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل ويحفظنا من الشرك والمشركين.
стр. 3891
المطلب الرابع: مسألة علم الغيب
ومن أهم المعتقدات التي يعتقد بها البريلويون خلاف أهل السنة هي عقيدتهم بأن الأنبياء ورسل الله والصالحين من عباده والأولياء يعلمون الغيب، غيب السموات والأرض، مخالفين النصوص الصريحة من الكتاب والسنة وحتى الفقه الحنفي أيضا مع انتسابهم إلى الحنفية، فالله ﵎ يقول في محكم كتابه:
قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ [النمل: ٦٥]
وقال: إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [فاطر: ٣٨]
وقال جل وعلا:
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحجرات: ١٨]
ووَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣]
وأمر لنبيه أن يقول:
إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [يونس: ٢٠].
وقال ﵎:
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٥٩].
وقال وهو أصدق القائلين:
إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]
هذا ومثل هذا فإنه لكثير، وبمثل هذا ورد في الأحاديث الشريفة التي يأتي بيان بعضها أثناء الكلام، ولكن البريلويين يقولون عكس ذلك: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يعلمون، بل يرون ويشاهدون جميع ما كان وما يكون من أول يوم إلى آخره (١).و "أن الأنبياء يعلمون الغذيب منذ ولادتهم" (٢).هذا وأما النبي ﷺ ، فحصل له جميع العلوم الجزئية والكلية وأحاط بها" (٣).
وقال: إن علم اللوح وعلم القلم وعلم ما كان وما يكون جزءا واحدا من علوم النبي ﷺ " (٤).و "إن علومه "أي النبي ﷺ " تتنوع إلى الجزئيات والكليات وحقائق ودقائق وعوارض ومعارف تتعلق بالذات والصفات، وعلم اللوح والقلم إنما يكون سطراً من سطور علمه ونهرا من بحور حلمه، ثم مع هذا ببركة وجوده ﷺ ، هو وسع العالمين علما وحلما" (٥).
كما قال: إن النبي ﷺ عليم بجميع الأشياء من شئونات الإلهية وأحكام صفات الحق والأسماء والأفعال والآثار وأحاط بجميع العلوم الظاهرة والباطنة والأولى والآخرة" (٦).
وقال الآخر من طائفته: ولم يحجب عن روح النبي ﷺ شيء من العالم، فهو مطلع على عرشه وعلوه وسفله ودنياه وآخرته وناره وجنته، لأن جميع ذلك خلق لأجله ﷺ " (٧).وقال: إن علم النبي ﷺ محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية" (٨).
стр. 3892
وقال الآخر: إن النبي ﷺ يعلم جميع المخلوقات والموجودات وجميع أحوالهم تماما وكمالا من ماضيهم وحالهم ومستقبلهم، ولا يخفى عليه خافية، كما أنه يعلم خالقهم وبارئهم" (١)
وآخر أراد أن يسبق هذا فقال: إن النبي ﷺ الذي يعلم أحوال قلوب الجمادات والحيوانات ألا يعلم أحوال قلوب عشاقه ومحبيه" (٢).و "إن النبي ﷺ لو وضع قدمه على حيوان لعلم الحاضر والغائب، فالوي الذي يضع عليه النبي ﷺ يده كيف لا يصير عالما للشاهد والغائب" (٣).و "أن أصحاب النبي ﷺ جازمون بإطلاعه على الغيب" (٤).
وأكثر من ذلك "أن النبي ﵊ يعلم الغيوب الخمسة التي هي مخصوصة بذات الله ﵎، والتي قال عنها الرب جل مجده:
إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤]
اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٨ - ٩]
وقال جل مجده:
إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [طه: ١٥]
وقال مخاطبا نبيه ﷺ :
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧]
وأيضا قال الله :
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ [الأحزاب: ٦٣]
وقال : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام: ٢]
وغير ذلك من الآيات الكثيرة مثل وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف: ٨٥].
ووَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام: ٥٩]
والرسول ﵊ نفسه نفى هذه الغيوب عنه وعن غيره وبين أنها مختصة بالرب جل مجده لا يشاركه أحد في العلم بها، كما ورد في حديث جبرئيل المشهور ((أنه قال في جواب سائل سأله: متى الساعة؟ قال "﵊": ما المسئول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة إبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي ﷺ : إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ .. [لقمان: ٣٤])) (٥).
وقال ﵇: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غدا إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)) (٦).
стр. 3893
وأيضا ما رواه جابر ﵁ أنه قال: ((سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: تسألوني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله)) (١).
وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((خمس لا يعلمهن إلا الله، عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت)) (٢).
هذا ومثل هذه الروايات كثيرة جدا عن النبي ﷺ ، ولكن القوم يقولون عكس ذلك تماما، فها هو البريلوي يقول: لم يخرج رسول الله ﷺ إلا بعد أن أعلمه الله تعالى بهذه الغيوب الخمس" (٣).و "إنه ﷺ أوتي علم الخمس في آخر الأمر لكنه أمر فيها بالكتمان" (٤).
وقال الآخر: إن رسول الله ﷺ يعلم غيوب الماضي والمستقبل ويعلم أكثر ما في اللوح المحفوظ ويعلم علم الساعة" (٥).
وينقل عن أمثاله: يعلم محمد ﵇ ما بين أيديهم من الأمور الأوليات قبل الخلائق وما خلفهم من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب .... وهو شاهد على أحوالهم، ويعلم ما بين أيديهم من سيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وما خلفهم من أمر الآخرة وأحوال أهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما شاء من معلوماته، وعلم الأنبياء من الأولياء بمنزلة قطرة من سبعة أبحر، وعلم نبيا من الأنبياء بهذا المنزلة" (٦).
ثم يقول: لا فرق بين موته وحياته ﷺ في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم" (٧).
ويقال آخر: إن رسول الله يشاهد من المدينة العالم كله" (٨).
وكذب الآخر على نبي الله ﷺ حيث قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((علمي بعد وفاتي كعلمي في حياتي يا أهل الهدى وأولى الفضل والتقى)) (٩)(١٠).
وليس هذا فحسب، بل قال البريلوي: إن النبي ﷺ لم يكن يعلم هذه الغيوب الخمسة فحسب، بل كان يعطى هذه العلوم من شاء من خدمه" (١١).
وقال الآخر: إن المراد من قول الله وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣] هو النبي ﷺ " (١٢).
стр. 3894
ثم وهذه الغيوب الخمسة لم يعلمها النبي ﷺ وحده، بل يعلمها كثير من الناس، كما صرح بذلك البريلوي حيث قال ناقلا عن أمثاله: إن النبي ﷺ لا يخفى عليه شيء من الخمس المذكورة في الآية الشريفة، وكيف يخفى عليه ذلك والأقطاب السبعة من أمته الشريفة يعلمونها وهم دون الغوث؟ فكيف بسيد الأولين والآخرين، الذي هو سبب كل شيء ومنه كل شيء" (١).وأيضا "وكيف يخفى أمر الخمس عليه ﷺ والواحد من أهل التصرف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس فاسمعوا هذا يا منكرين ولا تكونوا لأولياء الله مكذبين، فإن تكذيبهم خراب للدين وسينتقم الله من الجاحدين وأعاذنا الله بعباده العارفين" (٢).
وقبل ذلك أثبت أيضا في كتابه: رأينا جماعة علموا متى يموتون وعلموا ما في الأرحام حال حمل المرأة وقبله" (٣).وقال واحد منهم: كثيرا ما سمعت من الأولياء يمطر السماء غدا أو ليلا فحصل كما قال .... وسمعت أيضا من بعض أولياء الله أنه أخبر ما في الرحم من ذكر وأنثى ورأيت بعيني ما أخبر وسمعت واقعة غد قبل المجيء" (٤). ومنهم الشيخ المكارم.
فقد أدرج البريلوي هذه الحكايات الوضعية الباطلة في كتابه لإثبات الغيوب الخمسة وغيرها من الغيوب له مخالفا آيات القرآن الكريم وتصريحات الرسول العظيم ﷺ فيقول بعربيته:
إن أبا المجد يقول: كنت عند الشيخ مكارم رضي الله تعالى عنه بداره على نهر الخالص، فخطر في نفس لو رأيت شيا من كراماته فالتفت إلى مبتسما وقال: سيدخل علينا خمسة أنفار أحدهم عجمي أبيض اللون أحمر، نجده الأيمن شامة بقى من عمره تسعة أشهر، ثم يفترسه أسد في البطائح ومن ثم يبعثه الله تعالى.
والآخر عراقي أبيض أشقر بعينه برجله عرج يمرض عندنا شهرا ثم يموت.
والآخر مصري أسمر، في كفه الأيسر ست أصابع، وبفخذه الأيسر طعنة رمح أصيب بها منذ ثلاثين سنة يموت بأرض الهند تاجرا بعد عشرين سنة.
والآخر شامي آدمي اللون، شئن الأصابع، يموت بأرض الحريم على باب دارك بعد سبع سنين وثلاثة أشهر وسبعة أيام.
والآخر من أرض اليمن، أبيض اللون، هو نصراني وتحت ثيابه زنار، خرج من بلاده منذ ثلاث سنين ولم يعلم به أحد ليمتحن المسلمين من يكشف منهم حاله، وقد اشتهى العراقي أوزة بارز، واشتهى المصري عسلا بسمن، واشتهى الشامي تفاحا من فاكهة الشام، واشتهى اليمني بيضا مسلوقا، ولم يجد أحد بشهوة الآخر، وستأتينا أرزاقهم وشهواتهم رغدا من كل مكان والحمد لله رب العالمين.
стр. 3895
قال أبو الحمد رحمه الله تعالى: فوالله لم نلبث إلا يسيرا حتى دخلوا خمسة كما وصف الشيخ رضي الله تعالى عنه لم يخل من أوصافهم بشيء، فسألت المصري عن طعنة فخذه، فتعجب من سؤالي، فقال: هذه طعنة أصبت بها منذ ثلاثين سنة، ثم جاء رجل ومعه تلك الأصناف التي اشتهوها فوضعها بين يدي الشيخ رضي الله تعالى عنه، فأمره فوضع بين يدي كل واحد منهم شهوته وقال لهم: كلوا ما اشتهيتهم، فأغمى عليهم، فلما أفاقوا قال قال اليمني للشيخ: يا سيدي ما وصف الرجل المطلع على أسرار الخلق، قال: أن يعلم أنك نصراني وتحت ثيابك زنار، فصرخ الرجل وقام إلى الشيخ وأسلم فقال له: يا بني كل من رآك من المشايخ فقد عرف حالك ولكن عرفوا عن إسلامك على يدي فامسكوا عن كلامك. قال: ولقد جرت الحال في وفاتهم كما أخبر الشيخ رضي الله تعالى عنه في الوقت الذي ذكره والمكان الذي عينه من غير تقديم ولا تأخير، ومات العراقي عند الشيخ في الزاوية بعد أن مرض شهراً، وكننت ممن صلى عليه، ومات الشامي عندنا بالحريم على باب طريح ونودي له فخرجت فإذا هو صاحبنا الشامي وبين موته وبين الوقت الذي اجتمعت به عند الشيخ رضي الله تعالى عنه سبع سنين وثلاثة أشهر وسبعة أيام رحمة الله تعالى، فانظر إلى هذا الذي هو خادم من خدم خدام محمد رسول الله قد أخبر في نفس واحدة باثنين وسبعين غيبا فيها ما في الصدور وأمكنة الموت وأزمنة الموت وأسباب الموت، وما يكسب غدا إلى غير ذلك" (١).
هذا ولقد كذبوا على الشيخ الجيلاني أنه كان يقول: ما تطلع الشمس حتى تسلم على، وتجيء السنة إلى وتسلم على وتخبرني بما يجري فيها، ويجيء الشهر ويسلم على ويخبرني بما يجري فيه، ويجيء اليوم ويسلم على ويخبرني بما يجري فيه، وعزة ربي، إن السعداء والأشقياء ليعرضون على، عيني في اللوح المحفوظ، أنا غائض في بحار علم الله ومشاهدته، أنا حجة الله عليكم جميعا، أنا نائب رسول الله ﷺ ووارثه في الأرض" (٢).
ومن أكاذيبهم عليه أيضا: لولا لجام الشريعة على لساني لأخبركم بما تأكلون وما تدخرون، أنتم بين يدي كالقوارير أرى ما في بواطنكم" (٣).
ويقول أحد البريلويين مناديا إياه: أيها الغوث الأعظم أنت مطلع على الصغير والكبير، وأنت تعلم ما يختلج في الصدور" (٤).
ولما فتح هذا الباب للبعض فلم لا يفتح للآخرين؟ ففعلا فتحوه على مصراعيه.
فقالوا: لا يكمل الرجل حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم ألست بربكم إلى استقراره في الجنة أو في النار" (٥).
وقال البريلوي: الكامل قلبه مرآه الوجود العلوي والسفلي كله على التفصيل" (٦).
ونقل أيضا: ليس الرجل من يقيده العرش وما حواه من الأفلاك والجنة والنار، وإنما الرجل من نفذ بصره إلى خارج هذا الموجود كله" (٧).و "ما السموات السبع والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض" (٨).
ويقول الآخر: يتطلع العبد إلى حقائق الأشياء ويتجلى له الغيب وغيب الغيب" (٩).
стр. 3896
ولقد حكى القوم حكايات باردة طويلة عريضة في هذا الموضوع، وأثبتوا أن جميع الأولياء فضلا عن الأنبياء والرسل يعلمون الغيب وحتى العامة وحتى حيواناتهم، ونسجوا أساطير كثيرة في ذلك أعاذنا الله منهم ومنها.
فهذه هي عقيدة القوم في علم الغيب الذي يثبتونه لغير الله وذلك ما قال الله وقال رسوله صلوات الله وسلامه عليه:
وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النحل: ٧٧]
ولَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [الكهف: ٢٦]
وإِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [فاطر: ٣٨]
ويَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]
وأمر نبيه ﷺ أن يقول:
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٨٨]
وقُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠]
وقال جل وعلا منبها إياه ومخبرا الخلق أنه لا يعلم الغيب:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التحريم: ١].
ونفى عنه الغيب في قوله:
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة: ١٠١]
وقال جل وعلا:
عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]
كما نفى الغيب عن الرسل قاطبة حيث قال:
يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١٠٩]
كما نفى الغيب عن ملائكته بقوله:
قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٢]
والوقائع والشواهد في هذا كثيرة لا تحصى في الكتاب والسنة من الأنبياء والمرسلين من آدم إلى نوح ومن الخليل إلى الكليم ومنه إلى خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والسيرة النبوية وأحوالها مليئة بالأمور التي تقطع جازما بأنه لم يكن يعلم الغيب وإلا فلم يحدث تلك الحوادث التي حدثت كشهادة القراء في بئر معونة وبيعة الرضوان ووقعة الإفك وتأبير النخل وحادثة العرنيين وغيرها من الوقائع والحوادث الكثيرة الكثيرة، ولكن القوم يصرون على أن الأنبياء والأولياء ليعلمون الغيب وحتى البريلوي حيث قالوا: إن أحمد رضا البريلوي كان يعرف يوم موته ووقت موته بالتحديد" (١).ولم يفعلوا هذا إلا لأن يؤلهوا البشر ويرفعوه إلى حد ليس له أن يرفع إليه، لأجل ذلك قال النبي ﷺ لأصحابه: ((لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)) (٢).
وقال: لا تطروني كما اطرأت النصارى عيسى بن مريم" (٣). ((ولما قالت جارية في المدينة: وفينا نبي يعلم ما في غد: أنكر عليها وقال ﷺ : دعي هذا، وقولي ما كنت تقولين، لا يعلم ما في غد إلا الله)) (٤).صدق الله جل وعلا وصدق رسوله ﷺ ، وكذب من قال خلاف ذلك كما قالت الصديقة بنت الصديق زوجة رسول الله ﷺ التي عاشرته، أم المؤمنين عائشة ﵂: (من حدثك أنه " ﷺ " يعلم الغيب فقد كذب وهو يقول لا يعلم الغيب إلا الله) (٥).
стр. 3897
المطلب الخامس: مسألة بشرية الرسول
ومن غرائب ما يعتقده القوم مع انتسابهم إلى الإسلام واعتقادهم في القرآن وتسميتهم أنفسهم أهل السنة عقيدتهم في النبي ﷺ بأنه نور من نور الله مع أن القرآن الكريم صرح ببشريته أكثر من مرة، وكما صرح أن الكفار في كل عصر من عصور الرسل وفي زمان سيد المرسلين لم ينكروا نبوة أولئك إلا لكونهم بشرا كما حكى الله عنهم وعن إنكارهم في كلامه بقوله:
وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤]
ثم رد الله عليه بقوله:
قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً [الإسراء: ٩٥]
وحكى عن قوم قوم سبب إنكارهم وردهم على أنبياء الله ورسله فقال عن قوم نوح وعاد وثمود إنهم أنكروا، بقوله:
قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ [إبراهيم: ١٠] فرد عليهم الرسل مقرين ببشريتهم –
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١]
كما حكى الله عن أهل انطاكية:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا [يس: ١٣ - ١٥].
وعن فرعون وملائه:
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا [المؤمنون ٤٥ - ٤٧]
وعن قوم نوح أنه إذا أرسل إليهم نوح صلوات الله وسلامه عليه:
تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: ٢٤ - ٢٥].
وعن ثمود قوم صالح ﵇ إنهم قالوا بنفس تلك المقولة فيه وهي:
مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]
وأصحاب الأيكة أيضا قوال لعشيب:
وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء: ١٨٦]
وكفار مكة قالوا بنفس ذلك القول لخاتم النبيين وسيد المرسلين:
وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ [الأنبياء: ٣]
فأجابهم الله بقوله:
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠]
قل سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء: ٩٣]
وبين للناس عامة عن جنس الرسول العظيم ﵊ حيث قال:
لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ [عمران: ١٦٤]
ولَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨]
وقال:
стр. 3898
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا [البقرة: ١٥١]
والرسول ﵊ نفسه أخبر عنه بقوله: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني)) (١).وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : ((ما كان إلا بشرا من البشر يغسل ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه)) (٢).
فقد أورد البريلوي في كتابه رواية أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من مولود إلا وفي سرته من التربة خلق منها حتى يدفن فيها، وأنا وأبو بكر وعمر خلقنا من تربة واحدة فيها ندفن)) (٣).
هذا ما قاله الله وقال رسوله ﷺ عن بشرية الأنبياء وسيد الرسل خلافا للمنكرين الذين أنكروا نبوة الأنبياء ورسالة الرسل، فإنهم لم ينكروها إلا لاعتقادهم بأن البشر لا يمكن أن يكون نبيا، أو بتعبير آخر أن الأنبياء لا يكونون من البشر، لأن النبوة منافية للبشر، فالنبوة والبشرية لا تجتمعان فإما بشرا وإمانبيا، ولأنهم كانوا يعلمون علما يقينيا أن أولئك الأخيار بشر مثلهم، ولدوا بينهم وتناكحوا وتزوجوا وتناسلوا ويمشون في الأرض ويأكلون ويشربون ويلازمهم اللوازم البشرية أنكرو نبوتهم ورسالتهم.
وأما القوم وأمثالهم من الجهلة لما ولدوا في البيئة الإسلامية وبيوت المسلمين لم يستطيعوا إنكار نبوتهم ولكنهم اعتقدوا بنفس تلك العقيدة هي المنافاة بين البشرية والنبوة، فانكروا بشرية الأنبياء والرسل، والتجئوا إلى روايات موضوعة وحكايات باطلة وأساطير مختلقة، وإلى التأويل الباطني المستعار من غلاة الروافض والإسماعيلية لآيات القرآن الحكيم وأحاديث الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه فقالوا: إن رسول الله ص نور من نور الله، وكل الخلائق من نوره" (٤).و "أن الله خلق الصورة المحمدية من نور اسمه البديع القادر ونظر إليها باسمه القاهر، ثم تجلى عليها باسم اللطيف الغافر" (٥).
وأما البريلوي فلقد كتب رسائل عديدة في أثبات نورانية محمد ﷺ ، منها: رسالته التي سماها "صلاة الصفا في نور المصطفى" فلقد كتب في مقدمتها بعربيته العجيبة: اللهم لك الحمد يا نور، يا نور النور، يا نور قبل كل نور، ونور يعد كل نور، يا من له النور، وبه النور، ومنه النور، وإليه النور، وهو النور، صل وسلم وبارك على نورك المنير الذي خلقته من نورك وخلقت من نوره الخلق جميعا، وعلى أشعة أنواره، آله وأصحابه وأقماره أجمعين" (٦).
стр. 3899
وأدرج فيها رواية موضوعة باطلة ونسبها إلى الحافظ عبدالرزاق أنه أخرجها في مصنفه مع أنها لم ترد فيه، والرواية هذه: قال رسول الله ﷺ : لجابر: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول جملة العرش ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء الحديث بطوله" (١)(٢).
وعلق عليها بقوله: وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول، وإن تلقى الأمة بالقبول هو ذلك الشيء العظيم الذي لا حاجة للسند بعده" (٣).
فلا ندري أية أمة يقصدها البريلوي؟
إن يريد من الأمة أمثاله من الذين يتبعون الجهل والزيغ والاعوجاج فلا يضر، وإن يريد من الأمة علماءها والمهرة الحذقة في الحديث فلا وجود لتلقيهم بالقبول هذه الرواية ثم ومن قال بان تلقى الأمة بالقبول لرواية يجعلها في مرتبة لا ينظر إلى أسنادها؟،
وكيف وأن الرواية بظاهرها تعارض نصوص القرآن الصحيحة والأحاديث الثابتة من بشريته ﷺ ، والواقع أيضا يعارضها حيث أن النبي ﷺ ولد في بيت عبدالله بن عبدالمطلب، وولد يتيما أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:٦]، وربي في خديجة وعائشة وزينب وحفصة وغيرهن عليهن شابيب الرحمة والرضوان، وشب وترعرع في مكة المكرمة واكتهل وهاجر إلى طيبة، وولد له الأولاد من إبراهيم والقاسم والطيب والطاهر، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وكان له أرحام وأصهار من أبي بكر وعمر وأبي سفيان ومن أبي العاص وعثمان علي رضوان الله عليهم أجمعين، وكان من أعمامه حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب، ومن عماته صفية وأروى وله الأقارب من الحسب والنسب.
فما قيمة تلك الروايات الواهية أمام هذه النصوص والوقائع؟
ثم القوم ازدادوا في جهالاتهم فقالوا: إن محمد ﷺ ليس بعين الله، ولا هو غير الله، هو مظهر صفات الله، محيى الأرواح، منه خلق الجن ومنه الإنس، ومنه ظهر العرش والكرسي، ومنه حواء ومنه آدم ﷺ " (٤).والملائكة أيضا كما ذكر البريلوي: الملائكة شرر تلك الأنوار لأنه قال: من نوري خلق كل شيء" (٥).
ويقول: إن في مرتبة الوجود ليس إلا ذات الحق والباقي كله عكسه وظله، وكذلك في مرتبة الإيجاد إلا ذات محمد ﷺ والباقي كله عكس فيضه وفي كماله" (٦).و "هو روح الأكوان وحياتها وسر وجودها ولولاه لذهبت وتلاشت" (٧).
وقال أيضا في بداية رسالته التي ألفها لإثبات كونه نورا ولا ظل له ولا في اسم – نفي الفي عمن أنار بنوره كل شيء –
стр. 3900
قال فيها: الحمد لله الذي خلق قبل الأشياء نور نبينا من نوره وفتق الأنوار جميعا من لمعات ظهوره، فهو ﷺ نور الأنوار وممد جميع الشموس والأقمار، سماه ربه في كتابه الكريم نورا وسراجا منيرا، فلولاه لما استنارت شمس، ولا تبين يوم من أمس، ولا تعين وقت الخمس" (١).
ونقل من أئمته: إن ظله كان لا يقع على الأرض وإنه كان نورا، فكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا ينظر له الظل" (٢).
وقال في قصيدته التي سماها قصيدة النور: إنك نور وكل عضو من أعضائك نور وكل ولد من أولادك نور، أنت عين النور وأصلك كلهم نور" (٣).
ولأجل ذلك ذلك قال أحد البريلويين في بيت شعر في الأردية ونريد نثبته ههنا قبل ترجمته:
وهي جو مستوى عرش تها خدا هوكر ... اتر برا مدينه مين مصطفى هوكر
أي أن الذي كان مستويا على العرش بصورة الآله.
هو الذي نزل في المدينة بصورة المصطفى.
وأما معنى كونه نورا من نور الله فيقول الشيخ البريلوي: إن الله لم يبين لنا كيفية كونه نورا من نوره، ولا سبيل لنا إلى معرفته بدون الله فهو من المشتابهات التي أمرنا بالإيمان عليها بلا خوض فيها" (٤).
هذا ولما عرضت عليهم الآيات التي فيها تصريح لبشريته ﵊ قالوا: يعلم من لفظة "قل" لا يجوز لأحد أن يقول: بشر مثلكم غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " (٥).لأن التقول ببشرية الرسل هو من دأب الكفار" (٦).
فهذا هو القوم وهذه هي معاندتهم لتعاليم الإسلام الصافية الصحيحة ومكابرتهم للحق الواضح ومخالفتهم للآيات البينات أعاذنا الله منها ومنهم، فمن يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له.
стр. 3901
المطلب السادس: مسألة الحاضر والناظر
ومن أخص المعتقدات التي يعتقدها البريلويون هي ما يخالفه العقل والعقل من كون الرسول ﷺ حاضراً في كل مكان ناظراً كل شيء بالمعنى الذي لا يطلق حتى وعلى الخالق المتعال العليم الخبير جل وعلا، فيقول البريلويون: لا يخلو مكان ولا زمان إلا والرسول ﷺ موجود فيه" (١).
وقال: لا يستبعد من رسول الله ﷺ أن يكون حاضرا موجودا في الأمكنة المتعددة التي لا تعد ولا تحصى، بوجوده المقدس بعينه" (٢).
ويقول الآخر ناقلا عن أئمته: مدام الولي حاضرا وناظرا في كل مكان وزمان فلم لا يكون النبي كذلك، فقال: ولا تباعد عن الأولياء حيث طويت لهم الأرض وحصلت لهم أبدان مكتسبة متعددة وجدوها في أماكن مختلفة في آن واحد" (٣).و "الرسول ﵇ له الخيار في طواف العالم مع أرواح الصحابة ولقد رآه كثير من الأولياء" (٤).
ونقل عن الآخرين من أمثاله: النظر في أعمال أمته والاستغفار لهم من السيئات، والدعاء بكشف البلاء عنهم، والتردد في أقطار الأرض والبركة فيها، وحضور جنازة من صالحي أمته، فإن هذه الأمور من أشغاله ﷺ " (٥).
ويقول البريلوي نفسه: إن الأولياء يستطيعون الحضور في عشرة آلاف مدينة في آحد واحد وثانية واحدة إن شاؤا وأرادوا" (٦).
وأما الأنبياء؟ فقال: إن روح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاضر في بيوت أهل الإسلام" (٧).و"إن نظرة رسول الله ﷺ على كل ذرة من ذرات العالم في كل حين، وإنه يحضر تلاوة القرآن وقراءة المولد وقراءة القصائد كما إنه يحضر جنازة الصالحين بجسمه الأطهر" (٨).
ويقول: إن رسول الله ﷺ شاهد خلق آدم وما جرى عليه من الإكرام ثم إخراجه من الجنة بسبب مخالفته أمر الله وما تاب الله عليه إلى آخر ما جرى عليه من الأمور، وإنه شاهد خلق إبليس وما جرى عليه .... وإن الروح المحمدي لما قبض عن آدم الذي كان فيه لم يضل ولم ينس ما بقى فيه، وبعد قبضه جرى عليه ما جرى من النسيان وما تبع" (٩).
ويقول الآخر:
إنه ﷺ ليس بحاضر موجود فحسب بل: إن أهل الله يرونه بأعينهم الحسية في حالة اليقظة في الأوقات الكثيرة" (١٠).وإن أهل البصيرة يرون رسول الله ص حتى في صلواتهم" (١١).
ويقول أيضا: إن نبي الله ﷺ حي بجسده وروحه وإنه يتصرف حيث يشاء في أقطار الأرض وأطرافها وفي الملكوت وهو بهيتة التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وإنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي كان عليها ﷺ لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص بالرؤية المثالية" (١٢).
ويقول البريلوي: إن كرشنا الكافر كان يحضر في مئات الأمكنة في آن واحد وهذا مع كفره فلم لا يستطيع الأولياء حضورهم في أمكنة متعددة؟ " (١٣).
стр. 3902
وقال الآخر: إن رسول الله ﷺ كان حاضر رسالة كل رسول وما وقع من لدن آدم إلى أن ظهر بجسمه الشريف" (١).
وهذا مع قول الله لنبيه بعد ما حكى وقائع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص: ٤٤]
وأيضا:
وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص: ٤٥]
وكما قال:
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٤٦]
وقال لنبيه بعد حكاية قصة مريم:
وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤]
وقبل ذلك بين له أخبار نوح ويوسف فقال:
تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]
ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢]
وحكى الله في كتابه بذهاب نبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بقوله:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الإسراء: ١]
أي أنه ذهب به إلى المسجد الأقصى حيث لم يكن هناك من قبل وإلا لم يخبر بذهابه هناك، ولم يتعجب به قومه.
وقال جل من قائل:
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]
أي أخرجوه من مكة وذهب بأبي بكر إلى الغار وبعد خروجه لم يكن في مكة وقبل خروجه لم يكن في الغار.
وقال:
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣]
إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ [الأنفال: ٤٢]
أي نصر الله رسوله عند نزوله ببدر وفي العدوة الدنيا عند نزول الكفار في العدوة القصوى حيث خرج من المدينة مع أصحابه الثلاث مائة وثلاث عشرة مجاهد ولم يكن في المدينة بعد خروجه كما لم يكن في البدر قبل خروجه إليها،
وقال:
َقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨]
فكان هذا في الحديبية في العام السادس بعد الهجرة حيث لم يكن في المدينة كما لم يكن في مكة ولم يكن في الحديبية موجودا قبله ولم يبقى فيها بعد رجوعه إلى المدينة وقال:
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتح: ٢٧]
أي لتدخلن فيه حيث لم تكن موجودا فيه من قبل،
стр. 3903
وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة والوقائع اليومية التي كانت تحدث في حياته ﷺ من وجوده في الحجرة الشريفة وانتظار الصحابة إياه في المسجد، وخروجه من البيت ووجوده في المسجد، وعدم وجوده في المسجد عند وجوده في السوق، وعدم وجوده في المدينة عند وجوده في الحنين، ووجوده في تبوك وعدم وجوده في المدينة، ووجوده في العرفات وعدم وجوده في مكة والمدينة في حجة الوداع وغير ذلك من الحوادث الظاهرة والأمور الجلية التي لا خفاء فيها إلا لمن أعمى الله بصره فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
وهذا مع قول البريلويين: إن رسول الله ﷺ حاضر وناظر في كل مكان وزمان – مع القول -: لا يجوز استعمال لفظة الحاضر على الله " (١).وذلك مع هذا – "أن رسول الله ﷺ يعلم أحوال جميع الموجودات والمخلوقات ولا تخفى عليه خافية" (٢).
وأيضا: إن رسول الله ﷺ يرى جميع الدنيا بعينه المباركة" (٣).وأنه ﵊ ليس ببعيد عن أحد ولا غير خبير بأحد" (٤).
والبريلوي قال: لا فرق بين موته وحياته ﷺ في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وذلك عنده جلى لا خفاء" (٥).
ويقول: ابكوا أيها الوهابيون! لأن نبي الله ﷺ حاضر وناظر ولم يحدث في العالم شيء ولا يحدث إلا ويراه ويشاهده، فهو حاضر في كل مكان وناظر كل شيء" (٦).
ومادام رسول الله ﷺ حاضرا وناظرا فللبريلوي حق أن يكون كذلك، وفعلا قالوا: إن أحمد رضا البريلوي حيٌّ موجود اليوم بيننا ويعيننا ويغيثنا" (٧).
فليبك على الإسلام من كان باكيا
فهذا هو دين القوم وذلك هو دين الله القيم الذي جاء به محمد ﷺ والذي قال عنه بأمر من ربه:
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨]
ووَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣]
وهل من مفكر ليتفكر ومتدبر ليتدبر؟
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤]
المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير- ص٥٥
стр. 3904
المبحث الخامس: تعاليم البريلوية
إن للبريلويين تعالم خاصة بهم كما أن لهم عقائد مخصوصة يمتازون بها من فرق أهل السنة عامة، ومن فرق الأحناف خاصة، وكل هذه التعاليم تدور حول الأكل والشرب باسم التبرك والتعظيم لأنه لم يؤسس هذا المذهب إلا لسلب الأموال من الجهلة والسذج من الناس، وجلب المنافع للأحبار والرهبان، ولم تكون هذه الشريعة إلا للنهب والغصب باسم القرابين والنذور من المتبعين والمريدين، فاقدي الشعور والعقل، وأسارى الغفلة والجهل، المخدوعين بكرامات الأولياء وشعوذة الماكرين.
فقادة البريلوية وزعماءها جعلوا الدين متجرا لم يحتاجوا إلى وضع رأس المال فيه، وربحوا أرباحا مضاعفة بدون زيادة عناء وكثرة جد وجهد وكلفة وتعب أكثر مما يربح بها أصحاب رؤوس الأموال الباهظة بمشاكل ومتاعب، فأمروا ببناء المقابر والمشاهد وجعلوا أنفسهم سدنتها، ثم أجبوا تقديم النذور والقرابين إليها ليحتجزوها ويدخروها ويتكاثروا بها، ثم أقاموا عليها الأعياد والأعراس وفرضوا على الناس الحضور فيها والمجيء إليها بالسجايا والسجاجيد والقناديل والشموع والزيت والعطور والحلوان والستائر والقرابين وما إلى ذلك من الأشياء ليزدادوا بها مالاً وغنى، واخترعوا ضرائب كثيرة على الحياة والممات وفرضوها على المغفلين الذين ينفقون ويضيعون، ويقترفون الآثام بدل أن يحرزوا أجرا وثوابا، وللمحافظة على تجارتهم هذه أعموا أبصارهم وصموا آذانهم وختموا على قلوبهم كي لا تتفلت من أيديهم هذه الأغنام المدرارة الساذجة فحرموا عليهم الاستماع إلى من الموحدين، والمتبعين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإصغاء إليهم، والمجالسة معهم، والاختلاط بهم، والحضور في خطباتهم واجتماعاتهم، والنظر في كتبهم، كي لا يعقل المغفل، ويتنور من أحيط بالظلام، ويتعلم من رغب عن الجهل فقال قائلهم: حرام على المسلمين أن يقرؤا كتب الوهابيين وأن ينظروا فيها" (١).و "من جالس الوهابية أو اختلط بهم لا يجوز مناكحته" (٢).
وغير ذلك:
ولم تكن هذه الاحتياطات كلها إلا للحافظ على جهالاتهم ومناصبهم النافعة المفيدة في آن واحد، ولكن من أراد الله دايته والخير به فلم يمنعه هذا الحصار لأن يخرج من الظلمات إلى النور وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ [النور: ٤٠].
....... واخترع القوم اختراعات أخرى باسم الدين لإرواء غلتهم وإشباع بطونهم الجائعة التي لا تشبع قبل انفجارها
ومنها الأعياد على قبور الأولياء والصالحين التي تسمى بالأعراس، ومحافل الميلاد، والفاتحة، وطعام اليوم الثالث والسابع والحادي عشر والسابع عشر والحادي عشر والسابع عشر والأربعين وغيرها فإن العارف يعرف بأول وهلة أن ليس المقصود من هذه الأشياء كلها إلا التجارة ولو كانت خاسرة في الدنيا والآخرة واكتساب الرزق ولو حارما، والضحك على السذج والمغفلة الذين يظنون بأن أمواتهم يغفرون بهذه الأشياء ولو كانوا مسيئين مذنبين، وكانوا يعصون الله ورسوله ويرتكبون الفسوق والفجور ويقترفون الكبائر والإثم، ويشركون بالله ويهجرون كتابه، فإن إقامة الأعياد على القبور والحضور في مجالس الميلاد وقراءة الفاتحة وإطعام المشايخ وأئمة المساجد الطعام تنجيهم من عذاب النار والجحيم، وتدخلهم جنات تجري تحتها الأنهار.
стр. 3905
فقالوا: إن أولياء الله هم أبواب رحمة الرب وينبغي طلب الرحمة من الأبواب. ولأجل ذلك تزار المشاهد والمقابر حتى تؤخذ الرحمة، كما أن زكريا ﵇ دعا عند ولية من أولياء الله مريم ليهبه الله ولدا صالحا هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران: ٣٨] لأن الدعاء عند الأولياء يقبل" (١).
وأيضا: إن الأعياد على القبور سبب لحضور الناس عند الأولياء وهي من شعائر الله، والله حرّض المؤمنين على تعظيم الشعائر وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢] وفيها فوائد لا تعد ولا تحصى" (٢).
وقال تلميذ البريلوي: إن عرس الأولياء وقراءة القرآن والفاتحة والوعظ وإيصال الثواب موجب للبركات لأن الأولياء أحياء في قبورهم وقد زادت قوة علمهم وإدراكهم وسمعهم وبصرهم" (٣).
وقال الآخر: إن الأعراس والأعياد على القبور يعني اجتماع الناس على قبور أهل الله ومشاهدهم في يوم معين سنة سيد الأنبياء .... ومن ثم طبخ الطعام وتنوير المقام وبسط الفرش سبب للبركات وموجب للثواب وإنها لثابتة بالشريعة ومن سنة رسول الله ﷺ ، ومخالفتها مخالفة الرسول" (٤).إن الصلاة في مشاهد الأولياء ومزاراتهم للاستظهار والاستمداد بأرواحها للحصول على أثر من آثار عباداتهم يمين القبور أو يسارها موجب لنزول البركات وحصولها" (٥).
هذا،"وأما قول الوهابية أن تقبيل القبور شرك فهو من غلوهم ومبالغاتهم" (٦). وأن النذر لغير الله لا تدخل في العبادة ولا يصير الإنسان مشركا مادام لا يعبد غير الله، فإن الشرك أن يعتقد أن غير الله معبود وأما دون ذلك فلا يقال أنه شرك وفاعله أو قائله مشرك" (٧).
وأما طواف القبور فإنها جائز مستحب عند القوم: ولا بأس إن طاف حول القبر لحصول البركات" (٨)."لأن قبور الأولياء من شعائر الله المأمور بها التعظيم" (٩).وأخيرا: إن العرش "أي العيد على القبر في يوم معين مخصوص" سمى عرسا لأن ذلك اليوم يزور الأولياء عروس الكون أي محمدا ﷺ ، لأنهم يوم وفاتهم يزورونه ويرونه" (١٠).
ثم أفتى أحد علماء القوم: لا تجوز الصلاة إلا من يقيم الأعراس ويقرأ الفاتحة وأما المخالفين لهذه الأشياء فلا صلاة خلفهم" (١١).
- هذا ومن تعاليم البريلوية زيارة الآثار والحث عليها والتبرك بها سواء صحت نسبتها أم لا تصح لأنها أيضا تسبب كسب المال بخداع المسلمين، فلقد كتب البريلوي عبدالمصطفى أحمد رضا رسالة مستقلة في إثباتها والتحريض عليها باسم "بدر الأنوار في الآداب بالآثار".
وقال مقدم هذه الرسالة: إن آثار الأولياء هي من شعائر الله، ومن آيات الله التي أمر الله بتعظيمها والتبريك بها" (١٢).
وأما البريلوي نفسه فكتب: إن الذي ينكر تعظيم آثار الأنبياء والتبرك بها فإنه منكر القرآن والسنة وجاهل خاسر، وضال فاجر" (١٣).
стр. 3906
ونقل من أحد متبوعيه أنه قال: ومن إعظامه وإكباره ﷺ إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه أو عرف به" (١).هذا وما دام يعظم آثار النبي. فآثار الأولياء والصالحين والعلماء تعظّم أيضا ويتبرك بها لأنهم ورثوا بركاته وفيوضه" (٢)."ولا يحتاج أن يطلب دليل وسند لصحة نسبة هذه الآثار إلى أصحابها ويكفي في ذلك أن تكون نسبتها مشهورة بين الناس" (٣).
وكيف تعظّم هذه الآثار ويتبرك بها؟ بينها البريلوي في رسالة أخرى، أن يبوس هذه الآثار ويقبلها لأنه دستور أهل الحب والولاء ومسطور في كلمات الأئمة والعلماء مثل منائر المدين وجدرانها ولو لم تكن في زمن الرسول ﵊، وبنيت وأحدثت بعده ولم تتشرف بمسه ورويته ولكنها واقعة في بلدته – ثم استدل بكلمات أئمته كما صرح، وأول إمام له هو مجنون بني عامر – ولله در من قائل:
أمر على الديار ديار سلمى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
ثم استدل بإمامه الآخر فإنه قال:
وجدير لمواطن استملت تربتها على جسد سيد البشر ﷺ مدارس ومساجد ومشاهد ومواقف أن تعظم عرصاتها وتنسم نفحاتها وتقبل ربوعها وجدرانها.
وعليّ عهد أن ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات
لأغفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات
وحتى عتبات قبور الأولياء وأبوابها كما صرح البريلوي في رسالته هذه" (٤).
وأنها سبب الفوز والنجاة:
فبادر والثم الآثار منها ... بقصد الفوز في يوم الحساب (٥)
وماذا كان يعمله مشركو مكة وكفار الجزيرة أو غير هذا أو أكثر من ذلك؟
ولكن القوم تجاوزوا الحدود وسبقوهم حيث قالوا: لا يجوز تقبيل جدران المدينة والقبور وآثار الأنبياء والصلحاء والعلماء فحسب بل يجوز أيضا تقبيل صور هذه الأشياء وأمثالها وتماثيلها بل ويجب، فيقول البريلوي: إن الأرفع والأعلى والأجلى بأن علماء الشريعة والأئمة المعتمدين طبقة عن طبقة عن الشرق والغرب، من العرب والعجم كانوا يصورون النعال المطهرة والروضة المعطرة لسيد البشر ويمثلونها ويسطرونها في الكتب ويقبلونها ويضعونها على العيون والرؤوس وكانوا يأمرون به" (٦)."وكانوا يتوسلون بها "أي هذه التمائيل والصور" في دفع الأمراض وحصول الأغراض ويتحصلون بها عظيم البركات وجليل المنافع" (٧).
والمنافع التي تحصل منها يبينها البريلوي نفسه بقوله: من يوجد عنده صورة النعل يحفظ من ظلم الظالمين وشر الشياطين وحسد الحاسدين وإن أمسكتها المرأة بيدها اليمنى في مخاضها سهلت عليها الولادة، ومن حفظها عنده والتزمها عظم في أعين الخلق وحصلت له زيارة الروضة المقدسة أو زيارة رسول الله ﷺ في منامه، وإن احتفظها العساكر لا يهزمون والقوافل لا ينهبون، وإن وضعت في السفن لا تغرق وفي الأموال لا تسرق، وأية حاجة يتوسل بها تقضى، ولأية نية تعلق توفي، ومواضع المرض والوجع لو وضعت عليها تشفى، ومن المصائب والآلام المهلكة تنجي" (٨).
стр. 3907
ونقل من أئمته في هذه الخرافات التي لا تقل عن خرافات الجاهلية الأولى أنهم قالوا: ألثم التراب الذي حصل له النداوة من أثر النعل الكريمة إن أمكن ذلك وإلا فقل أمثالها" (١)."ومن فوائد ذلك أن من لم يمكنه زيارة الروضة فليزر أمثالها وليلثّمه مشتاقا لأنه ناب مناب الأصل كما قد ناب مثال نعله الشريفة منابة عينها في المنافع والخواص بشهادة التجربة الصحيحة، ولذا جعلوا له من الإكرام والاحترام ما يجعلون للمنوب عنه" (٢).
وأيضا:"من فوائد ذلك أن يزور الأمثال من لم يتمكن من زيارة الروضة ويشاهدها مشتاقا ويلثمها ويزداد فيها حبا وشوقا وقد استنابوا مثال النعل عن النعل وجعلوا من الإكرام والاحترام ما للمنوب عنه وذكروا له خواصاً وبركات" (٣).
وبعد ذلك كتب آداب زيارة هذه التماثيل والصور بعد بيان حقيقة هذه الأشياء."وإنها من المعظمات الدينية، وتعظيمها وتكريمها على وجه الشريعة من مقتضيات إيمان صحيح الإيمان" (٤).ويجب على من يزور هذه الآثار أو أشياء تدل على تلك الآثار أن يتصور الرسول ذا النور ﷺ ويصلي عليه بكثرة وكثرة .... وكذلك من يزور شبيه الروضة المباركة فليعظمه ويكرمه ويكثر الصلاة والسلام مثلما كان يفعل عند زيارة الأصل" (٥).
ثم بيّن فضائل ومناقب تقبيل هذه التماثيل والصور ونقل فيها أبياتا منها:
لمن قد مس شكل نعال طه ... جزيل الخير في يوم المآب
وفي الدنيا يكون بخير عيش ... وعزفي الهناء بلا ارتياب
وفي مثلك يا نعال أعلى النجبا ... أسرار بها شهدنا العجبا
من صاخ خده به مبتهلا ... قد قام له ببعض ما قد وجبا (٦)
وفمن قبلتها مثل نعل كريمة ... بتقبيلها يشفى من اسمه استشفى
فقبله لثما وامسح الوجه موقفا ... بنية صدق تبلغن ما كنت مضمرا" (٧)
ومن سوء أدب القوم في جناب الله أنهم يوقرون مثال النعل ويعظمون المقابر والمشاهد ولكنهم ليسيئوا إلى حضرة الرب جل وعلا حيث يقولون: يجوز كتابة اسم الجلالة في تمثال النعل – ثم استدل برواية – أن الأئمة كانوا يكتبون في ظهور النعال" (٨).
وبعد هذا كله أظهر ما لأجله روج هذه الأشياء وأمر بتعظيمها وبتكريمها والتبرك بها وهو الأكل والشرب والكسب فقال:
"ويستحب للزائر أن يقدم النذور إلى من يأتي بهذه الآثار الشريفة للنبي ﷺ أو للولي المكرم المعظم فيثاب المهدي والآخذ لإعانة المسلمين حيث أعان المزور الزائرين بزيارة هذه الآثار وأعان الزوار المزور بتقديم النذور إليه مصداق قول الرسول ﵇: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه".قال: وقال ﷺ : الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وخاصة حينما يكون أصحاب الآثار والتبركات من الأشراف الكرام، لأن خدمتهم سبب لحصول الأجر والبركات" (٩).
فهذا هو دين القوم وهذه هي تعليماتهم ضد تعليمات ذلك النبي الكريم ﵊ الذي منع أصحابه وأمته من المبالغة حتى في ذاته ﷺ حيث قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)) " (١٠).
стр. 3908
وعلى ذلك كتب الملا على القارئ الحنفي: أنه ألجأ هؤلاء على هذا الغلو اعتقادهم أنه يكفّر عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة وكلما غلوا كانوا أقرب إليه فهم أعصى الناس لأمره وأشدهم مخالفة لسنته، فيهم شبه ظاهر من النصارى غلوا على المسيح أعظم الغلو وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة" (١).
وقال ﵇: ((لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا)) (٢).
وقال ﷺ : ((لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبدالله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله)) (٣).
فهل يرضى ويتصور في دينه الذي جاء به عن خالق الكون رب السموات والأرض أن تعظم تلك الصور والأمثال والتماثيل وتلك الشبيهات التي لم تأت شريعة السماء إلا لإبطالها وهدمها والرد عليها.
معاذ الله أن يكون كذلك ولكن أنى لهؤلاء الناس أن يتوجهوا إلى تعاليم القرآن ومن نزل عليه القرآن.
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥]
صدق الله العظيم.
واخترعوا للأكل والشرب مسألة غريبة وبدعة قبيحة وهي إن مات شخص ولم يصل ولم يصم فيمكن إدخاله الجنة بتقديم الطعام إلى الأحبار والرهبان غير كثير، عن كل صوم نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، وكذلك عن كل صلاة، ومن جاء ليتاجر بالجملة فيرخّص له خصوصا حيث جعلوا له الحيلة، وإليكم بيان ذلك من كتب القوم الذين نسوا ما قال الله في محكم كتابه:
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: ١٠]
وقال الله :
وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى النجم: ٣٩ - ٤٠ [.]
وقال وهو أصدق القائلين:
وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤].
وقال:
يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: ٩]
ولكن القوم يقولون ضاربين صفحا عن كلام الله الحق وعن تعاليم الرسول الصادق الأمين ﵇ ويقولون:
стр. 3909
إن وارث يقول عن الميت الذي لم يكن يصلى ولا يصوم هكذا: كل حق من حقوق الله لزم على ذمة هذا الميت من الفرائض والواجبات والمنذورات وغير ذلك، بعضها أدى وبعضها لم يؤد فالتي أدى قبل الله بفضله وبجاه سيد الأنبياء والمرسلين واستدعاء هذه الجماعة الحاضرة من المسلمين والتي لم يؤد وبقيت على ذمته فبعضها قابلة للفدية وبعضها ليست بقابلة لها، فالذي بقابلة لها غفرها الله تعالى له وتجاوز عنه والتي قابلة للفدية وبقيت في ذمته أعطيت في فديتها هذا المصحف الشريف مع هذا النقد والجنس" (١).أو "وهبت هذا المصحف الشريف مع هذا النقد والجنس لإسقاط ما على ذمة هذا الميت من الصلاة والصيام وغير ذلك" (٢).
وإن كان شخص لم يصل ولم يصم في حياته كلها؟ فيقولون يحسب على الميت بحسب مدة عمره بعد إسقاط اثنتي عشرة سنة للذكر وتسع سنوات للأنثى لأنها أقل مدة بلوغها فيجب عن كل شهر نصف عزارة بالمد الدمشقي ولكل سنة شمسية ست عزائر" (٣).
ولكن يصير بهذا الحساب وزنا غير قليل وصاعات كثيرة، فما الحيلة؟ فقالوا: يأخذ مقدار الحدود ويدفع ذلك المقدار للفقير فيسقط عن الميت بقدره، ثم يهبه الفقير للولي ثم يدفعه للفقير فيسقط بقدره، ثم يهبه الفقير للولي ويقبضه ثم يدفع الولي للفقير حتى يسقط ما كان على الميت من صلاة وصيام" (٤).ولو لم يترك المال "يستقرض وارثه نصف صاع مثلا ويدفعه للفقير ثم يدفعه الفقير للوارث ثم وثم حتى يتم" (٥).
ويصرحون بتسمية هذا الخداع بالحيلة حيث يقولون: فالحيلة لإبراء ذمة الميت عن جميع ما عليه أن يدفع ذلك المقدار اليسير بعد تقديره بشيء من صيام أو صلاة أو نحوه ويعطيه للفقير بقصد إسقاط ما يرد عن الميت ثم بعد قبضه يهبه الفقير للولي أو للأجنبي ويقبضه ثم يدفعه الموهوب له للفقير كجهة الإسقاط متبرءاً به عن الميت ثم يهبه الفقير للولي" (٦).
فهكذا باع القوم آخرتهم بدنياهم وحرضوا الناس على عدم العمل وترك الصلوات والصوم والأعمال التي عليها مدار النجاة حسب تعاليم الله جل وعلا وإرشادات رسول الله ﷺ وما دام دخل القوم في الحيل فوصلوا إلى أقصاها فقالوا: أسهل طريقة أن يبيع الوارث على الفقير مصحفا صحيحا قابلا للقراءة بغبن فاحش ثم يهب الفقير له ثم فثم حتى يستتم لعل الله يجعله فدية في مقابلة الصوم والزكاة والمنذورات" (٧).
ولا يسعنا إلا أن نقول نعم إنها حيلة ولكنها حيلتكم لأكل أموال الناس بالباطل.
وهناك الحيل الأخرى نستعيذ بالله منها ومن موجديها.
ومن تعليمات القوم التي ابتدعوها واخترعوها باسم الشريعة وروّجوها في المسلمين باسم الإسلام وفسّقوا وكفروا كل من يعارضهم ويخالفها، تقبيل الإبهاميين في الأذان عند استماع اسم الرسول ﵊،
стр. 3910
فكتب البريلوي في إثباتها رسالة مستقلة التي أدرجت في فتاواه "منير العين في حكم تقبيل الإبهامين" قال فيه: عن الخضر ﵇ أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبدالله ﷺ ويقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه لم يرمد أبدا" (١).
وكتب أحد غيره: من قبل إبهاميه عند سماع اسم رسول الله ﷺ في الأذان ووضعها على عينيه فحصل على الفوائد الدينية والدنيوية وأثيب على ذلك وقد عمل به الصحابة وعليه عمل عامة المسلمين، ولقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع اسمي في الأذان ووضع إبهاميه على عينيه فأنا طالبه في صفوف القيامة وقائده إلى الجنة)) (٢).
فانظر إلى القوم وجرأتهم على التقول والكذب على رسول الله ﷺ الذي قال: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) (٣).
لأن الرواية الأولى نقولها عن المقاصد الحسنة للسخاوي والسخاوي نفسه كتب قبل إيرادها في كتابه:
وكذا ما أورده أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد المتصوف في كتابه (موجبات الرحمة وعزائم المغفرة) بسند فيها مجاهيل مع انقطاعه عن الخضر".
فهل بعد هذا كله يجوز الاستدلال بها مع وجود اسم الخضر ومع ما في وجوده من الكلام، والرواية الثانية ليس لها أثر ولا رسم وما أدري من أين جاء بها وهذا مع قول العلماء في مثل هذه الروايات كلها:
الأحاديث التي رويت في تقبيل الأنامل وجعلها على العينين عند سماع اسمه عن المؤذن في كلمة الشهادة كلها موضوعات".
والسخاوي نفسه قال بعد بيان جواز العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف: وأما الموضوع فلا يجوز العمل به بحال" (٤).وذكر كل من السخاوي والسيوطي والعلي والقاري ومحمد طاهر الفتني والشوكاني وغيرهم أن مثل هذه الروايات كلها غير ثابتة" (٥).
ولكن البريلوي مع ذلك يقول: إن الذي ينكر تقبيل الإبهامين فإنه يرد إجماع الأمة ويتبع غير سبيل المؤمنين الذي وعد الله عليه بالوعيد المؤكد وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] (٦).
وقال: لا يمنع عن هذا إلا من يفتري على الشريعة ويحترق من اسم النبي ويحسده وتعظيم النبي بجميع أنواع التعظيم الذي ليس فيه مشاركة الله تعالى في الألوهية أمر مستحسن عند من نوّر الله أبصارهم" (٧).
ومن أكاذيب القوم ومحدثاتهم الكثيرة الكبيرة التي لا نهاية لها – لأنهم بنوا بناءهم على المحدثات والمخترعات التي لم ينزل الله بها من سلطان ولم يرد فيها ثبوت من رسول الله ﷺ –
إنهم يقولون: أن يكتب هذا الدعاء "لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله إلا الله له الملك والحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أو بسم الله الرحمن الرحيم" ويوضع على صدر الميت – ثم؟ "من كتب هذا الدعاء وجعل بين صدر الميت وكفنه في رقعة لم ينله القبر ولا يرى منكرا ونكيرا" (٨).
стр. 3911
وأيضا: من كتب على جبهة الميت أو عمامته أو كفنه "عهد نامه" يرجى أن يغفر الله للميت، وأوصى بعضهم أن يكتب في جبهته وصدره بسم الله الرحمن الرحيم ففعل ثم رؤي في المنام فسئل فقال: لما أودعت في القبر جاءتني ملائكة العذاب فلما رأوا مكتوبا على جبهتي قالوا: أمنت من عذاب الله" (١).
وكتب بريلوي آخر: إن "عهد نامه" هذا يكتب كي يتذكر الميت عند سؤال المنكر والنكير الجواب لأنهما عندما يسألانه يقرأ المكتوب ويجيب عليهما" (٢).
ومن ميزاتهم التي يمتازون بها عن الآخرين وحتى الأحناف أنهم يلتزمون محدثات الأمور ويصرون عليها ويشتمون تاركها ويسبونه ويطعنون فيه ويتهمونه بالوهابية.
ولا غرو أن متبعي الكتاب والسنة يطعنون ويبغضون من قبل الخرافيين وأهل البدع والأهواء وأصحاب الزيغ والضلال.
ومن هذه الميزات والتعاليم التي ألزموها على مقلديهم ومتبعيهم الدعاء بعد صلاة الجنازة مخالفين الكتاب والسنة، والفقه الحنفي أيضا، فيقول البريلوي: الذي يمنع عن الدعاء بعد الجنازة هو يتمسك بالمخالفة الصريحة للفقه الحنفي ولكن النجدية قوم يجهلون" (٣).
وأما ما ورد من منع القيام بعد صلاة الجنازة في الفقه الحنفي فقال عنه: إن المراد منه المداومة" ثم استدل على ذلك ببيت شعر خبيث للطعن على المخالفين وبعبارة خبيثة فيقول:
إن المراد من القيام المداومة كما بيناه في الفتوى الأولى ومنه قول القائل:
ولا يقوم على ذلك يراد به ... إلا الأذلان غير النجد والوتد
ليس المراد بأن حمار النجد عند إرادة ذل به يقوم ولا يقعد بخلاف غيره فإنه يقعد، وإنما أراد أن الحمار النجدي يدوم ويصبر على الذل ويرضى به" (٤) ....
فهذه هي تعاليم البريلوية مخالفة صريح الاختلاف لتعاليم الكتاب والسنة وتعاليم الحنفية أيضا أوردناها وأثبتناها من كتب القوم أنفسهم بذكر الصفحات والمجلدات.
المصدر: البريلوية عقائد وتاريخ لإحسان إلهي ظهير- ص١١٣
стр. 3912
المبحث السادس: البريلوية وتكفير المسلمين
فإن القوم قد حصروا الإسلام في الجماعة التي تعتنق بدعتها ومخترعاتها. وتعترف بإمامة قادتها ومشيختها، ويدينون في الله بأنه متعطل متقاعد لا يملك شيئاً وقد سلم قدرته واختياره لأولياء الأمر وأصحاب الطرق وعباده. الذين يعدونهم هؤلاء صالحين، وهم أصحاب القدرة المطلقة والخيارات الإلهية والطاقات الصمدية، فالله ينزل من عرشه لزيارتهم، والكعبة تطوف حولهم. والملائكة خدم لأبوابهم والسماء مطوية بأيمانهم والأرض مقبوضة بشمائلهم، والسحب تنزل بأوامرهم، والأرزاق تقسم بإشارتهم، فهم يملكون الموت والحياة والبعث والنشور، وإحياء الموتى والسماع لمن في القبور وإغاثة الملهوفين وكشف كرب المكروبين ونصر المستغيثين ومدد المضطرين – عياذا بالله – وغير ذلك من الخرافات والترهات كما مر بيانها.
فعلى الجميع أن يسفّه رأيه ويحجر عقله ويغلف قلبه ويقول بهذا القول ويعتقد بهذا المعتقد وإلا فقد خرج عن الإسلام والإسلام البريلوي بتعبير صحيح. فأهل الحديث كفرة فجرة مرقوا عن الدين لأنهم قالوا باتباع الكتاب الذي أنزله الله على سيد البشر هدى للناس ورحمة للمؤمنين، واتباع سنة رسول الله ﷺ ، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فإنهم بتمسكهم بهذين الأمرين ضلوا وأضلوا لأنهم لم يدخلوا فيهما إطاعة أحمد رضا البريلوي ولا أذنا به وعملائه متمسكين بقول رسول الله ﷺ ، "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله" (١).
وقالوا إن الله لم يأمر في كتابه إلا إطاعته وإطاعة رسوله ﷺ في الآيات الكثيرة الكثيرة ونورد منها ثلاثة فقط.
وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢]
وأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢٠]
ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [محمد: ٣٣]
فلم يذكر فيها لا أحمد رضا ولا غيره ولم يلزمهم الإيمان به.
وكيف لا يكفرون وهم يدعون إلى كتاب الله وسنة رسول الله، والكتاب لا يشملهم والسنة لا توافقهم.
وأتباع محمد بن عبدالوهاب كفرة وفسقة لأنهم كفروا ببدعاتهم وخرافاتهم واعتقادهم بإلوهية رب العرش العظيم وبإمامة سيد المرسلين.
والديوبنديون مرتدون مارقون عن الدين خارجون عن الإسلام لأنهم لم يؤمنوا بالقصص التي اختلقوها والأساطير التي اخترعوها والخرافات التي جعلوها دينا وشريعة.
والندويون أنجاس مشركون لأنهم لم يبايعوا البريلوي ولم يذعنوا بإمامته وقيادته. ولم يتفوهوا بأقاويلهم وخزعبلاتهم، وكيف لا يمرقون عن الدين وهم يجعلون الفقه الحنفي حكماً بينهم وبين القوم. ومع ادعاء القوم أنهم أحناف فالفقه الحنفي يناوئهم ويخالفهم.
وشعراء الإصلاح في شبه القارة الهندية وكتابه وأدباؤه والدعاة إليه ضالون مضلون لأنهم بدعوتهم المسلمين إلى الإصلاح يبعدونهم عن التقاليد العتيقة والعادات القديمة والرسوم الجاهلية والأفكار الوثنية الهندوكية من عبادة الأوثان والقبور والركوع والخشوع أمام العتبات والدهاليز وأبواب المزارات، والخوف من الشجر والحجر والظل والقط والسنور وغير ذلك من الخرافات.
стр. 3913
وزعماء التعليم فجرة ملاحدة لأنهم بتعليمهم الأمة الإسلامية يبددون ظلام الجهل. ويعممون نور العلم في أناس توارثوا العبودية للمشيخة المتزعمين الولاية والتقرب إلى الله والشفاعة للخلق.
والساسة ومحرروا الأمة من أغلال الاستعمار كفرة وملاعين لأنهم لا يريدون فقط تحرير الأراضي الهندية الباكستانية من براثين الإنجليزي الغاشم وكسر قيود المستعبدين المستضعفين، بل ومع ذلك يريدون أن يحرروهم من سجن وقيد المستغلين المترفين والمستبدين باسم الدين.
وحملة لواء الجهاد وعلم القتال في سبيل الله بغاة طغاة ومباحوا الدم لأنهم ينفثون روح الجهاد في الضعفاء والمساكين يخرجونهم عن خانقاهاتهم وتكاياهم ويصرفونهم عنهم وعن الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر. ويحرضونهم على الإنفاق في سبيل الله لشراء الأسلحة ورباط الخيل بدل الإنفاق في المواليد والأعراس والأعياد على القبور.
ودعاة الحكومة الإسلامية والخلافة النبوية والإمارة الشرعية أصحاب زيغ وضلال لأنهم يرشدون الناس إلى دولة إسلامية غير دولتهم التي أقاموها في حجراتهم والخلافة التي يوزعونها في تكاياهم والإمارة التي يقيمونها في زواياهم.
فهؤلاء جميعا فسقة فجرة، كفرة مرتدون، خارجون عن الدين، مارقون عن المذهب لأنهم يكفرون بالبريلوي ومن وافقه ولا يؤمنون بعقائده ومعتقداته. فلم يسلم من هؤلاء البريلويين شخص قام بكل هذه الأمور المذكورة أو اعتقد ما ذكرناه سابقا سواء كان من شبه القارة أو خارجها وسواء كان من المتأخرين أو من المتقدمين ولا أظن أن طائفة من الطوائف وفرقة من الفرق المنتمية إلى الإسلام وسعت التكفير إلى حد وسعه البريليون. فإنهم كفروا كل من اختلف معهم في صغيرة أو كبيرة، في عقيدة أو في رأي وحتى كفروا كل من لم يوافق على تكفيرهم الأشخاص بعيانهم وذواتهم ولو لم يختلفوا معهم لأن عدم الموافقة غير مسموح به في مناهجهم فضلا عن الاختلاف، والمعروف أن عدم الموافقة أخف بكثير من المخالفة والاختلاف، فإنهم كفروا كثيرا من الناس الذين كانوا معهم في معتقداتهم العامة وعقائدهم الخاصة اللهم إلا أنهم لم يوقعوا على الوثائق والمستندات التي أعطوها لمخالفيهم كشهادة الكفر والارتداد ولم يوافقوهم على التصريح بتكفيرهم وبتعبير صحيح لم يتقولوا بمقولتهم في أولئك الأشخاص المعينين ولو أنهم كانوا متفقين معهم لمخالفتهم أفكارهم ومعتقداتهم، فقالوا، إن من تردد وتأخر في تكفير من كفرناه أو شك في كفره فقد كفر. فإن العالم الحنفي الكبير الشيخ عبدالباري اللكنهوي الذي كان متفقاً معهم في كثير من المعتقدات ومؤيدا لهم ومناصرا لآرائهم كفروه وصرح بتكفيره السيد البريلوي نفسه بسبب أنه تذبذب في التصريح بتكفير بعض العلماء الأحناف المخالفين له وللبريلويين في الرأي (١).
فقال البريلوي: إن كفره صريح وبواح، ثم أردف فتواه بفتاوى أخرى تحوم حول تكفير الشيخ عبدالباري وقد جمع ابنه جميع فتاواه في كتاب مستقل (الطاري الداري لهفوات عبدالباري).
وما أكثر ما يقوله هو وذووه بعد تكفير من يكفرونه من المسلمين، من شك في كفره فقد كفر.
وهذا ما شهد به السيد عبدالحي اللكهنوي والد السيد أبي الحسن علي الندوي الكاتب الإسلامي المشهور، فإنه قال في كتابه في ترجمة أحمد رضا البريلوي:
стр. 3914
كان متشددا في المسائل الفقهية والكلامية، متوسعاً ومسارعاً في التكفير قد حمل لواء التكفير والتفريق في ديار الهند في العصر الأخير، وتولى كبره وأصبح زعيم هذه الطائفة تنتصر له وتنتسب إليه وتحتج بأقواله وكان لا يتسامح ولا يسمح بتأويل كفر من لا يوافقه على عقيدته وتحقيقه أو من يرى فيه انحرافا عن مسلكه ومسلك آبائه، شديد المعارضة، دائم التعقب لكل حركة إصلاحية.
انعقدت حفلة "مدرسة فيض عام" سنة ١٣١١ في كانبور حضرها أكثر العلماء النابهين، وهي الحفلة التي تأسست فيها ندوة العلماء، ومن أكبر أغراضها توحيد كلمة المسلمين وإصلاح ذات البين بين علماء الطوائف وإصلاح التعليم الديني، وحضرها المفتي أحمد رضا المترجم وخرج منها وقد قرر محاربة هذه الجمعية فأصدر صحيفة سماها "التحفة الحنفية لمعارضة ندوة العلماء".
وألف نحو مائة رسالة وكتاب في الرد عليها، وأخذ فتاوى العلماء في أنحاء الهند وتوقيعاتهم في تكفير علماء الندوة في كتاب سماه (إلجام السنة لأهل الفتنة) وأخذ على ذلك توثيق علماء الحرمين ونشره في مجموعة (فتاوى الحرمين برجف ندوة المين) سنة ١٣١٧هـ.
ثم انصرف إلى تكفير علماء ديوبند كالإمام محمد قاسم نانوتوي والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي والشيخ خليل أحمد السهارنفوري ومولانا أشرف علي التهانوي ومن والاهم، ونسب إليهم عقائد هم منها براء، ونص على كفرهم وأخذ على ذلك توثيقات علماء الحرمين الذين لا يعرفون الحقيقة ونشرها في مجموعة سماها "حسام الحرمين على منحر أهل الكفر والمين" قال فيها: من شك في كفرهم وعذابهم فقد كفر واشتغل بهذا الرد والنقص والمحاربة والمعارضة لا تأخذه في ذلك هوادة ولا يعتريه وهن حتى أصبح التكفير شغل الناس الشاغل وكانت مضاربات ومحاكمات وفتن ومشاغبات" (١).
ولم يكن هو وحيداً في أسلوبه وشأنه هذا. بل كل واحد من طائفته انتهج منهجه وسلك مسلكه وذهب مذهبه، فكفروا كل العالم وأخرجوا المسلمين من الإسلام متربعين على مساندهم وجالسين على عروشهم بعد ما أدخل رسول الله ﷺ ومن تبعه الكفرة في الإسلام مع تحمل الشدائد والآلام والأذى وقطع العوائق التي تحول بينه وبين ذلك.
فكان هو ومتبعوه مدخلوا ملة الكفر في الإسلام وهؤلاء مخرجوا الملة الإسلامية من الإسلام، فكفروا أهل الحديث بدون جريمة ارتكبوها وبدون إثم اقترفوه اللهم إلا أنهم اختاروا موقفاً رأوه مطابقا للكتاب والسنة ودعوا المسلمين إلى نبذ الخلافات ورفع النزاعات بردها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حسب توجيه الله وإرشاده، َإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء: ٥٩].
وقالوا إن الله لم يوجب على أمة محمد ﷺ إلا طاعته وطاعة نبيه ﵊، وأما ما سواهما فلم يرد نص فيه لا في القرآن ولا في السنة اللهم إلا أن يوجد قول موافق لهذين الأصلين الأساسيين، وبهذا أمر الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه حيث قال: ((تركت فيكم أمرين كتاب الله وسنتي لن تضلوا ما تمسكتم بهما)) (٢)، وأما ما ورد من الآخرين، من العلماء والمشايخ فينظر إن كان له أصل فيلتفت إليه وإلا يضرب به على الحائط.
стр. 3915
كما أنهم قاوموا البدعات والخرافات التي دخلت على المسلمين من الوثنيين والهندوس باسم الإسلام، وقالوا إن الدين قد كمل في عهد رسول الله ﷺ بشهادة الله .
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣].
فكل شيء أحدث في الإسلام ولا يؤيده آية من كتاب الله أو أمر من رسول الله فهو مردود. ((من أحدث في أمرنا هذا فهو رد)) (١).وقال: ((فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) (٢).
ولو كان ذلك من الدين أو من المستحسن لما ترك الله بيانه ورسوله ﷺ تفصيله، فعدم وروده ووجوده في الكتاب والسنة يدل على أنه ليس من الدين، ولو كان من الدين ولم يرد ذكره فيهما لما كان الدين كاملا.
فرأى القوم أن أعيادهم على القبور وأعراسهم على الأموات وملاهيهم وملاعبهم ورقصاتهم على الطبول والدفوف وسماعهم الأناشيد والقصائد على الناي والمزامير التي أصبغوها بصبغة دينية بطلت، وأن دكاكينهم التي فتحوها باسم التكايا والزوايا وإغاثة الملهوفين وإمداد المكروبين وشفاء المرضى ووهب الأولاد وتقسيم التمائم والعلائق عطلت، وإن الطرق ومشيختها دمرت، وحلوان الكاهن راحت وذهبت فانكبوا على منكريهم ومخالفيهم على أهل الحديث الذين يريدون أن يحرروا الناس من أغلالهم التي وضعوها عليهم وأن يفكوهم ويخلصوهم من مكائدهم وحبائلهم التي فرشوها منذ أجيال لاصطيادهم، فكفروهم وكفروا أعلامهم وعلمائهم، ودعاتهم ووعاظهم دعاة الكتاب والسنة، دعاة الحق والهدى، دعاة الصدق والصفا، وعلى رأسهم رائد حركة أهل الحديث وقائدها المجاهد الباسل الفارس البطل العالم الكامل والشهيد الشاه إسماعيل حفيد الشاه ولي الله الدهلوي، الذي حمل لواء الجهاد ضد الاستعمار الإنجليزي والسيخ الذين استولوا على البلاد المسلمة ونفذوا فيها الكفر وأباحوا دماء المسلمين.
стр. 3916
وحمل لواء الإسلام لإقامة دولة إسلامية في جزء من الأراضي الهندية لتنفيذ الشريعة الإسلامية الغراء بحذافيرها وكان مجدداً للدعوة الإسلامية الصحيحة ومحييا الطريقة السلفية المستقيمة التي اختفى صوتها منذ قرون واضمحلت وتلاشت تحت البدعات المتراكمة والخرافات المكدسة وتغيرت بالطريقة الخلفية الخبيثة حتى صارت القبور تعبد وتسجد إليها وعليها والمساجد خربت من الهدى والهداة وخلت من العباد والرواد، والتكايا عمرت وازدهرت، وعبادة الله وحده تركت، وحدود الله عطلت، وشريعة الله نبذت، وسنة رسول الله ﷺ غلبت بأقاويل الرجال وأفعال المتصوفة الجهلة، واشتريت الضلالة بالهدى واختيرت الظلمة بالنور، فقام وقاوم وجاهد بقلمه ولسانه وبيده وسيفه، فأخرج الكتاب وبدأ يعلمه ويفسره ويوضحه ويبينه، ودعا الناس إلى الهدى بنوره والتمسك بتعاليمه بعد أن كان مغلفا في الغلف الحريرية وموضوعا للتبرك والتقبيل أو الحلف واليمين، فكتب في ضوء الكتاب كتابه المشهور (تقوية الإيمان) داعيا الناس إلى عبادة الله وحده والتوحيد الخالص والاجتناب عن الشرك والاستغاثة بغير الله من المشايخ وأصحاب القبور، ومنع الناس عن النداء لغير الله والحلف به ودعاهم إلى الكتاب وإلى مبين الكتاب محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ونبذ التقليد الآبائي والجمود المذهبي كما دعاهم إلى ساحة القتال لإعلاء كلمة الله ورفع رايته وإقامة الدولة الإسلامية يحكم فيها بكتاب الله وسنة محمد ﷺ وارتحل هو وذووه وتلامذته وملبوا دعوته إلى ساحة الجهاد، فكان وكانوا يقاتلون في سبيل الله ويعرضون أنفسهم على الأسنة والسيوف آناء النهار، ويقومون بالدرس والتدريس لكتاب الله القرآن المجيد وأحاديث رسول الله ﷺ آناء الليل فلما جنح الليل تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ولما أسفر الصبح يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، فكانوا قوامين بالليل صوامين بالنهار، وهم كانوا مصداق قول الله ، إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١١١].
وكفروا بعده وريث دعوته وجهاده المحدث الجليل والعالم النبيل شيخ الطائفة المنصورة في عصره الرباني من سلالة الرسول الشريف نذير حسين الدهلوي الذي حمل لواء السنة في شبه القارة الهندية الباكستانية، وبدد غيوم الجهل والضلالة ونوره بنور الكتاب والسنة، وجلس مسند الشاه ولي الله الدهلوي ونقح تعليماته وهذب وجدد شوق الهنديين إلى الكتاب والسنة بعد ما أعرض عنهما الجامدون وطووا عنهما كشحا، وأحيا العمل بالحديث بعد ما طال الأمد على تركه، ونشط وأنشط تلامذته في نشر الحديث الشريف في ربوع هذه القارة، وبلغ صيته وشهرته الآفاق، وتفوه العالم بروح وريحان السنة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام حتى قال أحد علماء مصر السيد رشيد رضا. ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر لقضي عليها بالزوال من أمصار الشرق (١).بعدما كتب: حتى أن من المقلدين الجامدين من لا يرى لهذه الكتب فائدة إلا التبرك بها والصلاة على النبي عند ذكره وذكرها (٢).
стр. 3917
فكفر البريلوي وأذنا به هذين الإمامين الهمامين، كما كفر أتباعهم متبعي السلف أهل الحديث وخاصة الأول منهما فلم يجد في لغته شتيمة إلا وقذفه بها ولا طعنا إلا جرحه به، وكتب رسالة مستقلة في إثبات كفره حسب زعمه وسماها "الكوكبة الشهابية على كفريات أبي الوهابية" فيقول في عربيته المكسرة:"يا أيها المنافقون المردة الفاسقون الزاعم كبيركم أن مدح الرسول كمدح بعضكم بعضا بل أقل منه في حسباتكم قد بدت البغضاء من أفواهكم وما تخفي صدوركم أكبر والله مخرج أضغانكم استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله وتعظيم الرسول وقد نطق القرآن بخذلانكم زاد فاءكم الشيطان نقطا من شينه وقاعدكم التدوير من دائرة نونه فأراكم تقوية الإيمان في تفويت إيمانكم، ما كان ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما الله بغافل عن كفرانكم" (١).
ثم قال رداً على سؤال السائل: إن الوهابيين غير المقلدين وإمامهم الذي ذكر كفره قطعاً ويقينا من وجوه كثيرة وحسب تصريحات الفقهاء وأصحاب الفتاوى الأكابر والأعلام ﵏ الملك المنعام أن حكم الكفر ثابت عليهم وقائم ولا ينفعهم كلمة التوحيد ولا ينفى عنهم الكفر .... وقد أقر هؤلاء وأمامهم في كتابه (تقوية الإيمان) الذي يعدونه مثل القرآن بكفرهم الصريح والظاهر" (٢).
وينقل كلام الشهيد الدهلوي من كتابه (تنوير العينين):
ليت شعري كيف يجوز التزام تقليد شخص معين مع تمكن الرجوع إلى الروايات المنقولة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصريحة الدالة على خلاف قول الإمام فإن لم يترك قول إمامه ففيه شائبة من الشرك وقول أتباع شخص معين بحيث يتمسك بقوله وإن ثبت على خلافه دلائل من السنة والكتاب" ثم يقول:"وهذا من كفرياته فلذلك كفر" (٣).أي كفر الشهيد الدهلوي لأنه يرى أن التزام التقليد الشخصي لا يجوز مع تمكن الرجوع إلى أحاديث النبي ﷺ التي تدل على خلاف قول الإمام، وإن ترك السنة لا يجوز مقابل قول شخص من الأشخاص فهذا هو كفر في نظر البريلوي، وإن كان هذا كفر فلا ندري ما هو الإسلام؟ (٤)
فيا عجباه أن تكون الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله كفراً والدعوة إلى غيرهما إسلاماً.
فليبك على الإسلام من كان باكيا
ومثل هذه الوجوه التي بلغ عددها السبعين كفر البريلوي ذلك الإمام المجاهد محيي السنة وماحي البدعة الشهيد وقال في آخر رسالته:
إن تكفيره وتكفير أتباعه الوهابيين يجب فقها لأنهم ينسبون إلى محمد بن عبدالوهاب النجدي فكان معلمهم الأول فكتب كتابه (التوحيد)، و (تقوية الإيمان) ليس إلا ترجمته في اللغة الأردية. فإمامهم كان الشيخ النجدي فقبل مذهبه إسماعيل الدهلوي وترجم كتابه باسم (تقوية الإيمان) الذي ليس حقيقة إلا تفوية الإيمان، فبالنسبة إلى معلمهم الأول هم الوهابيون وبالنظر إلى معلمهم الثاني هو الإسماعيليون، فثبت أن هؤلاء الوهابيين الإسماعيليين وإمامهم يلزمهم الكفر جزما وقطعا ويقينا من وجوه كثيرة وإنهم كلهم مرتدون بل كفرة (٥).
وقال: إن إسماعيل الدهلوي كان كافرا محضا (٦).
стр. 3918
وسئل مرة، ماذا ينبغي أن يعتقد في إسماعيل الدهلوي؟ فأجاب: إن اعتقادي أنه مثل يزيد، وإن كفّره أحد فلا يمنع من تكفيره (١).
ولم يجد شتيمة إلا وقد شتمه بها، وفي إحدى كتبه قال: إن رسول الله ﷺ يعلم علم ما كان وما يكون، وهذا ما يعتقده أئمة ديننا لم يختلف فيه أحد إلا ذلك المتمرد الطاغي وعبدالشيطان اللعين – يعني إسماعيل الدهلوي –" (٢).وأيضا قال: إنه كان يهودي الأفكار" (٣).هذا، وأما كتابه (تقوية الإيمان) فقالوا في حقه: إنه ليس تقوية الإيمان بل إنه تفوية الإيمان وقال: إن تفوية الإيمان هو القرآن الكاذب لدين الوهابية" (٤).وأيضا: إن محمداً ﷺ أوصل القرآن الدهلوي الجديد "تقوية الإيمان" الجحيم (٥).ويقول إن مصنفات إسماعيل الدهلوي مثل "تقوية الإيمان" و "تنوير العينين" و "إيضاح الحق" و "الصراط المستقيم" كلها تصانيف كفرية، كما أنها أنجس من البول ومن لم يعتقد ذلك – فماذا؟ " فإنه زنديق (٦).
ثم ولم يقتنع بهذا كله ولم يشبع ولم يعده كافيا حسب طبيعته ومزاجه فقال: إن قراءة تقوية الإيمان أشد جرمة من الزنا وشرب الخمر" (٧).
... ثم تبعه في تكفير هؤلاء الكرام البررة ومن والاهم أتباعه وأذنابه، فقال قائلهم: إن أهل الحديث أتباع نذير حسين الدهلوي وأمير أحمد السهسواني وأمير حسن السهسواني وبشير حسن قنوجي ومحمد بشير قنوجي كلهم كفرة قطعا ويقينا بحكم الشريعة المطهرة ومرتدون مستحقون العذاب الأبدي الشديد ولعنة الرب الوحيد" (٨).وقال في مقام آخر: "وأتباع ثناء الله الأمر تسري وغيرهم"، كلهم كفرة مرتدون بحكم الشريعة المطهرة" (٩).
وقالوا في شيخ الإسلام والمسلمين في زمانه ووكيل الملة الإسلامية ومدافعهم ومناظرهم الذي سماه الشيخ رشيد رضا المصري:"الرجل الإلهي في الهند" (١٠).
والذي ألجم السكوت جميع الفرق الباطلة والمناوئة للإسلام والشريعة السماوية الغراء من القاديانية والآرية والهندوس والمجوس والمسيحيين وغيرها من الفرق الكافرة والمنحرفة قالوا فيه: إن ثناء الله ورئيس غير المقلدين "السلفيين أهل الحديث"، مرتد" (١١).
وقال البريلوي نفسه في حق شيخ الإسلام: إن ثناء الله الأمرتسري تستر باسم الإسلام ولكنه عبد للهندوس" (١٢).
ومدام الشهيد الدهلوي كافرا والمحدث الدهلوي كافرا أيضا وتلامذتهم ومنتهجوا منهجهم لزم أن يكون قادتهم الأولون وزعماؤهم المتقدمون، الدعاة إلى الكتاب والسنة كفرة مرتدون أيضا – معاذ الله –
стр. 3919
وفعلاً كفر الأولين أيضا مثل شيخ الإسلام والإمام الهمام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، وإمام أهل العصر الحافظ ابن حزم الأندلسي الظاهري، وغيرهما من دعاة الحق وهداة الصدق فقال: إن معلم هؤلاء الناس إبليس الخبيث عليه اللعن، علم مقتداهم ابن حزم فاسد العزم فاقد الجزم ظاهري المذهب رديء المشرب" (١).وقال: إن ابن حزم كان صابيا خبيث اللسان" (٢).
وقال في شيخ الإسلام إمام أهل السنة ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن ابن تيمية كان يهذي جزافا" (٣).
وقال نعيم الدين المراد آبادي أحد خلفاء البريلوي: إن ابن تيمية أفسد نظم الشريعة – ثم نقل عن أحد من أمثاله – ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمّه وأذله .... وإنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال" (٤) ".
وقال آخر من أتباعه،"ابن تيمية ضال مضل" (٥).و "ابن تيمية كان فاسد المذهب" (٦).
وابن القيم كذلك حيث قال:"إنه لا اعتماد على قول ابن القيم لأن ابن القيم كان ملحدا" (٧).
ومادام هؤلاء كانوا صائبين ملحدين لزم أن يكون الإمام الشوكاني السالك مسلكهم كذلك فقال:"وإن الشوكاني عقله ناقص مثل متأخري الوهابية" (٨)."وأن الشوكاني كان فاسد المذهب" (٩).
وأما مجدد الدعوة السلفية في شبه الجزيرة، وإمام أهل التوحيد محيي السنة، قاطع الشرك والبدعة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب وأتباعه فكانوا الهدف الأكبر للبريلوي والبريلويين كإخوانهم البدعيين والقبوريين في البلاد العربية، لأنه لا يوجد بدعي أو قبوري في العالم إلا ويرى الشيخ أكبر حجر في طريقه، والسد المنيع في سبيله.
ولم يجد البريلوي وأذنابه لفظة سوء إلا أطلقوها على ذلك الإمام المظلوم، ولا فتوى إلا وأفتوا به عليه.
فقال البريلوي: وقد كتب حديثا أن الله يقول يوم القيامة لمن اسمه أحمد ومحمد، أدخلا الجنة فإني أكتب على نفسي أن لا أدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد – ثم تذكر أن هذه الرواية تشمل شيخ الإسلام ابن عبدالوهاب الذي اسمه محمد – فقال: إن هذا الحديث ومثله أحاديث أخرى ((من ولد له مولود فسماه محمدا هو ومولوده في الجنة)) (١٠). وغيره لا يشمل إلا أهل السنة صحيحي العقيدة "أي البريلويين فقط"، لأن فاسدي المذهب كلاب جهنم، ولا يقبل عمل منهم فإنه لو قتل مظلوما بين الحجر والمقام وقد صبر على قتله راجيا المغفرة وطالبا الثواب لا ينظر الله إليه ويلقيه في الجحيم، وبهذا صرحت في فتاواي في مواضع عديدة، وعلى ذلك ليس في هذه الأحاديث بشارة لمحمد بن عبدالوهاب النجدي وغيره الضالين" (١١).
стр. 3920
وقال:"إن أخبث المرتدين هم الوهابيون" (١).و "إن الوهابيين أخبث وأضر وأنجس من اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس" (٢).ويقول: إن الوهابيين المنسوبين إلى ابن عبدالوهاب النجدي الذي كتب (كتاب التوحيد) وأهان الحرمين الطيبين زادهما الله شرفا وتكريما، وشن عليهما الغارات وأوقع فيهما الشر والظلم والقتل، فكان يعد جميع أهل الإسلام غير فرقته الخبيثة مشركين فيجب تكفيرهم فقها، وإن طائفته من فروع الخوارج الذين خرجوا على سيدنا ومولانا علي كرم الله وجهه الكريم، ودخل الجحيم من ذي الفقار لأسد الله القهار قاتل الكفار الذين ورد الحديث فيهم أنهم لا ينقطعون إلى قيام الساعة حتى يخرج آخرهم مع الدجال اللعين، فبموجب هذا الوعد الصادق لا يزال هذا القوم المغضوب عليهم يثيرون الفتن، فخرجوا في القرن الثالث عشر من ديار نجد واشتهروا باسم النجديين وكان إمامهم الشيخ النجدي، حتى كسر الله شوكتهم وخرب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ١٢٣٣هـ (٣).
ويقول في جواب سائل سأله هل الفرقة الوهابية كانت موجودة في عهد الخلفاء الراشدين؟ قال: نعم! هؤلاء الذين خرجوا على عليّ ﵁ ... والآن وقد خرجوا باسم الوهابيين وإمامهم ابن عبدالوهاب النجدي وردت علائمهم في الحديث وهي موجودة فيهم بأسرها تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، وأعمالكم عند أعمالهم، يقرأون القرآن لا تجاوز طراقيهم؟ - هكذا – يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق مشمري الأزر، وكان النجدي ابن عبدالوهاب مغاليا في التحليق حتى لو أن امرأة دخلت في دينه النجس كان يحلق رأسها لأنها من باقيات زمان الكفر" (٤).
وغير ذلك من الخرافات."وكان أبوهم في زمن النبي وقد أمر النبي الصديق والفاروق بقتله ولو قتل لما كان لهم اليوم فتنة" (٥).
وكتب أحد أذنابه أن الرسول ﷺ تنبأ عن هذه الفتنة النجدية بقوله: هناك زلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان، وإن كل أهل السنة والأحناف على وجه الأرض متفقون مجمعون قاطبة أن محمد بن عبدالوهاب كان خارجيا باغيا ومن اعتقد بعقائده فهو عدو للدين وضال مضل" (٦).وقال بمثل هذا القول أمجد علي الرضوي البريلوي أيضا في كتابه (٧).وقال واحد آخر وقد فاق أوائله من الأفاكين الكذابين في الاتهام والبهتان: إن الوهابيين النجديين قتلوا الخلائق بدون إثم في الحرمين الشريفين وزنوا بنسائهم وبناتهم وأسروهم وجعلوا نساءهم إماء، وأكثروا قتل الأشراف ... وما فعله ابن سعود في الحرمين الشريفين هو واضح وظاهر على كل حاج وقد رأيت هذا بعيني هناك" (٨).
وهذا مع نبوءة البريلوي "أن النجديين لا يتسلطون على الحرمين وإن الله كسر شوكتهم وخذلهم".
стр. 3921
ومظهر البريلوي لم يترك كلمة خبيثة إلا وقد استعملها في حقهم: النجديين الملاحدة، وزنادقة نجد، وأبالسة نجد كفرة مرتدون لعقائدهم الخبيثة والملعونة قطعياً" (١).
وقال في حق إمام الجامع ببمبئ أحمد يوسف الذي استقبل أبناء العال السعودي في بومبي حينما زار الهند قال فيه: إن أحمد يوسف المردود استقبل أبناء ابن سعود، ومدح الحكومة النجدية وابن سعود النجدي وأبناءه، الحكومة التي تعتقد عقائد الكفر النجسة الخبيثة. ووقر الكفرة المرتدين واستقبلهم وعظم الملة النجدية الخبيثة، وبذلك كفر وارتد، واستحق الغضب الإلهي وهدم الإسلام والسنة، وحرك العرش الإلهي، ومن شك في كفره فهو أيضا كافر" (٢).
هذا والشتائم والتكفير والتفسيق لشيخ الإسلام وأتباعه والحكومة السعودية شيء يسير عند البريلوي والبريلوية.
ولا نرى أحدا أغضب هؤلاء القوم مثل ما أغضبهم الموحدون المؤمنون بكتاب الله والمتمسكون بسنة رسول الله ﷺ فإنه لا يوجد كلمة مؤلمة وشتيمة خبيثة إلا ويستعملونها خلاف هؤلاء الناس، وكتب أكابرهم وأصاغرهم بالرد على هؤلاء الناس كتب كثيرة وقليلا ما يوجد فيها شيء غير ذلك من الوعظ والنصيحة للمسلمين وتحريضهم على عبادة الله وأداء حقوق العباد وحسن المعاشرة وطيب الخلق ومراعاة حقوق الآخرين وغير ذلك من الأمور التربوية الإسلامية، كما أن كتبهم خالية عن الرد على الفئات الخارجة عن الدين والباغية على الإسلام، كالقاديانية والهندوكية والنصارى والبابية والبهائية والباطنيين والروافض وغير ذلك من الطوائف.
فالباحث والقارئ يرى العجب العجاب حينما يتفحص كتب القوم ويجد أنها مليئة من أقذع الفواحش وأقبح الشتائم لمصلحي الأمة وهداتها، ولا يجد كلمة ضد أعداء الإسلام والمسلمين وضد أعداء الله ورسوله الكريم ﷺ .
فهذا هو دأب القوم وهذه أحوالهم مع أهل الحديث ومع أتباع شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب.
وأما الديوبنديون إخوتهم الأحناف المقلدون للإمام نعمان بن ثابت أبي حنيفة الكوفي ﵀ فهم أيضا لم يسلموا من قساوة قلبهم، وحدة لسانهم، وشدة فتاويهم من التفسيق والتكفير، ومن شتائمهم القذرة، ولعناتهم الكثيرة المتتالية المتعالية المتراكمة، بل هم الذين صاروا أكبر رمية لألسنتهم المشرعة ولأرماحهم المشحذة ولأسهمهم المطلقة، فلم يتركوا واحدا من كبيرهم وصغيرهم إلا وفسقوه وكفروه وأفتوا بإلحاده وارتداده، وفي ارتداد من يشك في ارتدادهم، وكفر من يتردد في تكفيرهم فبدأ بتكفيرهم البريلوي، ولا زال آخر واحد من البريلويين يكفرهم، ويكفر من يتأخر من كفرهم .....
فقال البريلوي في الديوبنديين عامة:"ومن شك في كفر الديوبنديين فإنه كافر أيضا" (٣).
وليس هذا فحسب بل أكثر من ذلك:"من صلى خلف أحد الديوبنديين فإنه أيضا ليس بمسلم" (٤) هذا "وكل من يعتقد باعتقادهم فهو كافر مرتد" (٥) "ولم يبرد غضبه إلى هذا الحد حتى تجاوز جميع الحدود وقال: من يمدح دار العلوم ديوبند أو لا يعتقد بفساد الديوبنديين ولا يكرههم يكفي هذا بأن يحكم عليه بعدم الإسلام" (٦).
стр. 3922
ثم ازداد في قهره وغضبه فقال:"التعامل مع الديوبنديين في حياتهم ومماتهم كمعاملة المسلمين حرام، حتى استخدامهم بالأجرة أو خدمتهم بالأجرة حرام، ويجب التباعد عنهم" (١)."وحرام أن يعطى لهم لحم الأضحية" (٢).
وقال آخر من أتباعه وطائفته:"إن الديوبنديين مبتدعون ضالون وهم شرار خلق الله" (٣).
وآخر قال:"إن الديوبنديين يدعون الإسلام فهم كفرة مرتدون لئام بحكم الشريعة المطهرة" (٤).
وما أكثر ما أكفرهم في كتابه هذا.
وإلى أيّ حد بلغ كفرهم وارتدادهم؟ قال البريلوي نفسه: إنهم أكفر من الهندوس والمسيحيين والقاديانية، فقال:"إن كان هناك اجتماع للهندوس والنصارى والقاديانية والديوبنديين فينبغي أن يركز الرد على الديوبنديين فقط لأنهم خرجوا عن الإسلام وارتدوا عنه، فالوفاق مع الكفار أولى من الاتفاق مع المرتدين" (٥)."وإن كتب الديوبنديين أنجس من الكتب المختلفة للهندوس، وأما الشك في كفر أشرف علي الديوبندي والشبهة في عذابه فهو كفر أيضا وأما الاستنجاء بها "أي بكتب الديوبنديين" فلا يجوز لا لتعظيم كتبهم، بل لتعظيم الحروف التي كتبت بها" (٦).
وقال واحد آخر:"إن كتب الديوبنديين جديرة أن يبصق عليها، بل ويبال فيها، ولكن البول عليها ينجس البول ويخبثه، اللهم أعذنا من إبليس وأولاده "أي الديوبنديين" آمين" (٧).
هذا ما قاله البريلوي وأمته البريلويون في الديوبنديين نقلنا من كتبهم وعباراتهم أنفسهم.
- وأما الندويون "أي تلامذة دار العلوم ندوة العلماء وأساتذتها والمتعلقين بها والقائمين عليها".
فلم يكن حظهم أحسن من الآخرين حينما كفرهم البريلويون أيضا وحكموا عليهم بالارتداد فقال البركاتي ومصدقه حشمت علي نائب البريلوي: إن الندويين دهريون مرتدون وأذناب لقائد الدهريين" (٨).
وقال البريلوي نفسه: إن الندوة هي الشركة المبيرة "أي المهلكة" وكلهم يروحون إلى الجحيم" (٩).وأصدر فتوى أخذ عليها توقيعات من أكابر طائفته في تكفير علماء الندوة، وأصدرها باسم "إلجام السنة لأهل الفتنة" ثم نشره في "مجموعة فتاوى الحرمين برجف ندوة المين" كما مر ذكره عن السيد الحسني فيما مر من هذا الباب، ولذلك ذكر صاحب (التجانب) في مجموعة من أفتوا عليهم بالكفر والارتداد أهل ندوة العلماء (١٠).
стр. 3923
ثم أشمل هؤلاء جميعا أي الندويين، والديوبنديين، وأتباع شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وأهل الحديث السلفيين تحت اسم "الوهابية أو الوهابيين" حسب زعمه بأنهم كلهم استرشدوا في عقائدهم ضد الشرك والبدع والخرافات من شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، فأولا كان يخاطبهم البريلوي والبريلويون بهذا الاسم فقط وعند إطلاق هذه اللفظة يراد بها هذه الطوائف الأربعة، وبعد ذلك بدؤا يلقبونهم بألقاب خبيثة، ويرمونهم بتهم باطلة، وينفرون الناس عنهم ويشهرونهم بين الناس بأوصاف غير طيبة وكاذبة فاجرة، وبينوا أحكامهم وأحكام المعاملة معهم، فقالوا وعلى رأسهم البريلوي نفسه فقال:"إن الوهابية وزعماءهم كفرة لوجوه كثيرة، ونطقهم بالشهادة ليس بناف عن الكفر" (١).وأيضا: "إن هذه الطائفة ثبت كفرهم بآلاف الوجوه والأسباب" (٢).و "إنهم كفرة مرتدون بإجماع الأئمة "يعني أئمة الأمة البريلوية" (٣).وقال: "إن الوهابيين مرتدون ومنافقون لأنهم يتظاهرون بالإسلام بنطقهم بالشهادة" (٤)."وإن الوهابيين أرذل من إبليس وأفسد منه وأضل لأن الشيطان لا يكذب وهؤلاء يكذبون" (٥).و "لعن الله الوهابية وأذلهم وجعل النار مثواهم" (٦).وقال: إن الوهابية قاتلهم الله أنى يؤفكون" (٧).و "إن الوهابيين في أسفل السافلين" (٨).و "إن الله كتب في نصيبهم الكفر" (٩).
ومادام هؤلاء كفرة مرتدين فلا يصلى خلفهم ولا عليهم، ولقد أفتى بذلك البريلوي وطائفته:
فإن سائلا سأل البريلوي عن الصلاة خلف الوهابية فقال:"ليست صلاتهم صلاة وجماعتهم جماعة" (١٠).
وسئل عن حكم المسجد الذي بناه الوهابيون فقال:
"هم كفرة ومسجد الكفار حكمه حكم البيت العادي"
"أيضا"
كما قال في جواب سائل سأله هل يرد على أذان مؤذن وهابي فقال:"لا، لأن صلاتهم لا تعد صلاة، ولا أذانهم أذاناً" (١١).
وأما مسجد المسلمين فلا يسمح بدخول الوهابيين فيه كما صرح بذلك المراد آبادي أحد خلفاء البريلوي، ومعاصره ونائبه فقال:"إن الوهابيين والغير المقلدين لا حق لهم في مساجد المسلمين ودخولهم يسبب الفساد، وإن لم يمتنعوا منها فيمنعون رسميا" (١٢).
وقد كتبوا كتابا مستقلا لبيان وجوب إخراج الوهابيين عن المسجد سموه (إخراج الوهابيين عن المساجد)) وقد شدّدوا على ذلك حتى كتبوا على صفائح مساجدهم: "لا يؤذن للوهابيين أن يصلوا فيها" وحتى في هذا عصر النور والعلم بقى بعض المساجد وعلى جبهاتها مكتوب: يا شيخ عبدالقادر جيلاني شيئا لله، وتحته: ممنوع الدخول للوهابيين، ولقد شاهدت بعيني مسجدين في لاهور لازال مكتوب عليهما هذه العبارة. وقال: "إن الصلاة خلف الوهابية باطل محضا" (١٣).ومثل ذلك قال مفتي البريلوية أحمد يارخان الكجراتي في فتاواه (١٤).
стр. 3924
وقال البريلوي نفسه:"إن صلّى الوهابي على جنازة مسلم فلا جنازة له، وإن دفن فكأنه دفن بدون صلاة الجنازة" (١).
وأما الصلاة على الوهابيين؟ فقال في جواب سائل سأله ما حكم شخص صلى على رجل مات من الوهابيين؟ فقال:"أن الوهابية كفرة مرتدون، ومن صلى عليهم فقد كفر" (٢).كما أنه لا يجوز لهم الدعاء لأن الله قال فيهم: "ثم لا يعودون" (٣).هذا وليس هذا فحسب، بل من اعتقد أن الوهابيين مسلمون فهو كافر ولا يجوز الصلاة خلفه كما صرح به البريلوي في كتابه" (٤).وقال آخر: "من يتكلم في البريلوي لا تجوز الصلاة خلفه" (٥)
وأما المعاملات الأخرى فحرام أيضا فقال:"إن اللقاء مع الوهابيين حرام ومجالستهم حرام، وعيادتهم حرام إن مرضوا، وإن ماتوا فغسلهم حرام وحمل جنائزهم حرام" (٦).
وقال المراد آبادي:"إن الوهابية ضالون مضلون وملحدون لا تجوز الصلاة خلفهم، ولا يجوز الاختلاط معهم" (٧).وأيضا "الاستماع إلى حديثهم حرام والجلوس في مجالسهم وخطباتهم حرام" (٨).هذا و "المصافحة بهم حرام والسلام عليهم حرام وموجب للمآثم والمعاصي" (٩).ولا يجوز للأحناف أن يشربوا الماء من بئر الوهابيين" (١٠).و "رد السلام عليهم حرام" (١١).وليس هذا فحسب: "بل من عاملهم وجالسهم فمناكحته أيضا حرام" (١٢).وإن قرأ خطبة النكاح وهابي وعقده فالنكاح باطل، ولابد من تجديد النكاح وتجديد الإسلام أيضا" (١٣).و "إن إشهاد الوهابي على النكاح حرام أيضا" (١٤).
وقال أحد تلامذته وخلفائه: إن النكاح من وهابي حرام لأنه ليس كفوا للمسلم" (١٥).
ولكن أنى لتلميذه أن يبلغه في القسوة والشدة فقال هو نفسه "أي البريلوي":إن الوهابي المرتد لا يزوج، لا من حيوان ولا من إنسان فإن تزوج يكون زنا محضا" (١٦).
ولأول مرة أريد أن أسأل البريلويين هل هم يزوجون ويتزوجون من حيوان؟ وقال: إن الاستفتاء من الوهابية حرام حرام حرام بالتأكيد، ومن شك في كفره وعذابه فقد كفر" (١٧).
وقال أمجد علي: من أعطى الزكاة لأحد من الوهابيين فلا زكاة له" (١٨).وقال في جواب سائل: إن تدريس الأطفال عند الوهابيين حرام حرام حرام، ومن فعل ذلك فهو عدو لأولاده ومجتلي في الآثام، وقد قال الله : قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: ٦] (١٩).
وأما ذبائح الوهابيين فقال: إن ذبيحة اليهودي حلال وكذلك ذبيحة النصراني حلال، وأما ذبيحة الوهابيين فلو سموا الله عليها مئة ألف مرة وكانوا من المتقين فحرام أكلها لأنه لا ذبيحة لمرتد" (٢٠).كما قال: إن ذبيحة الزناة الخلص الثابت زناهم حلال أكلها" (٢١).
стр. 3925
لماذا هذا كلّه؟ فقال لأن أشد الناس كفرا المجوس، وكفرهم أشد من اليهود والنصارى، وكفر الهندوس أشد من المجوس، وكفر الوهابيين أشد من الهندوس" (١).وقال: إن الوهابيين أخبث وأضر من الكفرة الحقيقيين من اليهود والوثنين وغيرهم" (٢).وقال: إن الوهابيين أرذل من الكلاب وأنجس منها لأنه لا عذاب على الكلاب وهؤلاء يستحقون العذاب الشديد" (٣).
ولم يكفروا هؤلاء الأبرار لأنهم لم يؤمنوا بالخرافات التي أتى بها البريلويون واختلقها الخرافيون، ولم يتركوا قول الله وقول رسول الله ﷺ مقابل هؤلاء المفترين على الله كذبا والمتهمين رسوله ﷺ باطلا، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج: ٨ - ٩].
هذا وقبل أن ننتقل إلى بحث آخر نريد أن نذكر هاهنا أن البريلويين والبريلوية شددوا على من يقرأ كتب الوهابيين، ومنعوا البريلويين منعا باتا أن يقرؤا كتب غيرهم.
فقال البريلوي: إن مطالعة كتب الوهابيين حرام" (٤).وقال الآخر: لا يجوز لغير العالم أن ينظر في كتب الوهابيين" (٥).وأما البريلوي فإنه قال: وحتى للعالم الكامل لا يجوز أن ينظر في كتب الوهابيين" (٦).
ولقد قال البريلوي في خصوص أحد الكتب لأحد العلماء الوهابيين: حرام على المسلمين أن ينظروا في هذا الكتاب" (٧).
ونقل المراد آبادي عن واحد من أئمته:"وإياك أن تصغي إلى كتب ابن تيمية وابن القيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوه، فمن يهديه من بعد الله وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدو الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل إنهم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأنهى الكذب والبهتان، فخذل الله جمعيتهم وطهر الأرض من أمثالهم" (٨).
فتاوى البريلويين بالتواء الحج لتولي الوهابيين الحكم في الحجاز:-
ومن بغض البريلويين لأتباع السلف الصالح، المتمسكين بالكتاب والسنة أنهم أفتوا بسقوط فريضة الحج وقد أصدر كتيبا في ذلك الخصوص باسم (تنوير الحجة لمن يجوز التواء الحجة) وقد كتب هذا الكتاب ابن البريلوي ومفتي البريلويين مصطفى رضا.
وصادق عليه ووقع أكثر من خمسين عالما من علماء القوم من جميع أطراف شبه القارة من الأعيان والأكابر. منهم مظهر البريلوي الذي يسمي نفسه عبيد الرضا حشمت علي، وابن البريلوي الثاني حامد رضا، والمراد آبادي نعيم الدين، ودلدار علي، وغيرهم من أساطين القوم، وبدأ كتيبه هذا بخطبته، اللهم اغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين لاسيما النجديين المفسدين المارقين من الدين مروق السهم من الرمية والخارجين منه كما تخرج الشعرة من العجين، ثم لا يجد شتيمة إلا وشتم بها الحكومة السعودية الميمونة، ولا فرية إلا وافترى بها على الملك الراحل عبدالعزيز آل السعود ﵀ وغفر له، ولا بهتانا وكذبا إلا واستعمله وتقول به بكل جرأة وشجاعة بلا خوف من الله وحياء منه.