المطلب الثاني: نشأتهم
سبب ظهور هذه الفرقة أنه: بعد وفاة الداعي المطلق للبهرة المستعلية داود ابن عجب شاه في عام: ٩٩٩هـ انتخب فريق من البهرة داود قطب داعياً مطلقاً لها، فعارضت مستعلية اليمن هذا التصرف، وخرجت عليهم، وانتخبت سليمان بن حسن داعياً مطلقاً لها، وزعموا أن داود بن عجب شاه قد أوصى سليمان. ثم خلفه ولده جعفر، وكان صغيراً، أوصى به والده إلى محمد بن الفهد المكرمي، فانتقلت الدعوة إلى اليمن، ولما كبر جعفر، ومات المكرمي واستمر جعفر في الدعوة إلى أن مات، فخلفه أخوه علي الذي انتقل بالدعوة إلى الهند مرة أخرى، وتوفي عام: ١٠٨٨هـ، فخلفه إبراهيم بن محمد بن الفهد المكرمي الذي نقل الدعوة إلى اليمن مرة أخرى إلى بلدة طيبة من بلاد همدان حتى توفي سنة: ١٠٩٤م، فخلفه حفيده محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، الذي فر من طيبة بعد حروبهم مع الزيدية، واستقر في جنوب الجزيرة العربية، وأسس للسليمانية معقلاً جديداً (١)، ويعرفون في اليمن بالمكارمة (٢).
المصدر: الإسماعيلية وفرقها لعبد الرحمن المجاهد - ص ٢٤٥
стр. 4167
المطلب الثالث: عقائدهم
عقائد المكارمة هي عقائد الإسماعيلية نفسها، وهي عقيدة باطنية، تزعم أن للإسلام ظاهراً وباطناً، وبذلك صرفوا آيات الله عن مرادها، وفسّروها حسب أهوائهم، وبما يناسب مذهبهم.
(ينظر بحث الإسماعيلية في هذه الموسوعة)
стр. 4168
المطلب الرابع: السليمانية في منطقة المزاحن
• ثالثا: الجانب التعليمي.
• رابعا: الجانب السياسي والاجتماعي.
стр. 4169
ثالثا: الجانب التعليمي
وفي جانب التعليم فإنهم يسعون للسيطرة على المركز التعليمي؛ كهدف استراتيجي بعيد المدى؛ وذلك من خلال المناصب التي يحصلون عليها في إدارة المركز التعليمي لمديرية فرع العدين بين الحين والآخر، حتى أصبح نائب مدير المركز التعليمي من أبناء هذه الطائفة، وكذلك مدير الشئون المالية، أما المدارس الحكومية فبعد أن كانت إدارتها سنية من خارج المنطقة، وكان بعضهم من دعاة أهل السنة، ففي ظل الصراع السياسي تم تغييرها، واستفاد المكارمة من هذا الجو من الصراع، وبدؤوا بسياسة الإحلال، واستبدلوا مدراء المدارس السنيين بمدراء من المكارمة. ويوجد في المزاحن حوالي: خمس مدارس حكومية، يسيطر عليها المكارمة جميعاً.
المصدر: الإسماعيلية وفرقها لعبد الرحمن المجاهد - ص ٢٦٢
стр. 4170
رابعا: الجانب السياسي والاجتماعي
أما الجانب السياسي فإن غالبيتهم تنتمي إلى الحزب الحاكم في اليمن، ويعتبرون من القيادات البارزة لها الحزب على مستوى مديرية فرع العدين.
كما يتمتع مشايخ القبائل منهم بسلطات واسعة في المديرية، ولهم نفوذ على كثير من مشايخ أهل السنة، والذين تربطهم بهم علاقات حزبية واجتماعية.
مع العلم أن مشيخة هذه العزلة مغلقة عليهم باستثناء بعض المناطق السنية المتواجدة في أوساط هؤلاء، فإن لهم وجاهات ومشايخ لا ينظرون إلى هؤلاء بمنظور عقدي، بقدر ما يتعاملون معهم كوجاهات اجتماعية، وشخصيات حزبية، ترطبهم بهؤلاء المصالح.
المصدر: الإسماعيلية وفرقها لعبد الرحمن المجاهد – ص ٢٦٣
стр. 4171
المطلب الخامس: واقعها المعاصر
حتى سنة ١٤١٣هـ، كان حسين بن الحسن هو الداعية المطلق لهذه الطائفة، وترتيبه الخمسون من دعاتهم، وقد كان مصاباً بأمراض خطيرة ألزمته داره أحياناً، والمستشفى أحياناً أخرى، لذلك أسند أمور الدعوة إلى محسن بن علي بن الحسين الذي كانت له الصلاحيات المطلقة في جميع شئون الدعوة، وإدارة بيت المال. وقد استغل محسن هذه الظروف، وكسب عدداً كبيراً من الأتباع، وزعماء القبائل الذين لهم تأثير على العامة، مما جعل الجميع يجزم بأن محسناً هذا هو الداعي المقبل، لكن المفاجأة كانت بأن حسين بن الحسن أوصى بالإمامة بعده لرجل يدعى حسين إسماعيل بن أحمد، وهو رجل مجهول عند أتباع الفرقة. عندئذ رفض محسن بن علي الاعتراف بإمامة حسين إسماعيل، ونصّب نفسه إماماً على طائفة المكارمة السليمانية، ورفض أن يسلم لحسين ما تحت يده من صلاحيات وأموال، ومقر الفرقة ومكاتبها، وبقي يؤم الناس في الجامع الكبير للطائفة. ثم تطور الخلاف بينهما، وقام محسن باستخدام السحر في محاولته لصد منافسه من المركز الرئيس للطائفة والجامع. ولمّا أثر السحر في حسين ترك المركز الرئيس للطائفة ومسجدهم، وانتقل إلى موقع آخر مجاور يدعى "دحضة" بمدينة نجران، وبها مسجد جامع كبير للطائفة أيضاً. وقيل أن حسيناً ذهب إلى ساحر فكشف له حقيقة سحره، وفكه من السحر. وصار المكارمة في حيرة من أمرهم بسبب هذا الخلاف، وهذا الانقسام الجديد في الطائفة، ولاسيما وأن هذين الشخصين تجمعهما صلة قرابة قوية. المطلب السادس: أوجه الخلاف بين السليمانية والداودية
ينبع فكر المكارمة، والبهرة الداودية من منبع واحد، ويدينون بعقيدة واحدة، لكن ثمة خلافات نشأت مع الأيام، بعضها تنظيمي، وبعضها فكري، الأمر الذي جعل البهرة الداودية لا يعترفون بانتماء المكارمة إلى طائفة البهرة. وفيما يلي أهم أوجه الخلاف بين الطائفتين: ١ـ ترى الداودية أن الداعي المطلق بعد داود بن عجب شاه الهندي، هو: داود بن قطب شاه، في حين يرى السليمانية أن الداعي المطلق هو سليمان بن الحسن الهندي، الذي ينتسبون إليه. ٢ـ عندهم جميعاً عقيدة تسمى "الاستيداع والاستقرار" وهي أن الإمام إذا لم يكن مؤهلاً للإمامة، فإنها تنصرف إلى شخص آخر كمستودع للإمامة حتى يكون الإمام الأصلي مؤهلاً لها، فتنتقل إليه. لكن الداودية ترى أن هذا يكون خاصاً بالأئمة فقط، وبعد غياب الإمام رفعت هذه النظرية، والدعاة الذين ينوبون عن الإمام لا يكون فيهم "الاستيداع والاستقرار". أما المكارمة السليمانية فيرون استمرار هذه العقيدة حتى بعد غياب الإمام، لذلك أنكر عليهم الداوديون عندما استودع سليمان بن الحسن الهندي، محمد بن الفهد على ابنه جعفر. وحجة الداودية في ذلك أنّ الدعاة مستودعون للإمام الغائب (الطيب بن الأمر)، فكيف أن المستودع يستودع على المستودع!؟ ٣ـ ترى الداودية أن الإمام المستودع أفضل من الإمام المستقر، في حين تعتقد السليمانية بأن الإمام المستقر أفضل من المستودع، وبناء على ذلك اختلفوا في تفضيل الحسن والحسين ﵄ أحدهما على الآخر، ففضلت الداودية الحسن، وفضلت السليمانية الحسين، لأنهم اعتبروا أن الإمام هو الحسين، لأن الإمامة في عقبه، أما الحسن فهو إمام مستودع سلّم الإمامة إلى أخيه الحسين الذي هو الإمام المستقر. ٤ـ ارتباط الداودية بالزعامة الهندية، الممثلة اليوم بمحمد برهان الدين، في حين ترتبط السليمانية بالزعامة اليمنية المتواجدة في مدينة نجران السعودية، والممثلة اليوم بحسين إسماعيل. ٥ـ لم يعرف عن المكارمة القيام بالطقوس الشركية علناً أمام الأضرحة، والسجود للإمام كما يفعله الداودية. ٦ـ يشكك الداوديون بأئمة السليمانيين وأخلاقهم، إذ يقولون: "إن أحد أبناء المستنصر كان منحرفاً وصاحب لهو ومجون، وكان الابن الآخر تقيا وورعاً، وقد سلك مسلك الدين على الشريعة الإسلامية. وهذا الشخص هو من اتبعناه حتى الآن، في حين اتبع المكارمة شقيقه الآخر، حيث إن المكارمة ليسوا من طائفة البهرة، فمكان دعوتهم وضريح زعيمهم موجود في نجران".
стр. 4172
المطلب السابع: أبرز شخصياتهم
١ - الداعي الحالي حسين إسماعيل المكرمي، المقيم في منطقة نجران، وقد اعتقلته السلطات السعودية في شهر نيسان/ أبريل سنة ٢٠٠٠، بسبب ممارسة الشعوذة، فما كان من أنصاره إلاّ أن قاموا بمظاهرات، وهاجموا مقر أمير المنطقة. ٢ـ محسن بن علي، الذي كان متوقعاً أن يتسلم رئاسة الطائفة بدلاً من حسين إسماعيل. ٣ـ علي بن محمد الضلعي، صاحب كتاب (نجران والتاريخ)
المصدر: موقع شبكة الدفاع عن السنة
стр. 4173
المطلب الثامن: أماكن انتشارهم
تسكن السليمانية مناطق: نجران في السعودية، وحراز، وعراس، والمزاحن، في اليمن. كما تتواجد في الهند، وباكستان، وبنغلاديش، ويقدر عددهم بمئتي ألف نسمة.
المصدر: الإسماعيلية وفرقها لعبد الرحمن المجاهد - ص ٢٤٥
стр. 4174
المبحث الأول: التعريف بهم
الحشاشون: طائفة إسماعيلية فاطمية نزارية مشرقية، انشقت عن الفاطميين لتدعو إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله. أسسها الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة ألموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته.
وقد تميزت هذه الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة. وكلمة الحشاشين: Assassin دخلت بأشكال مختلفة في الاستخدام الأوروبي بمعنى القتل خلسة أو غدراً أو بمعنى القاتل المحترف المأجور.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4175
المبحث الثاني: التأسيس وأبرز الشخصيات
الحسن بن الصباح: ولد بالري عام ٤٣٠هـ ونشأ نشأة شيعية ثم اتخذ الطريقة الإسماعيلية الفاطمية وعمره ١٧ سنة، وفي عام ٤٧١هـ/١٠٧٨م ذهب إلى إمامه المستنصر بالله حاجًّا، وعاد بعد ذلك لينشر الدعوة في فارس، وقد احتل عدداً من القلاع أهمها قلعة ألموت ٤٨٣هـ التي اتخذها عاصمة لدولته. ـ في عهده مات الإمام المستنصر بالله ٤٨٧هـ/١٠٩٤م وقام الوزير بدر الجمالي بقتل ولي العهد والابن الأكبر "نزار" لينقل الإمامة إلى الابن الأصغر "المستعلي" الذي كان في الوقت نفسه ابن أخت الوزير. وبذلك انشقت الفاطمية إلى نزارية مشرقية، ومستعلية مغربية. ـ أخذ الحسن بن الصباح يدعو إلى إمامة نزار، مدعيًّا أن الإمامة قد انتقلت إلى حفيدٍٍٍ لنزار أحضر سرًّا إلى ألموت وأنه طفل جرى تهريبه من مصر إلى فارس، أو أن محظية لنزار كانت حاملاً منه أُخذت إلى ألموت حيث وضعت حملها. وبقي أمر هذا الإمام الجديد طي الكتمان. ـ توفي الحسن بن الصباح عام ٥١٨هـ/١١٢٤م من غير سليل لأنه كان قد أقدم على قتل ولديه أثناء حياته!!
كيابزرك آميد: حكم من ٥١٨هـ/١١٢٤م إلى سنة ٥٣٢هـ/١١٣٨م: كان أول أمره قائداً لقلعة الأماسار لمدة عشرين سنة، وخلال فترة حكمه دخل في عدة معارك مع جيرانه السلاجقة، كما أنه كان أكثر تسامحًا وسياسة من الحسن بن الصباح.
محمد كيابزرك آميد: حكم من سنة ٥٣٢هـ/١١٣٨م إلى سنة ٥٥٧هـ/١١٦٢م: كان يهتم بالدعوة للإمام، كما كان يفرض الاحترام الخارجي للفرائض الإسلامية، فقد أقدم على قتل كثير من أتباعه ممن اعتقدوا بإمامة ابنه وطرد وعذب آخرين. الحسن الثاني بن محمد: حكم من ٥٥٧هـ/١١٦٢م إلى سنة ٥٦١هـ/١١٦٦م: أعلن في شهر رمضان ٥٥٩هـ قيام القيامة، وأنهى الشريعة، وأسقط التكاليف وأباح الإفطار، ثم أقدم بعد ذلك على خطوة أخطر وذلك بأن ادعى بأنه من الناحية الظاهرية حفيد لكيابزرك ولكنه في الحقيقة إمام العصر وابن الإمام السابق من نسل نزار. محمد الثاني بن الحسن الثاني: من ٥٦١هـ/ ١١٦٦م إلى ٦٠٧هـ/١٢١٠م: طور نظرية القيامة ورسخها، وقد ساعده على ذلك انحلال هيمنة السلاجقة في عهده وضعفهم وظهور التركمان وبداية التوسع التركي.
جلال الدين الحسن الثالث بن محمد الثاني: من ٦٠٧هـ/١٢١٠م إلى ٦١٨هـ/ ١٢٢١م: رفض عقائد آبائه في القيامة، ولعنهم وكفَّرهم، وأحرق كتبهم وجاهر بإسلامه، وقام بوصل حباله مع العالم الإسلامي فقد أرسل إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله وإلى السلطان السلجوقي خوارزم شاه والملوك والأمراء يؤكد لهم صدق دعوته إلى التعاليم الإسلامية، ففرحت البلاد الإسلامية بذلك وصار أتباعه يعرفون بالمسلمين الجدد. محمد الثالث بن الحسن الثالث (وبعض الكتب تسميه علاء الدين محمود): كان حكمه من سنة ١١٢١م إلى سنة ١٢٢٥م: خلف أباه وعمره ٩ سنوات، وظل وزير أبيه حاكمًا لألموت، وقد عاد الناس في عهده إلى المحرمات، وارتكاب الخطايا والإلحاد. حكم الصبي خمس أو ست سنوات ثم أصيب بلوثة عقلية، فانتشرت السرقة واللصوصية وقطع الطرق والاعتداءات.
ركن الدين خورشاه: ١٢٥٥م/ ١٢٥٨م: قاد هولاكو حملة سنة ١٢٥٦م وكان هدفه قلاع الإسماعيلية، وما زال يتقدم حتى استسلم له ركن الدين وسلمه قلعة ألموت وأربعين قلعة وحصناً كلها سويت بالأرض، فاستقبله هولاكو بترحاب وزوجه فتاة مغولية، وفي عام ١٢٥٨م انتهى منه بقتله غيلة، وبذلك انتهت دولة الحشاشين سياسيًّا في فارس.
شمس الدين محمد بن ركن الدين: تقول روايات الإسماعيليين بأن ركن الدين قد أخفى ابنه شمس الدين محمد الذي هرب من بطش هولاكو متنكرًا إلى جهة ما بجنوب القوقاز، ثم استقرت في قرية أنجودا على الطريق بين أصفهان وهمدان. وبقي فيها إلى أن مات في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة وكان من عقبه سلسلة من الأئمة في القرن التاسع عشر، ومنهم ظهرت أسرة أغاخان.
انقسم الحشاشون بعد شمس الدين إلى قسمين: ـ بعضهم نادى بإمامة محمد شاه واعترفوا به وبالأئمة من نسله حتى انقطعت سلسلتهم في منتصف القرن العاشر الهجري وكان آخرهم الإمام ظاهر شاه الثالث المعروف (بالدكنى) والذي هاجر إلى الهند وتوفي هناك حوالي سنة ٩٥٠هـ وانقطع هذا الفرع على الرغم من وجود أتباع له إلى الآن في مصياف والقدموس بسوريا. ـ وأصحاب الفرع الثاني اعتقدوا بإمامة قاسم شاه، وهؤلاء يشكلون العدد الأكبر من هذه الطائفة وقد هاجروا إلى أعالي نهر جيحون.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4176
المبحث الثالث: نشأة الطائفة الإسماعيلية النزارية (الحشاشون) يعتبر الإسماعيليون النزاريون طائفة وفرقة من أكبر الطوائف والفرق الإسماعيلية في العصر الحاضر حيث بدأ انفصال هذه الفرقة وتكونها بعد وفاة المستنصر عام سبع وثمانين وأربعمائة هجرية وكان حسب تقاليد الإسماعيلية قد نص على إمامة ابنه نزار لكن الوزير الجمالي صرف النص إلى أخيه المستعلي – ابن أخت الوزير – وحصل من جراء ذلك انقسام الإسماعيلية إلى مستعلية ونزارية وعلى الرغم من القضاء على نزار وقتله في الإسكندرية على يد وزير المستعلي الأفضل بن بدر الجمالي ولم يكن له عقب مستتر أو ظاهر على الرغم من ذلك فإن أحد دعاة الإسماعيلية ويدعى بالحسن بن الصباح انتصر لنزار وأصبح يدعو له ولأبنائه من بعده وجعل نفسه نائبا للإمام المستور من ولد نزار وأصبح يدعو له وبذلك تكونت هذه الفرقة وأصبح يطلق عليها الإسماعيلية النزارية نسبة إلى نزار بن المستنصر كما يطلق عليها اسم الدعوة الجديدة تمييزا لها عن الدعوة الإسماعيلية الأولى كما يطلق عليها الإسماعيلية الشرقية نسبة إلى مكان ظهورها وانتشارها وإشارة إلى انفصالها عن الإسماعيلية الأم والتي تسمى بالإسماعيلية الغربية (١). ويسميها بعض الكتّاب المعاصرين بإسماعيلية إيران نسبة إلى مكانها (٢).،وجميع هذه المسميات دالة عليها ومحددة لها وقد عاصر ظهور هذه الفرقة عالمان كبيران تولى كل واحد منهما فضح هذه الفرقة وبيان باطنيتها وشدة خطرها وعظم ضررها على الإسلام والمسلمين وهما: الإمام الغزالي الذي ألف كتابه (فضائح الباطنية) والشهرستاني الذي أفرد لهم حديثا خاصا بهم عند قوله ثم إن أصحاب الدعوة الجديدة .. إلخ (٣).،وحفاظا على بقاء هذه الفرقة وإظهارها ادعى منظموها أن لنزار بن المستعلي ولدا ثم له نسلا استمرت الإمامة فيهم وبقيت ولكنهم – أي النزاريون – فيما بعد كذبوا أنفسهم حيث ادعوا الإمامة للحسن بن الصباح ومن جاء بعده ممن خلفه في قيادة دولة الحشاشين أو الفدائيين ولا أدل على ذلك من ادعاء الحسن الثاني من نسل الحسن بن الصباح في عام ٥٥٩هـ أنه هو الإمام من نسل نزار بن المستنصر وأصبح اسمه لا يذكر إلا مقرونا (على ذكره السلام) كما يطلق في العادة في الأئمة المستقرين وبذلك أصبح حكام ألموت بعد الحسن الثاني والذين جاءوا بعده من النسب الفاطمي وهكذا أتى الحسن الثاني – كما يقول بدوي – بثلاثة تجديدات ما لبث النزارية في كل مكان أن قبلوها على درجات متفاوتة وأولها أنه أعلن نفسه خليفة لله في أرضه ولم يعد مجرد داع كما كان أسلافه (٤).
ويعتبر الحسن بن الصباح العقل المدبر الذي نظم هذه الطائفة ووجهها ومن ثم نشرها في بلاد فارس مما نتج عن هذه الجهود قيام دولة الحشاشين أو الفدائيين.
دولة الحشاشين في بلاد الشام
стр. 4177
وبعد أن بدأت دولة الحشاشيين أو الإسماعيلية النزارية في ألموت في الأفول ظهر داعية إسماعيلي نزاري في بلاد الشام واسمه راشد الدين سنان ويلقب بشيخ الجبال وحاول تجميع طائفة الإسماعيلية من جديد حيث أن دعوة الإسماعيلية في بلاد الشام ترجع إلى وقت مبكر ولاسيما في مدينة سلمية التي كانت مقرا للأئمة المستورين والإمام الظاهر عبيد الله المهدي. ومن أساليبهم التي حاولوا بها نشر مذهبهم وتقوية سلطتهم الاستيلاء على الحصون والقلاع ولذا يقول الدكتور محمد كامل حسين: وما زال الإسماعيلية النزارية في الشام يشترون الحصون أو يستولون عليها حتى بلغ عدد حصونهم الرئيسة في الشام في القرن السابع للهجرة ثمانية حصون هي القدموس ومصياف وبانياس والكهف والخوابي والمنيقة والقليقة والرصافة ثم يضيف قائلا: وازدادت قوة الإسماعيلية بالشام بظهور شخصية فذة وداعية داهية في سياسته وفي مواهبه وهو (راشد الدين سنان) الذي استطاع بمقدرته وكفايته أن يجمع كل إسماعيلية الشام فقد كان الإسماعيلية في الشام يدينون بإمامة أصحاب قلعة ألموت في فارس فجاء سنان وكون مذهب السنانية واعترفوا بإمامته غير أنهم عادوا بعد موته إلى طاعة الأئمة بألموت وبالرغم من تحولهم هذا فإن إسماعيلية الشام إلى الآن يذكرون الإمام راشد الدين على أنه أعظم شخصياتهم على الإطلاق (١).وقد تعاصر شيخ الجبل مع القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي ﵀ وكانت بينهما مساجلات كلامية حادة في أول الأمر ولكن صلاح الدين ﵀ لما تبين له أنهم بقيادة شيخ الجبل يبيتون له ولجنده من أهل السنة أمرا ويضمرون لهم شرا حيث حاول عدد من الإسماعيلية اغتيال صلاح الدين بعد ذلك عزم على قتالهم والقضاء عليهم ففي سنة ٥٧٢هـ قصد صلاح الدين بلد الإسماعيليين وانتصر عليهم كما حصر قلعة مصياف واضطروا بعد ذلك إلى طلب الصلح. (٢).وظل أمر الإسماعيلية النزارية في الشام بعد ذلك يضعف تارة ويقوى تارة أخرى إلى أن استسلمت آخر قلاعهم للظاهر بيبرس عام ٦٧٢هـ وخفت أمرهم من الحياة السياسية حتى لم يسمع عنهم شيئا ولم تنقل الكتب التاريخية عنهم أحداثا تذكر ويبدو أنهم لجأوا إلى التقية والدعوة سرا إلى أن ظهر في إيران رجل شيعي يدعى حسن علي شاه ما بين سنة ١٢١٩هـ إلى سنة ١٢٩٨هـ جمع حوله عددا من الإسماعيلية وغيرهم وقام بأعمال هدد بها الأمن وأقلق بها السلطات في إيران حتى ذاع صيته وأصبح أسطورة على ألسنة الناس وانضمت إليه جماعات كثيرة إعجابا به أو طمعا في مكاسب آلية تأتيهم عن طريقه وواكب ظهور هذه الثورة التي هددت الأسرة القاجارية الحاكمة في إيران ظهور الإنجليز كقوة لها مطامع في بلاد فارس ومن ثم اتصلوا بحسن علي شاه وعضدوه ومنوه حكم فارس وفعلا قام حسن علي شاه بثوره عام ١٨٤٠م كانت نهايتها الفشل والقبض على قائدها ولكن الإنجليز تدخلوا وحصلوا على أمر بالإفراج عنه بشرط أن يجلو عن إيران كلها وزين له الإنجليز الذهاب إلى أفغانستان ليكون صنيعة لهم هناك ولكن الأفغانيين كشفوا عن هويته واضطروه إلى الرحيل إلى الهند واتخذ من مدينة بومباي مقرا له وأراد الإنجليز أن يستفيدوا منه مرة أخرى ومن ثم اعترفوا به إماما للطائفة الإسماعيلية النزارية وخلعوا عليه لقب أغاخان ومنحوه السلطة المطلقة على أتباعه الإسماعيلية فالتف حوله الإسماعيلية في الهند (٣).
وهذا بلا شك منعطف جديد أو تلفيق في انقطاع أئمة الإسماعيلية عموما والنزارية بوجه خاص حيث أن أمر النزارية انتهى بانتهاء أئمة وحكام ألموت عام ٦٥٤هـ ولكن الاستعمار الإنجليزي لفق لهم هذه الشخصية المجهولة نسبا ودينا يصف الدكتور محمد حسين مشاعر الإسماعيليين وبداية هذه المسميات والألقاب عند ظهور هذا الرجل بقوله فتجمع – حول المدعو حسن علي شاه الملقب بأغا خان- الإسماعيلية في الهند وفرحوا بظهور شأنهم بعد أن ظلوا مغمورين طوال هذه القرون وبظهور إمامهم الذي ظل في الستر والكتمان مئات السنين!!
فرأى حسن علي شاه أو أغاخان نفسه بين جماعة يطيعونه طاعة تدين دون أن يكون لهم غرض مادي فقوي نفوذه بينهم وأصبح كأنه سلطانهم الفعلي فأخذ ينظم شؤونهم إلى أن توفي عام ١٢٩٨هـ وبذلك وجدت الأسرة الأغاخانية وصارت لهم إمامة الإسماعيلية النزارية وانتسبوا إلى الإمام نزار بن المستنصر بالله الفاطمي ومؤسس هذه الأسرة هو حسن علي شاه وهو أول إمام إسماعيلي لقب بأغاخان.
ومن هنا أطلق على الإسماعيلية في العصر الحاضر (الأغاخانية) فكما أن طائفة البهرة امتدادا للإسماعيلية المستعلية فكذلك طائفة الأغاخانية امتداد للإسماعيلية النزارية.
المصدر: أصول الإسماعيلية لسليمان عبد الله السلومي – ٢/ ٣٦٧
стр. 4178
المبحث الرابع: الأحداث التاريخية والسياسية التي واكبت ظهور الحشاشين
بدأ ظهور حركة الحشاشين في زمن كان فيه الصراع السياسي والعقائدي في أرجاء الأقاليم الإسلامية على أشده، في حين لم تعد السلطة العباسية إلا سلطة شكلية، حيث غدا نفوذها وفاعليتها خيالاً من الماضي وسراباً في المستقبل، وضاعت هيبتها نتيجة الصراعات المحتدمة بين طوائف الأمة.
أما بلاد فارس وما وراء النهر، وما يليهما إلى الشرق وإلى الجنوب، فكانت خاضعة للأتراك السلاجقة.
أما مصر وشمال أفريقيا فكانتا تحت رحمة الشيعة الفاطميين، الذين أحكموا قبضتهم على مجريات الأمور، وأصبحت الخلافة العباسية في الشرق تحسب لهم ألف حساب.
أما الأندلس فكان مسرحاً لدويلات صغيرة، قامت على أنقاض الخلافة الأموية، تسمّى زعماؤها بملوك الطوائف.
وفي المناطق الأخرى كأعالي الطرق وشمال الشام، كانت الإمارات المستقلة الخاضعة للخارجين على الخلافة، المناوشين لها.
وقد كان الصراع السياسي، والعراك العسكري والتناحر العقائدي، خاصة بين السنة والشيعة هو الطابع والروح التي سادت ذلك العصر كله.
وحتى يتسنى لنا تقديم صورة واضحة عن حركة الحشاشين وعن الدور الخطير الذي لعبته في ضوء تلك الظروف التي كانت تمر بها الخلافة الإسلامية ويمر بها العالم الإسلامي من ورائها، كان يجدر بنا أن نلقي نظرة مباشرة على البيئة السياسية والاجتماعية والتغيرات السريعة التي حدثت في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من مستوى.
لقد أفلحت الخلافة العباسية في توسيع رقعة الإمبراطورية، فخضعت لها الدول شرقاً وغرباً، ودانت لها شعوبها، وامتد ملكهم الفسيح من مراكش إلى السند، فازدادت الخلافة توسعاً، وأصبحت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
لكنَّ الضعف والانحلال بدأ يدبان في جسد الخلافة العباسية، وكانت أول علامات هذا الضعف انفصال الولايات المختلفة عن السلطة المركزية في بغداد، فعمّ الضعف وشرع سلطان الخلافة بالتفكك، وأخذت هذه الدويلات الصغيرة كل منها تنافس الأخرى وتغزوها، فاستقل الأمويون بالأندلس، والإخشيديون في مصر، في حين سيطر الفاطميون على شمال إفريقيا، وملك الحمدانيون حلب والتغور، وأصبحت العراق بيد الديلم، واستولى القرامطة على اليمامة والبحرين وبادية البصرة .. إلخ.
وعلى العموم فقد كان الواقع الإسلامي آنذاك مظهراً من أعظم مظاهر الاضطرابات تناقضت فيه حياة المسلمين العامة أشد التناقض، وسادت فيه الفوضى حتى عمّت جميع طبقات الأمة، واشتدت الضائقة الاقتصادية، وساء نظام الحكم، وكثرت الفتن المذهبية وأزهقت آلاف النفوس البريئة على مذبح النعرات الدينية والتعصب المقيت.
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٢٠
стр. 4179
المبحث الخامس: حركة الحشاشين أو الدعوة الجديدة
نجح التيار الإسماعيلي في إقامة دولة كبرى في المغرب، ولكن هذا النجاح لم يكن في واقع الأمر إلا من الناحية السياسية أما من الناحية العقائدية فقد فشل في نشر عقائده وتصوراته بين الناس فشلاً ذريعاً، لدرجة أن كل أثر عقائدي للإسماعيلية في المغرب قد اندرس وزال بزوال سيطرتهم السياسية على هذه الرقعة من بلاد الإسلام، على خلاف ذلك تماماً نجد أن التيار الإسماعيلي قد حقق في المشرق نجاحاً عقائدياً حيث أخفق سياسياً، لقد اندمج رجال التيار في كثير من الأحيان من الأنظمة القائمة وهادنوها خشية الملاحقة والمواجهة، وركزوا جل جهودهم في العمل الفكري،، حيث نجحوا في جذب عدد من العلماء والمفكرين، وصار لهم نفوذ قوي في عدد من المراكز العلمية وانتهى بهم الأمر بعد ذلك إلى أن سيطروا على الساحة الفكرية ردحاً طويلاً من الزمن. إن متطلبات الهيمنة الثقافية والحفاظ عليها قد جعلت دعاة الإسماعيلية يركزون على العمل الفكري بالدرجة الأولى وبالتالي نشر الفلسفة التي تؤسس أيديولوجيتهم السياسية والدينية، مما كان نتيجته قيام مدرسة فلسفية هرمسية (١) تخدم الحركة فكراً.
لقد اضطر الدعاة الإسماعيليون إلى التركيز على العمل الفكري بدل المغامرة بتنظيمات سياسية ستتعرض للمتابعة والملاحقة لا محالة، فاتجهوا إلى الأوساط العلمية ولم يترددوا في الانخراط في حاشية الحكام والسلاطين، وبفضل هذه الإستراتيجية الملتوية والقفز على الحبلين كونوا كياناً خاصاً بهم، وفلسفة خاصة أيضاً تضم أمشاجاً من الفيثاغورثية الجديدة والأفلاطونية المحدثة بالإضافة إلى عناصر من الفكر الإيراني الزرادشتي القديم. وقد كان الترويج لهذا الفكر على يد ثلاثة من كبار الفلاسفة الإسماعيليين (٢)، عاشوا أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين.
كان أولهم أبو عبدالله بن أحمد النسفي، تلميذ أحد كبار الفلاسفة الإسماعيليين في خراسان هو الأمير الحسين بن على المِرْوَزي.
تولى النسفي هذا أمور الدعوة إلى المذهب بعد وفاة شيخه الأمير، واستطاع أن يستميل أحد الأمراء السامانيين الذي اعترف بإمامة الفاطميين، وأصبح النسفي يحرك خيوط اللعبة ومن وراء ذلك دواليب الحكم في هذه المنطقة، لكن نشاطه لم يدم إلا فترة قصيرة، حيث قُبض عليه وصدر الحكم بقتله هو وكبار رجال الدعوة ومعتنقيها، فكانت محنة كبيرة نزلت بالحركة الإسماعيلية وأدّت إلى وقف نشاطها إلى أن أحياها الحسن بن الصباح من جديد.
أما على الصعيد الفكري فقد استمر نشاط الحركة، وإن كان قليلاً، وذلك من خلال مؤلفات النسفي ولا سيما كتابه (المحصول) الذي كان أول كتاب في التنظير العقائدي والبناء الفلسفي للمذهب الإسماعيلي.
стр. 4180
جاء بعد النسفي تلميذه الفيلسوف أبو يعقوب إسحاق بن أحمد السجستاني أو السجزي، والذي قُتل هو الآخر بتركستان سنة ٣٣١هـ بسبب معتقداته المتطرفة وآرائه الجريئة، الأمر الذي يعطينا صورة واضحة عن التغيرات التي حدثت للحركة الإسماعيلية في هذه الفترة. يبقى الفيلسوف الإسماعيلي الثالث أبو حاتم الرازي (١) الذي كان من الأوائل الذين وضعوا الأسس النظرية للعقيدة الإسماعيلية، كما استطاع استمالة بعض الشخصيات الكبيرة إلى المذهبَ.
ومن مؤلفاته كتاب (أعلام النبوة) الذي عرض فيه لعقائد الإسماعيلية في الألوهية والرسل والنفس والزمان والمكان وغير ذلك من المسائل التي كانت موضوع اهتمام المفكرين والباحثين في الفكر العقدي الديني.
والملاحظ في هذه الفترة أن نفوذ الحركة الإسماعيلية فكرياً أخذ يزداد ويتسع، لدرجة أن الحركة خرجت من السرية في العمل والتنظيم إلى العلانية فيهما، ولا أدل على ذلك من دخولها في حوارات ونقاشات دارت فيما بين فلاسفة الحركة أنفسهم من جهة، وبينهم وبين غيرهم من أصحاب المذاهب المختلفة من جهة أخرى.
لقد استهدفت الحركة الإسماعيلية من وراء السيطرة الفكرية الوصول إلى السيطرة السياسية، لكن النجاح لم يكن حليفها على هذا الصعيد وعانت فشلاً ذريعاً في ذلك، وتعرضت من جراء محاولتها تلك إلى اضطهاد واسع النطاق بين السجن والنفي والقتل.
وفي ضوء هذه الانتكاسات المتكررة، وبعد أن استنفذت الدعوة الإسماعيلية جميع الوسائل من أجل تحقيق السيطرة السياسية، أصبح من الضروري البحث عن أسلوب عمل جديد. لقد فشلت سياسة التفتح والدعوة الجهرية للعمل من أجل الهيمنة الفكرية، فلم يبق إلا العمل السري المنظم، وهذا ما فعله الحسن بن الصباح مؤسس "الدعوة الإسماعيلية الجديدة" أو "حركة الحشاشين" الذي قدم إستراتيجية ثورية جديدة وفعالة، خصوصاً بعد أن أخذت الإمبراطورية الفاطمية تلفظ أنفاسها الأخيرة (٢).
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٤٩
стр. 4181
المبحث السادس: الأفكار والمعتقدات والجذور الفكرية
• تلتقي معتقداتهم مع معتقدات الإسماعيلية عامة من حيث ضرورة وجود إمام معصوم ومنصوص عليه وبشرط أن يكون الابن الأكبر للإمام السابق.
• كل الذين ظهروا من قادة الحشاشين إنما يمثلون الحجة والداعية للإمام المستور باستثناء الحسن الثاني وابنه فقد ادعيا بأنهما إمامان من نسل نزار.
• إمام الحشاشين بالشام رشيد الدين سنان بن سليمان قال بفكرة التناسخ فضلاً عن عقائد الإسماعيلية التي يؤمنون بها، كما ادعى أنه يعلم الغيب.
• الحسن الثاني بن محمد: أعلن قيام القيامة، وألغى الشريعة، وأسقط التكاليف.
• الحج لديهم ظاهره إلى البيت الحرام وحقيقته إلى إمام الزمان ظاهراً أو مستورًا.
• كان شعارهم في بعض مراحلهم (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح).
• كانت وسيلتهم الاغتيال المنظم، وذلك من طريق تدريب الأطفال على الطاعة العمياء والإيمان بكل ما يلقى إليهم، وعندما يشتد ساعدهم يدربونهم على الأسلحة المعروفة ولا سيما الخناجر، ويعلمونهم الاختفاء والسرية وأن يقتل الفدائي نفسه قبل أن يبوح بكلمة واحدة من أسرارهم. وبذلك أعدوا طائفة الفدائيين التي أفزعوا بها العالم الإسلامي آنذاك.
• كانوا يمتنعون في سلسلة من القلاع والحصون، فلم يتركوا في منطقتهم مكانًا مشرفًا إلا أقاموا عليه حصنًا، ولم يتركوا قلعة إلا ووضعوا نصب أعينهم احتلالها.
• يقول عنهم المؤرخ كمال الدين بن العديم: في عام ٥٧٢هـ/١١٧٦م "انخرط سكان جبل السماق في الآثام والفسوق وأسموا أنفسهم المتطهرين، واختلط الرجال والنساء في حفلات الشراب ولم يمتنع رجل عن أخته أو ابنته، وارتدت النساء ملابس الرجال، وأعلن أحدهم بأن سناناً هو ربه".
المصدر: الموسوعة الميسرة
• أصولهم البعيدة شيعية ثم إسماعيلية.
• كان القتل والاغتيال وسيلة سياسية ودينية لترسيخ معتقداتهم ونشر الخوف في قلوب أعدائهم.
• فكرة التناسخ التي دعا إليها رشيد الدين سنان مأخوذة عن النصيرية.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4182
المبحث السابع: المبادئ العامة لحركة الحشاشين وأساليبها في الدعوة
• المطلب الأول: مراتب الدعاةّ.
• المطلب الثاني: المرحلية في الدعوة.
стр. 4183
المطلب الأول: مراتب الدعاةّ
كان دعاة الإسماعيلية يعتمدون في نشر عقائدهم وأفكارهم على تنظيم مدهش للدعوة يضم دعاة مهرة على مراتب متفاوتة، ولم تكن عقائدهم تُلقّن للمستجيب دفعة واحدة، إنما كان يتلقاها على درجات، كل واحدة مترتبة على السابقة.
كانت مراتب الدعوة قبل الحسن بن الصباح سبع درجات ثم زيدت إلى عشر، وكان يُطلق عليها "مراتب الحدود المؤثرة في الأنفس" ثلاث منها كلية، وسبع منها تابعة.
فالثلاث الكلية هي:
الناطق: وله رتبة التنزيل، ومهمته إفاضة البركة بتأسيس قوانين العبادة العملية الظاهرة بالتنزيل والشريعة.
الأساس: وله رتبة التأويل، ويقول بقبول البركة بكليتها والقيام بها بجميع التنزيل وتأسيس قوانين العبادة العلمية الباطنية بالتأويل.
الإمام: وله رتبة الأمر وسياسة الأمة كافة على سنن الدين، وليس من مهامه أن يقوم بالدعوة بنفسه، بل يتولى توجيه سائر الدعاة ويرشدهم إلى نشر الدعوة وتلاوة مجالس الحكمة.
أما السبع مراتب التابعة فهي:
الباب: وله رتبة إظهار تأويل الكتاب وارتضاء الآراء والمعتقدات والحكم فيما كان حقاً أو باطلاً،
الحجة: يكون ذو مهارات ومواهب حربية وسياسية.
والحجج قسمان: حجج النهار، وهم الذين يدعون في زمن الظهور وفي مناطق النفوذ الشيعي، وحجج الليل وهم الذين يدعون في زمن الستر.
راعي البلاغ: وله رتبة الاحتجاج وتعريف البلاغ.
الداعي المطلق: وله رتبة تعريف الحدود العلوية، وتعليم مراسم العبادة الباطنية.
الداعي المحدود: وله رتبة تعريف الحدود السلفية، وتعليم مراسم العبادة الظاهرة.
المأذون المطلق: وله رتبة أخذ العهد والميثاق.
المأذون المحدود: ويُدعى المكاسر، وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة، والهداية إلى الحق.
هذه هي مراتب الدعوة في الحركة الإسماعيلية التقليدية، لكن بعد أن تم للحسن بن الصباح تأسيس الدولة الإسماعيلية النزارية في ألموت أجرى بعض التغييرات في العقائد والنظام الاجتماعي والسياسي تتناسب مع تطور الأحوال الاجتماعية والسياسية، فجعل نظام الدعوة متطوراً أيضاً فقسمه إلى قسمين:
القسم الأول: وخصصه للدعاية الدينية ويشتمل على:
شيخ الجبل: وهو نائب الإمام ورئيس الدعوة الجديدة، وكان الحسن بن الصباح يُلقب نفسه ويلقبه أتباعه بهذا اللقب.
كبار الدعاة: وهم ثلاثة فقط، وجميعهم نواب لشيخ الجبل في مناطق ثلاث متفرقة، يضطلعون بالمهام العظمى والأمور الصعبة الخاصة بالحركة ومصالحها.
الدعاة: عددهم غير محدود، ينشطون تحت إشراف كبار الدعاة ويدعون الناس إلى العقيدة الإسماعيلية النزارية وفق مخطط الحسن بن الصباح.
أما القسم الثاني فيشتمل على:
الرفيق: وهو الذي يكون قد سلك بعض المدارج في أصول المذهب، وأشبه بقائد الفرقة العسكرية اليوم، وكان يشرف على تدريب فدائيي الحركة وتوجيههم.
اللاصق: وهو الذي يكون قد أخذ البيعة للإمام ولم يتدرج في أصول المذهب وليس له الحق في نشر الدعوة.
الفدائي: وهو الأداة المنفذة والموكلة بالثأر والانتقام والعنف والاغتيال، ويتم اختيار الفدائي على أساس إخلاصه للحركة ومبادئها، واستعداده المطلق للتضحية في سبيل ذلك.
المستجيب: وهو المؤمن حديثاً بأفكار ومعتقدات الحركة، أي الذي يكون في طور التدريب والتعليم.
ثم يأتي العوام وهؤلاء لا يتلقون شيئاً من التعاليم وإنما يُستعملون كآلات صماء فقط، يُخدعون عبر مراحل متعاقبة من الحط بعقلياتهم وفي آخر تلك المراحل يُكشف لهم عن الكفر الكامل والمريع.
ويُشّبِّه (فون هامر) مراتب الدعاة والرفاق والفدائيين في الحركة بثلاث مراتب في البناء الحر (الماسونية) هي كبار البنائين، ورفاق النهضة، والصبية المبتدئون.
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٦٠
стр. 4184
المطلب الثاني: المرحلية في الدعوة
كانت الدعوة تجري على نسق الجمعيات السرية، لها نظامها الخاص وشعائرها ولها درجات من الوظائف والمعرفة متدرجة في المعرفة والخطورة، كان الدعاة يعرضون هذه الدرجات والمراتب بالتدرج، طبقاً لاستعداد المدعوين وأهليتهم لتلقيها. ولذا فإن هناك وسائل وأساليب معينة يلتزم بها الداعي في دعوته، فأولاً يتحتم عليه كما يقول القاضي النعمان: "اختيار أمر من يدعوه، ويتعرف أحوالهم رجلاً رجلاً، وتمييز كل امرئ منهم ومعرفة ما يصلح له أن يؤتى إليه ويحمله عليه من أمر الله وأمر أوليائه ومقدار ما يحمله من ذلك وقدر قوته وطاقته، ومتى يوصل ذلك إليه، وكيف يغزوه به، وامتحان الرجال وتعرف الأحوال، ومقدار القوى، ومبلغ الطاقات" (١).
ويؤكد القاضي النعمان في مكان آخر من كتابه على أهمية المرحلية والتدرج في الدعوة بقوله: "ولتثبت أمر أولياء الله حدود وشرائط وآداب ودرجات يرتقي فيها الداخل في ذلك، فإذا لم يقف على ذلك أولاً فأول ويرتقيه درجة درجة، ووصل إليه منه الشيء قبل وصول ما يجب أن يصل إليه قبله هلك، كما أن الطفل لو حُمل عليه طعام في حين ولادته لهلك. ولذلك كان علم أولياء الله غير مطلق إلا لمن أطلقوه له، لأنه لو كان مطلقاً لأهلك بعض الناس به بعضاً ... فلهذا ولامتحان العباد أسرَّ أولياء الله ذلك وأخفوه، ولو نشروه وأظهروه على حقيقة الواجب فيه لما تخلف أحد عنه" (٢).
ونكتفي هنا بأن نقدم خلاصة وافية لمضمون الدعوة في مراحلها التسع وذلك على النحو الآتي:
المرحلة الأولى:
يحاول الداعي في هذه المرحلة أن يشكك المدعو في معتقداته، فيسأله في بعض المسائل الدينية والشرعية، وبعض المسائل الطبيعية والمشكلات الغامضة، موهماً إياه أن الدين أمر مكتوم، وأن أكثر الناس به جاهلون، فهو صعب مستصعب وعلم خفي غامض، وأن أصل الشر والخلاف في الأمة انصراف الناس عن الأئمة الصادقين الذين نُصبوا لهم، وأقيموا لحفظ شرائعهم يؤدونها على حقيقتها، ويحفظون معانيها، ويعرفون بواطنها، وأن الناس لما عدلوا عن الأئمة ونظروا في الأمور بعقولهم، وقلدوا سفلتهم، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم اتباعاً للملوك وطلباً للدنيا، التي هي ملك الآثمين وأجناد الظلمة وأعوان الفسقة، الذين يحبون العاجلة، ويجتهدون في طلب الرياسة على الضعفاء، ومكايدة رسول الله وأمته، وتغيير كتاب الله ، وتبديل سنة نبيه، ومخالفة دعوته، وإفساد شريعته، ومعاندة الخلفاء الأئمة من بعده.
وأن دين محمد لن يجيء بما يحقق الأماني والشهوات الزائلة، ولا بما تعرفه الدهماء والكافة، وإنما هو علم خفي، وهو سر الله المكتوم الذي يرتفع عن الابتذال، ولا يطيق حمله وينهض بأعبائه إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن اصطفاه الله، فإن آنس الداعي من المدعو ارتياحاً وقبولاً، بدأ يسأله عن بعض المسائل الغامضة بغية إثارة حب استطلاعه.
стр. 4185
ما عذاب جهنم؟ وكيف يصح تبديل جلد مذنب بجلد لم يذنب حتى يُعذّب؟ وما سبعة أبواب النار وما ثمانية أبواب الجنة؟ ولم جُعلت السموات سبعاً والأرضون سبعاً والمثاني من القرآن سبع آيات؟ ولماذا خلق الله العالم في ستة أيام؟ وهل عجز عن خلقه في ساعة واحدة؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان عالم صغير، والعالم (الطبيعة) إنسان كبير؟ وما معنى الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن مثل: الم، المص، كهيعص .. إلخ. وينتهي الداعي بعد هذه السلسلة الطويلة من الأسئلة الغامضة إلى القول بأن الله الذي خلق الإنسان حكيم غير مجازف، وأنه فعل جميع ذلك لحكمة، وله فيها أسرار خفية، حتى جمع ما جمع، وفرق ما فرق، فكيف يسع المرء الإعراض عن هذه الأمور؟! ألا يدل ذلك على أن الله أراد أن يرشدهم إلى بواطن الأمور الخفية وأسرار فيها مكتومة .. لو تنبهتم لها وعرفتموها لزالت عنكم كل حيرة، ودحضت كل شبهة، وظهرت لكم المعارف السنية ... فإذا علم الداعي أن نفس المستجيب قد تعلقت بما سأله عنه وطلب منه الجواب عنه أمهله مدة ليستيقن أن المحاولة قد أثرت في نفسه، ثم يأخذ عليه العهد بألا يفشي لهم سراً ولا يظاهر عليهم أحداً ولا يطلب لهم غيلة ولا يكتمهم نصحاً ولا يوالي لهم عدواً (١).
ثم يطالبه بعد ذلك بمبلغ من المال كرسم لقبول عضويته في الدعوة، فإذا امتنع المدعو عن القيام بذلك وقف به الداعي عند هذا الحد، وإذا أجاب انتقل به إلى المرحلة الثانية.
المرحلة الثانية:
يتعلم المستجيب فيها أن فرائض الإسلام لا تؤدي إلى مرضاة الله إلا إذا كانت عن طريق أئمة نصبهم للناس وأقامهم لحفظ شريعته.
المرحلة الثالثة:
وفيها يتقرر عند المستجيب أن الأئمة سبعة، قد رتبهم الله كما رتب السموات والأرضين، والكواكب وغيرها من جلائل الموجودات وجعلها سبعاً، ويلقن المستجيب بعد ذلك معنى العدد سبعة في عالم المادة والمعنى، فإذا تقرر عند المستجيب أن الأئمة سبعة انحل عن معتقد الإمامية الإثنا عشرية، واعتقد أن أئمتهم الستة بعد جعفر الصادق، قد فقدوا العلوم الروحية في حين أن محمد بن إسماعيل عنده علم المستورات وبواطن المعلومات وعلم التأويل وتفسير علم الظاهر، وأن دعاته هم الوارثون لعلمه دون سائر طوائف الشيعة.
المرحلة الرابعة:
وهي بدء التحول إلى المراتب العليا، وفيها يلقن الداعي المستجيب أن الأنبياء المعتبرين، الناسخين للشرائع، الناطقين بالأمور، كالأئمة سبعة فقط، وكل منهم لابد له من صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمته، ويكون له ظهيراً في حياته ثم يخلفه بعد وفاته، ويتخذ له كنبيّه ظهيراً يخلفه، ويسير كل مستخلف على هذا المنوال، إلى أن يأتي منهم على تلك الشريعة سبعة، ويقال لهؤلاء السبعة الصامتون، لأنهم ثبتوا على شريعة واحدة واقتفوا أثراً واحداً ويقال لأولهم (السوس)، فإذا انقضى هؤلاء السبعة، فلابد من أن يبدأ دور ثان من الأئمة، يفتتحه نبي ناطق ينسخ شريعة من مضى، ويخلفه على النحو المتقدم سبعة من الصُمت، وهكذا حتى النبي السابع من "النطقاء فينسخ جميع الشرائع المتقدمة، ثم يقرر الداعي عند المستجيب أن السابع من النطقاء (الأنبياء) هو صاحب الزمان وهو محمد بن إسماعيل. يقول النويري: "فهذه درجة قررها الداعي عند المدعو بنبوة نبي بعد محمد ﷺ وسهل بها طريق النقل عن شريعته .. فدخل المدعو بذلك في جملة الكفار المرتدين" (٢).
стр. 4186
وبظهور محمد بن إسماعيل الناطق الأخير والقائم أي صاحب الأمر تنتهي علوم الأولين وتبدأ العقيدة الباطنية وعلم التأويل.
المرحلة الخامسة: يُلقن فيها المستجيب المزيد من التعليمات فيما يتعلق بعلم الأعداد والتأويل على نحو يجعله يرفض الكثير من الأحاديث النبوية، فيفقد الكلام نهائياً بمنطوق كلام الله، إلى أن يصل في النهاية إلى رفض كافة تعاليم الإسلام (١).
كذلك يلقن الداعي المدعو أنه لابد مع كل إمام قائم حجج متفرقون في الأرض، وعددهم اثنا عشر رجلاً في كل زمان.
ويستدل الداعي على ذلك بأمور منها أن الله لم يخلق شيئاً عبثاً، ولابد في خلق كل شيء من حكمة، وإلا فليتأمل خلق النجوم التي بها قوام العالم سبعة، وجعل السموات سبعاً، والأرضين مثلهن، ونقباء بني إسرائيل اثني عشر، ونقباء رسول الله ﷺ من الأنصار اثني عشر نقيباً .. إلى آخر الحجج التي تمتلئ بها كتب الإسماعيلية.
المرحلة السادسة:
يتعلم المستجيب في هذه المرحلة التأويل والمعنى المجازي لشرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم .. إلخ، وأنها في الواقع ترجع على معان وحكم أخرى غير الظاهرة، وأنها وُضعت على سبيل الرمز لمصلحة العامة، فيضعف اعتقاد المستجيب في شرائع الدين وأركانه.
ثم ينتقل الداعي بالمستجيب إلى ميدان الفلسفة ونظريات الفلاسفة ويحضَّه على النظر في كلامهم،، والاقتداء بالأدلة العقلية والفلسفية والتعويل عليها، دون غيرها من الأخبار والأشياء المنقولة.
وفي هذه المرحلة تبدأ المهمة الحقيقية للدعاة، وهي العمل على هدم العقيدة الدينية.
المرحلة السابعة:
لم يصل إلى هذه المرتبة إلا كبار الدعاة، وفيها يُلقن المستجيب أن صاحب الشريعة لا يستغني بنفسه، ولابد له من صاحب معه يعبر عنه ليكون أحدهما الأصل والآخر يَصْدُر عنه، ويستدل الداعي على ذلك بأن مدير العالم في أصل الترتيب وقوام النظام صدر عنه أو موجود بغير واسطة ولا سبب نشأ عنه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢]. إشارة إلى أن الأول في الرتبة والآخر هو القدر الذي قال فيه تعالى بـ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:٤٩].
ويستدل أيضاً بأقوال وقرائن أخرى من كلام الفلاسفة والمتصوفة وغيرهم.
المرحلة الثامنة:
وفيها تتبلور العقيدة التي لُقنت للمستجيب في المرحلة السابقة، وفيها يعرف أن مدبر الوجود، والصادر عنه، إنما هو تقدم السابق على اللاحق، وتقدم العلة على المعلول، فكانت الأعيان كلها ناشئة وكائنة عن الصادر الثاني.
والسابق لا اسم له ولا صفة، ولا ينبغي لأحد أن يعبر عنه، أو يحدده، فلا يقال موجود، ولا معدوم، ولا عالم، ولا جاهل ... وهكذا سائر الصفات، فإن الإثبات يقتضي شركة بينه وبين المحدثات، والنفي يقتضي التعطيل، وهو ليس بقديم ولا محدث، بل القديم أمره وكلمته، والمحدث خلقه وفطرته ...
كما أن الأنبياء الناطقين لا يأتون بمعجزات أو دلالات خارقة، إنما يأتون بأمور تُنظَّم بها السياسة ووجوه الحكم وتُرتب بها الفلسفة، تنبئ عن حقيقة ما يشتمل عليها العالم بأسره من الجواهر والأعراض، وأنها تكون إشارة ورموزاً يعقلها العالمون، وتارة تكون بإفصاح يعرفه كل الناس، ثم يشرح الداعي للمستجيب أمر القيامة وحصول الجزاء من الثواب والعقاب على أمور ليست مما يعتقده الموحدون في شيء.
المرحلة التاسعة:
стр. 4187
وهي المرحلة الأخيرة في التعليمات المذهبية لدى الإسماعيلية، حيث لا وجود لعقائد قطعية أو فرائض لازمة، بمعنى آخر لا وجود لعلم اليقين.
وتمثل هذه المرحلة أعلى مرتبة من مراتب العلم والمعرفة، وفيها يدخل المستجيب إلى دائرة الأسرار النهائية، ويحال المستجيب حينئذ على طلب الأمور وتحقيقها وحدودها والاستدلال عليها من طرق الفلسفة وإدراكها من كتبهم، ويصبح حراً في اختيار طريقه.
يقول النويري: "فربما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب ماني وابن ديصان، وربما إلى مذهب المجوس، وربما دان بما يُحكى عن أرسطو طاليس، وربما صار إلى أمور تُحكى عن أفلاطون، وربما اختار من تلك معاني مركبة من هذه الأمور كما يجري كثير من هؤلاء المتحيرين".
وفي هذه المرحلة أيضاً يوقف المستجيب على السر النهائي المتمثل في أن الوحي إنما هو صفاء النفس، فيجدُّ النبي في فهم ما يوحى إليه، وينظم به الشريعة حسبما يرى من المصلحة في سياسة الكافة، ولا يجب العمل بهذه الشريعة إلا بحسب الحاجة في رعاية مصالح الدهماء، وليس على العارف المستنير أن يعمل بها.
ومن الملاحظ في ذلك كله إنما هو تغيب للعقل البشري الذي جعله الله نعمة للإنسان وكرمه به فيميز بين المنطقيات والبديهيات والنفعيات والمضرات فيستنير ويختار طريقه فإذا به يتأثر بتلك المراحل بمرور الوقت ويطرح الأفكار المتراكمة على فترات متتالية وتكون النتيجة انتكاسة للعقل في الدركات السفلى فإذا به يستحسن القبيح ويستقبح الحسن.
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٦٥
стр. 4188
المبحث الثامن: النشاط العسكري لحركة الحشاشين
• المطلب الأول: القلاع والحصون.
• المطلب الثاني: الفدائيون.
• المطلب الثالث: الاغتيال السياسي.
стр. 4189
المطلب الأول: القلاع والحصون
ما كاد الحسن يستقر في بلاد فارس حتى أخذ يعمل جاداً في تنظيم الدعوة وبناء هياكلها بناءً دقيقاً، وكان أول شيء استعمله الحسن هو عنصر الدعوة، فبث رجاله المدربين في المناطق لكسب التأييد الشعبي والتوسع بين الجماهير، لأن الدعوة في نظر الحسن -على الأقل في هذه الفترة- كانت بحاجة إلى انتشار ولم تكن بحاجة إلى انتصار، لذا نجد الحسن حريصاً على إيجاد تنظيم يجمع الناس حول دعوته الجديدة، ووجه جل اهتمامه لاحتلال القلاع والحصون المحيطة به.
كانت القلاع تمثل بالنسبة إلى الحسن بن الصباح الملجأ المنيع الذي يقيه ويحميه من أعدائه وبنفس الوقت يكون مركزاً لنشر دعوته ولتدريب دعاته، خصوصاً وأنها كما قلنا تتسم بالارتفاع الشاهق وبوعورة المسالك المؤدية إليها، وتختلف بالكلية في تركيبها الجغرافي عن بقية البلاد، الأمر الذي يُمكّن المسيطر عليها من بسط سلطانه وسيادته على المنطقة كلها. وبعد مدة طويلة من الدعوة الواسعة القوية، والجهود الجبارة، والنضال المستمر توصل الحسن إلى قلعة "ألموت" (١) الشهيرة بعد أن نجح دعاته في تحويل جنود القلعة إلى المذهب الإسماعيلي.
يقول الحسن في إحدى شذرات حياته: ( ... وقد أرسلت من قزوين مرة أخرى الدعاة إلى قلعة ألموت، واستطاع الدعاة ضم بعض رجال القلعة إلى العقيدة الإسماعيلية ... ).
وكان استيلاؤه على هذه القلعة فاتحة بالنسبة للإسماعيلية في استيلائهم على قلاع وحصون أخرى، إذ ما لبث في القلعة الجديدة طويلاً حتى جمع حوله الإسماعيلية، ففاقت بكثرتهم خراسان، مما حدا بالحسن إلى تنظيم صفوفهم للإغارة على القلاع والحصون المجاورة.
يقول المؤرخ عطا ملك الجويني: (لقد بذل الحسن كل جهد ممكن للاستيلاء على الأماكن الملحقة بـ"ألموت" أو المجاورة لها، وكان يفعل ذلك عن طريق كسب السكان بأخاديعه الدعائية، إذا استطاع، فإذا لم تنطل عليهم حِيَلُه أخذها بالمذابح والسلب والنهب وسفك الدماء والحرب، وبهذا استولى على ما استطاع الاستيلاء عليه من القلاع، وأينما وجد صخرة مناسبة كان يبني فوقها قلعة له).
وعمل الحسن من القلعة على توسيع رقعة دولته الجديدة، وأنشأ دولة إسماعيلية خالصة بحيث يكون جميع من فيها من الحكام والرعايا من الإسماعيليين المخلصين الذين يدينون بالطاعة المطلقة للإمام الذي يتزعم هذه الدولة.
وبالرغم من الملاحقات المستمرة من قبل السلطة السلجوقية، فإن ذلك لم يثن عزم الحسن على الاستمرار في نشاطه الدعوي والعسكري، وقد ساعده على ذلك انضمام جماعة من رجال الدولة وولاتها إليه، منهم الذين ساعدوا الحسن على بسط نفوذه في تلك الأماكن، وفي دفع الخطر السلجوقي الذي كان يهدد الحركة بالقضاء عليها.
لقد كان الاستيلاء على قلعة "ألموت" أول عمل تاريخي بارز في حياة هذه الحركة الباطنية.
أسطورة الفردوس في القلعة:
يزعم بعض المؤرخين أن قلعة "ألموت" عاصمة الدولة الإسماعيلية الجديدة، ومعقل الحشاشين الرئيسي في المنطقة، كانت تحيط بها الحدائق الغنّاء التي تحوي كل الملاذ والشهوات وغيرها من الأشياء الفاتنة التي تسحر الألباب، وأن الحسن بن الصباح جعل من المكان فردوساً خلاباً بغرض التأثير في رجاله وأتباعه والتحكم فيهم.
стр. 4190
لقد ادعى ذلك الرحالة الشهير "ماركو بولو" الذي مرّ عبر إيران سنة ١٢٧٣م، وتبعه في ذلك الكثير من المؤرخين دون تحقيق أو تثبت.
يقول "ماركو بولو" في وصفه قلعة "ألموت" وأسلوب الحياة فيها بما يلي: "كان شيخهم يُسمى علاء الدين وقد أمر بإقامة سور على أخدود بين جبلين ثم غرسه بالأشجار وحوّله إلى حديقة غنّاء، هي أجمل ما رأته الأعين ووقعت عليه الأبصار، وهي مليئة بمختلف الفواكه وأطيب الثمار، وأقام فيها القصور والجواسق مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وقد طلاها بالذهب ونقشها بأجمل النقوش، وجعل بها قنوات تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء!!، ووضع فيها جملة من أجمل نساء العالمين وأرقّ الفتيات وجعلهن يعزفن على مختلف الآلات، ويغنين أعذب الأصوات، ويرقصن أروع الرقصات!! وقد شاء شيخ الجبل بذلك أن يجعل الناس يعتقدون أن حديقته هذه ما هي إلا الجنة بعينها، فأنشأها على النمط الذي صوّره لهم الدين الإسلامي، وجعلها روضة غنّاء، تجوس خلالها أنهار تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وملأها بالجميلات الفاتنات من النساء اللائي لا هّم لهن إلا الترفيه عمن بها من نزلاء، ومن أجل ذلك فإن الأعراب الذين يقطنون هذه الأرجاء، يعتقدون أنها حقاً الجنة التي وعد بها الأتقياء .. ولم يكن يسمح لأحد من الناس أن يدخل هذه الحديقة إلا من شاء أن يجعلهم من حشاشيه، وكان على بابها حصن منيع يستطيع أن يرد هجمات الناس أجمعين. ولم يكن لها مدخل سواه، وأن يحتفظ في قصره بعدد من الغلمان تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والعشرين، ممن يلمس فيهم حب الجندية والقتال، وكان دأبه أن يقص عليهم أقاصيص عن الجنة كالتي كان يقصها محمد على أتباعه فيصدقونه فيما يقول، كما صدق العرب نبيهم ثم يأذن لهم بعد ذلك في دخول الحديقة أربعة أربعة أو ستة ستة أو عشرة عشرة، ولكنه يسقيهم قبل ذلك مزيجاً من شراب خاص ينامون على أثره، فإذا انطبقت جفونهم وغلبهم الكرى أمر أتباعه أن يحملوهم ويضعوهم في داخل الجنة، فإذا أفاقوا وجدوا أنفسهم داخل هذه الروضة الغنّاء .. ومتى أفاقوا من غفوتهم ووجدوا أنفسهم في هذا المكان الرائع ظنوا أنهم في جنة الخلد، ثم تقبل النساء والفتيات بعد ذلك على هؤلاء الفتيان فيلاعبنهم، ويشفين رغباتهم، ويظفر الرجال منهن بما يرغبون، فلا يشاؤون بعد ذلك أن يتركوا هذا المكان المشحون بالفتن واللذائذ. وكان هذا الأمير الذي نسميه بـ"الشيخ" يقوم بتنظيم قصره بشكل رائع جميل، وقد تمكن من أن يجعل رجال الجبال السذج الذين يحيطون به يعتقدون اعتقاداً جازماً بأنه نبي عظيم، فإذا شاء أن يبعث واحداً من هؤلاء (الحشاشين) في أية رسالة، فإنه يسقيه من هذا المزيج الذي تحدثنا عنه، فإذا غلبه الكرى حملوه إلى القصر، حتى إذا أفاق لم يجد نفسه في تلك الجنة التي شفي فيها غلته وأشبع فيها نهمته، بل يجد نفسه داخل القلعة ثم يدخلونه بعد ذلك على "شيخ الجبل" فينحني أمامه في احترام بالغ كأنه في حضرة رسول كريم ونبي عظيم، فيسأله الأمير من أين أتى .. ؟ ويجيب الفتى بأنه أقبل من الجنة، وإنه لشبيهة بما أنزل على محمد ﷺ ، ويستمع الآخرون الذين لم يؤذن لهم في دخول هذه الحديقة إلى هذا الحديث، فيتحرقون إلى الدخول فيها والتمتع بما بها .. فإذا شاء الشيخ أن يقتل أي أمير من الأمراء فما عليه إلا أن يقول لواحد من هؤلاء الشبان: اذهب واقتل فلاناً، ومتى عدت فسيأخذك جماعة من ملائكتي إلى الجنة، أما إذا مت فسأبعث إليك بهم ليحملوك إليها، وكانوا يصدقونه فيما يقول، ومن أجل ذلك فقد كانوا يلقون بأنفسهم في أشد المخاطر وأكثرها تهلكة لكي ينفذوا جميع أوامره ولكي يعودوا بعد ذلك إلى الجنة التي تتحرق إليها أنفسهم، واستطاع الشيخ بذلك أن يجعل رجاله يقتلون أي شخص يريد التخلص منه، واستطاع أيضاً بواسطة الرعب الذي يغرسه في نفوس الأمراء أن يجعلهم جميعاً يدفعون له الجزية عن طيب خاطر حتى يكون معهم في سلام ووئام" (١).
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٧٤
стр. 4191
المطلب الثاني: الفدائيون
نظام أوجده الحسن الصباح، وكان مصدراً لكثير من الرعب والهلع، في الأوساط الرسمية والشعبية.
كان للفدائية إقدام وجرأة على التضحية الجسدية فاقت كل تصور، بتصميم وعزم وثبات لا مثيل له في تاريخ الجريمة.
نسبوا أنفسهم إلى آل البيت، واتخذوا ذلك ستاراً لما يقومون به من أعمال لا يقرها العرف والدين.
كان الإرهاب صناعتهم، والفساد شريعتهم، قاموا بأعمال فوضوية اهتز لها العالم الإسلامي ما يقرب من قرنين من الزمان نشروا خلالها الرعب والفزع في النفوس، وقتلوا ما لا يُحصى عدداً من خلق الله.
ذكروا أن الحسن اتبع طريقة للسيطرة على أتباعه سيطرة عجيبة جعلتهم ينفذون أوامره الجهنمية دون توقف، وقد نجح في جعل الشجاعة النادرة وحب المخاطرة والصبر الرباط الذي يربط الأفراد الذين ينتمون إلى هذه الفرقة، فقد كان الفدائي يترقب الفرصة المواتية لتنفيذ مهمته شهوراً بل سنين.
يذكر التاريخ أن الفدائيين الذين كُلفوا بقتل (كونراد) مركيز مونتفرات قد تمكنوا من الإقامة في معسكر الصليبين ستة أشهر كاملة ينتظرون الفرصة السانحة وهم بثياب الرهبان المسيحيين.
لقد كان هدف الحسن أن يعمل من خلال الفدائيين لتكوين مجتمعات إسماعيلية قوية ومنظمة تنظيماً دقيقاً يضمن لها البقاء، ولما تم للحسن السيطرة على قلعة "ألموت" جلب إليها نخبة من المستجيبين للدعوة، المعروفين بتضحيتهم، وأخذ يعمل جاداً على تدريبهم على الطاعة العمياء والإيمان المطلق بما يقوله لهم، وعلى حب المخاطرة والتضحية المطلقة واحتقار الحياة البشرية، وأن قوام الإسلام الصحيح هو بذلك النفس، وأن الحياة الدنيا إنما هي تجربة خالية من النعيم الحق لا تعدل في متاعبها وآلامها ذرة من رغد الحياة الأخرى ونعيمها الباذخ، وأن السبيل الحق إلى اكتساب الجنة والتقلب في نعمائها وسعادتها الخالدة هو اقتداء النفس بعمل من أعمال الدنيا، وأن سلامتهم متوقفة دائماً على فداء أنفسهم، وأن أقل مخالفة تبدر منهم تكون سبباً في وقوعهم تحت العقوبة والمسؤولية إلى الأبد وأن الذي يقدم الطاعة جزاؤه الجنة. نفخ الحسن فيهم حب الفناء في سبيل الدعوة الجديدة، ولما اشتد ساعدهم استقدم لهم أحسن المدربين على استعمال مختلف أنواع الأسلحة المعروفة في ذلك الوقت كما جلب عدة أساتذة لتعليمهم عدة لغات أجنبية ولهجات محلية كان يتكلمها سكان البلاد، أضف إلى ذلك أنه كان يدربهم على استعمال الأحرف السرية وكيفية إخفاء أنفسهم ومن يرافقهم في مهماتهم بحيث لا يبوح الفدائي بسره أو سر الجماعة التي ينتمي إليها، فإذا قبض عليه الأعداء كان يعمد إلى قتل نفسه قبل أن يُجبر على التكلم.
لقد كان الحسن صارماً في تنشئة هؤلاء الفدائيين، قاسياً عليهم أشد القسوة، حتى استطاع أن ينجح في إعداد نخبة ممتازة منهم أصبحوا نواة للحامية الإسماعيلية.
كان الحسن بن الصباح يعلم أن دعوته لا يمكن أن تنجح ضد معاقل الإسلام السني، وأن أنصاره ليس في إمكانهم أن يواجهوا ويهزموا القوة المسلحة للدولة السلجوقية، وأن كثيرين قبله قد نفسوا عن فشلهم في عنف غير منظم، أو تمرد يائس، أو سلبية كئيبة، ولكن الحسن وجد وسيلة جديدة يمكن بها لقوة صغيرة، منظمة ومخلصة أن توجه ضربات فعالة ضد عدو يتمتع بتفوق ساحق، هذه الوسيلة التي اختارها الحسن هي الإرهاب.
كان الاغتيال المنظم أمضى سلاح في يد الحشاشين، وقد كان الرفاق والفدائيون عماد هذا السلاح المروع، لقد أنعشوه كسلاح سياسي ورفعوه إلى مستوى الواجب المقدس، وهذا هو الجانب المثير حقاً في سيرة هذه الجمعية السرية الهائلة.
стр. 4192
كما أن صراعات الخصوم جعلت منه سلاحاً فعالاً ومقبولاً في نفس الوقت لتصفية الحسابات السياسة والخلافات الدينية والمذهبية، وظهر المنظرون ليضيفوا على منطق العنف العاري غطاءً أيديولوجياً برّاقاً.
وبهذا الإرهاب الذي تلهبه أهداف واسعة النطاق يضمنها برنامج متماسك تُرتكب من أجله الأعمال الإرهابية بسط الحشاشون على المشرق نظام إرهاب حق، وانبث الرفاق والفدائيون شراذم في الأقطار فأظلم بهم وجه الأرض ونجد في تاريخ الإسماعيلية ثبتاً من مشاهير الرجال من جميع الأمم سقطوا ضحايا الإسماعيلية بين غبطة القتلة وأسف العالم.
لقد كان عملهم بمثابة النفوذ المأفون والإساءة في استخدام الدين ببشاعة لخدمة الطموح الرهيب الذي لا يلجمه شيء، وكانوا بحق الإرهابيين الأول الذين استطاعوا تطويع الإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية. يقول شاعر إسماعيلي في امتداح الفدائيين:
"أيها الرفاق .. عندما يأتي وقت النصر ويحالفنا الحظ في الدنيا والآخرة يستطيع محارب واحد يمشي على قدميه أن يبث الرعب في قلب ملك تحت إمرته مائة ألف فارس أو يزيد".
ولتبيان حجم الخطر والرعب الذي شكله الحشاشون بصفة عامة والفدائيون بصفة خاصة فإن التاريخ يذكر أنه لما همّ الملك فيليب السادس ملك فرنسا بالقيام بحملة صليبية لاسترداد الأماكن التي فقدتها النصرانية، بعث إليه القس الألماني "بروكاردوس" الذي قضى فترة من حياته في أرمينيا يحذره من الأخطار التي تنطوي عليها مثل تلك الحملة.
ومن هذه الأخطار كما يذكر ذاك القس: "أذكر الحشاشين الذين ينبغي أن يلعنهم الإنسان ويتفاداهم، وإنهم يبيعون أنفسهم ويتعطشون للدماء البشرية، ويقتلون الأبرياء مقابل أجر، ولا يلقون اعتباراً للحياة أو النجاة، وهم يُغيِّرون مظهرهم كالشياطين التي تتحول إلى ملائكة من النور، وذلك أنهم يحاكون الحركات والثياب واللغات والعادات والتصرفات التي تأتيها الأمم والأقوام المختلفة، وهكذا يتخفون في ثياب الشاة لتنفيذ أغراضهم، ويتعرضون للموت بمجرد أن يكتشفهم الناس، وحيث إني في الواقع لم أرهم ولكني أعرف عنهم ذلك بالشهرة والكتابات الصحيحة فحسب، لذلك لا يمكنني أن أستطرد أكثر من ذلك أو أعطي مزيداً من المعلومات، ولا أستطيع أن أبين كيف يمكن لأحدٍ أن يعرفهم من واقع عاداهم أو غيرها من العلاقات، لأنهم فيما يتعلق بهذه الأشياء غير معروفين لي وللآخرين كذلك، كما لا أستطيع أن أبين كيف يمكن أن يعرفهم بأسمائهم إذ إنهم بسبب بشاعة مهنتهم، وكراهية الجميع لهم يحاولون إخفاء أسمائهم بقدر ما يستطيعون ولذا فلست أعرف سوى وسيلة واحدة لوقاية الملك وحمايته، وهي أنه لا ينبغي السماح بإعطاء وظائف القصر الملكي أو أية خدمة فيه مهما كانت صغيرة أو مختصرة أو متواضعة إلا للمعروفين تماماً، كما لا ينبغي السماح لأحد بدخول القصر إلا لهؤلاء الذين تُعرف بالتحديد دولتهم وحكامهم ونسبهم وحالتهم، أي ينبغي باختصار أن يكون الشخص المسموح له بالاقتراب من الملك معروفاً تماماً".
فالحشاشون كما يراهم هذا القس كانوا قتلة مأجورين، سريين من نوع خطر وذوي مهارات خاصة.
стр. 4193
وفي تقرير كتبه مبعوث أرسله الإمبراطور "فريدريك بريروسة" إلى مصر وسوريا، كتب هذا المبعوث يقول "لاحظ أنه يوجد عند تخوم دمشق وأنطاكية وحلب جنس معين من العرب يعيشون في الجبال يسمون أنفسهم بالحشاشين، ويُعرفون في الرومانية بسادة الجبل، هذه السلالة من الرجال يعيش أفرادها بلا قانون .. وهم يعيشون في الجبال في شبه منعة كاملة وراء أسوار قلاعهم الحصينة .. ولهم سيد يُلقي أشد الرعب في قلوب كل الأمراء العرب القريبين والبعيدين على السواء وكذا يخشاه الحكام المسيحيون المجاورون لهم، لأن من عادته أن يقتلهم بطريقة تدعو للدهشة، وهذه الطريقة كالتالي: ... يربي عديداً من أبناء الفلاحين الذين يأخذهم منذ طفولتهم المبكرة، وهناك يجري تعليمهم لغات مختلفة كاللاتينية والإغريقية والرومية والعربية وغيرها، وهؤلاء الشبان الصغار يلقنهم معلموهم من شبابهم المبكر إلى رجولتهم الكاملة أن عليهم أن يطيعوا سيد القلعة في كل ما يقوله أو يأمر به، وأنهم إذا فعلوا ذلك فإنه سوف يهبهم مسرات الفردوس، وهم يلقنون كذلك أن لا أمل لهم في النجاة إذا قاوموا إرادته في أي شيء، ولاحظ أنهم منذ الإتيان بهم أطفالاً لا يرون أحداً سوى معلميهم وأسيادهم ولا يحصلون على أي تعليم آخر، وفي الوقت نفسه وعلى فترات متفاوتة يجري استدعاؤهم إلى حضرة الأمير فيسألهم عما إذا كانوا راغبين في إطاعة أوامره من أجل أن يمنحهم نعمة الفردوس، وعندئذ ينفذون ما تلقنوه بدون اعتراض أو ريبة فيرمون بأنفسهم تحت قدميه ويجيبون بحماسة أنهم سوف يطيعونه في كل ما يأمر به، وحينئذ يقوم الأمير بإعطاء كل منهم خنجراً ذهبياً ويرسلهم لقتل من يشاء من الأمراء".
وكتب المؤرخ الألماني "أرنولد أوف لوبيك" يقول: "سوف أحكي الآن أشياء عن هذا الأمر قد تبدو غريبة ولكن أكد صحتها لي شهود يوثق بهم، لقد استطاع هذا الشيخ بطرقه السحرية أن يغري قومه بأن يعبدوه ولا يقتنعوا بإله سواه، وأغراهم بطريقة غريبة مستخدماً الآمال والوعود بالمسرات والبهجة الخالدة حتى جعلهم يفضلون ألموت على الحياة، إن إيماءة منه كافية لأن تجعل الكثيرين منهم يقفزون من فوق الأسوار المرتفعة فُتدق أعناقهم وتتحطم جماجمهم ويموتون ميتة بائسة، وهو يؤكد لهم أن أسعدهم مآلاً الذين يسفكون دماء الآخرين ويلقون حتفهم بالتالي انتقاماً لفعلتهم، ولذا فإنهم –عندما يختار بعضهم للموت بهذه الطريقة- يعدون أنفسهم لاغتيال من يحددهم ببراعة ثم يسلمون أنفسهم للموت سعداء جزاء لما يفعلون، والشيخ يقدم لهم بنفسه خناجر مخصصة لهذه المهمة ثم يشملهم على نحو يجعلهم ينغمرون في حالة من الوجد والابتهاج الغامر ونسيان أي شيء آخر ويعرض عليهم بسحره أحلاماً خيالية ومسرات وبهجات كبيرة أو بالأحرى مبهرجة زائفة ويعدهم بأن هذه الأشياء ستكون خالصة لهم جزاء لهم".
إن مثل هذه الحملة من الإرهاب المنظم يلزمها مطلبان واضحان: التنظيم والأيديولوجية، فينبغي أن تكون هناك منظمة قادرة على أمرين: شن الهجوم وتحمل الضربة المضادة التي لا شك في مجيئها، وينبغي أن تكون هناك عقيدة تلهم وتدعم المهاجمين إلى درجة مواجهة ألموت، وهذه العقيدة في مثل ذلك العصر والمكان لا يمكن أن تكون سوى الدين وذلك ينطبق على كل عصر.
وهذان العاملان كانا موجودين، فالعقيدة الإسماعيلية المعدلة مع ذكرياتها عن الألم والاستشهاد وغير ذلك كانت بمثابة القضية التي تدعم معتنقيها بالكرامة والشجاعة وتلهمهم الولاء الذي لا نظير له من قبل في التاريخ الإنساني، وقد كان ولاء الحشاشين الذي خاطروا بألموت بل وأحبوه من أجل سيدهم عنواناً على الإيمان والتضحية بالذات قبل أن يكون عنواناً على القتل.
وكان هناك أيضا التنظيم الهادئ إلى جانب الحمية المتوقدة في عمل الحشاشين، ويبدو هذا واضحاً في عديد من المبادئ، فإن استيلاءهم على القلاع والحصون أمدهم بالقواعد الآمنة كما أن مبدأ السرية الذي اشتق من نظرية التقية أفادهم سواء من حيث الأمن أو التضامن، وقد كان عمل الحشاشين تدعمه الاعتبارات الدينية والسياسية.
стр. 4194
المطلب الثالث: الاغتيال السياسي
جاء القتل السياسي مع ظهور السلطة السياسية، وأصبح مع مر الوقت أسرع وأبسط وسيلة لإحداث التغيير السياسي، وعادة ما يكون الدافع لمثل هذه الاغتيالات شخصي أو حزبي أو ما شاكل ذلك.
وفي بعض الأحيان ينظر القاتل والآخرون إلى الاغتيال كواجب تبرره حجج أيديولوجية إذ يبدو أو يصور الضحية كطاغية أو كمغتصبٍ ويبدو ويصور قتله الفضيلة وليس جريمة، ومثل هذا التبرير الأيديولوجي للقتل قد يُعبر عنه بصيغ سياسية أو دينية أو كلاهما معاً.
كان ضحايا الحشاشين في هذا المجال ينتمون إلى مجموعتين رئيسيتين:
الأولى: تضم الأمراء والقواد والوزراء، وقد أحرز الحشاشون على هذا المستوى أول نصر كبير لهم في الفن الذي صار يُنسب إليهم، فن الاغتيال وكانت ضحيتهم المختارة نظام الملك، الوزير السلجوقي الشهير، والعدو الأول لحركة الحشاشين.
وقد دبّر الحسن بن الصباح هذه الجريمة بعناية. يقول المؤرخ رشيد الدين: "إن دينا نصب الشباك والفخاخ من أجل أن يصيد أول كل شيء هدفاً كبيراً كنظام الملك ويجعله يسقط في شباك الهلاك والموت، وبهذا العمل ذاع صيت وعمّت شهرته وأرسى أسس الفدائية، قال: مَنْ منكم يُخلِّص الدولة من شرور نظام الملك الطوسي؟ فوضع رجل يُسمى أبو طالب أراني يده على صدره علامة الموافقة .. وفي ليلة الجمعة ١٢ رمضان من عام ٤٨٥هـ وفي منطقة ساهنا من إقليم نهاوند تقدم الرجل وهو متخفٍ في ثياب الصوفيين إلى محفة نظام الملك الذي كان محمولاً من الساحة العامة إلى خيام حريمه وطعنه بسكين وبهذه الطعنة نال الرجل الشهادة، وبذلك كان نظام الملك أول من قتله الفدائيون وقال مولانا –عليه ما يستحق- إن قتل هذا الشيطان هو بداية البركة".
على أن البعض يلقي بتدبير جريمة قتل نظام الملك على السلطان ملكشاه، حيث يروون في هذا الصدد الرواية التالية: "كان سبب قتله (نظام الملك) أن عثمان بن جمال بن نظام الملك، كان قد ولاّه جده نظام الملك رياسة مرو، وأرسل السلطان إليه أكبر مماليكه وأعظم الأمراء في دولته وكان يقال له قودن، فجرى بينه وبين عثمان منازعة في شيء فحملت عثمان حداثة سنة وتمكنه وطمعه بجده، على أن قبض عليه، وأخرق به، ثم أطلقه، فقصد السلطان مستغيثاً شاكياً، فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع تاج الدولة ومجد الملك البلاساني وغيرهما من أرباب دولته يقول له: "إن كنت شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السلطنة، فلذلك احكم .. وإن كنت نائبي وبحكمي، فيجب أن تلزم حد التبعية والنيابة، وهؤلاء أولادك قد استولى كل واحد منهم على كورة عظيمة، وولي ولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة، وطمعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا"، وأطال القول وأرسل الأمير "يلبرد" –وكان من خواصه وثقاته- وقال لهِ: تعرفني ما يقول، فربما كتم هؤلاء شيئاً.
стр. 4195
فحضروا عند نظام الملك وأوردوا عليه الرسالة، فقال لهم: "قولوا للسلطان إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي، أما يذكر حين قُتل أبوه فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم –منهم فلان وفلان وذكر جماعة ممن خرج عليه- وهو ذلك الوقت يتمسك بي ويلزمني ولا يخالفني، فلما قدرت الأمور إليه وجمعت الكلمة عليه، وفتحت له الأمصار القريبة والبعيدة، وأطاعه القاصي والداني، وأقبل يتجنى لي الذنوب، ويسمع في السعايات، قولوا له عني، إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة وإن اتفاقهما رباط على رغيبة وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك، فإن عزم على تغيير فليتزود للاحتياط قبل وقوعه، وليأخذ الحذر من الحادث أمام طروقه" ثم قال لهم: "قولوا للسلطان عني مهما أردتم فقد أهمني ما لحقني من توبيخه وفتّ في عضدي". فلما خرج الوفد من عنده اتفق أعضاؤه على كتمان ما جرى عن السلطان رعاية لحق نظام الملك وسابقته، وأن يقولوا له ما مضمونه الطاعة والتبعية، ولكن "يلبرد" كان قد مضى إلى السلطان وأعلمه الأمر، ولما كان الغد فوجئ الوفد بأن الخبر قد بلغ السلطان، وأن هذا الأخير قد أحاط بكل ما دار بينهم وبين نظام الملك. ووقع التدبير عليه حتى تّم عليه من القتل ما تم، ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوماً وانحلّت الدولة ووقع السيف وكان قول نظام شبه الكرامة له (١).
ورغم هذه الرواية إلا أن الرأي الذي يبقى أقوى وأوكد وعليه عامة المؤرخين هو أن المسؤول مسؤولية مباشرة عن مقتل نظام الملك هو الحسن بن الصباح وحركته، وهذا الأمر ثابت في مراجع الشيعة أنفسهم، كما أن أسلم نظام الملك محفوظ في "قائمة شرف" للاغتيالات بقلعة ألموت، كانت تُسجل بها أسماء الفدائيين وأسماء من قتلوهم.
وكانت تلك بداية سلسلة طويلة من الهجمات المماثلة أدّت في حرب رعب محسوبة إلى إنزال ألموت المفاجئ بملوك وأمراء وقادة جيوش وحكام يقول ابن الأثير: "إن أي قائد أو ضابط لم يكن يجرؤ أن يترك بيته بدون حماية وكانوا يرتدون الدروع تحت ملابسهم .. وطلب كبار الضباط من السلطان بر كبارق أن يسمح لهم بالظهور أمامه مسلحين خوفاً من أن يتعرضوا للهجوم فمنحهم الإذن بذلك".
أما المجموعة الثانية من ضحايا الحشاشين: فتضم القضاة والعلماء وغيرهم من الشخصيات الدينية الذين أدانوا نظريات الإسماعيلية وأفتوا بقمع من يقول بها، إذ يقول أحد هؤلاء: "إن قتلهم أحلّ من ماء المطر، ومن واجب السلاطين والملوك أن يهزموهم ويقتلوهم وينظفوا وجه الأرض من دنسهم، ولا يجوز الاتصال بهم أو تكوين صداقات معهم أو أكل لحم ذُبح بواسطتهم، أو الدخول معهم في زواج، إن سفك دم ملحد منهم أكبر جزاءً من قتل سبعين من كفار اليوم".
وهناك فئة ثالثة متوسطة تضم ولاة المدن وقد نالت اهتمامهم بين حين وآخر، وكانت المؤسسة السنية بجوانبها السياسية والعسكرية والإدارية والدينية هي العدو الرئيسي للإسماعيلية، وكان هدفهم من الاغتيالات إخافة هذه المؤسسة وإضعافها ثم الإطاحة بها في النهاية.
وبعض هذه الاغتيالات كان مجرد أعمال انتقام وتحذير مثل قتل علماء السنة في مساجدهم عقاباً لهم على مهاجمة الإسماعيلية بالقول أو الفعل، ولكن كان هناك ضحايا آخرين يتم اختيارهم لأسباب محددة أو عاجلة مثل قادة الجيوش الذين يهاجمون الإسماعيلية.
كما اجتمعت الدوافع التكتيكية والدعائية في اغتيال بعض الشخصيات الكبيرة كالوزير نظام الملك –كما أشرنا سابقاً- واثنين من الخلفاء ومحاولات اغتيال صلاح الدين.
стр. 4196
كان الحشاشون بحق اتحاداً من الدجالين والمغفلين استطاعوا تحت قناع من التشدد الديني والأخلاقي الإساءة إلى الدين والخلق، وأن هذه الجماعة من السفاكين الذين سقط تحت نصال خناجرهم أسياد الدول ظلوا أقوياء لأنهم –ولمدة ثلاثة قرون- استطاعوا أن يبثوا الرعب في قلوب الجميع إلى أن سقط وكر الوحوش في يد الخلافة التي كانت منذ البداية هدفاً للتدمير بأيديهم كرمز للسلطة الروحية والزمنية للمسلمين.
لماذا يضحي الفدائي بحياته؟
ونأتي الآن إلى أمر حار فيه كثير من المحللين وتضاربت بشأنه تفسيراتهم، وهو الولاء العجيب من الحشاشين لسيدهم "شيخ الجبل"، الذي جذب انتباه الكثيرين وخاصة في أوربا على الأقل في بداية الأمر، حتى صار مضرب الأمثال. يقول أحد الشعراء مخاطباً حبيبته: "أنت تسيطرين عليّ بسحرك أكثر مما يسيطر الشيخ على حشاشيه الذين يذهبون لقتل أعدائه الفانين". ويقول آخر: "كما يخدم الحشاشون سيدهم بإخلاص لا ينضب، كذلك أحبك بولاء لا يكلّ". وفي خطاب حب آخر يقول كاتب مؤكداً لحبيبته: "أنا حشاشك الذي يتمنى أن يحظى بفردوسك عن طريق تنفيذ أوامرك".
وانطلاقاً من تسليمنا بأن الفكر هو موجه السلوك، فإننا نقف على تفسير إقدام الفدائي على التضحية بحياته إذا ما وقفنا على مكونات فكره التي استطاع الحسن بن الصباح أن يشكلها بطريقة تكشف عن عبقرية سياسية ومواهب إدارية واستراتيجيه كبيرة.
إن الموقف الذي ينطلق منه الفدائي خاصة وعضو حركة الحشاشين عامة، هو القلق والشعور بالخوف إزاء الواقع الذي يعيش فيه كنفس مقيدة في بدن، وكفردية مؤطرة في مجتمع بحيث لا يلقى إلا ما ينغّصه ويكدره ويجعله يشعر بأنه محاصرٌ ومستعبد، فيبدو العالم كله شراً، وتصبح مشكلته الأساسية هي مشكلة الشرّ في العالم: لماذا كان العالم يحتوي على الشر؟ ولماذا يطغى فيه الشر؟ وما مصدر هذا الشر؟.
ومن هذه الوضعية يبدأ الفدائي يعبر عن رفضه لهذا الوجود كله وبشدة فينطلق أولا: بإبداء التضايق والشكوى من هذه الوضعية ثم بإعلان الكراهية والعداء لها انتهاءً بالتشهير بها والتمرد عليها.
يرفض الفدائي هذه الوضعية كواقع خارجي، كما يرفضها كشعور داخلي ... كشروط حياة، ويرفض نفسه كوجود خاضع لهذه الشروط، ومن هنا إحساسه بالغربة بصورة مضاعفة: يشعر نفسه غريباً في عالم يراه غريباً عنه تماماً، فيتجّه إلى تمييز نفسه عن هذا العالم، إلى الانفصال والقطيعة عنه، ومن هنا يتعاظم ميل الفدائي وشوقه وتستولي عليه فكرة ضرورة التحرر من قبضة هذا العالم وقيوده والرحيل عنه إلى حيث امتلاك النفس والتحرر الكامل، والالتحاق بعالم آخر، عالم متعال عن المكان والزمان، عالم الحياة الحقيقية، عالم الكمال والطمأنينة والسعادة، العالم الذي كان فيه وأخرج منه والذي سيعود إليه، وهو يستقي معرفته بذلك العالم الآخر لا من خلال تأمل العالم الدنيوي، وكيف يمكن أن يجد فيه الجواب وهو عالم غريب كله شرّ؟ ولا يقوم باستعمال حواسه وعقله، إذ لا يمكن أن يعتمد عليهما لأنهما مرتبطان بهذا العالم؟ فلا يبقى إلا أن يطمع في أن يتلقى المعرفة التي يبغيها من القوى العليا لا تعطي عملها الغيبي إلا لإمام الزمان، ومن هنا فإن الفدائي يسلم نفسه تماماً إلى هذا الإمام أو من ينوب عنه، فيقوم الإمام أو نائبه باستغلال هذا الموقف فيدفع بالفدائي ورغبته في الخلود والرجوع إلى موطنه الأصلي إلى أقصى مدى.
إن الإمام يقدم له تاريخ له ما قبل تاريخه وما بعده، فيعرف منه أنه كان موجوداً قبل وجوده الراهن في العالم، وأنه جاء إلى هذا العالم من عالم آخر يقع خارج هذا العالم ويسمو على تحديداته الزمانية.
стр. 4197
وانطلاقاً من هذا التصور يقتنع الفدائي بأن وجوده في هذا العالم شيء غير طبيعي، وبالتالي فلابد أن يكون هذا السقوط الذي أصابه، والذي يتمثل في مغادرته عالم الخلود والانغماس في هذا العالم المملوء شرّاً، لابد أن يكون نتيجة لذنب أو خطيئة ولابد من تدارك الموقف والعمل من أجل الخلاص.
إن الفدائي وهو في هذه الحالة من الشعور، يتصوّر "البعث والنشور" على أنه رجوع إلى حال سابقة سامية، حالٌ من الحرية الفكرية، حال ينزع فيها روحه عن جسده، ليعود إلى الحال التي كان عليها قبل ميلاده، بل قبل تكونه في الصورة الجسمانية، إنها النشأة الأخرى أو الميلاد الجديد.
وبعد أن عرف الفدائي من أين أتى وعرف أن مصيره الحقيقي الذي سيحرره من سُحُب هذا العالم، هو الرجوع إلى من حيث أتى، ففي هذا الرجوع وحده يكمن خلاصه.
وبعد أن عرف الفدائي إلى أين يصير، لا يبقى إلا أن يسلك الطريق، وسلوك هذا الطريق لا يكون إلا تحت رعاية الإمام وتوجيهه، والخضوع له خضوعاً مطلقاً وفقاً لمبدأ "التعليم" الذي يقوم بدوره على "التسليم التام" لكل ما يصدر عن الإمام أو المعلم الصادق من أوامر، حتى أنه كما يقول نصير الدين الطوسي: "لو أراد له الحياة لما أحب ألموت، ولو أراد له ألموت لما أحب الحياة، ولو قال له إن النهار المشرق ليل بهيم، أو أن الليل البهيم نهار مشرق لما هجس في قلبه أي اعتراض على هذا القول، ولما حام حول كيف يكون الأمر كذلك ولماذا؟ فينعدم اختيار الإنسان الناقص الجاهل وإرادته باختيار الإنسان الكامل العاقل وإرادته".
ومن هنا فإن الإمام أو المعلم الصادق عندما يأمر الفدائي بأن يغتال إحدى الشخصيات المناوئة للدعوة، فإن الفدائي يسرع بتنفيذ الأوامر الصادرة إليه انطلاقاً من رغبته الجامحة في المساهمة في القضاء على الشرّ المسيطر على هذه الحياة الدنيا، وشوقاً في الصعود إلى عالم الفردوس والخلود الذي آمن من قبل أنه لن يمكنه بلوغه إلا بأن "يخلع عنه قميص جلده" فيتحرر من بدنه ومن كل ما يشده إلى هذا العالم".
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ٩٦
стр. 4198
المبحث التاسع: الرموز السرية
إن أي عمل سري لا تكتمل سريته إلا باستخدام رموز سرية لا يعرف مدلوها إلا المنخرطون في العمل والمنتمون إلى صفوف تنظيمه، لضمان سهولة الاتصال بين الأفراد دون انتباه من العدو.
ومن هنا لجأ الحشاشون ومنذ وقت مبكر إلى استخدام رموز سرية وقواعد خاصة بمراسلاتهم السرية في حروبهم وتنظيماتهم وجعلوا أمر معرفتها مقتصراً عليهم وحدهم، وكانوا يشيرون بها إلى أسماء خصومهم ويخفون وراءها جمل التهديد العنيف.
وكان لهذه الرموز عدة أساليب، تختلف من عهد لآخر، ومن فترة لأخرى، فمثلاً تختلف الرموز السرية التي كانت تُستخدم في دور الستر الأول وفي العهد الفاطمي عنها في عهد الدولة الإسماعيلية النزارية.
والجدير بالملاحظة أن فك تلك الرموز كان من اختصاص كبار الدعاة ممن تُلقى على عاتقهم المهمات الجسام، ويكونون بعيدين عن مركز الدعوة، فكانت الرسائل تصلهم وبصورة منظمة عن طريق الحمام الزاجل الذي برع الإسماعيلية في استخدامه.
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ١١٣
стр. 4199
المبحث العاشر: الإستراتيجية السياسية والعسكرية لحركة الحشاشين في سوريا
إستراتيجية الحشاشين في سوريا لا تختلف عن إستراتيجيتهم في فارس، حيث تعتمد على نفس الوسائل من أجل تحقيق نفس النتائج.
واستغلالاً للوضع القائم الذي كان يتسم بالفوضى الاجتماعية التي أدى إليها دخول السلاجقة، ثم الصراع الذي كان قائماً بين حكام المناطق، حاول الحشاشون في خضم ذلك أن يستولوا على قلاع وحصون أو الحصول عليها لاستخدامها كقواعد خلفية لحملاتهم الإرهابية في مواجهة الخصوم.
وفي هذا الصدد قام الحشاشون بتجميع الناس الذي يقطنون المناطق الجبلية وإثارة الحمية والعاطفة الشيعية فيهم من أجل تجنيدهم في صفوف الحركة، كما عقدوا بعض التحالفات المحدودة، والمؤقتة التي كانت تبدو في صالحهم مع بعض الحكام المحليين.
لقد كانت مهمة الحشاشين صعبة للغاية على الأقل في بداية نشاطهم بسوريا، وربما كان بعض السبب في ذلك أن الدعوة إلى العقيدة الإسماعيلية في هذا البلد بدأت بدعاة غريبين عن الوسط الذي ينشطون فيه، فقد كان معظمهم من الفرس، لذلك كان تجاوب الجماهير مع الحركة سلبياً بالمقارنة إلى بلاد فارس لولا الظروف التي سهّلت المهمة حين حقق الحشاشون أول انتصار لهم بعد نصف قرن تقريباً من الجهد والعمل المتواصلين ومن ثمَّ حصلوا على مجموعة من المراكز القوية بوسط سوريا. كان الحكيم المنجم هو الداعي الكبير الذي يقود الحركة في سوريا ويوجه تحركات عناصرها وقد تمكن من التحالف مع حاكم حلب، كما استغل هذا الداعي توتر العلاقات بين حاكم حلب وبقية حكام سوريا وخاصة حاكمي دمشق وحمص، وقام بمناورة ذكية حيث أقنع حاكم حلب أن حاكمي دمشق وحمص يحشدان الجيوش استعداداً لغزو إمارته، فأظهر الحاكم العداء ضدهما وأبدى رغبته في التعاون مع الحشاشين، وكانت أول بادرة لذلك أن جعل جميع حاشيته منهم، وتمكّن الحشاشون على إثر ذلك من الخروج إلى النور، والنشاط علناً، فقد وجدوا تربة خصبة للعمل السياسي والدعوي معاً، خاصة وأن المدينة غالبية سكانها من الشيعة الإثني عشرية (١)، ولا شك أنهم أقرب إلى إسماعيلية ألموت من أية فرقة أخرى.
وأمام هذه العزلة السياسة التي فرضها حاكم حلب على إمارته، تعرض لانتقاد لاذع من صهره حاكم حمص، ودارت من جراء ذلك رحى الحرب بين الأميرين، انتهت بهزيمة حاكم حلب، الذي فر خارج حدود إمارته ودبر مؤامرة مع الداعية الحكيم المنجم لاغتيال حاكم حمص والانتقام منه، وتمكن بعض الفدائيين الذين كانوا يلبسون زي الصوفية من الهجوم عليه واغتياله وهو يؤدي صلاة الجمعة في المسجد.
وتكاد جميع المصادر تقتصر على هذه الأحداث دون غيرها التي دارت بين الحشاشين وخصومهم.
ولم يبق زعيم الحركة الحكيم المنجم على قيد الحياة طويلاً إذ توفي بعد فترة قصيرة من اغتيال حاكم حمص، وانتقلت زعامة الحركة إلى أحد الدعاة يدعى أبو طاهر الصايغ.
عهد أبي طاهر الصايغ:
كان فارسياً هو الآخر، عمل في بداية الأمر على توطيد علاقته بحاكم حلب أكثر فأكثر، والحفاظ على تحالف الحركة معه أطول مدة، وحصل من خلال ذلك على حرية الحركة في النشاط داخل حلب، ثم سعى للحصول على نقاط إستراتيجية في جبال المدينة وهضابها الواقعة إلى الجنوب.
عهد سنان ... شيخ الجبل:
يمثل هذا العهد العصر الذهبي لحركة الحشاشين في سوريا، كما أن سنان كان أعظم زعيم تشهده الحركة، يشبه في إدارته للحركة وقدراته في مواجهة الخصوم زعيم الحركة الأول الحسن الصباح.
стр. 4200
كان مولد سنان بالبصرة سنة ٥٢٨هـ، وقد درس مختلف العلوم الفلسفية والعقدية المنتشرة في عصره، حتى صار أحد دعاة الإسماعيلية النزارية، التابعة لدولة ألموت الجديدة.
وبعد ثلاثين سنة قضاها سنان شيخ الجبل في قيادة حركة الحشاشين بالشام وافته المنية سنة ٥٨٨هـ، بعد أن أعاد بناء الحركة بمهارة عالية تذكرنا بالحسن بن الصباح المؤسس الأول للحركة.
وبموت سنان شيخ الجبل دخلت الحركة مرحلة الضعف، وهذا بالرغم من أن خلفاءه ظلوا أوفياء لخطه، يمارسون نفس السياسة، ويجعلون من الاغتيال الوسيلة الوحيدة لإثبات الوجود ومقاومة الخصوم، وتمكنوا تحت التهديد والوعيد من الحصول على الجزية خاصة من الأمراء الصليبيين.
وعندما دخل التتار الشام عملوا على القضاء على الحشاشين، إذ شنوا هجوماً واسع النطاق على مختلف قلاعهم، وتمكنوا على إثر ذلك من السيطرة على بعض القلاع الهامة في المنطقة، ولكن سرعان ما ردّت الحركة بقوة واسترجعت بعض ما ضاع منها من قلاع.
وفي هذه الفترة كان السلطان المملوكي الظاهر بيبرس يقود حرباً ضد الصليبيين والمغول الوثنيين، وكان هدفه تحرير الشرق الإسلامي من هذا التهديد المزدوج، كما أنه لا يمكن أن يُتوقع منه التسامح إزاء استمراء وجود جيب مستقل خطر من الملحدين والقتلة في قلب سوريا، وشدد قبضته على الحشاشين فأقروا له بالخضوع والطاعة وأمر بيبرس بجمع الضرائب والرسوم التي تُدفع إلى الحشاشين، ولم يكن باستطاعة الحشاشين الذين أضعفوا في سوريا وأثبطت همتهم نتيجة مصير إخوانهم الفارسيين أن يبدوا مقاومة، فقبلوا جميع إجراءات بيبرس، حتى أصبح –أي بيبرس-، بدلاً من سيد ألموت هو الذي يعين رؤساء الحشاشين ويخلعهم كما يريد، كما أصبح رجال الحركة وأتباعها تحت تصرفه المباشر.
ومنذ ذلك الوقت صار الحشاشون مجرد مجموعات صغيرة تمركزت في مناطق معينة، ولم يعد لها أية أهمية سياسية أو تأثيراً على مجرى الحوادث، ولم يعودوا يظهرون في صفحات التاريخ حتى أوائل القرن التاسع عشر عندما عُرف أنهم في نزاع دائم بينهم، ويبلغ عددهم في الوقت الحاضر بضعة آلاف شخص، يدين البعض منهم بالولاء لآغاخان كإمام لهم.
وهكذا توقفت الإسماعيلية مرة أخرى إلى الأبد عن أن تكون بديلاً جاداً للفكر السني الذي يسيطر على الحياة الفكرية في مختلف البلاد الإسلامية، وإنها لصفحة من أغرب صفحات الثورة على الإسلام، بل وعلى العقل والمنطق، وأشدها غلواً وإغراقاً.
المصدر: أسرار فرقة الحشاشين لمحمد هادي نزار- ص ١٦٠
стр. 4201
المبحث الحادي عشر: الانتشار ومواقع النفوذ
انطلقت دعوتهم من كرمان ويزد إلى أواسط إيران وأصفهان ثم خوزستان ثم هضبة الديلم واستقرت في قلعة ألموت، وشرقاً وصلوا ما زندران ثم قزوين واحتلوا منطقة رودبار ولاماسار وكوهستان .. واحتلوا كثيراً من القلاع وامتدوا إلى نهر جيحون. - وصلت دعوتهم إلى سوريا، وامتلكوا القلاع والحصون على طول البلاد وعرضها ومن قلاعهم بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية. - كان زوالهم في إيران على يد هولاكو المغولي وفي سوريا على يد الظاهر بيبرس. - لهم أتباع إلى الآن في إيران، وسوريا، ولبنان، واليمن، ونجران، والهند، وفي أجزاء من أواسط ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي في السابق
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4202
المبحث الثاني عشر: تعامل الباطنية النزارية (الحشاشين) مع الصليبيين كان أول ظهور الباطنية ببلاد الشام في مدينة حلب، التي كانت تحت حكم الملك السلجوقي رضوان بن تتش، حيث أقام الداعي الباطني الحكيم المنجم الذي أرسله الحسن بن الصباح من ألموت لنشر الدعوة في الشام واستطاع استمالة رضوان إلى الباطنية على أساس أن يستغل هذا شجاعة الباطنية في اغتيال خصومه السياسيين، فحفظ الملك رضوان جانبهم وشايعهم حتى أصبح لهم بحلب دار دعوة (١).لكن لم يلبث أن توفي الحكيم المنجم فتولى أمر الباطنية بعده في الشام رفيقه أبو طاهر الصائغ العجمي الذي سار على نفس الطريقة التي سارت عليها الباطنية في بلاد فارس، فاعتمد الاغتيال كوسيلة لتثبيت أقدامه في الشام وفرض سيطرته، فقام في عام ٤٩٨هـ باغتيال خلف بن ملاعب صاحب أفامية عن طريق أحد دعاته هناك، حيث تسلم أبو طاهر الصائغ الحصن عقب ذلك وأقام فيه (٢).بعد استفحال أمر الباطنية في حلب والشام، أرسل السلطان السلجوقي محمّد ابن ملكشاه إلى ألب أرسلان بن رضوان بن تتش -الذي تولى الحكم في حلب بعد وفاة أبيه- أن يفتك بالباطنية ويقتلهم، فقرر ألب أرسلان الإيقاع بهم والقضاء عليهم، فقبض على أبي طاهر الصائغ وقتله، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجم والأعيان من أصحاب هذا المذهب الباطني بحلب واستصفى أموالهم وتفرقوا في البلاد (٣).ظلّت الباطنية في الشام مختفية مغلوبة على أمرها، بسبب مطاردة الحكام والعامة لها، إلى أن جاءت سنة ٥٢٠هـ، حيث كان على زعامة الباطنية رجل يعرف باسم بهرام، فقال عنه ابن القلانسي: "وفي هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية وعظم خطبه في حلب والشام، وهو على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزي واللباس، بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحد شخصه" (٤).استقر المقام بداعي الباطنية بهرام في دمشق حيث أرسل نجم الدين اليغازي ابن أرتق صاحب الموصل إلى الأمير ظهير الدين أتابك دمشق خطابا يستأذنه في أن يقيم عنده بهرام حتى يؤمن شره وشر جماعته، فأذن له الأمير ظهير الدين بالمقام عنده في دمشق، وفي دمشق "وافق وزير الأمير ظهير الدين أبو عليّ طاهر ابن سعيد المزدقاني داعي الباطنية بهرام، وساعده على نشر مذهبه وبث أفكاره، فعظمت المصيبة بهم، وجلت المحنة بظهور أمرهم، وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السنة، والمقدمين، وأحجم كل منهم عن الكلام فيهم، دفعا لشرهم وارتقابا لدائرة السوء عليهم، لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم، ومعاضدة من يؤازرهم على ضلالهم" (٥).لم يكتف بهرام بهذا، بل حن على ماضيه وماضي جماعته في سفك الدماء وقتل الأبرياء، فحدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم لغير سبب، فخدعه إلى أن حصل في يده، فاعتقله وقتله صبرا، لكن أخاه ضحاكاً لم ينم على دم أخيه فجمع أتباعه وعقدوا العزم على الأخذ بثأر برق، فسار ضحاك مع أتباعه والتقى مع أصحاب بهرام ودارت بينهما معركة في وادي التيم أسفرت عن هزيمة أصحاب بهرام حيث قتل أكثرهم وسقط بهرام نفسه قتيلا في هذه المعركة" (٦).
стр. 4203
بعد مقتل بهرام قام مقامه في قلعة بانياس رجل من الباطنية اسمه إسماعيل العجمي، وأقام الوزير المزدقاني عوض بهرام بدمشق رجلا من الباطنية اسمه أبو الوفا، فعظم أمر أبي الوفا هذا بسبب مساندة الوزير المزدقاني له، حتى أصبح حكمه في دمشق أكثر من حكم صاحبها تاج الملك بوري. لم يقنع أبو الوفا بهذا، بل حدثته نفسه بالخيانة والاستعانة بالصليبيين على أهل دمشق المسلمين، وتسليم دمشق إليهم، فكاتب أبو الوفا زعيم الباطنية في الشام الفرنج على أن يسلم إليهم دمشق، ويسلموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك، وتقرر بينهم الميعاد على أن يكون قدوم الصليبيين إلى دمشق في يوم جمعة وقت الصلاة، على أن يجعل أبو الوفا أصحابه على أبواب جامع دمشق، فلا يمكنوا أحداً من الخروج منه حتى يجيء الفرنج ويتسلموا دمشق ... علم تام الدين بوري صاحب دمشق بهذه المؤامرة، فبادر بالتخلص من أصحابها، ومن كل من ساهم فيها، وبدأ بوزيره أبي علي طاهر بن سعيد المزدقاني، فاستدعاه إليه فحضر، وخلا معه فقتله تاج الملك لتواطئه مع الباطنية، وعلق رأسه على باب القلعة، ثم نادى تاج الملك في البلد بقتل الباطنية، فثار بهم أهل دمشق فقتلوا منهم ستة آلاف نفر، وكفى الله المسلمين شرهم (١).أما الصليبيون فلقد وصلوا على الميعاد المقرر بينهم وبين الباطنية وحاصروا دمشق استعداداً لأخذها، لكنهم علموا أن تاج الملك قد بطش بحلفائهم وقضى عليهم فتأسفوا على ذلك أشد الأسف وغضبوا على عدم تمكنهم من أخذ دمشق، وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على البلد فلما سمع تاج الملك بذلك أرسل أميراً من أمرائه يعرف بشمس الخواص في جمع المسلمين إليهم، فلقوا الفرنج وقاتلوهم، فصبر بعضهم لبعض، فظفر المسلمون بهم وقتلوهم، وأخذوا ما معهم من غنائم وهي عشرة آلاف دابة وثلاثمائة أسير، فلما علم المحاصرون لدمشق بهذا ألقي في قلوبهم الرعب، فرحلوا عن دمشق شبه المنهزمين وكان البرد والشتاء شديداً فخرج تاج الملوك في أثرهم وأخذ يطاردهم حتى قتل كل من تخلف منهم (٢).أما صاحب بانياس الباطني إسماعيل العجمي فلما سمع هو وأصحابه بما وقع لأقرانهم في دمشق أسقط في أيديهم، فخاف إسماعيل على نفسه وعلى أصحابه من أنه يثور به الناس فيقتلونهم، فراسل الفرنج، وبذل لهم تسليم بانياس على أن ينتقل إلى بلادهم ليأمن بهم، فأجابوه إلى ذلك فسلمها إليهم، وخرج هو وأصحابه متسللين من بانياس إلى الأعمال الفرنجية على غاية من الذلة، ونهاية من القلة، فلقوا شدة وهوانا (٣).ظل الحشيشية الباطنية في بلاد الشام على صلة وثيقة بالصليبيين يتآمرون على المسلمين من أهل السنة، ولا يتركون فرصة تلوح للانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجهوا كل عملياتهم ومؤامراتهم ضد قادة الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين والمؤسسات السنية في الشام –"فلم يقاتل الحشيشية (النزارية) الإثنى عشرية أو الشيعة الآخرين، ولم يديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين" (٤) –وهذا يثبت لنا بالدليل القاطع الصلات الوثيقة، وحقيقة التعاون بين الباطنية والصليبيين من جهة واليهود من جهة أخرى.
стр. 4204
فمن الأدلة التي تثبت حقيقة التعاون بين الباطنية والصليبيين أن زعيم الباطنية في الشام راشد الدين سنانت أرسل في عام ٥٦٩هـ وفداً إلى أملريك ملك بيت المقدس يقترح عليه اتفاقاً بين الطرفين ضد القائد المسلم الملك العادل نور الدين محمود، ولوح سنان لملك بيت المقدس بأنه وقومه يفكرون بالتحول نحو النصرانية، وطلب منه مقابل ذلك إلغاء الضريبة التي فرضتها فرسان الداوية الصليبيين على بعض القرى الإسماعيلية الباطنية في الشام، ولما عاد وفد الباطنية الحشيشية من القدس سقط في كمين لفرسان الداوية، فقتل الداوية جميع أفراد الوفد فأثاروا بذلك غضب أملريك ملك بيت المقدس الصليبي، فبعث بكتاب توبيخ للجناة، وطلب من مقدم الداوية سجنهم، كما أرسل إلى سنان مقدم الباطنية معتذراً، وأعلمه أن الجناة نالوا عقابهم، فكان لهذا العمل أثره الذي زاد في إبقاء العلاقات الطيبة بين الطرفين (١).أما عن علاقة الباطنية النزارية باليهود، فيبدو أنها لا تقل درجة عن علاقتهم بالصليبيين، بل كانت أقوى حيث كان الطرفان ممتزجين ببعضهما البعض، فلقد كان عدد كبير من اليهود يعمل بين صفوف الحركة الباطنية النزارية في الشام لخدمة أهدافها، وقد ذكر الرحالة اليهودي بنيامين الذي زار منطقة الشام حوالي عام ٥٦٩هـ بأنه كان يقيم بين الإسماعيلية في الشام نحو أربعة آلاف يهودي، يسكنون الجبال مثلهم، ويرافقونهم في غزواتهم وحروبهم، وهم أشداء لا يقدر أحد على قتالهم، وبينهم العلماء التابعون لنفوذ رأس الجالوت ببغداد (٢).ومن الأدلة الأخرى التي تثبت حقيقة التعاون بين الإسماعيلية الباطنية واليهود ضد المسلمين السنة، أن كاتب الرسائل الباطنية الموجهة إلى ملك بيت المقدس الصليبي بشأن الاتفاق معه للزحف على مصر وقيام الباطنية في الداخل بثورة ضد صلاح الدين وقتله وقتل أتباعه وأخذ مصر منه وإعادة الدولة الفاطمية مرة أخرى، كان كاتب هذه الرسائل يهودي (٣).ومن هذا يتضح أن الطوائف الباطنية من إسماعيلية ونصيرية ودروز ليسوا من المسلمين حقيقة، لا بالقول ولا بالفعل ولا بالاعتقاد، فلقد كانت مواقفهم دائماً مناوئة للإسلام والمسلمين، بل تعاونوا في كل الأوقات مع أعداء الإسلام والمسلمين من صليبيين ويهود (٤).لم يقف الباطنية في الشام عند حد التعاون مع الصليبيين بعقد الاتفاقات بين الطرفين: واغتيال القادة المسلمين الذين هبوا للجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين.
стр. 4205
بل تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك، فلقد أصبح الباطنيون يخوضون مع الصليبيين المعارك الحربية جنبا إلى جنب ضد المسلمين، فعندما عزم الملك العادل نور الدين محمود في عام ٥٤٣هـ توجيه ضرباته إلى الصليبيين ومهاجمة مناطقهم، تعاون الباطنية مع الصليبيين ضد هذا الجهاد، ووقفوا مع الصليبيين ضد حركة نور الدين الجهادية هذه ففي عام ٥٤٤هـ أغار نور الدين محمود على الإقليم المحيط بقلعة حارم على الضفة الشرقية لنهر العاصي، وهي تابعة للصليبيين، وطلب من معين الدين أنر المعونة والمساعدة لقتال الصليبيين، فأمده معين الدين بقوة من فرسانه على رأسهم الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين (١) وعندما ترك نور الدين حارم مكتفيا بتدمير ما حولها من ضياع، أخذ يحاصر قلعة أنب (٢)، فلما علم البرنس ريموند صاحب أنطاكية بمحاصرة نور الدين لتلك القلعة، خرج على رأس قوة من رجاله للتصدي لنور الدين وإرجاعه عنها (٣). فالتقى الفريقان في معركة بالقرب من أنب وأحاط نور الدين محمود بريموند ورجاله فأبادهم جميعاً ولم يبق منهم أحداً، وكان من جملة القتلى البرنس ريموند صاحب أنطاكية، ففرح المسلمون كثيراً بقتله ورينو صاحب كيسوم (٤) ومعرش (٥) فضلاً عن عليّ بن وفاء زعيم الباطنية الذي كان مرافقاً للصليبيين ومحارباً معهم في هذه المعركة (٦).استمر زعماء الباطنية في سياستهم المتحالفة مع الصليبيين ولم يتركوا أي فرصة تلوح لعقد أي اتفاق أو تحالف بينهم وبين الصليبيين وكانوا حريصين على ذلك أشد الحرص حتى يعرقلوا أي حركة جهادية يقوم بها المسلمون ضد الصليبيين. ففي أثناء رحلة هنري دي شامبني ملك مملكة بيت المقدس إلى أنطاكية لتصفية النزاع بين أنطاكية وأرمينية اتصل هنري بالباطنية في مناطق نفوذهم، وعقد معهم أواصر التحالف والصداقة، وانتهز زعيم الباطنية فرصة مرور هنري دي شامبني بأراضيه إلى أنطاكية، فحاول أن يجدد ما كان بين الباطنية والصليبيين من تحالف فاعتذر لنهري عن مقتل كونراد دي مونتفرات ودعاه لزيارة الباطنية في حصن الكهف، فحرص الباطنية أثناء تلك الزيارة على أن يبهروا أنظار ملك الصليبيين بقوتهم وثروتهم، فقدموا إليه كثيراً من الهدايا، كما عرضوا عليه محالفتهم واستعدادهم لقتل من يرغب في قتله (٧).يقول دريد عبدالقادر في كتابه (سياسة صلاح الدين): ويعتقد المؤرخ (كاهين) أن هناك علاقة بين الإسماعيلية وجماعة الإسبتاريين الصليبيين الذين أصبحوا حماة الإسماعيلية، وأن أولئك الذين اغتيلوا من الصليبيين إنما كانوا أعداء الإسبتاريين (٨).