← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

المبحث الحادي عشر: الانتشار ومواقع النفوذ انطلقت دعوتهم من كرمان ويزد إلى أواسط إيران وأصفهان ثم خوزستان ثم هضبة الديلم واستقرت في قلعة ألموت، وشرقاً وصلوا ما زندران ثم قزوين واحتلوا منطقة رودبار ولاماسار وكوهستان .. واحتلوا كثيراً من القلاع وامتدوا إلى نهر جيحون. - وصلت دعوتهم إلى سوريا، وامتلكوا القلاع والحصون على طول البلاد وعرضها ومن قلاعهم بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية. - كان زوالهم في إيران على يد هولاكو المغولي وفي سوريا على يد الظاهر بيبرس. - لهم أتباع إلى الآن في إيران، وسوريا، ولبنان، واليمن، ونجران، والهند، وفي أجزاء من أواسط ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي في السابق المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4202

المبحث الثاني عشر: تعامل الباطنية النزارية (الحشاشين) مع الصليبيين كان أول ظهور الباطنية ببلاد الشام في مدينة حلب، التي كانت تحت حكم الملك السلجوقي رضوان بن تتش، حيث أقام الداعي الباطني الحكيم المنجم الذي أرسله الحسن بن الصباح من ألموت لنشر الدعوة في الشام واستطاع استمالة رضوان إلى الباطنية على أساس أن يستغل هذا شجاعة الباطنية في اغتيال خصومه السياسيين، فحفظ الملك رضوان جانبهم وشايعهم حتى أصبح لهم بحلب دار دعوة (١).لكن لم يلبث أن توفي الحكيم المنجم فتولى أمر الباطنية بعده في الشام رفيقه أبو طاهر الصائغ العجمي الذي سار على نفس الطريقة التي سارت عليها الباطنية في بلاد فارس، فاعتمد الاغتيال كوسيلة لتثبيت أقدامه في الشام وفرض سيطرته، فقام في عام ٤٩٨هـ باغتيال خلف بن ملاعب صاحب أفامية عن طريق أحد دعاته هناك، حيث تسلم أبو طاهر الصائغ الحصن عقب ذلك وأقام فيه (٢).بعد استفحال أمر الباطنية في حلب والشام، أرسل السلطان السلجوقي محمّد ابن ملكشاه إلى ألب أرسلان بن رضوان بن تتش -الذي تولى الحكم في حلب بعد وفاة أبيه- أن يفتك بالباطنية ويقتلهم، فقرر ألب أرسلان الإيقاع بهم والقضاء عليهم، فقبض على أبي طاهر الصائغ وقتله، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجم والأعيان من أصحاب هذا المذهب الباطني بحلب واستصفى أموالهم وتفرقوا في البلاد (٣).ظلّت الباطنية في الشام مختفية مغلوبة على أمرها، بسبب مطاردة الحكام والعامة لها، إلى أن جاءت سنة ٥٢٠هـ، حيث كان على زعامة الباطنية رجل يعرف باسم بهرام، فقال عنه ابن القلانسي: "وفي هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية وعظم خطبه في حلب والشام، وهو على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزي واللباس، بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحد شخصه" (٤).استقر المقام بداعي الباطنية بهرام في دمشق حيث أرسل نجم الدين اليغازي ابن أرتق صاحب الموصل إلى الأمير ظهير الدين أتابك دمشق خطابا يستأذنه في أن يقيم عنده بهرام حتى يؤمن شره وشر جماعته، فأذن له الأمير ظهير الدين بالمقام عنده في دمشق، وفي دمشق "وافق وزير الأمير ظهير الدين أبو عليّ طاهر ابن سعيد المزدقاني داعي الباطنية بهرام، وساعده على نشر مذهبه وبث أفكاره، فعظمت المصيبة بهم، وجلت المحنة بظهور أمرهم، وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السنة، والمقدمين، وأحجم كل منهم عن الكلام فيهم، دفعا لشرهم وارتقابا لدائرة السوء عليهم، لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم، ومعاضدة من يؤازرهم على ضلالهم" (٥).لم يكتف بهرام بهذا، بل حن على ماضيه وماضي جماعته في سفك الدماء وقتل الأبرياء، فحدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم لغير سبب، فخدعه إلى أن حصل في يده، فاعتقله وقتله صبرا، لكن أخاه ضحاكاً لم ينم على دم أخيه فجمع أتباعه وعقدوا العزم على الأخذ بثأر برق، فسار ضحاك مع أتباعه والتقى مع أصحاب بهرام ودارت بينهما معركة في وادي التيم أسفرت عن هزيمة أصحاب بهرام حيث قتل أكثرهم وسقط بهرام نفسه قتيلا في هذه المعركة" (٦).

стр. 4203

بعد مقتل بهرام قام مقامه في قلعة بانياس رجل من الباطنية اسمه إسماعيل العجمي، وأقام الوزير المزدقاني عوض بهرام بدمشق رجلا من الباطنية اسمه أبو الوفا، فعظم أمر أبي الوفا هذا بسبب مساندة الوزير المزدقاني له، حتى أصبح حكمه في دمشق أكثر من حكم صاحبها تاج الملك بوري. لم يقنع أبو الوفا بهذا، بل حدثته نفسه بالخيانة والاستعانة بالصليبيين على أهل دمشق المسلمين، وتسليم دمشق إليهم، فكاتب أبو الوفا زعيم الباطنية في الشام الفرنج على أن يسلم إليهم دمشق، ويسلموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك، وتقرر بينهم الميعاد على أن يكون قدوم الصليبيين إلى دمشق في يوم جمعة وقت الصلاة، على أن يجعل أبو الوفا أصحابه على أبواب جامع دمشق، فلا يمكنوا أحداً من الخروج منه حتى يجيء الفرنج ويتسلموا دمشق ... علم تام الدين بوري صاحب دمشق بهذه المؤامرة، فبادر بالتخلص من أصحابها، ومن كل من ساهم فيها، وبدأ بوزيره أبي علي طاهر بن سعيد المزدقاني، فاستدعاه إليه فحضر، وخلا معه فقتله تاج الملك لتواطئه مع الباطنية، وعلق رأسه على باب القلعة، ثم نادى تاج الملك في البلد بقتل الباطنية، فثار بهم أهل دمشق فقتلوا منهم ستة آلاف نفر، وكفى الله المسلمين شرهم (١).أما الصليبيون فلقد وصلوا على الميعاد المقرر بينهم وبين الباطنية وحاصروا دمشق استعداداً لأخذها، لكنهم علموا أن تاج الملك قد بطش بحلفائهم وقضى عليهم فتأسفوا على ذلك أشد الأسف وغضبوا على عدم تمكنهم من أخذ دمشق، وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على البلد فلما سمع تاج الملك بذلك أرسل أميراً من أمرائه يعرف بشمس الخواص في جمع المسلمين إليهم، فلقوا الفرنج وقاتلوهم، فصبر بعضهم لبعض، فظفر المسلمون بهم وقتلوهم، وأخذوا ما معهم من غنائم وهي عشرة آلاف دابة وثلاثمائة أسير، فلما علم المحاصرون لدمشق بهذا ألقي في قلوبهم الرعب، فرحلوا عن دمشق شبه المنهزمين وكان البرد والشتاء شديداً فخرج تاج الملوك في أثرهم وأخذ يطاردهم حتى قتل كل من تخلف منهم (٢).أما صاحب بانياس الباطني إسماعيل العجمي فلما سمع هو وأصحابه بما وقع لأقرانهم في دمشق أسقط في أيديهم، فخاف إسماعيل على نفسه وعلى أصحابه من أنه يثور به الناس فيقتلونهم، فراسل الفرنج، وبذل لهم تسليم بانياس على أن ينتقل إلى بلادهم ليأمن بهم، فأجابوه إلى ذلك فسلمها إليهم، وخرج هو وأصحابه متسللين من بانياس إلى الأعمال الفرنجية على غاية من الذلة، ونهاية من القلة، فلقوا شدة وهوانا (٣).ظل الحشيشية الباطنية في بلاد الشام على صلة وثيقة بالصليبيين يتآمرون على المسلمين من أهل السنة، ولا يتركون فرصة تلوح للانتقام منهم إلا اهتبلوها، فوجهوا كل عملياتهم ومؤامراتهم ضد قادة الجبهة الإسلامية ضد الصليبيين والمؤسسات السنية في الشام –"فلم يقاتل الحشيشية (النزارية) الإثنى عشرية أو الشيعة الآخرين، ولم يديروا سكاكينهم ضد النصارى أو اليهود المحليين" (٤) –وهذا يثبت لنا بالدليل القاطع الصلات الوثيقة، وحقيقة التعاون بين الباطنية والصليبيين من جهة واليهود من جهة أخرى.

стр. 4204

فمن الأدلة التي تثبت حقيقة التعاون بين الباطنية والصليبيين أن زعيم الباطنية في الشام راشد الدين سنانت أرسل في عام ٥٦٩هـ وفداً إلى أملريك ملك بيت المقدس يقترح عليه اتفاقاً بين الطرفين ضد القائد المسلم الملك العادل نور الدين محمود، ولوح سنان لملك بيت المقدس بأنه وقومه يفكرون بالتحول نحو النصرانية، وطلب منه مقابل ذلك إلغاء الضريبة التي فرضتها فرسان الداوية الصليبيين على بعض القرى الإسماعيلية الباطنية في الشام، ولما عاد وفد الباطنية الحشيشية من القدس سقط في كمين لفرسان الداوية، فقتل الداوية جميع أفراد الوفد فأثاروا بذلك غضب أملريك ملك بيت المقدس الصليبي، فبعث بكتاب توبيخ للجناة، وطلب من مقدم الداوية سجنهم، كما أرسل إلى سنان مقدم الباطنية معتذراً، وأعلمه أن الجناة نالوا عقابهم، فكان لهذا العمل أثره الذي زاد في إبقاء العلاقات الطيبة بين الطرفين (١).أما عن علاقة الباطنية النزارية باليهود، فيبدو أنها لا تقل درجة عن علاقتهم بالصليبيين، بل كانت أقوى حيث كان الطرفان ممتزجين ببعضهما البعض، فلقد كان عدد كبير من اليهود يعمل بين صفوف الحركة الباطنية النزارية في الشام لخدمة أهدافها، وقد ذكر الرحالة اليهودي بنيامين الذي زار منطقة الشام حوالي عام ٥٦٩هـ بأنه كان يقيم بين الإسماعيلية في الشام نحو أربعة آلاف يهودي، يسكنون الجبال مثلهم، ويرافقونهم في غزواتهم وحروبهم، وهم أشداء لا يقدر أحد على قتالهم، وبينهم العلماء التابعون لنفوذ رأس الجالوت ببغداد (٢).ومن الأدلة الأخرى التي تثبت حقيقة التعاون بين الإسماعيلية الباطنية واليهود ضد المسلمين السنة، أن كاتب الرسائل الباطنية الموجهة إلى ملك بيت المقدس الصليبي بشأن الاتفاق معه للزحف على مصر وقيام الباطنية في الداخل بثورة ضد صلاح الدين وقتله وقتل أتباعه وأخذ مصر منه وإعادة الدولة الفاطمية مرة أخرى، كان كاتب هذه الرسائل يهودي (٣).ومن هذا يتضح أن الطوائف الباطنية من إسماعيلية ونصيرية ودروز ليسوا من المسلمين حقيقة، لا بالقول ولا بالفعل ولا بالاعتقاد، فلقد كانت مواقفهم دائماً مناوئة للإسلام والمسلمين، بل تعاونوا في كل الأوقات مع أعداء الإسلام والمسلمين من صليبيين ويهود (٤).لم يقف الباطنية في الشام عند حد التعاون مع الصليبيين بعقد الاتفاقات بين الطرفين: واغتيال القادة المسلمين الذين هبوا للجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين.

стр. 4205

بل تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك، فلقد أصبح الباطنيون يخوضون مع الصليبيين المعارك الحربية جنبا إلى جنب ضد المسلمين، فعندما عزم الملك العادل نور الدين محمود في عام ٥٤٣هـ توجيه ضرباته إلى الصليبيين ومهاجمة مناطقهم، تعاون الباطنية مع الصليبيين ضد هذا الجهاد، ووقفوا مع الصليبيين ضد حركة نور الدين الجهادية هذه ففي عام ٥٤٤هـ أغار نور الدين محمود على الإقليم المحيط بقلعة حارم على الضفة الشرقية لنهر العاصي، وهي تابعة للصليبيين، وطلب من معين الدين أنر المعونة والمساعدة لقتال الصليبيين، فأمده معين الدين بقوة من فرسانه على رأسهم الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين (١) وعندما ترك نور الدين حارم مكتفيا بتدمير ما حولها من ضياع، أخذ يحاصر قلعة أنب (٢)، فلما علم البرنس ريموند صاحب أنطاكية بمحاصرة نور الدين لتلك القلعة، خرج على رأس قوة من رجاله للتصدي لنور الدين وإرجاعه عنها (٣). فالتقى الفريقان في معركة بالقرب من أنب وأحاط نور الدين محمود بريموند ورجاله فأبادهم جميعاً ولم يبق منهم أحداً، وكان من جملة القتلى البرنس ريموند صاحب أنطاكية، ففرح المسلمون كثيراً بقتله ورينو صاحب كيسوم (٤) ومعرش (٥) فضلاً عن عليّ بن وفاء زعيم الباطنية الذي كان مرافقاً للصليبيين ومحارباً معهم في هذه المعركة (٦).استمر زعماء الباطنية في سياستهم المتحالفة مع الصليبيين ولم يتركوا أي فرصة تلوح لعقد أي اتفاق أو تحالف بينهم وبين الصليبيين وكانوا حريصين على ذلك أشد الحرص حتى يعرقلوا أي حركة جهادية يقوم بها المسلمون ضد الصليبيين. ففي أثناء رحلة هنري دي شامبني ملك مملكة بيت المقدس إلى أنطاكية لتصفية النزاع بين أنطاكية وأرمينية اتصل هنري بالباطنية في مناطق نفوذهم، وعقد معهم أواصر التحالف والصداقة، وانتهز زعيم الباطنية فرصة مرور هنري دي شامبني بأراضيه إلى أنطاكية، فحاول أن يجدد ما كان بين الباطنية والصليبيين من تحالف فاعتذر لنهري عن مقتل كونراد دي مونتفرات ودعاه لزيارة الباطنية في حصن الكهف، فحرص الباطنية أثناء تلك الزيارة على أن يبهروا أنظار ملك الصليبيين بقوتهم وثروتهم، فقدموا إليه كثيراً من الهدايا، كما عرضوا عليه محالفتهم واستعدادهم لقتل من يرغب في قتله (٧).يقول دريد عبدالقادر في كتابه (سياسة صلاح الدين): ويعتقد المؤرخ (كاهين) أن هناك علاقة بين الإسماعيلية وجماعة الإسبتاريين الصليبيين الذين أصبحوا حماة الإسماعيلية، وأن أولئك الذين اغتيلوا من الصليبيين إنما كانوا أعداء الإسبتاريين (٨).

стр. 4206

وقد أيد المؤرخ الإنجليزي هدجسون وجود مثل تلك العلاقة، وأعتقد بأن هناك إشارات واضحة تدل على ذلك (١) وبعد قيام دولة المماليك في مصر وعقد الصلح بينهم وبين الأيوبيين في الشام لم يعد هناك أي شاغل يشغل الطرفين غير الجهاد ضد الصليبيين فاجتمعت جهودهم وقواهم وأخذ كل واحد منهم يعمل من عنده في حرب الصليبيين، وفي المقابل وأمام هذا الاتفاق بين مصر والشام، قام لويس التاسع قائد الصليبيين بتنظيم الدفاع عن الممتلكات والبلدان الصليبية فقام بتحصين المدن والموانئ الصليبية بتحصينات حربية ضخمة حتى تصمد في وجه الهجمات والغارات الإسلامية، ولكي يكمل لويس التاسع نظامه الدفاعي عن الممتلكات الصليبية في بلاد الشام سعى إلى عقد اتفاقيات وتحالفات واسعة النطاق مع أعداء المسلمين السنة في الشام، فحاول التحالف مع الباطنية الشيعة الحشاشين من ناحية ومع المغول من ناحية أخرى حتى يتحقق له بهذا التحالف نوع من التوازن بين الصليبيين من جهة والمماليك والأيوبيين من جهة ثانية. فعندما علم شيخ الجبل –زعيم الحشاشين في بلاد الشام- بوصول لويس التاسع إلى الشام أرسل إليه يطلب منه عقد نوع من الارتباط والتفاهم بين الطرفين، ويبدو أن الباطنية أرادوا من وراء ذلك أن يؤمنوا أنفسهم إزاء الموقف الجديد الناشئ عن قيام دولة المماليك في مصر ووقوفها إلى جانب الأيوبيين في الجهاد ضد الصليبيين عن طريق عقد تحالف مع الصليبيين بالشام، فأرسل شيخ الجبل زعيم الباطنية بعض الهدايا إلى لويس التاسع ملك فرنسا –من جملتها فيل من البللور- فرد عليه ملك فرنسا لويس التحية بأحسن منها، مما أدى إلى تقوية أواصر التحالف بين الطرفين (٢).وأثناء الغزو المغولي الذي استهدف الممالك الإسلامية والخلافة العباسية في بغداد، ورأى الإسماعيلية الباطنية أن مطامع المغول لا تقف عند حد، وأن فتوحاتهم مستمرة، خافوا خطرهم، وصمموا على مقاومتهم فأخذوا يرسلون رسلهم على إنجلترا وفرنسا سنة ٦٣٧هـ طالبين معونة الأوربيين الذين عرفوهم إبان الحروب الصليبية، لكنهم لم يلقوا مجيباً يشهد بذلك ما قاله أسقف مدينة ونشستر Winchester: " دع هؤلاء الكلاب يأكل بعضهم بعضاً حتى يقضى عليهم نهائياً، وعندئذ سوف نقيم على أنقاضهم الكنيسة الكاثوليكية العالمية، فتكون حقا راعياً واحداً وقطيعاً واحداً" (٣). المصدر: أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ليوسف إبراهيم الشيخ – ص ١٨٧

стр. 4207

جدول بأسماء القادة والعلماء الذين اغتالهم الباطنيون الاسم سنة الاغتيال كيفية وقوع حادث الاغتيال ١ - الخليفة المسترشد بالله العباسي ٥٢٩هـ هجم عليه بضعة عشر من الباطنية وطعنوه بالخناجر ثم مثلوا به ٢ـ الخليفة الراشد العباسي ٥٣٢هـ اغتيل غدرا في أصبهان ٣ـ الوزير نظام الملك السلجوقي ٤٨٥هـ تقدم إليه باطني في صورة مستغيث ولما اقترب منه طعنه بسكين وقتله ٤ـ الوزير نظام الملك (أبو نصر) ٥٠٣هـ وثب عليه جماعة من الباطنية وهو يؤدي الصلاة في الجامع وجرحوه عدة جراحات ٥ـ الوزير أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني ٤٩٥هـ عدا عليه شاب باطني وجرحه عدة جراحات مات بعدها. ٦ـ الوزير الكمال أبو طالب السميرمي ٥١٦هـ وثب عليه الباطنية وهو سائر في طريق ضيق وقتلوه. ٧ـ الوزير معين الملك (أبو نصر) ٥٢١هـ وثب عليه باطني وهو غافل مطمئن فقتله وكان هذا الباطني يعمل سائسا لخيل معين الملك ليصل إلى هدفه. ٨ـ الوزير عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء ٥٧٣هـ تقدم إليه جماعة من الباطنية في صورة فقراء ومعهم رقاع وهو في طريقه إلى الحج فتقدم إليه أحدهم وضربه بسكين وتبعه ثان وثالث حتى قتلوه. ٩ـ الوزير نظام الملك مسعود بن علي ٥٩٦هـ قتله الباطنية غدرا ١٠ـ الوزير فخر الملك أبو المظفر علي بن نظام الملك ٥٠٠هـ تقدم إليه شاب من الباطنية وهو يتظلم وفي يده رقعة وبينما كان يقرؤها الوزير وثب عليه ذلك الشاب بخنجر كان معه وقتله. ١١ـ الأمير بلكابك سرمز ٤٩٣هـ طعنه الباطنية بسكاكينهم غدرا فقتلوه. ١٢ـ الأمير مودود ٥٠٧هـ وثب عليه الباطنية بعد فراغه من أداء صلاة الجمعة في جامع دمشق وقتلوه. ١٣ـ الأمير أحمديل بن إبراهيم الراودي ٥١٠هـ تقدم إليه رجل من الباطنية وهو يتظلم ويبكي ومد إليه رقعة سأله أن يوصلها له إلى السلطان فلما أخذها منه وثب عليه ذلك الرجل على الفور بسكينة وقتله ١٤ـ الأمير قسيم الدولة آقسنقر البرسقي ٥٢٠هـ هجم عليه بضعة عشر نفرا من الباطنية في الجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة فقتلوه. ١٥ـ الأمير تاج الملوك بوري بن طغتكين ٥٢٥هـ هجم عليه اثنان من الباطنية وحاولا قتله لكنه برأ من جراحه فيما بعد ولكنه توفي في السنة التي بعدها متأثرا بأحد تلك الجراح ١٦ـ الأمير آقسنقر الأحمديلي ٥٢٧هـ قتله الباطنية غدرا ١٧ـ الأمير أغلمش ٦١٤هـ قتله الباطنية غدارا ١٨ـ الأمير شهاب الدين الغوري ٦٠٢هـ قتله الباطنية غدرا وخوفا منه ومن بطشه ١٩ـ أمير من أمراء جلال الدين بن خوارزم شاه ٦٢٤هـ قتله الباطنية غدرا ٢٠ـ الأمير جناح الدولة حسين ٤٩٥هـ وثب عليه ثلاثة من الباطنية في الجامع بعد فراغه من أداء صلاة الجمعة وقتلوه. ٢١ - الأمير خلف بن ملاعب ٤٩٩هـ قتله الباطنية غدراً ٢٢ـ الأمير شمس الملوك إسماعيل بن بوري ٥٢٩هـ قتله الباطنية غدراً ٢٣ـ الأمير برسق الكبير ٤٩٠هـ قتله الباطنية غدراً. ٢٤ـ الأمير سيف الدين أخو علاء الدين الغوري ٥٤٧هـ قتله الباطنية غدراً. ٢٥ـ السلطان داود بن السلطان محمود ٥٣٨هـ قتله الباطنية غدراً. ٢٦ـ السلطان بكتمر ٥٨٩هـ قتله الباطنية غدراً. ٢٧ـ السلطان صلاح الدين الأيوبي ٥٧٠هـ حاولوا قتله داخل معسكر جيشه لكنهم فشلوا. ٢٨ـ السلطان صلاح الدين الأيوبي ٥٧١هـ حاولوا قتله وهو محاصر لحلب لكنهم فشلوا. ٢٩ـ النائب نصر خان بن أرسلان خان محمد ٥٤٧هـ قتله الباطنية غدراً. ٣٠ـ المقرب جوهر ٥٤٧هـ تعرض إليه جماعة من الباطنية في زي نساء واستغثن به فوقف يسمع كلامهم فوثبوا عليه وقتلوه. ٣١ـ أبو صالح بن العجمي ٥٧٣هـ وثب عليه جماعة من الباطنية في الجامع وقتلوه. ٣٢ـ أخو الأمير قتادة أمير مكة ٦٠٨هـ وثبوا عليه بمنى أيام الحج وقتلوه. ٣٣ـ أبو القاسم ابن إمام الحرمين ٤٩٢هـ قتله الباطنية غدراً. ٣٤ـ الفقيه أحمد بن الحسين البلخي ٤٩٤هـ قتله الباطنية غدراً. ٣٥ـ الفقيه عبد اللطيف ابن الخجندي ٥٢٣هـ قتله الباطنية غدراً. ٣٦ـ الفقيه أبو المحاسن الروياني ٥٠٢هـ قتله الباطنية غدراً. ٣٧ـ القاضي أبو العلاء صاعد النيسابوري ٤٩٩هـ قتله الباطنية بجامع أصبهان ٣٨ـ القاضي عبيد الله بن علي الخطيبي ٥٠٢هـ قتله الباطنية بالجامع وهو يؤدي صلاة الجمعة. ٣٩ـ القاضي صاعد بن عبدالرحمن أبو العلاء ٥٠٢هـ قتله الباطنية يوم عيد الفطر بنيسابور ٤٠ـ القاضي أبو سعد محمد بن نصر الهروي ٥١٨هـ هجم عليه قوم من الباطنية في جامع همذان وقتلوه. ٤١ـ الواعظ أبو جعفر ابن المشاط ٤٩٨هـ كان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله. ٤٢ـ الواعظ أبو المظفر الخجندي ٤٩٦هـ كان يدرس للناس في الجامع ولما نزل من على كرسيه وثب عليه باطني وقتله. المصدر: أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين ليوسف إبراهيم الشيخ -ص٣٠١

стр. 4208

المطلب الأول: التعريف بهم القرامطة حركة باطنية هدامة تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث ويلقب بقرمط لقصر قامته وساقيه وهو من خوزستان في الأهواز ثم رحل إلى الكوفة. وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4209

المطلب الثاني: ألقابهم وأما ألقابهم فإنهم يسمون: الإسماعيلية، والباطنية، والقرامطة، والخرمية، والبابكية، والمحمرة، والسبعية، والتعليمية. فأما تسميتهم بالإسماعيلية فانتسابهم إلى " إسماعيل بن جعفر " وأما تسميتهم بالباطنية فإنهم ادعوا أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن، تجري مجرى اللب من القشر، وأنها توهم الأغبياء صورا، وتفهم الفطناء رموزا وإشارات إلى حقائق خفية، وأن من تقاعد عن الغوص على الخفايا والبواطن متعثر، ومن ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف واستراح من أعبائه واستشهدوا بقوله تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]، قالوا: والجهال بذلك هم المرادون بقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ [الحديد: ١٣]. وغرضهم فيما وضعوا من ذلك إبطال الشرائع، لأنهم إذا صرفوا العقائد عن موجب الظاهر تحكموا بدعوى الباطن على ما يوجب الانسلاخ من الدين.

стр. 4210

وأما تسميتهم بالقرامطة ففي سبب ذلك ستة أقوال: أحدها: أنهم سموا بذلك لأن أول من أشير لهم ذلك المحبة " محمد الوراق المقرمط " وكان صوفيا. والثاني: أن لهم رئيسا من السواد من الأنباط يلقب بقرمطويه، فنسبوا إليه. والثالث: أن قرمطا كان غلاما لإسماعيل بن جعفر فنسبوا إليه، لأنه أحدث لهم مقالاتهم. والرابع: أن بعض دعاتهم نزل برجل يقال لهم " كرمية " فلما رحل تسمى قرمط بن الأشعث، ثم أدخله في مذهبه. الخامس: أن بعض دعاتهم رجل يقال له: " كرمية " فلما رحل تسمى باسم ذلك الرجل، ثم خفف الاسم فقيل: قرمط. قال أهل السير: كان ذلك الرجل الداعي من ناحية خوزستان وكان يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه، ويحفظ للقوم ما صرموا من نخلهم في حظيرته، ويصلي بأكثر الناس، ويأخذ عند إفطاره من البقال ثم يحاسب على ما أخذ منه ويحط من ذلك ثمن النوى، فسمع التجار الذين صرموا نخلهم، فوثبوا عليه، وضربوه وقالوا: لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى، فأخبرهم البقال في الحال، فندموا على ضربه، وسألوه الإحلال، فازداد بذلك نبلا عند أهل القرية. وكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة. ثم أعلم الناس أن يدعوا إلى إمام من أهل بيت رسول الله، ثم مرض، ومكث مطروحا على الطريق، وكان في القرية رجل يحمل على أثوار له، وكان أحمر العينين، وكان أهل القرية يسمونه "كرميته" لحمرة عينيه، وهو بالنبطية: حار العين؛ فكلم البقال "كرميته" هذا أن يحمل هذا العليل إلى منزله، ويوصي أهله الإشراف عليه والعناية به، ففعل، فأقام عنده حتى برئ، ثم كان يأوي إلى منزله. ودعا أهل القرية إلى أمره فأجابوه. وكان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام. فمكث يدعو أهل القرى فيجيبونه، واتخذ منهم اثني عشر نقيبا، وأمرهم أن يدعو الناس إلى دينه، وقال لهم: " أنتم كحواري عيسى بن مريم ﵉ "، فشغل أَكَرَة تلك الناحية عن أعمالهم، لما رسمه لهم من الخمسين صلاة التي ذكر أنها فرضت عليهم. وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع فوقف على تقصير أَكَرَته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبر أن رجلا قدم عليهم فأظهر لهم مذهبا من الدين، وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة وقد اشتغلوا بها، فوجه إليه، فجيء به، فسأله عن أمره، فأخبره بقصته، فحبسه في بيت وحلف بقتله، وأقفل عليه الباب، وترك المفتاح تحت وسادته، ونام، فرقت له جارية فأخذت المفتاح وأخرجته، ثم أعادت المفتاح إلى موضعه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب فلم يجده، فشاع ذلك الخبر، فعبر به أهل تلك الناحية وقالوا: قد رفع!! ثم ظهر في موضع آخر، ولقي جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته فقال: ليس يمكن أحد أن يؤذيني. ثم خاف على نفسه وخرج إلى الشام، وتسمى باسم الرجل الذي كان في منزله "كرميته" ثم خفف فقيل "قرمط". وفشا أمره وأمر أصحابه، وكان قد لقي صاحب الزنج، فقال له: " أنا على مذهب ورائي مائة ألف سيف فناظرني، فإن اتفقنا ملت بمن معي إليك، وإن تكن الأخرى انصرفت"، فناظره، فاختلفا، ففارقه.

стр. 4211

السادس: أنهم لقبوا بهذا نسبة إلى رجل من دعاتهم يقال له:"حمدان بن قرمط". وكان حمدان من أهل الكوفة يميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق وهو متوجه إلى قرية وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي وهو لا يعرفه: أين تقصد؟ فسمى قرية حمدان، فقال له: اركب بقرة من هذه البقر لتستريح من المشي، فقال: إني لم أؤمر بذلك، فقال: كأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم، فقال حمدان: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة، فقال: ذلك الله ، قال: صدقت، قال: وما غرضك في هذه البقعة؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن التعب والكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض علي من العلم ما تحييني به، فما أشد حاجتي إلى ذلك، فقال: ما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى كل أحد إلا بعد الثقة والعهد إليه، قال حمدان: فاذكر عهدك فإني ملتزم به، فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله وميثاقه أن لا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفشي سري أيضا. فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهل حتى استدرجه واستغواه، واستجاب له في جميع ما دعاه إليه، ثم انتدب للدعوة وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمى أتباعه القرمطية. وأما تسميتهم بالخرمية: فإن " خرم " لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستلذ الذي يشتهيه الآدمي. وكان هذا لقبا للمزدكية وهم أهل الإباحة من المجوس، الذين نبغوا في أيام قباذ، فأباحوا المحظورات فلقب هؤلاء بلقب أولئك لمشابهتهم إياهم في اعتقادهم ومذهبهم. وأما تسميتهم بالبابكية: فإن طائفة منهم تبعوا "بابك الخرمي" وكان قد خرج في ناحية أذربيجان في أيام المعتصم فاستحل، فبعث إليه المعتصم الإفشين فتخاذل عن قتاله وأضمر موافقته في ضلالته، فاشتدت وطأة البابكية على المسلمين ... إلى أن أخذ بابك وقتل. فأما تسميتهم بالمحمرة فيذكر عنهم أنهم صبغوا الثياب بالحمرة أيام بابك، وكانت شعارهم. وأما تسميتهم بالسبعية، فإنهم قد زعموا أن الكواكب السبعة مدبرة للعالم السفلي. وأما تسميتهم بالتعليمية، فإن مبدأ مذاهبهم إبطال الرأي، وإفساد تصرف العقل، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم وأنه لا مدرك للعلوم إلا بالتعليم. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٣٥

стр. 4212

المطلب الثالث: بدايات دعوتهم فأما البدايات التي بنوا عليها فإنه لما كان مقصودهم الإلحاد تعلقوا بمذهب الملحدين مثل زرادشت ومزدك فإنهما كانا يستحلان المحظورات، وما زال أكثر الناس مع إعراضهم لا يدخلون في حجر يمنعهم إياها، فلما جاء نبينا ﷺ فقهر الملك ومنع الإلحاد أجمع جماعة من الثنوية والمجوس والملحدين ومن دان بدين الفلاسفة المتقدمين، فأعملوا آراءهم وقالوا: " قد ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا ومخرقوا على أممهم وأعظم كل بلية علينا محمد، فإنه نبغ من العرب الطغام، فخدعهم بناموسه، فبذلوا أموالهم وأنفسهم ونصروه، وأخذوا ممالكنا، وقد طالت مدتهم. والآن قد تشاغل أتباعه؛ فمنهم مقبل على كسب الأموال، ومنهم على تشييد البنيان، ومنهم على الملاهي، وعلماؤهم يتلاعبون ويكفر بعضهم بعضا، وقد ضعفت بصائرهم، فنحن نطمع في إبطال دينهم، إلا أنا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم، فليس الطريق إلا إنشاء دعوة في الدين والانتماء إلى فرقة منهم، وليس فيهم فرقة أضعف عقولا من الرافضة، فندخل عليهم نذكر ظلم سلفهم الأشراف من آل نبيهم، ودفعهم عن حقهم، وقتلهم، وما جرى عليهم من الذل لنستعين بها على إبطال دينهم " ... فتناصروا، وتكاتفوا، وتوافقوا، وانتسبوا إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق. وكان لجعفر أولاد، منهم إسماعيل هذا، وكان يقال له: إسماعيل الأعرج. ثم سوّل لهم الشيطان آراء ومذاهب، أخذوا بعضها من المجوس، وأخذوا بعضها من الفلاسفة. ومخرقوا على أتباعهم، وإنما قصدهم الجحد المطلق، لكنهم لما لم يمكنهم توسلوا إليه. فقد بان لك لما ذكرت من البدايات التي بنوا عليها- الباعث لهم على ما فعلوا من نصب الدعوة. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص٣٠

стр. 4213

المطلب الرابع: أهدافهم تقوم حركة القرامطة على غاية أساسية وهي القضاء على الإسلام بعد تسلم الحكم والانتهاء من دولته وهي بهذا لا تختلف عن بقية الثورات التي قامت في ذلك العصر مثل حركة الزنج والخرمية وما إلى ذلك من حركات وكانت تمد هذه الحركات جميعها المجوسية المقنعة بالأفراد الذين يظهرون اعتناق الإسلام وتمولها اليهودية بالأموال وتعضدها كل الفرق والديانات المعادية للإسلام سواء الموجودة منها داخل المجتمع الإسلامي على الرغم من أنها كانت تلقي الأمان والطمأنينة وتعيش برغد وهناء أم تلك التي كانت خارج المجتمع الإسلامي وتحارب المسلمين. وكان أعداء الإسلام قد عجزوا عن معارضته في البداية بعد انتصاراته الواسعة عليهم إذ انزوى اليهود في جزر من الأرض صغيرة وانفرد أفراد من المجوس في الأراضي الشاسعة وبدأ الكيد وتدبير المخططات والأساليب الماكرة وكان أول هذه المؤامرات قتل الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ على يد المجوس إذ قتله أبو لؤلؤة الذي اتهم الهرمزان وتشير أصابع الاتهام إلى بعض اليهود الذين أظهروا الإسلام ثم كان قتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁ بتدبير اليهود الذين أشعلوا فتنة وسط المجتمع الإسلامي على يد عبدالله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وبدأ يتنقل في الأمصار الإسلامية يشيع الفتنة ويحدث بأمور لم يعرفها المسلمون من قبل ونشأ من جراء ذلك فرقة تؤله الخليفة علي بن طالب ﵁ وليس هذا محبة بسيدنا علي ودينه وإنما مكيدة وحقد ولإيجاد الشقاق بين المسلمين وخرق الدين من داخله وتولدت عن هذه الفرقة حركات تدعي الانتساب إليه أو إلى أحفاده يحملها المجوس ويغذيها اليهود فكانت السبئية نسبة إلى عبدالله بن سبأ اليهودي وكانت الكيسانية والحركات الباطنية الأخرى التي لا تستطيع إظهار ما تعتقد لما فيه من سخف وضعف وسيدنا علي وأحفاده وكل آل البيت منها برءاء. ولما كان أكثر المجوس من فارس كانت فارس مركز هذه الديانة وقامت حركات يتزعمها فرس وفي رؤوسهم أفكار المجوس وآراؤهم وعقيدتهم يظهرون الإسلام ويبطنون المجوسية ويحقدون على من قضى على دولتهم ولكنهم لا يستطيعون أن يعملوا إلا في الخفاء وكانت الخرمية والقرامطة والحشاشون وغيرهم وربما كان هذا هو الباعث لدعوتهم وكان ادعاء النسب هو المجال الذي يخفي فيه هؤلاء الشياطين أنفسهم ليختفي تحته هدف الحركة فادعى صاحب الزنج النسب العلوي وتسمي باسم (علي بن محمد) وانتسب (الحسين بن زكرويه بن مهرويه) النسب نفسه وأخذ اسم أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكان أخوه (يحيى) قد ادعى أنه هو محمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق حتى إن الذين يريدون أن يرفعوا من شأن القرامطة يجعلون لقادتها نسبا عربيا وما هو كذلك إن يريدون إلا كذبا. يقول عبدالرحمن بن الجوزي (وقالوا -أي القرامطة- قد ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا ومخرقوا على أممهم وأعظم كل بالرأسمالية علينا محمد فإنه نبغ من العرب الطغام فخدعهم بناموسه فبذلوا أموالهم وأنفسهم ونصروه وأخذوا ممالكنا وقد طالت مدتهم. والآن قد تشاغل أتباعه فمنهم مقبل على كسب الأموال ومنهم على تشييد البنيان ومنهم على الملاهي وعلماؤهم يتلاعبون ويكفر بعضهم بعضا وقد ضعفت بصائرهم فنحن نطمع في إبطال دينهم إلا أنا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم فليس الطريق إلا إنشاء دعوة في الدين والانتماء إلى فرقة منهم وليس فيهم فرقة أضعف عقولا من الرافضة فندخل عليهم نذكر ظلم سلفهم الأشراف من آل نبيهم ودفعهم عن حقهم وقتلهم وما جرى عليهم من الذل لنستعين بها على إبطال دينهم فتناصروا وتكافتوا وتوافقوا وانتسبوا إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق) (١). المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٨

стр. 4214

المطلب الأول: الحالة السياسية كان للضعف الذي ألمَّ بالخلفاء العباسيين بعد موت الواثق سنة ٢٣٢هـ، وسيطرة الأعاجم عليهم وضياع نفوذ الخلافة، الأثر الكبير في كثرة الانفصالات عن الدولة العباسية، واستقلال بعض الأسر المشهورة؛ كالصفاريين والسامانيين والعلويين واليعفريين والطولونيين. ولم يبقَ للعباسين في كثير من الأقاليم سوى الدعاء لهم يوم الجمعة والعيدين ونزر يسير من الهدايا. كما أثار الزنج ـ وهم طائفة من عبيد إفريقية ـ القلق والرعب في حاضرة الخلافة العباسية، وكان مسرح ثورتهم الجامحة العنيفة التي دامت أكثر من أربع عشرة سنة المستنقعاتُ الممتدة بين البصرة وواسط. وقد كلفت هذه الثورة الدولة العباسية كثيراً من الجهود والأموال والأرواح. وظهر القرامطة في سواد العراق والبحرين؛ حيث أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة العباسي بفتنة الزنج، وظهر ابن حوشب في اليمن حيث نشر دعوة المهدي، وظهر أبو عبد الله الشيعي الذي نشر الدعوة الفاطمية في المغرب. المصدر: القرامطة في الخليج العربي مقال لمحمد أمحزون

стр. 4215

المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية والاقتصادية أما الحالة الاجتماعية والاقتصادية فإن المجتمع العباسي في هذه الفترة كان ينقسم إلى ثلاث طبقات رئيسة: أـ الطبقة العليا: وتشتمل على الخلفاء والوزراء والقادة والولاة، ومن يلحق بهم من الأمراء وكبار التجار وأصحاب الإقطاع. ب ـ الطبقة الوسطى: وتشتمل على رجال الجيش وموظفي الدواوين والتجار والصناع. ج ـ الطبقة الدنيا: وتشمل أغلبية الناس من الزراع وأصحاب الحرف الوضيعة والخدم والرقيق. وفي خضم هذه الظواهر الاجتماعية والاقتصادية التي طبَعَها ما روي من الترف والمجون والفساد والفقر والجهل، وما صاحب ذلك من دجل وخرافة وشعوذة وسحر وطلاسم وتنجيم، ظهر القرامطة واستغلوا هذه الأجواء المشحونة لإذكاء نار الفتنة بين الناس، مذكرين إياهم ما يلقونه من ظلم وعنت، وأن ساعة الخلاص من الظلم والاضطهاد قريبة، مما جعل هؤلاء إزاء هذه الحالة الاقتصادية والاجتماعية السيئة على أتم استعداد للخروج على ولاة أمورهم. وكذلك انتشرت هذه الدعوة بين أهل الحرف وعوام المدن الذين كان مستوى معيشتهم متواضعاً وظلوا جهلة لا يفهمون الشريعة، ويرون أوامرها يمكن تركها متى تطلّبت المصلحة ذلك. وهذا الجهل جعلهم طعمة سهلة للدعوة القرمطية الماكرة، خاصة في مدن الأحساء والقطيف والبحرين حيث استمرت دعوة حمدان قرمط؛ إذ أنشأ أحد دعاته وهو الحسين الجنابي دولة في الخليج، مطبقاً روح تعاليم سلفه بكل حماس، مستغلاً حالة التذمر من الفقر والفاقة التي كانت سائدة المصدر: القرامطة في الخليج العربي، مقال لمحمد أمحزون

стр. 4216

المطلب الأول: معتقدهم في الإلهيات اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني واسم العلة السابق واسم المعلول التالي وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه وقد يسمى الأول عقلا والثاني نفسا ويزعمون أن الأول هو التام بالفعل والثاني بالإضافة إليه ناقص لأنه معلوله وربما لبسوا على العوام مستدلين بآيات من القرآن عليه كقوله تعالى إنا نحن نزلنا ونحن قسمنا وزعموا إن هذه إشارة إلى جمع لا يصدر عن واحد ولذلك قال سبح اسم ربك الأعلى إشارة إلى السابق من الإلهين فإنه الأعلى ولولا أن معه إلها آخر له العلو أيضا لما انتظم إطلاق الأعلى وربما قالوا الشرع سماهما باسم القلم واللوح والأول هو القلم فإن القلم مفيد واللوح مستفيد متأثر والمفيد فوق المستفيد وربما قالوا اسم التالي قدر في لسان الشرع وهو الذي خلق الله به العالم حيث قال إنا كل شيء خلقناه بقدر, ثم قالوا السابق لا يوصف بوجود ولا عدم فان العدم نفى والوجود سببه فلا هو موجود ولا هو معدوم ولا هو معلوم ولا هو مجهول ولا هو موصوف ولا غير موصوف وزعموا أن جميع الأسامي منتفية عنه وكأنهم يتطلعون في الجملة لنفي الصانع فإنهم لو قالوا إنه معدوم لم يقبل منهم بل منعوا الناس من تسميته موجودا وهو عين النفي مع تغيير العبارة لكنهم تحذلقوا فسموا هذا النفي تنزيها وسموا مناقضه تشبيها حتى تميل القلوب إلى قبوله ثم قالوا العالم قديم أي وجوده ليس مسبوقا بعدم زماني بل حدث من السابق التالي وهو أول مبدع وحدث من المبدع الأول النفس الكلية الفاشية جزئياتها في هذه الأبدان المركبة وتولد من حركة النفس الحرارة ومن سكونها البرودة ثم تولد منهما الرطوبة واليبوسة ثم تولدت من هذه الكيفيات الاستقصات الأربع وهي النار والهواء والماء والأرض ثم إذا امتزجت على اعتدال ناقص حدثت منها المعادن فإن زاد قربها من الاعتدال وانهدم صرفية التضاد منها تولد منها النبات وإن زاد تولد الحيوان فإن ازداد قربا تولد الإنسان وهو منتهى الاعتدال. فهذا ما حكي من مذهبهم إلى أمور أخر هي أفحش مما ذكرناه لم نر تسويد البياض بنقلها ولا تبيان وجه الرد عليها لمعنيين أحدهما أن المنخدعين بخداعهم وزورهم والمتدلين بحبل غرورهم في عصرنا هذا لم يسمعوا هذا منهم فينكرون جميع ذلك إذا حكى من مذهبهم ويحدثون في أنفسهم أن هؤلاء إنما خالفوا لأنه ليس عندهم حقيقة مذهبنا ولو عرفوها لوافقونا عليها فنرى أن نشتغل بالرد عليهم فيما اتفقت كلمتهم وهو إبطال الرأي والدعوة إلى التعلم من الإمام المعصوم فهذه عمدة معتقدهم وزبدة مخضهم فلنصرف العناية إليه وما عداه فمنسقم إلى هذيان ظاهر البطلان وإلى كفر مسترق من الثنوية والمجوس في القول بالإلهين مع تبديل عبارة النور والظلمة بالسابق والتالي إلى ضلال منتزع من كلام الفلاسفة في قولهم إن المبدأ الأول علة لوجود العقل على سبيل اللزوم عنه لا على سبيل القصد والاختيار وأنه حصل من ذاته بغير واسطة سواه نعم يثبتون موجودات قديمة يلزم بعضها عن بعض ويسمونها عقولا ويحيلون وجود كل فلك على عقل من تلك العقول في خبط لهم طويل. المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص٣٨ القرامطة والديلم يقولون إن الله نور علوي لا تشبهه الأنوار ولا يمازجه الظلام وإنه تولد من النور العلوي النور الشعشاني فكان منه الأنبياء والأئمة فهم بخلاف طبائع الناس وهم يعلمون الغيب ويقدرون على كل شيء ولا يعجزهم شيء ويقهرون ولا يقهرون ويعلِّمون ولا يعلَّمون ولهم علامات معجزات وأمارات ومقدمات قبل مجيئهم وظهورهم وبعد ظهورهم يعرفون بها وهم مباينون لسائر الناس في صورهم وأطباعهم وأخلاقهم وأعمالهم وزعموا أنه تولد من النور الشعشعاني نور ظلامي وهو النور الذي تراه في الشمس والقمر والكواكب والنار والجواهر الذي يخالطه الظلام وتجوز عليه الآفات والنقصان وتحل عليه الآلام والأوصاب ويجوز عليه السهو والغفلات والنسيان والسيئات والشهوات والمنكرات غير أن الخلق كله تولد من القديم البارئ وهو النور العلوي الذي لم يزل ولا يزال ولا يزول سبق الحوادث وأبدع الخلق من غير شيء كان قبله قدره نافذ وعلمه سابق وإنه حي لا بحياة وقادر لا بقدرة وسميع بصير لا يسمع ولا يبصر ومدبر لا بجوارح ولا آلة فيصفون الإله جل وعز كما يصفه الموحدون مع قولهم إنه نور لا يشبه الأنوار ثم يزعمون أن الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الفرائض نافلة لا فرض وإنما هو شكر للمنعم وأن الرب لا يحتاج إلى عبادة خلقه وإنما ذلك شكرهم فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل والاختيار في ذلك إليهم وزعموا أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور أن من مات بلى جسده ولحق روحه بالنور الذي تولد منه حتى يرجع كما كان المصدر: التنبيه والرد على أهل البدع لأبي الحسين محمد الملطي

стр. 4217

المطلب الثاني: معتقدهم في النبوات ومعتقدهم في النبوات المنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس الزكية في المنام حتى تشاهد من مجاري الأحوال في المستقبل إما صريحا بعينه أو مدرجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما فتفتقر فيه إلى التعبير إلا أن النبي هو المستعد لذلك في اليقظة فلذلك يدرك النبي الكليات العقلية عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية كما ينطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجرام السفلية وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ورمز إليه لا أنه شخص متجسم متركب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من علو إلى أسفل وأما القرآن فهو عندهم تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هو المراد باسم جبريل ويسمى كلام الله تعالى مجازا فإنه مركب من جهته وإنما الفائض عليه من الله بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن لا ظهور له وكلام النبي وعبارته عنه ظاهر لا بطون له وزعموا أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها كما لا تستكمل النطفة الحالة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر فكذلك هذه القوة كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم بعد بعض فيكمل في السابع ... وهذه المذاهب مستخرجة من مذاهب الفلاسفة في النبوات مع تحريف وتغيير. المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص٤٠

стр. 4218

المطلب الثالث: معتقدهم في الإمامة وقد اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات واتفقوا على أنه المتصدي لهذا الأمر وأن ذلك جار في نسبهم لا ينقطع أبد الدهر ولا يجوز أن ينقطع إذ يكون فيه إهمال الحق وتغطيته على الخلق وإبطال قوله ﵇ ((كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي)) (١) وقوله ((ألم أترك فيكم القرآن وعترتي)) (٢) واتفقوا على أن الإمام يساوي النبي في العصمة والاطلاع على حقائق الحق في كل الأمور إلا أنه لا ينزل إليه الوحي وإنما يتلقى ذلك من النبي فإنه خليفته وبإزاء منزلته ولا يتصور في زمان واحد إمامان كما لا يتصور نبيان تختلف شريعتهما نعم يستظهر الإمام بالحجج والمأذونين والأجنحة والحجج هم الدعاة فقالوا لا بد للإمام في كل وقت من اثني عشر حجة ينتدبون في الأقطار متفرقين في الأمصار وليلازم أربعة من جملة الاثنى عشر حضرته فلا يفارقونه ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره فإنه لا ينفرد بالدعوة بنفسه واسم المعاون المأذون عندهم ولا بد للدعاة من رسل إلى الإمام يرفعون إليه الأحوال ويصدرون عنه إليهم واسم الرسول الجناح, ولا بد للداعي من أن يكون بالغا في العلم والمأذون وإن كان دونه فلا بأس بعد أن يكون عالما على الجملة وكذلك الجناح, ثم إنهم قالوا كل نبي لشريعته مدة فإذا انصرمت مدته بعث الله نبيا آخر ينسخ شريعته ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار وهو سبعة قرون فأولهم هو النبي الناطق ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله, ومعنى الصامت أن يكون قائما على ما أسسه غيره ثم إنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة إمام بعد إمام فإذا انقضت أعمارهم ابتعث الله نبيا أخر ينسخ الشريعة المتقدمة وزعموا أن أمر آدم جرى على هذا المثال وهو أول نبي ابتعثه الله في فتح باب الجسمانيات وحسم دور الروحانيات, ولكل نبي سوس والسوس هو الباب إلى علم النبي في حياته والوصي بعد وفاته والإمام لمن هو في زمانه كما قال ﵇ ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) (٣)

стр. 4219

وزعموا أن آدم كان سوسه شيث وهو الثاني ويسمى من بعده متمما ولاحقا وإماما وإنما كان استتمام دور آدم سبعة لأن استتمام دور العالم العلوي بسبعة من النجوم ولما استتم دور آدم ابتعث الله نوحا ينسخ شريعته وكان سوسه سام فلما استتم دوره بمضي ستة سواه وسبعة معه ابتعث الله إبراهيم ينسخ شريعته وكان سوسه إسحاق ومنهم من يقول لا بل إسماعيل فلما استتم دوره بالسابع معه ابتعث الله موسى ينسخ شريعته وكان سوسه هارون فمات هارون في حياة موسى فصار سوسه يوشع بن نون فلما استتم دوره بالسابع معه ابتعث الله عيسى ينسخ شريعته وسوسه شمعون ولما استتم دوره بالسابع ابتعث الله محمدا ﷺ وسوسه علي ﵇ وقد استتم دوره بجعفر بن محمد فإن الثاني من الأئمة الحسن بن علي والثالث الحسين بن علي والرابع علي بن الحسين والخامس محمد بن علي والسادس جعفر بن محمد ﵇ وقد استتموا سبعة معه وصارت شريعته ناسخة وهكذا يدور الأمر أبد الدهر هذا ما نقل عنهم مع خرافات كثيرة المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي – ص٤٢ واتفقوا على أنه لابد في كل عصر من إمام معصوم، قائم بالحق، يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكال في القرآن والأخبار، وأنه يساوي النبي في العصمة؛ ولا يتصور في زمان واحد إمامان؛ بل يستظهر الإمام بالدعاة وهم الحجج، ولا بد للإمام من اثني عشر حجة: أربعة منهم لا يفارقونه. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٦٠ والصنف الثامن عشر من الرافضة وهم القرامطة يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب وأن علياً نص على إمامة ابنه الحسن وأن الحسن بن علي نص على إمامة أخيه الحسين بن علي وأن الحسين بن علي نص على إمامة ابنه علي بن الحسين وأن علي بن الحسين نص على إمامة ابنه محمد بن علي ونص محمد بن علي على إمامة ابنه جعفر ونص جعفر على إمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت ولا يموت حتى يملك الأرض وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به واحتجوا في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم. المصدر: مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري - ص٨

стр. 4220

المطلب الرابع: معتقدهم في القيامة والمعاد وقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة وأن هذا النظام المشاهد في الدنيا من تعاقب الليل والنهار وحصول الإنسان من نطفة والنطفة من إنسان وتولد النبات وتولد الحيوانات لا يتصرم أبد الدهر وأن السموات والأرض لا يتصور انعدام أجسامهما وأولوا القيامة وقالوا إنها رمز إلى خروج الإمام وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغير للأمر وربما قال بعضهم إن للفلك أدوارا كلية تتبدل أحوال العالم تبدلا كليا بطوفان عام أو سبب من الأسباب فمعنى القيامة انقضاء دورنا الذي نحن فيه وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد ولا الجنة والنار ولكن قالوا معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله والإنسان متركب من العالم الروحاني الجسماني إما الجسماني منه وهو جسده فمتركب من الأخلاط الأربعة الصفراء والسوداء والبلغم والدم فينحل الجسد ويعود كل خلط إلى الطبيعة العالية, أما الصفراء فتصير نارا وتصير السوداء ترابا ويصير الدم هواء ويصير البلغم ماء وذلك هو معاد الجسد وأما الروحاني وهو النفس المدركة العاقلة من الإنسان فإنها إن صفيت بالمواظبة على العبادات وزكيت بمجانبة الهوى والشهوات وغذيت بغذاء العلوم والمعارف المتلقاة من الأئمة الهداة اتحدت عند مفارقة الجسم بالعالم الروحاني الذي منه انفصالها وتسعد بالعود إلى وطنها الأصلي ولذلك سمي رجوعا فقيل ارجعي إلى ربك راضية مرضية وهي الجنة وإليه وقع الرمز بقصة آدم وكونه في الجنة ثم انفصاله عنها ونزوله إلى العالم السفلاني ثم عوده إليها بالآخرة وزعموا أن كمال النفس بموتها إذ به خلاصها من ضيق الجسد والعالم الجسماني كما أن النطفة في الخلاص من ظلمات الرحم والخروج إلى فضاء العالم والإنسان كالنطفة والعالم كالرحم والمعرفة كالغذاء فإذا نفذت فيه صارت بالحقيقة كاملة وتخلصت فإذا استعدت لفيض العلوم الروحانية باكتساب العلوم من الأئمة وسلوك طرقها المفيدة بإرشادهم استكملت عند مفارقة الجسد وظهر لها ما لم يظهر ولذلك قال ﵇ ((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا)) (١)

стр. 4221

وكلما ازدادت النفس عن عالم الحسيات بعدا ازدادت للعلوم الروحانية استعدادا وكذلك إذا ركدت الحواس بالنوم اطلعت على عالم الغيب واستشعرت ما سيظهر في المستقبل إما بعينه فيغني عن المعبر أو بمثال فيحتاج إلى التعبير فالنوم أخو الموت وفيه يظهر علم ما لم يكن في اليقظة فكذا الموت تنكشف أمور لم تخطر على قلب بشر في الحياة وهذا للنفوس التي قدستها الرياضة العملية والعلمية فأما النفوس المنكوسة المغمورة في عالم الطبيعة المعرضة عن رشدها من الأئمة المعصومين فإنها تبقى أبد الدهر في النار على معنى أنها تبقى في العالم الجسماني تتناسخها الأبدان فلا تزال تتعرض فيها للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلا ويتلقاها آخر ولذلك قال تعالى كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء:٥٦] فهذا مذهبهم في المعاد وهو بعينه مذهب الفلاسفة وإنما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مذهبهم جماعة من الثنوية والفلاسفة فكل واحد نصر مذهبهم طمعا في أموالهم وخلعهم واستظهارا باتباعهم لما كان قد ألفه في مذهبه فصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة في الباطن وللروافض والشيعة في الظاهر وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة عن نفوس الخلق حتى تبطل به الرغبة والرهبة ثم ما أوهموه وهذوا به لا يفهم في نفسه ولا يؤثر في ترغيب وترهيب المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص٤٤ وكلهم أنكروا القيامة، وقالوا: هذا النظام، وتعاقب الليل والنهار، وتولد الحيوانات لا ينقضي أبدا. وأولوا القيامة بأنها رمز إلى خروج الإمام، ولم يثبتوا الحشر ولا النشر ولا الجنة ولا النار، ومعنى المعاد عندهم عود كل شيء إلى أصله. قالوا: فجسم الآدمي يبلى، والروح إن صفت بمجانبة الهوى، والمواظبة على العبادات، وغذيت بالعلم، استعدت بالعود إلى وطنها الأصلي، وكمالها بموتها، إذ به خلاصها من ضيق الجسد، وأما النفوس المنكوسة المغموسة في عالم الطبيعة المعرضة عن طلب رشدها من الأئمة المعصومين، فإنها أبدا في النار، على معنى أنها تتناسخ في الأبدان الجسمانية، وكلما فارقت جسدا تلقاها آخر، واستدلوا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]. وأكثر مذاهبهم يوافق الثنوية والفلاسفة في الباطن والروافض في الظواهر؛ وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الناس حتى تبطل الرغبة والرهبة. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٦٠

стр. 4222

المطلب الخامس: اعتقادهم في التكاليف الشرعية المنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها وإنكار الشرائع إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي يفصله الإمام من غير متابعة الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما وأن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور واطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود وانحطت عنهم هذه التكاليف العملية فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم فإذا ناله استعد للسعادة القصوى فيسقط عنه تكليف الجوارح وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري بجهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم ارفع من ذلك وهذا فن من الإغواء شديد على الأذكياء وغرضهم هدم قوانين الشرع ولكن يخادعون كل ضعيف بطريق يغويه ويليق به وهذا من الإضلال البارد وهو في حكم ضرب المثال كقول القائل إن الاحتماء عن الأطعمة المضرة إنما يجب على من فسد مزاجه فأما من اكتسب اعتدال المزاح فليواظب على أكل ما شاء أي وقت شاء فلا يلبث المصغي إلي هذا الضلال أن يمعن في المطعومات المضرة إلى أن تتداعى به إلى الهلاك المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي – ص٤٦ ثم إنهم يعتقدون استباحة المحظورات، ورفع الحجر ولو ذكر لهم هذا لأنكروه وقالوا: لابد من الانقياد للشرع على ما يفعله الإمام، فإذا أحاطوا بحقائق الأمور انحلت عنهم القيود والتكاليف العملية؛ إذ المقصود عندهم من إعمال الجوارح للغمر الذين لا يرضون إلا بالسياقة. وغرضهم هدم قوانين الشرع. تأويلاتهم للظواهر من التكاليف: قالوا: وكل ما ذكر من التكاليف فرموز إلى باطن؛ فمعنى الجنابة؛ مبادرة المستجيب بإفشاء سر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق لذلك. ومعنى الغسل؛ تجديد العهد على من فعل ذلك. والزنا؛ إلقاء نطفة العلم الباطن إلى نفس من لم يسبق معه عقد العهد. والاحتلام؛ أن يسبق الإنسان إلى إفشاء السر في غير محله. والصيام؛ الإمساك عن كشف السر. والمحرمات؛ عبارة عن ذوي السر. والبعث عندهم؛ الاهتداء إلى مذاهبهم. ويقولون: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء: ١١] الذكر الإمام، والحجة الأنثى. وقالوا: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف: ٥٣] أي يظهر محمد بن إسماعيل. وفي قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣] قالوا: الميتة: الحامل على الظاهر الذي لا يلتفت إلى التأويل. وقالوا: إن الشاء والبقر هم الذين حضروا محاربة الأنبياء والأئمة يترددون في هذه الصورة، ويجب على الذابح أن يقول عند الذبح: اللهم إني أبرأ إليك من روحه وبدنه، وأشهد له بالضلالة، اللهم لا تجعلني من المذبوحين. ولهم من الهذيان ما ينبغي تنزيه الوقت عن ذكره. وإنما علمت هذه الفضائح من أقوام تدينوا بدينهم ثم بانت لهم قبائحهم فتركوا مذهبهم. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٦٢ وشَرُّ هؤلاء القرامطةُ؛ فإنهم يدعون أن للقرآن والإسلام باطنًا يخالف الظاهر؛ فيقولون: الصلاة المأمور بها ليست هذه الصلاة، أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة، وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا. والصيام: كتمان أسرارنا. والحج: السفر إلى زيارة شيوخنا المقدسين

стр. 4223

ويقولون: إن الجنة للخاصة: هي التمتع في الدنيا باللذات، والنار هي التزام الشرائع والدخول تحت أثقالها. ويقولون: إن الدابة التي يخرجها الله للناس هي العالم الناطق بالعلم في كل وقت، وإن إسرافيل الذي ينفخ في الصور هو العالم الذي ينفخ بعلمه في القلوب حتى تحيا، وجبريل هو العقل الفعال الذي تفيض عنه الموجودات، والقلم هو العقل الأول الذي تزعم الفلاسفة أنه المبدع الأول، وأن الكواكب والقمر والشمس التي رآها إبراهيم هي النفس والعقل وواجب الوجود، وأن الأنهار الأربعة التي رآها النبي ﷺ ليلة المعراج هي العناصر الأربعة، وأن الأنبياء التي رآها في السماء هي الكواكب. فآدم هو القمر، ويوسف هو الزهرة، وإدريس هو الشمس، وأمثال هذه الأمور. وقد دخل في كثير من أقوال هؤلاء كثير من المتكلمين والمتصوفين، لكن أولئك القرامطة ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، وعامة الصوفية والمتكلمين ليسوا رافضة يفسقون الصحابة ولا يكفرونهم، لكن فيهم من هو كالزيدية الذين يفضلون عليًا على أبي بكر، وفيهم من يفضل عليًا في العلم الباطن كطريقة الحربي وأمثاله، ويدعون أن عليًا كان أعلم بالباطن، وأن هذا العلم أفضل من جهته، وأبو بكر كان أعلم بالظاهر. وهؤلاء عكس محققي الصوفية وأئمتهم، فإنهم متفقون على أن أعلم الخلق بالعلم الباطن هو أبو بكر الصديق. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر أعلم الأمة بالباطن والظاهر، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد. المصدر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية -٢/ ٢٠٣

стр. 4224

المبحث الرابع: خيانات القرامطة ومن خيانات القرامطة ما فعلوه في سنة ٢٩٤هـ، من تعرضهم للحُجاج أثناء رجوعهم من مكة بعد أداء المناسك فلقوا القافلة الأولى فقاتلوهم قتالاً شديدًا، فلما رأى القرامطة شدة القافلة في القتال، قال: هل فيكم نائب السلطان؟ فقالوا: ما معنا أحد، فقالوا: فلسنا نريدكم، فاطمأنوا وساروا فلما ساروا، أوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم. وتعقبوا قوافل الحجيج قافلة قافلة يعملون فيهم السيف، فقتلوهم عن آخرهم، وجمعوا القتلى كالتل، وأرسلوا خلف الفارين من الحجيج من يبذل لهم الأمان فعندما رجعوا قتلوهم عن آخرهم، وكان نساء القرامطة يطفن بين القتلى يعرضن عليهم الماء، فمن كلمهن قتلنه، فقيل إن عدد القتلى بلغ في هذه الحادثة عشرين ألفا، وهم في كل ذلك يغورون الآبار، ويفسدون ماءها بالجيف والتراب والحجارة، وبلغ ما نهبوه من الحجيج ألفي ألفي دينار (١). خيانة أخرى للقرامطةوفي سنة ٣١٢هـ سار أبو طاهر الشيعي القرمطي في عسكر عظيم ليلقى الحجيج في رجوعهم من مكة، فأوقع بقافلة تقدمت معظم الحجاج، وكان فيها خلق كثير من أهل بغداد، فنهبهم، واتصل الخبر إلى باقي الحجيج، ولكن دونما فائدة فقد باغتهم القرامطة أيضًا، فأوقعوا بهم وأخذوا دوابهم، وما أرادوا من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان، وقتلوا من قتلوا وترك الباقون في أماكنهم منهكين فمات أكثرهم جوعًا وعطشا من حر الشمس، وانقلبت بغداد واجتمع حرم المنكوبين إلى حرم المأخذوين، وجعلن ينادين القرمطي الصغير أبو طاهر قتل المسلمين في طريق مكة، والقرمطي الكبير ابن الفرات قتل المسلمين ببغداد، وكانت صورة فظيعة شنيعة وكسر العامة منابر الجوامع وسودوا المحاريب يوم الجمعة، وجاء ابن الفرات الوزير الرافضي القرمطي إلى المقتدر الخليفة العباسي ليأخذ رأيه فيما يفعله، فانبسط لسان المقتدر على ابن الفرات، وقال له: الساعة تقول لي أي شيء نصنع، وما هو الرأي؟ بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرضتها للزوال بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته ومهادنته وإبعادك رجالي إلى الرقة وهم سيوف الدولة، فمن يدفع الآن؟ ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي غيرك، لما يجمع بينكما من التشيع والرفض، ولما توجه الخليفة المقتدر إلى الكوفة ليلقى القرامطة قام المحسن ابن الوزير ابن الفرات الشيعي بقتل كل من كان محبوسًا عنده من المصادرين لأنه كان قد أخذ منهم أموالاً، ولما يوصلها إلى المقتدر، فخاف أن يقروا عليه (٢). وهكذا ترى الخيانة الرافضية الخبيثة، مع ضيوف الله وحجاج بيته الحرام، قتل وسلب ونهب واغتصاب، تجويع وتعطيش ....... ، جولة سريعة في التاريخ مع خيانات القرامطة: سنقلب سريعًا في سجلات التاريخ من كتابي (البداية والنهاية)، و (الكامل في التاريخ)، نشير إشارات إلى خيانات القرامطة وعياثهم بالفساد في الأرض وتعقب أهل السنة والخروج على دولتهم ممثلة في الخلافة العباسية. "وفيها – ٣١١هـ - قصد أبو طاهر القرمطي البصرة فوصلها ليلاً في ألف وسبعمائة رجل فوضع السيف في أهل البصرة وهرب الناس إلى الكلأ وحاربوا القرامطة عشرة أيام فظفر بهم القرامطة وقتلوا خلقًا كثيرًا، وطرح الناس أنفسهم في الماء فغرق أكثرهم وأقام أبو طاهر سبعة عشر يومًا يحمل من البصرة ما يقدر عليه من المال والأمتعة والنساء والصبيان ثم انصرف" (٣).

стр. 4225

"وفي سنة ٣١٢هـ دخل أبو طاهر القرمطي الكوفة .. فخرج إليه واليها جعفر بن ورقاء الشيباني فقاتله واجتمع له أمداد من هنا وهناك، ولكن ظفر بهم القرامطة، وتبعوهم إلى باب الكوفة فانهزم عسكر الخليفة، وأقام أبو طاهر ستة أيام يدخل البلد نهارًا ثم يخرج فيبيت في عسكره، وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك" (١). "وفي سنة ٣١٥هـ خرج القرامطة نحو الكوفة أيضًا وكانوا ألفًا وخمسمائة، وقيل كانوا ألفين وسبعمائة، وسيَّر لهم الخليفة العباسي جيشًا كثيفًا نحو سنة آلاف سوى الغلمان، ودارت بينهم وقائع في واسط والأنبار .. وكانت سجالاً وقتل فيها من عسكر الخليفة عدد كثير وانهزموا .. وأصاب الناس الزعر من القرامطة فخرج ناس بأموالهم من بغداد لما سمعوا بتوجه القرامطة إليها" (٢). " وفي سنة ٣١٦هـ عاث أبو طاهر القرمطي في الأرض فسادا، فدخل الرحبة وقتل من أهلها خلقًا، وطلب منه أهل قرقيسيا الأمان، فأمنهم وبعث سرياه إلى ما حولها من الأعراب فقتل منهم خلقًا حتى صار الناس إذا سمعوا بذكره يهربون من سماع اسمه، وفرض على الأعراب إتاوة يحملونها إلى هجر – مقر القرامطة – كل سنة؛ عن كل رأس دينارين وعاث في نواحي الموصل فسادًا وفي سنجار ونواحيها، وخرب تلك الديار وقتل وسلب ونهب .. ولما رأى الوزير علي بن عيسى ما يفعله القرامطة في بلاد الإسلام وليس له دافع استعفى من الوزارة لضعف الخليفة وجيشه وعزل نفسه .. " (٣). " وفي سنة ٣١٧هـ خرج القرامطة إلى مكة في يوم التروية فقاتلوا الحجيج في رحاب مكة وشعابها، وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة والرجال تصرع حوله والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام .. وكان الحجيج يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئا، بل يقتلون وهم متعلقون بها .. ولما قضى القرمطي اللعين أبو طاهر أمره وفعل ما فعل بالحجيج؛ أمر بردم بئر زمزم بإلقاء القتلى فيها وهدم قبتها، وأمر بخلع الكعبة ونزع كسوتها عنها وشققها بين أصحابه .. ثم أمر رجلاً من رجاله بأن يقلع الحجر الأسود، فجاء رجل فضربه بمثقل كان في يده وقال أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود، وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة، حتى ردوه في سنة ٣٣٩هـ فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٤). المصدر: خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية لعماد علي عبد السميع – ص ٦٣

стр. 4226

المبحث الخامس: أساليب القرامطة في الدعوة - إظهار الإسلام وإبطان الكفر: فهم يتسترون بالإسلام وبقراءة القرآن وبالصلاة والصيام، ويظهرون حب آل البيت والعفاف والزهد وترك الدنيا والإعراض عن الشهوات، ويأمرون بالصدق والأمانة والمعروف، وفي حقيقة الأمر هم على خلاف ذلك؛ إذ يبطنون الكفر والزندقة والتعطيل وبغض الأنبياء والرسل، ويميلون إلى المجون والخلاعة والانغماس في اللذات والشهوات. وفي كل ذلك قد أوثقوا أمورهم بالسرية، وبأخذ الأيمان والعهود على من أجابهم بكتمان ما يبوحون له به من أسرارهم، ولا يكشفون أمرهم إلا بالتدرج على قدر طمعهم في الشخص. - الاستدراج والحيلة: إنهم يتصلون بالناس سراً، وينقلونهم عن الإسلام بالحِيَل والأيمان الخادعة، ويستدرجونهم إلى مذهبهم من حيث يوافق رأيه لا يشعرون شيئاً فشيئاً، ويخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منه بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم؛ إذ يوصون دعاتهم فيقولون للداعية: إذا وجدت من تدعوه فاجعل التشيع دينك، وادخل عليه من جهة ظلم الأمة لعلي، وقتلهم الحسين وسبيهم لأهله، والتبرئ من تيم وعدي وبني أمية وبني العباس، وقل بالرجعة، وأن علياً يعلم الغيب. فإذا تمكنت منه أوقفته على مثالب علي وولده، ثم بينت له بطلان ما عليه أهل ملة محمد وغيره من الرسل. وإن كان يهودياً فادخل عليه من جهة انتظار المسيح، وأن المسيح هو محمد بن إسماعيل بن جعفر؛ وهو المهدي، واطعن في النصارى والمسلمين، وإن كان نصرانياً فاعكس، وإن كان صابئياً فتعظيم الكواكب، وإن كان مجوسياً فتعظيم النار والنور، وإن وجدت فيلسوفاً فهم عمدتنا؛ لأننا نتفق وهم على إبطال النواميس والأنبياء، وعلى قدم العالم. ومن رأيته زيدياً أو إمامياً فأظهر له بغض أبي بكر وعمر، ثم أظهر له العفاف والتقشف وترك الدنيا والإعراض عن الشهوات، ومر بالصدق والأمانة، فإذا استقر عنده ذلك فاذكر له ثلب أبي بكر وعمر، وإن كان سنياً فاعكس، وإن كان مائلاً إلى المجون والخلاعة فقرِّر عنده أن العبادة بَلَهٌ والورع حماقة، وإنما الفطنة في اتباع اللذة وقضاء الوطر من الدنيا الفانية. - خداع الناس: وقد اتخذوا التظاهر بحب آل البيت والتستر بالتشيع وسيلة للتحايل على الناس وخداعهم أثناء دعوتهم لهم. ومن أساليبهم في خداع الناس اتخاذ الدين مطية لبلوغ أهدافهم، واستغلال ظروف الناس المعيشية المتدنية وعواطفهم الملتهبة للإصلاح برفع شعارات براقة؛ فعندما ثار القرامطة سنة ٣١٥هـ كانت لهم أعلام بيض مكتوب عليها: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص: ٥]. المصدر: القرامطة في الخليج العربي مقال لمحمد أمحزون

стр. 4227

وقد يستحبون من له صوت طيب بالقرآن، فإذا قرأ تكلم داعيهم ووعظ، وقدح في السلاطين، وعلماء الزمان، وجهال العامة، ويقول: الفرج منتظر ببركة آل الرسول ﷺ . وربما قال: إن الله في كلماته أسرار لا يطلع عليها إلا من اجتباه. ومن مذاهبهم أنهم لا يتكلمون مع عالم بل مع الجهال، ويجتهدون في تزلزل العقائد بإلقاء المتشابه وكل ما لا يظهر للعقول معناه، فيقولون: ما معنى الاغتسال من المني دون البول؟ ولم كانت أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة؟ وقوله: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠]!! ضاقت القافية؟ ما بطن هذا إلا لفائدة لا يفهمها كثير من الناس. ويقولون لم كانت السماوات سبعا؟ ثم يشوقون إلى جواب هذه الأشياء: فإن سكت السائل سكتوا، وإن ألح قالوا: عليك العهد والميثاق على كتمان هذا السر، فإنه الدر الثمين. فيأخذون عليه العهود والميثاق على كتمان هذا، ويقولون في الأيمان: "وكل مالك صدقة، وكل امرأة لك طالق ثلاثا إن أخبرت بذلك". ثم يخبرونه ببعض الشيء ويقولون: هذا لا يعلمه إلا آل رسول الله ﷺ . ويقولون: هذا الظاهر له باطن، وفلان يعتقد ما نقول ولكنه يستره – ويذكرون له بعض الأفاضل، ولكنه ببلد بعيد المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٥١ اتخذ القرامطة كل وسيلة يمكن أن تجمع الناس حولهم وسواء أكانت الوسيلة شريفة أم غير ذلك فالأمر واحد بل ربما كانت الوسائل الخبيثة هي التي أفادوا منها أكثر من غيرها إذ أن الوسط الذي نمت فيه حركتهم تلائمه تلك الوسائل فالغاية عندهم تبرر الواسطة كما أن النفوس قد جبلت على حب المصالح والرغبة في المحظورات فقد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وأهم تلك الوسائل: ١ـ الزهد: أظهر القرامطة في بداية أمرهم الزهد حتى يقبل الناس عليهم فالدين أكثر ما يحرك النفوس والمجتمع الذي وجدوا فيه لا يخضع إلا لمن عرف بتقواه ولكن إذا ما دان لهم أتباعهم ووثقوا بهم أخضعوهم لمرحلة بعد مرحلة حتى إذا وصلوا إلى المرحلة الأخيرة رفعوا عنهم التكاليف الشرعية وأعلنوا لهم أن هذه التكاليف إنما وضعت وفرضت على المغفلين وقد عد الباحثون تسع مراحل يخضع لها أتباع القرامطة حتى يصلوا إلى كل ما يريده منهم زعماء هذه الحركة.

стр. 4228

٢ـ النساء: يجتمع عادة في المدن التجار والأغنياء وقادة الجند والأمراء فيشترون الأرض ويرغبون في زراعتها للإفادة من نتاجها واستثمار خيراتها أو قضاء بعض الأيام فيها يروحون فيها عن أنفسهم ويسرون مما فيها من ملذات ونعيم ولما كان هؤلاء لا يستطيعون الاستقرار في مكان لطبيعة علمهم ولا يزاولون هم الزراعة بأنفسهم لذا اقتضت المصلحة أن يستأجروا من يعمل لهم فيها إن لم يكن لهم أرقاء يشتغلون أو عبيد يعملون فكانوا يجلبون العمال من المناطق الفقيرة ... أو المواطن التي تعتمد على المطر في الري فإن أتتها سنوات عجاف اضطر أهلها إلى مغادرة أراضيهم يلتمسون العمل الذي اعتادوا عليه وهو الزراعة وكانت تستهوي هؤلاء العمال المواضع التي تتدفق فيها المياه فتجلبهم نحوها أو يستقدمه أولئك الأغنياء الذين ذكرنا وكان سواد العراق من هذه الأماكن التي توجه إليها هذه الفئات فاجتمع في هذه المنطقة جماعات كثيرة معظمها من الشباب الذين هم في سن العمل أو ممن لهم تطلعات نحو النساء وقد ابتعدوا عن أزواجهم إن كانوا من الذين سبق لهم أن تزوجوا وابتعدوا عن رقابة مجتمعاتهم ووجدوا في أنفسهم عاطفة إلى الأهل والوطن فانقلبت هذه العاطفة إلى رغبة في الجنس لتحل محلها أو تفكير في إيجاد الأهل وبناء الأسرة ولما لم تكن لديهم الإمكانات الكافية للزواج وبناء الأسرة فقد انقلب هذا الفقر أو الضعف إلى حقد على الأغنياء أو أصحاب الأرض وأهل الفتيات وحدثت رغبة جامحة في الحصول على الفتيات والنساء بأي شكل وأية طريقة وكان الجهل يطغى على أكثر أولئك الزراع الأمر الذي يجعل الوازع عندهم ضعيفا فيمكن إيقاعهم في الحبائل وجعل النساء لهم شركا عظيما يندفعون وراءه ليحققوا رغباتهم ويؤمنوا شهواتهم ويحصلوا على العاطفة الآنية كانت النساء المصيدة الأولى لهم والسلاح الماضي الذي استعمله القرامطة بل والزنج من قبلهم في المنطقة نفسها إذ دخلوا البصرة وارتكبوا فيها أبشع أنواع الجرائم وهتك الأعراض. لهذا أمر (قرمط) الدعاة له بأن يجمعوا النساء في ليلة عينها ويخلطوهن بالرجال حتى يتراكبن وقال هذا من صحة الود والألفة كما أن أبا سعيد الجنابي قد أدخل زوجه على ضيفه وطلب منها ألا تمنعه من نفسها كما أباح القرامطة للمقاتلين أن يرووا غرائزهم من نساء أهل المدن والقرى والقوافل التي يستبيحونها دون أي احتراز أو إمهال لمدة كما يدعي المسلمون. ٣ـ المال: وهو وسيلة أخرى اتخذها القرامطة للتأثير على الناس ولا شك أن أكثر العاملين في منطقة السواد من الفقراء وما انتقالهم إلى تلك الجهات إلا لوضعهم المادي الضعيف وكذلك القبائل التي تقيم على أطراف البادية أو في فيافيها المختلفة فإن أفرادها هم بحاجة إلى المال لتأمين بعض الحاجيات التي تستجد في مجتمعاتهم أو يرونها ضرورية لهم الأمر الذي يجعلهم ينظرون إلى المال على أنه غاية بحد ذاته إذا ما امتاز عنه السادة إلا بالمال وما منعهم من الحصول على الزواج من بنات الأثرياء إلا الفقر وكذلك فالوازع الإيماني عندهم ضعيف لجهلهم فالجهل والفقر مع غياب الإيمان يعدان من أكبر العوامل التي تجعل الإنسان يسير وراء كل ناعق أو مع كل متاجر بالألفاظ من الإصلاح أو الخير – حسب زعمهم – لتجد النفس لها المسوغ وهذا ما يتوفر في هذه المنطقة من الأرض بشكل واضح تماما. أقام (قرمط) في كل قرية رجلا مختارا من الثقات عنده وأمر كل واحد منهم أن يجمع عنده أموال قريته ويجعلها اشتراكية بين أبناء القرية جميعها وذلك ليحصل الدعاة الذين لا يعملون والكسالى والمزاودون على لقمة العيش بل ويحصلوا على زيادة يتصرفون بها ويبذرون بصفتهم القيادية وحملهم المسؤولية.

стр. 4229

وليس هذا أبدا في سبيل حصول القراء على المال أو مساواتهم بالأغنياء فإن هذا لا يكون ولا تستقيم معه الحياة فلا بد من وجود عمال يأخذون وأغنياء يدفعون إذ يمكن أن يعمل المسؤول عملا منقصا من شأنه وعلى الدوام يسخر المسؤول غيره ويعيش على حسابه ويدعي أنه لمصلحته يعمل ومن أجله قام وتسلم المسؤولية. وفي اشتراكية المال والنساء تحقيق لمبادئ (مزدك) الذي يرتبطون معه بصلة العقيدة المجوسية ديانة الفرس القديمة التي هم أتباع لها ويتعصبون لها ولأهلها ويتطرفون في تعظيم رجالات الفرس ويغالون في رفعهم ويرى (مزدك) أن النساء والمال سبب المخالفة والمباغضة لذلك أباحهما. ٤ـ الفتوة: إن الشباب تغريهم مظاهر القوة لذا فهم ينخرطون في كل حركة تستهويهم بهذا المظهر وبخاصة إذا أمن لهم الجنس لما كان أكثر سكان السواد من الشباب لذلك أمر (قرمط) جماعته بشراء سكان حتى يندفع غيرهم نحوهم ويؤمن الزيادة في عدد أتباعه هذا فضلا عن إخافة الآخرين الذين يضطرون للالتحاق بهم حماية لأنفسهم وتأمينا لمصالحهم كما أمر القرمطي بتقديم العلف لهؤلاء الشباب من النساء. ٥ـ الحقد: ويجب ألا ننس الناحية النفسية عند العوام فالفقير يغريه المال فيجعله يحقد على صاحبه والأجير يحسد صاحب العمل على ما آتاه الله والشباب المليء بالشهوة الذي يرى الفتيات من بنات الأثرياء أمامه وهو مرهق بالعمل ولا يستطيع أن يحصل على الزواج فيشتهيهن والبدوي الذي يعيش في الشمس المحرقة ويتنقل في البيداء المقفرة يلتظى من العطش ويفتقر إلى الظل يتصور الظلال الوارفة فيتشوق إليها والمياه المتدفقة فيتمناها والثمار اليانعة فتتوق نفسه إليها والأشجار ذات القطوف الدانية فيرغب فيها ويرى هذا كله في جنوبي العراق في المناطق التي تجاور باديته ويضطر أحيانا للسفر إليها لأعماله الضرورية في الحاضرة أو قاعدة الملك أو مركز الجند يرى ذلك كله ويتمنى أن يتخلص من وضعه الذي هو فيه ويحصل ولو بقعة صغيرة ذات ظل ظليل وماء نمير وفواكه كثيرة بل يحارب من أجل هذا ويقاتل ولقد أثار القرامطة الحقد في نفوس الفقراء فمنوهم بامتلاك تلك الأراضي وأغروهم باستباحة أموال الناس وأملوهم بأخذ ما يرغبون من النساء. لذا كانت هذه النماذج كلها الشباب ذوو الطاقات والفقراء أصحاب الإمكانات والأعراب المتقلبون مع الجهل الذي يجمعهم جميعا كانوا هم عماد الحركة القرمطية بل أساس كل ثورة تمنيهم وتلوح لهم بالحاجات التي يسعون إليها فهي العلف الذي يقدم لهم ويركضون وراءه ويسيرون حسب حركته كالسوائم من القطيع تتحرك وراء قبضة العشب وما على المستغلين إلا أن يوجهوهم. ويجب هنا أن لا ننسى حقد صاحب الدعوة الأول وهو حمدان بن الأشعث (قرمط) الذي ينقم على مجتمعه لخلقته ويحقد على الناس لما هو عليه من القصر والدمامة ويظن أن الناس جميعا ينظرون إليه نظرة ازدراء فيملأ الغيظ نفسه ويتمنى تحطيم كل ما يعتقدون وتهديم كل ما يفكرون فيه ويحلم أن يكون السيد المطلق فيهم يوجههم حيث يشاء ويحركهم حسب الوجهة التي يريدها ويرسم لهم طريق الغواية ليضلهم ويبعدهم عما هم عليه يتبعونه كالقطيع ويتحركون حسب إشارته هذا إضافة إلى حقده على المسلمين جميعا الذين قضوا على دولة الفرس وديانتهم المجوسية والمسلمون يشكلون سكان المحيط الذي يعيش فيه .. فهم أعداؤه ويجب القضاء عليهم بأبعادهم عن كل شيء يجمعهم والإسلام كان عماد قوتهم وأساس وجودهم فيجب تهديمه ليستطيع العمل ويمكنه التفرقة.

стр. 4230

٦ـ الإرهاب: اتخذ القرامطة طريقة إخافة الناس بما فعلوه من جرائم وما ارتكبوه من أعمال لذا فقد سار وراءهم كثيرون وهم ليسوا منهم وأظهروا لهم أنهم رأوا رأيهم وما هم كذلك وبهذا كثر عددهم أفادوا من جموعهم حتى إذا فشلوا في حركتهم كانت كثرتهم وبالا عليهم إذ انتفض المنتفعون من حولهم وهم غالبيتهم وتركوهم وحدهم في الميدان حتى ينالوا جزاءهم وما اقترفت أيديهم بل وأحيانا كثيرة كانوا هم الذين يسلمونهم لخصومهم ليحموا أنفسهم أو ينقلبوا عليهم في الساعات الحرجة ليحصلوا على الأمان إذ شاركوهم في جرائمهم. ٧ـ دقة التنظيم: إن التنظيم الدقيق الذي قامت عليه الدعوة الإسماعيلية في النصف الثاني من القرن الثالث هو الذي جعلها تحرز بعض النجاح في بعض المناطق هذا بالإضافة إلى الخوف الذي أصاب الناس من كثرة جرائمها ووحشية أتباعها وما القرامطة إلا فرع من الإسماعيلية. قسمت الإسماعيلية مناطق دعوتها إلى اثني عشر قسما، وأطلقوا عل كل قسم اسم (جزيرة) وعينوا على كل جزيرة مسؤولا عرف باسم (حجة الجزيرة) أو (صاحب الجزيرة) ويرتبط مباشرة بكبير الدعاة الذي يقيم في مركز الدعوة ليأخذ العلم عنه كما يطلق على هذا اسم (داعي الدعاة) وما هذه التسمية (الجزر) إلا للتعمية، ويساعد داعي الدعاة ثلاثون شخصا يعرفون باسم (النقباء) ويشرف النقيب على أربعة وعشرين داعيا نصفهم معروف تقريبا والآخر مجهول كما يساعد داعي الدعاة شخصان يعرفان بالجناحين يرافقانه حيث سار ويسبقانه إلى المكان الذي يريد الانتقال إليه ليهيئا له العمل حيث وصوله ويقوما بالدعاية له. ويحرص الإسماعيلية على وجود أحد بينهم حصل على مقدار لا بأس به من العمل يناقش العلماء ويطرح عليهم أسئلة دينية لا جواب عليها وبخاصة أمام السذج ليظهر أمامهم أنه عالم كبير فيقولون هذا الرجل قد اعتقد بهذه الفكرة وقد أوتي حظا كبيرا من العلم والاطلاع فلو لم تكن كذلك لما آمن فيؤمنون .. وإذا ما التقى بمن يريد دعوتهم منفردين بدأ يشككهم في عقيدتهم حتى يحل محلها عقيدة الإسماعيلية. ويتظاهر داعي الدعاة أمام السنة أنه منهم وأمام الشيعة أنه أحدهم ويتقرب من كل صاحب مذهب بالتظاهر أنه من أتباع مذهبه وهذه التقية التي يؤمن بها الشيعة جميعهم قد ساعدت على نجاح حركة القرامطة حيث يتخذون من التقية سلاحا لهم. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ١٢

стр. 4231

المبحث السادس: العوامل التي ساعدت على نجاح القرامطة لقد نجح القرامطة في حركتهم التي قاموا فيها ضد الدولة العباسية بعض الزمن واستطاعوا السيطرة على مناطق واسعة امتدت إلى كل بادية الشام والعراق كما شملت الجزيرة العربية كلها عدا منطقة عسير كما خضعت مناطق أخرى لبعض فئاتهم وإن حملوا أسماء ثانية ولقد كان لهذا النجاح عوامل عدة. ١ـ ضعف الدولة العباسية: قامت حركات في أنحاء متعددة من مناطق الدولة قبل ثورة القرامطة استدعت قوة نفوذ الجند ثم سيطرتهم الكاملة على الدولة وبالتالي على الخليقة هذا إلى جانب الحروب الطويلة التي خاضها العباسيون ضد الروم والدويلات التي انفصلت عن جسم الدولة فكان الجند بعد امتداد نفوذهم وسيطرتهم يتصرفون تصرفات تسيء إلى سمعة الحكم وهيبته ولا يستطيع الخليفة أن يقوم بعمل ضدهم ولو فكر بذلك كان مصيره القتل أو الخلع الأمر الذي جعل الخليفة ألعوبة بأيدهم ويصف أحد الشعراء الخليفة بين قواده بقوله: خليفة في قفصٍ بين وصيف وبغا ... يقول ما قالا له كما تقول الببغا هذا بالإضافة إلى أن هؤلاء القادة كثيرا ما كان ينازع بعضهم بعضا والقادة من الجند لا يجيدون التخطيط ولا يحسنون إدارة الشؤون وعلى هذا تبقى الدولة ضعيفة وأمورها متخبطة ومما زاد في ضعف الدولة كثرة الحركات التي سبقت ثورة القرامطة والتي كانت تضرب على الوتر نفسه وكان أهمها ثورة الزنج التي أزعجت الدولة عدة سنوات وثورات الطالبين المتكررة. ٢ـ الحقد على العباسيين: إن تنكيل العباسين بالطالبين قد جعل الحقد عليهم شديدا من قبل الشيعة على اختلاف فرقها وينتظرون الفرصة المواتية للانتقام منهم وبخاصة أن منطقة السواد يكثر فيها الطالبيون وأنصارهم وبشكل خاص يزيدون في سواد الكوفة قاعدة الشيعة الأولى وبسبب قربها من فارس مركز المجوسية التي أظهر الكثير من أتباعها الإسلام وبقوا في الحقيقة على عقيدتهم الأولى يتعصبون لها ويتخذون من العصبية الفارسية أيضا دعما لهم فكانت بلاد فارس تمد الدعوات المعادية للعباسيين بأعداد كبيرة كلما احتاجت إلى الرجال حقدا على الإسلام وأهله واتجهت أعداد من أتباع المجوسية نحو الكوفة مظهرة الإسلام ومتخذة من التشيع ردء لها ونلاحظ حتى الآن أن كثيرا من الحركات المنحرفة سواء اتخذت مظهر التصوف أم مظهر دعوة جديدة إنما يرتبط بعض أتباعها وقادتها بأصول فارسية ويدعون الارتباط الشيعي أو الانتساب إلى آل البيت. كانت الفرصة الأولى للشيعة – كي يقوموا بثورتهم - هي نهاية القرن الثاني الهجري إذ حدث خلاف بين الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد ووليي عهده فقامت ثورة في الكوفة عام ١١٩هـ، بزعامة محمد بن إبراهيم الملقب بـ (ابن طباطبا) وقد استطاع أحد قادته وهو (أبو السرايا) الاستيلاء على الكوفة وواسط والأهواز وضرب النقود باسم الإمام وبعد موت ابن طباطبا اختار الطالبيون فتى دعي باسم (محمد بن محمد) وأوجدوا له نسبا طالبيا هو محمد بن محمد بن زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي أبي طالب إلا أن هذه الأنساب لا يوثق بها أبدا إذ كثرت الادعاءات وكلها تنتمي إلى علي بن أبي طالب ﵁ ولكن أبا السرايا هو الذي كان يقوم بالأمر كله باسم (محمد بن محمد) ثم هزم أبو السرايا وقتل عام ٢٠٠هـ ودخل العباسيون الكوفة وأرسل (محمد بن محمد) إلى الخليفة المأمون وهو بخراسان. خفت حدة الحركة الطالبية بعد أن التابعين المأمون (علي الرضا) وليا لعهده وذلك عام ٢٠١هـ وهو الإمام الثامن عند الفرقة الاثني عشرية من الشيعة ولكن لم يلبث علي الرضا أن توفي عام ٢٠٣هـ أيام المأمون.

стр. 4232

عاد الشيعة إلى ثورتهم فتحركوا عام ٢١٩هـ أيام المعتصم كانت حركتهم بزعامة (محمد بن القاسم) إلا أن هذه الثورة قد فشلت أيضا. ضعف أمر الخلفاء العباسيين بعد المتوكل فانتهز الشيعة هذا الأمر وقاموا بعدة حركات كان أولها ثورة (يحيى بن عمر) بالكوفة عام ٢٥٠هـ ولكنها فشلت وكانت الحركة الثانية بقيادة (الحسين بن حمزة) بالكوفة نفسها عام ٢٥١هـ إلا أن مصيرها كان مصير ما سبقها من ثورات الطالبيين وإثر كل ثورة تقتل أعداد كبيرة من الطالبيين وينكل بهم كما نقلت جموع منهم من بغداد إلى سامراء عام ٢٥٢هـ. انتقل مركز الشيعة إلى البصرة والتف أتباع هذه الفرقة حول صاحب الزنج الذي زعم أنه من نسل علي بن أبي طالب وأنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب واجتمع مع الشيعة الزنج الذين يعملون في السباخ جنوبي العراق وقد دخل الزنج (الأبلة) عام ٢٥٦هـ و (عبادان) و (الأهواز) ثم استطاعوا عام ٢٥٧هـ أن يدخلوا البصرة و (واسط) عام ٢٦٤هـ واستمرت هذه الحركة حتى قتل هذا الدعي صاحب الزنج عام ٢٧٠هـ وفي هذا الوقت بدأت الدعوة الإسماعيلية نشاطها والقرامطة جزء منها فوجدت الظروف مهيأة من حيث الحقد على العباسيين في ذلك المحيط فنشط أمرها. ٣ـ الجهل لقد كان الجهل يسود أبتاع القرامطة وقد حرصوا هم عليه ورغبوا في بقائه حتى يتسنى لهم إظهار ما ليس فيهم وتصديق جماعتهم لهم فقد ادعى (يحيى بن زكرويه) أن ناقته مأمورة وصدق أتباعه ذلك وأعلن لهم أن يده إذا وجهها إلى أية جهة هزم أعداؤه من تلك الجهة وآمن جماعته بذلك وأظهر لهم عضدا ناقصة وقال لهم إنها معجزة .... كما قال لأتباعه قبل مقتله في المعركة التي خاضها وقد أيقن بالهلاك: إنه غدا سيصعد إلى السماء ويقيم بها أربعين يوما وعليهم أن يتبعوا أخاه الحسين، كل هذا وأتباعه مصدقون به مؤمنون بأقواله وخرافاته لجهلهم، وكذلك صدق القرامطة خروج (الحسين الأهوازي) بمعجزة من سجن ابن الهيصم وكانت قد أخرجته جارية ابن الهيصم شفقة عليه وأعادت مفتاح السجن إلى مكانه تحت وسادة سيدها دون علمه ولم تخبر أحدا خوفا على نفسها فادعى الأهوازي أنه خرج معجزة. ٤ـ الجرائم: إن الطريقة التي اتبعها القرامطة في سفك الدماء وقتل الأبرياء والاعتداء على الحرمات قد أخاف الناس وجعلهم يخشون على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأملاكهم من تحديات القرامطة فأظهروا لهم تأييدهم وأنهم على مذهبهم حماية لهم ودفعوا جزء مما يترتب عليهم وساندوهم في حروبهم كما ساعدهم آخرون في سبيل الحصول على المغانم. ٥ـ غياب أئمة الشيعة: تعد الشيعة الاثني عشرية أكثر فئات الطالبيين وقد اختفى إمامهم الثاني عشر محمد المهدي في سرداب في سامراء وهم ينتظرون ظهوره ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وكذلك كتم الإسماعيليون أئمتهم خوفا من طغيان العباسيين فكل طامح يدعو بهذه الدعوة ليحقق ما يريد فإذا وصل ادعى نسبا طالبيا يختاره وعد نفسه الإمام أو الداعية له وكانت هذه سياسة القرامطة. ٦ـ الفساد وقد أصبح الفساد يزداد يوما بعد يوم ويتسع انفراج زاوية الانحراف باستمرار الأمر الذي جعل المسلمين يتضايقون من هذا الفساد ويتمنون تغيير الوضع بما هو أفضل ولا يجعلون من أنفسهم سندا للحكم ضد المارقين والمنحرفين لما في الحكام من السوء وإن كان يقل عن أعمال الباطنية بكثير بل لا يقارن معه إذ يقارن الإيمان بالكفر. وفي مثل هذا الوضع يصدق كل داع للإصلاح وكل مناد بتطبيق شريعة الإسلام وهذا ما كان يرفع رأيته أصحاب كل حركة مهما كانت ضالة ليتبعه الناس. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٢١

стр. 4233

المبحث السابع: المظهر السياسي للقرامطة لا بد لكل حركة من أن تأخذ شكلا سياسيا معينا تنادي به وتدعو إليه وقد اتخذت حركة القرامطة مبدأ التشيع راية لها كما اتخذت ذلك كل الثورات التي سبقتها والتي تلتها لأنها رأت في ذلك دعما كبيرا لها وجمهورا واسعا يسندها كما رأت قاعدة عامية تصدق كل دعي مجرد أن ينتمي إلى آل البيت وتؤمن بالخرافات والدجل وما التأييد الواسع إلا لـ: ١ـ أن المسلمين يتعاطفون مع الشيعة محبة لآل البيت حيث حمل الشيعة دعمهم وساروا وراء سادتهم ولم يكن الشيعة بعامة ولا سادة آل البيت بخاصة أصحاب أفكار تخالف الإسلام أو أهل آراء تباينه وذلك في أول الأمر ولكن الذي حصل فيما بعد إنما ابتدأ في القرن الهجري وكانوا من قبل كعامة المسلمين وكان وجهاء آل البيت أهل علم وفقه وفضل ومنهم الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحين بن علي بن أبي طالب الذي تتلمذ على يده كل من الإمام مالك والإمام أبي حنيفة – رحمهما الله – وتدعي أكثر الرافضة اليوم انتماء إلى الإمام جعفر زورا وكذبا وذلك لمعرفة فضله من قبل الناس كلهم والفرق جميعها. مع العلم أن القرابة لا تفيد شيئا وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٥ - ٤٦]، وقال رسول الله ﷺ ((ويا فاطمة بنت محمد خذي من مالي ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئا)) (١). ٢ـ توالي النكبات على آل البيت على يد خصومهم السياسين فقد نكبوا بالحسين بن علي ﵄ عام إحدى وستين أيام يزيد بن معاوية ونكبوا بزيد بن علي زين العابدين بن الحسين أيام هشام بن عبد الملك عام ١١٢هـ ثم دارت الدائرة من بعده على ابنه يحيى عام ١٢٥هـ ثم فجعوا بـ (محمد بن عبدالله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب) ذي النفس الزكية عام ١٤٥هـ أيام أبي جعفر المنصور وأصيبوا بأخيه إبراهيم الأمر الذي جعل ني يعطفون على آل البيت إذ إن النفس البشرية تميل إلى المنكوب ولو كان على خطأ إذ ينسى ما فعل وتبقى المصيبة تذكر وتتألم النفس البشرية. ٣ـ كون إمام الشيعة الثاني عشر المزعوم (محمد المهدي) قد اختفى عام ٢٦٥هـ حسبما أشاع (محمد بن نصير) (باب) الإمام الحادي عشر (الحسن العسكري) لما ادعى أنه سيخرج في آخر الزمان ليعيد العدل إلى الأرض بعد أن ملئت جورا وظلما وهكذا بقي الشيعة دون إمام وغدا كل امرئ يستطيع أن يدعي لنفسه الإمامة إذا رأى بمقدوره نجاح حركته وذلك بعد أن ينتسب إلى آل البيت وبخاصة من نسل فاطمة بنت رسول الله ﷺ كما أن الشعبة الثانية من الشيعة وهي التي تنتمي إلى (إسماعيل بن جعفر الصادق) قد كتمت أئمتها بعد أن خافوا على أنفسهم من السلطة وكان أولهم (محمد المكتوم بن إسماعيل) الأمر الذي جعل الكثيرين يستطيعون الادعاء أنهم يعملون لآل البيت دون ذكر الإمام وبالإضافة إلى ذلك قد جعل إمكانية ادعاء النسب إلى إسماعيل بالذات أو إلى هذا الإمام المكتوم أمرا طبيعيا وفي هذه المدة دخلت إلى الشيعة أفكار غريبة من آراء الفلاسفة وعقائد المجوس والهندوك وغيرهم واتخذت الباطنية مبدأ لها.

стр. 4234

٤ـ أن أفكار الشيعة هي نفسها مجال اتخذها مظهرا للثورات والحركات المضادة للإسلام والمعادية له إذ يقول الشيعة بعصمة الأئمة فهم – حسب هذا المبدأ- لا يقعون في خطأ أبدا سواء أكان صغيرا أم كبيرا لذا فمدعي الإمامة لا يخطئ مطلقا فإذا وقع في خطأ صريح واضح أول على غير ذلك وفسر على غير ظاهره ومن هنا نشأت الباطنية وكان للنصوص الشريعة باطن غير ما يدل عليه الظاهر وتأويل ذلك لا يعلمه إلا الأئمة أنفسهم وأبوبهم وربما دعاتهم إذا حدثوهم بذلك وهذا يجعل كل ما كر يمكنه أن يخرج عن الإسلام ويوقد من وراءه لمحاربته وهو يدعيه ويقاتل باسمة وقد يكون هو جاهلا بالإسلام أصلا فإذا تصرف بما يخالفه ادعى وردد أبتاعه أن تصرفه هو الصحيح وأن المعروف لدى الناس ليس هو إلا الظاهر والذي يعرفه المغفلون كما نشأت فكرة شريعة وحقيقة وظاهر وباطن وما إلى ذلك مما يردده المخالفون ويوافقهم العوام والجهلة الذين يقعون بالشرك من غير معرفة.

стр. 4235

اتخذ القرامطة فكرة التشيع ظاهرة عامة لهم وحملوا الإسماعيلية مبدأ لهم وبخاصة أن أتباعها كانوا قد نشطوا نشاطا ملموسا وعندما استطاعوا السيطرة وقوي أمرهم استقلوا بمناطقهم التي خضعت لهم وتركوا ما سبق أن دعوا له تارة يظهرون الارتباط وأخرى يبدون الاختلاف مع الدعوة الإسماعيلية بأمور طفيفة ثم انقسموا على أنفسهم رغبة بتفرد كل منهم بالأمر وجعله في أسر معينة ينتسبون إليها وهذا الانقسام كان يؤول بالقرب أو البعد من الإمام الإسماعيلي ونسب كل قسم إلى المنطقة التي قوي نفوذه فيها فيقال قرامطة العراق وقرامطة البحرين وقرامطة اليمن وغيرهم. لما كان المظهر السياسي الأولى للقرامطة هو مبدأ التشيع فلا بد من إعطاء فكرة بسيطة عن جماعة الشيعة والشيعة جماعة من الأمة وجدت في أواخر العهد الراشدي ورأت أن تنحصر الخلافة في علي بن أبي طالب وأبنائه من بعده بل وجدت أن هذا الحق إنما هو بأمر ونص منه إلى رسوله ﷺ إذ تحتج هذه الجماعة بحديث (غدير خم) فتقول لما عاد رسول الله ﷺ من حجة الوداع التي كانت في السنة العاشرة للهجرة نزل في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بـ (الجحفة) وهي بين مكة والمدينة وهناك جاءه الوحي بالآية الكريمة يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] وأن النبي ﷺ صدع بأمر ربه وأمر بالصلاة حتى إذا انتهى منها خطب الناس وأخذ بيد ابن عمه علي بن أبي طالب فكان مما قاله في خطبته ((ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصهره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار)) (١) ولهذا لم تعترف جماعة منهم بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على حيث تعترف جماعة أخرى وتقول مادام علي قد رضي عن إمامتهم فنحن نرضى ودليل رضائه أنه لم يخرج عليهم كما لم يرضوا جميعا بخلافة بني أمية وخلافة بني العباس وقاموا بحركات كثيرة ضد العهدين. هذا هو الخلاف الأولى بين جماعة الشيعة وسائر الأمة لم يختلفوا في ذلك عن سائر المسلمين ولكن بمرور الزمن أصبح هذا الخلاف أصلا من أصول العقيدة الشيعية وفرضا من فروض الدين عندهم وأساس المذهبية وعنه تفرعت مسائل أخرى وآراء جديدة تجمعت على مدى الأيام وتبلورت وكونت العقيدة الشيعية التي نعرفها اليوم. (٢).

стр. 4236

رأت الشيعة أن تأخذ أمور دينها من أبناء علي حفدة رسول الله ﷺ فهم أعلم من غيرهم بأمور دينهم ثم وجدوا أن يكون الابن الأكبر من أهل البيت هو الإمام وصاحب الحق الشرعي في ذلك ولا يمكن أن تنتقل الإمامة من الأخ إلى أخيه إلا في حاله واحدة هي انتقالها من الحسن بن علي إلى أخيه الحسين إذ يعدون أن الإمامة كانت مستودعة عند الحسن ومعنى الإمام أنه الخليفة أي أمير المؤمنين إذ لا فرق في الإسلام بين الدين والسياسة فليس من المعقول أن يكون الإنسان في المسجد متعبدا ويكون خارجه غاشا للناس أو كاذبا باسم السياسة أو دجالا من الدجالين باسم المصلحة أو التقية وليس في دياناتهم تشريعات للناس ولكن الدين للناس أنزل لذلك فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] ثم تطورت فكرة الإمام عند الشيعة إلى اختيار أبرزهم في الحياة العامة وقد التفوا حول جعفر الصادق وعدوه إماما على الرغم من أنه لم يناد بنفسه إماما ولم يقم بثورة يطالب فيها بالحكم إلا أن الشيعة رتبوا فيما بعد لأنفسهم أئمة حسب هواهم وكانت على الشكل التالي علي بن أبي طالب (٢٣ق. هـ - ٤٠هـ) الحسن (٣ - ٥٠) الحسين زين العبادين (٣٨ – ٩٤) زيد الزيدية (٧٩ – ١٢٢) محمد الباقر (٥٧ - ١١٤) جعفر الصادق (٨٠ - ١٤٧) وكان جعفر الصادق ﵁ صاحب رأي سديد وحكمة بالغة ولم تكن آراؤه لتختلف عن سائر المسلمين وقد دارت حولها كتابات من علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري وما تلاه من قرون فغيرتها عن حقيقتها فتطورت هذه الآراء بمرور الزمن ونسبت إلى الصادق تعاليم وآراء لم يقل بها كما أدخل بعض الشيعة في تعاليمه آراء هي من تراث الأمم القديمة التي خضعت للمسلمين أو التي امتزجت مع المسلمين على نحو ما فكثرت الآراء واختلفت النزعات وتشعبت الأهواء وظهر عند بعض البيئات الشيعية ومغالاة في الآراء الدينية وبهذا ومنذ ذلك الزمن أصبح للشيعة عقيدة تختلف عن عقيدة أهل السنة وبخاصة فيما يتعلق بالأئمة وعصمتهم ومركزهم وتأويلاتهم والخضوع لهم. تفرقت الشيعة بعد جعفر الصادق إلى فرقتين بسبب الإمامة فالأكثرية تبعت موسى الكاظم بن جعفر الصادق وتتابعت بعده الأئمة حتى الإمام الثاني عشر وهو محمد المهدي الذي قيل إنه غاب واختفى في سرداب ٢٦٥هـ ولهذا عرفت هذه الفرقة بالاثنى عشرية ويعتقد أتباعها أن هذا الإمام لا يزال حيا وينتظرون عودته ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا وقد اختفى هذا الإمام وهو صغير أو هكذا ادعى باب الإمام الحادي عشر حسن العسكري وهو محمد بن نصير مع العلم أنه من المعروف أن الحسن العسكري لم ينجب أولادا. تسلم أتباع هذه الفرقة حكم عدة مناطق وفي وقت واحد إلا أنهم بقوا متفرقني كما أن البويهيين هم من هذا الضرع وقد حكموا أمر بغداد إلا أنهم لم يعترفوا بأية دعوة شيعية أخرى غيرهم وقد كانت الحركة الإسماعيلية (١). نشطة آنذاك ولكنهم لم يعترفوا بها الأمر الذي جعلهم يحافظن على الخلافة العباسية ويبقون خلفاءها وهم من أهل السنة إذ استمروا رمزا للسلطة ولكنهم تحت سلطة البويهيين وإدارتهم. ومع غياب أئمة هذا الفرع فقد ضعف أمرهم وبقوا في المناطق التي وجدوا فيها يخضعون لحكامها وقد يتحركون أحيانا ولكن حركتهم لم تكن لتظهر ثمارها وهذا ما جعل بعضهم يسقطون صلاة الجمعة ما دام الإمام غير قائم بالأمر. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٢٨

стр. 4237

المبحث الثامن: الانتشار ومواقع النفوذ تمهيد لما كانت حركة القرامطة قد قامت في مناطق واسعة وفي عدة بقاع فقد نسب كل قسم إلى المنطقة التي قوي نفوذه فيها فيقال قرامطة اليمن وقرامطة البحرين وقرامطة العراق على الرغم من أن قيامهم كان في وقت واحد تقريبا وبعضهم على صلة ببعض ومع هذا فلم يؤلفوا حكومة واحدة تشمل البقاع التي سيطروا عليها كلها إذ لم تكن لهم مركزية في الحكم وما ذلك الاختلاف إلا بسبب الأطماع التي كانت في ذهن كل مجموعة منهم أو كل أسرة إذ لم يكن لهم هدف واحد معين يدعون له وكل ما جمعهم إنما هو الرغبة في اتباع الهوى وإرواء الغرائز ويجب ألا ننسى هدف المحركين الأساسيين من المجوس في تهديم الإسلام ولكن لا يمكن أن يستمر هذا التوافق بين القادة والأتباع إذ إن الأهداف المختلفة لا تلبث أن تظهر التباين ويظهر قادة جدد ينفصلون في بعض الجهات فتتجزأ الحركة الواحدة إلا أن التخطيط المجوسي يستطيع أن يستغل الطرفين حيث يسير الأتباع دون تخطيط ثم يكون الخلاف من جديد وهكذا. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٤٢ قرامطة اليمن إن أول حركة قامت للقرامطة كانت باليمن إذ استطاع (الحسين بن حوشب) الملقب بـ (منصور اليمن) أن يجمع حوله عددا من القبائل اليمنية وأن يظهر الدعوة بينهم باسم الإمام الإسماعيلي المنتظر وقد تمكن عام ٢٦٦هـ أن يؤسس أول دولة إسماعيلية أو أن الحركة قد استطاعت أن تكسبه إلى صفوفها بعد نشاط حركتها وغياب الشيعة وكان من أكبر أعوانه (علي ابن الفضل) واستطاع ابن حوشب أن يقوم بنشاط خارج اليمن وأن يرسل الدعاة إلى عدة جهات وكان من بينهم (أبو عبدالله الشيعي) الذي أرسله إلى بلاد المغرب إذ اختارها لبعدها عن مركز الدولة العباسية ولسهولة إقناع البربر بفكرته وجلبهم إلى صفوف دعوته لجهلهم وسذاجتهم الدينية بالإضافة إلى أنهم أهل قوة وعصبية فعندما يكسب بعض زعماء قبيلة ما لا يلبث أن ينضم إليه أفراد القبيلة كافة ويتحمسون لدعوتهم واستطاع أبو عبدالله الشيعي أن يكسب إلى جانبه قبيلة (كتامة) التي حملت الفكرة وعملت لها وما إن صول خبر نجاح الدعوة في المغرب إلى السلمية حتى انتقل إليها (عبدالله المهدي) الذي وضع لنفسه نسبا فاطميا وتسمى بالمهدي فادعى أنه عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل وتسلم الأمر ولكن لم يلبث أن اختلف مع داعيته أبي عبدالله الشيعي الذي لم يتعرف عليه إذ كان غير الذي رآه في السلمية واستطاع عبيد الله أن يتخلص من أبي عبدالله وفي الوقت نفسه تمكن من إخماد حركة قبيلة كتامة التي ارتبطت بالدعوة مع أبي عبدالله. واختلف ابن حوشب مع قائد جيشه علي بن الفضل الذي خرج عن الجادة وافتتن بالتفاف الناس حوله فحكم البلاد ودخل (زبيد) و (صنعاء) وادعى النبوة وأباح المحرمات وكان المؤذن في مجلسه (وأشهد أن علي بن الفضل رسول) (١). خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هزريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب لكل نبي مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحط الصيام ولم يتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي واشربي ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب (٢). ثم امتد به عتوه فجعل يكتب إلى عماله (من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان) ثم مات مسموما عام ٣٠٣هـ (٣). ولم تلبث دولة القرامطة في اليمن أن زالت. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٥٢ قرامطة العراق

стр. 4238

كان جنوبي العراق مهد الشيعة الأول وأنصار هذه الفرقة كثيرون في هذه المنطقة وتلك الجهة قريبة من فارس مركز المجوس والجهل يخيم على تلك البقعة فيكم استغلال السكان وبخاصة الوافدين منهم – وما أكثرهم – والسير بهم حيث يريد المستغلون وعندما انقطعت الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية كان المجال واسعا لانتشار الإسماعيلية والتحاق أعداد ليست قليلة بها من الشيعة وانضمام أفراد من السكان إلهيا باستمرار نتيجة الدعايات والعمل السري الدائم والتنظيم الدقيق والدعوة باسم الرضا من آل البيت وإذا كانت الحركة قد انتقلت بمركزها إلى (الأهواز) ثم إلى السلمية إلا أن جنوبي العراق قد بقي القاعدة الرئيسة للدعوة وبقعة النفوذ الأساسية لها. كان من الدعاة الإسماعيليين (مهرويه) أحد الذين يخفون عقيدتهم المجوسية وهو من أصل فارسي و (حسين الأهوازي) وهو من الفرس أيضا وربما كانت نسبته إلى (الأهواز) لإخفاء شخصية (حسين) الذي كان رسولا متنقلا لإمام الإسماعيلية وقد يكون على صلة وثيقة بصاحب الدعوة الأول وكثيرا ما كان أصحاب الدعوات الذين يريدون إخفاء شخصياتهم ينتسبون إلى هذه المنطقة لذا نلاحظ هذه النسبة كبيرة بين رجالات الإسماعيلية. كان عبدالله بن ميمون القداح رأس الدعوة الإسماعيلية وكان يريد أن يعمي على نفسه فوزع دعاته في الأمصار وبخاصة أبناءه حتى لا تتجه الأنظار إلى مقر إقامته فأرسل ابنه (أحمد) ليقيم في (الطالقان) من بلاد خراسان وطلب من دعاته أن يراسلوه إلى هناك كما أعلن عن موت ابنه (حسين) وعرف باسم (حسين الأهوازي) وربما كان هو بالذات حسين بن عبدالله بن ميمون القداح كما يقال إن حسين الأهوازي هو رسول الإمام أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل وهنا يبدو تشابه الأسماء بين أسرة أحمد بن عبدالله بن محمد إسماعيل وأسرة أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح ومن هنا جاء الاختلاف وادعاء النسب القداحي إلى آل البيت كما أنه شاع الإعلان عن موت الأشخاص ثم ظهورهم في مكان آخر باسم ثان وبخاصة عند الإسماعيليين الذين يعتقدون في الأصل أعلن عن موت ابنه إسماعيل وما هو كذلك وإنما انتقل سرا إلى السلمية. عرف (حسين الأهوازي) كداعية إسماعيلي في جنوب العراق بغض النظر عن نسبه وأصله وقد التقى مرة بـ (حمدان بن الأشعث) الذي عرف باسم (قرمط) وهو في طريقه إلى السلمية حسبما تدعيه الرواية القرمطية وقد استطاع (حسين) استمالة (حمدان) إلى دعوته وسار معه إلى قرته حيث بدأ العمل هناك بنشاط إذ أن حمدان كان صاحب علاقات اجتماعية كثيرة حيث كان ناقما على المجتمع وكثير الكلام على الأوضاع وكان المحيط الذي يعيش فيه حاقدا على الحكم العباسي فيستمع إلى من تعود على النقد فتوسعت الدعوة بحيث لم يعد أحد ينكر مركزها وترقى حمدان في سلمي الدعوى ووصل إلى مكان مرموق فيها وهناك من يقول إن أصل حمدان يعود إلى الفرس المجوس الذين يكثرون في ذلك الوسط ويخططون للعمل ضد الدولة ويعملون على تهديم الإسلام وهناك من يقول إن أصل حمدان يرجع إلى يهود نجران الذين كانوا يشبهون المجوس في الخطة والهدف وكثيرا ما عمل الفريقان في مخطط واحد.

стр. 4239

في هذا الوقت كانت حركة الزنج قائمة في جنوبي العراق وقد سيطرت على مدينة البصرة وامتد نفوذها واستطاعت الانتصار على الجيوش العباسية في عدد من الوقائع رغب (حسين الأهوازي) أن يشارك في هذه الحركة كمرحلة من مراحل عمله إذ لا يستطيع وحده آنذاك أن يقوم بعمل مثمر والحركات الانتهازية دائما يستغل بعضها بعضا أو يركب بعضها طريق الآخر حتى إذا تم له ما يريد انفرد وحده فالغاية عندهم تبرر الواسطة فالتقى حسين الأهوازي بصاحب الزند عام ٢٦٦هـ وعرض عليه المساعدة مادامت الغاية واحدة والوسيلة واحدة إلا أن صاحب الزنج قد عرف رغبة الأهوازي في سرقة الثورة فرفض المساعدة حيث كان الزنج في أوج القوة التي وصلت إليها حركتهم فلم يبالوا بالعون. لم تلبث حركة الزنج أن فشلت وقضى عليها العباسيون بعد أن عرفوا الأسباب التي دعت إليها فعندما حاولوا التخلص منها ودعوا إلى تطبيق الإسلام الذي يقضي عليها ووجد الدواء لها انفرط عقد الزنج وتخلص العباسيون من حركتهم عندما هدأت الأوضاع استطاع (حسين الأهوازي) أن يجدد نشاطه وأن يقنع أتباعه ويمنيهم بأنهم سيملكون الأرض وفرض دينارا على كل من أجابه لدعوته ليضمن نظمهم ووضع عنهم الصوم والصلاة والفرائض جميعا وأحل لهم أموال المخالفين لهم ودماءهم وأعراضهم ونظمهم تنظيما دقيقا إذ جعل منهم اثني عشر نقيبا وكان من أبرزهم (قرمط حمدان بن الأشعث). مات (الأهوازي) فخلفه في رئاسة الدعوة (القرمطي حمدان بن الأشعث) فابتنى لأتباعه دارا للهجرة في سواد الكوفة عام ٢٧٧هـ وسار على طريقة أستاذه الأهوازي وهكذا أصبح للدعوة القرمطية يؤمونه وقاعدة يمكنهم الانطلاق منها اختار القرمطي دعاته وكان من أشهرهم ابن عمه وصهره (عبدان) وهو الذي نسبت إليه كثير من كتب القرامطة و (زكرويه بن مهرويه) الذي أخذ الدعوة عن أبيه كما ورث عنه ما كان يشغل باله في القضاء على الإسلام وتأسيس أسرة فارسية يعود إليها الحكم و (أبو الفوارس) الذي قاد ثورة القرامطة عام ٢٨٩هـ. فرض القرمطي على أتباعه مبالغ عليهم أن يدفعوها وتصرف في هذه الأموال فجذب إليه الفقراء الذين قدم إليهم المساعدات واشترى السلاح فأخاف ني فالتحقوا بدعوته تخلصا من شره وطمعا في الغنائم التي مناهم بالحصول عليها من أموال المخالفين له وربما كان يعمل هذا القرمطي لنفسه أو أنه مقتنع بالعمل لإمامة الإسماعيلية الذين سيعملون بدورهم للغاية التي يعمل هو لها أو هكذا كان يظن. كان القرامطة دعاة للإسماعيلية ثم انحرفوا عنهم عندما علموا أن الدعوة في السلمية لم تعد لأولاد محمد بن إسماعيل وإنما لأولاد عبدالله بن ميمون القداح وأصبح الاختلاف واضحا بين الفريقين في الوسائل التي اتخذوها وفي العقائد التي غدت للقرامطة وعدهم الإسماعيلية ملاحدة. كان أتباع قرمط يتلقون التعليمات من السلمية ويسيرون حسبها بشكل دقيق ومنتظم وذات مرة أرسل قرمط رسوله إلى مقر الدعوة في السلمية والتقى الرسول هناك بصاحب الدعوة الأول وبينما كان الحديث يدور بينهما عن الإمام المنتظر إذ أجيب الرسول أن هذا الموضوع إنما هو خرافة والدعوة هي لأولاد عبدالله بن ميمون إذ ظن صاحب الدعوة الأول أن القرامطة قد التزموا بالخط تماما وأنهم أصبحوا مرتبطين به بشكل أكيد وقد آن له أن يفاتحهم بالأمر.

стр. 4240

عاد الرسول إلى سواد الكوفة ونقل الخبر إلى (قرمط) الذي أدرك اللعبة وترك الصلة بالسلمية وبدأ العمل وحده منفردا ولنفسه وعندما حدث هذا التغير في طريقة (قرمط) حضر (أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح) من (الطالقان) إلى الكوفة وهو كبير الدعاة للإسماعيلية وصلة الواصل بين السلمية ودعاتها فعاتب عبدان ابن عم قرمط وهو مفكر القرامطة عاتبه على السير على نهج خاص والعمل على انفراد وشق عصا الطاعة إلا أن عبدان قد عنفه وطرده من منطقة السواد إلا أن زكرويه بن مهرويه قد استقبله وتآمر الاثنان معا على قتل عبدان فثار أهل السواد حيث إن أكثرهم من أنصاره فخرج أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح من تلك الجهات على غفلة من أهلها خائفا يترقب واختفى زكرويه وهنا يبدو اتفاق زكرويه والسلمية كمرحلة من مراحل العمل ولكن لأن كلا منهما يريد الاستقلال والعمل لنفسه ويبغي استغلال الطرف الآخر لمصلحته إذ أن زكرويه يريد أن يكسب السلمية مركز الدعوة إلى جانبه حتى يربح الأنصار ويبقى على رأس العمل والسلمية تريد ألا تخرج منطقة السواج من قبضتها وإنما تريد أن تحافظ على بعض الدعاة أمثال زكرويه الذي يمكنه كسب تأييد المجوس المتسترين كافة ودعم اليهود المادي ومع هذا الاتفاق المرحلي حرص كل طرف على كسب أنصار له في منطقة نفوذ الآخر ففي الوقت الذي حرصت فيه السلمية على وجود أعوان لها في جنوبي العراق رأى زكرويه أن بلاد الشام منطقة خصبة للعمل إذ إن ضعف الطولونيين يساعد على النشاط هناك بينما هو محصور في مخبئه في منطقة السواد خوفا من أنصار عبدان. يبدو أن هذا الانقسام قد حدث في أكثر من منطقة نتيجة نقل الإمامة من أبناء محمد بن إسماعيل إلى أبناء عبدالله بن ميمون القداح دون معرفة الأتباع والدعاة فأبو عبدالله الشيعي الداعية الإسماعيلي في المغرب كان قد حضر مرة إلى السلمية والتقى بالإمام أو قدم إلى شخص عرف بأنه الإمام فلما نجح في دعوته في المغرب بين أفراد قبيلة كتامة وانتقل إليه عبيد الله المهدي على أنه الإمام رأى أنه غير الذي عرفه بالسلمية فأراد أن ينفصل عنه ويقوم ضده إلا أن عبيد الله قد عرف ذلك منه فقتله وقامت قبيلة كتامة تنصر داعيتها ولكن عبيد الله كان قد قويت جذوره فاستطاع إخماد ثورة كتامة وإطفاء تلك الفكرة التي شاعت بين الناس وعرف علي بن الفضل قرمطي اليمن الذي حدث في هذا الاختلاف فانفصل كذلك عن الدعوة القائمة في السلمية وبقيت حركته منفصلة عن غيرها في منطقة وحدها. نقل زكرويه بن مهرويه نشاطه إلى بلاد الشام فأرسل ابنه الحسين إلى هناك عام ٢٨٨هـ ومهد هذا ليحيى بن زكرويه كي يقوم بحركته في تلك الجهات كان زكرويه بن مهرويه وأبوه من قبل وأبناؤه من بعد يرغبون في أن يتزعموا الحركة المناهضة وأنه تكون لهم الدعوة التي يجب أن تسير حسب عقائدهم القديمة وآرائهم الخاصة ويبدو هذا من خلافهم مع عبدان فعلى الرغم من أنهم كانوا من قادة الحركة ودعاتها الكبار إلا أنهم رأوا عبدان وحمدان وأنصارهم هم أصحاب السلطة الأوائل ورجال الدعوة المحركين لها لذلك تخلصوا نهم وبدا لهم أن يبقوا على صلة مع السلمية ليستمر الدعم لهم سواء أكان من الناحية المادية أم من الناحية العسكرية ثم عادوا فاختلفوا مع السلمية عندما قوي مركزهم في بلاد الشام ونكلوا بآل المهدي عبيد الله الدعي لآل البيت وبآل البيت فعلا ثم ادعوا نسبا علويا حتى لا يفقدوا كل شيء يجعل منهم سادة تتجه نحوهم النظار ويقوي مركزهم بين ألئك الأتباع السذج الذين يسيرون وراء كل دعي.
следующие страницы →