← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

رأت الشيعة أن تأخذ أمور دينها من أبناء علي حفدة رسول الله ﷺ فهم أعلم من غيرهم بأمور دينهم ثم وجدوا أن يكون الابن الأكبر من أهل البيت هو الإمام وصاحب الحق الشرعي في ذلك ولا يمكن أن تنتقل الإمامة من الأخ إلى أخيه إلا في حاله واحدة هي انتقالها من الحسن بن علي إلى أخيه الحسين إذ يعدون أن الإمامة كانت مستودعة عند الحسن ومعنى الإمام أنه الخليفة أي أمير المؤمنين إذ لا فرق في الإسلام بين الدين والسياسة فليس من المعقول أن يكون الإنسان في المسجد متعبدا ويكون خارجه غاشا للناس أو كاذبا باسم السياسة أو دجالا من الدجالين باسم المصلحة أو التقية وليس في دياناتهم تشريعات للناس ولكن الدين للناس أنزل لذلك فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] ثم تطورت فكرة الإمام عند الشيعة إلى اختيار أبرزهم في الحياة العامة وقد التفوا حول جعفر الصادق وعدوه إماما على الرغم من أنه لم يناد بنفسه إماما ولم يقم بثورة يطالب فيها بالحكم إلا أن الشيعة رتبوا فيما بعد لأنفسهم أئمة حسب هواهم وكانت على الشكل التالي علي بن أبي طالب (٢٣ق. هـ - ٤٠هـ) الحسن (٣ - ٥٠) الحسين زين العبادين (٣٨ – ٩٤) زيد الزيدية (٧٩ – ١٢٢) محمد الباقر (٥٧ - ١١٤) جعفر الصادق (٨٠ - ١٤٧) وكان جعفر الصادق ﵁ صاحب رأي سديد وحكمة بالغة ولم تكن آراؤه لتختلف عن سائر المسلمين وقد دارت حولها كتابات من علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري وما تلاه من قرون فغيرتها عن حقيقتها فتطورت هذه الآراء بمرور الزمن ونسبت إلى الصادق تعاليم وآراء لم يقل بها كما أدخل بعض الشيعة في تعاليمه آراء هي من تراث الأمم القديمة التي خضعت للمسلمين أو التي امتزجت مع المسلمين على نحو ما فكثرت الآراء واختلفت النزعات وتشعبت الأهواء وظهر عند بعض البيئات الشيعية ومغالاة في الآراء الدينية وبهذا ومنذ ذلك الزمن أصبح للشيعة عقيدة تختلف عن عقيدة أهل السنة وبخاصة فيما يتعلق بالأئمة وعصمتهم ومركزهم وتأويلاتهم والخضوع لهم. تفرقت الشيعة بعد جعفر الصادق إلى فرقتين بسبب الإمامة فالأكثرية تبعت موسى الكاظم بن جعفر الصادق وتتابعت بعده الأئمة حتى الإمام الثاني عشر وهو محمد المهدي الذي قيل إنه غاب واختفى في سرداب ٢٦٥هـ ولهذا عرفت هذه الفرقة بالاثنى عشرية ويعتقد أتباعها أن هذا الإمام لا يزال حيا وينتظرون عودته ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا وقد اختفى هذا الإمام وهو صغير أو هكذا ادعى باب الإمام الحادي عشر حسن العسكري وهو محمد بن نصير مع العلم أنه من المعروف أن الحسن العسكري لم ينجب أولادا. تسلم أتباع هذه الفرقة حكم عدة مناطق وفي وقت واحد إلا أنهم بقوا متفرقني كما أن البويهيين هم من هذا الضرع وقد حكموا أمر بغداد إلا أنهم لم يعترفوا بأية دعوة شيعية أخرى غيرهم وقد كانت الحركة الإسماعيلية (١). نشطة آنذاك ولكنهم لم يعترفوا بها الأمر الذي جعلهم يحافظن على الخلافة العباسية ويبقون خلفاءها وهم من أهل السنة إذ استمروا رمزا للسلطة ولكنهم تحت سلطة البويهيين وإدارتهم. ومع غياب أئمة هذا الفرع فقد ضعف أمرهم وبقوا في المناطق التي وجدوا فيها يخضعون لحكامها وقد يتحركون أحيانا ولكن حركتهم لم تكن لتظهر ثمارها وهذا ما جعل بعضهم يسقطون صلاة الجمعة ما دام الإمام غير قائم بالأمر. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٢٨

стр. 4237

المبحث الثامن: الانتشار ومواقع النفوذ تمهيد لما كانت حركة القرامطة قد قامت في مناطق واسعة وفي عدة بقاع فقد نسب كل قسم إلى المنطقة التي قوي نفوذه فيها فيقال قرامطة اليمن وقرامطة البحرين وقرامطة العراق على الرغم من أن قيامهم كان في وقت واحد تقريبا وبعضهم على صلة ببعض ومع هذا فلم يؤلفوا حكومة واحدة تشمل البقاع التي سيطروا عليها كلها إذ لم تكن لهم مركزية في الحكم وما ذلك الاختلاف إلا بسبب الأطماع التي كانت في ذهن كل مجموعة منهم أو كل أسرة إذ لم يكن لهم هدف واحد معين يدعون له وكل ما جمعهم إنما هو الرغبة في اتباع الهوى وإرواء الغرائز ويجب ألا ننسى هدف المحركين الأساسيين من المجوس في تهديم الإسلام ولكن لا يمكن أن يستمر هذا التوافق بين القادة والأتباع إذ إن الأهداف المختلفة لا تلبث أن تظهر التباين ويظهر قادة جدد ينفصلون في بعض الجهات فتتجزأ الحركة الواحدة إلا أن التخطيط المجوسي يستطيع أن يستغل الطرفين حيث يسير الأتباع دون تخطيط ثم يكون الخلاف من جديد وهكذا. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٤٢ قرامطة اليمن إن أول حركة قامت للقرامطة كانت باليمن إذ استطاع (الحسين بن حوشب) الملقب بـ (منصور اليمن) أن يجمع حوله عددا من القبائل اليمنية وأن يظهر الدعوة بينهم باسم الإمام الإسماعيلي المنتظر وقد تمكن عام ٢٦٦هـ أن يؤسس أول دولة إسماعيلية أو أن الحركة قد استطاعت أن تكسبه إلى صفوفها بعد نشاط حركتها وغياب الشيعة وكان من أكبر أعوانه (علي ابن الفضل) واستطاع ابن حوشب أن يقوم بنشاط خارج اليمن وأن يرسل الدعاة إلى عدة جهات وكان من بينهم (أبو عبدالله الشيعي) الذي أرسله إلى بلاد المغرب إذ اختارها لبعدها عن مركز الدولة العباسية ولسهولة إقناع البربر بفكرته وجلبهم إلى صفوف دعوته لجهلهم وسذاجتهم الدينية بالإضافة إلى أنهم أهل قوة وعصبية فعندما يكسب بعض زعماء قبيلة ما لا يلبث أن ينضم إليه أفراد القبيلة كافة ويتحمسون لدعوتهم واستطاع أبو عبدالله الشيعي أن يكسب إلى جانبه قبيلة (كتامة) التي حملت الفكرة وعملت لها وما إن صول خبر نجاح الدعوة في المغرب إلى السلمية حتى انتقل إليها (عبدالله المهدي) الذي وضع لنفسه نسبا فاطميا وتسمى بالمهدي فادعى أنه عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل وتسلم الأمر ولكن لم يلبث أن اختلف مع داعيته أبي عبدالله الشيعي الذي لم يتعرف عليه إذ كان غير الذي رآه في السلمية واستطاع عبيد الله أن يتخلص من أبي عبدالله وفي الوقت نفسه تمكن من إخماد حركة قبيلة كتامة التي ارتبطت بالدعوة مع أبي عبدالله. واختلف ابن حوشب مع قائد جيشه علي بن الفضل الذي خرج عن الجادة وافتتن بالتفاف الناس حوله فحكم البلاد ودخل (زبيد) و (صنعاء) وادعى النبوة وأباح المحرمات وكان المؤذن في مجلسه (وأشهد أن علي بن الفضل رسول) (١). خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هزريك ثم اطربي تولى نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب لكل نبي مضى شرعة ... وهذي شريعة هذا النبي فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحط الصيام ولم يتعب إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي واشربي ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر في يثرب (٢). ثم امتد به عتوه فجعل يكتب إلى عماله (من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان) ثم مات مسموما عام ٣٠٣هـ (٣). ولم تلبث دولة القرامطة في اليمن أن زالت. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص: ٥٢ قرامطة العراق

стр. 4238

كان جنوبي العراق مهد الشيعة الأول وأنصار هذه الفرقة كثيرون في هذه المنطقة وتلك الجهة قريبة من فارس مركز المجوس والجهل يخيم على تلك البقعة فيكم استغلال السكان وبخاصة الوافدين منهم – وما أكثرهم – والسير بهم حيث يريد المستغلون وعندما انقطعت الإمامة لدى الشيعة الإثنى عشرية كان المجال واسعا لانتشار الإسماعيلية والتحاق أعداد ليست قليلة بها من الشيعة وانضمام أفراد من السكان إلهيا باستمرار نتيجة الدعايات والعمل السري الدائم والتنظيم الدقيق والدعوة باسم الرضا من آل البيت وإذا كانت الحركة قد انتقلت بمركزها إلى (الأهواز) ثم إلى السلمية إلا أن جنوبي العراق قد بقي القاعدة الرئيسة للدعوة وبقعة النفوذ الأساسية لها. كان من الدعاة الإسماعيليين (مهرويه) أحد الذين يخفون عقيدتهم المجوسية وهو من أصل فارسي و (حسين الأهوازي) وهو من الفرس أيضا وربما كانت نسبته إلى (الأهواز) لإخفاء شخصية (حسين) الذي كان رسولا متنقلا لإمام الإسماعيلية وقد يكون على صلة وثيقة بصاحب الدعوة الأول وكثيرا ما كان أصحاب الدعوات الذين يريدون إخفاء شخصياتهم ينتسبون إلى هذه المنطقة لذا نلاحظ هذه النسبة كبيرة بين رجالات الإسماعيلية. كان عبدالله بن ميمون القداح رأس الدعوة الإسماعيلية وكان يريد أن يعمي على نفسه فوزع دعاته في الأمصار وبخاصة أبناءه حتى لا تتجه الأنظار إلى مقر إقامته فأرسل ابنه (أحمد) ليقيم في (الطالقان) من بلاد خراسان وطلب من دعاته أن يراسلوه إلى هناك كما أعلن عن موت ابنه (حسين) وعرف باسم (حسين الأهوازي) وربما كان هو بالذات حسين بن عبدالله بن ميمون القداح كما يقال إن حسين الأهوازي هو رسول الإمام أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل وهنا يبدو تشابه الأسماء بين أسرة أحمد بن عبدالله بن محمد إسماعيل وأسرة أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح ومن هنا جاء الاختلاف وادعاء النسب القداحي إلى آل البيت كما أنه شاع الإعلان عن موت الأشخاص ثم ظهورهم في مكان آخر باسم ثان وبخاصة عند الإسماعيليين الذين يعتقدون في الأصل أعلن عن موت ابنه إسماعيل وما هو كذلك وإنما انتقل سرا إلى السلمية. عرف (حسين الأهوازي) كداعية إسماعيلي في جنوب العراق بغض النظر عن نسبه وأصله وقد التقى مرة بـ (حمدان بن الأشعث) الذي عرف باسم (قرمط) وهو في طريقه إلى السلمية حسبما تدعيه الرواية القرمطية وقد استطاع (حسين) استمالة (حمدان) إلى دعوته وسار معه إلى قرته حيث بدأ العمل هناك بنشاط إذ أن حمدان كان صاحب علاقات اجتماعية كثيرة حيث كان ناقما على المجتمع وكثير الكلام على الأوضاع وكان المحيط الذي يعيش فيه حاقدا على الحكم العباسي فيستمع إلى من تعود على النقد فتوسعت الدعوة بحيث لم يعد أحد ينكر مركزها وترقى حمدان في سلمي الدعوى ووصل إلى مكان مرموق فيها وهناك من يقول إن أصل حمدان يعود إلى الفرس المجوس الذين يكثرون في ذلك الوسط ويخططون للعمل ضد الدولة ويعملون على تهديم الإسلام وهناك من يقول إن أصل حمدان يرجع إلى يهود نجران الذين كانوا يشبهون المجوس في الخطة والهدف وكثيرا ما عمل الفريقان في مخطط واحد.

стр. 4239

في هذا الوقت كانت حركة الزنج قائمة في جنوبي العراق وقد سيطرت على مدينة البصرة وامتد نفوذها واستطاعت الانتصار على الجيوش العباسية في عدد من الوقائع رغب (حسين الأهوازي) أن يشارك في هذه الحركة كمرحلة من مراحل عمله إذ لا يستطيع وحده آنذاك أن يقوم بعمل مثمر والحركات الانتهازية دائما يستغل بعضها بعضا أو يركب بعضها طريق الآخر حتى إذا تم له ما يريد انفرد وحده فالغاية عندهم تبرر الواسطة فالتقى حسين الأهوازي بصاحب الزند عام ٢٦٦هـ وعرض عليه المساعدة مادامت الغاية واحدة والوسيلة واحدة إلا أن صاحب الزنج قد عرف رغبة الأهوازي في سرقة الثورة فرفض المساعدة حيث كان الزنج في أوج القوة التي وصلت إليها حركتهم فلم يبالوا بالعون. لم تلبث حركة الزنج أن فشلت وقضى عليها العباسيون بعد أن عرفوا الأسباب التي دعت إليها فعندما حاولوا التخلص منها ودعوا إلى تطبيق الإسلام الذي يقضي عليها ووجد الدواء لها انفرط عقد الزنج وتخلص العباسيون من حركتهم عندما هدأت الأوضاع استطاع (حسين الأهوازي) أن يجدد نشاطه وأن يقنع أتباعه ويمنيهم بأنهم سيملكون الأرض وفرض دينارا على كل من أجابه لدعوته ليضمن نظمهم ووضع عنهم الصوم والصلاة والفرائض جميعا وأحل لهم أموال المخالفين لهم ودماءهم وأعراضهم ونظمهم تنظيما دقيقا إذ جعل منهم اثني عشر نقيبا وكان من أبرزهم (قرمط حمدان بن الأشعث). مات (الأهوازي) فخلفه في رئاسة الدعوة (القرمطي حمدان بن الأشعث) فابتنى لأتباعه دارا للهجرة في سواد الكوفة عام ٢٧٧هـ وسار على طريقة أستاذه الأهوازي وهكذا أصبح للدعوة القرمطية يؤمونه وقاعدة يمكنهم الانطلاق منها اختار القرمطي دعاته وكان من أشهرهم ابن عمه وصهره (عبدان) وهو الذي نسبت إليه كثير من كتب القرامطة و (زكرويه بن مهرويه) الذي أخذ الدعوة عن أبيه كما ورث عنه ما كان يشغل باله في القضاء على الإسلام وتأسيس أسرة فارسية يعود إليها الحكم و (أبو الفوارس) الذي قاد ثورة القرامطة عام ٢٨٩هـ. فرض القرمطي على أتباعه مبالغ عليهم أن يدفعوها وتصرف في هذه الأموال فجذب إليه الفقراء الذين قدم إليهم المساعدات واشترى السلاح فأخاف ني فالتحقوا بدعوته تخلصا من شره وطمعا في الغنائم التي مناهم بالحصول عليها من أموال المخالفين له وربما كان يعمل هذا القرمطي لنفسه أو أنه مقتنع بالعمل لإمامة الإسماعيلية الذين سيعملون بدورهم للغاية التي يعمل هو لها أو هكذا كان يظن. كان القرامطة دعاة للإسماعيلية ثم انحرفوا عنهم عندما علموا أن الدعوة في السلمية لم تعد لأولاد محمد بن إسماعيل وإنما لأولاد عبدالله بن ميمون القداح وأصبح الاختلاف واضحا بين الفريقين في الوسائل التي اتخذوها وفي العقائد التي غدت للقرامطة وعدهم الإسماعيلية ملاحدة. كان أتباع قرمط يتلقون التعليمات من السلمية ويسيرون حسبها بشكل دقيق ومنتظم وذات مرة أرسل قرمط رسوله إلى مقر الدعوة في السلمية والتقى الرسول هناك بصاحب الدعوة الأول وبينما كان الحديث يدور بينهما عن الإمام المنتظر إذ أجيب الرسول أن هذا الموضوع إنما هو خرافة والدعوة هي لأولاد عبدالله بن ميمون إذ ظن صاحب الدعوة الأول أن القرامطة قد التزموا بالخط تماما وأنهم أصبحوا مرتبطين به بشكل أكيد وقد آن له أن يفاتحهم بالأمر.

стр. 4240

عاد الرسول إلى سواد الكوفة ونقل الخبر إلى (قرمط) الذي أدرك اللعبة وترك الصلة بالسلمية وبدأ العمل وحده منفردا ولنفسه وعندما حدث هذا التغير في طريقة (قرمط) حضر (أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح) من (الطالقان) إلى الكوفة وهو كبير الدعاة للإسماعيلية وصلة الواصل بين السلمية ودعاتها فعاتب عبدان ابن عم قرمط وهو مفكر القرامطة عاتبه على السير على نهج خاص والعمل على انفراد وشق عصا الطاعة إلا أن عبدان قد عنفه وطرده من منطقة السواد إلا أن زكرويه بن مهرويه قد استقبله وتآمر الاثنان معا على قتل عبدان فثار أهل السواد حيث إن أكثرهم من أنصاره فخرج أحمد بن عبدالله بن ميمون القداح من تلك الجهات على غفلة من أهلها خائفا يترقب واختفى زكرويه وهنا يبدو اتفاق زكرويه والسلمية كمرحلة من مراحل العمل ولكن لأن كلا منهما يريد الاستقلال والعمل لنفسه ويبغي استغلال الطرف الآخر لمصلحته إذ أن زكرويه يريد أن يكسب السلمية مركز الدعوة إلى جانبه حتى يربح الأنصار ويبقى على رأس العمل والسلمية تريد ألا تخرج منطقة السواج من قبضتها وإنما تريد أن تحافظ على بعض الدعاة أمثال زكرويه الذي يمكنه كسب تأييد المجوس المتسترين كافة ودعم اليهود المادي ومع هذا الاتفاق المرحلي حرص كل طرف على كسب أنصار له في منطقة نفوذ الآخر ففي الوقت الذي حرصت فيه السلمية على وجود أعوان لها في جنوبي العراق رأى زكرويه أن بلاد الشام منطقة خصبة للعمل إذ إن ضعف الطولونيين يساعد على النشاط هناك بينما هو محصور في مخبئه في منطقة السواد خوفا من أنصار عبدان. يبدو أن هذا الانقسام قد حدث في أكثر من منطقة نتيجة نقل الإمامة من أبناء محمد بن إسماعيل إلى أبناء عبدالله بن ميمون القداح دون معرفة الأتباع والدعاة فأبو عبدالله الشيعي الداعية الإسماعيلي في المغرب كان قد حضر مرة إلى السلمية والتقى بالإمام أو قدم إلى شخص عرف بأنه الإمام فلما نجح في دعوته في المغرب بين أفراد قبيلة كتامة وانتقل إليه عبيد الله المهدي على أنه الإمام رأى أنه غير الذي عرفه بالسلمية فأراد أن ينفصل عنه ويقوم ضده إلا أن عبيد الله قد عرف ذلك منه فقتله وقامت قبيلة كتامة تنصر داعيتها ولكن عبيد الله كان قد قويت جذوره فاستطاع إخماد ثورة كتامة وإطفاء تلك الفكرة التي شاعت بين الناس وعرف علي بن الفضل قرمطي اليمن الذي حدث في هذا الاختلاف فانفصل كذلك عن الدعوة القائمة في السلمية وبقيت حركته منفصلة عن غيرها في منطقة وحدها. نقل زكرويه بن مهرويه نشاطه إلى بلاد الشام فأرسل ابنه الحسين إلى هناك عام ٢٨٨هـ ومهد هذا ليحيى بن زكرويه كي يقوم بحركته في تلك الجهات كان زكرويه بن مهرويه وأبوه من قبل وأبناؤه من بعد يرغبون في أن يتزعموا الحركة المناهضة وأنه تكون لهم الدعوة التي يجب أن تسير حسب عقائدهم القديمة وآرائهم الخاصة ويبدو هذا من خلافهم مع عبدان فعلى الرغم من أنهم كانوا من قادة الحركة ودعاتها الكبار إلا أنهم رأوا عبدان وحمدان وأنصارهم هم أصحاب السلطة الأوائل ورجال الدعوة المحركين لها لذلك تخلصوا نهم وبدا لهم أن يبقوا على صلة مع السلمية ليستمر الدعم لهم سواء أكان من الناحية المادية أم من الناحية العسكرية ثم عادوا فاختلفوا مع السلمية عندما قوي مركزهم في بلاد الشام ونكلوا بآل المهدي عبيد الله الدعي لآل البيت وبآل البيت فعلا ثم ادعوا نسبا علويا حتى لا يفقدوا كل شيء يجعل منهم سادة تتجه نحوهم النظار ويقوي مركزهم بين ألئك الأتباع السذج الذين يسيرون وراء كل دعي.

стр. 4241

بايع أتباع زكرويه ابنه يحيى في سواد الكوفة عام ٢٨٩هـ ولقبوه الشيخ كما كان يعرف أبو القاسم على حيث بقي أبوه زكرويه في مخبئه ويبدو أن يحيى هذا هو الذي قتل عبدان داعية القرامطة الأول. ادعى يحيى نسبا إسماعيليا فزعم أنه محمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وسار يحيى إلى دمشق بعد أن انتهب وانتهك حرمات البلاد التي مر عليها كلها وحاصرها عام ٢٩٠هـ إلا أنه عجز عن فتحها إذ جاءتها نجدات من بغداد ومن مصر ولما عرف أنه مقتول لا محالة ادعى أنه سيطلع إلى السماء غدا وأنه سيبقى فيها أربعين يوما ثم يعود وأن أخاه الحسن سيأتي غدا في نجدة وكان قد بلغه ذلك فعليهم مبايعته والقتال معه والسير وراءه وفي معركة اليوم التالي قتل يحيى بن زكرويه على أبواب دمشق وعرف باسم صاحب الجمل حيث كان يمتطي جملا خاصا. اجتمع القرامطة على الحسين زكرويه فادعى نسبا إسماعيليا وأنه أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ووضع شامة على وجهه لذا عرف باسم صاحب الخال أو أبو شامة وقال إنها آية لما يتم على يديه وزعم أنه قادر على القيام بمعجزات خرج الحسين في جهات الكوفة وسار نحو أخيه إلى دمشق ومر في طريقه على الرملة غربي بيت المقدس وكان عبيد الله المهدي مختبئا فيها في طريقه إلى المغرب خوفا من العباسيين الذي عرفوا مكانه بالسلمية وقد عرف الحسين مكان عبيد الله وعرف اختلاف القرامطة فعرج عليه لاسترضائه وإظهار الطاعة عسى أنه يستفيد منه وقد أبدى عبيد الله رضاءه ولكن ما إن تركه الحسين حتى خافه وخشي أن يقتله أو يخبر العباسيين بمكان وجوده إذ عرف رغبة أسرته في التفرد بالسلطة والرغبة في السيطرة والقضاء على كل من يقف في وجهها ومن جملتهم عبيد الله لذا فقد ترك الرملة مباشرة واتجه إلى مصر ومنها إلى المغرب حيث أقام دولته هناك. سار الحسين من الرملة إلى دمشق فوجد أخاه يحيى قد قتل فالتف القرامطة حوله وحاصر بهم دمشق ولكنه عجز عن فتحها فطلبه أهل حمص فسار إليهم فأطاعوه ثم انتقل إلى السلمية فامتنعت عنه ثم فتحت له أبوابها بعد أن أعطى أهلها الأمان وما عن دخلت حتى نكل بقاطنيها فأحرق دورها وهدم القلاع فيها وقتل الهاشميين فيها دلالة على الحقد الذي في صدور القرامطة على آل البيت وإن ادعوا نسبا يتصل بهم وإظهارا لكراهيتهم للإسلام الذي قضى على المجوسية في فارس وكان الهاشميون قد قادوا الدعوة للإسلام ثم قتل آل عبيد الله المهدي جميعا دلالة على الخلاف بينهم على الرغم من أصول الدعوة الواحدة إذ أن كلا الأسرتين تريدان الزعامة والاحتفاظ بالدعوة وبالتالي التمكين لنفسها وبخاصة أن عبيد الله المهدي كان قد رفض إعطاء آل زكرويه مراكز هامة في الدعوة لما يتحسس منهم ويشعر عما في نفوسهم لذا نقموا عليه وبدأ الخلاف بين الطرفين وعندما التقى الحسين بالإمام عبيد الله المهدي في الرملة أظهر عبيد الله الإيجاب وأنه يحسن الظن بآل زكرويه وذلك حتى لا يضروه فهو غير قادر على مقاومتهم في بلاد الشام ولا يملك من القوة إلا القليل من الأتباع الذين لا يستطيعون الدفاع عنه إضافة إلى أنه يخشى على أهله في السلمية وقد غادرها وذلك إذا تمكن آل زكرويه من السيطرة عليها وهذا ما قد وقع. سار الحسين بقرامطته إلى حماة والمعرة وبعلبك وقتل أهل كل بلد وصل إليها وأغارت جماعته على جهات حلب ولكنهم غلبوا لذا عادوا فاتجهوا إلى جهات الكوفة مقرهم الأصلي وهناك قاتلهم الخليفة العباسي المكتفي فوقع الحسين بن زكرويه أسيرا فحمل إلى بغداد حيث قتل وصلب فيها عام ٢٩١هـ وهكذا انفصلت دعوة آل زكرويه القرمطية عن دعوة عبيد الله القداحية.

стр. 4242

وعندما قتل أولاد زكرويه خرج أبوهم من مخبئه الذي اختفى فيه مدة تقرب من ثلاث سنوات وعندما ظهر للناس سجد له أتباعه المقربون من الذين يبطنون المجوسية وهذا دليل على تأليه القرامطة لدعاتهم فأرسل زكرويه أتباعه إلى بلاد الشام فأمعنوا في القتل واعترض طرق القوافل والحجاج وارتكبوا من الفواحش ما يصعب وصفه وحاصروا مدينة دمشق ولكنهم عجزوا عن فتحها وأخيرا هزم زكرويه وقتل عام ٣٠١هـ بعد أن عاث في الأرض الفساد وتشتت أتباعه فمنهم من انتقل إلى البحرين الذين تجمعهم بهم رابطة الفكر ومنهم من اختفى ثم تحالف مع القبائل الضاربة في البوادي والقفار أو سار إلى أماكن نائية حيث ضاع فعله وعاش في عداد السكان الآخرين. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص:٥٥ قرامطة البحرين إن أول ما عرفت فكرة القرامطة في البحرين وإن لم تسم بهذا الاسم إذ لم يكن حمدان بن الأشعث القرمطي قد عرف بعد وأصبح رأس جماعة نسبت إليه أول ما عرفت تلك الفكرة كانت على يد شخص نزل البحرين وأعطى نفسه اسم يحيى بن المهدي فأظهر التشيع في بداية الأمر ثم أعلن أنه المهدي المنتظر فظهر أمره وأجابه عدد كبير إذ انضم إليه السوقة ومن ساءت حالتهم المعاشية وعدد من الشباب الذي أغراهم بالنساء التي جعلها مباحة بينهم كما مناهم بالمال وامتلاك الأرض وهيأ لهم طريق الشهرة بالقوة التي أظهرها إذ زاد عددهم وبدا لهم أنهم أصبحوا جماعة يخشى جانبها وكانت الدولة العباسية قد بدأت في مراحل ضعفها وشغلت بمشكلاتها الكثيرة والجنود هم الذين يسيطرون عليها ولا يهمهم سوى مصلحتهم الخاصة وتأمين أهوائهم والسير وراءها والناس في ترف فكري أشغلهم علم الكلام وزاد ترفهم القعود عن الجهاد وإهمال الحكم لهم لذا كان العوام يسيرون وراء كل من يحقق لهم مصالحهم أو يدعي أنه يعمل لذلك. وكان من الذين اتبعوا يحيى بن المهدي رجل اشتهر أمره كثيرا وهو الحسن بن بهرام الذي عرف باسم أبو سعيد الجنابي ويعود في أصله إلى فارس أيضا فهو من أهل (جنّابا) قرب سيراف وقد نزل البحرين منفيا من بلاده ويعمل بالفراء وينتقل من البحرين إلى سواد الكوفة وصحب عبدان أو حمدان وتأثر به وعندما عاد إلى منطقته بدأ يدعو إلى القرامطة كأنصار لرفاقهم في جنوبي العراق وعندما تجمع حوله عدد من الاتباع بدأ يعيث ورفاقه في الأرض الفساد فقتلوا وسبوا في بلاد هجر كثيرا عام ٢٨٦هـ إذ قتل من حوله من أهل القرى ثم سار إلى القطيف فقتل من بها وأظهر أنه يريد البصرة فجهز إليهم الخليفة العباسي جيشا كثيفا جعل عليه العباس بن عمر الغنوي فانتصر عليه القرامطة وأسروا الجيش كله واستمر نشاطهم حتى عام ٣٠١هـ حيث قتل أبو سعيد الجنابي على يد خادمه بالحمام خارج الحمام وهمس في أذن رجل عظيم من رؤسائهم فقتله وخرج ودعا آخر من عظمائهم وفعل معه فعلته الأولى إلى أربعة منهم فلما استدعى الخامس فطعن لذلك فمسك يد الخادم وصاح فاجتمع النساء والرجال وحصل بينهم وبين الخادم مناظرات وقتلوه (١).

стр. 4243

وعندما قاموا بحركاتهم وإنما اقتصروا على عملهم منفردين كدعوة خاصة لذا فهم أولى من غيرهم بالنسبة إلى حمدان قرمط كان أبو سعيد الجنابي قد عهد من بعده لابنه الأكبر سليمان الذي يكنى بأبي طاهر دخل أبو طاهر البصرة عام ٣١١هـ في ألفين وسبعمائه رجل فقتل القرمطي من أهلها خلقا كثيرا وبقي فيها ثمانية عشر يوما يحمل منها ما يقدر على حمله من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان ثم رجع إلى بلده وقطع عام ٣١٢هـ على الحجاج طريق عودتهم فأخذ منهم أزوادهم وأمتعتهم وترك من بقي منهم بلا ماء ولا طعام فمات أكثرهم ثم دخل الكوفة عام ٣١٣هـ وبقي فيها ستة أيام نقل خلالها أكثر ما فيها ثم عاد ودخلها في العام التالي وفعل فيها ما فعله في عامه السابق كما استولى على مدينة الأنبار وعين التمر. هجم القرمطي أبو طاهر عام ٣١٧هـ على الحجاج يوم التروية ٨ ذي الحجة في منى ونهب أموال الحجيج وقتل الحجاج حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه ورمى القتلى في بئر زمزم حتى امتلأت بالجثث وخلع باب الكعبة ووقف يلعب بسيفه على بابها وخلع الحجر الأسود وأخذه معه إلى بلده هجر. واختلف بعض القرامطة مع بعض عام ٣٢٦هـ إلا أن أبا طاهر قد استطاع الحفاظ على وضعه وتخلص من خصومه وهذا ما جعلهم يتمسكون في منطقتهم ويحافظون عليها ويمكثون فيها مدة ويتركون الفساد في الأرض وقطع الحجاج والقوافل. وفي عام ٣٣٢هـ مات أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي زعيم القرامطة فخلفه إخوته الثلاثة سعيد أبو القاسم وأحمد أبو العباس ويوسف أبو يعقوب وكانت كلمتهم متفقة وفي عام ٣٣٩هـ رد القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه بعد أن بقي اثنين وعشرين عاما. امتد نفوذ قرامطة البحرين إلى نجد وكانت الدولة الأخيضرية هناك تحت إشرافهم كما أخضعوا الحجاز لهم ووصلوا إلى بلاد الشام عام ٣٥٧هـ وكان أمرهم آنذاك إلى الحسن بن الحسن بن بهرام وقد دخل دمشق وولي عليها وشاح السلمي ثم عادوا إليها عام ٣٦٠هـ وسار القرمطي إلى الرملة ومنها اتجه نحو القاهرة إلا أن جوهر الصقلي قد ردهم عنها وأخذ منهم دمشق وكانوا من قبل يمالئون الفاطميين إنما الذين أمروهم برد الحجر الأسود إلى مكانه بعد أن ساءت سمعتهم كثيرا في العالم الإسلامي ولحق الفاطميين في المغرب شيء من سوء تصرفهم. مات الحسن الأعصم عام ٣٦٦هـ وقام على أمر القرامطة من بعده ابن عمه جعفر بن الحسن بهرام وبدأ وضع القرامطة يضعف تدريجيا ولولا ضعف الدولة العباسية لا تنتهي أمرهم منذ منتصف القرن الرابع الهجري إلا أن التفكك الذي أصاب الدولة قد جعل أمرهم يطول ولكن أوضاعهم كانت مهلهلة والمناطق التي سيطروا عليها قد تجزأت وقام في النهاية بالبحرين أحد زعماء قبيلة بني عبد القيس المشهورة وهو عبدالله بن علي العيوني فاستعان الخليفة العباسي القائم بأمر الله وقد وجد تجاوبا كبيرا في نفسه لما يعلمه من أعمال القرامطة وتاريخهم الحافل بالفساد كما استعان بالسلطان السلجوقي (ملكشاه) الذي وجد عنده التجاوب نفسه بل كان هذا ضمن مخططه وجاءت القوات العباسية وساعدت عبدالله بن علي العيوني وقضت على القرامطة نهائيا وذلك عام ٤٦٧هـ وزالوا نهائيا. المصدر: القرامطة لمحمود شاكر – ص:٦٦

стр. 4244

المطلب الأول: على الصعيد السياسي من المعلوم أن القرامطة فرقة سياسية وحركة عسكرية؛ لم تكن دولة بالمعنى الصحيح، ولكنها كانت كياناً منظماً يعتمد على البدو، ويستطيع إقلاق راحة الدول المجاورة، ويعتمد في حياته على الغارات التي يشنها على البلاد المجاورة ويغنم منها وتعود جيوشه إلى مركزها في الأحساء والبحرين. على أن القرامطة كانوا أعداء ألداء للدولة العباسية؛ لأنها كانت دولة سنية تقف بالمرصاد لغلاة الشيعة من الباطنية. أما علاقتهم مع الفاطميين أو العبيديين فكانت علاقة مذهبية في أول الأمر. ولما أصبح العبيديون حكام مصر انقلب عليهم القرامطة وأخذوا يشنون الغارات على مصر والشام. وهذا الموقف لا ينبغي أن ينسينا أن الحزب الواحد يتمزق ويرمى أفراده بعضُهم بعضاً بأقسى التهم وأشنعها، ومردُّ ذلك إلى التنافس على السلطة؛ فالملك عقوق عقيم، والإنسان في السلطة هو غيره في الواقع النظري، ومقتضيات السياسة شيء ومقتضيات المثل والمبادئ شيء آخر، لا سيما في الكيانات التي اتخذت الدنيا غاية تتصارع على حطامها ومتاعها. لكنْ رغم ذلك لم تنقطع العلاقات بالكلية بين العبيديين والقرامطة؛ إذ ظل أولئك يمارسون نوعاً من الضغط والتأثير على هؤلاء؛ فعندما أغار القرامطة على مكة وسرقوا الحجر الأسود وأخذوه إلى الأحساء بقي هناك حتى أعادوه بواسطة الحاكم العبيدي عبيد الله المهدي. لقد ظلت الدعوة القرمطية تنشط في السر إلى أن جاء أبو سعيد الجنابي، الحسينُ بن بهرام، من جنابة ببلاد فارس، فأقام في البحرين تاجراً، ثم جعل يدعو الناس إلى نِحْلته الفاسدة، فانتشرت في البحرين، كما أنشأ لها فرعاً كبيراً في الأحساء، وتبعها فئام من الناس. وحين ظهر أمر أبي سعيد وقوي صيته قاتل بمن أطاعه مَنْ عصاه، فنزل الأحساء، ثم حاصر القطيف، وحاصر هجر عاصمة البحرين آنذاك شهوراً يقاتل أهلها، فاستولى عليها، وقتل كثيراً من الناس، وخرب المساجد وأحرق المصاحف، وفتك بالحُجاج وهاجم قوافلهم. ثم خلفه ابنه سعيد الذي سلم الأمر إلى أخيه أبي طاهر بعد ذلك، فسار هذا الأخير من البحرين، وخرب منازل الحاج وقد كانت في الأمن والعمارة كالأسواق القائمة، وأغار على مكة، وقتل وسلب ونهب، وأثخن في المسلمين. وتذكر المصادر أن قتلاه أكثر من قتلى بابك وصاحب الزنج. وقد ملك القرامطة كثيراً من البلدان هي: البحرين، والأحساء، والقطيف، واليمن، وعمان، وبلاد الشام، وجنوب العراق، وحاولوا احتلال مصر، لكن محاولتهم باءت بالفشل. أما كيانهم السياسي فكان يحكمه شخص واحد هو أبو سعيد الجنابي، يعاونه في الحكم مجلس مؤلف من أتباعه المقربين، وممن تربطه بهم رابطة العقيدة القرمطية والنسب. ويذكر ابن حوقل بعض الأفراد ووظائفهم. ولما توفي أبو سعيد الجنابي انتقلت الحكومة إلى مجلس شورى مؤلف من ستة دعاة ينظرون في القضايا والمسائل المختلفة، ويصدرون أوامرهم بالاتفاق، ولهم ستة وزراء. المصدر: القرامطة في الخليج العربي مقال لمحمد أمحزون

стр. 4245

المطلب الثاني: على الصعيد الاجتماعي في هذا المجال: يرى ارتباطهم بمذهب مزدك الذي كان يحل النساء ويبيح الأموال، ويجعل الناس شركاء فيهما كاشتراكهم في الماء والكلأ والنار، بذريعة استئصال أسباب المباغضة بين الناس؛ لأن ما يقع ـ في زعمهم ـ من المخالفة والبغضاء إنما هو بسبب النساء والأموال. والثغرة الخطيرة في كيان القرامطة هي مشكلة الرقيق؛ ذلك أنهم احتفظوا بنظام الرقيق وجعلوه أداة للإنتاج، وقامت دولتهم من حيث الواقع على طبقتين اجتماعيتين، الأولى: الأحرار وجلهم من المقاتلين الأعراب، والثانية: العبيد؛ إذ كان لهم في ذلك الوقت ثلاثون ألف زنجي وحبشي يشتغلون بالزراعة وفلاحة البساتين. وهذا الوضع يصطدم مع العدالة والمساواة التي كانوا ينادون بها. على أن مبدأهم ـ الذي يجعل ما يأخذه الفرد يتناسب وحاجتَه، بينما جعل مركزه الاجتماعي يتناسب وقدرتَه على خدمة الجموع ـ يذهب أدراج الرياح ويفقد مصداقيته على أرض الواقع. وقد دفع هذا التناقص، بين الواقع الاجتماعي والبنية الفكرية للقرامطة، بعض الباحثين إلى القول بأن دولة القرامطة لم تكن دولة اشتراكية، وإنما كانت دولة تطبق رأسمالية الدولة (دولة المحاربين)، بينما صنفها آخرون دولة اشتراكية، بينما ذهب فريق ثالث إلى أن دولة القرامطة في البحرين والأحساء قامت في منطقة خضعت دائماً للتأثير الفارسي في الإقطاع الساساني الذي عرف بنظام إقطاعيات الفرسان. المصدر: القرامطة في الخليج العربي مقال لمحمد أمحزون

стр. 4246

المطلب الثالث: على الصعيد الديني في مجال التدين يروى أن أبا سعيد أعفى أتباعه من الصلاة والصوم، وأصبح مرجعهم في كل شيء، ولذلك حين يُسألون عن مذهبهم يقولون: (إنا أبو سعيديون). وليس بمدينة الأحساء ـ آنذاك ـ مسجد جمعة، ولا تقام بها صلاة أو خطبة. ويؤمن القرامطة بالرجعة؛ لذا كانوا قد وضعوا على باب قبر أبي سعيد حصاناً مهيأ بعناية، عليه طوق ولجام، يقف بصفة مستمرة، معتقدين أن أبا سعيد سيركبه حين يرجع إلى الدنيا. وحين أغاروا على مكة في موسم الحج انتزعوا الحجر الأسود من مكانه ونقلوه إلى الأحساء، زاعمين أنه مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم، وفي عاصمتهم الأحساء ـ آنذاك ـ تباع لحوم الحيوانات كلها؛ الحلال والمحرمة: من قطط وكلاب وحمير وبقر وخراف وغيرها. ويسمنون الكلاب كما تعلف الخراف، ثم يذبحونها ويبيعونها لحماً. وفي موقفهم هذا إشارة إلى استباحة المحظورات وعدم انقيادهم للشرع في مسائل الأحكام. المصدر: القرامطة في الخليج العربي مقال لمحمد أمحزون

стр. 4247

المبحث العاشر: أتباعهم فإن قال قائل: مثل هذه الاعتقادات الركيكة، والحديث الفارغ، كيف يخفى على من يتبعهم؟ ونحن نرى أتباعهم خلقا كثيرا؟ فالجواب: أن أتباعهم أصناف: (١) فمنهم قوم ضعفت عقولهم، وقلت بصائرهم، وغلبت عليهم البلادة والبله، ولم يعرفوا شيئا من العلوم، كأهل السواد والأكراد وجفاة الأعاجم وسفهاء الأحداث، فلا يستبعد ضلال هؤلاء، فقد كان خلق ينحتون الأصنام ويعبدونها. (٢) ومن أتباعهم طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام، كأبناء الأكاسرة، والدهاقين وأولاد المجوس، فهؤلاء موتورون قد استكن الحقد في صدورهم، فهو كالداء الدفين فإذا حركته تخاييل المبطلين اشتعلت نيرانه. (٣) ومن أتباعهم قوم لهم تطلع إلى التسلط والاستيلاء ولكن الزمان لا يساعدهم، فإذا رأوا طريق الظفر بمقاصدهم سارعوا. (٤) ومن أتباعهم قوم جبلوا على حب التميز عن العوام، فزعموا أنهم يطلبون الحقائق، وأن أكثر الخلق كالبهائم، وكل ذلك لحب النادر الغريب. (٥) ومن أتباعهم ملحدة الفلاسفة والثنوية الذين اعتقدوا الشرائع نواميس مؤلفة، والمعجزات مخاريق مزخرفة، فإذا رأوا من يعطيهم شيئا من أغراضهم مالوا إليه. (٦) ومن أتباعهم قوم مالوا إلى عاجل اللذات، ولم يكن لهم علم ولا دين، فإذا صادفوا من يرفع عنهم الحجر مالوا إليه، على أن هؤلاء القوم لا يكشفون أمرهم إلا بالتدرج على قدر طمعهم في الشخص. وقد نبغ فيهم قوم فأظهروا إمامة محمد بن الحنفية وقالوا: إن روح محمد انتقلت إليه، ثم انتقلت منه إلى أبي مسلم صاحب الدعوة، ثم إلى المهدي، ثم إلى رجل يعرف بابن القصري ثم خمدت نارهم. ثم نبغ لهم في أيام المأمون رجل فاحتال فلم تنفذ حيلته، ثم تناصروا في أيام المعتصم، وكاتبوا الإفشين – وهو رئيس الأعاجم - فمال إليهم، واجتمعوا مع بابك ثم زاد جمعهم على الثلاثمائة ألف، فقتل المعتصم منهم ستين ألفا وقتل الإفشين أيضا، ثم ركدت دولتهم، ثم نبغ منهم جماعة وفيهم رجل من ولد بهرام جور، وقصدوا إبطال الإسلام، ورد الدولة الفارسية، وأخذوا يحتالون في تضعيف قلوب المؤمنين، وأظهروا مذهب الإمامية، وبعضهم مذهب الفلاسفة. وجعل لهم رأس يعرف بعبد الله بن ميمون بن عمرو، ويقال ابن ديصان، القداح الأهوازي. وكان مشعبذا ممخرقا، وكان معظم مخرقته بإظهار الزهد والورع، وأن الأرض تطوى له. وكان يبعث خواص أصحابه إلى الأطراف معهم طير ويأمرهم أن يكتبوا له بالأخبار عن الأباعد، ثم يحدث الناس بذلك، فيقوى شبههم. وكانوا يقولون: إن المتقدمين منهم يستخلفون عند الموت، وكلهم خلفاء محمد بن إسماعيل بن جعفر الطالبي، وإن من الدعاة إلى الإمام معد بن تميم وابنه إسماعيل، وهم المتغلبون على بلاد المغرب. ومن استجاب لهم عرفوه أنه إن عمل ما يرضيهم صار إماما ونبيا، وأنه يرتقي المبتدئ منهم إلى الدعوة ثم إلى أن يكون حجة، ثم إلى الإمامة، ثم يلحق مرتبة الرسل، ثم يتحد بالرب فيصير ربّا. ولا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه. المصدر: القرامطة لابن الجوزي – ص ٦٦

стр. 4248

المبحث الحادي عشر: أقوال العلماء في كفر القرامطة قال شيخ الإسلام مبينا كفر القرامطة: "وأما هؤلاء القرامطة فإنهم في الباطن كافرون بجميع كتب والرسل, ويخفون ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به, لا يظهرونه كما يظهر أهل الكتاب دينهم" ثم يقول شيخ الإسلام بعد عرضه لعقائدهم: "فكيف بالقرامطة الباطنية الذين يكفرهم أهل الملل كلها من المسلمين واليهود والنصارى" (١).وقال أيضا: "فهؤلاء القرامطة في الباطن والحقيقة أنهم أكفر من اليهود والنصارى وأما في الظاهر فيدعون الإسلام" (٢).ويقارن شيخ الإسلام بين القرامطة وبين من يدعي أنه مثل الرسول: "فهؤلاء في دعواهم أنهم مثل الرسول هم أكفر من اليهود والنصارى فكيف بالقرامطة الذين يكذبون على الله أعظم مما فعله مسيلمة وألحدوا في أسماء الله وآياته أعظم مما فعل مسيلمة" (٣).يوضح شيخ الإسلام أن كفر القرامطة أعظم من القائلين بالاتحاد: "ولكن القرامطة أكفر من الاتحادية بكثير" (٤).وقال: "وهؤلاء يشهد علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر" (٥).وقال مبينا كفر طوائف الباطنية ومنهم القرامطة: "وهؤلاء (بنو عبيد القداح) ما زال علماء الأمة المؤمنون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم ولا يذمونهم بالرفض والتشيع فإن لهم في هذا شركاء كثيرين بل يجعلونهم من (القرامطة الباطنية) الذين منهم الإسماعيلية الخرمية المحمرة, وأمثالهم من الكفار المنافقين" (٦).وقال مبينا كفر العبيديين والقرامطة ومخالفتهم للملل الثلاث: "كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا, وهم على طريقة هؤلاء العبيديين ذرية عبيد بن ميمون القداح فهل ينكر أحد ممن يعرف المسلمين أن ما يقوله أصحاب رسائل إخوان الصفا مخالف للمل الثلاث" (٧).وقال مبينا كفر القرامطة وردتهم أعظم من كفر وردة مسيلمة الكذاب وأتباعه: "والقرامطة الخارجين بأرض العراق الذين كانوا سلفا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب, ثم جاءوا من المغرب إلى مصر فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة, وهم أعظم كفرا وردة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب ونحوه من الكذابين" (٨).وقال مبينا كفر فرق الباطنية كالنصيرية والقرامطة: "وهؤلاء القوم المسمون بالنصيرية, وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين" (٩). المصدر: ضوابط تكفير المعين عند شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب – ص٣٣٥ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن شر طوائف المجوس الذين لا يقرون بصانع ولا معاد ولا حلال ولا حرام، الخرمية أصحاب بابك الخرمي، وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والدرزية، وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، وهم من أكفر الكفار، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة من الشرائع. المصدر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم – ٢/ ٢٤٧

стр. 4249

المبحث الأول: التعريف بطائفة النصيرية النصيرية حركة باطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة، أصحابها يعدُّون من غلاة الشيعة الذين زعموا وجوداً إلهيًّا في علي وألهوه به، مقصدهم هدم الإسلام ونقض عراه، وهم مع كل غاز لأرض المسلمين، ولقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم العلويين تمويهاً وتغطية لحقيقتهم الرافضية والباطنية. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4250

المبحث الثاني: زعيمهم وسبب انفصاله عن الشيعة وموقفهم منه تنتسب هذه الطائفة إلى زعيمهم محمد بن نصير النميري، وكنيته أبو شعيب، وكان من الشيعة الاثني عشرية، وأصله من فارس، ثم انفصل عنهم إثر نزاع بينه وبينهم على ثبوت صفة الباب له، حيث ادعى أنه الباب إلى المهدي المنتظر فلم تقرّ له الإمامية بذلك فانفصل عنهم وكوّن له طائفة وقد ظل زعيماً لطائفته إلى أن هلك سنة ٢٦٠هـ، وبعضهم يذكر أنه في سنة ٢٧٠هـ وقد كان فيما يقول علماء الفرق - مولى للحسن العسكري- الإمام الحادي عشر للشيعة الاثني عشرية- ولقد كان للحسن العسكري موقف شديد منه ومن آرائه الكفرية. لقد صار ابن نصير داخلاً في قسم كل نصيري، وهو قسم مملوء بالشرك والإلحاد، وهو يشير بكلمات موجزة إلى ديانتهم وما فيها من الاعتقادات، لا يعرفها إلا من توسع في دراسة هذه الطائفة ووقف على مخازيهم بمداخلته لهم، وهذا القسم هو كما يأتي: (أني وحق العلي الأعلى وما أعتقده في المظهر الأسنى، وحق النور وما نشأ منه، والسحاب وساكنه، وإلا برئت من مولاي عليّ العلي العظيم وولائي له ومظاهر الحق، وكشفت حجاب سلمان بغير إذن وبرئت من دعوة الحجة ابن نصير، وخضت مع الخائضين في لعن ابن ملجم، وكفرت بالخطاب - أي بالديانة والدعوة- وأذعت السر المصون وأنكرت دعوى أهل الحق، وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى اجتثت أصولها وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم، وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه إلى أن ألقى العلي العظيم وهو عليّ ساخط وأبرأ من قول قنبر وأقول إنه بالنار ما تطهر) (١)، وحين بنى ابن نصير ديانته على الالتصاق بالحسن العسكري، وإنه الباب إلى ابنه المزعوم محمد بن الحسن العسكري، كان الحسن العسكري شديد التحذير منه شديد السخط عليه حيث كتب إلى أحد أتباعه قائلاً له ومحذراً من أفكار ابن نصير وفجوره: (إني أبرأ إلى الله من ابن نصير النميري، وابن بابا القمي فأبرأ منهما، وإني محذرك وجميع الموالي ومخبرك أني ألعنهما عليهما لعنة الله فتانين مؤذيين، آذاهما الله وأرسلهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة) (٢)،.والسبب في لعنه إنما كان في دعوى ابن نصير النبوة ودعوى الألوهية لأهل البيت وغير ذلك من المبادئ والاعتقادات الوثنية المجوسية، وقد نقل عبد الحسين عن القمي وصفه لابن نصير بأنه كان فاحشاً وشاذا جنسياً بالتعبير الحديث، حيث أجاز اللواط وسائر المحرمات مدعياً أن ذلك من التواضع والتذلل في المفعول به ... إلى آخر ما وصف به من صفات شنيعة (٣)، لا نحب ذكرها هنا. ولكن في الهفت الشريف نفى هذا تماماً، وأنه لا يقع من مؤمن منهم، بل يقع على من أبغض علياً فقط كما يرويه المفضل (٤)، الجعفي، وقد أجمعت كتب الشيعة على ذكر دعوى ابن نصير أنه الباب ثم النبوة ثم القول بألوهية علي، وإباحية المحارم، والقول بالتناسخ كما استوعب عبد الحسين الشيعي أخباره في كتابه (العلويون أو النصيرية) نقلاً عن أهم مصادرهم مثل سعد القمي (٥)، والنوبختي، وأبو عمر الكشي (٦)، وأبو جعفر الطوسي (٧)،، والحلي (٨)، والطبرسي، والدكتور مصطفى الشيبي.

стр. 4251

وبعد ذلك حاول جاهداً البراءة من النصيرية، ومن ابن نصير وجميع أفكاره ومعتقداته، حتى وإن كان له صلة الصحبة بالحسن العسكري ثابتة في كتب الشيعة، إلى أن مات الحسن العسكري ثم قيام ابن نصير بدعوى الباب إليه منكراً وكلاء الإمام محمد بن الحسن العسكري وهذا أهم الأسباب في نقمة الرافضة على ابن نصير واتهامهم له بشتى الاتهامات. ويؤكد أحد علماء الشيعة الاثني عشرية وهو محمد رضا شمس الدين الذي زار النصيرية سنة ١٣٧٦هـ للتعرف على أحوالهم موفداً من أحد المراجع الدينية في النجف عبد الهادي الشيرازي؛ أن النصيرية لا يزالون إلى اليوم يتمسكون بأفكار زعيمهم محمد بن نصير، وذكر أنه حينما زارهم رحبوا به أجمل ترحيب، ولكنه لاحظ عدم اكتراثهم بفرائض الدين من صلاة وحج وعدم وجود مساجد في منطقتهم، كما لاحظ أن فكرة تناسخ الأرواح لا تزال منتشرة بينهم وهم يسمونها تقمص الأرواح) (١)،. ولاشك في صحة شهادة محمد رضا فإنه أعلم بهم (وشهد شاهد من أهلها) فأي إسلام لهم بعد تركهم الصلاة والحج ومحاربة بناء المساجد، ثم القول بالتناسخ الذي هو قول المجوس عباد الأوثان. ومع هذا فإن أهل السنة في غفلة تامة عنهم. ومن الجدير بالذكر أن الاثني عشرية قد توجهت نحو جميع فرق الباطنية النصيرية وغيرهم من سائر الغلاة- وجهة جديدة وهي احتواء جميع تلك الفرق وصهرها في بوتقة المذهب الاثني عشري؛ فقد نادوا بأن النصيرية العلوية هم شيعة أهل البيت وهو ما أكده الشيرازي منهم (٢)، ووقوف العلويون إلى جانب الرافضة في عصرنا الحاضر أقوى شاهد. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٣٧

стр. 4252

المبحث الثالث: أبرز الشخصيات بعد مؤسس النصيرية خلفه (أي خلف المؤسس محمد بن نصير النميري) على رئاسة الطائفة محمد بن جندب. المصدر: الموسوعة الميسرة • ثم أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني ٢٣٥ ـ ٢٨٧ هـ من جنبلا بفارس، وكنيته العابد والزاهد والفارسي، سافر إلى مصر، وهناك عرض دعوته إلى الخصيبي. • حسين بن علي بن الحسين بن حمدان الخصيبي: المولود سنة ٢٦٠ هـ مصري الأصل جاء مع أستاذه عبد الله بن محمد الجُنبلاني من مصر إلى جنبلا، وخلفه في رئاسة الطائفة، وعاش في كنف الدولة الحمدانية بحلب كما أنشأ للنصيرية مركزين أولهما في حلب ورئيسه محمد علي الجلي والآخر في بغداد ورئيسه علي الجسري. ـ وقد توفي في حلب وقبره معروف بها وله مؤلفات في المذهب وأشعار في مدح آل البيت وكان يقول بالتناسخ والحلول. • انقرض مركز بغداد بعد حملة هولاكو عليها. • انتقل مركز حلب إلى اللاذقية وصار رئيسه أبو سعد الميمون سرور بن قاسم الطبراني ٣٥٨ ـ ٤٢٧ هـ. • اشتدت هجمات الأكراد والأتراك عليهم مما دعاهم إلى الاستنجاد بالأمير حسن المكزون السنجاري ٥٨٣ ـ ٦٣٨هـ ومداهمة المنطقة مرتين. فشل في حملته الأولى ونجح في الثانية حيث أرسى قواعد المذهب النصيري في جبال اللاذقية. • ظهر فيهم عصمة الدولة حاتم الطوبان حوالي ٧٠٠هـ/١٣٠٠م وهو كاتب الرسالة القبرصية. • وظهر حسن عجرد من منطقة أعنا، وقد توفي في اللاذقية سنة ٨٣٦ هـ/ ١٤٣٢م. • نجد بعد ذلك رؤساء تجمعات نصيرية كتلك التي أنشأها الشاعر القمري محمد بن يونس كلاذي ١٠١١هـ/١٦٠٢م قرب أنطاكية، وعلي الماخوس وناصر نصيفي ويوسف عبيدي. • سليمان أفندي الأذني: ولد في أنطاكية سنة ١٢٥٠هـ وتلقى تعاليم الطائفة، لكنه تنصر على يد أحد المبشرين وهرب إلى بيروت حيث أصدر كتابه الباكورة السليمانية يكشف فيه أسرار هذه الطائفة، استدرجه النصيريون بعد ذلك وطمأنوه فلما عاد وثبوا عليه وخنقوه وأحرقوا جثته في إحدى ساحات اللاذقية. • عرفوا تاريخياً باسم النصيرية، وهو اسمهم الأصلي ولكن عندما شُكِّل حزب سياسي في سوريا باسم (الكتلة الوطنية) أراد الحزب أن يقرِّب النصيرية إليه ليكتسبهم فأطلق عليهم اسم العلويين وصادف هذا هوى في نفوسهم وهم يحرصون عليه الآن. هذا وقد أقامت فرنسا لهم دولة أطلقت عليها اسم (دولة العلويين) وقد استمرت هذه الدولة من سنة ١٩٢٠م إلى سنة ١٩٣٦م. • محمد أمين غالب الطويل: شخصية نصيرية، كان أحد قادتهم أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا، ألف كتاب تاريخ العلويين يتحدث فيه عن جذور هذه الفرقة. • سليمان الأحمد: شغل منصباً دينيًّا في دولة العلويين عام ١٩٢٠م. • سليمان المرشد: كان راعي بقر، لكن الفرنسيين احتضنوه وأعانوه على ادعاء الربوبية، كما اتخذ له رسولاً (سليمان الميده) وهو راعي غنم، ولقد قضت عليه حكومة الاستقلال وأعدمته شنقاً عام ١٩٤٦ م. جاء بعده ابنه مجيب، وادعى الألوهية، لكنه قتل أيضاً على يد رئيس المخابرات السورية آنذاك سنة ١٩٥١م، وما تزال فرقة (المواخسة) النصيرية يذكرون اسمه على ذبائحهم. • ويقال بأن الابن الثاني لسليمان المرشد اسمه (مغيث) وقد ورث الربوبية المزعومة عن أبيه. · واستطاع العلويون (النصيريون) أن يتسللوا إلى التجمعات الوطنية في سوريا، واشتد نفوذهم في الحكم السوري منذ سنة ١٩٦٥م بواجهة سُنية ثم قام تجمع القوى التقدمية من الشيوعيين والقوميين والبعثيين بحركته الثورية في ١٢ مارس ١٩٧١م وتولى الحكم العلويون ورئاسة الجمهورية بقيادة حافظ الأسد ثم ابنه بشار المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4253

المطلب الأول: نشأة النصيرية تركت وفاة الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر للاثني عشرية- دون عقب كما قدمنا أثراً ظاهراً وخلافاً حاداً بين الشيعة، فقد اختلفوا إلى ١٤ فرقة تقريباً بين مؤيد للقول بوجود ابن للحسن العسكري يسمى محمداً وناف لوجوده أصلاً. ولما كان الزمان لا يخلو من وجود إمام معصوم يتولى تصريف شئون الناس، وإلا لتعطلت الحياة بزعمهم، وكان هذا الإمام غير ظاهر، فأوجدوا في أذهانهم فكرة (الباب) إليه، والباب شخص مخلص لآل البيت، يكون حلقة الاتصال بين الناس وبين الإمام المستور. ويستدلون على هذه البابية الخرافية بما يزعمون من روايات عن الرسول ﷺ : ((من طلب العلم فعليه بالباب))، ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) (١)، ومن هنا وضعوا قائمة بالأبواب أولهم علي بن أبي طالب، وهو باب للرسول ﷺ ، وسلمان الفارسي، وهو باب لعلي، وهكذا إلى الإمام الحادي عشر - الحسن العسكري. ثم اختلفت كلمتهم، فادعى النصيريون أن الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري لم يكن له باب، بل استمر الباب للإمام الحادي عشر- الحسن العسكري- أبو شعيب محمد بن نصير، ومن هنا وقع الخلاف بين النصيرية والإمامية الاثني عشرية، مما أدى إلى انفصاله وفرقته عن الاثني عشرية كما تقدم بيان ذلك. ولقد أصبح مذهبه فيما بعد من أعمق المذاهب في الوثنية والغلو في البشر. قال عنه عبد الحسين العسكري: (وقال ابن نصير بربوبية أبي الحسن العسكري، وزعم أنه نبي ورسول بعثه أبو الحسن) (٢)،. وبعد وفاة ابن نصير تناوب على زعامة النصيرية عدة أشخاص أثروا المذهب النصيري بأفكارهم وتنوع المعتقدات وتعدد الطرق والآراء، كان من أبرزهم أبو محمد الجنبلاني، وتلميذه الحسين بن حمدان الخصيبي، ومحمد بن علي الجلي، وعلي الجسري، والميمون - ابن سرور بن قاسم الطبراني، وحسن المكزون السنجاري، وهو آخر مظهر لقوة النصيرية، قال الدكتور سليمان الحلبي عن الحال النصيرية بعد وفاته: (وبعد وفاة الحسن المكزون تفرق النصيريون إلى عدة مراكز دينية غير مرتبطة ببعضها البعض، يتبوأ كل منها لمرجع ديني يطلقون عليه لقب الشيخ، واستقل كل شيخ برئاسة مركز صغير إلى أن استطاعوا بالأمس القريب وفي غفلة المسلمين (غفاة البشر) في سوريا وغيرها- من السيطرة على نظام الحكم في سوريا، فعادت لهم سطوتهم وقوتهم مرة أخرى يتحكمون بها في رقاب المسلمين) (٣)،. ولكنهم في هذا الظهور الجديد اتخذوا لهم أسماء براقة خادعة مثل حزب البعث الاشتراكي، ودعوى التقدمية والتحرر، وما إلى ذلك، وهم إنما غيروا الاسم لإبعاد الأنظار عن حقيقتهم قدر الإمكان ولجلب الساقطين إلى صفوفهم. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٤٦

стр. 4254

المطلب الثاني: أسماء هذه الطائفة والسبب في إطلاقها عليهم أطلقت على هذه الطائفة أسماء بعضها يقبلونه وبعضها لا يقبلونه، ومنها: ١ - النصيرية: وهو الاسم الذي غلب على غيره من أسمائهم واشتهروا به، ومع هذا فإن النصيريين لا يحبون أن يسموا به ويتضايقون منه، ٢ - ومن أسمائهم المحبوبة عندهم (العلويون): وهم يحبون هذا الاسم ويتمنون أن يطلقه الناس عليهم وينسوا ما عداه من أسمائهم، وقد ذكر بعض العلماء أن هذه التسمية أخذت من عبادة هؤلاء لعلي ﵁ وتأليههم له، وعلي بريء من إلحادهم مثل براءة جعفر بن محمد من مذهب الجعفرية. ويقول عبد الحسين عن ارتياحهم لهذه التسمية، (وقد ارتاحوا لها لأنها في الأقل تخلصهم مما علق تاريخياً باسم النصيرية من ذم وتشنيع وتكفير، كما أنها تفتح لهم آفاق أرحب للتقارب مع الشيعة) إلى أن يقول: (ولاشك في أن الانتساب إلى الإمام علي أي نحو كان أفضل من الانتساب إلى ابن نصير) (١)،. ٣ - وقد أطلق عليهم الأتراك اسم (سورة ك):وبمرور الزمن صار الناس يلفظونها (سوراك)، ومعناها عند الأتراك: المنفيون أو المساقون، ويوجد إلى هذه الأيام - كما يذكر الحلبي- بعض النصيريين في حلب وفي أقضية صهيون والعمرانية وصافيتا بهذا الاسم (٢)،. ٤ - ويطلق عليهم اسم (النميرية).نسبة إلى محمد بن نصير النميري، ولهم أسماء أخرى محلية مثل (التختجية) (الحطابون) في غربي الأناضول والعلي إلهية في فارس وتركستان وكردستان) (٣)،. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٤١

стр. 4255

المطلب الثالث: فرق النصيرية تفرق النصيريون إلى فرق وطوائف كثيرة، ومن أهم تلك الطوائف: الجرانة: نسبة إلى قريتهم جرانة، ثم سميت بعد ظهور محمد يونس كلازو من زعمائهم (الكلازية)، ويقال لهم القمرية لأنهم يعتقدون أن علياً حل في القمر، ويرون أن الإنسان إذا شرب الخمر الصافية يقترب من القمر. الغيبية: أي الذين رضوا بما قدر لهم في الغيب فتركوا التوسل - كما يذكر الحلبي- أو هم الذين قالوا: إن الله تجلى في علي ثم غاب عن البشر واختفى، والزمان الحالي هو زمان الغيبة، ويقررون أن الغائب هو الله الذي هو علي - كما يذكر صابر طعيمة- ثم سميت بعد ظهور زعيم منهم سمي علي حيدر (الحيدرية). الماخوسية: نسبة إلى زعيمهم علي الماخوس المنشق عن الكلازية. النياصفة: نسبة إلى زعيمهم ناصر الحاصوري من بلدة نيصاف بلبنان (١)،. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٨٣

стр. 4256

المبحث الخامس: مراسيم وطقوس الدخول في عقيدة النصيرية ولما كانت العقيدة النصيرية من أردأ المذاهب وأشدها توغلاً في الباطل، لم يأنسوا من إظهار مذهبهم صراحة حتى من بعضهم لبعض إلا بعد تعقيدات واختبارات شديدة يذلل من خلالها ويتجرع أشد أنواع الإذلال والإهانة. إذ يتم دخوله في المذهب بطريقة فاحشة يتم من خلالها القضاء على كل عرق ينبض بالرجولة والشهامة فيه، وتداس كرامته وينتهك عرضه. فحينما يحضر التلميذ يختار الشيخ الذي سيلازمه من بين مجموعة المشايخ الموجودين ويسمونه الوالد الروحي أو الوالد الديني، ثم يغرسون في نفس التلميذ تقديس شيخه والتواضع له تواضعاً مطلقاً أشبه ما يكون بالقاعدة الصوفية، (كالميت بين يدي الغاسل). ومن الطرق التي يتوسلون بها إلى إذلال الشخص، أنه حينما يدخل يقف في ناحية وهو ساكت لا يتكلم بشيء وأحذية المشايخ مرفوعة فوق رأسه، ثم يتكلم شيخه لبقية المشايخ ويتوسل إليهم أن يقبلوا هذا الشخص الماثل أمامهم ويدخلوه في زمرتهم، فإذا قبله المشايخ أنزلت الأحذية من فوق رأسه، ثم يأخذ في تقبيل أيدي وأرجل الحاضرين من المشايخ. ثم يقف في مكانه ويوضع على رأسه خرقة بيضاء، ثم يأخذ الشيخ في قراءة العقد الذي سيتم بين التلميذ وبين المشايخ، وهو أشبه ما يكون بعقد الزواج، ويعتبرون هذا بمثابة الخطبة، ويعتبرون الكلام الذي يسمعه بمثابة النكاح، وما يتحمله من العلم عنهم بمثابة الحمل، فإذا علم وأراد التعليم فإن ذلك يكون بمثابة الوضع. وبعد أن تتم هذه المرحلة يقال للتلميذ: يجب عليك أن تكرر في اليوم خمسمائة مرة بحق ع. م. س لمدة يحددونها، ثم بعد ذلك يأتي إليهم ليتم تعليمه المذهب بعد اختبارات قاسية يرضى فيها بكل شيء حتى ولو بإهدار رجولته (١)،. وفيما يلي نشير إلى أهم الشروط في تعليم المذهب النصيري: يشترطون في من يلقى إليه تعليم المذهب أن يجتاز سن التاسعة عشرة (٢)،. أن يمر بالمراحل الآتية على التدريج: المرحلة الأولى: وتسمى مرحلة الجهل. وفيها يهيئون من يقع عليه الاختيار من أبناء الطائفة لقبول وحمل أسرار المذهب. مرحلة التعليق: وفي هذه المرحلة يلقنونه شيئاً من تعاليم المذهب، ويبقى مدة سنة إلى سنتين تحت إشراف شيخ من شيوخ الطائفة ليطلعه على شيء من أسرار المذهب بالتدريج، فإذا توسموا فيه القبول والنجابة نقلوه إلى المرحلة الثالثة الآتية وإلا طردوه. مرحلة السماع: وهي الدرجة العليا، ويطلعونه فيها على أكثر أصول المذهب النصيري، ثم يعقد الرؤساء الروحيون للطائفة مجمعاً خاصاً لتلقينه بقية أسرار المذهب، ثم ينقلونه إلى درجة أعلى يطلقون عليه درجة الشيخ أو صاحب العهد. ويتم ذلك بحضور الكفلاء، والشهود يشهدون باستعداد الرجل لقبول السر ومحافظته عليه، ثم يحلف اليمين المقررة عندهم أن يحافظ على السر ولو أريق دمه. وبعد حصوله على هذه الدرجة يصبح شيخاً من شيوخ الطائفة (٣)،. ومما يجدر التنبيه إليه أن التلميذ دائماً وهو بين أيدي المشايخ لا يلقى إليه شيء من تعاليم المذهب الملتوية إلا في غياب عقله وتفكيره عنه؛ ليقبل تلك العقائد التي تشمئز منها النفس ويمجها العقل وتأنف منها الفطرة السليمة، فعبد النور تسمية الخمر عندهم في يد الساقي وهالة من الموقف، وتهديدات من هنا ومن هناك، وكل هذه الأهوال يعيشها الشخص حتى تستكمل إجراءات تفهيمه المذهب في جو غير طبيعي.

стр. 4257

وقد وصف أحد الداخلين في العقيدة النصيرية الموقف والحال المتبع عند دخول الشخص الذي يرتضونه لتحمل سر الديانة واسمه مخلوف، فقال مخبراً عن ذلك كما يصوغه محمد حسين: (وفي اليوم المحدد اجتمع من المشايخ وأهل القرية والقرى المجاورة جمهور كثير، واستدعوني إليهم وناولني قدح خمر ثم وقف أحد المشايخ وهو برتبة النقيب في الديانة النصيرية ووقف بجانبي وقال لي: قل: بسرّ إحسانك يا عمي وسيدي وتاج رأسي أنا لك تلميذ وحذاؤك على رأسي، ولم أجد بداً من شرب الخمر لأول مرة في حياتي، فلما شربت الكأس التفت إلي الإمام قائلاً: هل ترضى أن ترفع أحذية هؤلاء الحاضرين على رأسك إكراماً لسيدك؟ فقلت: كلا، بل حذاء سيدي فقط، فضحك الحاضرون لعدم قبولي القانون، ثم أمروا الخادم فأتى بحذاء السيد المذكور فكشفوا رأسي ووضعوه عليه، وجعلوا على الحذاء خرقة بيضاء. ثم أخذ النقيب يصلي على رأسي وأوصوني بالكتمان وانصرفوا إلى أن يقول: ثم بعد أربعين يوماً اجتمع جمهور آخر واستدعوني إليهم ووقف الشيخ الكبير بجانبي وبيده كأس خمر فسقاني الكأس وأمرني بأن أقول سر ع. م. س، ثم بعد ذلك قال لي الإمام: إنه فرض عليك أن تتلو هذه اللفظة وهي سر ع. م. س كل يوم خمسمائة مرة، ثم أوصوني بالكتمان وانصرفوا. ثم بعد سبعة أشهر- والمدة للعامة تسعة أشهر٠ اجتمع جمهور آخر أيضاً واستدعوني حسب عادتهم وأوقفوني بعيداً عنهم - ثم قام هؤلاء بمهازل أمامه وطقوس، ثم قام وكيل من بين الجماعة وقال للإمام: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام. فقال له الإمام: ما مرادك وماذا تريد؟ فأجابه أنه تراءى لي شخص بالطريق- إلى أن قال: هذا الشخص اسمه مخلوف، وقد أتى ليتأدب أمامكم. فقال: من دله علينا؟ فأجاب: المعنى المعنى والاسم العظيم والباب الكريم وهي لفظة ع. م. س، فقال الإمام: ائت به لنراه، فأخذ المرشد بيدي وذهب بي إلى الإمام، فلما دنوت منه مدَّ لي رجليه فقبلتهما، ويديه أيضاً، وقال لي: ما حاجتك وماذا تريد أيها الغلام؟ ثم نهض النقيب ووقف بجانبي وعلمني أن أقول: (بسر الذي فيه أنتم يا معاشر المؤمنين). ثم نظر إليّ بعبوسة وقال: ما الذي حملك أن تطلب منا السر المكلل باللؤلؤ والدر ولم يحمله إلا كل ملاك مقرب أو نبي مرسل؟ اعلم يا ولدي أن الملائكة كثيرون ولا يحمل هذا السر إلا المقربون، والأنبياء كثيرون وليس منهم من يحمل هذا السر إلا الممتحنون، أتقبل قطع الرأس واليدين والرجلين ولا تبيح بهذا السر العظيم؟ فقلت له: نعم. فقال لي: أريد منك مائة كفيل، فقال الحاضرون: القانون يا سيدنا الإمام - فقال: إكراماً لكم ليكن اثنا عشر كفيلاً. ثم قام المرشد الثاني وقبل أيدي الاثني عشر كفيلاً وأنا أيضاً قبلت أيديهم. ثم نهض الكفلاء وقالوا: نعم نعم نعم يا سيدي الإمام. فقال الإمام: ما حاجتكم أيها الشرفاء؟ قالوا: أتينا لنكفل مخلوفاً. فقال: إذا باح بهذا السر أتأتوني به نقطعه تقطيعاً ونشرب دمه؟ فقالوا: نعم. فأجاب وقال: لست أكتفي بكفالتكم فقط؛ بل أريد اثنين معتبرين يكفلانكم. فجرى واحد من الكفلاء وأنا وراءه، وقبَّل أيدي الكفيلين المطلوبين، وقبلتهما أنا أيضاً، ثم نهضا قائمين وأيديهما موضوعة على صدريهما، فالتفت إليهما الإمام وقال: الله ممسيكما بالخير أيها الكفيلان المعتبران الطاهران أهل البرش والكرش، فماذا تريدان؟ فأجابا أننا قد أتينا لنكفل الاثني عشر كفيلاً وهذا الشخص أيضاً، فقال: إذا هرب قبل أن يكمل حفظ الصلوات أو باح بهذا السر هل تأتياني به لتعدم حياته، فقالا: نعم، قال الإمام: إن الكفلاء يفنون وكفلاء الكفلاء يفنون، وأنا أريد منه شيئاً لا يفنى. فقالا له: افعل ما شئت فالتفت إليّ وقال:

стр. 4258

ادن يا مخلوف فدنوت منه، وحينئذ استحلفني بجميع الأجرام السماوية بأني لا أبوح بهذا السر، ثم ناولني كتاب المجموع في يدي اليمنى وعلمني النقيب الواقف بجانبي أن أقول: تفضل حلفني، يا سيدي الإمام على هذا السر العظيم، وأنت بريء من خطيئتي. فأخذ كتاب المجموع مني وهو مكتوب بالخط اليدوي ... إلى أن يقول: ثم قال الإمام: اعلم يا ولدي أن الأرض لا تقبلك فيها مدفوناً إن أبحت بهذا السر، ولا تعود تدخل القمصان البشرية، بل حين وفاتك تدخل قمصان المسوخية، وليس لك منها نجاة أبداً. ثم أجلسوني بينهم وكشفوا رأسي ووضعوا عليه غطاءً. ثم إن الكفلاء وضعوا أيديهم على رأسي وأخذوا يصلون فقرؤوا أولاً سورة الفتح والسجود والعين ثم شربوا الخمر وقرؤوا سورة السلام، ورفعوا أيديهم عن رأسي (١)،. وأخذني عم الدخول وسلمني إلى مرشدي الأول، ثم أخذ بيده كأس الخمر وسقاني وعلمني أن أقول: (بسم الله - يسمي الله على شرب الخمر!! - وبالله وسر السيد أبي عبد الله العارف بمعرفة الله سر تذكار والصالح سره أسعده الله). ثم انصرفت الجماعة وأخذني الشيخ صالح الجبلي شيخ الخياطين إلى بيته وابتدأ يعلمني أولاً التبري - وهو الشتائم- وحينئذ أطلعني على صلاة النصيرية وفيها عبادة علي بن أبي طالب، وهي ست عشرة سورة). وقد دعاني ترابط الكلام سرد ما جرى لمخلوف مع محاولتي الاختصار وترك ذكر بعض الأمور، خصوصاً وأن المخبر كشاهد عيان كما يقال في المثل. ومن الواضح جداً أن القائمين على تعاليم المذهب مجموعة أو شركة من اللصوص سراق عقول البشر، همهم الزعامة وجمع الأموال بأي وجه كان، ووجدوا في أشباه البشر من يصدقهم في ترهاتهم وأباطيلهم التي تبدأ بترداد ع. م. س وتنتهي بعبادة غير الله ، إنها مهازل يندى لها الجبين قام بها عتاة المجوسية عباد الأوثان، واقتطعوا أمماً بتلك المسالك الشيطانية وأخرجوهم عن دينهم. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٥٢

стр. 4259

المبحث السادس: أهم عقائد النصيرية للنصيرية عقائد كثيرة بعضها ظاهر وبعضها - وهو الأكثر- لا يزال في طي الكتمان، وقد اتضح أن أهم عقائدهم وأبرزها: - تأليه علي ﵁. ولا تستبعد وقوع هذا فإن هؤلاء من أساسهم كانوا عباد أوثان وعباد بقر وفروج، وبعد أن دخلوا في الإسلام أو على الأصح تظاهروا به كان من أبرز عقائدهم: تأليه الإمام علي ﵁، زاعمين أنه إمام في الظاهر وإله في الباطن لم يلد ولم يولد، ولم يمت ولم يقتل، ولا يأكل ولا يشرب. وبحسب اعتقادهم أن الله تجلى في علي فقد اتخذ علي محمداً وبالغوا في كفرهم فقالوا: إن علياً خلق محمداً، ومحمد خلق سلمان الفارسي، وسلمان خلق الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السموات والأرض وهم: المقداد: رب الناس وخالقهم الموكل بالرعود والصواعق، والزلازل. أبو الدر: (أبو ذر الغفاري) الموكل بدوران الكواكب، والنجوم. عبد الله بن رواحة الأنصاري: الموكل بالرياح وقبض أرواح البشر. عثمان بن مظعون: الموكل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان. قنبر بن كادان: الموكل بنفخ الأرواح في الأجسام (١)،. والمجوسية ظاهرة في هذه الأفكار لم يتغير فيها إلا الأسماء فقط. وهذه الأقوال يكفي واحد منها لدحض ما يزعمونه من إسلام، فهي نهاية الكفر والخروج عن منهج الله . ويحتج النصيريون لهذه العقيدة بقولهم: إن الله معبود مقدس يحل في الأجسام متى يشاء، وله التصرف، وإليه ترجع الأمور. وعلي ﵁ وحاشاه عن كفرهم - حين زعموا أنه إمام في الظاهر وإله في الباطن قسموا طبيعته إلى قسمين: الظاهر وهو القسم البشري منه قسم الناسوت الذي يأكل ويشرب ويلد ويولد ويتقرب إلى عباده ليعرفوه عن كثب. وأما الباطن منه فهو قسم اللاهوت: الذي لا يأكل ولا يشرب. ومن حماقتهم أنهم يستدلون على ألوهية علي بما حصل له من كرامات كقلع باب خيبر، وشجاعته الحربية، وزعموا أنه كان يكلم الجن، وأن الرسول ﷺ أسند إليه قتال الكفار الظاهرين، وعلي أسند إليه قتال المنافقين، لأنه يعرف البواطن. وقد اختلفوا في مكان حلوله بعد أن ترك ثوبه الآدمي أي صورته البشرية. فمنهم من يتجه إلى القمر في عبادته لاعتقاد أنه حل فيه، بل القمر نفسه هو علي، وهؤلاء يسمون الشمالية. ومنهم من يتجه إلى الشمس في عبادته لاعتقادهم أنه حل فيها، بل الشمس نفسها هي علي، وهؤلاء يسمون الكلازية (٢)،، ومن هنا قال مدير مدرسة نصيرية حينما سمع بوصول رواد الفضاء من الأمريكان وغيرهم إلى سطح القمر - بزعمهم- (إن كان ما ذكروه حقاً أن القمر مكون من جمادات فعلى الدين السلام، وغضب لربه وقال في ذمه لهذه الكشوفات عن القمر: (الآن ينتهي مفعول الدين إذا أثبتت هذه الكشوف كونه مجموعة من التلفيقات) (٣)،. بينما المسلم الحق لا يتأثر في دينه ولو دخل الناس النجوم الواحد تلو الآخر؛ بل يقول: هذا من تمكين الله لهم لا بقدرتهم، ولا يغضب؛ لأنه يعلم أن ربه هو خالق الكون وما فيه، وأنه هو الذي يمكن عباده من كل ما يشاءه تعالى. ويؤكد صاحب الهفت الشريف أنه (ما من مؤمن يموت إلا وتحمل روحه إلى الإمام علي فينظر فيها، فإذا كان مؤمناً ممتحناً صافياً صعدت الملائكة بروحه إلى السماء فتغمسها في عين على باب الجنة اسمها عين الحياة) الخ (٤)،.

стр. 4260

ويقول عن الأئمة: (نحن الأئمة أولياء الله لا يفتر علينا من علمه شيء لا في الأرض ولا في السماء، نحن يد الله وجنبه، ونحن وجه الله وعينه، وأينما نظر المؤمن يرانا. إن شئنا شاء الله - ولا تلقه إلا إلى أهله- والحمد لله الذي اصطفانا من طينة نور قدرته، ووهبنا سر علم مشيئته ... إلخ) (١)،. ويتجلى تأليههم للإمام علي ﵁ في تلك الأدعية الركيكة الخالية عن العقل وعن أدنى المعرفة، والتي تسمى (سوراً) عندهم. جاء في السورة الثالثة: (اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير النحل، يا علياً يا عظيم يا أزل يا فرد يا قديم، يا علي يا كبير يا أكبر من كل كبير، يا خالق الشمس والقمر المنير، يا علي يا قدوة الدين يا عالم يا خبير، يا راحم الشيخ الكبير يا منشئ الطفل الصغير، يا جابر العظم الكسير يا محل كل يسير من غير عسير الذي يعرف المعرفة وينكرها عليه وعلى أبو دهية (٢)، ما يستحق من الله، وعلى أبو سعيد السلام ورحمة الله) (٣)،.وفي سورة السجود: (يا علي سجد لك وجهي الفاني البالي إلى نور وجهك العزيز الحي الدائم ... يا علي لك الإلهية يا علي لك الملكوتية ... إياك مولاي علي نعبد) (٤)، إلخ ذلك الهراء الطويل. وفي سورة الإشارة: (لله ارتفاع القصد والعزة والإشارة لك يا مولاي يا أمير المؤمنين يا علي يا أنزع يا بطين (٥)، يا محيي العظام الدوارس وهي رميم اللهم إني أسألك يا مولاي يا أمير المؤمنين أن تجعلنا في عبادتك كاسبين غانمين مؤيدين منصورين، ولا تجلعنا في عبادتك لا خاسرين ولا نادمين) (٦)، وما أحراهم بنهاية الخسارة والندامة، ولو كانت لهم عقول لما جمعوا لعلي ﵁ بين الألوهية والإمارة. وجاء في السور الكبيرة: (أول معرفتي بالله أشهد شهادة تقية نقية مشعشعة نورانية بيضية علوية حجابية محمدية، أشهد شهادة الحق في منهج الصدق، أشهد شهادة بأن لا إله إلا مولاي ومولاك أمير النحل علي، ولا حجاب إلا السيد محمد ولا باب إلا السيد سلمان ... وأشهد أن الله علي ربي يحييني ويميتني، وهو الحي الذي لا يموت (٧)، بيده الخير وهو على كل شيء قدير وإليه المصير) (٨)،.ويظهر الأثر اليهودي واضحاً في السورة السادسة عشرة المسماة سورة النقباء، وفيها: (سر اثني عشر نقيباً، سر ثمانية وعشرين نجيباً، سر أربعين قطباً أولهم عبد الله بن سبأ، وآخرهم محمد بن سنان الزاهري ... سر عبد الله بن سبأ نقيب النقباء، سر محمد بن سنان الزاهري نجيب النجباء، سرهم أسعدهم الله أجمعين في أربع أقاليم الدنيا والدين بحق الحمد لله رب العالمين) (٩)،. إلى آخر هذه الخزعبلات والسور التي تحوي مثل ذلك الكفر والإجرام والتعابير الركيكة التي لا تمت إلى العقل والمعرفة بأدنى صلة، لقد فاق هؤلاء بلادة الحمير وكل المخلوقات، وكانوا أضل من الأنعام. وهناك نصوص أخرى تركتها خشية الإطالة، تنضح مجوسية وإلحاداً، مما يدل دلالة قاطعة على أن الذين وضعوا الديانة النصيرية كانوا متشبعين بالمجوسية، ولهم اطلاع على كل الديانات من يهودية ونصرانية وهندوسية وغير ذلك.

стр. 4261

وقد أضافوا إلى ألوهية علي وحلول الإله فيه أن الإله حل أيضاً في سائر الأئمة من بعد علي، ومن ذلك ما قالوه في مقتل الحسين مما نقلناه سابقاً عن الهفت الشريف وزعمهم فيه أن الحسين هو الله رب العالمين، بل إنهم يعتقدون جازمين أن الأئمة أفضل من كل الأنبياء، لأن الأئمة بزعمهم يكلمون الله بدون واسطة والأنبياء بواسطة. وقد اقتبسوا هذه الأفكار الخاطئة عن الشيعة الاثني عشرية، وهؤلاء أخذوها عن ابن سبأ اليهودي، ومن العجب أنهم مرة يجعلون الإمام علياً إلهاً، ومرة أخرى يجعلونه نبياً، ومرة أخرى يستدلون على فضائله بكلام الله في القرآن يحرفونه بأقوال مكذوبة عن الرسول ﷺ ، ولهذا خرج الكثير من شبابهم بسبب هذا الخلط والاضطراب الفكري إلى الإلحاد الماركسي. وبعد أن استوثق هؤلاء الفجار من قبول الطغام الذين هم على شاكلتهم بكل ما جاءوهم به من الكفر والإلحاد دون اعتراض طمع هؤلاء في دعوى الألوهية بعد أن استهانوا بأمرها لكثرة المتألهين في مبادئهم، بحجة أن الله - تعالى عن جهلهم- يحل في من يشاء من عباده. وقد ادعى رجل منهم الألوهية في هذا الزمن حين كانت فرنسا مستعمرة للشام وتخطط لإحياء الجهل وطمس الدين بأي وسيلة كانت؛ لتبقى أطول مدة تحكم فيها بلاد المسلمين فوقع اختيارهم على دمية نصيري من سوريا يسمى سلمان المرشد، فأوصل نفسه إلى رتبة الألوهية- لأن الله تقمص به- وآمن به واتبعه كثير من النصيريين. وقد مثل المهزلة تمثيلاً جيداً فكان كما يذكر في تاريخه يلبس ثياباً فيها أزرار كهربائية، ويحمل في جيبه بطارية صغيرة متصلة بالأزرار، فإذا أوصل التيار شعت الأنوار من الأزرار فيخر له أنصاره ساجدين حين يرون طلعته الشقية. ومن الطريف أن المستشار الفرنسي الذي كان وراء هذه الألوهية المزيفة كان يسجد مع الساجدين ويخاطب سلمان المرشد بقوله: يا إلهي، وبعد أن ادعى الألوهية كان عليه أن يرسل الرسل، وهذا ما حصل بالفعل فقد اتخذ سلمان المرشد رسولاً اسمه سلمان الميده، وكان يشتغل جمَّالاً عند أحد المزارعين في حمص، في حين كان سلمان المرشد مدعي الألوهية راعي أبقار، وهكذا يكون الإله راعياً والرسول جمَّالاً كما يذكر الحلبي. قال أبو الهيثم: (لقد جاء يوم على المرشدية كانت فيه سيفَ الفرنسيين المصلت على رقبة كل وطني في هذه المحافظة - يقصد اللاذقية-، وكان ذلك عام ١٩٣٨م، إذا أقام ربها سلمان نفسه دولة ضمن دولة يفرض الإتاوات ويجبي الضرائب وينصب المحاكم وينفذ أحكام الإعدام ويقطع طرق المواصلات إلخ (١)،. وحين رحل الفرنسيون عن سوريا في مواكب العار- كما سماها أبو الهيثم- وذلك سنة ١٩٣٨م- ترك له هؤلاء من أسلحتهم ما أغراه بالعصيان، فجردت الحكومة السورية آنذاك قوة بقيادة محمد علي عزمة فتكت ببعض أتباعه واعتقلته مع آخرين ثم أعدم شنقاً في دمشق عام ١٩٤٦م. وقد سئل مرة قبل هلاكه فقيل له: أنت إله وأغاخان إله فكيف تتسع الأرض لإلهين؟ فأجاب بقوله: (إن الخالق يبث روحه فيمن يشاء، وقد يبثها في مائة من مخلوقاته فيصيبون أرباباً مثلي) (٢)،.

стр. 4262

وقال عنه أبو الهيثم: (العجيب في أمر سلمان أنه لم يكن ليصرح بمزاعمه الإلهية خارج حدود نفوذه قط، وقد مثل منطقته في البرلمان السوري كأي نائب - من غير الناطقين، فلم يسمع منه أي تصريح أو تلميح لما يقول فيه أتباعه، وأذكر أنني اجتمعت به وسألته عن هذه الدعوى التي تشيع عنه فأنكرها أشد الإنكار، وشهد على نفسه بالإسلام. وقد قال لي يومئذ: إن كل مهمته في جماعته هي أن يحاول تنظيم أمورهم على أساس الإسلام، وعدّد بعض أعماله الإصلاحية هناك مما لا غبار عليه .. غير أن الواقع أن الرجل كان أذكى من أن يصرح بغير هذا أمام أي عاقل خارج جماعته) (١)،.وبعد هلاك هذا المتأله ألّه أتباعه ابنه مجيب الأكبر بن سلمان المرشد، وقد قتل هذا أيضاً، ولكن استمر أتباعه على تأليهه، ومن حماقاتهم وخبثهم على المسلمين وزعمائهم أنهم يقولون عند ذبح أحدهم ذبيحته: باسم مجيب الأكبر من يدي لرقبة أبي بكر وعمر (٢)، ومن هنا فإنه لا يجوز لأي مسلم إذا مر بديارهم أن يأكل من ذبائحهم. ومن العلماء من يذكر أنهم الآن يريدون تأليه أحد أخوة مجيب الذين لا يزال لهم نفوذ عند جهلاء النصيرية (٣)؛ بل ويصرحون بتمسكهم بالمرشدية، يقول أبو الهيثم: فالمرشدي لا يكتم عقيدته في تأليه سلمان وأبناءه الذين أعدهم ذلك الأب (البار) لمنصب الألوهية منذ أن اختار لهم بعض أسماء الله الحسنى (فاتح، سميع، مجيب) (٤)،. وقد أصبح من المألوف أن تسمع هذا المرشدي يدافع عن عقيدته باسم حرية الفكر، ولهم صلاة يسمونها الصلاة المرشدية وينسبونها إلى مجيب الأكبر، يقولون فيها: تسبيح إلى مولانا مجيب بن سلمان المرشد الرب العظيم. مولانا لك العزة والمجد والتهليل والتكبير، سبحانك ربنا إنك كريم رحيم، يا مولانا يا مجيب المرشد، سبحانك أنت الرب العظيم، إلى آخر الدعاء الذي اشتمل على صدق اللجوء إلى هذا الرب المخترع، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وينص النصيريون في دعائهم ويلحون على أن الله تعالى يرزقهم بجنود غرباء عنهم وعن وطنهم، يأتون إليهم من جهة الغرب لينقذوهم من حكامهم المسلمين. وقد وصف الأستاذ الشكعة هذه الإشارات في دعائهم إلى أنها دعوة لفرنسا المستعمرة لتثبت أقدامهم في بلادهم (٥). يقول أبو الهيثم: (ثبت بصورة قاطعة أن المرشدية على صلة وثيقة بالإرسالية البروتستانية الأمريكية في اللاذقية، وهل صلة مريبة لا شك أن وراءها أصابع السياسة الأمريكية وبكلمة أوضح أصابع الصهيونية العالمية) (٦)،. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٦١ - عقيدتهم في الثواب والعقاب

стр. 4263

تؤمن النصيرية بتناسخ الأرواح, وأن الروح عندما تفارق الجسم بالموت تتقمص ثوبا آخر, وهذا الثوب يكون على حسب إيمان هذا الشخص بديانتهم أو كفره بها, وعلى هذا فهم يرون أن الثواب والعقاب ليسا في الجنة والنار وإنما في هذه الدنيا على حسب التراكيب والتقمصات الناسوتية والمسوخية التي تصيب الروح. وهم إضافة إلى ذلك يؤمنون بعالم روحاني تسكنه المخلوقات العليا أو النجوم وهذه المخلوقات تفيض بالنور بشكل متسلسل وفق ترتيب السموات السبع, وهؤلاء يشكلون العالم النوراني الكبير, وتتكون السموات السبع من أهل المراتب والكواكب ويعتقد النصيريون أن عدد العالم البشري (١١٩) ألفا ويتكون من المقربين والكروبيين والروحانيين والمقدمين والسائحين والمستمعين واللاحقين, وجميع هذه المراتب من العالم النوراني الذي هبط من السماء النورانية على سبع مراحل وأما عالم الظلمة فيضم الأرواح التي لبست قمصان المسوخية في كل أدوار مسخها, ومنها المسخ بصورة امرأة (١).وذلك لأنهم يعتقدون أن المرأة لا تستحق أن تكون مؤمنة فإذا قدر لها ذلك فإنها بعد موتها ترد بصورة رجل مؤمن لأن صورة المرأة هي هبوط من الدرجة التي سما لها المؤمن, أما الرجل الكافر بدينهم فيعتقدون أنه عندما يموت ترد روحه في صورة امرأة كافرة, لأن الشياطين كما يقولون من المرأة والإنسان إذا ارتقى في كفره صار إبليسا وورد في صورة امرأة (٢).ويجري على هذا الاعتقاد قولهم أنه كان قبلنا سبعة أدوار وسبعة أوادم وفي كل دور كان يبعث فيهم آدم ونحن في الدور الثامن وسيبقى الكون والوجود هكذا وإلا يبطل سلطان الله وقدرته (٣).وتقمص الأرواح بالنسبة للمؤمن في نظرهم هو ارتقاؤه في الدرجات والمراتب حتى يخرج من هذه القمصان اللحمية ويلبس قمصان الأنواع وهي النجوم (٤). فالنجوم هم المؤمنون والصالحون. أما الكافر فيحل عليه المسخ والنسخ, فيبقى كذلك على مر الأكوار والأدوار يأتي بقمصان رديئة دنيئة كالحيوانات التي تذبح والتي لا تذبح أو أن يأتي بصورة جامدة من معدن أو حجر فيذاق بذلك حر الحديد وبرده. (٥) ويرى المفضل الجعفي أحد مشايخ ابن نصير أن الحجر والشجر والماء والملح وغير ذلك مما لا يدب ولا يمشي ولا يطير, وهو كما يتحلل من أبدان المؤمن والكافر, فكل من هذه الأشياء من كانت له طعم طيبة ورائحة لذيذة أو ملامسة لينة أو مشرب صافي فإنه يكون مما يتحلل من أبدان المؤمنين, وأما الأشياء التي لها رائحة نتنة وطعمها مر وغير ذلك, فإنه يتحلل من أبدان الكافرين. (٦)

стр. 4264

والكافر في اعتقادهم يمسخ في كل شيء ما عدا الصورة البشرية وذلك لما سبقه من الكفر والجحود والإنكار لأهل الحق - وهم النصيرية - فيعاقب ويعذب بتركيبه بكل شيء ما عدا الصورة البشرية الإنسانية من بقر وغنم وإبل وطير وهوام وكل ذي روح من قردة وخنازير مما يؤكل ولا يؤكل وهذا في نظرهم هو المسخ والنسخ, فالذي يؤكل منه هو نسخ والذي لا يؤكل هو مسخ, وهذا كله - كما يزعمون - عدل من الله لهؤلاء الجاحدين لأهل الحق لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ٦ - ١١] , فمسخهم الله لتكذيبهم بالدين لأن (الدين) (١) المذكور في الآية الكريمة - كما يزعمون - هو أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب. (٢) والتناسخ الذي يقع على الكافر بديانتهم يجري عليه ألف موتة وألف ذبحة وذلك عن طريق المسخ والنسخ ويستدلون على ذلك بآيات منها قوله تعالى عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ [الواقعة: ٦١ - ٦٢] , وقوله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الإنفطار: ٨] وقوله جل وعلا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء: ٥٠ - ٥١] , ويعتبرون (الخلق الذي يكبر في الصدور) الذهب والفضة باعتبارهما من معادن الجبال لقوله تعالى وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر: ٢٧] , فالجبال في نظرهم هم الجبابرة والطواغيت الذين ظلموا أهل الحق - النصيرية - فمسخوا على هذه الحالة, حتى ينتهي هذا الدور, فيمسخوا مرة أخرى حيوانات تؤكل وتشرب (٣).ويبقى عذاب المسخ والنسخ على الكافر بدينهم في جميع الأدوار إلى أن يظهر القائم الغائب - وهو محمد بن الحسن العسكري - فيرد هؤلاء في صورة الإنسانية, ثم يقتلهم من جديد فتجري الأودية بدمائهم كما يجري الماء (٤).والكافر قبل ظهور القائم ينادي ويصرخ أن يخرجه الله من العذاب الواقع عليه بالمسخ والنسخ وأن يعيده إلى الصورة الإنسانية ليؤمن بدينهم ويعمل صالحا ويستدلون على ذلك بقوله تعالى وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر: ٣٧] , فالكافرون يقولون لربهم أخرجنا من الأبدان المسوخية ومن هذا العذاب إلى الأبدان الناسوتية لكي نعمل صالحا (٥)

стр. 4265

"والنصيرية في الوقت الحاضر لا تنكر هذا الاعتقاد مطلقا, بل لا تزال تؤمن به وتبرره بكل ما يعنيه هذا الاعتقاد من كفر وإنكار يقول هاشم عثمان النصيري: "إن إنكار وجود البعث شيء طبيعي وهو كان ذائعاً في العصر العباسي قبل ظهور اصطلاح النصيرية (١) ". وكأن وجود هذا الاعتقاد يبرر إنكار النصيرية للبعث والنشور. والواقع أن اعتقاد التناسخ بكل صوره وأشكاله, يهدم ركنا هاما من أركان الإيمان في الإسلام وهو الإيمان باليوم الآخر بما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وعدم الإيمان بالآخرة يخرج الإنسان من طريق الإسلام, وهذا واضح في كثير من آيات القرآن الكريم منها قوله تعالى لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة: ١٧٧] ِ, وقوله تعالى وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا [النساء: ١٣٦] ووصف الله هذا اليوم بوصف دقيق في كثير من الآيات والسور كقوله تعالى يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٦ - ٨] فكيف بنا فيمن يعتقد بالتناسخ والذي جاء الإسلام لإزالته, كما أزال باقي الاعتقادات الوثنية والإلحادية, أما الآيات التي يستدلوا بها على هذا الاعتقاد الفاسد فهو نوع من المغالطة والتأويل بالرموز والألغاز, والإسلام بريء من هذا لأنه دين الوضوح بلا لبس ولا غموض. ونستطيع أن نقول بكل تأكيد أن التناسخ مرتبط باعتقادات كثيرة كانت سائدة قبل الإسلام في فارس والهند واليونان, وما يقول الدكتور محمد كامل حسين: "فإن لهذه العقيدة علاقة بمذهب التناسخ في الديانة البوذية, والديانة الهندوكية", ففي الديانة البوذية ظهر بوذا على هيئة حيوانات وطيور وشجر وصور أنسية حوالي ألف مرة, وفي الديانة الهندوكية ظهر شيفا على صور إنسانية عديدة. كذلك ظهر مذهب التناسخ عند فلاسفة اليونان وكانوا يعتقدون بظهور آلهتهم بصورة مختلفة, وكان فيثاغورس أحد فلاسفتهم يدرس هذه الفكرة لأتباعه, بل إنه كان يؤمن بقرابة الإنسان والحيوان" (٢). المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص٣٥٥

стр. 4266

المبحث السابع: عبادات النصيرية يختلف النصيريون عن المسلمين في العبادات، بل وفي كل شيء، وهذا طبيعي؛ إذ إن تعاليم الإسلام لا يمكن أن تتفق مع التعاليم الوثنية مهما أظهروها بالمظهر الإسلامي، مثل استعمالهم الأسماء الإسلامية، كما قد يتسمون بالأسماء المسيحية أيضاً؛ لكنهم لا يسمحون لأحد منهم أن يتسمى بأفضل أصحاب رسول الله ﷺ كأبي بكر وعمر. ولأن مذهبهم خليط من شتى الأفكار والديانات، فإن ما ورد في عقيدتهم وكتبهم من كلمات الصلاة والحج والزكاة والصيام لا يريدون بها المقصود منها في الشريعة الإسلامية، بل أولوها إلى معان أخرى باطنية. ويذكر بعض العلماء أن النصيريين يفرقون في التزام التكاليف بين المشايخ وبين الجهال فيرون أن جبرية التكاليف تسري على المشايخ وتسقط عن الجهال. ولعل في هذا الكلام نظراً فإن الشيوخ أو أصحاب العهد وهم يعرفون الباطن يكونون في حرية تسقط معها التكاليف كما هو المعروف عن المذهب الباطني عموماً، فهم يزعمون أن الشخص إذا عرف بواطن النصوص سقطت عنه ما تدل عليه ظواهرها من التكاليف، والحلال والحرام. نعم قد يكلف الشخص الداخل في المذهب بالقيام بالتكاليف لحثه على طلب العلم الذي يسقط عنه في النهاية جميع ما حظر على غيره ممن لم يصل إلى درجته على حد ما صرح به الهفت الشريف، حيث ذكر وهو يعدد الدرجات أن الاصطفاء درجة فوق درجة النبيين، وفوق هذه أيضاً درجة أعلى منها وهي درجة الحجاب، ثم قال المفضل الجعفي: (قلت يا مولاي هل علينا نحن معرفة هذه الدرجات) قال الصادق: نعم، من عرف هذا الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر، ومادام لا يعرف هذه الدرجات ولا يبلغها بمعرفته، فإذا بلغها وعرفها منزلة منزلة، ودرجة درجة فهو حينئذ حر قد سقطت عنه العبودية، وخرج من حد المملوكية إلى حد الحرية باشتهائه ومعرفته. قلت: يا مولاي فهل ذلك في كتاب الله؟ قال: نعم، أما سمعت قوله تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم: ٤٢] فإذا عرف الرجل ربه فقد انتهى للمطلوب، ولا شيء أبلغ إلى الله من الوحدانية والمعرفة، وإنما وضعت الأصفاد والأغلال على المقصرين، وأما من قد بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها لك فقد أعتقته من الرق، ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر. ثم تلا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ٩٣] وقرأ مولاي: لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ [النور: ٢٩]، قلت: ما تعني هذه يا مولاي؟ قال: يعني رفعة في المعرفة وارتفاعاً في الدرجات (١)،.وذكر الدكتور مصطفى الشكعة (٢)، أن النصيريين يصلون في خمس أوقات، إلا أنها تختلف في الأداء وفي عدد الركعات عن بقية المذاهب الإسلامية، وصلاتهم لا سجود فيها، وفيها بعض الركوع أحياناً. ولا يصلون الجمعة ولا يعترفون بها كفرض، ولا يتطهرون قبل أداء صلواتهم، ولا يصلون في المساجد، بل يحاربون بناء المساجد ولا يرضون بإقامتها، بل يجتمعون في بيوت معلومة وأوقات معينة، ويسمون هذا الاجتماع عيداً يقوم الشيوخ بتلاوة بعض القصص والأخبار والمعجزات الخرافية لأئمتهم، ويختلط الحابل بالنابل في هذه الاجتماعات رجالاً ونساءً.

стр. 4267

ثم يقومون بأداء بعض الطقوس والصلوات المشابهة لقداسات وطقوس المسيحيين، ومن قداساتهم الكثيرة قداس الطيب لكل أخ وحبيب، وقداس البخور في روح ما يدور في محل الفرح والسرور، وقداس الأذان وبالله المستعان، وكل قداس له ذكر خاص به وأدعية يتوسلون فيها بالإله علي والخمسة الأيتام وكبار مشايخهم - الذين جعلوهم أرباباً من دون الله؛ كالخصيبي وغيره- أن تحل في ديارهم البركة وأن ينصروا على أعدائهم. ومن أمثلة هذه القداسات: قداس الأذان وهو: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، الحمد لله كثيراً وجهت وجهي إلى محمد المحمود طالباً سره المقصود، المتقرب بتجلي الصفات وعيني الذات، وفاطر الفطر ذو الجلال، والحسن ذو الكمال، اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم الخليل، هو الذي سماكم مسلمين حنيفاً مسلماً ولا أنا من المشركين (هكذا). ديني سلسل طاعة إلى القديم الأزل، أقر كما أقر السيد سلمان حين أذن المؤذن في أذنه وهو يقول: شهدت أن لا إله إلا هو العلي المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي، ولا ملائكة إلا الملائكة الخمسة الأيتام الكرام. ولا رب إلا ربي شيخنا وهو شيخنا وسيدنا الحسين حمدان الخصيبي، سفينة النجاة وعين الحياة، حي على الصلاة حي على الفلاح تفلحوا يا مؤمنون، حي على خير العمل بعينه الأجل الله أكبر والله أكبر، قد قامت الصلاة على أربابها وثبتت الحجة على أصحابها. الله مولاي يا علي أسألك أن تقيمها وتديمها ما دامت السموات والأرض، وتجعل السيد محمد خاتمها، والسيد سلمان زكاتها، والمقداد يمينها، وأبا ذر شمالها، نحمد الله بحمد الحامدين، ونشكر الله بشكر الشاكرين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. أسألك اللهم مولاي بحق هذا قداس الأذان، وبحق متَّى وسمعان، والتواريخ والأعوام، بحق يوسف بن من كان، بحق الأحد عشر كوكباً الذين رآهم يوسف بالمنام تحل في دياركم البركة بالتمام، يا مولاي يا علي يا عظيم) (١)،. وهناك قداسات كثيرة كل قداس فيه مثل هذا الكلام السخيف. ويقول في الهفت الشريف في بيان معنى الصلاة والزكاة: إن جعفر الصادق قال للمفضل: (أتدري ما معنى قوله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ [مريم: ٥٥] قلت: يعني أهله المؤمنين من شيعته الذين يخفون إيمانهم وهي الدرجة العالية والمعرفة والإقرار بالتوحيد وأنه العلي الأعلى، فأما معنى قوله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم: ٥٥] فالصلاة أمير المؤمنين، والزكاة معرفته، وأما إقامة الصلاة فهي معرفتنا وإقامتنا) (٢)،. والصيام عند النصيرية ليس هو عن الأكل والشرب وجميع المفطرات في نهار رمضان؛ بل هو الامتناع عن معاشرة النساء طوال شهر رمضان. والحج إلى بيت الله الحرام يعتبرونه كفراً وعبادة للأصنام (٣)،. وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي أنه توجد خلاصة وافية لتعاليم النصيرية وعقائدها في كتيب صغير بعنوان (كتاب تعليم ديانة النصيرية)، وهو مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس برقم ٦١٨٢، وهو على طريقة السؤال والجواب، ويتألف من (١٠١) سؤال وجواب، نذكر منها على سبيل المثال ما يأتي: س: من الذي خلقنا؟ ج: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين. س: من أين نعلم أن علياً إله؟ ج: مما قاله هو عن نفسه في خطبة البيان وهو واقف على المنبر إذ قال: (أنا سر الأسرار أنا شجرة الأنوار ... أنا الأول والآخر، أنا الباطن والظاهر) .. إلى آخر كذبهم عليه. س: ما أسماء مولانا أمير المؤمنين في مختلف اللغات؟

стр. 4268

ج: سماه العرب باسم علي، وهو سمى نفسه أرسطوطاليس، وفي الإنجيل اسمه إيليا (إلياس)، ومعناه علي، والهنود يسمونه ابن كنكرة ... إلى آخر ما ذكره. س: لماذا نسمي مولانا باسم أمير النحل؟ ج: لأن المؤمنين الصادقين هم مثل النحل الذين يشتارون من أحسن الأزهار، ولهذا سمي أمير النحل. س: ما أسماء النجباء في العالم الصغير الأرض؟ ج: يورد ٢٥ اسماً أولها أبو أيوب، وآخرها عبد الله بن سبأ. س: ما القرآن؟ ج: هو المبشر بظهور مولانا في صورة بشرية. س: ما علامة إخواننا المؤمنين الصادقين؟ ج: ع. م. س. س: ما دعاء النيروز؟ ج: تقديس الخمر في الكأس. س: ما اسم الخمر المقدس الذي يشربه المؤمنون؟ ج: عبد النور. س: لماذا؟ ج: لأن الله ظهر فيها. س: لماذا يولي المؤمن وجهه في الصلاة قبل الشمس؟ ج: اعلم أن الشمس نور الأنوار. إلى آخر ١٠١ سؤال وجواب، ذكرها كلها عبد الحسين العسكري في كتابه (العلويون) (١)، تشتمل في مجملها على تأليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، واعتقاد التناسخ والحلول، وتعظيم الخمر التي سموها عبد النور؛ لأن الله حل فيها، وتعظيم الأعياد النصرانية والمجوسية، وتقديس النجوم والاعتماد عليها، وعبادة الشمس، وفيها كذلك الحث على التزام السرية والكتمان لتعاليمهم الوثنية المجوسية. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي -٢/ ٥٧٣

стр. 4269

المبحث الثامن: موقف النصيرية من الصحابة النصيرية شأنهم شأن غيرهم من أعداء الإسلام في عدائهم للإسلام وزعمائه، فلقد بالغ هؤلاء في بغض الصحابة رضوان الله عليهم، بل واعتقدوا أن من الصحابة من لم يكن مؤمناً حقيقة، بل كان يتظاهر بالإسلام ويبطن النفاق خشية من سطوة علي، ومن هؤلاء بافترائهم أبو سفيان وابنه معاوية ﵄. وقد خصوا الصحابي الجليل وخليفة رسول الله ﷺ والذي يليه عمر الفاروق ﵄ بالبغض الشديد، فلم يجيزوا حتى مجرد التسمية بأبي بكر وعمر، بل بلغ بهم السفه والحقد عليهما أن عمدوا إلى الحيوانات البريئة وتفننوا في تعذيبها؛ لأن روح أبا بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة ﵃ حلت فيهم عن طريق التناسخ. ومن هنا فهم يأخذون بغلاً أو حماراً ليذيقوه سوء العذاب، لأنه تقمص روح أبي بكر أو عمر، كما أنهم يأخذون غنمة ويعذبونها كذلك تنكيلاً بأم المؤمنين عائشة وتنفيساً عن أحقادهم المجوسية، إلا أن المشكل هو كيف يقع اختيارهم على إحدى هذه البهائم بعينها للتنكيل بها. ولهم عليهم غضب الله أفعال وأقوال في ذم الصحابة وخصوصاً ما قالوه عن عمر ﵁ الذي يرمزون إلى اسمه بـ (أدلم) يتنزه من له أدنى مسكة من عقل أو حياء من ذكرها. والسبب في بغضهم هؤلاء الأخيار من الصحابة واضح، وهو أن هؤلاء هم الذين أطفئوا نار المجوسية ونشروا راية الإسلام خفاقة بين جحافل المجوسية والوثنية، فكيف يرضى عنهم هؤلاء وهم قد وتروهم في ديانتهم وفي حكمهم واستعلائهم؟!. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي -٢/ ٥٨١ وعندما يأتون بقصة من قصصهم المختلقة حول هؤلاء الصحابة, يسمونهم بأسماء وألقاب بذيئة منها: ساكن لعنه الله, والشيطان, وأدلم (١). ومن القصص المختلقة والسخيفة التي يذكرونها ويستدلون بها على ألوهية علي قصة تقول: "إن أحد حكماء فارس جاء إلى المدينة وسأل عن أمير المؤمنين, فأتوا به إلى عمر بن الخطاب ﵁ فلم يكلمه ذلك الحكيم وخرج من عنده, وعندما سألوه لماذا لم يكلمه قال: هذا ظلمة بلا نور, هذا أصل كل ظلمة, ومضل كل أمة ومغير كل ملة فلا تركنوا إليه .... ثم سأل عن أمير المؤمنين علي, فلما أتوا به إلى علي, جعل علي يكلمه بكلام غير معروف, فلما خرج من عنده سألوه عنه فقال: هذا أصل كل نور, ومدبر الأمور, والرب الكريم والعلي العظيم" (٢) لذلك فهم يصبون غضبهم وحقدهم على عمر ﵁, وكتبهم مليئة بهذه السخافات الدنيئة, وعمر في رأيهم كان عدوا لعلي في جميع ظهوراته من قبل عن طريق التناسخ فهو مثلا قابيل عندما ظهر علي في صورة هابيل (٣). ويبررون زواج عمر من أم كلثوم بنت علي, على أن هذا توهم من عمر - كما يزعمون- لأنه في الحقيقة قد تزوج بابنته جريرة التي أوهمه علي أنها أم كلثوم, فلما دخل بها عمر أعلمه سلمان بذلك, فخاف أن يفضح أمره فلم يخبر أحداً (٤).وبسبب هذا الحقد ضد عمر, فإنهم يحتفلون بعيد مقتله ويسمونه (يوم مقتل دلام لعنه الله) , وهو اليوم التاسع من ربيع الأول من كل سنة (٥).لذا فالجهاد عند النصيرية هو ذكر الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة (٦). وكذلك على الفقهاء والعلماء أمثال أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك, لأنهم يأكلون من خيرات علي ولا يعبدونه (٧) فهم أنجاس لأنهم نصبوا أنفسهم لضلالة من اتبعهم فصدوا الناس عن آل البيت (٨). هذا هو مع الأسف موقفهم من صحابة رسول الله ﷺ , موقف الحقد والضغينة الذي يدور في صدور أعداء الإسلام ضد هؤلاء, لأنهم رفعوا راية الإسلام خفاقة في كل أرجاء الأرض, وحطموا كل طواغيت الشرك والوثنية التي تختفي النصيرية وراءها. - تقديرهم وحبهم لابن ملجم قاتل علي-:وفي المقابل فإن النصيرية تقدر وتحب عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي ﵁, وتعتبره أفضل الناس, لأنه خلص اللاهوت من الناسوت بقتله, وبذلك تخلص اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره (٩). المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص٣٦٤

стр. 4270

المبحث التاسع: تعظيمهم لسلمان الفارسي والأيتام الخمسة إن النصيرية لهم ثالوثا يؤمنون به وهو: (ع. م. س.) فالعين: هو علي بن أبي طالب وهو المعني بالذات الإلهية, والميم: هو محمد ﷺ وهو الاسم والحجاب والنبي الناطق, أما السين: فهو سلمان الفارسي وهو الباب الذي خلقه - كما يزعمون - محمد ﷺ وبالتالي هو الذي خلق الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السماوات والأرض. ومما يذكر في هذا المقام أن سلمان فارسي الأصل من صحابة رسول الله ﷺ ولكنه يحتل مكانا عظيما وجليلا عند جميع طوائف الشيعة على اختلاف عقائدها وأسمائها, لأنهم يزعمون أنه من الصحابة القلائل الذين ناصروا وشايعوا عليا ووقفوا إلى جانبه في حياة الرسول ﵊ وكذلك في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وهذا الأمر واضح في كتب الشيعة جميعهم التي تأتي بقصص مختلقة ليس لها أي أساس تاريخي بطلها الحقيقي سلمان في موقف الدفاع عن علي بن أبي طالب ضد أعدائه من صحابة رسول الله ﷺ , كما تصور هذه القصة. أما الأيتام الخمسة الذين ورد ذكرهم فهم أيضا من الصحابة المعظمين عند كل الشيعة, وهؤلاء هم: المقداد, وأبو ذر الغفاري, وعبد الله بن رواحة, وعثمان بن مظعون, وقنبر بن داكان, وجميعهم من الصحابة ما عدا قنبر فإنه خادم علي بن أبي طالب. وقد أخذت النصيرية عن الشيعة هذا التعظيم لهؤلاء ولكن بوجه آخر: وهو اعتبار سلمان والأيتام الخمسة هم الذين خلقوا العالم والموكلون بأموره. فسلمان في نظرهم هو النفس الكلية التي انبثقت من العقل - محمد ﷺ ويعتقدون أن سلمان أو النفس الكلية هي التي خلقت السماوات والأرض وخلقت كذلك الأيتام الخمسة والمقداد باعتباره أول الأيتام الخمسة فقد خلق الناس ولذلك فهو رب الناس - تعالى الله عما يقولون-. وهذا الاعتقاد في الواقع دخيل من عدة مذاهب واعتقادات لذا يجب أن نربطه بصورة طبيعية بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة: التي تقوم على أن الموجودات فاضت عن الواحد ولها مراتب مختلفة أعلاها مرتبة العقول المفارقة. ونربطه كذلك بمذهب الصابئة الذي يقول: أن للعالم صانعا فاطرا نتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيين المطهرون المقدسون لديهم وهم أيضا الأرباب والآلهة والشفعاء عند الله رب الأرباب ويوجهون المخلوقات. وينبغي أيضا كما يقول المستشرق ماسينيون: أن نقارن بين قائمة الأيتام عند النصيرية وقائمة الحدود الهندية أو العذارى الحكيمات لسليمان. فسلمان حسب زعمهم: خالق السماوات والأرض, وهو أيضا "الباب الناطق والشبح اللاصق الذي لا يوصل إليه - أي إلى الله - إلا به ولا يدخل إليه - أي الله - إلا منه متصل غير منفصل (١) ".ويزعمون أيضا أن "محمد ﷺ بمنزلة الأب لهذه الأمة, وسلمان بمنزلة الأم (٢) " , "والذي علم القرآن لمحمد هو المعنى أي علي, على لسان الباب وهو سلمان (٣) " بصفته جبرائيل. المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص٣٦٠

стр. 4271

المبحث العاشر: أعياد النصيرية للنصيرية أعياد كثيرة في أوقات كثيرة مثل عيد الغدير، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد عاشوراء، وعيد الغدير الثاني يوم المباهلة، وعيد النوروز، وعيد المهرجان، وعيد الصليب، وعيد الغطاس، وعيد السعف، وعيد العنصرة، وعيد القديسة بربارة، وعيد الميلاد إلى آخر، أعيادهم الكثيرة التي وافقوا فيها المسلمين والنصارى والوثنيين (١)،. وعن احتفالاتهم بعيد النوروز يقول عبد الحسين العسكري: (احتفال النصيرية بعيد النوروز - وهو العيد الديني والقومي للفرس- يدل على الأثر الفارسي في النصيرية، ويشير إلى تمجيدهم للفرس بدعوى حلول الإله وشخصوه في ملوكهم، حتى إنهم جعلوا منهم ثالوثاً نظير ثالوثهم، وهم يدعون الإسلام. حيث زعموا أن ثلاثة منهم توارثوا الحكمة وتجلى الإله فيهم وهم شروين وكروين، وكسرى، ويقابلهم في الإسلام النصيري المعنى والاسم والباب؛ علي محمد سلمان (ع. م. س) (٢)،. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي -٢/ ٥٨٠ أما أعيادهم فيمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: إسلامية, وشيعية اثني عشرية, ونصرانية, وفارسية. وهذا يبين أن النصيرية تتكون من عناصر غير متجانسة, وهياكل اعتقادية مختلفة, استقت منها ومن غيرها عقائدها وتقاليدها فبينما نرى هذه الطائفة تحتفل بعيدي الفطر والأضحى, نراها تذهب بعيدا بعد ذلك وتحتفل بعيدي الميلاد والبربارة النصرانيين. وهم يعترفون بذلك, وبعض كتابهم يقسمون هذه الأعياد إلى قسمين: عربي وفارسي, وفي أحد مخطوطاتهم نرى مؤلفها يقسم هذه الأعياد إلى قسمين ويقول: "أعيادنا العربية عشرة: منها يوم غدير خم, وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو اليوم الذي أظهر السيد محمد فيه معنوية مولانا أمير النحل منه السلام للخاص والعام فأقر من أقر وأنكر من أنكر. ومنها يوم الجمعة: وهو محمد الذي اجتمع له أهل الأديان من المسلمين بنبوته, وهو القائم منه السلام. ومنها يوم الفطر: وهو اليوم الذي يؤذن فيه للمؤمنين بالنطق وإظهار أمر الله . ومنها يوم الأضحى: وهو يوم خروج القايم منه السلام بالسيف وإهراقه الدماء. ومنها يوم الأحد: وهو اليوم الذي أمر أمير المؤمنين منه الرحمة سلمان أن يدخل المسجد ويخطب الناس ويظهر الله الطاغوتين وأهل الردة وهو اليوم الذي قال له سلمان: سل أعطيك البيان, وأمنحك البرهان وأقامه للناس علما وقال للمؤمنين: سلمان شجرة وأنتم أعضاؤها, وكان ذلك يوم الأحد لليلتين خلت من ذي الحجة. ومنها اليوم الذي نصب السيد جعفر منه السلام (محمد الزيني): وأقامه للناس علما وقال: من كنت له ربا فمحمد وليه ومن كان عدوه فأنا عدوه وكان ذلك يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة. ومنها اليوم الذي أمر السيد محمد بن علي الرضا منه السلام لعمر بن الفرات مقامه فيكم مقام رسول الله ﷺ وعلى آله فدعا عمر بن الفرات الشيعة بأمره كان ذلك يوم الخميس لست ليال خلون من ذي الحجة. ومنها اليوم الذي أمر الباقر بالبيان لجابر بالدعاء إلى الله جهرا فدعا فأخذ وترك السندان المحمي على يده حتى حالت جمرا ثم قتل وكان ذلك يوم السبت لتسع خلون من ذي الحجة. فهذه الأعياد العربية التي أمر الله العباد بمعرفتها, وأما الأعياد الفارسية: وهو النوروز: وهو اليوم الرابع من نيسان من كل سنة وله شرف عظيم وفضل كبير. ويوم المهرجان: وهو اليوم السادس عشر من تشرين الأول في كل سنة. ومن خواص الأعياد المفروح فيها, وهو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول في كل سنة وهو مقتل دلام. المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص٤١٠

стр. 4272

المبحث الحادي عشر: تكتم النصيرية على عقائدهم يعتبر النصيريون ديانتهم ومذهبهم سراً من الأسرار العميقة التي لا يجوز إفشاؤها لسواهم، وقرروا أن الذي يفشي شيئاً منها يكون جزاؤه القتل في أسوأ صورة له، لأنه أفشى سر العلي الأعلى، ومن أمثلة ذلك أن سليمان الأضني وهو من أبناء مشايخ النصيرية من ولاية أضنة تنصر بتأثير بعض المنصرين الأمريكيين وجاء إلى اللاذقية، وكتب كتاباً سماه (الباكورة السليمانية) وكشف فيها الكثير من أسرار العقيدة النصيرية، وطبع المنصرون الأمريكيون الكتاب في بيروت سنة ١٨٦٣.وبعد أن قام باللاذقية مدة أخذ أقاربه يراسلونه ويحببون إليه العودة إليهم، مستعملين في ذلك كل وسائل التودد والمجاملة حتى آمن جانبهم وعاد إلى وطنه الأصلي، فكان جزاؤه أن أحرقوه حياً، ثم حاول النصيريون بكل جهد وعزم على احتواء الكتاب حتى اختفى تدريجياً، ولا توجد منه الآن نسخة واحدة (١)،. وهكذا فإنهم يترصدون لكل من يذكر عنهم شيئاً أو يشير إلى عقائدهم الخبيثة التي تنضح شركاً ووثنية ولا يملكون من وسائل الدفاع والرد غير التصفية الجسدية، لعلمهم بأن مذهبهم عورات لا تحتمل النقاش وعرض الأدلة، فهي أقنعة واهية سرعان ما يظهر ما وراءها وينكشف، ومن هنا فإنهم ليسوا على استعداد لأي بحث ومناظرة. وقد كتب محمد فريد وجدي خلاصة عن ما جاء في كتاب الباكورة السليمانية هي: أن النصيرية علويون يعتقدون بألوهية الإمام علي، والشمالية منهم يقولون: إنه حالٌّ في القمر. والكلازية يذهبون إلى أنه حال في الشمس، ولهذا فهم يقدسون الشمس والقمر وسائر النجوم. ويعتقدون بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم، ولهذا يسمون علياً أمير النحل أي أمير النجوم، والأرواح الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة كالخنازير والقرود وبنات آوى. أن كلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع. م. س، أي علي، محمد، سلمان. أن للنصيرية كتاباً مقدساً يعتمدونه ويرجعون إليه وهو غير القرآن، ولا يحتل القرآن عندهم إلا مكاناً ثانوياً. العقائد النصيرية غير متجانسة وثنية قديمة وإسلامية متطرفة (٢)،.وحين تزعم النصيري (علي عيد) التنظيم النصيري في طرابلس فأشار إلى هذا صاحب مجلة الحوادث اللبنانية فقتل بمؤامرة هؤلاء (٣)،، وأمثلة أخرى كثيرة تدل على أن هؤلاء ليسوا على يقين من صلاحية ديانتهم وصفائها، وأنهم يعلمون أنها قامت على شفا جرف هار مملوءة بالخداع والتضليل، وتبييت النية السيئة لغيرهم من البشر. فإن من كانت نيته طيبة ومبادؤه سليمة لا يتخوف من أحد أن يطلع عليها، بل يفرح بكثرة المطلعين، كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة الذين يتمنون لو أن أهل الأرض كلهم يدرسون مبادءهم ويطلعون عليها، بل إنهم بالعكس يشعرون دائماً بالمرارة من محاربة علماء السوء والزعماء الضلال لأفكارهم التي هي تبع لأوامر الله ونواهيه في كتابه الكريم. وسبب تلك العداوة من قبل أولئك الضلال المنتفعين أنهم يعلمون تماماً أن العقيدة الصحيحة حينما تصل إلى قلوب أتباعهم تحول فوراً بينهم وبين الخضوع والسجود لأولئك الطغاة. ومن هنا كانت السرية هي أهم ما يطلب به الداخل في ملّتهم. وقد جاء في الهفت الشريف من الحث على لزوم الكتمان ما رواه المفضل الجعفي عن رجل انتهى من تكرار التناسخ أنه قال له: (وأوصيك يا أخي ونفسي بكتمان سر الله تعالى وباطني مكنونة إلا من إخوانك الموحدين المقربين بمعرفة العلي الأعلى، ثم غاب عني فقال الصادق: لقد أتاني في هذا الأسبوع ثلاث مرات فسلم علي وأنا فيكم ولا تعرفونهم) (٤)،.وقال الصادق للمفضل كما يرويه صاحب الهفت: (يا مفضل لقد أعطيت فضلاً كثيراً وتعلمت علماً باطناً فعليك بكتمان سر الله ولا تطلع عليه إلا ولياً مخلصاً، فإن فشيته إلى أعدائنا فقد أعنت على قتل نفسك) (٥)،. ويسمى صاحب (الهفت) المسلمين كلهم بأنهم أنجاس ورعاع إلا من دخل في ضلالته وذلك في قوله: (وأن هذا العلم يا مفضل سر الله ومكنون خزائنه الذي لم يطلع عليه أحد من عباده إلا الأولياء المختصون، وواجب أن لا يتطلع (هكذا) على هذا العلم الرعاع الأنجاس ثم قرأ: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧]. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٤٨

стр. 4273

المبحث الثاني عشر: نظرتهم تجاه المرأة المرأة النصيرية - إلا من خرجت عن تعاليمهم - تعتبر من أجهل نساء العالم؛ إذ إن التعاليم النصيرية تقضي بعدم جواز اطلاع المرأة على أي سر من أسرار المذهب؛ لأنها في نظرهم ضعيفة العقل والإرادة، ولأنها أكثر شراً من الرجل وأكثر احتيالاً ومكراً، وهن سبب كل شر- كما صرح بذلك الهفت الشريف المقدس عندهم-، والجهل بمذاهبهم هو العلم وإنما أقصد أنها أكثر النساء أمية. فالمرأة النصيرية إذاً لا دين لها (١)، وفي كتابهم المذكور وصايا عديدة حول الاحتراس من المرأة، وذكر المساوئ الكثيرة التي تصدر عنها وأن الرجل قد يجازى أيضاً بالتناسخ بأن يتحول إلى صورة امرأة عقاباً له إذا كان في حياته السابقة غير مؤمن - أي غير نصيري-، أو كانت عليه ذنوب كثيرة في حق إخوانه النصيريين، أو لم يحترم المشايخ ويقدم لهم الهدايا وأنواع المأكولات (٢)،. وقد ذكر المفضل الجعفي عن الصادق - وهو من جملة أكاذيبهم عليه - أنه قال في وجوب الحفاظ على سرية المذهب: (كذلك الكافرون ينحطون من درجة الرجال حتى يصيرون عامة نساء كافرات) قال المفضل: يا مولاي روي عن أبيك أنه قال: النساء أشر من الرجال، وأكثر احتيالاً ومكراً، قال الصادق: يا مفضل إن أصل كل شر النساء، وحين أخرج أبونا آدم من الجنة كان بسبب حواء حين أغواه ضده على أكل الحبة. وكذلك قتل قابيل أخاه هابيل بسبب النساء، ألم تسمع كلام الله في كتابه الكريم عن امرأة نوح ولوط وكيف خانتاهما (٣)،، وكذلك قتل يحيى بن زكريا بسبب امرأة باغية، وقد قال النبي وأبلغ في القول وأزجر في المعنى حين نظر في النار فرأى أكثر أهلها نساء. ثم قال الصادق: كيف لا يكون ذلك وهم (٤)، عايلة وأقوى كيداً من الرجال، وقال تعالى وقال منه السلام، والشياطين مَنْ إلا امرأة، وأن الإنسان إذا ارتقى في كفره وعتوه وتمرد وتناهى في ذلك صار إبليساً وردّ في صورة امرأة، قلت: سبحان الله يا مولاي! ما علمت ذلك ولا ظننت أنه يبكيني. قال الصادق: ألم تقرأ في القرآن قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:٧٦] وقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:٢٨] إذ هم صور النساء، قلت صدق مولاي) (٥).ومن هذه النظرة المتشائمة للنساء فإنه لا أمل في صلاحها ويجب إبعادها عن كل أمر مهم ومنه سر الديانة. أما في الإسلام فلا أحد يجهل مكانة المرأة العالية؛ حيث جعلها راعية ومسئولة، وأن الله لا يضيع عمل عامل سواء كان ذكراً أو أنثى، وأن المرأة مكلفة بنفس التكاليف التي أمر بها الرجل، إلا ما استثنى لضرورة المرأة، وجعل لها حق التملك وطلب منها إخراج زكاة مالها ورغبها في الصدقة وفعل الخير، بل وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات (٦)، وأوصى الله بطاعتها: وقرنها بطاعته.

стр. 4274

إلى غير ذلك مما هو معروف في الإسلام مما ينبغي أن يطأطئ له دعاة تحرير المرأة رؤوسهم حياءً وإكباراً له، وإجلالاً لمبادئه التي يجهلونها تمام الجهل، ثم يتهجمون عليه بأنه ظلم المرأة حقوقها، وما لهؤلاء السفهاء للخوض في ما لم يحيطوا بعلمه فليقرءوه أولاً وليقرءوا كلام العقلاء من منصفي سائر الملل ليروا أنفسهم المتطاولة وصغرها أمامه. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٥٢ أما المرأة فهي في نظرهم نوع من أنواع المسخ الذي يصيب غير المؤمن, فهي كالحيوان لأنها مجردة عن وجود النفس الناطقة, لذلك فهم يعتقدون أن نفوس النساء تموت بموت أجسادهن (١) لعدم وجود أرواح خاصة بهن (٢) "لهذا السبب فهم يستبيحون الزنا بنساء بعضهم بعضا لأن المرأة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها إلى أخيها المؤمن, وفي ذلك اشترطوا أن لا يباح ذلك للأجنبي ولا لمن هو ليس داخلا في دينهم" (٣).وهذا يفسر لنا ظاهرة كون المرأة جزءا من الضيافة المقدمة عند الدخول في أسرار العبادة (٤). وكذلك الإباحية المطلقة التي تظهر خلال أعيادهم الكثيرة كالنوروز والميلاد وغيرهما, حيث تدور كؤوس الخمرة ويختلط الحابل بالنابل من نساء ورجال, ولعل هذه الإباحية تعيدنا إلى الحشاشين تلامذة الحسن بن الصباح الذي كان يخدر تابعيه ويدخلهم إلى جنات ملأى بالنساء ليفرض عليهم ما يريد, وكذلك إلى القرامطة الذين كان لهم يوم يجتمعون فيه في مكان مظلم رجالا ونساء فينكح الرجل أخته أو أمه أو أي امرأة تقع في يده. المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٣٧٠

стр. 4275

المبحث الثالث عشر: تعظيمهم للخمر الخمر في نظر النصيريين مقدسة أيما تقديس, لأنها تقدم بسر النقباء والنجباء خلال دخول الجاهل في أسرار عقيدتهم لذلك يطلقون عليها اسم (عبد النور) باعتبار أن الخمر خلق من شجرة النور وهي (العنب). والحقيقة أنه لا يمكن للباحث أن يفصل موضوع الخمر والمرأة عن موضوع دخول الجاهل في أسرار العقيدة النصيرية لأن الخمر والمرأة أمران مهمان ومتلازمان يقدمان للشباب الداخل في أسرار الدين باعتبارهما جزءا من الضيافة للدخول في الفردوس. وفي نظري أن تلقين أسرار النصيرية في جو الخمر والمرأة يوضح لنا عملية التخدير النفسي والجسدي والعقلي التي تقع على الشاب وهو يلقن أسرار دينه فكؤوس الخمر تدار بين وقت وآخر فتلعب دورها في تخدير عقل الشباب وتأتي الأنثى لتكمل الدور الذي بدأته الخمرة, فيكون الشاب حينذاك في وضع لا يمكنه أن يرفض أي شيء من أسرار الدين وخاصة أنه أصبح في الفردوس المنشود (الخمر والمرأة). ... والخمر - كما يزعمون - حللها الله لهم بصفتهم أولياء الله الذين آمنوا به وعرفوه بشخص (علي) وحرمه على الجاحدين لله المنكرين له - أي الذين لم يؤمنوا بعلي - فهي نوع من الأغلال والآصار وضعت عليهم لعدم إيمانهم بعلي. يروى عن الخصيبي: "أنه إذا حضر بين يديه (عبد النور) - أي الخمر- يأخذ القدح في يمينه وينهل منه ثلاث نهلات ويترنم عليه في هذا القداس المبارك ويقول: الحمد لله العلي وحده الذي أنجز وعده ونصر عبيده وأعز جنده وأهلك ضده وهزم الأحزاب وحده فلا إله مثله ولا إله بعده, مفزع الطالبين وغاية العارفين إله الأولين والآخرين له الدين الخالص وإنما تدعون من دونه الباطل, وإن الله هو العلي الكبير أمير المؤمنين الملك الحق المبين ..... اللهم إن هذا عبدك عبد النور شخص النار (١) حللته وكرمته وفضلته لأوليائك العارفين بك حلالا طلقا, وحرمته على أعدائك الجاحدين المنكرين لك, حراما نصا, اللهم مولاي كما حللته لنا ارزقنا به الأمن والأمان, والصحة من الأسقام, وانف عنا به الهم والأحزان ..... ثم يقرأ عدد من الآيات ويقول أخيرا: تذكروا بسر (العين) الله يرزقكم بركتها ورضاها" (٢). المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٣٦٩
следующие страницы →