المبحث العاشر: أعياد النصيرية للنصيرية أعياد كثيرة في أوقات كثيرة مثل عيد الغدير، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد عاشوراء، وعيد الغدير الثاني يوم المباهلة، وعيد النوروز، وعيد المهرجان، وعيد الصليب، وعيد الغطاس، وعيد السعف، وعيد العنصرة، وعيد القديسة بربارة، وعيد الميلاد إلى آخر، أعيادهم الكثيرة التي وافقوا فيها المسلمين والنصارى والوثنيين (١)،.
وعن احتفالاتهم بعيد النوروز يقول عبد الحسين العسكري: (احتفال النصيرية بعيد النوروز - وهو العيد الديني والقومي للفرس- يدل على الأثر الفارسي في النصيرية، ويشير إلى تمجيدهم للفرس بدعوى حلول الإله وشخصوه في ملوكهم، حتى إنهم جعلوا منهم ثالوثاً نظير ثالوثهم، وهم يدعون الإسلام. حيث زعموا أن ثلاثة منهم توارثوا الحكمة وتجلى الإله فيهم وهم شروين وكروين، وكسرى، ويقابلهم في الإسلام النصيري المعنى والاسم والباب؛ علي محمد سلمان (ع. م. س) (٢)،.
المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي -٢/ ٥٨٠
أما أعيادهم فيمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: إسلامية, وشيعية اثني عشرية, ونصرانية, وفارسية.
وهذا يبين أن النصيرية تتكون من عناصر غير متجانسة, وهياكل اعتقادية مختلفة, استقت منها ومن غيرها عقائدها وتقاليدها فبينما نرى هذه الطائفة تحتفل بعيدي الفطر والأضحى, نراها تذهب بعيدا بعد ذلك وتحتفل بعيدي الميلاد والبربارة النصرانيين.
وهم يعترفون بذلك, وبعض كتابهم يقسمون هذه الأعياد إلى قسمين: عربي وفارسي, وفي أحد مخطوطاتهم نرى مؤلفها يقسم هذه الأعياد إلى قسمين ويقول: "أعيادنا العربية عشرة: منها يوم غدير خم, وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو اليوم الذي أظهر السيد محمد فيه معنوية مولانا أمير النحل منه السلام للخاص والعام فأقر من أقر وأنكر من أنكر.
ومنها يوم الجمعة: وهو محمد الذي اجتمع له أهل الأديان من المسلمين بنبوته, وهو القائم منه السلام.
ومنها يوم الفطر: وهو اليوم الذي يؤذن فيه للمؤمنين بالنطق وإظهار أمر الله .
ومنها يوم الأضحى: وهو يوم خروج القايم منه السلام بالسيف وإهراقه الدماء.
ومنها يوم الأحد: وهو اليوم الذي أمر أمير المؤمنين منه الرحمة سلمان أن يدخل المسجد ويخطب الناس ويظهر الله الطاغوتين وأهل الردة وهو اليوم الذي قال له سلمان: سل أعطيك البيان, وأمنحك البرهان وأقامه للناس علما وقال للمؤمنين: سلمان شجرة وأنتم أعضاؤها, وكان ذلك يوم الأحد لليلتين خلت من ذي الحجة.
ومنها اليوم الذي نصب السيد جعفر منه السلام (محمد الزيني):
وأقامه للناس علما وقال: من كنت له ربا فمحمد وليه ومن كان عدوه فأنا عدوه وكان ذلك يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
ومنها اليوم الذي أمر السيد محمد بن علي الرضا منه السلام لعمر بن الفرات مقامه فيكم مقام رسول الله ﷺ وعلى آله فدعا عمر بن الفرات الشيعة بأمره كان ذلك يوم الخميس لست ليال خلون من ذي الحجة.
ومنها اليوم الذي أمر الباقر بالبيان لجابر بالدعاء إلى الله جهرا فدعا فأخذ وترك السندان المحمي على يده حتى حالت جمرا ثم قتل وكان ذلك يوم السبت لتسع خلون من ذي الحجة.
فهذه الأعياد العربية التي أمر الله العباد بمعرفتها, وأما الأعياد الفارسية:
وهو النوروز: وهو اليوم الرابع من نيسان من كل سنة وله شرف عظيم وفضل كبير.
ويوم المهرجان: وهو اليوم السادس عشر من تشرين الأول في كل سنة.
ومن خواص الأعياد المفروح فيها,
وهو اليوم التاسع من شهر ربيع الأول في كل سنة وهو مقتل دلام.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص٤١٠
стр. 4272
المبحث الحادي عشر: تكتم النصيرية على عقائدهم
يعتبر النصيريون ديانتهم ومذهبهم سراً من الأسرار العميقة التي لا يجوز إفشاؤها لسواهم، وقرروا أن الذي يفشي شيئاً منها يكون جزاؤه القتل في أسوأ صورة له، لأنه أفشى سر العلي الأعلى، ومن أمثلة ذلك أن سليمان الأضني وهو من أبناء مشايخ النصيرية من ولاية أضنة تنصر بتأثير بعض المنصرين الأمريكيين وجاء إلى اللاذقية، وكتب كتاباً سماه (الباكورة السليمانية) وكشف فيها الكثير من أسرار العقيدة النصيرية، وطبع المنصرون الأمريكيون الكتاب في بيروت سنة ١٨٦٣.وبعد أن قام باللاذقية مدة أخذ أقاربه يراسلونه ويحببون إليه العودة إليهم، مستعملين في ذلك كل وسائل التودد والمجاملة حتى آمن جانبهم وعاد إلى وطنه الأصلي، فكان جزاؤه أن أحرقوه حياً، ثم حاول النصيريون بكل جهد وعزم على احتواء الكتاب حتى اختفى تدريجياً، ولا توجد منه الآن نسخة واحدة (١)،.
وهكذا فإنهم يترصدون لكل من يذكر عنهم شيئاً أو يشير إلى عقائدهم الخبيثة التي تنضح شركاً ووثنية ولا يملكون من وسائل الدفاع والرد غير التصفية الجسدية، لعلمهم بأن مذهبهم عورات لا تحتمل النقاش وعرض الأدلة، فهي أقنعة واهية سرعان ما يظهر ما وراءها وينكشف، ومن هنا فإنهم ليسوا على استعداد لأي بحث ومناظرة.
وقد كتب محمد فريد وجدي خلاصة عن ما جاء في كتاب الباكورة السليمانية هي:
أن النصيرية علويون يعتقدون بألوهية الإمام علي، والشمالية منهم يقولون: إنه حالٌّ في القمر. والكلازية يذهبون إلى أنه حال في الشمس، ولهذا فهم يقدسون الشمس والقمر وسائر النجوم.
ويعتقدون بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم، ولهذا يسمون علياً أمير النحل أي أمير النجوم، والأرواح الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة كالخنازير والقرود وبنات آوى.
أن كلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع. م. س، أي علي، محمد، سلمان.
أن للنصيرية كتاباً مقدساً يعتمدونه ويرجعون إليه وهو غير القرآن، ولا يحتل القرآن عندهم إلا مكاناً ثانوياً. العقائد النصيرية غير متجانسة وثنية قديمة وإسلامية متطرفة (٢)،.وحين تزعم النصيري (علي عيد) التنظيم النصيري في طرابلس فأشار إلى هذا صاحب مجلة الحوادث اللبنانية فقتل بمؤامرة هؤلاء (٣)،، وأمثلة أخرى كثيرة تدل على أن هؤلاء ليسوا على يقين من صلاحية ديانتهم وصفائها، وأنهم يعلمون أنها قامت على شفا جرف هار مملوءة بالخداع والتضليل، وتبييت النية السيئة لغيرهم من البشر.
فإن من كانت نيته طيبة ومبادؤه سليمة لا يتخوف من أحد أن يطلع عليها، بل يفرح بكثرة المطلعين، كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة الذين يتمنون لو أن أهل الأرض كلهم يدرسون مبادءهم ويطلعون عليها، بل إنهم بالعكس يشعرون دائماً بالمرارة من محاربة علماء السوء والزعماء الضلال لأفكارهم التي هي تبع لأوامر الله ونواهيه في كتابه الكريم.
وسبب تلك العداوة من قبل أولئك الضلال المنتفعين أنهم يعلمون تماماً أن العقيدة الصحيحة حينما تصل إلى قلوب أتباعهم تحول فوراً بينهم وبين الخضوع والسجود لأولئك الطغاة. ومن هنا كانت السرية هي أهم ما يطلب به الداخل في ملّتهم. وقد جاء في الهفت الشريف من الحث على لزوم الكتمان ما رواه المفضل الجعفي عن رجل انتهى من تكرار التناسخ أنه قال له: (وأوصيك يا أخي ونفسي بكتمان سر الله تعالى وباطني مكنونة إلا من إخوانك الموحدين المقربين بمعرفة العلي الأعلى، ثم غاب عني فقال الصادق: لقد أتاني في هذا الأسبوع ثلاث مرات فسلم علي وأنا فيكم ولا تعرفونهم) (٤)،.وقال الصادق للمفضل كما يرويه صاحب الهفت: (يا مفضل لقد أعطيت فضلاً كثيراً وتعلمت علماً باطناً فعليك بكتمان سر الله ولا تطلع عليه إلا ولياً مخلصاً، فإن فشيته إلى أعدائنا فقد أعنت على قتل نفسك) (٥)،.
ويسمى صاحب (الهفت) المسلمين كلهم بأنهم أنجاس ورعاع إلا من دخل في ضلالته وذلك في قوله: (وأن هذا العلم يا مفضل سر الله ومكنون خزائنه الذي لم يطلع عليه أحد من عباده إلا الأولياء المختصون، وواجب أن لا يتطلع (هكذا) على هذا العلم الرعاع الأنجاس ثم قرأ: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:٢٦ - ٢٧].
المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٤٨
стр. 4273
المبحث الثاني عشر: نظرتهم تجاه المرأة
المرأة النصيرية - إلا من خرجت عن تعاليمهم - تعتبر من أجهل نساء العالم؛ إذ إن التعاليم النصيرية تقضي بعدم جواز اطلاع المرأة على أي سر من أسرار المذهب؛ لأنها في نظرهم ضعيفة العقل والإرادة، ولأنها أكثر شراً من الرجل وأكثر احتيالاً ومكراً، وهن سبب كل شر- كما صرح بذلك الهفت الشريف المقدس عندهم-، والجهل بمذاهبهم هو العلم وإنما أقصد أنها أكثر النساء أمية. فالمرأة النصيرية إذاً لا دين لها (١)، وفي كتابهم المذكور وصايا عديدة حول الاحتراس من المرأة، وذكر المساوئ الكثيرة التي تصدر عنها وأن الرجل قد يجازى أيضاً بالتناسخ بأن يتحول إلى صورة امرأة عقاباً له إذا كان في حياته السابقة غير مؤمن - أي غير نصيري-، أو كانت عليه ذنوب كثيرة في حق إخوانه النصيريين، أو لم يحترم المشايخ ويقدم لهم الهدايا وأنواع المأكولات (٢)،.
وقد ذكر المفضل الجعفي عن الصادق - وهو من جملة أكاذيبهم عليه - أنه قال في وجوب الحفاظ على سرية المذهب: (كذلك الكافرون ينحطون من درجة الرجال حتى يصيرون عامة نساء كافرات) قال المفضل: يا مولاي روي عن أبيك أنه قال: النساء أشر من الرجال، وأكثر احتيالاً ومكراً، قال الصادق: يا مفضل إن أصل كل شر النساء، وحين أخرج أبونا آدم من الجنة كان بسبب حواء حين أغواه ضده على أكل الحبة. وكذلك قتل قابيل أخاه هابيل بسبب النساء، ألم تسمع كلام الله في كتابه الكريم عن امرأة نوح ولوط وكيف خانتاهما (٣)،، وكذلك قتل يحيى بن زكريا بسبب امرأة باغية، وقد قال النبي وأبلغ في القول وأزجر في المعنى حين نظر في النار فرأى أكثر أهلها نساء. ثم قال الصادق: كيف لا يكون ذلك وهم (٤)، عايلة وأقوى كيداً من الرجال، وقال تعالى وقال منه السلام، والشياطين مَنْ إلا امرأة، وأن الإنسان إذا ارتقى في كفره وعتوه وتمرد وتناهى في ذلك صار إبليساً وردّ في صورة امرأة، قلت: سبحان الله يا مولاي! ما علمت ذلك ولا ظننت أنه يبكيني. قال الصادق: ألم تقرأ في القرآن قوله تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:٧٦] وقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف:٢٨] إذ هم صور النساء، قلت صدق مولاي) (٥).ومن هذه النظرة المتشائمة للنساء فإنه لا أمل في صلاحها ويجب إبعادها عن كل أمر مهم ومنه سر الديانة. أما في الإسلام فلا أحد يجهل مكانة المرأة العالية؛ حيث جعلها راعية ومسئولة، وأن الله لا يضيع عمل عامل سواء كان ذكراً أو أنثى، وأن المرأة مكلفة بنفس التكاليف التي أمر بها الرجل، إلا ما استثنى لضرورة المرأة، وجعل لها حق التملك وطلب منها إخراج زكاة مالها ورغبها في الصدقة وفعل الخير، بل وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات (٦)، وأوصى الله بطاعتها: وقرنها بطاعته.
стр. 4274
إلى غير ذلك مما هو معروف في الإسلام مما ينبغي أن يطأطئ له دعاة تحرير المرأة رؤوسهم حياءً وإكباراً له، وإجلالاً لمبادئه التي يجهلونها تمام الجهل، ثم يتهجمون عليه بأنه ظلم المرأة حقوقها، وما لهؤلاء السفهاء للخوض في ما لم يحيطوا بعلمه فليقرءوه أولاً وليقرءوا كلام العقلاء من منصفي سائر الملل ليروا أنفسهم المتطاولة وصغرها أمامه.
المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٥٢
أما المرأة فهي في نظرهم نوع من أنواع المسخ الذي يصيب غير المؤمن, فهي كالحيوان لأنها مجردة عن وجود النفس الناطقة, لذلك فهم يعتقدون أن نفوس النساء تموت بموت أجسادهن (١) لعدم وجود أرواح خاصة بهن (٢) "لهذا السبب فهم يستبيحون الزنا بنساء بعضهم بعضا لأن المرأة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها إلى أخيها المؤمن, وفي ذلك اشترطوا أن لا يباح ذلك للأجنبي ولا لمن هو ليس داخلا في دينهم" (٣).وهذا يفسر لنا ظاهرة كون المرأة جزءا من الضيافة المقدمة عند الدخول في أسرار العبادة (٤). وكذلك الإباحية المطلقة التي تظهر خلال أعيادهم الكثيرة كالنوروز والميلاد وغيرهما, حيث تدور كؤوس الخمرة ويختلط الحابل بالنابل من نساء ورجال, ولعل هذه الإباحية تعيدنا إلى الحشاشين تلامذة الحسن بن الصباح الذي كان يخدر تابعيه ويدخلهم إلى جنات ملأى بالنساء ليفرض عليهم ما يريد, وكذلك إلى القرامطة الذين كان لهم يوم يجتمعون فيه في مكان مظلم رجالا ونساء فينكح الرجل أخته أو أمه أو أي امرأة تقع في يده.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٣٧٠
стр. 4275
المبحث الثالث عشر: تعظيمهم للخمر
الخمر في نظر النصيريين مقدسة أيما تقديس, لأنها تقدم بسر النقباء والنجباء خلال دخول الجاهل في أسرار عقيدتهم لذلك يطلقون عليها اسم (عبد النور) باعتبار أن الخمر خلق من شجرة النور وهي (العنب).
والحقيقة أنه لا يمكن للباحث أن يفصل موضوع الخمر والمرأة عن موضوع دخول الجاهل في أسرار العقيدة النصيرية لأن الخمر والمرأة أمران مهمان ومتلازمان يقدمان للشباب الداخل في أسرار الدين باعتبارهما جزءا من الضيافة للدخول في الفردوس.
وفي نظري أن تلقين أسرار النصيرية في جو الخمر والمرأة يوضح لنا عملية التخدير النفسي والجسدي والعقلي التي تقع على الشاب وهو يلقن أسرار دينه فكؤوس الخمر تدار بين وقت وآخر فتلعب دورها في تخدير عقل الشباب وتأتي الأنثى لتكمل الدور الذي بدأته الخمرة, فيكون الشاب حينذاك في وضع لا يمكنه أن يرفض أي شيء من أسرار الدين وخاصة أنه أصبح في الفردوس المنشود (الخمر والمرأة).
... والخمر - كما يزعمون - حللها الله لهم بصفتهم أولياء الله الذين آمنوا به وعرفوه بشخص (علي) وحرمه على الجاحدين لله المنكرين له - أي الذين لم يؤمنوا بعلي - فهي نوع من الأغلال والآصار وضعت عليهم لعدم إيمانهم بعلي. يروى عن الخصيبي: "أنه إذا حضر بين يديه (عبد النور) - أي الخمر- يأخذ القدح في يمينه وينهل منه ثلاث نهلات ويترنم عليه في هذا القداس المبارك ويقول: الحمد لله العلي وحده الذي أنجز وعده ونصر عبيده وأعز جنده وأهلك ضده وهزم الأحزاب وحده فلا إله مثله ولا إله بعده, مفزع الطالبين وغاية العارفين إله الأولين والآخرين له الدين الخالص وإنما تدعون من دونه الباطل, وإن الله هو العلي الكبير أمير المؤمنين الملك الحق المبين ..... اللهم إن هذا عبدك عبد النور شخص النار (١) حللته وكرمته وفضلته لأوليائك العارفين بك حلالا طلقا, وحرمته على أعدائك الجاحدين المنكرين لك, حراما نصا, اللهم مولاي كما حللته لنا ارزقنا به الأمن والأمان, والصحة من الأسقام, وانف عنا به الهم والأحزان ..... ثم يقرأ عدد من الآيات ويقول أخيرا: تذكروا بسر (العين) الله يرزقكم بركتها ورضاها" (٢).
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٣٦٩
стр. 4276
المبحث الرابع عشر: المراتب والدرجات عند النصيرية
العالم عند النصيرية ينقسم إلى قسمين:
العالم العلوي, والعالم السفلي, ولكل واحد منهما رتبه ودرجاته. والعالم العلوي هو العالم النوراني الذي تعيش فيه الرتب النورانية التي تنتهي برتبة البابية, وتفيض بالنور على العالم السفلي, الذي لا يزال ينتقل في الصور البشرية, ولم يصل إلى مستوى الإيمان الكامل. (١) والعالمان العلوي والسفلي في نظرهم, هم النصيريون عاقلهم وجاهلهم (٢) فغير النصيري لا يكون في الصورة البشرية لأنه ممسوخ بالصور الأخرى, مثل صورة المرأة والحيوان والجماد.
أما درجات العالم العلوي, فهي للمؤمن, وتتكون من سبع درجات لا يرتقي الشخص من درجة إلى درجة إلا بمقدار علمه وعمله, فهي ترتبط ارتباطا مباشرا بالباب والأيتام الخمسة لأن من جملة هذه الرتب: اليتيم والباب. وأول درجة يرتقي إليها المؤمن من العالم السفلي إلى العلوي هي درجة الممتحن تليها درجة المخلص, فدرجة المختص, ثم النجيب, ثم النقيب, فاليتيم, وأخيرا الباب, وهذه الدرجات في نظرهم عقبات, فكلما تجاوز المؤمن درجة كأنه بذلك تجاوز عقبة من العقبات (٣).فإذا أصبح الشخص أو المؤمن في الرتبة السابعة وهي رتبة البابية, فعند ذلك يدخل: "المحل الأعلى, ويتخلص من هده الصور ليصبح نورانيا فيظهر له الاسم - أي الحجاب - فيعاينه ويشاهده ويطلعه على علم تكوينه (٤).
стр. 4277
ويستدلون على تقسيم هذه الدرجات بقوله تعالى على لسان إبراهيم ﵇ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى [البقرة:٢٦٠] ويؤول الخصيبي هذه الآية بقوله: "أن الباب هو الذي قال: ليطمئن قلبي, وكان إرادته في ذلك استئذان مولاه أن يرتب أربعة يكونوا مع المقداد في الرتبة (١). قال له الله (وهو الاسم): وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:٢٦٠] فالطيور الأربعة هم الأيتام, والجبال هم الخمس مراتب: النقباء, والمختصين, والمخلصين, والممتحنين ....... فتولى المقداد مرتبة النقباء, وتولى أبو الذر مرتبة النجباء, وتولى عبد الله مرتبة المختصين, وتولى عثمان مرتبة المخلصين, وتولى قنبر مرتبة الممتحنين ....... فالنقباء تمد النجباء بالنور, وهكذا تمد كل مرتبة الأخرى بالنور ...... أما المرتبة الأخيرة أي - الممتحنين - فإنها تمد مراتب العالم السفلي السبعة البشرية, فتمد المقربين, والمقربين تمد الكروبيين, والكروبيين تمد الروحانيين, والروحانيين تمد المقدسين, والمقدسين تمد السائحين, والسائحين تمد المستمعين, والمستمعين تمد اللاحقين" (٢).والمراتب السبعة السفلية لا ترتفع إلى العالم العلوي ومراتبه السبع إلا بارتقاء الدرجات السابقة الذكر من درجات العالم السفلي, حتى تصل إلى درجة (الكروبيين) , وهي الدرجة التي يرفع فيها عن الشخص كرب البشرية لأنه عرف باريه واسمه وبابه (٣) , فيكون بذلك قريب من درجة المقربين التي تستمد نورها من العالم العلوي.
والشعراء النصيريون, أنشدوا هذه المراتب في قصائد, منهم المنتجب العاني الذي وصفهم بقوله:
فتلك الأبواب والأيتام تتبعهم وخلفهم نقباء سادة نجب
وإثرهم نجباء كلهم سلكوا نهج الهدى وإلى نيل العلا وثبوا
وبعد ذلك مختصون ترفعهم ومخلصون إلى مولاهم قربوا
فهذه سبعة علوية ظهرت دون الأوائل منها السبعة الشهبوبعدهم سبعة سفلية نسبوا إلى التراب ما وارتهم الترب (٤) والدرجة النهائية للمؤمن - كما مر - هي درجة الباب, وفيها يصبح المؤمن ملاكا, ويرفع عنه الأكل والشرب, ويستطيع أن يصعد للسماء وينزل للأرض, مثلما يريد, وكيفما شاء, لأنه يتصور بالصورة التي يريدها. (٥) ولكن الدكتور مصطفى الشكعة ينقل عن كتاب (الباكورة السليمانية) أن رتب المشيخة في الوقت الحالي ثلاثة هي: الإمام, ثم النقيب, وتليها رتبة النجيب, ولكل واحد من هؤلاء سلطانه وحدوده وحقوقه ...... ويضيف: أن هذه الرتب افتقدت في الوقت الحاضر المؤهلات, ولعل المؤهل الغالب هو قوة شخصية صاحب الرتبة بغض النظر عن تأهيله العلمي والديني (٦). وهذا يؤكده لنا البيان الذي أصدره أحد مشايخ النصيرية بعد هزيمة حزيران عام ١٩٦٧م, والذي فضح فيه بعض أعمالهم, ومنها إعطاء الرتب إلى بعض ضباط الجيش السوري النصيريين تعبيرا عن جهودهم في الخدمة الطائفية أمثال صلاح جديد, ومحمد عمران وغيرهم (٧).
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٣٦٦
стр. 4278
المبحث الخامس عشر: أماكن انتشار النصيرية
موطن النصيرية الآن في سوريا ولبنان, ويبدو أنهم جاءوا إلى هذه المنطقة في فترات سابقة في شكل هجرات جماعية من العراق فراراً من الاضطهاد الذي وقع عليهم بسبب آرائهم المنحرفة فاتخذوا من جبال الشام ساترا لهم, ويمثل النصيرية الآن حوالي ١٠% من سكان سوريا ونسبة كبيرة منهم تقطن في ريف محافظة اللاذقية بينما تنتشر أقليات منهم في دمشق وحمص وحلب كما توجد أعداد كبيرة منهم في تلك المناطق الواقعة جنوب تركيا كالأسكندرونة وأنطاكيا وما حولهما من بلاد الترك كما توجد جماعات منهم في منطقة "عكار" بلبنان.
المصدر: دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين الخوارج والشيعة لأحمد محمد أحمد جلي - ص ٣٢٣
стр. 4279
المبحث السادس عشر: بيان خطر النصيرية
النصيرية هي إحدى الفرق الباطنية الغلاة، ظهرت في القرن الثالث للهجرة انشقت عن فرقة الإمامية الاثني عشرية.
والنصيريون كغيرهم من أعداء العقيدة الإسلامية الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر، إذ لم تمر بهم فرصة دون أن يهتبلوها في إيقاع أكبر الأذى بالمسلمين، والنصيريون حينما يوقعون الأذى بالمسلمين دون هوادة أو رحمة، يعتقدون في نفس الوقت أنهم يثابون على ذلك، فكلما أوغل الشخص منهم في إلحاق الأذى بالمسلمين كلما زاد ثوابه حسب اعتقادهم، وهذا ظاهر في غلظتهم ومعاملتهم للمسلمين.
وأقرب مثال على مواقف النصيريين في العصر الحاضر ما يجري في أماكن المسلمين في سوريا ولبنان من تقتيلهم الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، ثم وقوفهم كذلك في صف المارونيين والخمينيين. ولقد هيأ هؤلاء للتتار قديماً وللصليبيين الفرص لذبح المسلمين وإنزال أفدح المصائب بهم، مما لم يسمع بمثله باعتراف كتَّاب النصيرية أنفسهم.
وما من فتنة تثور ضد المسلمين من أهل السنة إلا وهؤلاء النصيريون في خندق واحد مع عدو المسلمين ضد المسلمين، وكم ذهبت من أنفس واستبيحت من أعراض بسبب دسائس النصيرية وتآمرهم في وقائع تقشعر منها الجلود، وبينهم وبين اليهود والنصارى مودة وبينهم تشابه في كثير من المعتقدات تجد مصداق هذا وقائع حرب الأيام الستة كما يسمونها فما حصل منهم فيها إنما هو دليل من الأدلة الكثيرة على مواقف النصيرية تجاه أهل السنة وعدائهم لهم ولأسلافهم الأخيار مثل أبي بكر وعمر وعثمان، وغيرهم من فضلاء الناس بعد الرسول محمد ﷺ .
ولا يزال القارئ الكريم يذكر ما قدمنا نقله عن علماء السنة وشهاداتهم بما فعله النصيريون والباطنيون عموماً بالمسلمين على مختلف العصور حين تمكنوا من إلحاق الأذى بأهل السنة، وكيف كانوا يتحولون إلى وحوش ضارية لا تدخل الرحمة إلى قلوبهم لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً.
لقد انطوى هؤلاء على كفر وإلحاد وخرافات تجعل الإنسان ييأس تمام اليأس أن يعود هؤلاء إلى رشدهم، وإذا شئت الاطلاع على مصداق هذا فاقرأ كتابهم (الهفت الشريف) بتحقيق علمائهم في هذا العصر، الذي يزعمون أنهم تحرروا من كل الخرافات وأنهم أصحاب إنصاف وتحقيق، ونورد لك أخي القارئ دليلاً واحداً مما جاء في هذا الكتاب المفضل لديهم حيث قال:
(إن الحسين لما خرج إلى العراق وكان الله محتجباً به، وصار لا ينزل منزلاً صلوات الله عليه إلا ويأتيه جبريل فيحدثه، حتى إذا كان اليوم الذي اجتمعت فيه العساكر عليه، واصطفت الخيول لديه وقام الحرب، حينئذ دعا مولانا الحسين جبريل وقال له: يا أخي - انظر الله يقول لجبريل يا أخي! - من أنا؟ قال: أنت الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم والمميت والمحيي، أنت الذي تأمر السماء فتطيعك والأرض فتنتهي لأمرك والجبال فتجيبك والبحار فتسارع إلى طاعتك، وأنت الذي لا يصل إليك كيد كائد ولا ضرر ضار) إلى أن قال عن جبريل وهو يخاطب عمر بن سعد القائد الأموي الموجه لحرب الحسين قائلاً له: (ويحك تقتل رب العالمين وإله الأولين والآخرين وخالق السموات والأرض وما بينهما، فلما سمع عمر بن سعد ذلك أخذه الخوف) (١)، إلى آخر ترهاتهم التي تدل على عمق جهلهم وبدائيتهم.
стр. 4280
ويسب صاحب الهفت عمر ﵁ وينسبه إلى أنه كان في زمن الحسين في صورة كبش عن طريق التناسخ فدى الله به الحسين من الذبح، وذُبح هو أي عمر الذي سماه (دلامة) أو أدلم، فقال عن الصادق عن المفضل أنه قال له: يا مفضل إن الكبش الذي فدي به الحسين كان الأدلم أدلم قريش وهو يومئذ شيخ في تركيب كبش). ثم زعم أن قرني هذا الكبش معلقان في الكعبة. (أما رأيت يا مفضل قرنيه في البيت الحرام معلقين؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: فذاك القرنان لذلك الكبش الذي فدي به الحسين. ثم ضحك الصادق حتى بدت نواجذه، قلت: يا مولاي ما الذي أضحكك؟ قال: يا مفضل إن الناس إذا اجتمعوا بالموسم بمكة المكرمة رغبوا أن ينظروا إلى قرني الكبش تعجباً لأنه من الجنة، ونحن نقوم بالنظر إليهما تعجباً أنهما قرنا دلامة، فالناس يتعجبون من شيء ونحن نتعجب من شيء خلافه) (١)،.وما أدري ما الذي يقصد هذا المجوسي بقرني الكبش المعلقين بالكعبة فما رأينا أي قرن ولا حكى أحد من الناس أنه رأي هذين القرنين. وفي هذا العصر خرجت مرة كتائب الباطنية النصيرية في حماة (وهي تملأ أجواء الفضاء بذلك الهتاف الذي لن تنساه حماة) (هات سلاح وخذ سلاح دين محمد ولى وراح) (٢)،.وهذه جريدة الثورة أحفاد الوثنية النصيرية تكتب (الله والأنبياء والكتب المقدسة كلها محنطات ينبغي تحويلها إلى متاحف التاريخ) (٣)، وذاك النشيد وهذا التصريح وقع حينما اقتحم اليهود الصهاينة المسجد الأقصى وهم يرددون (محمد مات خلف بنات فليسقط الإسلام).
المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي - ٢/ ٥٣٣
стр. 4281
المبحث السابع عشر: من خيانات النصيريين
عندما قدم الغزو الصليبي على بلاد المسلمين وقويت محاولة الصليبين السيطرة على الأماكن المقدسة وبينما كانت جموع الحملة الصليبية الأولى تحاصر مدينة أنطاكية التي استماتت في الدفاع ضد هجمات الصليبين المتكررة عليها, لم يقف النصيريون مكتوفي الأيدي بل وجدوا الفرصة مناسبة, ولن تعوض للانتقام من أهل السنة عن طريق التحالف مع الصليبيين وتقديم العون لهم فنجدهم ينزلون إلى السواحل من جبالهم التي كانوا يعتصمون بها لكي يلاقوا الصليبيين ويقدموا لهم ما يحتاجون. وبدلا من أن يقف النصيريون إلى جانب المدافعين عن أنطاكية ويكونوا عونا لهم ضد العدو الغاشم حدثتهم أنفسهم بالخيانة, فبعد حصار طويل استمر قرابة سبعة أشهر على أنطاكية من قبل الصليبيين أمام أسوار أنطاكية لدرجة أن الفوضى وسوء النظام دبت بين الجند نتيجة لتأثير الجوع والإنهاك, فأخذ بعض الصليبيين يفرون من المعركة ويتسللون خفية هاربين, وفي هذا الموقف الحرج في هذه الفترة اتصل الزعيم النصيري فيروز الذي كان موكلا بحراسة أحد أبراج المدينة من قبل الأمير ياغيسيان بالقائد الصليبي بوهيموند على تسليم البرج إليه ودخول المدينة منه, والاستيلاء عليها فتم الاتفاق بينهما على ذلك وعند الفجر تسلق بوهيموند وأصحابه السلالم صاعدين إلى البرج حيث كان ينتظرهم فيروز وبمساعدته استطاعوا أن يحتلوا باقي الأبراج وتمكنوا من احتلال المدينة بكاملها فأعملوا السيف في أهلها, ونهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم, وهكذا تمكن الصليبيون من الاستيلاء على أنطاكية بمساعدة الزعيم النصيري فيروز ولو لم يجد الصليبيون هذا الرجل الخائن الذي أعانهم على فتح المدينة لكان حصارهم لها قد طال كثيرا ولكانت النتيجة غير ما آلت إليه بعد ذلك (١).ومن الأدلة الأخرى التي تثبت تعامل النصيرية مع الصليبيين ومساعدتهم لهم ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق فتواه عن النصيرية إذ قال: " ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم (أي جهة النصيرين) وهم دائما مع كل عدو للمسلمين فهم مع النصارى على المسلمين ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار ومن أعظم أعيادهم إذا استولى والعياذ بالله تعالى النصارى على ثغور المسلمين ...... فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى على الساحل ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك (٢) ".
стр. 4282
ويستطرد شيخ الإسلام ابن تيمية في فضح مواقف هؤلاء الخونة وممالأتهم للصليبيين وينبه على عدم استخدام أمثال هؤلاء في حراسة ثغور المسلمين حتى لا يؤخذوا من قبلهم فيقول: " وأما استخدام مثل هؤلاء (أي النصيريين) في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جنودهم فإنه من الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر فإن المخامر قد يكون له غرض إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء مع الملة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر فإن ضررهم في الثغر أشد وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم " (١).ومن الملاحظ في تاريخ الفرق الباطنية أن هذه الفرق كانت دائما تتحالف مع أي عدو للمسلمين وتقدم لهم العون في سبيل القضاء على أهل السنة وهذا ما أشار إليه فيليب حتى في معرض كلامه عن بعض الطوائف والفرق فقال: "ثم إن العناصر الإسلامية المنشقة من شيعة وإسماعيلية ونصيرية عمدوا في مناسبات عديدة على نقض ولائهم بتقديم العون إلى الإفرنج" (٢).ومما يدل أيضا على تعامل النصيريين مع الصليبيين ومساعدتهم لهم ما ذكره الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية فقال: "كانت النصيرية عند الهجوم الصليبي على العالم الإسلامي عونا للصليبيين ضد المسلمين ولما استولى الصليبيون على بعض البلاد الإسلامية قربوهم وأدنوهم, وجعلوا لهم مكانا مرموقا. وعندما توحدت الجبهة الإسلامية في وجه الصليبيين على يد قادة الجهاد الإسلامي أمثال نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي اختفى هؤلاء عن الأعين واعتصموا بجبالهم واقتصر عملهم على تدبير المكايد والفتن والفتك بكبراء المسلمين وقوادهم العظام. ولما أغار التتار بعد ذلك على الشام مالأهم أولئك النصيريون كما مالؤوا الصليبيين من قبل, فمكنوا للتتار من الرقاب حتى إذا انحسرت غارات التتار قبعوا في جبالهم قبوع القواقع في أصدافها لينتهزوا فرصة أخرى" (٣).
المصدر: أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين ليوسف إبراهيم الشيخ - ص٢٥٤
стр. 4283
ومن خيانات النصيريين أيضافي سنة ٦٩٦هـ تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام فخاف الناس من ذلك خوفا شديدا ولكن خرج جيش من دمشق للقاء التتار فالتقيا عند وادي سلمية فكسر التتار المسلمين وولى السلطان قازان هاربا وقتل جماعة من الأمراء وغيرهم من العوام خلق كثير واقتربت التتار من البلد وكثر العبث بالفساد في ظاهر البلد ثم فرضت أموال كثيرة على البلد موزعة على أهل الأسواق كل سوق بحسبه من المال ثم عمل التتار المجانيق ليرموا بها القلعة وحل الفزع بالناس فلزموا بيوتهم وكان لا يرى بالطرقات أحد إلا القليل والجامع لا يصلي فيه أحد إلا اليسير ويوم الجمعة لا يتكامل فيه إلا الصف الأول وما بعده إلا بجهد جهيد ومن خرج من منزله في ضرورة يخرج بثياب زيهم ثم يعود سريعا ويظن أنه لا يعود إلى أهله وكان ذلك بتواطأ النصيريين مع التتار وعلى رأسهم يومئذ الشريف القمي محمد بن أحمد بن القاسم المرتضى العلوي والأصيل بين نصير الطوسي والذي قبض ثمن هذه الخيانة مائة ألف درهم (١).
وانظر كيف يتسمى الخائن شريفا علويا وما هو إلا خسيس سفلي. وفي حين كان هذا العلوي (النصيري) يخون كان رجال أهل السنة وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ينفخون روح الإيمان في الأمة ويخرجون للجهاد بأنفسهم حتى أنه في هذه الواقعة السالفة عندما حاصر التتار قلعة دمشق وطلب السلطان من نائب القلعة تسليمها إلى التتار امتنع النائب لأن شيخ الإسلام ابن تيمية قد قال له لا تسلمها ولو لم يبق فيها إلا حجر واحد وكان ذلك في مصلحة المسلمين فإن الله حفظ لهم هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لأهل الشام التي لا تزال دار إيمان وسنة حتى ينزل بها عيسى بن مريم ﵇. (٢).
وشاء الله تعالى أن تتحرك العساكر من الديار المصرية لنصرة أهل الشام فلما سمع التتار انشمروا عنها وعرفت جماعة ممن كانوا يلوذون بالتتر ويؤذون المسلمين وشنق منهم طائفة وسمر آخرون وكحل بعضهم وقطعت ألسن وجرت أمور كثيرة ثم سار نائب السلطة في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان "وهي الجبال التي كان يسكنها العلويين وعرفت بعد باسمهم"وخرج شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة لقتال أهل تلك الناحية بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتار وهربوا حين اجتازوا بلادهم ووثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم وقتلوا كثيرا منهم فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ ابن تيمية فاستتابهم وبين للكثيرين منهم الصواب وجعل بذلك خير كثير وانتصار كبير على أولئك المفسدين والتزموا برد ما كانوا أخذوا من أموال الجيش وقرر عليهم أموالا كثيرة يحملونها إلى بيت المال .. (٣).
أرأيت كيف كانت خيانة هؤلاء العلويين إنهم لم يهبوا مع الجيش الشامي لقتال التتار والمدافعة عن البلد وحفظ جناب الأمة.
ولا حتى قبعوا في جبالهم دون أن يعينوا على المسلمين ويدلوا على عوراتهم ولا حتى آووا من فر إليهم من عساكر المسلمين بل سلبوهم ونهبوهم وقتلوا أكثرهم فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 4284
ومن خياناتهم: في سنة ٧٠٥هـ كمن الجيش التتاري لجيش حلب فقتلوا منهم خلقا من الأعيان وغيرهم وكثر النوح ببلاد حلب بسبب ذلك ولما كان قد ثبت خيانة العلويين الذين يسكنون بلاد الجرد سار إليهم نائب السلطنة بمن بقي معه من الجيوش الشامية وكان قد تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية فساروا إلى بلاد الجرد والرفض والتيامنة لغزوهم فنصرهم الله عليهم وأبادوا كثيرا منهم ومن فرقهم الضالة ووطئوا أراضي كثيرة من بلادهم وقد حصل بسبب شهود الشيخ ابن تيمية هذه الغزوة خير كثير وأبان الشيخ علما وشجاعة في هذه الغزوة (١).
ومن خيانات النصيريين أيضا قال ابن كثير ﵀: (في سنة ٧١٧هـ خرجت النصيرية عن الطاعة وكان من بينهم رجل سموه محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله وتارة يدعي علي بن أبي طالب فاطر السموات والأرض - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا - وتارة يدعى أنه محمد بن عبدالله صاحب البلاد وخرج من كبار النصيريين الضلال وعين لكل إنسان منهم مائة ألف وبلادا كثيرة ونيابات وحملوا على مدينة جبلة فدخلوها وقتلوا خلقا من أهلها وخرجوا منها يقولون لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد ولا باب إلا سلمان وسبوا الشيخين وصاح أهل البلد وا إسلاماه وا سلطاناه وا أميراه فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد وجعلوا يبكون ويتضرعون إلى الله فجمع هذا الضال الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبحهم الله أجمعين وقال لهم لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلها ونادى في تلك البلاد إن المقاسمة بالعشر لا غير ليرغب فيه وأمر أصحابه بخراب المساجد واتخاذها خمارات وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين قل لا إله إلا علي واسجد لإلهك المهدي الذي يحيي ويميت حتى يحقن دمك ويكتب لك فرمان وتجهزوا وعملوا أمورا عظيمة جدا فجردت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا وقتل المهدي أضلعهم ويوم القيامة يكون مقدمهم إلى عذاب السعير) (٢).
ومن خيانات النصيريين أيضا
نقتطف هذه المرة صورة الخيانة من أهم مراجع النصيريين وهو كتاب (تاريخ العلويين) لمؤلفه النصيري (محمد أمين غالب الطويل)
ومما يثير العجب أن هذا النصيري يسمى وسيلة ويبررها في كتابه السابق فيقول: (ولما كان لا بد للضعيف المظلوم من التوسل بالخيانة لكي يحافظ على حقوقه أو يستردها - وهذا أمر طبيعي يساق إليه كل إنسان - كان العلويون كلما غصب السنيون أموالهم وحقوقهم يتوسلون بغدر السنيين عند سنوح الفرصة) (٣).
وقد سنحت الفرصة عندما جاء التتار إلى بغداد يقول صاحب تاريخ العلويين (جاء تيمور لنك بجيوش لا يعرف مقدراها واستولى على بغداد وحلب والشام في سنة ٨٢٢ - ٨٢٣هـ ويدعي أن تيمور لنك كان نصيريا محضا من جهة العقيدة إذ توجد له أشعار دينية موافقة لآداب الطريقة الجنبلانية (النصيرية) وأسباب دخوله في الطريقة هو ذهاب النصيري (السيد بركة) من خراسان إلى الأمير (تيمور) وهو في بلدة بلخ)
ثم يقول (وداوم تيمور لنك في الاستيلاء على البلاد وشيخه السيد بركة يبشره بدوام فتوحاته حتى جاء إلى بغداد وأخذها من يد السلطان واستولى على الموصل عام ٨٩٦هـ وبنى بها مراقد الأنبياء جرجيس ويونس ﵉ وجاء للرها واغتسل بمحل النبي إبراهيم. ثم جاء لماردين وأعطاها الأمان ثم استولى على ديار بكر وعنتاب التي التجأ أميرها إلى حلب) (٤).
стр. 4285
ثم يقول (وكان نائب حلب هو الأمير العلوي (النصيري) تمورطاش والذي اتصل بتيمورلنك خفية واتفق معه على أن يداهم تيمور لنك حلب فهاجمها بالفعل ودخلها عنوة فأمعن في القتل والنهب والتعذيب مدة طويلة حتى أنشأ من رؤوس البشر تله عظيمة وقد قتل جميع القواد المدافعين عن المدينة وانحصرت المصائب بالسنيين فقط!!
ثم يقول (ثم سافر تيمور لنك إلى الشام وقبل سفره جاءت إليه العلوية (النصيرية) درة الصدف بنت سعد الأنصار ومعها أربعون بنتا بكرا من العلويين وهن ينحن ويبكين ويطلبن الانتقام لأهل البيت وبناتهم اللاتي جيء بهن سبايا للشام.
وسعد الأنصار هذا من رجال الملك الظاهر وهو مدفون بحلب وله قبر فوقه قبة فوعدها تيمور بأخذ الثأر ومشت البنات العلويات مع تيمور وهن ينحن ويبكين وينشدن الأناشيد المتضمنة للتحريض على الأخذ بالثأر فكان ذلك سببا في نزول أفدح المصائب التي لم يسمع بمثلها بأهل الشام. ثم يقول (ولم ينج من بطش تيمور لنك بالشام إلا عائلة من المسيحيين وأمر تيمور لنك بقتل أهل السنة واستثناء العلويين (النصيريين) وبعد الشام ذهب تيمور لبغداد وقتل تسعين ألفا) (١).هذه بعض خيانتهم في مرحلة الغزو التتاري أما في الهجمة الصليبية على العالم الإسلامي فإن الصليبيين لم يدخلوا إلى بلاد المسلمين إلا عن طريقهم ومن مناطق سكناهم في الغالب في طرسوس وإنطاكية وغيرها من مناطق نفوذهم بل إن مدينة إنطاكية سقطت في يد الصليبين بفعل الاتفاق الذي وقع بين الزعيم النصيري فيروز وبين قائد الصليبيين بوهموند (٢).
ومن خيانات النصيريين في العصر الحديث:
إن خيانات النصيريين في العصر الحديث أكثر من أن تحصى فهم دائما يتقربون من الاستعمار ويعاونون معه في مقابل الحصول على بعض المكاسب فعلى سبيل المثال:
تعاون النصيريون مع الاحتلال الفرنسي أثناء انتدابه على سوريا وكانوا خير عون لهم على الدولة العثمانية دولة الخلافة يومئذ وفي مقابل هذا منح الفرنسيون النصيريون مجموعة العلويين.
وقد فاحت رائحة هذه الخيانة من خلال كلام النصيريين أنفسهم وهم يعترفون بالجميل لفرنسا وما كان جميلا بل ثمن خيانة. قال محمد أمين غالب النصيري: (إن الأتراك هم الذين حرموا هذه الطائفة من ذلك الاسم - العلويين وأطلقوا عليهم اسم النصيريين نسبة إلى الجبال التي يسكنونها نكاية بهم واحتقارا لهم إلا أن الفرنسيين أعادوا لهم هذا الاسم الذي حرموا منه أكثر من ٤١٢ سنة أثناء انتدابهم على سوريا إذ صدر أمر من القومسيرية العليا في بيروت بتاريخ ١/ ٩/ ١٩٢٠م بتسمية جبال النصيريين بأراضي العلويين المستقلة) (٣).
ومن أشهر رؤوس الخونة النصيريين في العصر الحديث رجل يقال له سلمان المرشد من قرية جوبة برغال شرقي مدينة اللاذقية بسوريا وكان الرجل قد ادعى الألوهية فآمن به وتبعه كثير من النصيريين.
стр. 4286
وقد مثل الدور تمثيلا جيدا فكان يلبس ثيابا فيها أزرار كهربية ويحمل في جيبه بطارية صغيرة متصلة بالأزرار فإذا أوصل التيار شعت الأنوار من الأزرار فيخر له أنصاره ساجدين. ومن الطريف أن المستشار الفرنسي الذي كان وراء هذا الألوهية المزيفة كان يسجد مع الساجدين ويخاطب سلمان المرشد بقوله يا إلهي (١).وقد استماله الفرنسيون واستخدموه وجعلوا للعلويين نظاما خاصا فقويت شوكته وتلقب برئيس الشعب العلوي الجبدري الغساني وعين قضاة وسن القوانين وفرض الضرائب على القرى التابعة له وشكل فرقا خاصة للدفاع سماهم الفدائيين وللتعاون الوثيق بينه وبين الاحتلال الفرنسي عندما جلا الفرنسيون عن سوريا تركوا لهذا النصيري وأتباعه من الأسلحة ما أغراهم بالعصيان فجردت الحكومة السورية آنذاك قوة فتكت ببعض أتباعه واعتقلته مع آخرين ثم أعدم شنقا في دمشق عام ١٩٤٦ (٢).
ومنهم النصيري الخبيث يوسف ياسين والذي سعى في محاربة الدولة العثمانية بخطبه وأشعاره بل وسلاحه.
قال الدكتور سليمان الحلبي: (لما احتل الإنكليز فلسطين عام ١٩١٨م تطوع يوسف ياسين بالفرقة التي شكلها الإنلكيز للعمل مع لورنس والملك عبدالله بالحجاز لمحاربة الأتراك.
وقد نشرت جريدة الكواكب الصادرة في ٣/ ٩/ ١٩١٨ بالقاهرة لمراسلها بالقدس واصفا لحفلة أقيمت في النادي العربي لحث الشباب على التطوع في ذلك الجيش فقال المراسل وقف الشاب يوسف ياسين وتكلم بصفته جنديا في الجيش العربي ثم أنشد قائلا:
سنأخذ هذا الحق بالسيف والقنا ... شيب شبان على ضمر بلق
وقد أخذ الإنجليز فلسطين فعلا ولكن بالخديعة لا بالسيف ولا بالقنا ولا بالمضر البلق ثم أعطوها لليهود وأقاموا فيها دولة) (٣).ناهيك عن خيانتهم للأمة الإسلامية بوقوفهم إلى جانب المارونيين النصارى في كثير من الأحداث سواء في سوريا أو لبنان. (٤).
وفي سجلات وزارة الخارجية الفرنسية رقم ٣٥٤٧ وتاريخها ١٥/ ٦/ ١٩٣٦وثيقة خطيرة تتضمن عريضة رفعها زعماء الطائفة النصيرية في سوريا إلى رئيس الوزراء الفرنسي يلتمسون فيها عدم جلاء فرنسا عن سوريا ويشيدون باليهود الذين جاءوا إلى فلسطين ويؤلبون فرنسا ضد المسلمين ووقع علي الوثيقة سليمان الأسد ومحمد سليمان الأحمد ومحمود أغا جديد وعزيز أغا هواش وسليمان المرشد ومحمد بك جنيد وفيما يلي نص الوثيقة نورده لأهميته:
دولة ليوم بلوم رئيس الحكومة الفرنسية: إن الشعب العلوي الذي حافظ على استقلاله سنة فسنة بكثير من الغيرة والتضحيات الكبيرة في النفوس هو شعب يختلف في معتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم (السني) ولم يحدث في يوم من الأيام أن خضع لسلطة من التدخل وإننا نلمس اليوم كيف أن مواطني دمشق يرغمون اليهود القاطنين بين ظهرانيهم على عدم إرسال المواد الغذائية لإخوانهم اليهود المنكوبين في فلسطين وإن هؤلاء اليهود الطيبين الذين جاءوا إلى العرب المسلمين بالحضارة والسلام ونثروا على أرض فلسطين الذهب والرخاء ولم يوقعوا الأذى بأحد ولم يأخذوا شيئا بالقوة ومع ذلك أعلن المسلمون (السنيون) ضدهم الحرب المقدسة بالرغم من وجود إنكلترا في فلسطين وفرنسا في سورية إنا نقدر نبل الشعور الذي يحملكم على الدفاع عن الشعب السوري ورغبته في تحقيق استقلاله ولكن سوريا لا تزال بعيدة عن الهدف الشريف خاضعة لروح الإقطاعية الدينية للمسلمين (السنة) وكل الشعب العلوي الذي مثله الموقعون على هذه المذكرة نستصرخ حكومة فرنسا ضمانا لحريته واستقلاله ويضع بين يديها مصيره ومستقبله وهو واثق أنه لا بد واجد لديهم سندا قويا لشعب علوي صديق قدم لفرنسا خدمات عظيمة (٥).
ولم تكن الشيعة النصيرية تكف عن التآمر ضد الدولة العثمانية في محاولة إزالتها فقد ساهم الزعيم النصيري (الشيخ صالح العلوي) في إسقاط الدولة العثمانية عندما قام بقطع الطريق الذي يصل طرطوس بحماه فكانت خسائر الأتراك كبيرة نتيجة قطع الطريق عليهم وقام بعقد اتفاقية مع كمال أتاتورك عام ١٩٢٠ وبعد ثورة مشبوهة ضد الفرنسيين استسلم صالح العلي فعفا عنه الفرنسيون على عكس ما كانوا يفعلونه مع المجاهدين المسلمين (٦).
وهكذا كان تاريخهم يشهد بخيانتهم وممالأتهم المستمرة لأعداء الإسلام في الظاهر والباطن
المصدر: خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية لمحمود محمد عبد الرحمن - ص١٣٢
стр. 4287
المبحث الثامن عشر: مقارنة بين عقائد الإسماعيليين والدروز والنصيرية
من خلال الاستعراض السابق الذي استكملنا فيه دراسة عقائد وأفكار الحركات الباطنية المتواجدة في العالم الإسلامي يمكننا أن نرى كثيرا من أوجه الشبه أو الاختلافات بين عقائد هذه الحركات.
إلا أنه في الوقت نفسه يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الحركة الإسماعيلية كانت المغذي الرئيسي لكثير من هذه الحركات, ولن نتعدى الصواب إذا قلنا: إن الأفكار الرئيسية الموجودة في عقائد الإسماعيلية لا تختلف إلا في بعض التفاصيل عن عقائد الفرق الأخرى.
فكافة هذه الفرق اتخذت من الفلسفات الوثنية من إغريقية وإسكندرانية أداة لها في إثبات صحة مزاعمها, وبالتالي في تشكيك الناس بدينهم وعقيدتهم.
وينبغي أن نلاحظ أن أتباع كل فرقة من هذه الفرق يعتبرون أنفسهم هم (الموحدون) أما غيرهم - على حسب زعمهم- فالمسافة شاسعة بينهم وبين التوحيد, لذلك فالدروز يطلقون على مذهبهم (مسلك التوحيد) باعتبار أنهم وحدهم سلكوا هذا المسلك؟!
ومن الأمثلة الواضحة على أن الإسماعيلية كانت الرائدة في فلسفة كافة الفرق, نظرية الفيض الأفلاطونية فقد كانت الإسماعيلية أول من حاول فرض هذه النظرية على العقائد الإسلامية, لذا أصبحت علما في هذا الاتجاه.
وإذا تتبعنا أوجه الاتفاق بين الفرق الباطنية, فإننا نرى أن نظرتهم للألوهية والتوحيد متشابهة رغم بعض الاختلافات في الأسماء والمسميات وذلك لانبثاقها عن نظرية الفيض فالإسماعيلية - حسب زعمها- ترى أن الخالق الحقيقي للكون هما (العقل الكلي والنفس الكلية) وأنهما من جملة الحدود في العالم العلوي وهذان الحدان يقابلهما - على حسب قاعدة المثل والمثول- في العالم السفلي حد النبي وحد الإمام أو الوصي, لذا فإن كل الألقاب التي تطلق على الله تطلق أيضا على الوصي والإمام بصفتهما ممثلا العقل الكلي. وهذه القاعدة تقول بها جميع الفرق الإسماعيلية الأخرى على اختلاف أسمائها.
ولكن الدروز رغم انشقاقهم عن الإسماعيلية, وأخذهم الكثير من عقائدها, إلا أنهم رفضوا نظرية المثل والمثول التي تقول بها الإسماعيلية وقرروا أن الحدود العلوية الموجودة في العالم العلوي هي ذاتها الموجودة في العالم السفلي ولا اختلاف بينها, وبما أن الدروز انشقوا عن الإسماعيلية لاظهارهم - الزعم - بألوهية الإمام الإسماعيلي (وهي العقيدة التي حاولت الإسماعيلية إخفاءها خوفا وتقية) فقد أعلنوا جوهر هذه العقيدة وهي: أن الله يتخذ على مر العصور والأزمان حجابا أو صورة ناسوتية يتجلى فيها لخلقه- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وأن الحجاب الأخير الذي ظهر فيه كان بصورة الحاكم بأمر الله العبيدي وبذلك أظهروا عقيدة كانت الإسماعيلية تخفيها ولا تعلنها.
وفي الوقت نفسه أخذوا عن الإسماعيلية نظرية العقول السبعة وطبقوها على ظهورات الله بالصورة الناسوتية, وزعموا أن عدد هذه الظهورات كانت سبعا آخرها الحاكم.
أما النصيرية, فتعتبر أن الذات الإلهية متشخصة بالمعنى وهو (علي ابن أبي طالب) - تعالى الله عن ذلك - ولكنها في الوقت نفسه لم تتجاهل نظرية الفيض التي قالت بها الإسماعيلية والدروز, فزعمت أن العقل الكلي هو (الميم) أي محمد ﷺ , وأن النفس الكلية هو (السين) أي سلمان الفارسي, وهو حسب زعمهم الذي خلق السماوات والأرض والأيتام الخمسة كذلك.
стр. 4288
وجميع الصفات الإلهية التي وصف الله بها نفسه في القرآن الكريم لا تعترف بها كافة الفرق الباطنية, فهم ينفون نفيا مطلقا هذه الصفات, إيجابية كانت أم سلبية, لأنه تعالى - على حسب زعمهم - فوق متناول العقل, والعقل عاجز عن إدراك كنهه, فإثبات هذه الصفات - حسب زعمهم- يعني عدم التوحيد, ولذلك فهم يزعمون أن هذه الصفات تليق فقط بحدوده وخاصة العقل والنفس, باعتبارهما من فيضه ومبدعاته.
وثمة وجه آخر من أوجه الشبه بين هذه الفرق, وهي عقيدة التناسخ ورغم أن الإسماعيلية لا تجاهر أو تصارح بالقول بها, إلا أن المتتبع لآراء الإسماعيلية يجزم أنها تؤمن بها شأنها شأن الفرق الأخرى, ولكن هناك بعض الاختلافات بين هذه الفرق.
فالإسماعيلية والنصيرية تؤمنان بوجود عالم روحاني تسكنه الملائكة, وعالم سفلي هو عالم الكون والفساد. وهم إضافة إلى ذلك يعتقدون بأن الأجساد مصدر الشقاء والآلام, وأن المؤمن حين موته تذهب نفسه إلى العالم العلوي, وأما الكافر فيتقلب في الأجساد البشرية وغير البشرية عقابا له على ما قدم وعلى هذا فالإسماعيلية والنصيرية تؤمنان بالمسخ, أي أن تأتي نفس الكافر عقابا لها - على حسب زعمهم - بقمصان رديئة كالحيوانات, أو أن تأتي بصورة جامدة من معدن أو حجر فتذوق بذلك عذاب جهنم؟!
وهذا الاعتقاد بالنسخ والمسخ, يخالف اعتقاد الدروز, الذين ينحصر التناسخ عندهم في الصور البشرية فقط ولا يكون في البهائم أو الجمادات, ولذلك فقد عبروا عن التناسخ بكلمة التقمص لأن في انتقال النفس إلى جسم حيوان ظلم لها, فالثواب والعقاب بني - حسب زعمهم - على قاعدة العدل الإلهي في محاسبة الأرواح بعد مرورها في القمصان البشرية.
وهناك عقيدة أخرى لا يختلفون فيها أبدا وهي عقيدة التقية, فالتستر والكتمان عند جميع هذه الفرق فرض لا يجوز التهاون فيه, لأن البوح بأسرار اعتقاداتها إلى غير أهلها تدنيس لها, لذا فقد طالبت الإسماعيلية والدرزية والنصيرية أتباعها بالاستتار وعدم التظاهر بما يبطنون, وهكذا فقد أصبحت هذه العقيدة عادة مستحكمة عند جميع أتباع هذه الفرق, لأنها تعني التظاهر بشيء والإيمان بشيء آخر, وبالتالي فقد جعلت هذه العقيدة من أتباعها بؤرة للنفاق والخداع يتصفوا به جميعهم, وهذا واضح في تاريخهم.
ويمكن أن يضاف إلى عقيدة التقية أمرا آخر مرتبط بها, وهو أن جميع هذه الحركات تطلب من المستجيبين لها عهودا وأيمانا غليظة يجب أن يؤديها حتى يوثق به ومع ذلك فإنهم لا يسلموه كل الأسرار دفعة واحدة, بل على التدرج وكما هو واضح عند الدروز والنصيرية.
وهناك أيضا عقائد متشابهة بين الدروز والنصيرية أهمها:"قضية العاقل والجاهل, فالعقال يسترون دينهم عن الجهال منهم, وإذا أراد أحد الجهال أن يدخل في أمور دينهم, فلا يسلمون الديانة له إلا بالتدريج بعد أن يتتلمذ على أحد مشايخ دينهم ويتخذه والدا دينيا, ويتفقون معهم أيضا بقدمية العالم, وأن العالم قد خلق على ما هو عليه الآن, وأن عدد البشر كان كما هو الآن لا يزيد ولا ينقص" (١).
وهم يتفقون كذلك بالإضافة إلى الإسماعيلية في تأويل آيات القرآن حسب معتقداتهم, وأن له ظاهرا وباطنا حتى يثبتوا صحة معتقداتهم المناقضة للقرآن الكريم.
ونستنتج مما سبق, أن نقطة الخلاف والالتقاء الرئيسية بين الإسماعيلية والدروز والنصيرية هي عقيدة الألوهية, فجميعهم يقرون بإمكانية تجسد الألوهية في صورة إنسان, ولكن الإسماعيلية تراها في الأئمة الإسماعيليين جميعا, بينما الدروز والنصيرية جعلتا لتجسد الألوهية ظهورا أخيرا, فكان عند الدروز بشخص الحاكم, وعند النصيرية بشخص علي بن أبي طالب - تعالى الله عن ذلك - أما بقية العقائد فقد يلتقون في شيء منها ويختلفون في شيء آخر, ولكنهم متفقون في جوهرها.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٤٣١
стр. 4289
المبحث التاسع عشر: حكم الإسلام في النصيرية
يمكننا بعد دراسة وتحليل العقائد التي مرت بنا والتي آمنت بها النصيرية أن نقول أن هذه الطائفة لا علاقة لها بالإسلام والمسلمين.
فهي تقول بالحلول بمعنى أن الله قد حل في علي بن أبي طالب وفي أشخاص آخرين.
وتقول أيضا أن للشريعة ظاهرا وباطنا وأن المراد باطنها دون ظاهرها, وترتب على هذا الاعتقاد تركهم جميع الفرائض الإسلامية وتأويلها وظهوره أيضا على سلوكهم وأعمالهم فهم يظهرون خلاف ما يبطنون ويقولون ما لا يعتقدون.
وهم بالإضافة إلى ذلك قد اعتقدوا بالتناسخ وكفروا بالبعث والحساب فهدموا بذلك ركنا هاما من أركان الإيمان وأباحوا المحرمات بشرب الخمر والزنا.
وهذا كله, بل واحد منه مخالف للإسلام وخروج عنه بل هو كفر به واستهانة بما فرض.
وكل من له بصيرة يعلم أن الإسلام ما جاء إلا لمحو هذه الاعتقادات الضالة الكافرة. فالتوحيد وترك عبادة الأوثان والأشخاص هو أول اعتقاد في هذا الدين أما اليوم الآخر فهو الركن المهم لعقيدة التوحيد, لأن الإيمان بالله يتبعه الإيمان باليوم الآخر, وقول النصيرية بالتناسخ هدم لهذا الركن الهام من أركان الإيمان.
أما قولهم بأن للشريعة ظاهرا وباطنا وتأويل الفرائض الإسلامية على هذا الأساس, فهو هدف الباطنية والغلاة عموما ابتداء من الإسماعيلية ومروراً بالدروز وانتهاء بالنصيرية, لمسخ الشريعة وهدم الدين وصدق الله العظيم في فضح أمثال هؤلاء فيقول عز من قائل هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار [آل عمران: ٧ - ١٠].
بهذا يتبين أن لا علاقة للإسلام بالنصيرية, فالإسلام شيء والنصيرية شيء آخر, وعلى هذا الأساس عاملهم جميع أمراء المسلمين ابتداء من صلاح الدين وانتهاء بالسلطان العثماني عبد الحميد, فقد حاولوا الكثير معهم في الرجوع إلى أصول الإسلام, ولكنهم لا يلبثون أن يرجعوا في كل مرة إلى ضلالاتهم وكفرهم.
ومع ذلك يحاول الكثير منهم في الوقت الحاضر أن يبرهن أمام الرأي العام أنهم مسلمون موحدون فظهرت كتب وبيانات تقول بذلك, ولكن كل ذلك لا يجدي شيئا أمام الحقائق والأعمال التي يقومون بها والتي تدحض كل هذه الادعاءات الباطنية المزيفة.
ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀, كان من أوائل الذين عرفوا حقيقة هذه الطائفة, فحاربها قولا وعملا, كما حارب بقية الطوائف الباطنية فنجده في رده على سؤال حول حكم هذه الطائفة يفند كل ضلالاتهم, ويرد عليهم بجرأة العالم الواعي لحقائق الأمور, والواقع أن فتوى ابن تيمية فيهم تعتبر جزءاً هاما من الحقائق التاريخية الدامغة للنصيرية, علاوة على قيمتها في إظهار عقائدها الباطنية.
المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب - ص ٤١٧
فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في النصيرية
سئل - رحمه الله تعالى -:
стр. 4290
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين وأعانهم على إظهار الحق المبين وإخماد شعب المبطلين: في " النصيرية " القائلين باستحلال الخمر وتناسخ الأرواح وقدم العالم وإنكار البعث والنشور والجنة والنار في غير الحياة الدنيا وبأن " الصلوات الخمس " عبارة عن خمسة أسماء وهي: علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة. فذكر هذه الأسماء الخمسة على رأيهم يجزئهم عن الغسل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها. وبأن " الصيام " عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم في كتبهم ويضيق هذا الموضع عن إبرازهم؛ وبأن إلههم الذي خلق السموات والأرض هو علي بن أبي طالب ﵁ فهو عندهم الإله في السماء والإمام في الأرض فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أن يؤنس خلقه وعبيده؛ ليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه. وبأن النصيري عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم: حتى يخاطبه معلمه. وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلفوه على كتمان دينه ومعرفة مشايخه وأكابر أهل مذهبه؛ وعلى ألا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربه وإمامه بظهوره في أنواره وأدواره فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كل حين وزمان. فالاسم عندهم في أول الناس آدم والمعنى هو شيث والاسم يعقوب والمعنى هو يوسف. ويستدلون على هذه الصورة كما يزعمون بما في القرآن العظيم حكاية عن يعقوب ويوسف - عليهما الصلاة والسلام - فيقولون: أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن يتعدى منزلته فقال: قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف:٩٨] وأما يوسف فكان المعنى المطلوب فقال: قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف:٩٢] فلم يعلق الأمر بغيره؛ لأنه علم أنه الإله المتصرف ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون: يوشع ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره؛ وهل ترد الشمس إلا لربها ويجعلون سليمان هو الاسم وآصف هو المعنى القادر المقتدر. ويقولون: سليمان عجز عن إحضار عرش بلقيس وقدر عليه آصف لأن سليمان كان الصورة وآصف كان المعنى القادر المقتدر وقد قال قائلهم: هابيل شيث يوسف يوشع آصف شمعون الصفا حيدر ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله ﷺ فيقولون: محمد هو الاسم وعلي هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب في كل زمان إلى وقتنا هذا. فمن حقيقة الخطاب في الدين عندهم أن عليا هو الرب وأن محمدا هو الحجاب وأن سلمان هو الباب وأنشد بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه في شهور سنة سبعمائة فقال:
أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين
стр. 4291
ويقولون إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال وكذلك الخمسة الأيتام والاثنا عشر نقيبا وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة من كتبهم الخبيثة وأنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب في كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار ويقولون: إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب ﵁ ويليه في رتبة الإبليسية أبو بكر ﵁ ثم عثمان ﵃ أجمعين وشرفهم وأعلى رتبهم عن أقوال الملحدين وانتحال أنواع الضالين والمفسدين - فلا يزالون موجودين في كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب. ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة. وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام وهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كل من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم ومن عامة الناس أيضا في هذا الزمان؛ لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الإفرنج المخذولين على البلاد الساحلية؛ فلما جاءت أيام الإسلام انكشف حالهم وظهر ضلالهم. والابتلاء بهم كثير جدا. فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوج منهم؟ وهل يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا؟ وما حكم الجبن المعمول من إنفحة ذبيحتهم؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟ وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم؟ أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من رجال المسلمين الكفاة وهل يأثم إذا أخر طردهم؟ أم يجوز له التمهل مع أن في عزمه ذلك؟ وإذا استخدمهم وأقطعهم أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى؛ فأخره ولي الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين أو أرصده لذلك هل يجوز له فعل هذه الصور؟ أم يجب عليه؟ وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة وأموالهم حلال أم لا؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر أيده الله تعالى بإخماد باطلهم وقطعهم من حصون المسلمين وحذر أهل الإسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم وألزمهم بالصوم والصلاة ومنعهم من إظهار دينهم الباطل وهم الذين يلونه من الكفار: هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدي والترصد لقتال التتار في بلادهم وهدم بلاد سيس وديار الإفرنج على أهلها؟ أم هذا أفضل من كونه يجاهد النصيرية المذكورين مرابطا؟ ويكون أجر من رابط في الثغور على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكبر أجرا؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى أن يهدي بعضهم إلى الإسلام وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم أم يجوز التغافل عنهم والإهمال؟ وما قدر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه والمرابط له والملازم عليه؟ ولتبسطوا القول في ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى إنه على كل شيء قدير؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 4292
فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية: الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى؛ بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد ﷺ ولا بملة من الملل السالفة بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها؛ يدعون أنها علم الباطن؛ من جنس ما ذكره السائل ومن غير هذا الجنس؛ فإنه ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل ومن جنس قولهم: إن " الصلوات الخمس " معرفة أسرارهم و " الصيام المفروض " كتمان أسرارهم " وحج البيت العتيق " زيارة شيوخهم وأن (يدا أبي لهب) هما أبو بكر وعمر وأن (النبأ العظيم والإمام المبين) هو علي بن أبي طالب؛ ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين؛ كما قتلوا مرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم وهتك أستارهم؛ وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام. وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء في وصفهم. ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم وهم دائما مع كل عدو للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين. ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار. ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين " عثمان بن عفان " ﵁ فتحها " معاوية بن أبي سفيان " إلى أثناء المائة الرابعة. فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا حينئذ بالسواحل وغيرها فاستولى النصارى على الساحل؛ ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره؛ فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك؛ ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى كنور الدين الشهيد وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم وفتحوا أيضا أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي سنة واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية. ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن منجم هولاكو الذي كان وزيرهم وهو " النصير الطوسي " كان وزيرا لهم بالألموت وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء.
стр. 4293
ولهم " ألقاب " معروفة عند المسلمين تارة يسمون " الملاحدة " وتارة يسمون " القرامطة " وتارة يسمون " الباطنية " وتارة يسمون " الإسماعيلية " وتارة يسمون " النصيرية " وتارة يسمون " الخرمية " وتارة يسمون " المحمرة " وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين ولبعضهم اسم يخصه إما لنسب وإما لمذهب وإما لبلد وإما لغير ذلك. وشرح مقاصدهم يطول وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين؛ لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا بشيء من كتب الله المنزلة؛ لا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن. ولا يقرون بأن للعالم خالقا خلقه؛ ولا بأن له دينا أمر به ولا أن له دارا يجزي الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين أو الإلهيين وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النور ويضمون إلى ذلك الرفض. ويحتجون لذلك من كلام النبوات: إما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون عن النبي ﷺ أنه قال: ((أول ما خلق الله العقل)) والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث؛ ولفظه ((إن الله لما خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل. فقال له: أدبر فأدبر)) (١) فيحرفون لفظه فيقولون ((أول ما خلق الله العقل)) ليوافقوا قول المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل. وإما بلفظ ثابت عن النبي ﷺ فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب " رسائل إخوان الصفا " ونحوهم فإنهم من أئمتهم. وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين وراج عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين؛ وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم؛ فإن هؤلاء لهم في إظهار دعوتهم الملعونة التي يسمونها " الدعوة الهادية " درجات متعددة ويسمون النهاية " البلاغ الأكبر والناموس الأعظم " ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى؛ والاستهزاء به وبمن يقر به حتى قد يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رجله وفيه أيضا جحد شرائعه ودينه وما جاء به الأنبياء ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن في طلبها ومنهم من أساء في طلبها حتى قتل ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول ويجعلون المسيح من القسم الثاني. وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج ومن تحليل نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش: ما يطول وصفه. ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا. وهم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم.
стр. 4294
وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم؛ ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم ولا يتزوج منهم امرأة ولا تباح ذبائحهم. وأما " الجبن المعمول بإنفحتهم " ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر إنفحة الميتة وكإنفحة ذبيحة المجوس؛ وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون الذبائح. فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن؛ لأن إنفحة الميتة طاهرة على هذا القول؛ لأن الإنفحة لا تموت بموت البهيمة وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا ينجس. ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أن هذا الجبن نجس لأن الإنفحة عند هؤلاء نجسة؛ لأن لبن الميتة وإنفحتها عندهم نجس. ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس. وأصحاب القول الثاني نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى. فهذه مسألة اجتهاد؛ للمقلد أن يقلد من يفتي بأحد القولين. وأما " أوانيهم وملابسهم " فكأواني المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة. والصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها؛ فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن يصيب أوانيهم المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فتنجس بذلك فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها وقد توضأ عمر بن الخطاب ﵁ من جرة نصرانية. فما شك في نجاسته لم يحكم بنجاسته بالشك. ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم؛ فإن الله نهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين: كعبد الله ابن أبي ونحوه؛ وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام والجهاد مع المسلمين؛ ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام؛ لكن يسرون ذلك فقال الله: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:٨٤] فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد.
стр. 4295
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم؛ فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذي يكون في العسكر؛ فإن المخامر قد يكون له غرض: إما مع أمير العسكر وإما مع العدو. وهؤلاء مع الملة ونبيها ودينها وملوكها؛ وعلمائها وعامتها وخاصتها وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته. والواجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر؛ فإن ضررهم في الثغر أشد وأن يستخدم بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من يغشه وإن كان مسلما فكيف بمن يغش المسلمين كلهم ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك. وأما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على ذلك. فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى وإن كان فاسدا وجبت أجرة المثل وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجارة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة؛ لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون إلا قيمة عملهم. فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شيء لهم؛ لكن دماؤهم وأموالهم مباحة. وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء؛ فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم. ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم؛ فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال؛ لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف. فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح ولا أن يكونوا من المقاتلة ويلزمون شرائع الإسلام: من الصلوات الخمس وقراءة القرآن. ويترك بينهم من يعلمهم دين الإسلام ويحال بينهم وبين معلمهم. فإن أبا بكر الصديق ﵁ وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاءوا إليه قال لهم الصديق: اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية. قالوا: يا خليفة رسول الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية؟ قال: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ونقسم ما أصبنا من أموالكم وتردون ما أصبتم من أموالنا وتنزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب الخيل وتتركون تتبعون أذناب الإبل حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا بعد ردتكم. فوافقه الصحابة في ذلك؛ إلا في تضمين قتلى المسلمين فإن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله. يعني هم شهداء فلا دية لهم فاتفقوا على قول عمر في ذلك. وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء والذي تنازعوا فيه تنازع فيه العلماء. فمذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن؛ كما اتفقوا عليه آخرا وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى هو القول الأول. فهذا الذي فعله الصحابة بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه فيمنع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدرع التي تلبسها المقاتلة ولا يترك في الجند من يكون يهوديا ولا نصرانيا.
стр. 4296
ويلزمون شرائع الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم وسير إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور. فإما أن يهديه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين. ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين والصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه. وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين. وحفظ رأس المال مقدم على الربح. وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك؛ بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب. ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم؛ بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به ورسوله. ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله؛ فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالى؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:٧٣] وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين. والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم؛ كما قال الله تعالى كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [عمران:١١٠] قال أبو هريرة كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل حتى تدخلوهم الإسلام. فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان فمن هداه الله سعد في الدنيا والآخرة ومن لم يهتد كف الله ضرره عن غيره. ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر: هو أفضل الأعمال كما قال ﷺ ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى)) (١) وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله)) (٢) وقال ﷺ ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه)) (٣) ومن مات مرابطا مات مجاهدا وجرى عليه عمله وأجري عليه رزقه من الجنة وأمن الفتنة. والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:١٩ - ٢٢]. والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وسئل - رحمه الله تعالى -:
عن " الدرزية " و " النصيرية ": ما حكمهم؟
فأجاب:
هؤلاء " الدرزية " و " النصيرية " كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم؛ بل ولا يقرون بالجزية؛ فإنهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين؛ ولا يهود ولا نصارى لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا وجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج؛ ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما. وإن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين. فأما " النصيرية " فهم أتباع أبي شعيب محمد بن نصير وكان من الغلاة الذين يقولون: إن عليا إله وهم ينشدون:
أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا سلمان ذو القوة المتين
المصدر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - ٣٥/ ١٤٥
стр. 4297
مراجع للتوسع
ـ الجذور التاريخية للنصيرية العلوية، الحسيني عبد الله ـ دار الاعتصام ـ القاهرة ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م. ـ الملل والنحل، أبو الفتح الشهرستاني. ـ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد ـ دار الكتب العربية ـ القاهرة. ـ رسائل ابن تيمية، رسالة في الرد على النصيرية. ـ الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية، سليمان أفندي الأذني. بيروت، ١٨٦٤م. ـ تاريخ العلويين، محمد أمين غالب الطويل ـ طبع في اللاذقية عاصمة دولة العلويين عام ١٩٢٤م. ـ خطط الشام، محمد كرد علي ـ ط دمشق ١٩٢٥م ـ ج ٣/ ٢٦٥ ـ ٢٦٨ ج ٦/ ١٠٧ ـ ١٠٩. ـ دائرة المعارف الإسلامية، مادة نصيري. ـ إسلام بلا مذاهب، د. مصطفى الشكعة ـ ط دار القلم ـ القاهرة ـ ١٩٦١م. ـ تاريخ العقيدة النصيرية، المستشرق رينيه دوسو ـ نشرته مكتبة أميل ليون وبداخله كتاب المجموعة بنصه العربي. ـ الأعلام للزركلي، ٢/ ٢٥٤ بيروت ـ ١٩٥٦م. ـ تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، ٣/ ٣٥٧ ـ ط دار المعارف ـ ١٩٦٢م. ـ الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، د. أحمد محمد الخطيب، مكتب الأقصى، عمان. ـ دراسات في الفرق، د. صابر طعيمة ـ مكتبة المعارف ـ الرياض ١٤٠١هـ / ١٩٨١م. - L. Massignon Minora, Beyrouth ١٩٦٣.
المصدر: الموسوعة الميسرة
стр. 4298
المبحث الأول: التعريف بهم
قبل ذكر هذه الطائفة وبيان عقائدهم نذكر تعريفاً موجزاً بهم فيما يلي:
التعريف بهم في اللغة
تطلق كلمة الدروز على معان عديدة في اللغة، منها: أنها تطلق على الأولاد غير الشرعيين الذين لا يعرف لهم آباء، وتطلق كذلك على السفلة والسقاط من الناس فيقال لهم أولاد درزة.
قال الأزهري نقلاً عن ابن الأعرابي: (والعرب تقول للدّعي: هو ابن درزة وابن ترني، وذلك إذا كان ابن أمة تساعي فجاءت به من المساعاة ولا يعرف له أب).قال: (ويقال: هؤلاء أولاد درزة، وأولاد فرتني للسفلة والسقاط ٠قاله المبرد) (١).وتطلق هذه اللفظة أيضاً على القمل والصئبان، فيقال: بنات الدروز؛ كما يذكر الفيروزآبادي (٢).
وتدل هذه المعاني على الرداءة والانحطاط، ومن هنا نجد أن الدروز لا يحبون أن تطلق عليهم هذه التسمية لأسباب سنذكرها، وربما يكون منها سوء مفهوم هذه التسمية عند الناس، مضافاً إليها وجود الأسباب الأخرى.
التعريف بهم في اصطلاح علماء الفرقيطلق علماء الفرق تسمية الدروز على طائفة ذات أفكار وآراء اعتقادية، هم من غلاة الباطنية يعتقدون ألوهية الحاكم بأمره، انشقوا عن الإسماعيلية في الظاهر وإن كانوا متفقين معهم في جوهر عقائدهم، ونسبوا إلى أحد دعاة الضلال المجوس نشتكين الدرزي، وإن كانوا لا يحبون هذه النسبة كما سيأتي بيانه (٣).
بيان أصل الدروز
اختلف الناس في أصل الدروز على أقوال كثيرة نوجزها فيما يلي: أنهم سلالة قبائل عربية، وهو ما يزعمونه لأنفسهم، وقد أكده الأستاذ محمد حمزة، وأنهم من لخم وتنوخ (٤).
أنهم من سلالة السامريين القدماء.
أنهم من بقايا الحيثيين القدماء.
أنهم مزيج من عناصر مختلفة من عرب وفرس وهنود.
أنهم سلالة الجنود الفرنسيين الصليبيين.
أنهم من أصل إنجليزي. وتبدو تلك الأقوال كلها –غير القول الأول- بعيدة، وتهدف كذلك إلى أغراض سياسية فيما يرى محمد كامل حسين (٥).
والواقع أن هذا الاختلاف فيهم يضفي عليهم ظلالاً من الشكوك والارتياب في أصلهم.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٥٩٣
стр. 4299
المبحث الثاني: الحاكم بأمر الله وعلاقته بعقيدة الدروز
لابد لمن يتصدى للتعريف بالمذهب الدرزي، من أن يلقي الضوء على شخصية ذلك الرجل الذي يدعي أتباعه الدروز، أن اللاهوت ظهر في صورته الناسوتية.
هذا الرجل هو أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي، والذي لقب بـ (الحاكم بأمر الله).
ولد الحاكم بأمر الله سنة ٣٧٥ هـ الموافق لعام ٩٨٥ م، وقد تولى الملك بعد موت أبيه مباشرة في رمضان سنة ٣٨٦ هـ، وكان سادس الملوك العبيديين. ولكي تتمكن من أخذ فكرة واضحة قدر الإِمكان عن حياة هذا الحاكم الغامض، قسمنا حياته إلى ثلاثة أقسام أو أدوار (١)، متمايزة عن بعضها تمام التمايز. فالدور الأول: وهو دور حداثته، يبدأ من توليه الملك في الحادية عشرة من عمره، وينتهي بمقتل (برجوان) (٢) في سنة ٣٩٠ هـ الموافق لعام (١٠٠٠ م).
ويبدأ الدر الثاني: من تاريخ هذا الحادث حتى سنة ٤٠٨ هـ الموافق لعام (١٠١٧ م)، وهي السنة التي ادعى فيها الألوهية على يد حمزة بن علي.
أما الدور الثالث: فيبدأ من سنة ٤٠٨ هـ، حتى اختفائه ومقتله سنة ٤١١ هـ الموافق لعام (١٠٢١).
الدور الأول من سنة ٣٨٦ – ٣٩٠ هـ (٩٩٦ – ١٠٠٠ م): (ولي الحاكم بأمر الله الخلافة حدثا دون الثانية عشرة، في نفس اليوم الذي مات فيه والده (العزيز)، وكانت أمه أم ولد (٣)، وقد كانت حسبما تقول الرواية النصرانية المعاصرة، جارية رومية نصرانية من طائفة الملكية، وكان لها أيام العزيز نفوذ عظيم في الدولة، وكان لهذا النفوذ أثره بلا ريب في سياسة التسامح (٤) الواضح التي اتبعها العزيز نحو النصارى، وفي تقوية جانبهم ونفوذهم، وتمكنهم من مناصب النفوذ والثقة) (٥)
وأوصى العزيز قبل موته بولده ثلاثة من أكابر رجال الدولة وهم: (برجوان الصقلبي خادمه وكبير خزائنه، والحسن بن عمار زعيم كتامة، أقوى القبائل المغربية، وعماد الدولة الفاطمية منذ نشأتها، ومحمد بن النعمان قاضى القضاة، وكانت الوصاية الفعلية إلى الأول والثاني، ولم يلبث أن نشب الخلاف بين الرجلين واشتدت المنافسة بينهما.
وقام ابن عمار بتدبير الشؤون بادئ ذي بدء، ولقب في سجل تعيينه بأمين الدولة، وظهر ابن عمار بمظهر الطاغية المطلق، فكان يدخل القصر ويغادره راكبًا، وألزم جميع الناس بالترجل له، وأغلق بابه إلا على الخاصة والأكابر من شيعته. وأخيرًا وقع الانفجار، ووثبت جماعة كبيرة من الزعماء والجند بتحريض برجوان وتدبيره، وهاجمت الكتاميين في ظاهر القاهرة وأثخنت فيهم، فتوارى ابن عمار حينًا، واضطر أن يترك الميدان حرًا لمنافسه، عندئذ قبض برجوان على زمام الأمور) (٦). (وأوصبح لبرجوان مطلق السلطان، وركبه الزهو والغرور، وانغمس في الملذات ينعم بثروته الطائلة) (٧).
стр. 4300
فماذا كان موقف الحاكم خلال هذه الفترة الأولى من ملكه؟ (ولقد كان برجوان بلا ريب يحجبه ما استطاع عن الاتصال برجال الدولة وشؤونها، ويدفعه ما استطاع إلى اللهو واللعب، ولم يلبث أن فطن الحاكم إلى موقف برجوان واستئثاره بالسلطة، واستبداده بالشؤون، وكان الحاكم قد أشرف – في ذلك الوقت – على الخامسة عشر من عمره، وأصبح الطفل فتى يافعًا شديد اليقظة والطموح، وبدأ يثور لسلطته المسلوبة، ولذلك فقد حكم على برجوان بالموت، فاستدعى الحاكم الحسين بن جوهر، وعهد إليه بتلك المهمة. ومنذ ذلك الحين تناول الحاكم إدارة الدولة بيديه، ونظم له مجلسًا ليليًا يحضره أكابر رجال الدولة، وتبحث فيه الشؤون العامة) (١).
الدور الثاني من سنة ٣٩٠ – ٤٠٨ هـ (١٠٠٠ – ١٠١٧ م): افتتح الحاكم عهده الجديد كما ذكرنا بقتل برجوان وصيه ومدبر دولته، (غير أن الحاكم ما لبث أن اتبع ضربته بضربة دموية أخرى هي مقتل الحسن بن عمار زعيم كتامة – وأحد الأوصياء عليه – وفي سنة ٣٩٣ هـ قتل الحاكم وزيره فهد بن إبراهيم النصراني، بعد أن قضى في منصبه زهاء ستة أعوام، وأقام الحاكم مكانه علي بن عمر العداس (٢)، ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى سخط عليه وقتله، وقتل معه الخادم ريدان الصقلي حامل المظلة. ثم قتل عددًا كبيرًا من الغلمان والخاصة سنة ٣٩٤ هـ، ثم تبع بذلك بمقتلة أخرى كان من ضحاياها الحسين بن النعمان الذي شغل منصب القضاء منذ سنة ٣٨٩ هـ، فقتل وأحرقت جثته، وزهق فيها عدد كبير من الخاصة والعامة، فقتلوا أو أحرقوا) (٣).
ولكي نعطي صورة واضحة عن هذه الشخصية الغامضة، نستعرض فيما يلي أقوال بعض المؤرخين ممن كانوا معاصرين لعهد الحاكم، أو كانوا قريبين من عهده:
ونبدأ بابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة) الذي ينقل عن أبي المظفر بن قرأوغلي في تاريخه (مرآة الزمان) ما يلي عن الحاكم:
(وقد كانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء.
стр. 4301
وكان الغالب عليه السخاء، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط، وأقام يلبس الصوف سبع سنين، وامتنع عن دخول الحمام، وأقام سنين يجلس في الشمع ليلاً ونهارًا، ثم عنَّ له أن يجلس في الظلمة فجلس فيها مدة، وقتل من العلماء والكتاب والأماثل ما لا يحصى، وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ في سنة خمس وتسعين وثلثمائة، ثم محاه في سنة سبع وتسعين. وأمر بقتل الكلاب، وبيع الفقاع (١) ثم نهى عنه، ورفع المكوس (٢) عن البلاد وعما يباع فيها، ونهى عن النجوم وكان ينظر فيها. ونفى المنجمين، وكان يرصدها ويخدم زحل وطالعه المريخ، ولهذا كان يسفك الدماء (٣).وبنى جامع القاهرة، وجامع راشدة على النيل بمصر، ومساجد كثيرة، ونقل إليها المصاحف المفضضة، والستور الحرير، وقناديل الذهب والفضة، ومنع من صلاة التراويح عشر سنين، ثم أباحها. وقطع الكروم ومنع من بيع العنب، ولم يبق في ولايته كرمًا، وأراق خمسة آلاف جرة عسل في البحر، خوفًا من أن تعمل نبيذًا، ومنع النساء من الخروج من بيوتهن ليلاً ونهارًا) (٤).ويروي ابن خلطان عن الحافظ أبي الطاهر السِلَفي (٥):
стр. 4302
(أن الحاكم كان جالسًا في مجلسه العام وهو حفل بأعيان دولته، فقرأ بعض الحاضرين قوله تعالى فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، والقارئ في أثناء ذلك يشير إلى الحاكم، فلما فرغ من القراءة، قرأ شخص آخر يعرف بابن المشجر، وكان رجلاً صالحًا يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:١٦ - ٧٣].فلما أنهى قراءته تغير وجه الحاكم، ثم أمر لابن المشجر المذكور بمائة دينار، ولم يطلق للآخر شيئاً، ثم إن بعض أصحاب ابن المشجر قال له: أنت تعرف الحاكم وكثرة استحالاته، وما نأمن أن يحقد عليك، وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعد هذا فتتأذى معه، ومن المصلحة عندي أن تغيب عنه. فتجهز ابن المشجر للحج، وركب في البحر فغرق، فرآه صاحبه في النوم، فسأله عن حاله، فقال: ما أقصر الربان معنا، أرسى بنا على باب الجنة، رحمه الله تعالى، وذلك ببركة جميل نيته وحسن قصده) (١).ويقول السيوطي: (إن الحاكم أمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، فكان يفعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين. وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خروا سجدًا، حتى أنه يسجد بسجودهم في الأسواق وغيرهم، وكان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، كثير التلون في أقواله وأفعاله) (٢).ومن أفعاله (أنه كان يعمل الحسبة بنفسه، فكان يدور بنفسه في الأسواق على حمار له – وكان لا يركب إلا حمارًا -، فمن وجده قد غش في معيشة، أمر عبدًا أسود معه يقال له مسعود، أن يفعل به الفاحشة العظمى) (٣).وقد بنى بين الفسطاط والقاهرة مسجدًا عظيمًا على ثلاثة مشاهد (٤) كانت هناك، وجعل فيه سدنة وخدمًا يوقدون فيه السرج الليل كله، وكان يريد أن ينقل إليه جسد النبي ﷺ ، غير أن الله سبحانه دفع، وأظهر الله أهل المدينة على ذلك) (٥).
стр. 4303
وكان يحتال بكل حيلة لإِقناع الناس بقدرته وعلمه، (ومن ذلك أنه أرسل مرة وراء بعض الأشقياء، وعلمهم أن يسرقوا من مخازن مصر في أحد الليالي أشياء معلومة فأطاعوا أمره، وكان قبل ذلك قد أمر الناس بترك بيوتهم ودكاكينهم مفتوحة طوال الليل بدعوى أن السرقة لا تجوز في أيامه، وتعهد لكل من يسرق له شيء برده ومعرفة السارق. فلما دار الذين استأجرهم للسرقة، وأخذوا ما أخذوه، تقدم إليه أصحاب الحاجيات يشكون إليه الأمر فقال: اذهبوا إلى أبى الهول الذي صنعته يخبركم بما تريدون، وكان قد صنع تمثالاً من النحاس على صورة أبي الهول، ووضع من داخله رجلاً يعرف أسماء السارقين، والذين سرقت الأشياء من دكاكينهم، فإذا جاء الرجل منهم وقص حكايته، أجابه الرجل من داخل الصنم أن اذهب إلى بيت فلان تجد حاجتك، وصحت أقاويله، فهال الناس الأمر واعتقدوا في الخليفة أشكالاً وألوانًا) (١).وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن كتاب (أخبار الدول المنقطعة) عن الحاكم وعن خطته الدموية ما يأتي: (وكان مؤاخذًا بيسير الذنب، حادًا لا يملك نفسه عند الغضب، فأفنى أمما وأباد أجيالاً، وأقام هيبة عظيمة وناموسًا، وكان يفعل عند قتله الشخص أفعالاً متناقضة وأعمالاً متباينة. وكان يقتل خاصته وأقرب الناس إليه، فربما أمر بإحراق بعضهم، وربما أمر بحمل بعضهم وتكفينه ودفنه وبنى تربة عليه، وألزم كافة الخواص ملازمة قبره والمبيت عنده، وأشياء من هذا الجنس يموه بها على عقول أصحابه السخيفة، فيعتقدون أن له في ذلك أغراضًا صحيحة استأثر بعلمها وتفرد عنهم بمعرفتها) (٢).ومن حوادث القتل والسفك التي اقترفها الحاكم: (أنه في سنة ٣٩٩ هـ قبض على جماعة كبيرة من الغلمان، والكتاب، والخدم الصقالبة بالقصر، وقطعت أيديهم من وسط الذراع ثم قتلوا. وقتل الفضل بن صالح (٣) من أعظم قواد الجيش، وفي العام التالي وقعت مقتلة أخرى بين الغلمان والخدم، وقتل جماعة من العلماء السنية. وقبض على صالح بن علي الروذباري لأسابيع قليلة من عزله وقتل، وعين مكانه ابن عبدون النصراني، ثم صرف وقتل لأشهر قلائل، وخلفه أحمد بن محمد القشوري في الوساطة والسفارة، ثم صرف لأيام قلائل من تعيينه وضربت عنقه لأنه كان يميل إلى الحسين بن جوهر (٤) ويعظمه. وللحاكم قصة دموية مروعة مع خادمه (غين) وكاتبه (أبي القاسم الجرجرائي) (٥)، وكان غين من الخدم الصقالبة الذين يؤثرهم الحاكم بعطفه وثقته، فعينه في سنة ٤٠٢ هـ للشرطة والحسبة ولقبه بقائد القواد، وعهد إليه بتنفيذ المراسيم الدينية والاجتماعية، وعهد بالكتابة إلى أبي القاسم الجرجرائي، وكان الحاكم قد سخط على غين قبل ذلك ببضعة أعوام وأمر بقطع يده، فصار أقطع اليد، ثم سخط عليه كرة أخرى وأمر بقطع يده الثانية، فقطعت وحملت إلى الحاكم في طبق، فبعث إليه الأطباء للعناية به ووصله بمال وتحف كثيرة، ولكن لم تمض أيام قلائل على ذلك حتى أمر بقطع لسانه، فقطع وحمل إلى الحاكم أيضًا، ومات غين من جراحه.
стр. 4304
وأما أبو القاسم الجرجرائي فقد أمر الحاكم بقطع يديه لوشاية صدرت في حقه، ولكنه أبقى على حياته، وعاش أقطع اليدين، وفي سنة ٤٠٥ قتل الحاكم قاضى القضاة مالك بن سعيد الفارقي (١)، وقتل الوزير الحسين بن طاهر الوزان (٢)، وعبد الرحيم بن أبي السيد الكاتب، وأخاه الحسين متولي الوساطة والسفارة، وقلد الوساطة فضل بن جعفر بن الفرات، ثم قتله لأيام قلائل من تعيينه. وهكذا استمر الحاكم في الفتك بالزعماء ورجال الدولة والكتاب والعلماء حتى أباد معظمهم، هذا عدا من قتل من الكافة خلال هذه الأعوام الرهيبة، وهم ألوف عديدة. وتقدر الرواية المعاصرة ضحايا الحاكم بثمانية عشر ألف شخص من مختلف الطبقات) (٣).
وكان أشد الناس تعرضًا لهذه النزعات الدموية، أقرب الناس إلى الحاكم من الوزراء والكتاب والغلمان والخاصة، ولم يكن عامة الناس أيضًا بمنجاة منها، فكثيرًا ما عرضوا للقتل الذريع لأقل الريب والذنوب أو لاتهامهم بمخالفة المراسيم والأحكام الشاذة التي توالى صدورها طوال حكمه، وكان رجال الدولة ورجال القصر وسائر العمال والمتصرفين يرتجفون رعبًا وروعًا أمام هذه المذابح الدموية، وكان التجار وذوو المصالح والمعاملات يشاطرونهم ذلك الروع. ويروي لنا المُسبِّحي (٤) صديق الحاكم ومؤرخه فيما بعد، أن الحاكم أمر سنة ٣٩٥ هـ بعمل شونة كبيرة مما يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفا (٥)، فارتاع الناس وظنه كل من له صلة بخدمة الحاكم من رجال القصر أو الدواوين أنها أعدت لإعدامهم، وسرت في ذلك إشاعات مخيفة. فاجتمع سائر الكتاب وأصحاب الدواوين والمتصرفون من المسلمين والنصارى في أحد ميادين القاهرة، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا القصر، فوقفوا على بابه يضجون ويتضرعون ويسألون العفو عنهم، ثم دخلوا القصر ورفعوا إلى أمير المؤمنين عن يد قائد القواد الحسين بن جوهر رقعة يلتمسون فيها العفو، فأجابهم الحاكم على لسان الحسين إلى ما طلبوا، وأمروا بالانصراف والبكور لتلقي سجل العفو. واشتد الذعر بالغلمان والخاصة على اختلاف طوائفهم، وتوالى صدور الأمانات لمختلف الطبقات) (٦).
стр. 4305
هذه السجلات وأمثالها التي أصدرها الحاكم تدل على مدى خوف الناس من بطشه، حتى التمسوا منه إصدار سجلات الأمان. ولا يوجد ثمة ريب في أن القتل كان في نظر الحاكم خطة مقررة، ولم تكن فورة أهواء فقط، وقد لزم الحاكم هذه الخطة طوال حياته، وفي هذا المعنى يقول الكوثري: (من علم أن مدة الحاكم هذا من سنة ٣٨٦ هـ إلى سنة ٤١١ هـ، يرى الاعتذار عنه بأنه كان مجنونًا كلاما لا يلتفت إليه، لأن من المحال في جاري العادة أن يستبقي حاكم وهو مجنون مدة خمس وعشرين سنة) (١).
وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن المستشرق ميللر في الحاكم ما يلي: (وليس لدينا إلا أن نعتقد أنه إما باطني متعصب، توهم في نفسه الإِغراق والألوهية، وإما أمير ذكي بارع في تاريخ أسرته ومذهبها. اعتقد أنه يستطيع أن يسمو فوق البشر وأن يحتقرهم ويصنفهم كالشمع طوع إرادته، وربما كان يجمع في طبيعته المتناقضة بين شيء من هذا وشيء من ذاك) (٢).
стр. 4306
ولقد كانت معاملة الذميين من أهم ظواهر عصر الحاكم بأمر الله، وكانت بلا ريب سياسة مقررة، ولم تحمل في مجموعها طابع التناقض. ففي سنة ٣٩٥ هـ أصدر الحاكم أمره للنصارى واليهود بلبس الغيار، وشد الزنار، ولبس العمائم السود. وفي سنة ٣٩٩ هـ أمر بهدم كنائس القاهرة ونهب ما فيها، وصدر مرسوم خاص بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس. وفي العام التالي صدر مرسوم جديد بالتشديد على اليهود والنصارى في لبس الغيار وتقليد الزنار، وألغيت الأعياد النصرانية كعيد الصليب والغطاس، وعيد الشهيد (١).وقد خفت هذه المعاملة للذميين تباعًا، وخاصة قبل مقتل الحاكم سنة ٤١١ هـ، إذ أصدر عدة سجلات بإلغاء ما أصدره من قبل في حقهم. ومما يلحظ في هذا الصدد، أن موقف الحاكم إزاء النصارى واليهود هو من المواقف القليلة التي ثبت فيها الحاكم على سياسة واحدة، وأنه لم يجنح فيه من الشدة إلى اللين إلا في أواخر عصره، حينما ظهر دعاة تأليهه، يدعون إلى دين جديد وعقائد جديدة) (٢). فكان لابد من تغيير هذه المعاملة، محاولة منه لاستمالتهم إلى ما تصبو إليه نفسه؟.أما موقف الحاكم من أحكام وأركان الإسلام، (فقد أصدر سنة ٤٠٠ هـ سجل بإلغاء الزكاة والنجوى (أو رسوم الدعوة) (٣)، وأعيدت صلاة الضحى والتراويح (بعد أن منعها). وفي بعض الروايات أنه حاول أن يعدل بعض الأحكام الجوهرية كالصلاة والصوم والحج، وقيل إنه شرع في إلغائها، أو أنه ألغاها بالفعل. ومن ذلك أنه ألغى الزكاة كما رأينا، وألغى صلاة الجمعة (التي يصليها) في رمضان، وكذلك ألغى صلاته في العيدين، وألغى الحج، وأبطل الكسوة النبوية (٤)، وفي سنة ٣٩٥ هـ أمر بسب السلف (أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم من الصحابة ﵃، وكتب ذلك على أبواب المساجد، ولاسيما جامع عمرو في ظاهره وباطنه، وعلى أبواب الحوانيت والمقابر، ولون بالأصباغ والذهب، وأرغم الناس على المجاهرة به ونقشه في سائر الأماكن) (٥).وقد أمر نائبه على دمشق أن يضرب رجلاً مغربيًا، ويطاف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من أحب أبا بكر وعمر، ثم أمر به فضربت عنقه) (٦).ولكنه في سنة ٣٩٧ هـ أمر بمحو كل ما كتب على المساجد والدور وغيرها، وفي سنة ٤٠١ هـ قرئ بجامع عمرو سجل بالنهي عن معارضة أمير المؤمنين (الحاكم) فيما يفعل أو يصدر فيه من الأمور والأحكام، وترك الخوض فيما لا يعني.
стр. 4307
وكانت النفوس قد اضطربت من جراء هذه الأوامر والقيود المضنية، وأمر في نفس السجل بإعادة (حي على خير العمل) في الأذان، وإسقاط (الصلاة خير من النوم) (١)، والنهي عن صلاة التراويح والضحى) (٢).
وأما عن شغفه بالليل، فقد كان من أظهر خواص هذا الدور من حكمه، (فقد كان يعقد مجالسه ليلاً، ويواصل الركوب كل ليلة، وينفق شطرًا كبيرًا من الليل في جوب الشوارع والأزقة. وجنح الحاكم في تلك الفترة إلى نوع من التصوف المدهش (٣)، فأطلق شعره حتى تدلى على أكتافه، وأطلق أظافره، واستعاض عن الثياب البيضاء بثياب سود، فكان يرتدي جبة من الصوف الأسود العادي (٤)، وقد لا يغيرها مدة طويلة حتى يعلوها العرق والرثاثة، وقد يرتدي أحيانًا جبة مرقعة من سائر الألوان. وأضرب عن جميع الملاذ الحسية والنفسية، واقتصر في طعامه على أبسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع. وفي سنة ٤٠٥ هـ ازداد الحاكم شغفًا بالطواف في الليل، فكان يركب مرارًا في اليوم، بالنهار والليل، وكان يقصد غالبًا إلى المقطم (٥) حيث أنشأ له منزلاً منفردًا يخلو فيه إلى نفسه ويهيم في عوالمه وتصوراته، ومرصدًا خاصًا يرصد منه النجوم ويستطلعها.
وكان يؤثر ركوب الحمير، ولاسيما الشهباء منها، ويخرج دون موكب ولا زينة ومعه نفر قليل من الركابية، وكان يبدأ كعادته بالتجوال في شوارع القاهرة، ويحادث الكافة، ويستمع إلى ظلامات المتظلمين.
وقد انتهت إلينا أحاديث ونوادر كثيرة عن المناظر التي كانت تقترن بهذا الطواف، وعما كان ينزع إليه الحاكم أحيانًا من الأهواء العنيفة خلال طوافه، ومن ذلك أنه كان يأمر بإحراق الشونة ليتمتع بمرأى النيران، وأنه لقي ذات مساء عشرة من الناس سألوه الإِحسان فأمر أن ينقسموا إلى فريقين يتقاتلان، حتى يغلب أحدهما فينعم عليه، فتقاتلا حتى فني منهم تسعة وبقي واحد، فألقى عليه الدنانير، فلما انحنى ليأخذها عاجله الركابية بقتله. وأنه مر ذات ليلة على دكان شواء، فانتزع منه سكينًا وقتله بها أحد الركابية المقربين لديه بغير ما سبب معروف، وقد تركت الجثة في موضعها، وفي اليوم التالي أنفذ الحاكم إليه كفنًا جليلاً، ودفن مع التكريم) (٦). (ويحكى أنه عَنَّ له في أثناء ركوبه بالليل رأي سخيف، فكان يأمر أحد رجاله بأن يأتي شيخًا خليعًا بمشهد منه ومن الجمع الحاضر، ويضحك من هذا المنظر القبيح ويطرب له) (٧).
стр. 4308
هذا بعض ما أورده المؤرخون عن الحاكم، وما أوردناه لم يكن مجرد سرد تاريخي لحياة الحاكم، ولكنه من صلب العقيدة التي نتحدث عنها وهي عقيدة الدروز، حيث سترى بعد قليل أن هذه الوقائع التاريخية لحياة الحاكم كان لها أكبر الأثر في عقيدة هذه الطائفة، لأنهم أولوا جميع هذه الأعمال الشاذة على أنها دليل على ألوهيته وربوبيته، وليست كما يظهر لنا في الظاهر.
الدور الثالث: من سنة ٤٠٨ – ٤١١ هـ (١٠١٧ – ١٠٢١ م): في رسالة (مباسم البشارات) التي كتبها الكرماني، أحد أكابر الدعاة الإِسماعيليين في ذلك الوقت، والتي جاءت بعد اضطراب الأحوال في مصر حينما وفد إليها – الكرماني – سنة ٤٠٨ هـ، إشارة واضحة إلى حالة الدعوة الإِسماعيلية، فقد جاء فيها: (بأن عهود الدعوة التي كانت قبل ذلك قد درست، وأن مجالس الحكمة التأويلية أبطلت، وتقلبت الأحوال بالناس، فالعالي قد اتضع، والسافل قد ارتفع، والذين آمنوا بالدعوة الفاطمية اضطربت أحوالهم، وكل واحد يرمي صاحبه بالإِلحاد، وبعضهم غالى في رأيه، والبعض الآخر خرج عن عقيدته .. إلى غير ذلك) (١).فالصورة التي صورها الكرماني لهذا الاضطراب الذي ظهر في المجتمع كان بسبب ظهور دعوة جديدة تقول: بأن الحاكم بأمر الله ما هو إلا ناسوت للإِله، ولاشك أن الدعاة الذين نادوا بهذه الدعوة الجديدة، ظلوا يعملون لها مدة طويلة في الخفاء، ويعدون عدتهم للظهور بها في الوقت الملائم) (٢).
لذلك نستطيع أن نقول: إن سلوك الحاكم، إنما كان بتأثير فكرة الألوهية، وأن كل ما صدر عن الحاكم بأمر الله من أعمال وأقوال، إنما كان بدافع واحد هو تأليهه. (فالحاكم تولى مقاليد الحكم وهو صغير السن، وقد أحيط بهالة خاصة مما أسبغته العقيدة الإِسماعيلية عن أئمتها، فتأثر بهذه العقائد، إلى جانب أنه رأى حاشيته ورعيته يسجدون له كلما مر بهم، فشاع طموحه – وهو في مثل هذا السن الصغير – أن يكون إلهًا مثل الملوك الأقدمين – من الفراعنة -، واختمرت هذه الفكرة في نفسه، ولكنه لم يعلنها للناس، ولعله أسر بها إلى بعض الدعاة حوله، فتسابقوا إلى إشباع نزوته وتنميتها مع مرور الزمن) (٣). (وربما أوحى بعض الدعاة إليه بكل ما قام به من أعمال، ولكن ليس لدينا من كتب التاريخ ما يؤيد أي افتراض، والشيء المؤكد أن هذه السياسة التي اتبعها الحاكم كانت مقررة، ليفهم من أفعاله أنه هو الخالق، وأنه هو المحيي والمميت، والرازق والوهاب، إلى غير ذلك من أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى. فها هو الحاكم بأمر الله يسرف في القتل ليقال: إنه مميت، ويرزق الناس ويهبهم ليقال: إنه رزاق وهاب، ويعفو عمن يستحق القتل ليقال: إنه محيي) (٤).
стр. 4309
ويؤيد هذا ما ورد في رسالة (السيرة المستقيمة) التي ألفها حمزة بن علي، وجاء فيها: (ولكني أذكر لكم في هذه السيرة وجوها قليلة العدد، كثيرة المنفعة، لمن تفكر فيها، فأول ما أختصر في القول ما فعله المولى سبحانه مع برجوان وابن عمار، وهو يومئذ ظاهر لا يراه العامة إلا على قدر عقولهم، ويقولون صبي السن، وملك المشارقة كافة مع برجوان، ولابن عمار ملك المغاربة. فأمر مولانا بقتلهم فقتلوا قتل الكلاب، ولم يخش من تشويش العساكر والاضطراب، وأما أمر ملوك الأرض فما يستجري أحد منهم على مثل ذلك، ثم أمر بقتل ملوك كتامة وجبابرتها بلا خوف من نسلهم وأصلابهم، ويمشي أنصاف الليالي في أوساط ذراريهم وأولادهم بلا سيف ولا سكين. شاهدتموه في وقت أبي ركوة الوليد بن هشام الملعون، وقد أضرم ناره، وكانت قلوب العساكر تجزع في مضاجعهم مما رأوه من كسر الجيوش، وقتل الرجال، وكان المولي جلت قدرته يخرج أنصاف الليالي إلى صحراء الجب، ويلتقي به حسان بن عليان الكلبي في خمسمائة فارس، ويقف معهم بلا سلاح ولا عدة، حتى يسأل كل واحد منهم عن صاحبه، ثم إنه يدخل في ظاهر الأمر إلى صحراء الجب، وليس معه غير الركابية والمؤذنين ... إلى أن يقول: (إنكم ترون من أمور تحدث بما شاهدتموه من المولى ما لا يجوز أن تكون أفعال أحد من البشر، لا ناطق، ولا أساس، ولا إمام، ولا حجة، فلم تزدادوا بذلك إلا عمى وقلة بصيرة) (١). (وقد بدأ ظهور المذهب الجديد، حينما قام الدرزي (وهو أحد دعاة المذهب في أول ظهوره)، وأعلن الدعوة سنة ٤٠٧ هـ، ثم قام سنة ٤٠٨ هـ ومعه خمسمائة من أصحابه وأتباعه بالحج إلى قصر الحاكم فهاجمهم الناس والجند) (٢).
والمؤرخون يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب، وهم: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني (الذي أصبح إمام المذهب فيما بعد)، ومحمد ابن إسماعيل الدرزي المعروف بـ (نشتكين)، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بـ (الأخرم أو الأجدع). (ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنهم كانوا جميعًا من حاشية الحاكم الذين لم يفارقوه مدة الوصاية عليه، وخاصة حمزة بن علي، الذي استأثر بكل شيء وبالتمجيد كله) (٣).
стр. 4310
وقد وقع الخلاف بين حمزة، والدرزي منذ ذلك الحين، لتسرع الدرزي في الكشف عن المذهب الجديد، ولذلك نجد أن حمزة عمد إلى إظهار دعوى ألوهية الحاكم سنة ٤٠٨ هـ، والتي يعتبرها الدروز أولى سني تقويمهم، وبعد هذه الدعوى اضطربت الأحوال في مصر، وهاجمت الناس هؤلاء الدعاة في كل مكان، مما دفع الدرزي إلى الاحتماء في قصر الحاكم، والهرب فيما بعد إلى الشام. واضطر حمزة بعد الذي حدث، أن يغيب عن الأنظار في سنة ٤٠٩ هـ، والتي يعتبرها سنة غيبة. من كل هذا نرى أن الحاكم كان يقف من هذه الدعوة موقف التأييد والرعاية، ويشد أزرهم ويمدهم بالمال والنصح، ويسهر على حمايتهم من الناس، ويقول حمزة في رسالة (الغاية والنصيحة) مؤكدًا على حماية الحاكم له ولأتباعه، عندما هاجمهم الناس والجند في المسجد الذي كان يحتمي فيه: (وقد اجتمعت عند المسجد سائر الأتراك بالجيوش، والزرد، والخوذ، والتحافيف، ومن جميع العساكر والرعية زائدًا عن عشرين ألف رجل، فقد نصبوا على القتال بالنفط، والنار، ورماة النشاب، والحجار، ونقب الجدار والتسلق إلى الحيطان بالسلالم يومًا كاملاً، وجميع من كان معي في ذلك اليوم اثنتى عشر (١) نفسًا، منهم خمسة شيوخ كبار، وصبيان صغار لم يقاتلوا، فقتلنا من المشركين (٢) ثلاث أنفس، وجرحنا منهم خلقًا عظيمًا لا يحصى، حتى طال على الفئة القليلة الموحدة القتال، وكادت الأرواح تتلاشى وتبلغ التراق، وخافوا كثرة الأضداد والمراق، وغلبة المنافقين والفساق، فناديتهم: معاشر الموحدين: اليوم أكملت لكم دينكم بالجهاد، وأتممت عليكم نعمته والسداد، وأرضى لكم التسليم لأمره بالجهاد، وما يصيبنا إلا ما كتب الله علينا هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون. معاشر الموحدين قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (٣)، قاتلوا أقوامًا نكثوا أيمانهم يعني عهدهم وهموا بإخراج الرسول، وهو قائم الزمان، وهم بدؤوكم أول مرة، يعني دفعة الجامع، فلا تخشوهم فمولانا جل ذكره أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وينصركم عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين. فما استتميت (٤) كلامي لهم، حتى صار مولانا جل ذكره وتجلى للعالمين بقدرته سبحانه، فصعقت من في السموات والأرض، فانقلبوا المنافقين على أعقابهم خائبين، فلمولانا الحمد والشكر أبد الآبدين) (٥).ونستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول: أن الحاكم كان يشرف على توجيه الدعوة، ويشترك في تنظيمها وتغذيتها بطريقة فعلية، وهذا ما يذكره لنا حمزة في رسائله، فمثلاً في رسالة (البلاغ والنهاية) يقول ما يلي: (تأليف عبد مولا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين بسيف مولانا جل ذكره، رفع نسختها إلى الحضرة اللاهوتية بيده في شهر المحرم الثاني من سنينه المباركة) (٦).