← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

ولقد كانت معاملة الذميين من أهم ظواهر عصر الحاكم بأمر الله، وكانت بلا ريب سياسة مقررة، ولم تحمل في مجموعها طابع التناقض. ففي سنة ٣٩٥ هـ أصدر الحاكم أمره للنصارى واليهود بلبس الغيار، وشد الزنار، ولبس العمائم السود. وفي سنة ٣٩٩ هـ أمر بهدم كنائس القاهرة ونهب ما فيها، وصدر مرسوم خاص بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس. وفي العام التالي صدر مرسوم جديد بالتشديد على اليهود والنصارى في لبس الغيار وتقليد الزنار، وألغيت الأعياد النصرانية كعيد الصليب والغطاس، وعيد الشهيد (١).وقد خفت هذه المعاملة للذميين تباعًا، وخاصة قبل مقتل الحاكم سنة ٤١١ هـ، إذ أصدر عدة سجلات بإلغاء ما أصدره من قبل في حقهم. ومما يلحظ في هذا الصدد، أن موقف الحاكم إزاء النصارى واليهود هو من المواقف القليلة التي ثبت فيها الحاكم على سياسة واحدة، وأنه لم يجنح فيه من الشدة إلى اللين إلا في أواخر عصره، حينما ظهر دعاة تأليهه، يدعون إلى دين جديد وعقائد جديدة) (٢). فكان لابد من تغيير هذه المعاملة، محاولة منه لاستمالتهم إلى ما تصبو إليه نفسه؟.أما موقف الحاكم من أحكام وأركان الإسلام، (فقد أصدر سنة ٤٠٠ هـ سجل بإلغاء الزكاة والنجوى (أو رسوم الدعوة) (٣)، وأعيدت صلاة الضحى والتراويح (بعد أن منعها). وفي بعض الروايات أنه حاول أن يعدل بعض الأحكام الجوهرية كالصلاة والصوم والحج، وقيل إنه شرع في إلغائها، أو أنه ألغاها بالفعل. ومن ذلك أنه ألغى الزكاة كما رأينا، وألغى صلاة الجمعة (التي يصليها) في رمضان، وكذلك ألغى صلاته في العيدين، وألغى الحج، وأبطل الكسوة النبوية (٤)، وفي سنة ٣٩٥ هـ أمر بسب السلف (أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية وغيرهم من الصحابة ﵃، وكتب ذلك على أبواب المساجد، ولاسيما جامع عمرو في ظاهره وباطنه، وعلى أبواب الحوانيت والمقابر، ولون بالأصباغ والذهب، وأرغم الناس على المجاهرة به ونقشه في سائر الأماكن) (٥).وقد أمر نائبه على دمشق أن يضرب رجلاً مغربيًا، ويطاف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من أحب أبا بكر وعمر، ثم أمر به فضربت عنقه) (٦).ولكنه في سنة ٣٩٧ هـ أمر بمحو كل ما كتب على المساجد والدور وغيرها، وفي سنة ٤٠١ هـ قرئ بجامع عمرو سجل بالنهي عن معارضة أمير المؤمنين (الحاكم) فيما يفعل أو يصدر فيه من الأمور والأحكام، وترك الخوض فيما لا يعني.

стр. 4307

وكانت النفوس قد اضطربت من جراء هذه الأوامر والقيود المضنية، وأمر في نفس السجل بإعادة (حي على خير العمل) في الأذان، وإسقاط (الصلاة خير من النوم) (١)، والنهي عن صلاة التراويح والضحى) (٢). وأما عن شغفه بالليل، فقد كان من أظهر خواص هذا الدور من حكمه، (فقد كان يعقد مجالسه ليلاً، ويواصل الركوب كل ليلة، وينفق شطرًا كبيرًا من الليل في جوب الشوارع والأزقة. وجنح الحاكم في تلك الفترة إلى نوع من التصوف المدهش (٣)، فأطلق شعره حتى تدلى على أكتافه، وأطلق أظافره، واستعاض عن الثياب البيضاء بثياب سود، فكان يرتدي جبة من الصوف الأسود العادي (٤)، وقد لا يغيرها مدة طويلة حتى يعلوها العرق والرثاثة، وقد يرتدي أحيانًا جبة مرقعة من سائر الألوان. وأضرب عن جميع الملاذ الحسية والنفسية، واقتصر في طعامه على أبسط ما تقتضيه الحياة من القوت المتواضع. وفي سنة ٤٠٥ هـ ازداد الحاكم شغفًا بالطواف في الليل، فكان يركب مرارًا في اليوم، بالنهار والليل، وكان يقصد غالبًا إلى المقطم (٥) حيث أنشأ له منزلاً منفردًا يخلو فيه إلى نفسه ويهيم في عوالمه وتصوراته، ومرصدًا خاصًا يرصد منه النجوم ويستطلعها. وكان يؤثر ركوب الحمير، ولاسيما الشهباء منها، ويخرج دون موكب ولا زينة ومعه نفر قليل من الركابية، وكان يبدأ كعادته بالتجوال في شوارع القاهرة، ويحادث الكافة، ويستمع إلى ظلامات المتظلمين. وقد انتهت إلينا أحاديث ونوادر كثيرة عن المناظر التي كانت تقترن بهذا الطواف، وعما كان ينزع إليه الحاكم أحيانًا من الأهواء العنيفة خلال طوافه، ومن ذلك أنه كان يأمر بإحراق الشونة ليتمتع بمرأى النيران، وأنه لقي ذات مساء عشرة من الناس سألوه الإِحسان فأمر أن ينقسموا إلى فريقين يتقاتلان، حتى يغلب أحدهما فينعم عليه، فتقاتلا حتى فني منهم تسعة وبقي واحد، فألقى عليه الدنانير، فلما انحنى ليأخذها عاجله الركابية بقتله. وأنه مر ذات ليلة على دكان شواء، فانتزع منه سكينًا وقتله بها أحد الركابية المقربين لديه بغير ما سبب معروف، وقد تركت الجثة في موضعها، وفي اليوم التالي أنفذ الحاكم إليه كفنًا جليلاً، ودفن مع التكريم) (٦). (ويحكى أنه عَنَّ له في أثناء ركوبه بالليل رأي سخيف، فكان يأمر أحد رجاله بأن يأتي شيخًا خليعًا بمشهد منه ومن الجمع الحاضر، ويضحك من هذا المنظر القبيح ويطرب له) (٧).

стр. 4308

هذا بعض ما أورده المؤرخون عن الحاكم، وما أوردناه لم يكن مجرد سرد تاريخي لحياة الحاكم، ولكنه من صلب العقيدة التي نتحدث عنها وهي عقيدة الدروز، حيث سترى بعد قليل أن هذه الوقائع التاريخية لحياة الحاكم كان لها أكبر الأثر في عقيدة هذه الطائفة، لأنهم أولوا جميع هذه الأعمال الشاذة على أنها دليل على ألوهيته وربوبيته، وليست كما يظهر لنا في الظاهر. الدور الثالث: من سنة ٤٠٨ – ٤١١ هـ (١٠١٧ – ١٠٢١ م): في رسالة (مباسم البشارات) التي كتبها الكرماني، أحد أكابر الدعاة الإِسماعيليين في ذلك الوقت، والتي جاءت بعد اضطراب الأحوال في مصر حينما وفد إليها – الكرماني – سنة ٤٠٨ هـ، إشارة واضحة إلى حالة الدعوة الإِسماعيلية، فقد جاء فيها: (بأن عهود الدعوة التي كانت قبل ذلك قد درست، وأن مجالس الحكمة التأويلية أبطلت، وتقلبت الأحوال بالناس، فالعالي قد اتضع، والسافل قد ارتفع، والذين آمنوا بالدعوة الفاطمية اضطربت أحوالهم، وكل واحد يرمي صاحبه بالإِلحاد، وبعضهم غالى في رأيه، والبعض الآخر خرج عن عقيدته .. إلى غير ذلك) (١).فالصورة التي صورها الكرماني لهذا الاضطراب الذي ظهر في المجتمع كان بسبب ظهور دعوة جديدة تقول: بأن الحاكم بأمر الله ما هو إلا ناسوت للإِله، ولاشك أن الدعاة الذين نادوا بهذه الدعوة الجديدة، ظلوا يعملون لها مدة طويلة في الخفاء، ويعدون عدتهم للظهور بها في الوقت الملائم) (٢). لذلك نستطيع أن نقول: إن سلوك الحاكم، إنما كان بتأثير فكرة الألوهية، وأن كل ما صدر عن الحاكم بأمر الله من أعمال وأقوال، إنما كان بدافع واحد هو تأليهه. (فالحاكم تولى مقاليد الحكم وهو صغير السن، وقد أحيط بهالة خاصة مما أسبغته العقيدة الإِسماعيلية عن أئمتها، فتأثر بهذه العقائد، إلى جانب أنه رأى حاشيته ورعيته يسجدون له كلما مر بهم، فشاع طموحه – وهو في مثل هذا السن الصغير – أن يكون إلهًا مثل الملوك الأقدمين – من الفراعنة -، واختمرت هذه الفكرة في نفسه، ولكنه لم يعلنها للناس، ولعله أسر بها إلى بعض الدعاة حوله، فتسابقوا إلى إشباع نزوته وتنميتها مع مرور الزمن) (٣). (وربما أوحى بعض الدعاة إليه بكل ما قام به من أعمال، ولكن ليس لدينا من كتب التاريخ ما يؤيد أي افتراض، والشيء المؤكد أن هذه السياسة التي اتبعها الحاكم كانت مقررة، ليفهم من أفعاله أنه هو الخالق، وأنه هو المحيي والمميت، والرازق والوهاب، إلى غير ذلك من أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى. فها هو الحاكم بأمر الله يسرف في القتل ليقال: إنه مميت، ويرزق الناس ويهبهم ليقال: إنه رزاق وهاب، ويعفو عمن يستحق القتل ليقال: إنه محيي) (٤).

стр. 4309

ويؤيد هذا ما ورد في رسالة (السيرة المستقيمة) التي ألفها حمزة بن علي، وجاء فيها: (ولكني أذكر لكم في هذه السيرة وجوها قليلة العدد، كثيرة المنفعة، لمن تفكر فيها، فأول ما أختصر في القول ما فعله المولى سبحانه مع برجوان وابن عمار، وهو يومئذ ظاهر لا يراه العامة إلا على قدر عقولهم، ويقولون صبي السن، وملك المشارقة كافة مع برجوان، ولابن عمار ملك المغاربة. فأمر مولانا بقتلهم فقتلوا قتل الكلاب، ولم يخش من تشويش العساكر والاضطراب، وأما أمر ملوك الأرض فما يستجري أحد منهم على مثل ذلك، ثم أمر بقتل ملوك كتامة وجبابرتها بلا خوف من نسلهم وأصلابهم، ويمشي أنصاف الليالي في أوساط ذراريهم وأولادهم بلا سيف ولا سكين. شاهدتموه في وقت أبي ركوة الوليد بن هشام الملعون، وقد أضرم ناره، وكانت قلوب العساكر تجزع في مضاجعهم مما رأوه من كسر الجيوش، وقتل الرجال، وكان المولي جلت قدرته يخرج أنصاف الليالي إلى صحراء الجب، ويلتقي به حسان بن عليان الكلبي في خمسمائة فارس، ويقف معهم بلا سلاح ولا عدة، حتى يسأل كل واحد منهم عن صاحبه، ثم إنه يدخل في ظاهر الأمر إلى صحراء الجب، وليس معه غير الركابية والمؤذنين ... إلى أن يقول: (إنكم ترون من أمور تحدث بما شاهدتموه من المولى ما لا يجوز أن تكون أفعال أحد من البشر، لا ناطق، ولا أساس، ولا إمام، ولا حجة، فلم تزدادوا بذلك إلا عمى وقلة بصيرة) (١). (وقد بدأ ظهور المذهب الجديد، حينما قام الدرزي (وهو أحد دعاة المذهب في أول ظهوره)، وأعلن الدعوة سنة ٤٠٧ هـ، ثم قام سنة ٤٠٨ هـ ومعه خمسمائة من أصحابه وأتباعه بالحج إلى قصر الحاكم فهاجمهم الناس والجند) (٢). والمؤرخون يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب، وهم: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني (الذي أصبح إمام المذهب فيما بعد)، ومحمد ابن إسماعيل الدرزي المعروف بـ (نشتكين)، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بـ (الأخرم أو الأجدع). (ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنهم كانوا جميعًا من حاشية الحاكم الذين لم يفارقوه مدة الوصاية عليه، وخاصة حمزة بن علي، الذي استأثر بكل شيء وبالتمجيد كله) (٣).

стр. 4310

وقد وقع الخلاف بين حمزة، والدرزي منذ ذلك الحين، لتسرع الدرزي في الكشف عن المذهب الجديد، ولذلك نجد أن حمزة عمد إلى إظهار دعوى ألوهية الحاكم سنة ٤٠٨ هـ، والتي يعتبرها الدروز أولى سني تقويمهم، وبعد هذه الدعوى اضطربت الأحوال في مصر، وهاجمت الناس هؤلاء الدعاة في كل مكان، مما دفع الدرزي إلى الاحتماء في قصر الحاكم، والهرب فيما بعد إلى الشام. واضطر حمزة بعد الذي حدث، أن يغيب عن الأنظار في سنة ٤٠٩ هـ، والتي يعتبرها سنة غيبة. من كل هذا نرى أن الحاكم كان يقف من هذه الدعوة موقف التأييد والرعاية، ويشد أزرهم ويمدهم بالمال والنصح، ويسهر على حمايتهم من الناس، ويقول حمزة في رسالة (الغاية والنصيحة) مؤكدًا على حماية الحاكم له ولأتباعه، عندما هاجمهم الناس والجند في المسجد الذي كان يحتمي فيه: (وقد اجتمعت عند المسجد سائر الأتراك بالجيوش، والزرد، والخوذ، والتحافيف، ومن جميع العساكر والرعية زائدًا عن عشرين ألف رجل، فقد نصبوا على القتال بالنفط، والنار، ورماة النشاب، والحجار، ونقب الجدار والتسلق إلى الحيطان بالسلالم يومًا كاملاً، وجميع من كان معي في ذلك اليوم اثنتى عشر (١) نفسًا، منهم خمسة شيوخ كبار، وصبيان صغار لم يقاتلوا، فقتلنا من المشركين (٢) ثلاث أنفس، وجرحنا منهم خلقًا عظيمًا لا يحصى، حتى طال على الفئة القليلة الموحدة القتال، وكادت الأرواح تتلاشى وتبلغ التراق، وخافوا كثرة الأضداد والمراق، وغلبة المنافقين والفساق، فناديتهم: معاشر الموحدين: اليوم أكملت لكم دينكم بالجهاد، وأتممت عليكم نعمته والسداد، وأرضى لكم التسليم لأمره بالجهاد، وما يصيبنا إلا ما كتب الله علينا هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون. معاشر الموحدين قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (٣)، قاتلوا أقوامًا نكثوا أيمانهم يعني عهدهم وهموا بإخراج الرسول، وهو قائم الزمان، وهم بدؤوكم أول مرة، يعني دفعة الجامع، فلا تخشوهم فمولانا جل ذكره أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وينصركم عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين. فما استتميت (٤) كلامي لهم، حتى صار مولانا جل ذكره وتجلى للعالمين بقدرته سبحانه، فصعقت من في السموات والأرض، فانقلبوا المنافقين على أعقابهم خائبين، فلمولانا الحمد والشكر أبد الآبدين) (٥).ونستطيع أن نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول: أن الحاكم كان يشرف على توجيه الدعوة، ويشترك في تنظيمها وتغذيتها بطريقة فعلية، وهذا ما يذكره لنا حمزة في رسائله، فمثلاً في رسالة (البلاغ والنهاية) يقول ما يلي: (تأليف عبد مولا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين بسيف مولانا جل ذكره، رفع نسختها إلى الحضرة اللاهوتية بيده في شهر المحرم الثاني من سنينه المباركة) (٦).

стр. 4311

ويقول في رسالة (الصبحة الكائنة) ما يلي: (فتأييد مولانا سبحانه واصل إلي، ورحمته وأفضاله ظاهرة وباطنة علي، وجميع أصحابي المستجيبين عزيزين مكرمين في الشرطة، والولاية، وأصحاب السيارات، مقضون الحوائج دون سائر العالمين، ورسلي واصلة بالرسائل والوثائق إلى الحضرة اللاهوتية التي لا تخفى عنها خافية، لا في السر، ولا في العلانية، وقد أوعدني مولانا جلت قدرته في ظاهر الأمر مضافًا إلى مواعيده الحقيقة التأييدية، وهو منجز مواعيده وقت يشاء كيف يشاء بلا تقدير عليه) (١). غير أن مطاردة دعاة الحاكم وتمزيقهم بهذه القسوة من الناس، دون اكتراث لما أولاهم به من رعاية ظاهرة، قد أثار في نفسه غضبًا على الجند والناس، لأنهم تجرؤوا على ذلك، وعول على الانتقام لنفسه وللدعاة. وينقل الأستاذ محمد عبد الله عنان عن الوزير جمال الدين في (أخبار الدول المنقطعة) تفصيلاً دقيقًا لما حدث فيقول: (اعتزم الحاكم أن ينكل بمصر وأهلها، فاستدعى العرفاء والقادة ونظم معهم خطة العمل، وعهد إلى مقدمي العبيد وغيرهم من الطوائف بافتتاح الهجوم، فأخذوا يغيرون على أحياء مصر في هيئة عصابات، وينهبون الحوانيت والسابلة، ويخطفون النساء من الدور، والشرطة تغضي عن جرائمهم، والحاكم معرض عن كل شكاية وتضرع، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٤١١ هـ. ثم اتسع نطاق الاعتداء، فهاجمت قوى العبيد والترك والمغاربة مصر من كل صوب، وأضرموا النار في أطرافها، وهب أهل مصر للدفاع عن أنفسهم، واستمرت المعارك بين الفريقين ثلاثة أيام، وألسنة اللهب تنطلق من المدينة القديمة إلى عنان السماء، والحاكم يركب كل يوم إلى الجبل، ويشاهد النار، ويسمع الصياح، ويسأل عن حقيقة الأمر، فيقال له: إن العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيظهر الأسف والتوجع، ويقول: ومن أمرهم بهذا لعنهم الله؟!.

стр. 4312

وفي اليوم الرابع اجتمع الأشراف والكبراء في المساجد ورفعوا المصاحف وضجوا بالبكاء والدعاء، فكف الأتراك والمغاربة عن متابعة الاعتداء، واستمر العبيد في عدوانهم، وأهل مصر يدفعونهم بكل ما استطاعوا. وطلب الأتراك والمغاربة إلى الحاكم أن يأمر بوقف هذا الاعتداء على أهل مصر، وعلى أموالهم، خصوصًا وأن لهم بين المصريين كثيرًا من الأصهار والأقارب، ولهم في مصر كثير من الأملاك، فتظاهر بإجابة مطلبهم، ولكنه أوعز إلى العبيد أن يستمروا في القتال، وأن يتأهبوا لمدافعة الترك والمغاربة، فاشتدت المعارك بين الفريقين، ودافع الترك والمغاربة عن أهل مصر، ومزقوا جموع العبيد ونكلوا بهم، ثم هددوا الحاكم باقتحام القاهرة وحرقها، إذا لم يوضع حد لتلك الجرائم، فخشي الحاكم العاقبة، وأمر العبيد بالتفرق ولزوم السكينة، واعتذر لأشراف مصر وزعماء الترك والمغاربة عما وقع، وتنصل من كل تبعة فيه، وأصدر أمانًا لأهل مصر قرئ على المنابر. وسكنت تلك الفتنة الشنعاء بعد أن لبثت الفسطاط بضعة أسابيع مسرحا لمناظر مروعة من السفك والعبث والنهب، وأحرقت معظم شوارعها ومبانيها، وخربت معظم أسواقها، ونهبت، وسبي كثير من نسائها، واعتدى عليهن، وانتحر كثير منهن خشية العار، وتتبع المصريون أزواجهم وبناتهم وأمهاتهم وافتدوهن من الخاطفين) (١).وبأسلوب آخر، يؤكد حمزة هذه الحوادث، وأنها كانت انتقامًا لما حصل للدعاة من تنكيل وتمزيق، فيقول في رسالة (الرضى والتسليم): (لأنه سبحانه أنعم عليكم ما لم ينعم على من في الأدوار، وأظهر لكم من توحيده وعبادته، ما لم يظهره في عصر من الأعصار، وأعزكم في وقت عبده الهادي ما لم يعز أحدًا في الأقطار، ولم يكن لصاحب الشرطة والولاية والسيارات عليكم سبيل إلا بطريق الخير، ثم إن المنافقين قتلوا من إخوانكم ثلاثة أنفر، فأمر مولانا جل ذكره بقتل مائة رجل منهم، والذي قال في القرآن النفس بالنفس لا غير فلم تشكروه على ذلك، ولم تعبدوه حق ما يجب عليكم من عبادته، ولم تكن نياتكم خالصة لوحدانيته) (٢). ويحاول عدد من الكتاب المعاصرين، الذين كتبوا عن الحاكم وعن الدروز، أن ينفوا عن الحاكم كل هذه الأمور، ويصوروها كأنها افتراءات من المؤرخين، أو يجعلوا لها تبريرًا لا يستسيغه عقل ولا منطق. من هؤلاء الكتاب الدكتور أحمد شلبي، الذي حاول أن يصور أخبار شذوذ الحاكم واضطرابه، على أنه اتفاق بين المؤرخين، يأخذ الواحد قضية، فيسلم بها الآخر، وأن تاريخ الحاكم قد كتب أثر وفاته، وقد عادت السلطة إلى من اضطهدهم، الذين كان يهمهم أن يبرزوه معتوهًا أو مجنونًا أو مدعيًا للألوهية، ليصرفوا الناس عن البحث عن القتلة الذين قتلوا الحاكم؟!. بل يحاول الدكتور شلبي أن يبرر كل تصرفاته، حتى إنه يجعله مخلصًا لدولته كفؤا لحمل أعبائها، وهو في القمة من المفكرين في إنشائه دار الحكمة (٣).

стр. 4313

ولا أدري على ماذا اعتمد الدكتور شلبي، في دفاعه القوي عن الحاكم، ولكن يبدو أن معلومات الدكتور فيليب حتي، أقوى عنده من كل ما كتبه المؤرخون؟! وهناك قضية أخرى يحاول بعض الكتاب إيرادها، وهي صلة الحاكم بحمزة بن علي وغيره من الدعاة، وهذا ما يحاول الأستاذ عبد الله النجار (١) أن ينفيه في كتابه (مذهب الدروز والتوحيد)، مع أن الدروز حتى الوقت الحاضر ينفون مثل هذه الأقوال، ويعتبرونها تقويضًا للمذهب التوحيدي، ففي كتاب (أضواء على مسالك التوحيد) يورد بايزيد في توطئته للكتاب، وفي معرض رده على ما كتبه الأستاذ عبد الله النجار في كتابه يقول: (ونرى المؤلف الكريم يسعى إلى التفرقة والفصل بين حمزة بن علي والحاكم بأمر الله، وإنكار صلة الحاكم بالمذهب وانتسابه إليه. وفي ذلك ما فيه، علاوة على نية تقويض أساس المعتقد العرفاني، والمذهب التوحيدي (أي الدرزية)، كما هو مشهور ومعلوم، قد أخذ وغرف المحتوى الأخير لمنهجه ولعقيدته ودعوته من مجالس الحكمة، التي كانت تعقد في حضرة مولانا الحاكم وتوجيهه، وفي دار الحكمة التي أسسها على غرار أكاديمية أفلاطون ﵇؟!) (٢).وهناك رسالة من رسائل حمزة، عنوانها (الرسالة المنفذة إلى القاضي أحمد بن العوام) (٣)، (تثبت أن حمزة أصبح في مكانة استطاع منها أن يخاطب قاضي القضاة بمثل هذا الخطاب) (٤)، (وتدل على مدى المكانة التي بلغها حمزة في ذلك التاريخ) (٥)، ولو لم يكن وراء حمزة من يحميه ويدفع عنه الأذى ما كان يجرؤ على كتابة مثل هذا الخطاب، يقول حمزة في هذه الرسالة: (توكلت على أمير المؤمنين جل ذكره، وبه أستعين في جميع الأمور، معل علة العلل، صفات العلة بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 4314

من عبد أمير المؤمنين ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين بسيف أمير المؤمنين وشدة سلطانه، ولا معبود سواه، إلى أحمد بن محمد بن العوام، الملقب بقاضي القضاة، أما بعد: فقد تقدمت لنا إليك رسالة نسألك عن معرفتك بنفسك، فقصرت عن الإِجابة، قلة علم منك بالحق وإهجانا به، وكيف يجوز لك أن تدعي هذا الاسم الجليل وهو قاضي القضاة، وليس لك علم بحقائق القضايا والأحكام، فقد صح بأنك مدع لما أنت فيه، فيجب عليك أن تعلم نفسك وتدربها، فإن كنت قد جهلتها فأنت فرعون الزمان، وفعلك لاحق بعثمان بن عفان، فيجب عليك أن تقلع عما أنت فيه، وتتبع سير أصحابك المتقدمين أبي بكر وعمر (١)، وتزيل تلثيمة البياض عن رأسك والعمامة والطيلسان، وتلبس دنية سوداء بشقائق صفر طوال مدلاة على صدرك، وتلبس درَّاعة بلا جيب، بل تكون مشقوقة الصدر، وتكون مرقعة بالأحمر، والأصفر، والأديم الأسود الطائفي، وتكون قصيرة عليك لتلحق في الشكل بعمر بن الخطاب، ويكون لك درة على فخذك لتقيم بها الحدود على من تجب عليه وأنت جالس في الجامع، ويكون لك في كل سوق صاحب يتزين بزيك وبيده درة يقيم بها في سوقه الحدود على من وجبت عليه مثل الزاني والسارق والقاذف وشارب الخمر، ممن هو من أهل ملتك، وتكون تتولى الخطبة بنفسك، وتطلع على المنبر بلا سيف تتقلد به، ويكون ممرك ومجيئك من دارك إلى الجامع، وأنت ماش حافيًا لتكون في ذلك لاحقًا بأصحابك المتقدمين أبي بكر وعمر. وإياك ثم إياك أن تنظر لموحد في حكم لا أنت ولا عادلتك، في شهادة نكاح ولا طلاق، ولا وثيقة، ولا عتق، ولا وصية، ومن جلس بين يديك على حكم فتسأل عنه أن يكون موحدًا فترسله إليّ مع رجالتك لأحكم أنا عليه بحكم الشريعة الروحانية (٢)، التي أطلقها أمير المؤمنين سلامة علينا، فانظر لنفسك فقد أعذرتك مرة بعد أخرى وأنذرتك) (٣).وإلى هذه الرسالة يشير حمزة في رسالة (البلاغ والنهاية) فيقول: (وقد أرسلت إلى القاضي عشرين رجلاً إلى الحضرة (٤) اللاهوتية، فأبى القاضي واستكبر، وكان من الكافرين، واجتمعت على غلماني ورسلي الموحدين لمولانا جل ذكره، زهاء مائتين من العسكرية والرعية، وما منهم رجل إلا ومعه شيء من السلاح فلم يقتل من أصحابي إلا ثلاثة نفر وسبعة عشر رجلاً من الموحدين، في وسط مائتين من الكافرين (٥)، فلم يكن لهم إليهم سبيل حتى رجعوا إلى عندي سالمين) (٦).وفي ختام هذا الفصل نقف وقفة طويلة مع رسالة حمزة بن علي بن أحمد الموسومة (بكتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل)، وقد رأيت أن أنقل هنا نص هذه الرسالة، ليتبين لنا مدى تأثر العقيدة الدرزية بأفعال وأقوال الحاكم، والتي يعتبرونها دليلاً على ألوهيته، حيث تلمس لها حمزة تأويلات باطنية، (واتخذ منها دلالات على صدق ألوهية الحاكم، وأن كل ما أتى به الحاكم هو رمز وإشارة وله تأويل باطني لا يفقهه الناس) (٧)،

стр. 4315

ولهذه الرسالة أهمية خاصة فيما يتعلق بتأييد الأخبار المروية في كتب المؤرخين عن أفعال الحاكم الغريبة، إذ فيها تأييد لها وتوكيد، ودليل قاطع على أن هؤلاء المؤرخين لم يفتروا شيئًا ولم ينقلوا إشاعات كاذبة) (١). وفيما يلي نص هذه الرسالة: (الحمد لمولانا وحده، وشدة سلطانه، توكلت على مولانا الباري العلام العلي الأعلى، حاكم الحكام، من لا يدخل في الخواطر والأوهام، جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام. بسم الله الرحمن الرحيم، صفات عبده الإِمام، الحمد والشكر لمولانا – جل ذكره – وبه أستعين في الدين والدنيا وإليه المعاد، الذي يحي ويميت، وهو الحي الذي لا يموت، الذي هو في السماء عال، وفي الأرض متعال، حاكمًا، عليه توكلت، وبه أستعين، وإليه المصير، وهو المعين، وصلوات مولانا جل ذكره وسلامه على الذي اصطفاه من خلقه واختاره من عبيده، وجعلهم الوارثين لديار أعدائهم بقوته وسلطانه، الحاكم، القادر، العزيز القاهر، وهو على كل شيء قدير. أما بعد، معاشر الإخوان الموحدين، أعانكم المولى على طاعته، إنه وصل إليّ من بعض الإِخوان الموحدين – كثر المولى عددهم وزكى أعمالهم، وحسن نياتهم – رقعة يذكرون فيها ما يتكلم به المارقون من الدين، الجاحدون لحقائق التنزيه، ويطلقون ألسنتهم بما يشاكل أفعاله الردية، وما تميل إليه أديانهم الدنية – فيما يظهر لهم من أفعال مولانا – جل ذكره – ونطقه، وما يجري قدامه من الأفعال التي فيها حكمة بالغة شتى فيما تغني النذر (٢)، وتمييز العالم الغبي الذين من أعمالهم الهزل، وأقوال فيها صعوبة وعدل، ولم يعرفوا بأن أفعال مولانا – جل ذكره – كلها حكمة بالغة، جدًا كانت أم هزلاً، يخرج حكمة ويظهرها بعد حين، ولو تدبروا ما سمعوه من الأخبار المأثورة عن جعفر بن محمد بن علي بن عبد مناف بن عبد المطلب (٣): (إياكم الشرك بالله والجحود له، بما يختلج في قلوبكم من الشك في أفعاله كيفما كانت، ولا تنكروا على الإِمام فعله، ولو رأيتموه راكبًا قصبة، وقد عقد ذيله خلف ثوبه، وهو يلعب مع الصبيان بالكعاب، فإن تحت ذلك حكمة بالغة للعالم وتمييزًا للمظلوم من الظالم). فإذا كان هذا القول في جعفر بن محمد، وجعفر وآباؤه وأجداده كلهم عبيد لمولانا جل ذكره، فكيف أفعال من لا تدركه الأوهام والخواطر بالكلية، وحكمته اللاهوتية التي هي من رموزات وإشارات لبطلان النواميس، وهلاك الجواميش، وتمييز الطواويس، فلمولانا الحمد على ما أنعم به علينا بعد استحقاق نستحقه عنده، وله الشكر على ما أظهر لنا من قدرته خصوصًا دون سائر العالمين إنعامًا وتفضلاً، ونسأله العفو والمغفرة بما يجري منا من قبائح الأعمال وسوء المقال، ونعوذ به من الشرك والضلال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو العلي المتعال، ولو نظروا إلى أفعال مولانا جلت قدرته بالعين الحقيقية، وتدبروا إشاراته بالنور الشعشعاني، لبانت لهم الألوهية والقدرة الأزلية، والسلطان الأبدية، وتخلصوا من شبكة إبليس وجنوده الغوية، ولتصور لهم ركوب مولانا – جل ذكره – وأفعاله، وعلموا حقيقة المحض في جده وهزله، ووقفوا على مراتب حدوده، وما تدل عليه ظواهر أموره، جل ذكره وعز اسمه ولا معبود سواه.

стр. 4316

فأول ما أظهر من حكمة ما لم يعرف له في كل عصر وزمان، ودهر وأوان، وهو ما ينكره العامة من أفعال الملوك: من تربية الشعر، ولباس الصوف، وركوب الحمار بسروج غير محلاة لا ذهب ولا فضة. والثلاث خصال معنى واحد في الحقيقة، لأن الشعر دليل على ظواهر التنزيل، والصوف دليل على ظواهر التأويل، والحمير دليل على النطقاء (الأنبياء) (١)، بقوله لمحمد: (يا بني أقم الصلاة وآت الزكاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر ... ، إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس) (٢)، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا [لإسراء: ٣٧].كل ذلك كان عند ربك محذورا، وانقص من مشيك، واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) (٣).والعامة (٤) يرون أن هذه الآية حكاية عن لقمان الحكيم لولده، فكذبوا وحرفوا القول، إنما هو قول السابق، وهو سلمان، وإنما سمي الناطق ولده لحد التعليم والمادة، إذ كان سائر النطقاء والأوصياء أولاد السابق المبدع الأول، وهو سلمان، فقال لمحمد: (أقم الصلاة) إشارة إلى توحيد مولانا جل ذكره، (وآت الزكاة) يعني طهر قلبك لمولانا جل ذكره ولحدوده ودعاته. (وأمر بالمعروف) وهو توحيد مولانا جل ذكره، (وانه عن المنكر) يعني شريعته وما جاء به من الناموس والتكليف، (إن ذلك من عزم الأمور) يعني الحقائق وما فيها من نجاة الأرواح من نطق الناطق، (ولا تصعر خدك للناس) وخده وجه السابق، وتصغيره ستره فضيلته، (ولا تمش في الأرض مرحًا) والمرح هو التقصير واللعب في الدين، والأرض هاهنا هو الجناح الأيمن، والأيمن هو الداعي إلى التوحيد المحض، (إنك لن تخرق الأرض) يعني بذلك، لن تقدر عليك تبطيل دعوة التوحيد، (ولن تبلغ الجبال طولا) والجبال هم الحجج الثلاثة الحرم، ورابعهم: السابق الذي يعبده العالم دون الثلاثة. وأجلهم الحجة العظمى، واسمه في الحقيقة: ذو معة، لأن قلبه وعى التوحيد والقدرة من مولانا جل ذكره بلا واسطة بشرية، (وانقص من مشيك) (٥) يعني اخفض من دعوتك في الظاهر، الذي يمشي في العالم مثل دبيب النملة السوداء على المسح الأسود في الليلة الظلماء، وهو الشرك بذاته.

стр. 4317

مثل النار إذا وقعت في التبن لا يشعر بضوئها إلا بعد هلاكه، كذلك محبة الشريعة والإِصغاء إلى زخرفه، والتعلق بناموسه، يعمل في الأعضاء ويجري في العروق، كما قال بلسانه وقوة بأسه وسلطانه، وألطافه تجري في العروق مجاري الدم حتى يتمكن في القلب ويغري سائر العالمين. وقال الناطق: (١) (ما زج حبي دماء أمتي ولحومهم، فهم يؤثرونني على الآباء والأمهات)، فرأينا الخبرين واحدا معناهما. وقد قال القرآن: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:١] ورب الناس هاهنا هو التالي، وهو في عصر محمد: المقداد (٢)، مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:٢ - ٤] يعني زخرف الناطق، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس:٥])، يعني الدعاة والمأذونين والمكاسرين، حتى يردهم عن توحيد مولانا الحاكم بذاته، المنفرد عن مبدعاته، جل ذكره. والذات هو لاهوته الحقيقي، الذي لا يدرك ولا يحس، . وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ [لقمان:١٩] يعني بذلك اخفض وانقص واستر نطقك بالشريعة إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:١٩] يعني الدعوة الظاهرة، لَصَوْتُ الْحَمِيرِ: يعنى بذلك أشر كلام وأفحشه نطق الشرائع المذمومة في كل عصر وزمان، فمنهم تظهر الشكلية والضدية والجنسية. فأظهر مولانا جل ذكره لبس الصوف، وتربية الشعر وهو دليل على ما ظهر من استعمال الناموس الظاهر، وتعلق أهل التأويل بعلي بن أبي طالب وعبادته. وركوب الحمير دليل على إظهار الحقيقة على شرائع النطقاء، وأما السروج بلا ذهب ولا فضة فدليل على بطلان الشريعتين: الناطق والأساس (٣). واستعمال حلي الحديد على السروج دليل على إظهار السيف على سائر أصحاب الشرائع وبطلانهم. واستعمال الصحراء في ظاهر الأمر، وخروج مولانا جل ذكره في ذلك اليوم من السرداب إلى البستان، إلى العالم دون سائر الأبواب. والسرداب والبستان الذي يخرج مولانا جل ذكره منهما ليس لأحد إليهما وصول، ولا له بهما معرفة، إلا أن يكون كمن يخدمهما أو خواصهما. وهو دليل على ابتداء ظهور مولانا سبحانه بالوحدانية ومباشرته بالصمدانية بالحدين اللذين كانا خفيين عن سائر العالمين، إلا لمن يعرفهما بالرموز والإِشارات، وهما الإِرادة والمشيئة، كما قال: (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ... كل شيء وإليه ترجعون) (٤)، والإرادة هي ذو معة، والمشيئة تالية، كما قال: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:٣٠]، فليس يعرفهما إلا الموحدون لمولانا جل ذكره. ومن السرداب يخرج إلى البستان، كذلك العلم يخرج من ذي معة إلى ذي مصة، الذي هو بمنزلة الجنة صاحب الأشجار والأنهار، ثم يخرج منها إلى المقس (٥)، فأول ما يلقى بستان برجوان (٦)، وهو المعروف بالحجازي، فلا يدخله، ولا يدور حوله في مضيه، وهو دليل على الكلمة الأزلية.

стр. 4318

ثم يمضي إلى البستان المعروف (بالدكة) وهي دليل على السابق، وهو دكة العالم، وعلومهم منهم، وهذا البستان المعروف بالدكة، على شاطئ البحر، وكذلك علم التأويل ممثوله البحر، والمستجيب للعهد إذا بلغ علم السابق ومعرفته، حسب أنه قد بلغ الغاية والنهاية في العبادة. وبستان الدكة، مع جلالته، ملاصق لموضع الفحشاء والمنكر، دون سائر البساتين، دليل على أن علم السابق واصل بالنطقاء، الذين هم معادن النواميس الفانية الحشوية، والأعمال الفاحشة الدنية. والمقس دليل على الناطق، وما في المقس من الفحشاء والمنكر دليل على شريعته، والنساء الفاسدات اللواتي فيه، دليل على دعاة ظواهر شريعته، وارتكابهم الشهوات البهيمية في طاعته. ثم إنه علينا سلامه ورحمته، يخرج إلى الصناعة (١) ويدخل من بابها، ويخرج من الآخر. والصناعة دليل على صاحب الشريعة، والصناعة ممنوعة من دخول العالم فيها والخروج لإضافة الشريعة، فدخول مولانا جل ذكره فيها من باب وخروجه من باب، دليل على تحريم الشريعة وتعطيلها. ثم إنه – علينا سلامه ورحمته – يدور حول البستان المعروف بالحجازي، وهو دليل على الكلمة الأزلية، والدوار حوله بلوغ إلى الكشف بلا سترة تحوط بالدين، ثم إنه – جل وعز سلطانه – يبلغ إلى القصور، وهما قصران عظيمان خرابان دليل على بطلان الشريعة وخرابها. ثم إنه – علينا سلامه ورحمته – يدخل من باب البستان المعروف بالمختص، وهو دليل على التالي، إذ كان التالي مختصًا بعلمه الأساسي والتأويل. وأكثر العالم يميلون إليه، وهو هيولي العالم الجرماني. ومن الشيعة من يعتقد ويعبد التالي، ومن الشيعة من يقول بأن التالي مولانا، وهذا هو الكفر والشرك. وإنما هو التالي الذي عجز الناس عن معرفته، وهو الجنة المعروفة بالمختص، متصلة بالجنة المعروفة بالعصار. والعصار دليل على الناطق، لأنه يعصر علم التالي فيخرج منه الحقيقة والتوحيد، فيكتمه عن العالم الغبي ويظهر لهم الثفل، وهو الكسب (٢) الذي لا ينتفع به غير البهائم. كذلك البستان المعروف بالعصار، وهو خراب من الفواكه والأشجار والرياحين والأثمار، وبستان المختص عامر بالفاكهة والأزهار، والرياحين والأشجار، ومنه يخرج الماء إلى الحوض الذي تشرب منه البهائم. والماء هو العلم، والحوض هو المادة الجارية من التالي، والدواب هم النطقاء والأسس. كذلك العلم يخرج من التالي إلى الأساس في كل عصر وزمان، والسابق ممد الناطق، ومن الفاتق إلى الراتق، ومن السابق إلى الطالب الطارق. وهذان البستانان بين المسجدين المعروفين بمسجد تبر (٣)، ومسجد ريدان (٤)، فمسجد ريدان محاذي بستان العصار، ومسجد تبر محاذي بستان المختص. ومسجد تبر دليل على الناطق، والتبر دليل على الذهب، والذهب دليل على إذهاب شريعته، وهذا المسجد لم تصل فيه صلاة جماعة قط، دليل على أن ليس للناطق ولا لمن تبعه اتصال بالتوحيد.

стр. 4319

ومسجد ريدان، دليل على حجة الكشف القائم بالسيف والعنف، الداعي إلى التوحيد المنكر عند سائر العالمين، كما نطق عبد مولانا جل ذكره في القرآن على لسان الناطق السادس (يوم يدع الداع إلى شيء نكر)، وهو عبادة مولانا جل ذكره وتوحيده، الذي أنكره سائر النطقاء والأسس أئمة الكفر، كما قال عبد مولانا – جل ذكره – في كتابه (قاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا أيمان لهم، لعلهم ينتهون).أراد لا أيمان لهم بمعرفة مولانا – جل ذكره – والإِيمان هو التسديق (التصديق) (١). وتوحيد مولانا – جل ذكره – صعب مستصعب، لا يحمله نبي مرسل، ولا وصي مكمل، ولا إمام معدل، ولا ملك مفضل. بل يحمله قلب صاف لبيب، أو موحد راغب من الأديان والطرائق، وعبد مولى الأساس والناطق، ومبدع التالي والسابق الحاكم على جميع النطقاء والشرائع، المنفرد عن جميع المخلوقات والبدائع. ولكل شيء ضد بين يديه، فبإزاء الباطل، الذي هو جنة العصاة، وهو دليل على الناطق حتى يرفع وهو مسجد ريدان، وهو ذو معة، وبإزاء الحق الذي هو جنة المختص وهو التالي باطل يطلب فساده، وهو مسجد تبر، وهو الناطق، والمولى جل ذكره ينصر أولياءه، ويهلك أعداءه، ويتم نوره ولو كره المشركون المتعلقون بعلي بن عبد مناف (٢)، والكافرون المتعلقون بالناطق وعدمه. وريدان خمسة أحرف، دليل على خمسة حدود، النفسانيين، والنورانيين، والروحانيين، والجرمانيين، والجسمانيين. وهو ذو معة العقل الكلي النفساني، وذو مصة، النفس الروحاني والجناح الرباني، والأيمن الباب الأعظم، وهو السابق والتالي، معدن العلوم ومنه ابتناؤها. وريدان كلمتان، (ري) و (دان)، و (ري) الأشياء وهم الحجج والدعاة والمأذونين والمكاسرين، كما قال عبد مولانا جل ذكره (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)، الأشياء الحقيقية، والذي الأزلي، والتوحيد الأبدي على يد ريدان، يوم الدين، وهو عبد مولانا ومولى الخلق أجمعين، جل ذكره، وعز اسمه، ولا معبود سواه، سبحانه جل وعلا أن يكون ديان أو سلطان أو برهان أو الله أو الرحمن، إذ كان الكل عبيده في سائر الأدوار، المستغفرين له في الليالي والأسحار، العابدين له طوعًا وكرهًا في العيان، سبحانه عن إدراك الأوهام والخواطر، أو يعرف الإِعلان والسرائر، أو بباطن أو بظاهر، إذ كان لا يدرك بعض ناسوته، وقدرة مقام جبروته، وعظم جلال لاهوته. وما من المساجد مسجد سقطت قبته، وهو المسجد بكماله غير مسجد ريدان، فأمر مولانا بإنشاء قبته، وزاد في طوله وعرضه وسموه دليل على هدم الشريعة الظاهرة على يد عبده الساكن فيه (٣). وإنشاء توحيد مولانا جل ذكره فيه بالحقيقة ظاهرًا مكشوفًا، وابتداء الشريعة الروحانية في بسيط روحاني توحيدي لاهوتي حاكمي لا يعبدون غيره وحده، ولا يشركون به أحدًا في السر والإِعلانية، سبحانه وتعالى عما يقول المشركون علوًا كبيرًا (٤). ثم إن مولانا علينا سلامه ورحمته، ظهر لنا في الناسوت البشرية، ونزوله عن الحمار إلى الأرض، وركوبه محاذي باب المسجد، دليل على تغيير الشريعة، وإثبات التوحيد، وإظهار الشريعة الروحانية على يد عبده حمزة بن علي بن أحمد، ومملوكه وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين، بسيف مولانا وشدة سلطانه، وحده لا شريك له.

стр. 4320

ووقوفه في ظاهر الأمر، وحاشاه من الوقوف والسير والجلوس والنوم واليقظة، لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:٢٥٥]، يعني النطقاء والأسس، مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:٢٥٥]، يعني من ذا الذي يقدر على إطلاق داع أو مأذون إلا بمشيئته، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:٢٥٥]، يعني من آدم إلى محمد بن إسماعيل، وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ يعني حجته، إِلاَّ بِمَا شَاء وهو المشيئة أعظم الدرجات، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ والكرسي هو التأييد الذي يصل إلى الحدود العالية، وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:٢٥٥]، وهما الجناح الأيمن والجناح الأيسر، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥]، العالي على كل من تقدم ذكره ومن تأخر ممن ينتظرهم الشيعة المشركون. وكان وقوفه عند الميل (١)، والميل دليل على التأييد، إذ كانت الأميال يستدلون بها على الطريق، كذلك التأييد بطرق العبد من المعبود، ويعود إلى الوجود، ونزوله إلى الأرض محاذي باب المسجد إشارة منه إلى عبد باب حجابه على خلقه، والداعي إليه بتأييده وأمره، إذ كان التأييد هو الأمر العالي الذي يكون بلا واسطة بشريه، والباب دليل على الحجة. ونزوله عن الحمار إلى الأرض وركوبه آخر كان في نفس آذان الزوال، وصلاة الزوال دليل على الناطق، وتغيير مولانا جل ذكره الحمار في نفس وقت الأذان، دليل على إزالة الظاهر. ويكون اعتمادهم من موضع تغييره، وهو يسمى المقام المحمود، والمشهد الموجود، والمنهل العذب المورود إلى قصر مولانا الحاكم بذاته، وهو المقام المحمود، محاذي باب شريعة روحانية وعلوم حاكمية، وأنا أذكرها لكم في غير هذا الكتاب إن شاء مولانا، وبه التوفيق في جميع الأمور، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم النصير المعين. ثم إن مولانا علينا سلامه ورحمته، لابد له في كل ركبة من الإِعادة إلى البساتين المعروفين بالمقس، دليل على إظهار النشوء الثالث الخارج من الكفر والشرك، وهما الظاهر والباطن، وهو توحيد مولانا جل ذكره. ودخوله إلى القصر من الباب الذي يخرج منه، والسرداب بعينه دليل على إثبات الأمر، وكشف الطرائق بكتب الوثائق، ورجوع الأمر إلى ما منه بدأ روحانية غير تكليفية، ولا ناموسية شيطانية، ولا زخارف هامانية، أعاذنا المولى وإياكم من الشك فيه، والشرك به بمننه وفضله، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأما نزوله في ظاهر الأمر إلى مصر، وما شاهدناه، ففيها تمكن الشيطان الغوي لعنه الله من قلوب العامة الحشوية (٢)، والعقول السخيفة الشرعية مما يسمعون من ألسن الركابية قدام مولانا جل ذكره بما يستقر في عقولهم السخيفة من كلام الهزل والمزاح، ولم يعرفوا أن فيه حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر:٥].

стр. 4321

فأول مسيره إلى المشاهد الثلاثة، وليس فيها آذان ولا إقامة ولا صلاة جماعية، إلا في الأوسط الذي هو المنهج الأقوم، والطريق الأسلم التي من سلكها نجا، ومن تخلف عنها هلك وغوى. ثم إنه علينا سلامه ورحمته، يسير إلى راشده (١)، أيضًا ثلاثة مساجد متفاوتات في بنيانها، وأحسن ما فيهم وأعلاهم وأفضلهم، الذي يصلي الخطيب فيه يوم الجمعة، وتصلي فيه خمس صلوات على دائم الأيام، وهو الوسطاني، وهو دليل على توحيد مولانا جل ذكره، وإثبات خمسة حدود علوية فيه، وهو دليل على حجة الكشف. والمسجدان اللذان معه متفاوتان في البناء، دليل على الناطق والأساس، وكذلك الناطق في ترتيب حدوده، أفضل من الأساس، والأساس أعظم شأنًا في ترتيب الباطن ورموزه من الناطق في المعقولات والبيان، فلما ظهر التوحيد زالت قدرتها جميعا، وسميت (راشدة) لأن بمعرفة الحجة وهدايته، والأخذ منه يرشد المستجيبون ويبلغون نهاية توحيد مولانا جل ذكره. ثم إن علينا سلامه ورحمته، يدور حول هذا المسجد الوسطاني في ظاهر الأمر دليل على التأييد لعبده، وقدام المسجد عقبة صعبة الصعود لمن يسلكها، وليس إلى القرافة (٢) محجة إلا على هذه العقبة دليل على البراء من الأبالسة، أصحاب الزخرف والناموس وليس للعالم نجاة إلا بالبراءة منهم، كما أن المحجة على هذه العقبة، وهي صعبة مستصعبة لكن فيها افتكاك الرقبة، وهو التخلص من الشريعتين الظاهر والباطن. أما ما يرونه من وقوفه في الصوفية، واستماعه لأغانيهم، والنظر إلى رقصهم، فهو دليل على ما استعمل من الشريعة التي هي الزخرف واللهو واللعب، وقدرنا هلاكهم. وأما بئر الزئبق، فهو دليل على الناطق، من فوقه واسع، ومن أسفله ضيق، كذلك الشريعة دخولها سهل واسع، والخروج منها صعب ضيق، لكن من يقفز في هذا البئر ويعرف سره ويقف على معناه، ويريد المولى نجاحه خرج من بابه، وهو دليل على أساسه، والوقوع في الشريعة لابد منه حتما لزما لكل أحد، ويخلص المولى من يشاء برحمته منها، كما قال الناطق في القرآن وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا [مريم:٧١] يعني السابق، حَتْمًا مَّقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا [مريم:٧٢] من الناطق وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ [مريم:٧٢] يعني أهل الظاهر، فِيهَا جِثِيًّا [مريم:٧٢] يعني حيران حزينًا دائمًا. ومن خرج من هذا البئر سالمًا أخذ من الحكام ما يستنفع به، كذلك من كان تحت الشريعة وعلم التأويل ورموزه وتخلص من شبكتيهما جميعًا وعلم ما يراد منه، وصل إلى التوحيد، واستنفع بدينه ودنياه، ومن قفز فيهما: ... لا قوة، وهما السابق والتالي انكسرت رجلاه واندق عنقه، دليل على أن من انقطع من السابق والتالي الذين هما الأصلان المحمودان وخالفهما (خسر الدنيا والآخرة، ذلك الخسران المبين) (٣).

стр. 4322

وأما بئر الحفرة، فهو دليل على الأساس، وهو أشد عذابًا من بئر الزئبق، وأتعب خرجا، لأن من اعتقد الظاهر، وهي الشريعة، إذا بلغ الباطن اعتقد أنه ليس فوق الأساس شيء، وأنه الغاية والمعبود، فيبقى في العذاب الأبدي، إلى أن يريد المولى منجاته، فيحتاج الداعي أن يتعب معه من قبل أن يكسره ويجبره ويخرجه مما هو عليه من الكفر والشرك. وأما لعب الركابية بالعصي والمقارع (١)، قدام مولانا جل ذكره فهو دليل على مكاسرة أهل الشرك والعامة وتشويههم بين العالم، وإظهار أديانهم المغاشم ويكشف زيفهم باستجرائهم على المخاطبة بحضرته. أما الصراع، فهو دليل على مفاتحة الدعاة بعضهم لبعض، وقد كان للعالم في قتل سويد والحمام عبرة لمن اعتبر، ونجاة من الشرك لمن تدبر، لأنهما كانا رئيسين في الصراع، ولكل واحد منهما عشيرة وأتباع وهما دليلان على الناطق والأساس، وقتلهما دليل على تعطيل الشريعتين التنزيل والتأويل، والهوان بالطائفتين أهل الكفر والتلحيد. وأما ما ذكره الركابية من ذكر الفروج والأحاليل، فهما دليلان على الناطق والأساس، وقوله: (أرني قمرك) يعني اكشف عن أساسك وهو موضع يخرج منه القذر، دليل على الشرك فإذا كشف عن أساسه وأخرج قبله، أي عبادة أساسه، نجا من العذاب والزيغ في اعتقاده، ومن شك هلك. كما أن الإِنسان إذا لم يبل ولا يتغوط أخذه القولنج فيهلك. والنار ها هنا علم الحقيقة وتأييده جل ذكره فيحرق ما أتت به الشريعتان، كما أنهم يحرقون فروج بعضهم بعضًا في النار، دليل على احتراق دولتهما وانقضاء مدتهما، وإظهار توحيد مولانا جل ذكره بغير شاك فيه، لا يشرك به لا ناطق جسماني، ولا أساس جرماني، ولا سابق روحاني، ولا تال نفساني، ولا يبقى لمنافق جولة، ولا لمشرك دولة، ويكون أولو الأمر منكم وأهل الحساب منكم والمتصوفون في جميع الدواوين منكم، والعمال منكم، ويكون الموحدون لمولانا جل ذكره في نعيم دائم وإحسان غانم، وملك قائم ... فعليكم معاشر الإخوان الموحدين لمولانا جل ذكره، العابدين له وحده دون غيره بالحفظ لإِخوانكم، والتسليم لمولانا جل ذكره، والرضا بقضائه في السراء والضراء، تنجوا من عذاب الدين وشقوة الدنيا، بمنة مولانا وقوته) (٢). وهكذا نرى أن حمزة لم يأت بجديد في موضوع ألوهية الحاكم، وإن فاق الكثير دهاء ومكرا وعداوة للإِسلام، وتلاعبًا بالألفاظ وتآويل حلزونية. وحمزة بعد هذا كله لم يأت بدليل على ألوهية الحاكم، إذ لينه وتواضعه وكرمه دليل على اللاهوت، وشجاعته وشدته دليل أيضًا، بل سدل شعره وارتداؤه الصوف واللعب بالإحليل والفرج دليل كذلك. وهكذا فإن الإِنسان العاقل وهو يقرأ هذه السخافات لا يستطيع إلا أن يرثي لحال هؤلاء الذين – لا يزال حمزة – يلعب بعقولهم فيؤمنون بأقواله وسخافاته ... ويقف حائرًا أو حزينًا أمام هذه الأقوال (المقدسة عندهم) وإلى تبتر الخيط الرفيع بين الدرزي والإِسلام؟!. المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٣٩

стр. 4323

المبحث الثالث: تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم أشرنا فيما تقدم إلى شغف الحاكم بالطواف بالليل، ولاسيما في جنبات جبل المقطم، وكان يتوغل في الجبل، (وفي ليلة الاثنين ٢٧ شوال سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م) خرج الحاكم كعادته للطواف – في الجبل، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي) (١). ولكن الحاكم لم يعد، وأرجح الروايات أن أخته ست الملك قد دبرت اغتياله، وكما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي (فقد دفعها إلى تدبير اغتياله أمران:

стр. 4324

١ – أنها لما رأت أعمال الحاكم الشنيعة، خافت أن يخرب بيت الخلافة الفاطمية على يديه، فقد كرهته قبيلة كتامة صاحبة الفضل الأكبر في قيام الدولة الفاطمية في المغرب، والتي كانت لها مكانة عالية في مصر بعد فتحها، بسبب إعدامه لكثير من وجهائها، وحده من نفوذها، كما كرهه أهل مصر لتصرفاته الشاذة، وكرهه الجند أيضًا بسبب تصرفاته مع قوادهم، ومعهم أنفسهم.٢ – أنها خافت على نفسها من بطشه، إذ اتهمها بسوء سلوكها مع الرجال، وما أيسر أن ينفذ وعيده لها، لهذا آثرت أن تقضي عليه قبل أن يقضي عليها) (١).وتؤكد الروايات التاريخية هذين الأمرين، ومما أورده المؤرخون ما نقله ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة عن ابن الصابئ: (أن الحاكم لما بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس منه، وكان له أخت يقال لها ست الملك، من أعقل النساء وأحزمهن، فكانت تنهاه وتقول: يا أخي، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك. فكان يسمعها غليظ الكلام ويتهددها بالقتل، وبعث إليها يقول: رفع إلي أصحاب الأخبار أنك تدخلين الرجال إليك وتمكنينهم من نفسك، وعمل على إنفاذ القوابل لاستبرائها، فعلمت أنها هالكة) (٢).ويضيف ابن الجوزي في المنتظم: (وراسلت ست الملك قائدًا يقال له: ابن دواس (من شيوخ كتامة)، كان شديد الخوف من الحاكم أن يقتله، فقالت: إني أريد أن ألقاك، إما أن تتنكر وتأتيني، وإما أن أجيء أنا إليك فجاءت إليه، فقبل الأرض بين يديها وخلوا، فقالت له: لقد جئتك في أمر احرس نفسي ونفسك، فقال: أنا خادمك، فقالت: أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك، وأنه متى تمكن منك لم يبق عليك، وأنا كذلك، ونحن معه على خطر عظيم، وقد انضاف إلى ذلك ما قد تظاهر به، وهتكه الناموس الذي قد أقامه آباؤنا، وزيادة جنونه، وحمله نفسه على ما لا يصبر المسلمون على مثله، فأنا خائفة أن يثور الناس علينا فيقتلوه ويقتلونا وتنقضي هذه الدولة أقبح القضاء. قال: صدقت فما الرأي؟ قالت: تحلف لي وأحلف لك على كتمان ما جرى بيننا من السر وتعاضدني على ما فيه الراحة من هذا الرجل، فقال لها: السمع والطاعة، فتحالفا على قتله وأنهما يقيمان ولده مقامه، وتكون أنت صاحب جيشه ومديره، وقالت: اختر لي عبدين من عبيدك تثق بهما على سرك وتعتمد عليهما في مهمك) (٣).ويقول ابن كثير: (فجهز من عنده عبدين أسودين شهمين، وقال لهما: إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي، فاقتلاه واقتلاهما معه، واتفق الحال على ذلك ... وفي تلك الليلة ركب وصحبه صبي وركابي، وصعد جبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه وقطعا يديه ورجليه، وبقرا بطنه، فأتيا به مولاهما ابن دواس، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها، واستدعت الأمراء والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي، ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله) (٤).ولكن ابن الأثير يقول: (أنه توجه إلى شرقي حلوان (٥) ومعه ركابيان فأعادت أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال، وأمر لهم بجائزة، ثم عاد الركابي الآخر، وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة.

стр. 4325

وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال، فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي، صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم، ومعهم القاضي، فبلغوا عفان (١)، ودخلوا إلى الجبل، فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبًا، وقد ضربت يداه بسيف وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان، فرأوا ثيابه، وهي سبع قطع صوف وهي مزررة بحالها لم تحل، وفيها أثر السكاكين فعادوا ولم يشكوا في قتله) (٢).وينفي المقريزي هذه الروايات ويقول: (وقيل أن أخته قتلته، وليس بصحيح) (٣).ويروي أيضًا عن المسبحي: (وفي محرم سنة خمس عشرة وأربعمائة قبض على رجل من بني حسين ثار بالصعيد الأعلى فأقر بأنه قتل الحاكم بأمر الله في جملة أربعة أنفس تفرقوا في البلاد وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم، وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فقيل له: لم قتلته؟ فقال: غيرة لله وللإِسلام، فقيل له: كيف قتلته؟ فأخرج سكينًا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه) (٤). ولما طويت صفحة الحاكم، واستقر في الأذهان مصرعه، وصفا جو الريبة التي ثارت حول اختفائه، أخذ الظاهر بوحي عمته ست الملك، في نقض سياسة أبيه تباعا، فألغى أحكام التحريم التي أصدرها الحاكم، وطورد الملاحدة أصحاب حمزة والمنادون بألوهية الحاكم في عهده بمنتهى الشدة، وقبض على زعمائهم وشيعتهم، وقتل كثيرون منهم، وصدرت الأوامر بتتبعهم في سائر الأنحاء وهرب زعيمهم حمزة بن علي. أما الدروز فيقولون بغيبة الحاكم، وهذا يتمشى مع اعتقادهم أن الألوهية قد حلت في ناسوته: وكان لاختفاء الحاكم على هذا النحو فرصة لإِذكاء دعوتهم وتغذيتها، واتخذوا من هذا الاختفاء وظروفه الغامضة مستقى جديدا لدعوتهم. فزعموا أن الحاكم لم يقتل ولم يمت، ولكنه اختفى أو ارتفع إلى السماء، وسيعود عندما تحل الساعة فيملأ الأرض عدلاً، وأصبح هذا الادعاء أصلاً مقررًا من أصول عقيدتهم. ويوجد بين رسائل الدروز رسالة عنوانها (السجل الذي وجد معلقًا على المشاهد في غيبة مولانا الإِمام الحاكم)، وتاريخها في شهر ذي القعدة سنة ٤١١ هـ، أي بعد اختفاء الحاكم بأيام قلائل. (وتبدأ الرسالة بـ (التوبة) إلى الله تعالى، وإلى وليه وحجته على العالمين، وخليفته في أرضه، وأمينه على خلقه أمير المؤمنين) ... إلى أن تقول: وأنه قد سبق إليكم، أعني إلى الناس من الوعد والوعظ والوعيد من ولي أمركم، وإمام عصركم، وخلف أنبيائكم، وحجة باريكم ... إلخ) (٥). ويقول الدكتور عبد الرحمن بدوي عن هذا السجل: (ونحن نعتقد أن هذا السجل ليس من وضع حمزة بن علي، لأنه يخالف كل العقائد التي دعا إليها حمزة، - وذلك لأمرين -: ١ – فهو ينعت الحاكم بأنه (ولي أمركم، وإمام عصركم، وخلف أنبيائكم)، وأنه ولي الله و (خليفته في أرضه) و (أمير المؤمنين)، وهذه الصفات تتنافى مع ما ذهب إليه حمزة في رسائله، وخصوصًا في (ميثاق ولي الزمان) حيث نعت الحاكم بأنه (مولانا الأحد، الفرد الصمد).

стр. 4326

٢ – إن هذا السجل يمجد في الحاكم بأمر الله أنه أحيا (سنة الإِسلام والإِيمان) التي هي الدين عند الله، وبه شرفتم وظهرتم في عصره على جميع المذاهب والأديان ... فدخلوا في دين الله أفواجًا، وبنى الجوامع وشيدها، وعمر المساجد وزخرفها، وأقام الصلاة في أوقاتها، والزكاة في حقها وواجباتها، وأقام الحج والجهاد، وعمر بيت الله الحرام، وأقام دعائم الإِسلام): فكيف يتفق تمجيد الحاكم بسبب إحيائه سنن الإِسلام، والسهر على أركانه، مع ما يذهب إليه حمزة بن علي في (ميثاق ولي الزمان) من أن من يدخل في ديانة التوحيد التي دعا إليها، فعليه أن يتبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات كلها) (١). وأرى أن هذا السجل، لا يمكن أن يكون من وضع حمزة أو أحد دعاته، لأنه في الواقع ينفي كل ما ذهب إليه الدروز في اعتقاداتهم بأن الحاكم هو الإِله، وليس الإِمام أو الخليفة، وكما سنرى في الفصول القادمة، فإن هذه الألقاب لا يجوز أن يوصف بها الحاكم. ويرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أيضًا: (أن صاحب المصلحة في ذلك، كان أصحاب السلطة والوزراء، أو من شابههم، وذلك حتى يكون إعلانًا عامًا للناس، وطمأنة لهم، وتخويفًا في نفس الوقت، خصوصًا وأن الناس يكرهون الحاكم، وأنه قد يحدث بعد وفاته اضطراباً في الأمن واختلالاً في أحوال الدولة) (٢).وإلى جانب هذا السجل، هناك رسالة أخرى كتبها أحد أكابر الدعاة وأحد الحدود الخمسة عند الدروز، وهو المقتني بهاء الدين (٣) وعنوانها (رسالة الغيبة). يقول فيها: (معشر الموحدين، إذا كنتم تتحققون أن مولاكم لا تخلو الدار منه، وقد عدمته أبصاركم ... وإذا فسدت المعدة ضرت البصر، فهكذا إذا كانت المادة واصلة إلى النفوس الصحيحة، فينظروا صورة الناسوت نظرًا صحيحًا، وإذا كانت المادة من فعل الأبالسة ومادة النطقاء والأسس وشرائعهم، فيفسد النظر، وما ينظر إلا بشر ... ثم يقول: ألم تعلموا أن مولاكم يراكم من حيث لا ترونه. معشر الإخوان، أحسنوا ظنكم بمولاكم يكشف لكم عن أبصاركم ما قد غطاها من سوء ظنكم) (٤). (وهذا وقد مضى إلى اليوم عشرة قرون، ولا يزال الدروز يؤمنون برجعته ويرقبونها، ولم يحدد لنا الدعاة متى تكون هذه الرجعة؟ ولكن يقولون:

стр. 4327

إنه متى حلت الساعة، يقوم جند الموحدين من ناحية الصين، ويقصدون إلى مكة في كتائب جرارة، وفي غداة وصولهم يبدو لهم الحاكم على الركن اليماني من الكعبة، وهو يشهر بيده سيفا مذهبا، ثم يدفعه إلى حمزة بن علي فيقتل به الكلب والخنزير وهما عندهم رمز الناطق والأساس. ثم يدفع حمزة السيف إلى محمد (الكلمة) وهو أحد الحدود الخمسة عندهم، وعندئذ يهدم الموحدون الكعبة، ويسحقون المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض، ويملكون العالم إلى الأبد، ويبسطون سلطانهم على سائر الأمم، ويفترق الناس عندئذ إلى أربع فرق، الأولى: الموحدون، والثانية: أهل الظاهر وهم المسلمون واليهود، والثالثة: أهل الباطن وهم النصارى والشيعة، والرابعة: المرتدون وهم الجهال (١)، ويعمد حمزة إلى أتباع كل طائفة غير الموحدين، فيدمغهم في الجبين أو اليد، بما يميزهم من غيرهم، ويفرض عليهم الجزية وغيرها من فروض الذلة والطاعة) (٢). وكما يزعم جنبلاط فإن هذا الدور سيكون في حدود سنة (٢٠٠٠ م)، حيث سيكون بتحلٍ إلهي حر بفتح الطريق للناس من جديد للإِيمان بالحاكم (٣).

стр. 4328

وفي رسالة (الإعذار والإِنذار) يصرح حمزة فيها بأنه الإِمام وأنه سيغيب أيضا، على أن يرجع مرة أخرى بعد قليل، ويصرح بهاء الدين المقتني أنه عندما غاب المعبود (أي الحاكم)، امتنع قائم الزمان (أي حمزة) عن الوجود، فمن ذلك كله نقول: إن حمزة خاف على نفسه بعد اختفاء الحاكم، واختفى هو الآخر. وقد قام بأمر الدعوة في غيبة حمزة، الداعي بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموفي، المعروف بالضيف، لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي، وهذه المرتبة يكون صاحبها لسان الدعوة، واستمر بهاء الدين الضيف يحمل عبء هذه الدعوة، ويكتب رسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال سكين (١).وقد كثرت الآراء الجديدة من معتنقي المذهب الجديد، مما جعل بهاء الدين يهدد أتباعه باعتزال الدعوة، وبالفعل اعتزلها سنة ٤٣٤ هـ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد، حرصًا على المبادئ التي وضعها حمزة والتميمي وبهاء الدين نفسه، ولذلك لم يظهر مشرعون بعد بهاء الدين، بل أصبح شيوخ الدروز يشرحون رسائل حمزة والتميمي وبهاء الدين) (٢).تلك هي نظرية دعاة الدروز ومزاعمهم في غيبة الحاكم وفي رجعته، ولم يجد أصحاب هذه الدعوة ملجأ لها، إلا وادي التيم في الشام بعد انهيار دعوتهم في مصر، وحاولوا بشروحهم ومزاعمهم الجديدة أن يستبقوا ولاء شيعتهم وأنصارهم هنالك، من قبيلة تنوخ وغيرهم الذين استمالهم الدرزي عندما هرب من بطش الجند والناس في مصر، ومازالت بقيتهم إلى يومنا هذا، (وهم طائفة الدروز حيث يعيشون الآن في لبنان وسوريا وفلسطين) (٣)، في مجتمع مغلق على نفسه بسرية تامة، فلا يسمحون لأي إنسان أن يعتنق مذهبهم أو أن يتعرف أحد على مبادئه، فلا جدوى عندهم أن تعرض على أي كادر أن يصبح درزيًا، فكل إنسان يظل على ما هو عليه، لأن الروح الدرزية تنتقل بعد الموت وتتقمص في جسد درزي آخر (٤).هذا وقد ظهر بين الدروز في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، أي بعد قيام الدعوة الدرزية بأكثر من أربعة قرون ونصف، عالم درزي اسمه الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي (٥)، والذي تذكر عنه الروايات أنه كان صالحًا فقيهًا حاول أن يعيد الدروز إلى الإسلام من جديد، وذلك بدعوتهم لقراءة القرآن وبناء المسجد والقيام بأركان الإسلام، ولكن يبدو أن ثمرة جهوده قد اندثرت بعد وفاته وعاد الدروز إلى ما كانوا عليه. وقد عثرت على مخطوط عنوانها (رسالة في معرفة سر ديانة الدروز) ومؤلفها مجهول، ويبدو أنها كتبت قبل فترة ليست بالطويلة، وذلك من خلال أسلوبها ولهجتها اللبنانية، وسنورد بعض المقتطفات فيها هنا، وهي تبين لنا بشكل واضح أهم معتقدات الدروز وتطورها بعد مقتل الحاكم، والرسالة كتبت على طريقة السؤال والجواب كما يلي: س: أدرزي أنت؟ ج: نعم بنعمة مولانا الحاكم سبحانه. س: ما هو الدرزي؟ ج: هو الذي كتب الميثاق بعد مولانا الخالق. س: ماذا فرض عليكم؟ ج: صدق اللسان، وعبادة الحاكم، وباقي الشروط السبعة.

стр. 4329

س: بماذا تعرف أنك درزي موحد؟ ج: بأكل الحلال، وترك الحرام. س: ما هو الحلال والحرام؟ ج: الحلال هو مال العقال، والفلاحين، وأما الحرام فمال الحكام والمرتدين. س: كيف ومتى كان ظهور مولانا الحاكم؟ ج: كان في السنة الأربعمائة من الهجرة الإسلامية (١). س: وكيف ظهر وقال. أنه من نسل محمد حتى أنه أخفى لاهوته ولِمَ أخفاه؟ ج: لأن عبادته كانت قليلة والذين يحبونه ليسوا كثيرين. س: ومتى ظهروأشهر لاهوته؟ ج: بعد ثماني سنين بعد الأربعمائة. س: وكم سنة أقام لاهوته بالأشهاد؟ ج: السنة الثامنة بكمالها، وغاب التاسعة لأنها سنة استتار وظهر أول العاشرة والحادية عشرة، ثم اختفى في الثانية عشرة ولم يظهر بعدها حتى يوم الدين. س: وما هو هذا يوم الدين؟ ج: هو اليوم الذي يظهر فيه الناسوت، ويحكم فيه العالم بالسيف والعنف .. س: ومتى يكون ذلك؟ ج: إن ذلك أمر غير معلوم، ولكن العلائم تظهر. س: وما هي هذه العلائم؟ ج: إذا رأيت الملوك انقلبت، والنصارى قويت على المسلمين. س: وفي أي شهر يكون هذا؟ ج: هذا يكون في جمادى أو رجب على حساب المعاجزين. س: وكيف يكون حكمه على الطوائف والملل؟ ج: يظهر عليهم بالسيف والعنف ويهلك الجميع. س: وبعد هلاكهم ماذا يكون؟ ج: يرجعون بالولادة ثانية على حكم التناسخ ثم يحكم بينهم كما يريد. س: كيف يكونون وهو يحكم بينهم؟ ج: يكونون أربع فرق: نصارى، ويهود، ومرتدين، وموحدين. س: لماذا إنكار الكتب سوى القرآن؟ ج: اعلم أنه من حيث لزمنا الاستتار بدين الإسلام (٢)، وجب علينا الإقرار بكتاب محمد، ولا خلل علينا بذلك، وصلاة الجنازة على الموتى بموجب الاستتار لا غير، لأن المذهب الطاهر اقتضى ذلك (٣). س: من أين عرفنا شرف قيام الحق من حمزة بن علي سلامه علينا؟ ج: من شهادته لنفسه حيث قال في رسالة (التحذير والتنبيه): (أنا أصل مبدعات المولى، وأنا سراطه والعارف بأمره، وأنا الطور والكتاب المسطور والبيت المعمور، أنا صاحب البعث والنشور، أنا النافخ في الصدور، وأنا الإِمام المتين، وأنا صاحب النعم، وأنا ناسخ الشرائع ومبطلها، وأنا مهلك العالمين، وأنا مبطل الشهادتين، وأنا النار الموقدة التي تطلع على الأفئدة).

стр. 4330

س: وما هو دين التوحيد الذي عليه الدروز، والعقال مستدلون؟ ج: هو الكفر بكل الملل والطوائف، لأن بالذي كفروا نؤمن نحن، كما قيل في رسالة (الإعذار والإِنذار).س: فإذا عرف أحد دين مولانا، وصدق به (١)، وانقاد إلى دين التوحيد وعمل بحسبه، فهل له خلاص؟ ج: كلا، لأنه غلق الباب، وتم الكلام، وإذا مات يرجع إلى ملته ودينه القديم. س: متى خلقت نفوس العالم كلها؟ ج: بعدما خلق العقل، الذي هو حمزة بن علي، ثم خلقت الأرواح، كلها من نوره، وهي معدودة لا تزيد ولا تنقص مدى الزمان. س: أيليق أن يسلم التوحيد للنساء؟ ج: نعم لأن مولانا كتب عليهن العهد، وأطعن إلى دعوة الحاكم كما هو مذكور في رسالة (ميثاق النساء)، وكذلك في رسالة (البنات). س: وكيف تقول في بقية الملل الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض؟ ج: إنهم، وإن قالوا كذا فلا يصح، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة فإن قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم باطلة. س: مَنْ مِنَ الحدود يصف حكمة المولى سبحانه الذي عليه مبنى ديننا؟ ج: إن وصف ذلك، ثلاثة من الحدود، وهم حمزة وإسماعيل وبهاء الدين. س: كيف نعرف أخانا الموحد إذا رأيناه في الطريق ومر بنا يقول إنه فينا؟ ج: بعد اجتماعنا فيه والسلام، تقول له في بلدكم فلاحون يزرعون الأهليلج، فإن قال: نعم مزروع في قلوب المؤمنين، فنسأله عن معرفة الحدود، فإن أجاب، وإلا فهو الغريب. س: ما هي الحدود؟ ج: هم أنبياء الحاكم الخمسة، حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء الدين. س: هل للجهال من الدروز خلاص أو مرتبة عند الحاكم إذا ماتوا على ما هم عليه من غير عقل؟ ج: لا خلاص لهم بل يكونون عند مولانا الحاكم في اللباس والمعيار أبدًا. س: ما هي نقطة البيكار؟ ج: هو حمزة بن علي. س: ما هو القديم والأزل؟ ج: إن القديم هو حمزة، والأزل أخوه إسماعيل. س: ما هي حروف الصدق وكم عددها؟ ج: مائة وأربعة وستون حرفا، وهي الدعوة والتقي والمكاسرون وهم الأنبياء التي كانت لمولانا الحاكم. س: ما هي حروف الكذب؟ ج: ستة وعشرون، وهي دليل إبليس وأولاده ورفاقه، وهم محمد وعلي وأولاده الاثنا عشر، وهذا علي إمام المتاولة (٢). س: ما هو معنى ركوب مولانا الحمير بلا سروج؟ ج: الحمار مقال الناطق، وركوبه دليل على هدم شريعته وإبطالها، وقد قال القرآن تصديقًا لهذا (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) يعني الأنبياء الذين جاؤوا بالشريعة الظاهرة. س: ما معنى لبس مولانا الصوف الأسود؟ ج: إن ذلك ليس بدليل على الحزن، إنما علي المحبة التي صارت على عبادة الموحدين بعده (٣). س: وما هو سبب ظهوره في كل شريعة؟ ج: أن يؤيد الموحدين ويثبتوا في عبادة الحاكم ولا يصدقوا إلا منه. س: وكيف ترجع النفوس إلى أجسادها؟ ج: كلما مات إنسان ولد آخر والدنيا هكذا. س: كيف يستدل على أن دين الحاكم حق وغيره باطل؟ ج: إن هذا كلام كفر وعدم تصديق بالحاكم، لأن الموحدين قد أشترطوا على أنفسهم في كتب الميثاق أنهم سلموا كل أرواحهم وأجسادهم وشعرهم، وسرهم وصهرهم بيد الحاكم من غير محض ولا جدال، فإذا هم في طاعته، وإن قالوا: غير هذا فقولهم كفر، كما قال في رسالة (الرضى والتسليم) ولحمزة عبد مولانا الحاكم وملاكه، وهذا الأمر ثابت.

стр. 4331

س: ما المراد بالجن والملائكة والأبالسة في كتاب حمزة؟ ج: إن المراد بالجن والأبالسة الناس الذين لم يطيعوا دعوة مولانا الحاكم، وأما الشياطين فأرواح خبيثة لا أجسام. أما المراد بالملائكة المقربين والمستجيبين لدعوة الحاكم بأمره، فهو الرب المعبود في كل الأدوار. س: ومن هم الحرم الأربعة؟ ج: هم إسماعيل ومحمد وسلامة وعلي، وهم الحكمة، النفس، بهاء الدين، ابن أبي الخير. س: ولماذا تسموا حرما؟ ج: لأن حمزة هو بمقام الرجال، وهم نسوان، لأنهم عنده بمنزلة النساء في طاعتهم له. س: وما ذكر الأحاليل والفرج؟ ج: أشار إلى حالة ولا محلة، لأن الإحليل يقوي ويعمل الحركة، على فرج المرأة، وكذلك مولانا جعل سلطان لاهوته يغلب المشركة كما رأينا في رسالة يقال لها (حقائق الهزل). س: ولماذا أوصانا حمزة بن علي بأن نخفي الحكمة ولا نكشفها؟ ج: لأن فيها أسرار مولانا وعهوده، فلا يجب أن نكشفها إلى أحد لأنها خلاص النفوس وهي حياة الأرواح. س: ألعلنا نحن نخلص، ولا نريد كل الناس أن تخلص؟ ج: هذا ليس من طريقته، لأن الدعوة ارتفعت وغلق الباب وكفى من آمن، وكفر من كفر. س: وما معنى إبطال الصدقة على بعض الناس؟ ج: إن الصدقة لا تجوز عندنا، إلا على أخينا الموحد العاقل، وأما على غيره فهي حرام أبدا (١).والدروز في الوقت الحاضر، يحاولون أن يطوروا دينهم، بما يتناسب وروح العصر، وذلك بطباعة ما يسمى بـ (مصحف الدروز) (٢) أو المنفرد بذاته، والذي ينسب تأليفه إلى كمال جنبلاط أحد زعمائهم (٣) بالتعاون مع عاطف العجمي. ويحاول كاتب هذا المصحف أن ينسبه إلى حمزة بن علي ولكن من المؤكد أن هذا المصحف قد كتب حديثًا، والدليل على ذلك ألفاظه وأسلوبه العصري، والتي تدل على أنه كتب في العصر الحاضر، لذلك لا نستبعد أن يكون كاتبه كمال جنبلاط. وكاتب هذا المصحف، يحاول فيه أن يحاكي القرآن الكريم، بل يحاول أن يقتبس الكثير من الآيات القرآنية، والتي توافق هواه، فيبدل ويحور فيها، ويضيف ما يشاء من عنده، ليبرهن إلى ما يرمي إليه. وقد حاولت أن أجمع الآيات، التي حورها وبدلها، فتبين لي أن الآيات كانت فقط آيات مشاهد القيامة، والجنة والنار، وكذلك آيات الوعيد للكافرين بالعذاب والجحيم، وآيات الجنة والنعيم للمؤمنين. وكل هذه الآيات يحورها إلى ما يرمي إليه، وهو أن العذاب سيكون لكل من يكفر بألوهية الحاكم، والنعيم سيكون للموحدين الذين يعبدون الحاكم.

стр. 4332

ومن أمثلة ذلك ما جاء في عرف الأمر والتقديم إذ يقول: (أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم، يوم ينادي منادي مولاكم الحاكم من مكان بعيد: هذا يومكم الذي فيه توعدون، تتلوها أيام العذاب إنكم لخالدون ولات محيص ... إلى أن يقول: وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون، فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين) (١).ويقسم هذا المصحف إلى أربع وأربعين عرفا، ويقع في مائتين وتسع وستين صفحة، ويقول كاتبه في مقدمته: (جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه. ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان، ولقد اخترنا اسم العرف تناسبا مع ما يطلق على أبناء التوحيد: كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف) (٢). وفي أوائل صفحات هذا المصحف، يعرف كاتبه بالأسماء والعبارات والإشارات التي وردت في ثناياه، ومما يذكر أن في بعض أعراف هذا المصحف عبارات غريبة، كتبت بأحرف عربية، ولكنها لغة غير معروفة، لا يعرف معناها، والظاهر أنها ألغاز، ولذلك يقول كاتبه: أنه لا يريد أن يظهر معناها، لأن لها معان سرية لا يجوز لكل واحد الاطلاع عليها. ومن أمثلة ذلك ما ورد في عرف (شمس المغيب): (يوديلووهكا طران كنان وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكهز كان بطكة وعد ودلولذوسلر) (٣). وقد بدأ هذا المصحف بـ (عرف الفتح) نورده هنا، لنعرف بعض ما يرمون إليه من هذا المصحف: (به، والحمد له على هذا النور، والشكر والفضل لذوي الصلات موالينا الحدود (٤) صلى الله عليهم ومن قبل ومن بعد، والموحدون في صياصيهم (٥) يرجعون ما أمر المولى به أن يوصل. الحمد أبدأ للذي وفقنا لحفظ الحكمة في صدورنا من مصحفه المنفرد بذاته، نرتله مستضيئين، وهو الذي انشقت عنه سماء القدرة بمنة آلاء التجليات، فانفجرت منه اثنا عشرة عينا قد علم الموحدون مشربهم (٦).الحمد لك مولانا (٧)، أنت الذي فتحت أبواب قلوبنا على حكمه وأحكامه، وآدابه وتأويله وإعرابه، وأنت الذي ألهمتنا تدبر معانيه في حقيقته ومجازه، وإيجازه وإسهابه، ودعوتنا إلى الاعتصام بأمتن أسبابه. ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، شهادة مشاهد موحد عارف موقن، مؤمن بأيام حسابه، ونشهد أن موالينا وساداتنا الحدود الخالقين، صليت عليهم، هم فصل خطابك وألسنة ذاتك، وهم موصلو حبال الحق، وجامعو الموحدين على مائدة المعبود، فعليهم منك صلات الصلاة مادامت عين اليقين.

стр. 4333

مولانا بك آمنا، ولك أقررنا أن مصحفك هذا، نور الصراط المستقيم هو مسوق إلينا، معروض علينا، دان إلى أفهام قلوب ألبابنا، عال بأسراره وأبنائه، لا يمل من تلاوته، ولا ينزف من حلاوته، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، قريبه حكمه، وبعيده علمه، وهو المجيز عند الخصام، والأسوة سببها لجميع الموحدين ما بين العالمين مدى حيوات الأنام، أسهمه لا تنبو، وعادياته لا تكبو، هو الكل والبعض والجمع والفرق، به تبدل الأعيان، ولا عدة إلا به، والجميع إليه. مولانا، نستفتح به مصلين حامدين شاكرين، وقد طوينا البيد مؤمنين، وسرنا في رياض جنة المنتهى غير محجوبين عن عيونك، وهذه آيات حكمة مصحفك ترتلها أفئدتنا كرما منك، لتصون بها وجوه كوننا من إحراق العدم. ففي تلاوتها يا مولانا، نرى كشف النور والظلم، وفي نومنا قرارنا، وظعننا وأسفارنا، وسلمنا وحربنا، وصحتنا ومرضنا، وفي مهودنا صابين، وفي شيخوختنا عاجزين، وفي حيواتنا وموتنا، وفي الدنا وفوق أشياخ النجوم. إنك مولانا، نعم المولى ونعم النصير) (١).ويبدو أن جنبلاط كان له الأثر العميق في الدرزية فقد اعترف بذلك في كتابه (هذه وصيتي) فدراسته للمذهب الدرزي أتاحت له الشروع في عمل تحليلي، حيث قارن مذهبه على هدي تعاليم الفيدا الهندوكية والفلسفة اليونانية اللتين أتاحتا له اكتشاف مفاتيح الأسرار الدرزية – كما يزعم – وأعطاه خربًا من السلطة الروحية مما جعل مشايخ الدروز يطلبون رضاه (٢). وهذا يوضح لنا قدرة جنبلاط وإحاطته بالدين الدرزي، ويؤكد القول بأن المصحف المنفرد بذاته من تأليفه. ولإِعطاء صورة أوضح عن حقيقة العقيدة الدرزية في الوقت الحاضر، نورد حديثًا شخصيًا مع الأستاذ كمال جنبلاط، الرجل الذي ينسب إليه مصحف الدروز، وقد أجراه معه الدكتور مصطفى الشكعة، في كتابه إسلام بلا مذاهب حيث يقول فيه جنبلاط: يرجع تاريخ الدروز إلى ثلاثمائة وثلاث وأربعين مليونا من السنين حين كانت الأرواح بلا أجساد (٣). الدروز يؤمنون بالتقمص، أي تقمص الأرواح، بمعنى أن الذي يموت لا تصعد روحه إلى السماء بل تتقمص جسد مولود جديد ولذلك فهم لا يزيدون عددا ولا ينقصون لأن النقص عملية دائمة متواصلة بين أرواحهم، وهم لذلك يقولون إن الحياة البرزخية غير موجودة.

стр. 4334

الدروز موجودون منذ الأزل، واعتنقوا كثيرا من الديانات على مر الدهور، واعتنقوا الإِسلام في مرحلة من مراحل عقيدتهم، ولما كانت العقيدة عندهم متطورة فقد تحولوا عن الإِسلام إلى دين آخر مستقل هو الدين الدرزي، أي أن الدرزية كانت مذهبًا إسلاميًا ثم تطورت وأصبحت دينًا مستقلاً، والأقطاب هم الذين يجددون الدين من زمن إلى زمن، وهم يجيئون بأسماء مختلفة بين الفينة والفينة بدافع نظرية التقمص التي يؤمن بها الدروز ولذلك فالدرزية دين متطور يتطور من زمن إلى آخر. الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن، ومن ستة عشر كتابًا خطيًا لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها، كما أنها تأخذ تعاليمها من الفلسفة اليونانية وبخاصة الأفلاطونية القديمة، والمسيحية والإِسلام والبوذية والفرعونية القديمة، ويعتبرون إخوان الصفا من الدروز لتشابه الأفكار بينهما، فقد كان إخوان الصفا يطالبون بمزج الشريعة الإِسلامية بالفلسفة اليونانية، وبهذه المناسبة يخلط البعض خطأ بين الدرزية والإِسماعيلية، والواقع أن الفرق بينهما شاسع كبير. محمد ﷺ له مكانة محدودة عندهم، وهو ليس إلا واسطة الرسالة وحسب (١)، وللدروز خمسة أقطاب منذ القدم، خامسهم وآخرهم الحاكم بأمر الله الفاطمي (٢)، ولأبي يزيد البسطامي مكانة عالية سامية (٣)، وأما الصحابة فمنهم أربعة لهم مكانة عليا عندهم وهم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر (٤)، وأبو ذر الغفاري (٥).لا يقبل الدروز أحد في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، وحتى هؤلاء الذين يخرجون لا يعترف الدروز بأنهم قد خرجوا، ولذلك فإن عدد الدروز في ظل هذه النظرية ونظرية التقمص لا يزيد ولا ينقص، وقد أغلقت أبواب القبول في الدين الدرزي بعد قبول الأمير بشير الشهابي الذي يعتبره الدروز درزيًا (٦).

стр. 4335

الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر، ولا يهتم بالشكليات، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس، وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها. وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب، ويصومون رمضان، ويحجون البيت، ولكن هذه الفرائض جميعًا قد رفعت عنهم واستبدلت بتكاليف أخرى) (١). وفي حديث شخصي آخر أجراه الدكتور الشكعة مع شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبي شقرا، والذي كان أكثر سرية ومواربة في أجوبته، وأقل صراحة من كمال جنبلاط، ومما قاله شيخ العقل: الصلاة تختلف عن صلاة جمهور المسلمين، فالفروض وإن كانت خمسة إلا أن عدد الركعات في كل صلاة تختلف عن عدد الركعات المعروفة، وربما طريقة الصلاة نفسها، هذا والوضوء ليس ضروريًا مادام المصلي نظيفًا. الصوم معناه الامتناع عن الرفث، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الأكل والشرب مع الصوم، وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد، كما أن صوم رمضان مستحسن عن غيره لأن الصوم فيه مضاعف الثواب. الزكاة معطلة ولا حدود لها، ويمكن أن تكون في شكل صدقات، وهي اختيارية، وهي بالتالي ليست فريضة) (٢).

стр. 4336

ولعل من المفيد ونحن نتحدث عن تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم، أن نعطي بعض الملامح لتاريخ الدروز منذ موت الحاكم وحتى القرن الحالي. فعندما جاء الزحف المغولي إلى بلاد الشام سنة ٦٥٧ هـ بزعامة هولاكو، كانت السيطرة على لبنان بيد أمراء الدروز التنوخيين، ولما دخل (كتبغا) ابن هولاكو دمشق جاءه الأمير التنوخي جمال الدين حجي الثاني معلنًا خضوعه له، مما جعل (كتبغا) يقر الأمير الدرزي على مقاطعة الغرب، ولكن مجيء بيبرس من مصر على رأس جيش المماليك لمقاتلة المغول، قلب موازين القوى – في ذلك الوقت -، وهنا ارتأى الدروز أن (يلعبوا على الحبلين)، وذلك أن يبقى أحدهم وهو الأمير جمال الدين بجانب كتبغا، فيما ينضم الأخر أي الأمير زين الدين إلى جانب المماليك، بحيث يكون على قول صالح بن يحيى: (أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فسيدخله رفيقه وخلة البلاد)، لأن الانحياز إلى أحد القوتين كان يعني المجازفة بمصيرهم فيما لو خسر الجانب الذي قد ينضمون إليه (١)؟!.وبعد انتصار المماليك على المغول، استولوا على بلاد الشام دون أن يتعرضوا لمناطق الدروز بسوء، ولذلك وجهوا اهتمامهم لاحتلال المناطق الساحلية التي كانت لا تزال بيد الصليبيين، ولكن بيبرس كانت تساوره الشكوك في حقيقة موقف الدروز، وغدا مليئًا بالشك والحذر منهم، وذلك بعدما نما إلى علمه أن أمراء الدروز على اتصال بوالي طرابلس الصليبي، فأمر بسجنهم ليتسنى له أن يلتفت لغدر الصليبين (٢).وكل هذا كان قبل قيام الدولة العثمانية، أما بعد قيامها، فقد راودتهم الأحلام القديمة بقيام دولة مستقلة لهم، وخاصة أنهم رأوا الفرصة سانحة لهم لانشغال العثمانيين بقتال الدول الأوربية المجاورة، فكان أن عملوا على تحقيق هذه الأحلام في عهد الأمير فخر الدين الثاني المنحدر من المعنيين، الذي اتخذ في سبيل ذلك أسلوب المداورة عن طريق حروبه المحلية لبسطة نفوذه على سائر بلاد الشام، ولكن سياسته هذه جعلت العثمانيين يوجسون منه خوفًا، بيد أن تحركه على الصعيد الخارجي عززت تلك المخاوف وأثارت شكوك الباب العالي في ولائه للعثمانيين، وخاصة أن أهدافه الحقيقية بدأت بالوضوح عندما عقد مع دوق توسكانا معاهدة تجارية تضمنت بنودًا عسكرية ضد الدولة العثمانية؟! فقرر السلطان العثماني التخلص من فخر الدين، فجرد عليه حملة قوية برًا وبحرًا سنة ١٠٢٢ هـ / ١٦١٣ م، فهرب إلى أوربا عن طريق ميناء صيدا بمساعدة سفينتين إحداهما فرنسية وأخرى هولندية، وهناك أراد أن يؤلب الدول الأوربية ضد الدولة العثمانية، فسعى جاهدًا للحصول على مساعدات عسكرية من أسبانيا وفرنسا والفاتيكان ضد العثمانيين، ولكن مسعاه فشل لأن الظروف الدولية في ذلك الوقت كانت غير صالحة (٣).

стр. 4337

وبحكم علاقة فخر الدين أمير الدروز الوطيدة بدول أوربا فقد كان يعطف على الإِرساليات الأوربية ويسمح بإنشاء مراكز لها في لبنان وفلسطين، وفضلاً عن ذلك فقد بسط يد الحماية لجميع النصارى في بلاد الشام، حتى صار الأوربيون يدعونه (حامي النصارى في الشرق)، وكان عطف الأمير على الموازنة وتحالفه معهم من أبزر مميزات سياسته الداخلية، وكان أيضًا عاملاً في هجرة الموارنة من مناطقهم إلى مناطق المسلمين، وانتشارهم في أكثر من ثلثي لبنان الحالي، مما قوى مركزهم السياسي في لبنان بعد ذلك (١)؟!.وكما يذكر كمال جنبلاط فإن إمارة درزية أخرى كانت قائمة في الدولة العثمانية خاضعة لحكم أحد أجداده، ووجدت في شمال سوريا وكانت تشمل حمص وحماة وحلب ودمشق وجزءًا من تركيا الأنضولية، وشأن الدولة المعينية، فقد عقدت هذه الإِمارة أيضًا معاهدات عسكرية مع الفاتيكان ودوقية توسكانا وأسبانيا، وتلقى جده مقابل ذلك دعمًا سياسيًا وعسكريًا (٢). وفي سنة ١٢٥٣ هـ / ١٨٣٧ م، قام الدروز بتمرد على محمد علي باشا والي مصر، وكان ذلك في جبل الدروز بحوران بسبب تجريدهم من السلاح وتجنيدهم في الجيش، وبقي هذا التمرد مشتعلاً بعد أن انضم إليه دروز وادي التيم، رغم محاولات محمد علي القضاء عليه، إلى أن جرد عليه حملة قوية سنة ١٢٥٦ هـ / ١٨٤٠ م. وبعد أن وجدت الدول الأوربية الضعف في الدولة العثمانية، عملت على استمالة الأقليات الموجودة داخله، وخاصة في لبنان، الذي كانوا يرون فيه مدخلاً مهمًا لكل مؤامراتهم على الدولة العثمانية، وكانت فرنسا ترى في نفسها مدافعًا شرعيًا عن موارنة لبنان، وقد اتخذت هذه الحجة الواهية ذريعة في سبيل تدخلها في شؤون الدولة العثمانية، وهذه السياسة الفرنسية خوفت بريطانيا مما جعلها سنة ١٨٤١ م تعمل على استمالة الدروز إلى جانبها وتقيم علاقات رسمية وودية معهم ومع زعمائهم، ويظهر أن الإِنجليز قد فهموا أحلام الدروز بإقامة دولة لهم، فاستغلوها لاستمالتهم وإقامة العلاقات الوطيدة معهم (٣).

стр. 4338

وقد بات هذا واضحًا عندما ثار الدروز في جبلهم على الدولة العثمانية سنة ١٨٥١ م إذ امتنعوا عن دفع الضرائب، فجردت الدولة العثمانية حملة لتأديبهم، فتدخلت بريطانيا لدى الباب العالي، وصدرت الأوامر من الأستانة بحل المشكلة الدرزية سلمًا، وجاء في برقية الصدر الأعظم الموجهة إلى مدحت باشا (والي الشام) بهذا الصدد: (أن الإنجليز لا يسرون بما تتخذه من التدابير لتأديبهم)، وهذا التدخل شجع الدروز، إذ ما لبثوا أن اعتدوا على المكرك وأم الولد وحرقوا زرعهما في سنة ١٢٩٦ هـ / ١٨٨٠ م، وعلى قرية (المسمية) في حوران سنة ١٣٠٨ هـ / ١٨٩٠ م. ثم ثاروا في سنة ١٣١١ هـ / ١٨٩٣ م و ١٣١٣ هـ / ١٩٨٥ م وكذلك في سنة ١٣٢٨ هـ / ١٩١٠ م. وكانت اعتداءات الدروز على أهالي حوران قد أثيرت في مجلس المبعوثان العثماني، حيث ندد مبعوث حوران باعتداءات الدروز، مطالبًا الدولة باتخاذ الإِجراءات العسكرية الرادعة ضدهم بعد اعتدائهم على الجيش والأهالي، وأنهى خطابه بمطالبة الحكومة بسوق قوة عسكرية على حوران (لصيانة العرض والدين والمال وتأمين الرعية من الخوف) (١).مما تقدم يتضح لنا بأن دروز حوران كانوا في شبه ثورة دائمة ضد الدولة العثمانية، وعندما كانت الولاية تعرض عليهم برامج الإِصلاح وتطلب من زعمائهم مساعدتها في تطبيقها، كان الزعماء يقبلون ذلك ثم يرفضونه وهكذا، وبالرغم من ذلك فقد حاولت ولاية سوريا إصلاح الأوضاع الإِدارية والاجتماعية في منطقة جبل الدروز عن طريق نشر التعليم بين الدروز بإنشاء المدارس وتعليمهم مبادئ الدين الإِسلامي، واتبعت سياسة اللين والرفق مع رؤسائهم الروحانيين، وذلك باستدعائهم إلى دمشق وبذل المساعي لإِقناعهم بقبول الإِصلاحات، فيبدي الزعماء رضاهم التام لدرجة المطاوعة والانقياد، ولكنهم لم يثبتوا على ذلك طويلاً (٢). وهكذا يبدو أن ثورات الدروز المستمرة ضد الدولة العثمانية وخاصة بعد سنة ١٨٤١ م، كانت تهدف بالدرجة الأولى الاستقلال عن الدولة وبسط السيطرة الدرزية على لواء حوران بمساعدة وتأييد بريطانيا. وبعد استعمار فرنسا لسوريا، عملت عن طريق عملائها وبكل ما تستطيع من إمكانيات وإغراءات أن تستميل الدروز إلى جانبها ويتركوا الإِنجليز، ومن أجل ذلك تابعت فرنسا استمالة زعماء الدروز، فاستطاعت في ٢٠ نيسان ١٩٢١م عن طريق الجنرال (غورو) أن تقنع الأمير سليم الأطرش بإعلان دولة درزية في جبل الدروز وتشكيل حكومة درزية وانتخاب مجلس نيابي مكون من (٤٠) عضوًا، ورفرف لأول مرة في تاريخ الدروز علمهم المكون من خمسة ألوان (٣). وعندما رأت بريطانيا أن نفوذها سيزول عند الدروز بسبب هذه الدولة استمالت أحد أمراء الجبل، والذي كان من أهم العوامل التي أثرت على عدم بقاء هذه الدولة وسقوطها. والحديث عن تاريخ الدروز في القرن الحالي يدفعنا لإِعطاء صورة موجزة عن موقف الدروز من دولة إسرائيل، حيث كانوا بعد قيام هذه الدولة على أرض فلسطين من أهم المدافعين عن وجودها، بل إن إسرائيل استطاعت أن تكون كتيبة منهم فيما يسمى بـ (حرس الحدود) كان له دور خطير ومهم في حروب إسرائيل مع الدولة العربية. لذا فإن كمال جنبلاط في كتابه (هذه وصيتي) يعتبر وجود الدروز في إسرائيل مشكلة، ولكن في الوقت نفسه يدافع عن تعاملهم مع دولة العدو وينتقد الفلسطينيين الذين هربوا وتركوا أرضهم وبلادهم ولم يقلدوا الدروز في بقائهم في فلسطين، ولو أنهم بقوا لشاركوا بسهولة في اقتصاد إسرائيل وبالتالي في السلطة السياسية ويكونون أقلية قوية وفعالة في البرلمان، وبالتالي فإن الدروز فيما فعلوه مع إسرائيل قاموا بواجبهم بتعقل، فهم يعلمون أنه لا جدوى في الهجوم على طواحين الهواء – كما يزعم جنبلاط – (٤). وفي سنة ١٩٨٢م عندما احتلت إسرائيل لبنان، رفضت مليشيات الدروز (الحزب التقدمي الاشتراكي) قتال الجيش الإِسرائيلي ورفضت مدفعيته الموجودة في الجبل مساعدة الفلسطينيين، ولذلك استطاع الجيش الإِسرائيلي دخول مناطق الدروز دون أن تطلق رصاصة واحدة، وبقيت الأسلحة في يد الدروز رغم وجود الجيش الإِسرائيلي في مناطقهم. المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٨١

стр. 4339

المبحث الرابع: أشهر دعاة الدروز وآراؤهم ترتبط بداية المذهب الدرزي بثلاثة من الدعاة هم: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ويعرف باللباد، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم، ومحمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بـ (أنوشتكين أو نشتكين). والمؤرخون مختلفون في ترتيب أسبقيتهم في الدعوة الجديدة، ومع أن اسم الدروز مرتبط باسم (الدرزي)، إلا أن بعضهم يجعل البداية لحمزة – وهو الأرجح كما سنرى – والبعض الآخر يجعلها لمحمد الدرزي. أما الدروز فيعتبرون حمزة هو مؤسس المذهب وهو الإمام، وأن الدرزي قد حاد عن تعاليم حمزة، وأنه كان أحد أتباعه، مما جعل حمزة يهاجمه في كثير من رسائله، لذلك فإن الدروز يكرهون الدرزي هذا ويلعنونه. أما الأخرم فالأرجح أنه كان داعيًا من دعاة حمزة في أول ظهوره. ولكي نعطي لمحة وافية عن هؤلاء الدعاة، نتحدث عن كل واحد منهم، ونبدأ بحمزة بن علي: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني: (ولد حمزة في مدينة (زوزن) في خراسان مساء الخميس في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ٣٧٥ هـ، وهو اليوم الذي ولد فيه الحاكم بمصر، ولعل ذلك هو السبب في أن الدروز يقيمون الصلاة الأسبوعية مساء كل خميس) (١).واختلف المؤرخون في زمن وفوده إلى مصر، فالبعض منهم يجعلها متقدم كثيرًا في سنة ٣٩٥ هـ، حيث كان عمره عشرين عامًا) (٢).وغالبية المؤرخين تجعل موعد قدومه حوالي سنة ٤٠٥ هـ أو قبلها بقليل) (٣).وانتظم حمزة بين الدعاة الإِسماعيليين الذين كانت تغص بهم القاهرة يومئذ، ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنه لم يكن من الدعاة، بل كان يؤدي عملاً في القصر، وكان على اتصال دائم بالحاكم، ويضيف قائلاً: (ويغلب على ظني أن حمزة كان أحد الخدم الخصوصيين للحاكم، وكان خادمًا ذكيًا لبقًا ذا حيلة ودهاء وخيال خصب، وكان بحكم عمله في القصر يستمع إلى مجالس الحكمة التأويلية فوعاها وحفظ منها كثيرًا، وربما قرأ كتب الدعوة التي كانت بالقصر فأفادته في تلوين عقليته وتوجيه أفكاره إلى ما يرضي طموحه ويحقق آماله، وظل هذه السنوات يهيئ نفسه لذلك) (٤).ومما يؤكد هذا الرأي ركاكة ألفاظه في رسائله – إذ كما يقول الدكتور محمد كامل حسين: - (لم يكن من الكتاب لأن أسلوبه في رسائله وكتبه ليس به هذا الإشراق، وتلك الديباجة، وهذه الرصانة، التي عرفت عن كتاب الفاطميين ودعاتهم) (٥).لذلك – وكما يقول الأستاذ عبد الله النجار -: (تنم من تعابيره كلمات فارسية دخيلة على أسلوب الإنشاء العربي) (٦).وتقول بول هنري بوردو عن حمزة وأهدافه البعيدة: (وكان حمزة في الحقيقة داهية دهياء متعمقًا في المباحث الدينية القديمة، وأن العقائد التي نادى بها تدل تمامًا على أنها ذات العقائد التي كان ينادي بها المقنع الخراساني (٧)، هذا اليهودي الذي هاج في خراسان سنة ١٦٠ هـ) (٨).

стр. 4340

وسرعان ما أصبحت لحمزة حظوة عند الحاكم، بعدما أظهره من إخلاص، واستطاع بحنكته ودهائه أن يجمع حوله بعض الدعاة ويتفقوا سرا للدعوة إلى تأليه الحاكم بأمر الله، ومن هؤلاء كان محمد بن إسماعيل الدرزي. ويظهر أن حمزة بن علي، وكما يتضح في رسائله، قد اتفق مع دعاته ألا يجهر أحدهم أو يكشف عن مضمون المذهب الجديد، إلا بعد تلقي الأوامر منه نفسه، ولكن الدرزي تسرع في الكشف عن أسرار الدعوة الجديدة سنة ٤٠٧ هـ، مما أثار الناس، وحمل حمزة على الكشف عن دعوته سنة ٤٠٨ هـ. يقول حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) موضحًا هذه النقطة: (وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين، وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإِمام، ويدعي منزلته ... إلى أن يقول: وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب، والثوب هو الداعي، والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره) (١).ومهما يكن من شيء فإن الدعاة إلى المذهب الجديد ظلوا في سترهم مدة طويلة يعملون في الخفاء، ويدعون الناس سرًا لمبادئهم وتعاليمهم، حتى قام الدرزي وأعلن الدعوة سنة ٤٠٧ هـ، والذي كما يقال: (قد فتح سجلاً في مساجد القاهرة تكتب فيه أسماء المؤمنين بألوهية الحاكم، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفا كلهم يخشون بطش الحاكم) (٢). ويبدو أن هذا الأمر قد أحرج حمزة، مما حمله على الجهر بدعوته الجديدة – كما سبق ذكره – سنة ٤٠٨ هـ، فثار الناس على هؤلاء الدعاة ثورة شديدة ساعدهم فيها الجند الأتراك، مما جعل الدرزي – على أرجح الروايات – يختفي في قصر الحاكم، حيث عمل على تهريبه بعد ذلك إلى وادي التيم في بلاد الشام، والذي كان يقطن به التنوخيون، والذين كانوا يدينون بالولاء للعبيديين، حيث عمل هناك على بث آرائه ومعتقداته بينهم، فانضموا إليه وآمنوا بدعوته.

стр. 4341

وبسبب شدة الثورة التي قام بها أهل مصر، على دعاة حمزة وأتباعه، اختفى حمزة أيضًا سنة ٤٠٩ هـ، واعتبرها سنة اختفاء وغيبة. ويصف حمزة سنة ٤٠٩ هـ: (بأنها سنة المحنة والامتحان والعذاب، وأن القصد من الغيبة أن يمتحن الخلق بغيبته، والمحنة هي غيابه الذي عاقبهم فيه) (١). (ويبدو أن غيبته في هذه السنة، كانت استعدادًا للظهور بقوة جديدة للتنظيم بعد ثورة الناس عليه في العام الفائت) (٢).ويتبين من رسائل حمزة، أنه في خلال هذه الفترة جعل مقره السري خارج القاهرة في مسجد (تبر)، ولكن خصومه هاجموا مقره وأحرقوا باب المسجد، ثم وجدوا داخل المسجد بابا من الحجر لا تعمل فيه النار ويصعب نقب جداره) (٣).مما تقدم يتضح بداية الخلاف بين حمزة والدرزي، والظاهر أن هذا الخلاف قد تفاقم بعد هروب الدرزي إلى الشام، حيث دعا هناك إلى أراء جديدة خالف بها آراء حمزة، من ذلك تسمية نفسه بـ (سيف الإِيمان) و (سيد الهادين)، وكان أيضًا يلعن مخالفي المذهب، بينما يقول حمزة: (اللعنة لا تزيد في الدين ولا تنقص منه) (٤)، وكذلك (دعوته للحرية الجنسية) (٥).وأرى أن هذا الاختلافات، لم تكن بتلك الأهمية لتأجج الخلاف بين الرجلين، وأن جوهر الخلاف – كما يفهم من كتابات حمزة – إنما كان (بسبب رئاسة الدعوة الجديدة، وهذا الأمر أغضب حمزة، وجعله يعزل الدرزي من مصبه في الشام، ويؤلب عليه أتباعه في الشام فقتلوه سنة ٤١١ هـ) (٦).وهذا الخلاف يؤكده حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) إذ يقول: (وكذلك الدرزي سمى نفسه في الأول بسيف الإِيمان، فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب، لأن الإِيمان لا يحتاج إلى سيف يعينه، بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه، فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد عصيانه، وأظهر فعل الضدية في شأنه، وتسمى باسم الشرك وقال: أنا سيد الهادين، يعني أنا خير من إمامي الهادي) (٧).هذا وكانت مدة ظهور حمزة ثلاث سنوات هي: ٤٠٨، ٤١٠، ٤١١، وأما سنة ٤٠٩ هـ فإنها – كانت سنة غيبة له. كذلك فقد اختفى بعد سنة ٤١١ هـ، - وهي السنة التي قتل فيها الحاكم -، حيث مرت سنوات من الكتمان، أيضًا لم يظهر فيها، فقد طورد من قبل الظاهر ابن الحاكم والملك الجديد، (مما اضطره إلى الرحيل إلى بلاد الشام) (٨).وبقي حمزة مختفيًا حتى أزيح الستار قليلاً عن نشاطه، برسائل أرسلت إلى سواه وذُكر فيها، أو وجهت إليه، بعد قرابة عشرين سنة من غيابه، منها رسالة المواجهة، التي يتبين منها، أن حمزة كان لا يزال على اتصال سري بدعاته، وعلى الخصوص بـ (المقتني) بهاء الدين كاتب الرسالة، والذي يبدأها بـ (السلام على الإِمام) موجهًا إليه (عبيده الزائرين ... رسل العبد الذليل) (٩).أما غيبة حمزة الثانية والأخيرة، (فإن رسالة بهاء الدين في (رسالة السفر) والتي يطلب فيها من المؤمنين، الإِيمان برجوع حمزة، وإلى طاعة ولي الحق الإِمام المنتظر، توضح هذه الرسالة – والتي كتبت في السنة الثانية والعشرين من سني حمزة أي سنة ٤٣٠ هـ - أن حمزة قد اختفى أو مات سنة ٤٣٠ هـ) (١٠).

стр. 4342

مع أن هناك من يقول: (أنه مات سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣٠ م)) (١).وأما مكانة حمزة عند الدروز، فهو الإِعظام والإِجلال، (فالحديث عنه مقرون دائمًا عندهم بالإِجلال والإِعظام سواء أكان ذلك في مجرى حديث لسان أو على مسرى صفحة من كتاب مطبوع، أو ورقة من سفر مخطوط) (٢).

стр. 4343

وهو عندهم – وكما سمى نفسه في رسائله -، الإِمام، وقائم الزمان، وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين، وعلة العلل، والعقل الكلي، والإِرادة، والقلم، والطور، والكتاب المسطور وهو أيضًا المسيح الحق ... إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي أطلقها على نفسه. وحمزة يفتتح رسائله غالبًا بهذه الديباجة، وكما وردت في (رسالة البلاغ والنهاية): (تأليف عبد مولانا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين سيف مولانا جل ذكره) (١).وكذلك نجده في (الرسالة الموسومة بسبب الأسباب) يصف نفسه بهذه الألقاب أيضًا بأنه: (الإِرادة فهو علة العلل، وهو العقل الكلي، وهو القلم، وهو القاف، وهوا القضاء، وهو الألف بالابتداء، وهو الألف بالانتهاء ... إلى أن يقول: وهو سبحانه منزه عن الكل (٢)، وجميع ما في القرآن والصحف، وما تركه على قلبي من البيان والأسماء الرفيعة فهو يقع على عبده الإِمام) (٣).وفي هذه الرسالة ينفي حمزة عن نفسه بأنه اخترع هذا الأمر من عند نفسه فيقول: (وها هنا باب ثان مذموم، أعاذك المولى سبحانه منه، وذلك قول من يقول من كافة الناس بأني اخترعت هذا الأمر من روحي، ووضعت العلم من ذاتي، وقوتي، ومولانا جلت قدرته لا يعلم بذلك ولا يرضاه ... وأنا أعيذك من ذلك وجميع الموحدين المخلصين) (٤).وكما أشرت سابقًا، فإن الدروز يجلون ويعظمون حمزة، فنجد المقتني بهاء الدين يخاطب حمزة في (رسالة المواجهة) بقوله: (وتطول عليهم بالمسامحة من الغلط والسهو في صحائف التوحيد، نظمها العبد بتأييد مولاه، وألفها، ورسائل إلى دعاة الحق ثناها على التنزيه وعظمها. فما كان يا مولاي في هذه الصحائف والمراسلات والكتب والملطفات التي سيرها العبد من خطاب جزل، ومنطق صائب، وقول فصل، فهو من منه إمام العصر، ومؤاد (٥) قائم الزمان، وما كان فيها من خطأ وخطل فهو منسوب إلى العبد الأصغر، الملهوف الظمآن، يتوسل في تقصيره إلى لطف مولاه) (٦).وفي كتاب النقط والدوائر – وهو من كتب الدروز الدينية ولا يعرف مؤلفه – يصف كاتبه حمزة بهذه الأوصاف: (فهو صلوات الله عليه النور الكلي، والجوهر الأزلي، والعنصر الأولي، والأصل الجلي، والجنس العلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس ... إلى أن يقول: فهو الإِمام، والدليل على عبادة الله، والداعي إلى توحيد الله، والناطق بحق الله، والبرهان على الله، والرسول الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (٧).ولا يزال الدروز إلى الآن على هذا التعظيم لحمزة -، يقول كمال جنبلاط في مقدمته لكتاب (أضواء على مسلك التوحيد): (ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإِنساني لفكرة الولاية، لأنه في النهاية وفي الحقيقة، لا ولاية على الموحدين، ولا على الأنام كافة، إلا للعقل الأرفع، صلوات المهيمن عليه (٨).

стр. 4344

ويضيف الدكتور سامي مكارم: (وهذا المعتقد التوحيدي يعتمد العقل في استكشافاته، ولا يراد بالعقل الأدنى، أي البشري أو الدنيوي إن صح التعبير، بل العقل الأرفع أو الكلي الذي هو المبدع الأول، أبدع من النور الشعشعاني المحض صورة صافية كاملة فتضمن في سره معنى ما كان وما يكون دفعة واحدة بدون زمان، فكان قوة كاملة وفعلاً تامًا، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معًا) (١). مما سبق يتبين أن الإِيمان بإمامة حمزة – وأنه المبدع الأول وغير ذلك – هي من أهم معتقدات الدروز، وأصل عظيم من أصولهم، لأنه أول الحدود الخمسة الذين يعتقدون بهم، وهو أيضًا في نظرهم نبي الحاكم. وقد جاء في مخطوط (شرح ميثاق ولي الزمان) (٢) ما يلي ثم من تسليم الروح ومعرفة العقل صفي الرب صلى الله عليه، وتمييزه عن إخوته الأربعة، وهم: النفس، والكلمة، والسابق، والتالي، وتمييزه عنهم بأحوال كثيرة. وفي شعر – مخطوط – لدرزي يسمى بـ (الشيخ أبي عبيد) يقول فيه: ألا صلوا على قلم القضايا رسول الله أفضل من أجابا رسول الله حمزة يا خليلي فأولى من أتانا بالكتابا (٣) وحسب عقيدة التناسخ والأدوار عند الدروز، فقد ظهر حمزة في الأدوار الكبرى، والأدوار الصغرى بأسماء مختلفة: فهو شطنيل في دور آدم، وفيثاغورس في دور نوح، وداود في دور إبراهيم، وشعيب في دور موسى، واليسوع في دور عيسى، وأنه – أي حمزة – هو المسيح الحقيقي الأبدي، وسلمان الفارسي في دور محمد ﷺ (٤)، وهو الذي أملى القرآن على محمد ﷺ وهكذا ... هذه لمحة سريعة عن حمزة، إمام الدروز، وقائم زمانهم، تبين بوضوح ذكاء ودهاء هذا الرجل، فقد استطاع أن يكون نموذجًا للدعاة الملاحدة، الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يقوضوا أركان الإِسلام ودعائمه، فلم ينفع ذكاؤهم ولا مهارتهم في هذا الدين شيء، بل حفظ الله هذا الدين. وخابت كل مساعيهم. ونأتي بعد ذلك إلى الداعي الآخر وهو: الحسن بن حيدة الفرغاني (٥) (الأخرم): هذا الداعي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل، ذلك أنه ظهر بمدينة القاهرة عقب ظهور حمزة بقليل، وكما يقول ابن العماد في شذرات الذهب أنه ظهر (في الثاني من رمضان سنة ٤٠٩ هـ) (٦).وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه حمزة من التناسخ والحلول، وألوهية الحاكم، وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة، فاستدعاه الحاكم وخلع عليه وأركبه فرسا مطهما، وسيره في موكبه) (٧).غير أنه لم تمض على ذلك أيام قلائل، حتى وثب عليه رجل من أهل السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه، فغضب الحاكم وأمر بإعدام قاتله ودفن الأخرم على نفقة القصر في حفل رسمي، كما أن جمهور أهل السنة احتفلوا بمأتم القاتل ودفنوه مكرمًا) (٨). (ولكن القبر نبش بعد أيام واختفت جثته، وكان ذلك على ما يظهر بوحي الحاكم ورغبته) (٩).

стр. 4345

هذا تلخيص لكل ما ذكره المؤرخون عن هذا الداعية، والظاهر من رسائل حمزة أنه لم يكن ضد الأخرم، كما كان ضد الدرزي، على أن (الرسالة الواعظة) لأحمد حميد الدين الكرماني، تفيدنا بعض الشيء عن مهمة الأخرم وهي رسالة موجهة إلى الأخرم ردًا على رقعة بعث بها الأخرم إليه، حيث يتضح من هذه الرسالة أن الأخرم هو الذي كان يقود حركة الدعاية للمذهب الجديد وأنه هو الذي كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة فكتب إليه الكرماني (الرسالة الواعظة). وأول ما يراه الكرماني في رقعة الأخرم أنها خالية من البسملة ومن الصلاة على النبي، وعلى الأئمة من ذريته، ويضيف الكرماني قائلاً: ولا تخلو أن تكون في تظاهرك بولاء أمير المؤمنين ﵇، إما متبعًا له، أو غير متبع، فإن كنت متبعًا فبمخالفتك إياه فيما أمرك به من السجلات المكرمة من السلام عليه في جميع المكاتبات وقعودك عن الاقتداء فيما يفعله من تصدير سجلاته وجميع مكاتباته وخطبه بسم الله الرحمن الرحيم، والاستفتاح به، والصلاة على سيد المرسلين وخاتم النبيين والتبرك بها قد كفرت. ومن الأفكار التي قالها الأخرم في رقعته للكرماني: من عرف منكم إمام زمانه حيًا، فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام ... وأن من عبد الله من جميع المخلوقين، فعبادته لشخص واحد لا روح فيه، ويتساءل عن معنى الآية الكريمة عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:١٨]، وعن: الإسلام وشرائطه؟ وعن: الذي يتقرب به إلى المعبود؟ وهل الشريعة محدثة أم قديمة مع الدهر؟ وما النفس؟ وما العقل؟ ثم ينتهي به القول إلى أن الشريعة والتنزيل والتأويل خرافات وقشور وحشو ولا تتعلق بها نجاة، وأن الناس لا يوجهون وجوههم إلى القبلة لأنها حائط، وأن المعبود هو الحاكم) (١). وهذا يدل على أن الأخرم كان من مؤسسي هذه الدعوة، وكان لسان دعايتها، ولا ندري تمامًا مرتبته بين الحدود، لأنه قتل قبل أن يتبلور مركز الحدود ومراتبهم، ولا ندري ماذا يكون مصيره مع حمزة لو قدر له أن يعيش. أما الداعية الآخر، والذي ينسب إليه الدروز فهو: محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين): في حديثنا فيما سبق عن حمزة بن علي، ذكرنا أن أول من كشف عن عقائد المذهب الدرزي، كان محمد بن إسماعيل الدرزي سنة ٤٠٧ هـ، مما اضطر حمزة إلى الإِعلان والكشف عن دعوته لتأليه الحاكم سنة ٤٠٨ هـ. والدرزي على الأرجح من أصل تركي، ويذكر المؤرخون أنه وفد على مصر سنة ٤٠٧ هـ، فخدم الحاكم وتقرب إليه، ولكن الذي يرجحه الدكتور محمد كامل حسين: أن الدرزي كان قبل هذا التاريخ في مصر واتصل بحمزة بن علي مدة طويلة قبل إظهار الدعوة، وعملاً معًا في رسم خططها) (٢). ويصرح حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة): بأن الدرزي كان يضرب الدنانير والدراهم، وهذا مما يؤكد أن الدرزي كان قريبًا من حمزة والحاكم. ولاشك أن الدرزي كان من أقوى رسل حمزة وأشدهم عزمًا وجرأة، وكان يسير على طريقة حمزة في الدعوة، (ومن الغريب أن حمزة في إحدى رسائله يتهم الدرزي بأنه لا يقر إلا بإنسانية الحاكم بأمر الله، دون ألوهيته، مستندًا في هذا إلى أن الدرزي يقول: أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم، وعلي هو الأساس، والأساس هو مجرد إمام، وليس إلهًا) (٣).
следующие страницы →