← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

وبسبب شدة الثورة التي قام بها أهل مصر، على دعاة حمزة وأتباعه، اختفى حمزة أيضًا سنة ٤٠٩ هـ، واعتبرها سنة اختفاء وغيبة. ويصف حمزة سنة ٤٠٩ هـ: (بأنها سنة المحنة والامتحان والعذاب، وأن القصد من الغيبة أن يمتحن الخلق بغيبته، والمحنة هي غيابه الذي عاقبهم فيه) (١). (ويبدو أن غيبته في هذه السنة، كانت استعدادًا للظهور بقوة جديدة للتنظيم بعد ثورة الناس عليه في العام الفائت) (٢).ويتبين من رسائل حمزة، أنه في خلال هذه الفترة جعل مقره السري خارج القاهرة في مسجد (تبر)، ولكن خصومه هاجموا مقره وأحرقوا باب المسجد، ثم وجدوا داخل المسجد بابا من الحجر لا تعمل فيه النار ويصعب نقب جداره) (٣).مما تقدم يتضح بداية الخلاف بين حمزة والدرزي، والظاهر أن هذا الخلاف قد تفاقم بعد هروب الدرزي إلى الشام، حيث دعا هناك إلى أراء جديدة خالف بها آراء حمزة، من ذلك تسمية نفسه بـ (سيف الإِيمان) و (سيد الهادين)، وكان أيضًا يلعن مخالفي المذهب، بينما يقول حمزة: (اللعنة لا تزيد في الدين ولا تنقص منه) (٤)، وكذلك (دعوته للحرية الجنسية) (٥).وأرى أن هذا الاختلافات، لم تكن بتلك الأهمية لتأجج الخلاف بين الرجلين، وأن جوهر الخلاف – كما يفهم من كتابات حمزة – إنما كان (بسبب رئاسة الدعوة الجديدة، وهذا الأمر أغضب حمزة، وجعله يعزل الدرزي من مصبه في الشام، ويؤلب عليه أتباعه في الشام فقتلوه سنة ٤١١ هـ) (٦).وهذا الخلاف يؤكده حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) إذ يقول: (وكذلك الدرزي سمى نفسه في الأول بسيف الإِيمان، فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب، لأن الإِيمان لا يحتاج إلى سيف يعينه، بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه، فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد عصيانه، وأظهر فعل الضدية في شأنه، وتسمى باسم الشرك وقال: أنا سيد الهادين، يعني أنا خير من إمامي الهادي) (٧).هذا وكانت مدة ظهور حمزة ثلاث سنوات هي: ٤٠٨، ٤١٠، ٤١١، وأما سنة ٤٠٩ هـ فإنها – كانت سنة غيبة له. كذلك فقد اختفى بعد سنة ٤١١ هـ، - وهي السنة التي قتل فيها الحاكم -، حيث مرت سنوات من الكتمان، أيضًا لم يظهر فيها، فقد طورد من قبل الظاهر ابن الحاكم والملك الجديد، (مما اضطره إلى الرحيل إلى بلاد الشام) (٨).وبقي حمزة مختفيًا حتى أزيح الستار قليلاً عن نشاطه، برسائل أرسلت إلى سواه وذُكر فيها، أو وجهت إليه، بعد قرابة عشرين سنة من غيابه، منها رسالة المواجهة، التي يتبين منها، أن حمزة كان لا يزال على اتصال سري بدعاته، وعلى الخصوص بـ (المقتني) بهاء الدين كاتب الرسالة، والذي يبدأها بـ (السلام على الإِمام) موجهًا إليه (عبيده الزائرين ... رسل العبد الذليل) (٩).أما غيبة حمزة الثانية والأخيرة، (فإن رسالة بهاء الدين في (رسالة السفر) والتي يطلب فيها من المؤمنين، الإِيمان برجوع حمزة، وإلى طاعة ولي الحق الإِمام المنتظر، توضح هذه الرسالة – والتي كتبت في السنة الثانية والعشرين من سني حمزة أي سنة ٤٣٠ هـ - أن حمزة قد اختفى أو مات سنة ٤٣٠ هـ) (١٠).

стр. 4342

مع أن هناك من يقول: (أنه مات سنة ٤٢٢ هـ (١٠٣٠ م)) (١).وأما مكانة حمزة عند الدروز، فهو الإِعظام والإِجلال، (فالحديث عنه مقرون دائمًا عندهم بالإِجلال والإِعظام سواء أكان ذلك في مجرى حديث لسان أو على مسرى صفحة من كتاب مطبوع، أو ورقة من سفر مخطوط) (٢).

стр. 4343

وهو عندهم – وكما سمى نفسه في رسائله -، الإِمام، وقائم الزمان، وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين، وعلة العلل، والعقل الكلي، والإِرادة، والقلم، والطور، والكتاب المسطور وهو أيضًا المسيح الحق ... إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي أطلقها على نفسه. وحمزة يفتتح رسائله غالبًا بهذه الديباجة، وكما وردت في (رسالة البلاغ والنهاية): (تأليف عبد مولانا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين سيف مولانا جل ذكره) (١).وكذلك نجده في (الرسالة الموسومة بسبب الأسباب) يصف نفسه بهذه الألقاب أيضًا بأنه: (الإِرادة فهو علة العلل، وهو العقل الكلي، وهو القلم، وهو القاف، وهوا القضاء، وهو الألف بالابتداء، وهو الألف بالانتهاء ... إلى أن يقول: وهو سبحانه منزه عن الكل (٢)، وجميع ما في القرآن والصحف، وما تركه على قلبي من البيان والأسماء الرفيعة فهو يقع على عبده الإِمام) (٣).وفي هذه الرسالة ينفي حمزة عن نفسه بأنه اخترع هذا الأمر من عند نفسه فيقول: (وها هنا باب ثان مذموم، أعاذك المولى سبحانه منه، وذلك قول من يقول من كافة الناس بأني اخترعت هذا الأمر من روحي، ووضعت العلم من ذاتي، وقوتي، ومولانا جلت قدرته لا يعلم بذلك ولا يرضاه ... وأنا أعيذك من ذلك وجميع الموحدين المخلصين) (٤).وكما أشرت سابقًا، فإن الدروز يجلون ويعظمون حمزة، فنجد المقتني بهاء الدين يخاطب حمزة في (رسالة المواجهة) بقوله: (وتطول عليهم بالمسامحة من الغلط والسهو في صحائف التوحيد، نظمها العبد بتأييد مولاه، وألفها، ورسائل إلى دعاة الحق ثناها على التنزيه وعظمها. فما كان يا مولاي في هذه الصحائف والمراسلات والكتب والملطفات التي سيرها العبد من خطاب جزل، ومنطق صائب، وقول فصل، فهو من منه إمام العصر، ومؤاد (٥) قائم الزمان، وما كان فيها من خطأ وخطل فهو منسوب إلى العبد الأصغر، الملهوف الظمآن، يتوسل في تقصيره إلى لطف مولاه) (٦).وفي كتاب النقط والدوائر – وهو من كتب الدروز الدينية ولا يعرف مؤلفه – يصف كاتبه حمزة بهذه الأوصاف: (فهو صلوات الله عليه النور الكلي، والجوهر الأزلي، والعنصر الأولي، والأصل الجلي، والجنس العلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس ... إلى أن يقول: فهو الإِمام، والدليل على عبادة الله، والداعي إلى توحيد الله، والناطق بحق الله، والبرهان على الله، والرسول الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (٧).ولا يزال الدروز إلى الآن على هذا التعظيم لحمزة -، يقول كمال جنبلاط في مقدمته لكتاب (أضواء على مسلك التوحيد): (ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإِنساني لفكرة الولاية، لأنه في النهاية وفي الحقيقة، لا ولاية على الموحدين، ولا على الأنام كافة، إلا للعقل الأرفع، صلوات المهيمن عليه (٨).

стр. 4344

ويضيف الدكتور سامي مكارم: (وهذا المعتقد التوحيدي يعتمد العقل في استكشافاته، ولا يراد بالعقل الأدنى، أي البشري أو الدنيوي إن صح التعبير، بل العقل الأرفع أو الكلي الذي هو المبدع الأول، أبدع من النور الشعشعاني المحض صورة صافية كاملة فتضمن في سره معنى ما كان وما يكون دفعة واحدة بدون زمان، فكان قوة كاملة وفعلاً تامًا، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معًا) (١). مما سبق يتبين أن الإِيمان بإمامة حمزة – وأنه المبدع الأول وغير ذلك – هي من أهم معتقدات الدروز، وأصل عظيم من أصولهم، لأنه أول الحدود الخمسة الذين يعتقدون بهم، وهو أيضًا في نظرهم نبي الحاكم. وقد جاء في مخطوط (شرح ميثاق ولي الزمان) (٢) ما يلي ثم من تسليم الروح ومعرفة العقل صفي الرب صلى الله عليه، وتمييزه عن إخوته الأربعة، وهم: النفس، والكلمة، والسابق، والتالي، وتمييزه عنهم بأحوال كثيرة. وفي شعر – مخطوط – لدرزي يسمى بـ (الشيخ أبي عبيد) يقول فيه: ألا صلوا على قلم القضايا رسول الله أفضل من أجابا رسول الله حمزة يا خليلي فأولى من أتانا بالكتابا (٣) وحسب عقيدة التناسخ والأدوار عند الدروز، فقد ظهر حمزة في الأدوار الكبرى، والأدوار الصغرى بأسماء مختلفة: فهو شطنيل في دور آدم، وفيثاغورس في دور نوح، وداود في دور إبراهيم، وشعيب في دور موسى، واليسوع في دور عيسى، وأنه – أي حمزة – هو المسيح الحقيقي الأبدي، وسلمان الفارسي في دور محمد ﷺ (٤)، وهو الذي أملى القرآن على محمد ﷺ وهكذا ... هذه لمحة سريعة عن حمزة، إمام الدروز، وقائم زمانهم، تبين بوضوح ذكاء ودهاء هذا الرجل، فقد استطاع أن يكون نموذجًا للدعاة الملاحدة، الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يقوضوا أركان الإِسلام ودعائمه، فلم ينفع ذكاؤهم ولا مهارتهم في هذا الدين شيء، بل حفظ الله هذا الدين. وخابت كل مساعيهم. ونأتي بعد ذلك إلى الداعي الآخر وهو: الحسن بن حيدة الفرغاني (٥) (الأخرم): هذا الداعي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل، ذلك أنه ظهر بمدينة القاهرة عقب ظهور حمزة بقليل، وكما يقول ابن العماد في شذرات الذهب أنه ظهر (في الثاني من رمضان سنة ٤٠٩ هـ) (٦).وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه حمزة من التناسخ والحلول، وألوهية الحاكم، وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة، فاستدعاه الحاكم وخلع عليه وأركبه فرسا مطهما، وسيره في موكبه) (٧).غير أنه لم تمض على ذلك أيام قلائل، حتى وثب عليه رجل من أهل السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه، فغضب الحاكم وأمر بإعدام قاتله ودفن الأخرم على نفقة القصر في حفل رسمي، كما أن جمهور أهل السنة احتفلوا بمأتم القاتل ودفنوه مكرمًا) (٨). (ولكن القبر نبش بعد أيام واختفت جثته، وكان ذلك على ما يظهر بوحي الحاكم ورغبته) (٩).

стр. 4345

هذا تلخيص لكل ما ذكره المؤرخون عن هذا الداعية، والظاهر من رسائل حمزة أنه لم يكن ضد الأخرم، كما كان ضد الدرزي، على أن (الرسالة الواعظة) لأحمد حميد الدين الكرماني، تفيدنا بعض الشيء عن مهمة الأخرم وهي رسالة موجهة إلى الأخرم ردًا على رقعة بعث بها الأخرم إليه، حيث يتضح من هذه الرسالة أن الأخرم هو الذي كان يقود حركة الدعاية للمذهب الجديد وأنه هو الذي كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة فكتب إليه الكرماني (الرسالة الواعظة). وأول ما يراه الكرماني في رقعة الأخرم أنها خالية من البسملة ومن الصلاة على النبي، وعلى الأئمة من ذريته، ويضيف الكرماني قائلاً: ولا تخلو أن تكون في تظاهرك بولاء أمير المؤمنين ﵇، إما متبعًا له، أو غير متبع، فإن كنت متبعًا فبمخالفتك إياه فيما أمرك به من السجلات المكرمة من السلام عليه في جميع المكاتبات وقعودك عن الاقتداء فيما يفعله من تصدير سجلاته وجميع مكاتباته وخطبه بسم الله الرحمن الرحيم، والاستفتاح به، والصلاة على سيد المرسلين وخاتم النبيين والتبرك بها قد كفرت. ومن الأفكار التي قالها الأخرم في رقعته للكرماني: من عرف منكم إمام زمانه حيًا، فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام ... وأن من عبد الله من جميع المخلوقين، فعبادته لشخص واحد لا روح فيه، ويتساءل عن معنى الآية الكريمة عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:١٨]، وعن: الإسلام وشرائطه؟ وعن: الذي يتقرب به إلى المعبود؟ وهل الشريعة محدثة أم قديمة مع الدهر؟ وما النفس؟ وما العقل؟ ثم ينتهي به القول إلى أن الشريعة والتنزيل والتأويل خرافات وقشور وحشو ولا تتعلق بها نجاة، وأن الناس لا يوجهون وجوههم إلى القبلة لأنها حائط، وأن المعبود هو الحاكم) (١). وهذا يدل على أن الأخرم كان من مؤسسي هذه الدعوة، وكان لسان دعايتها، ولا ندري تمامًا مرتبته بين الحدود، لأنه قتل قبل أن يتبلور مركز الحدود ومراتبهم، ولا ندري ماذا يكون مصيره مع حمزة لو قدر له أن يعيش. أما الداعية الآخر، والذي ينسب إليه الدروز فهو: محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين): في حديثنا فيما سبق عن حمزة بن علي، ذكرنا أن أول من كشف عن عقائد المذهب الدرزي، كان محمد بن إسماعيل الدرزي سنة ٤٠٧ هـ، مما اضطر حمزة إلى الإِعلان والكشف عن دعوته لتأليه الحاكم سنة ٤٠٨ هـ. والدرزي على الأرجح من أصل تركي، ويذكر المؤرخون أنه وفد على مصر سنة ٤٠٧ هـ، فخدم الحاكم وتقرب إليه، ولكن الذي يرجحه الدكتور محمد كامل حسين: أن الدرزي كان قبل هذا التاريخ في مصر واتصل بحمزة بن علي مدة طويلة قبل إظهار الدعوة، وعملاً معًا في رسم خططها) (٢). ويصرح حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة): بأن الدرزي كان يضرب الدنانير والدراهم، وهذا مما يؤكد أن الدرزي كان قريبًا من حمزة والحاكم. ولاشك أن الدرزي كان من أقوى رسل حمزة وأشدهم عزمًا وجرأة، وكان يسير على طريقة حمزة في الدعوة، (ومن الغريب أن حمزة في إحدى رسائله يتهم الدرزي بأنه لا يقر إلا بإنسانية الحاكم بأمر الله، دون ألوهيته، مستندًا في هذا إلى أن الدرزي يقول: أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم، وعلي هو الأساس، والأساس هو مجرد إمام، وليس إلهًا) (٣).

стр. 4346

أما عن مصير الدرزي بعد أن كشف عن هذا المذهب، فيختلف المؤرخون في ذلك، فمنهم من يقول بقتله في ذلك الوقت على يد الأتراك. ومنهم من يرجح أنه لم يقتل في هذا الظرف، ولكنه اختفى في القصر أيامًا بحماية الحاكم حتى هدأت العاصفة وسكن الجند، ثم دبر الحاكم له سبيل الفرار، وأعانه بالمال، فسار إلى الشام ونزل ببعض قرى بانياس (١) وأذاع في الناس دعوته، فكانت أصل مذهب الدروز الذي سمي باسمه، وحاول هناك أن ينقلب على حمزة ويدعي الإِمامة والرئاسة له، فقتل بتحريض من حمزة سنة ٤١١ هـ، والأرجح أن هذا هو السبب الوحيد والجوهري لغضب حمزة عليه. ويفهم من رسائل حمزة بأن الدرزي لم يكن وحيدًا، بل كان معه دعاة آخرون أمثال البرذعي، وعلي بن أحمد الحبال، ويذكر ذلك في (رسالة الغاية والنصيحة) فيقول: (وفرعون البرذعي، وهامان علي بن الحبال، لأن فرعون كان داعي وقته، فلما أبطأ الناطق قال: (أنا ربكم الأعلى) (٢) يعني إمامكم الأعظم، وهامان الذي فتح له باب المعصية) (٣).ويقول أيضًا في رسالة (الصيحة الكائنة): (وما منكم أحد إلا وقد نصحته بحسب الهداية إلى دعوته، فمنكم من استجاب، ونكث مثل علي بن أحمد الحبال الذي كان مأذونًا لي، وعلى يده استجاب نشتكين الدرزي) (٤). ويذكر كذلك في (رسالة الرضا والتسليم): (وأما البرذعي فأنا أرسلت إليه ودعوته إلى توحيد مولانا جل ذكره، فلما أرسل إليه الدرزي رسوله ومعه ثلاثة دنانير وأوعده بالمركوب والخلع فمضى إلى عنده وفتح له أبواب البلايا والكفر، أما أصحابه كلهم فمكتوبة عندي عليهم وثائق بالشهود العادلة لأن لا يراجعوا عما سمعوه مني أبدًا). ومن خلال هذه الرسالة يتبين لنا أن حمزة عندما عرض على البرذعي أمر الاستجابة إلى دعوته، شرط عليه أن يأتيه بتوقيع الحاكم، (وهذا يعني أن الحاكم كان يعلم بدعوة حمزة، وكان على اتصال وثيق به) (٥). وفي ختام حديثنا عن دعاة الدروز، لابد أن نلم قليلاً باثنين من حدودهم الخمسة وأكابر دعاتهم وهما: أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي، صهر حمزة ويليه في مرتبة الحدود، والذي يلقب بالنفس، وذومصة، والمشيئة، وإدريس زمانه، وأخنوخ أوانه. والداعية الثاني هو: بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي، المعروف بالضيف، وهو الحد الخامس من الحدود، ومرتبته الجناح الأيسر، أو التالي. أما التميمي، فلاشك أنه من الحدود الكبار – عند الدروز – الذين قام المذهب على أكتافهم، (وتؤكد النصوص التاريخية أن حمزة كان يعتمد على صهره وساعده الأيمن الذي ينفذ بدقة ونشاط أصعب المهمات وأشدها خطرًا) (٦). وقد كتب التميمي عدة رسائل من مجموع رسائل الدروز منها: رسالة في تقسيم العلوم، والزناد، والشمعة، والرشد والهداية، وله أيضًا شعر يمجد فيه الحاكم اسمه (شعر النفس). ومع ذلك فنحن نعجب لسكوت كتب التاريخ، ورسائل الدروز عن هذا الداعية بعد غياب حمزة سنة ٤١١ هـ، إذ لا يوجد لدينا أي شيء عن هذا الداعية بعد هذا التاريخ.

стр. 4347

ونأتي بعد ذلك إلى الداعية الآخر بهاء الدين، والذي كان له أكبر الأثر في انتشار مذهب الدروز وقيامه بعد غياب حمزة سنة ٤١١ هـ، وذلك لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي، وسنرى في حديثنا عن الحدود في العقيدة الدرزية، أن من يشغل هذه المرتبة يكون لسان الدعوة، وله من الحدود: الجد، والفتح، والخيال. وقد استمر بهاء الدين يحمل أعباء الدعوة إلى مذهبه، فكتب الرسائل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال الداعي (سكين) (١) الذي ادعى أنه الإِله المعبود، وأنه الحاكم بأمر الله. ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز، قد كتبها بهاء الدين، ومن هذه الرسائل: (رسالة التنبيه والتأنيب والتوبيخ)، (رسالة التعنيف والتهجين)، (ورسالة القسطنطينية)، وغير ذلك من رسائل كثيرة كتبها، وأغلبها في الرد على الآراء الجديدة التي حاول الخارجون عليه أن يبثوها، لذلك تحمل أكثر العناوين من رسائله التأنيب والتوبيخ والتعنيف. ولما شعر بهاء الدين باضطراب الأحوال، بعد أن كثرت الآراء الدخيلة في المذهب، أخذ يهدد أتباعه باعتزال الدعوة، وبالفعل اعتزلها سنة ٤٣٤ هـ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد حرصا على الأصول والأحكام التي وضعها حمزة، والتميمي، وما وضعه هو نفسه) (٢). هؤلاء هم دعاة الدروز، وعلى أيديهم قام المذهب الجديد، وسنعرض عند الحديث عن حدود الدروز باقي هؤلاء الدعاة. ولاشك أن حمزة كان إمامهم وداعيتهم الأكبر، وكان طموحه كبيرًا وكان بهاء الدين بالفعل متممًا حقيقيًا لما بدأه حمزة، ولولا بهاء هذا لانقرض هذا المذهب بعد غياب حمزة. المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٠٣

стр. 4348

المبحث الخامس: أسماء الدروز الدروز: هذا هو الاسم المشهور عنهم والمتداول على ألسنة الناس، وهو نسبة إلى نشتكين الدرزي، وقد رأينا أنه مع شهرة هذا الاسم عنهم إلا أنهم لا يحبون أن يطلق عليهم؛ لأنه ينسبهم إلى درزي المذكور وهم قد انحرفوا عن موالاته بعد أن اختلف هو وحمزة بن علي، وصاروا بعد ذلك يلعنونه ويحكمون عليه بالضلال والكفر بمبادئهم لما سبق ذكره. الموحدون: هذا هو الاسم الذي يحبونه ويطلقونه على أنفسهم في كتبهم التي يقدسونها (١).ويجب ملاحظة أن هذه التسمية لا تعني توحيد الله الذي يعبده المؤمنون، ولكن معناها الإخلاص في توحيد الحاكم بأمره حيث يذكر حمزة بن علي الزوزني ذلك بقوله: (التوحيد لمولانا عوض الشهادتين) (٢) المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٠٠

стр. 4349

المبحث السادس: كيف انتشرت العقيدة الدرزية حينما فرَّ الدرزي من مصر توجه إلى بلاد تيم في لبنان، وكانت تقيم فيه قبائل عربية في الجاهلية ثم اعتنقوا الإسلام. وفي أيام الدولة العبيدية انتشر بينهم المذهب الإسماعيلي بتأثير هذا الداعي وفراغهم عن معرفة الدين الإسلامي. وهذه العقيدة على تفاهتها وجدت من يستمع لها ويدين بها إلى وقتنا الحاضر مع شدة حرصهم على كتمانها، الأمر الذي جعل المعلومات حولهم ناقصة جداً ومتضاربة في كثير منها حول ديانة هؤلاء الدروز، وهي في مجملها تتألف من أفكار شتى ونظريات مختلفة فلسفية وهندية ويونانية وفارسية وفرعونية، ثم أحاطوها بالسرية الكاملة لا يبيحون لأحد أن يطَّلع عليها غيرهم، كما لا يبيحون لأحد منهم أن يفشي سراً من أسرارها. وقد جاء في كلام لحمزة بن علي قوله في الترهيب من إفشاء أسرارهم: (إن أكبر الآثام وأعظمها إظهار سر الديانة وإظهار كتب الحكمة –يعني كتبهم- والذي يظهر شيئاً من ذلك يقتل حالاً تجاه الموحدين ولا أحد يرحمه).ويقول: (عليكم أيها الإخوان الموحدون في دفن هذه الأسرار، ولا يقرأها إلا الإمام على الموحدين في مكان خفي، ولا يجوز أن تظهر كتب الحكمة التي كلها رسم ناسوت مولانا سبحانه، وإن وجد شيء من هذه الأسرار في يد كافر فيقطع إرباً إرباً) (١). على أنه لا مانع مع الحفاظ على هذا التكتم أن يتظاهر الدرزي –كما أوصاه علماؤه- بإنكار هذه المبادئ أمام الآخرين إذا لم تكن له قوة أمامهم مستعملا في ذلك ما بوسعه من النفاق والكذب والخداع، وأن يظهر لكل أهل مذهب الرضى عن مذهبهم والسلوك في سبيلهم على طريقة الباطنية. وقد ذهب الغلو بمحمد كامل حسين أن يقول: (وللدروز قضاة منهم يحكمون دائماً حسب الشريعة والتقاليد الإسلامية، إلا أنهم في بعض المسائل الخاصة يحكمون حسب التقاليد الدرزية) (٢). ثم مثَّل بعدة أمثلة هي ضد الإسلام، ومما ينبغي التنبيه له أن الدروز لا يزالون على اعتقاد تأليه الحاكم إلى وقتنا الحاضر يقرونه في مجالسهم الخاصة وخلواتهم، ولكنهم قد يتظاهرون أمام الناس بعدم تأليه الحاكم وهم يعلمون أنهم لو تركوا هذه الفكرة لأصبحوا بلا دين. وقد كشف هذا الستار أحد علماء الدروز وهو عبد الله النجار الذي قتلوه بعد ذلك في أحداث لبنان فهو يقول: (وإني لأذكر عتاب كبير الأشياخ الثقات؛ لأني ذكرت في أحد الكتب المطبوعة أن أم الحاكم كانت صقلية؛ إذ قال لي: إن الحاكم لا أم له مردداً ما جاء في الرسالة ٢٦: حاشا مولانا جل ذكره من الابن والعم والخال لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٣ - ٤] (٣). فهذه شهادة شاهد من أهلها، والباطل لا بد وأن يكشفه الله مهما حاول أهله التستر عليه. وقد كان لهذه الفكرة الإجرامية نتائجها على الحاكم فيما بعد؛ فإنه أنكر ولم يوص بالخلافة لولده (الظاهر بالله) وإنما أوصى بها إلى شخص آخر للإيحاء بأن الأمر لا يزال بيده حتى وإن غاب عنهم يعطيه من يشاء ويمنعه عن من يشاء. ومن هنا فقد انتقم الظاهر من هؤلاء بعد توليه الخلافة أشد انتقام. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – ٢/ ٦٠١

стр. 4350

المبحث السابع: معاملة الدروز لمن يكشف شيئاً من عقائدهم ومن هذا الموقف فإن من أفشى شيئاً من عقائد الدروز فإنهم لا يقابلونه بالمناقشة والحجة كما يفعل سائر الناس الذين يثقون بمبادئهم، وإنما يقوم هؤلاء الدروز وهم يعرفون تفاهة مذهبهم بسبّ الشخص وإلصاق التهم به وإثارة الضجة حوله إذا لم يستطيعوا قتله. ويذكر الدكتور الخطيب أن الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض كتب في مجلتي المنهل وراية الإسلام اللتين كانتا تصدران في جدة والرياض عنهم بعض الحقائق، ورد على من يسميهم مسلمين فقامت قيامة الدروز على الفياض وسبوه بأقذع السباب، وأصدر شيخ العقل في لبنان فتوى ضده ونشروا ذلك في عدة صحف. وقد قام أحد علماء الدروز ويسمى عبد الله النجار بإصدار كتابه مذهب الدروز والتوحيد، وبيَّن حقيقة هذا المذهب، فقامت ضجة حوله وحول كتابه، وحاكمه مشائخ الدروز لفضحه أسرار المذهب، وجمعوا نسخ الكتاب من الأسواق وأحرقوها وقد استغلوا أحداث لبنان واغتالوا النجار (١). ولا شك أن قيامهم بمثل هذا الإجرام يعتبر دليلاً واضحاً على معرفتهم برداءة مذهبهم وبطلانه؛ إذ الحق لا يخاف صاحبه من إظهاره؛ بل يحب ويتودد إلى الناس لنشره وانتفاع الناس به. ويقول محمد أحمد الخطيب عن موقف الدروز منه حين طبع كتابه (عقيدة الدروز) وما لاقاه من مضايقات وتهديدات بسبب ما دونه من حقائق لا يستطيعون دفعها بأي حال لاستناده فيما كتبه عنهم إلى مصادرهم، يقول: (وللحقيقة أذكر أن هذه الأمور مجتمعة قد حدثت معي شخصياً حينما تم طبع ونشر كتاب عقيدة الدروز عرض ونقض، وهي رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الإمام محمد بن سعود عام ١٤٠٠هـ؛ حيث ظهر، وبشكل واضح طريقة التعامل القذر الذي يتم مع كل من يحاول أن يبحث عن حقيقتهم. فقد توالت عليّ المكالمات الهاتفية التي تهدد بالقتل، وجاء على أثرها الكثير من الرسائل والتي تتوعدني بالويل والثبور إن لم أعتذر عن كتابي وما ورد فيه، ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على جمع ما يستطيعون من نسخ الكتاب المذكور وإحراقه، وكذلك عملوا على مطالبة المسئولين في كثير من البلاد العربية بمنع الكتاب، فكان أن منع في عدد من البلاد العربية) (٢). ومما لا يخفى أن هذه الدول التي منعت انتشار الكتاب والانتفاع بما فيه إنما تمثل الانهزام التام والتودد إلى هؤلاء الأشرار هذا إن أحسنا بهم الظن، وإلا فإن هؤلاء مما يترجح لدى كل فاهم لأوضاع الدول العربية أنهم ممن يبيتون النية السيئة لشعوبهم ولدينهم، وأنهم أقرب إلى أعداء الإسلام وأشد على المسلمين من كثير ممن يتظاهر بعدم الإسلام. والله المستعان. المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – ٢/ ٦٠٤

стр. 4351

المبحث الثامن: طريقة الدروز في تعليم ديانتهم علماء الدروز من أشد الناس تستراً على مبادئهم حتى من الموالين لهم، فلا يطلعون أحداً على أسرار المذهب إلا بعد أن يجتاز امتحانات كثيرة من قبل هؤلاء المشائخ الذين هم بمنزلة السلطة العليا. وقد وصف محمد كامل حسين ذلك بقوله: (وهم من الناحية الدينية ينقسمون إلى عقال أو أجاويد أي الذين لهم الحق في معرفة شيء من العقيدة السرية، وبين جهال أي الذين ليس لهم الحق في معرفة أسرار الدين. والعقال ينقسمون بدورهم إلى درجات ثلاث؛ ففي مساء كل يوم جمعة يجتمع العقال في أماكن العبادة التي تعرف بالخلوات (جمع خلوة) بسماع ما يتلى عليهم من الكتاب المقدس، وبعد تلاوة المقدمات يخرج من الخلوة الطبقة الدنيا من العقال، ثم بعد تلاوة بعض الرسائل البسيطة التي ليس بها تأويلات تخرج الطبقة الثانية بحيث لا يبقى إلا رجال الدرجة الأولى الذين لهم وحدهم الحق في سماع الأسرار العليا للعقيدة. أما الجهال فلا يسمح لهم بحضور هذه الخلوات أو بسماع شيء من الكتب المقدسة إلا في يوم عيدهم، وهو يوافق عيد الأضحى عند المسلمين، على أن طبقة الجهال يسمح لهم بأن ينتقلوا إلى طبقة العقال بعد امتحان عسير شاق يقوم على ترويض النفس وإخضاع شهواتها مدة طويلة؛ إذ لا يقبل في طبقة العقال من يدمن التدخين مثلاً، وقد يستمر الامتحان أكثر من سنة بأكملها حتى يثق الشيوخ بأحقية الطالب أن ينتقل من طبقة الجهال إلى طبقة العقال). وقال عن صفات العقال: (والعقال في المجتمع الدرزي يعرفون بعمائمهم ولبس القباء الأزرق الغامق ويطلقون لحاهم، على أن الذين يسند إليهم وظائف حكومية يباح لهم ترك هذه الملابس وارتداء الزي الذي يتطلبه منصبه الرسمي). وقال عن مكانة المرأة في المذهب الدرزي: (والنساء في المجتمع الدرزي ينقسمن أيضاً إلى عاقلات وجاهلات مثل الرجال تماماً، لا فرق بين المرأة والرجل، والنساء العاقلات يلبسن النقاب وثوباً اسمه صاية). وعن التنظيم الاجتماعي السائد في المجتمع الدرزي يقول: (وللدروز رؤساء دينيون في كل مكان، على رأسهم شيخ يلقب بشيخ العقل ويتولى منصبه بالانتخاب أو بالاتفاق بين الزعماء وكبار رجال الطائفة، ولشيخ العصر أعوان في كل قرية أو بلد هم شيوخ عقل محليون. وشيوخ العقل في لبنان ينقسمون إلى حزبين سياسيين هما الشيوخ الجانبلاطية والشيوخ اليزبكية، بينما ينقسم الدروز عامة في لبنان مدنياً إلى أمراء ومشائخ وعامة، فالأمراء هم آل أرسلان والمشائخ هم الجانبلاطية واليزبكية) (١).ويذكر محمد حمزة أن أغلب الأحكام الفقهية التي ليس للدروز فيها تشريع خاص يتبعون فيها مذهب أبي حنيفة النعمان، وأن ذلك كان بتأثير العثمانيين الذين فرضوا المذهب الحنفي في سوريا ولبنان (٢). المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – ٢/ ٦٠٩

стр. 4352

المطلب الأول: ألوهية الحاكم عند الدروز لعل أهم عقيدة نراها في كتب ورسائل حمزة بن علي وغيره من الدعاة، أن للحاكم بأمر الله حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، ولا تعرف بالرأي ولا بالقياس، ومهما حاول الإنسان أن يفكر فيه لمعرفة كنهه فيه فهو محاولة فاشلة لأن لاهوته ليس له مكان، ولكن لا يخلو منه مكان، وليس بظاهر كما أنه ليس بباطن. ولا يوجد اسم من الأسماء يمكن أن يطلق عليه، لأنه لا يدخل تحت الأسماء، إذ لا يتصف بصفات، ولا يمكن التعبير عنه بلغة من اللغات. وهكذا يتفق ذكر التوحيد في رسائل الدروز، وحديثهم عن لاهوتية المعبود، يتفق تمام الاتفاق مع ما ورد في كتب الدعوة الإِسماعيلية عن الله ، ففي كتاب (راحة العقل) لأحمد حميد الدين الكرماني، الذي كان معاصرًا لحمزة بن علي، نجد سورًا كاملاً ذا سبعة مشارع في التوحيد والتقديس، وحديثه في ذلك كله هو حديث رسائل الدروز. فقد جعل الكرماني المشرع الأول: في بطلان كونه تعالى ليسًا (١)، والمشرع الثاني: في بطلان كونه تعالى أيسًا (٢) والمشرع الثالث: في أنه تعالى لا ينال بصفة من الصفات وأنه لا بجسم ولا في جسم ولا يعقل ذاته عاقل ... ثم ختم السور بالمشرع السابع: الذي جعله من قبيل نفي الصفات الموجودة في الموجودات وسلبها عنه تعالى) (٣). وكنت قد أوردت في فصل سابق رسالة مهمة تتحدث عن هذا المعتقد هي (كتاب فيه حقائق ما يظهر قدام مولانا جل ذكره من الهزل) حيث اتضح لنا من خلافات كيف ينظر حمزة وأتباعه إلى أفعال الحاكم ويظهرونها أفعالاً تدل على الألوهية. وبما أن عقيدة ألوهية الحاكم، هي المرتكز الرئيسي لعقيدة الدروز فلابد لنا من استعراض بعض ما كتبوه في رسائلهم حول هذا الأمر. ومع أن الدروز يحاولون – تسترًا وكتمانًا – أن ينفوا هذا المعتقد أمام الآخرين، وذلك تجنبًا لثورة الناس عليهم، وهو ما أمرت به رسائلهم، والذي يفهم منها أنه يجوز للموحد أن ينفي عبادته للحاكم أمام الضد. وأبدأ أولاً بـ (ميثاق ولي الزمان)، وهو نص العهد الذي وضعه حمزة بن علي ليؤخذ على الداخلين في دعوته: (توكلت على مولانا الحاكم الأحد، الفرد الصمد، المنزه عن الأزواج والعدد. أقر فلان بن فلان، إقرارًا أوجبه على نفسه، وأشهد به على روحه، في صحة من عقله وبدنه، وجواز أمره، طائعًا غير مكره ولا مجبر. أنه قد تبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات، كلها على أصناف اختلافاتها، وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره، والطاعة هي العبادة، وأنه لا يشرك في عبادته أحدًا مضى أو حضر أو ينتظر، وأنه قد سلم روحه وجسمه وماله وولده وجميع ما يملكه لمولانا الحاكم جل ذكره، ورضي بجميع أحكامه له وعليه، غير معترض ولا منكر لشيء من أفعاله ساءه ذلك أم سره. ومتى رجع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره الذي كتبه على نفسه وأشهد به على روحه، أو أشار به إلى غيره، أو خالف شيئًا من أوامره. كان بريئا من الباري المعبود، واحترم الإِفادة من جميع الحدود، واستحق العقوبة من الباري العلي جل ذكره.

стр. 4353

ومن أقر أن ليس في السماء إله معبود، ولا في الأرض إمام موجود إلا مولانا الحاكم جل ذكره كان من الموحدين الفائزين. كتب في شهر كذ وكذا من سنة كذا وكذا من سنين عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين والمرتدين بسيف مولانا جل ذكره وشدة سلطانه وحده) (١).وقد ورد هذا الميثاق أيضًا في مصحف الدروز في (عرف العهد والميثاق) بوصفه: (العهد الذي أمر مولانا الحاكم جل ذكره، بكتابته على جميع الموحدين الذين آمنوا به، جل ذكره) (٢). ولكن ورد في هذا المصحف، وقبل الميثاق، عهد جديد، لا نعرفه إلا من هذا المصحف سمي بـ (العهد)، وهذا يعطي انطباعًا لقارئ مصحفهم أن العهد والميثاق متلازمان في العقيدة الدرزية، ولذلك نورد فيما يلي نص هذا العهد، لأهمية ذلك في إيضاح نظرة الدروز وعقيدتهم والباقية للآن في ألوهيتهم للحاكم: (آمنت بالله، ربي الحاكم، العلي الأعلى، رب المشرقين، ورب المغربين وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهو رب الرجعى وله الأولى والآخرة، وهو الظاهر والباطن. وآمنت بأولي العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأومن عاملاً قائمًا بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهرًا وباطنًا، علمًا وعملاً، وأن أجاهد في سبيل مولانا، سرًا وجهرًا بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يداي، قولاً وعملاً، وأشهدت على هذا الإِقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي. وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقر بهذا، غير مكره أو منافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هو في السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: إنني قد برأت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والاعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحدًا في جميع أدواري.

стр. 4354

وأعيد فأقول: إنني قد سلمت روحي وجسمي وما ملكت يداي وولدي لمولانا الحاكم جل ذكره، ورضيت بجميع أحكامه لي أو علي، غير معترض ولا منكر منها شيئا، سرني ذلك أم ساءني، وإذا رجعت أو حاولت الرجوع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره، والذي كتبته الآن وأشهدت به على روحي ونفسي، أو أشرت بالرجوع إلى غيري، أو جحدت أو خالفت أمرًا أو نهيًا من أوامر مولاي الحاكم جل ذكره ونواهيه. كان مولاي الحاكم جل ذكره، بريئًا مني واحترمت الحياة من جميع الحدود، واستحقت علي العقوبة في جميع أدواري من بارئ الأنام جل ذكره، وعلى هذا أشهدك ربي ومولاي، من بيدك الميثاق، وأقر بأنك أنت الحاكم الإِله الحقيقي المعبود، والإِمام الموجود جل ذكره، فاجعلني من الموحدين الفائزين الذي جعلتهم في أعلى عليين، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، مولاي إن تشاء آمين) (١).وقد أورد القلقشندي نصا غريبا ليمينهم هذا، لا يتوافق مع معتقداتهم، وخاصة بالنسبة للدرزي، الذي يصفه هذا القسم بأنه: الحجة الرضية، وهذا ما لا يقبله الدروز ويرفضونه (٢)، وهكذا فإن هذا الميثاق وغيره يبتر حبل الصلة بين المستجيب وكل ما يؤمن به سواه، ويدفعه لتلقي كل ما يرويه حمزة وتلاميذه – مرورًا ببهاء الدين وانتهاء بجنبلاط – عن الحاكم بالرضى والتسليم. ويوضح حمزة في (الرسالة الموسومة بكشف الحقائق) لماذا أظهر اللاهوت ناسوته؟ فيقول: (لكنه سبحانه أظهر لنا حجابه الذي هو محتجب فيه، ومقامه الذي ينطق منه ليعبد موجودًا ظاهرًا، رحمة منه لهم ورأفة عليهم، والعبادة في كل عصر وزمان لذلك المقام الذي نراه ونشاهده ونسمع كلامه ونخاطبه، فإن قال قائل: كيف يجوز أن نسمع كلام الباري سبحانه من بشر، أو نرى حقيقته في الصور؟ قلنا له: بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده، أنتم جميع المسلمين واليهود والنصارى، تعتقدون بأن الله خاطب موسى بن عمران من شجرة يابسة، وخاطبه من جبل جامد أصم، وسميتموه كليم الله لما كان يسمع من الشجرة والجبل، ولم ينكر بعضكم على بعض، وأنتم تقولون بأن مولانا جل ذكره ملك من ملوك الأرض، ومن وُلي على عدد من الرجال، كان له عقل الكل، ومولانا جل ذكره يملك أرباب ألوف كثيرة ما لا يحصى ولا يقاس فضيلته بفضيله، شجرة أو حجر، وهو أحق بأن ينطق الباري سبحانه على لسانه، ويظهر للعالمين قدرته منه، ويحتجب عنهم منه. فإذا سمعنا كلام مولانا جل ذكره قلنا: قال الباري سبحانه: كذا وكذا، لا كما كان موسى يسمع من الشجرة هفيفًا فيقول: سمعت من الله كذا وكذا، وهذه حجة عقلية لا يقدر أحدكم ينكرها. وقد اجتمع في القول بأن لمولانا جل ذكره عقول الأمة، وأن الشجرة والحجر لا تفهم وتعقل عن الله (٣)، ومن يفهم ويعقل عن الله أحق بكلام الله وفعله ممن لا يعقل عنه، وإن كانت الشجرة حجابه، فالذي يعقل ويفهم أحق أن يكون حجاب الله ممن لا يعقل ولا يفهم، وكيف يجوز الباري سبحانه أن يحتجب في شجرة ويخاطب كليمه منها ثم تحرق الشجرة ويتلاشى حجابه، سبحان الإِله المعبود عما يصفون، لا يدرك ولا يوصف مولانا الحاكم جل ذكره وحجابه في كل عصر وزمان باختلاف الصور والأسماء، كما نطق القرآن: (كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن).

стр. 4355

وفي مصحف الدروز يدعي أن العباد كانوا يتوسلون ظهور الواحد الأحد، فيقول: (انظروا ثم انظروا، واسترجعوا الأيام السالفة، فكم من العباد كانوا يتوسلون منتظرين ظهور الواحد الأحد، والحاكم الصمد، والفرد بلا عدد، في الهياكل القدسية، على شأن وصفة يعلمها كل من ألقى السمع وهو شهيد. ها قد تفتحت أبواب العناية، وارتفعت غمة المكرمة، وظهرت شمس الغيب في أفق القدرة. والآن وبعد الآيات البينات، قمتم على تكذيب ما تنتظرون ورفض أحكم الحاكمين، وفوق كل ذلك، أنكم تبتعدون عن لقائه الذي هو عين لقاء الله، كما صرح به الكتاب: (وجاء ربك والملك صفا صفا).وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون: فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين، أو لم تعاهدوه، وتضعوا أيديكم في يده، أو لم ينادكم، وأخذ عليكم ميثاقًا، وقال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (وبذلك شهد الكتاب) (١). لذلك فإنه يعيب على الذين كفروا بالحاكم، ذلك لأن في قلوبهم مرض ويقول: (لقد كبر على الذين كفروا، أن يروا الله جهرة كأمثالهم، وضلت ألبابهم وظنوه كأجسامهم وهياكلهم. إن الذين في قلوبهم مرض، فزادهم الله مرضا، وأمدهم في طغيانهم يعمهون (٢)، وأما الذين آمنوا، وسبقت، منه لهم، كلمة الحسنى، فإنه ظهر لهم ليمنحهم نعم الإِيمان، المكنونة في سدرة المعرفة المخزونة التي استظل بها أولو العزم من الرسل، حتى لا تحرم الهياكل الفانية من أثمار المشاهدة الباقية عساهم يفوزون ويؤتون الحكمة بتجلي ذي الجلال الحاكم) (٣).ولهذا فإن لهم عذابًا شديدًا لكفرهم بدعوة الحاكم، ويقول مصحفهم: (لئن ينتعل أحدكم بنعلين من نار، يغلي بهما دماغه من حرارة نعليه، إنه لأهون، وأدنى عذابًا، من رافض دعوة مولاه الحاكم، بعد إذ تبين الرشد من الغي ... إلى أن يقول: ولو أن من في الأرض استغفر لهم لن يغفر الله مولاهم الحاكم الصمد، والفرد بلا عدد، والواحد الأحد، خطيئاتهم، ولو افتدى أحدهم بما في الأرض جميعًا فلا ينجيه) (٤). والدروز ينفون عن الحاكم أنه ابن العزيز، أو أبو علي، أو له أب أو ولد، وهذا ما ينفيه حمزة في (رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد) ويقول: لأن مولانا سبحانه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (وما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك إلا هو معهم) (٥) عن إدراك العالمين والعاليين والملائكة المقربين والناس أجمعين علوا كبيرا.

стр. 4356

فالحذر الحذر، أن يقول واحد منهم بأن مولانا جل ذكره: ابن العزيز، أو أبو علي، لأن مولانا سبحانه هو في كل عصر وزمان يظهر في صورة بشرية وصفة مرئية كيف يشاء حيث يشاء ... إلى أن يقول: وهو سبحانه لا تغيره الدهور ولا الأعوام ولا الشهور، وإنما يتغير عليكم بما فيه صلاح شأنكم، وهو تغيير الاسم والصفة لا غير، وأفعاله جل ذكره تظهر من القوة إلى الفعل كما يشاء (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، أي كل عصر في صورة لا يشغله شأن عن شأن. وأما من قال واعتقد بأن مولانا جل ذكره، سلم قدرته ونقل عظمته إلى الأمير علي، أو أشار إليه بالمعنوية فقد أشرك بمولانا سبحانه، غيره وسبقه بالقول ... فمن منكم يعتقد هذا القول فليرجع عنه ويستقيل منه ويستغفر المولى جل ذكره ويقدس اسمه من ذلك ... ولا يجوز لأحد يشرك في عبادته ابنًا ولا أبًا، ولا يشير إلى حجاب يحتجب مولانا جل ذكره فيه إلا بعد أن يظهر مولانا جل ذكره أمره، ويجعل فيمن يشاء حكمته، فحينئذ لا مرد لقضائه ولا عاصيًا لحكمه في أرضه. ويضيف قائلاً: والنور الشعشعاني التمام، ومعبود جميع الأنام، الصورة المرئية الظاهر لخلقه بالبشرية المعروف عند العالم بالحاكم. وما أدراك ما حقيقة الحاكم؟ ولم تسمى بالحاكم في هذه الصورة؟ دون سائر الصور؟ ومولانا جل ذكره غير غائب عن ناسوته، فعله فعل ذلك المحجوب عنا في نطقه ذلك النطق، لا يغيب اللاهوت عن الناسوت إلا أنكم لا تستطيعون النظر إليه، ولا لكم قدرة بإحاطة حقيقته. وأراد بالحاكم، أي يحكم على جميع النطقاء والأسس والأئمة والحجج ويستعبدهم تحت حكمه وسلطانه، وهي عبيد دولته ومماليك دعوته الحاكم بذاته ... وترك الاعتراض فيما يفعله مولانا جل ذكره، ولو طلب من أحدكم أن يقتل ولده لوجب عليه ذلك بلا إكراه قلب، لأن من فعل شيئًا وهو غير راض به لم يثب عليه، ومن رضي بأفعاله وسلم الأمر إليه، ولم يراء إمام زمانه، كان من الموحدين الذين لا خوف عليهم. واعلموا أن الشرك خفي المدخل، دقيق الستر والمسبل، وليس منكم أحد إلا وهو يشرك ولا يدري، ويكفر وهو يسري ويجحد وهو يزدري، وذلك قول القائل منكم: بأن مولانا سبحانه صاحب الزمان، أو إمام الزمان، أو ولي الله أو خليفته، أو ما شاكل ذلك من قولكم: الحاكم بأمر الله، أو سلام الله عليه، أو صلوات الله عليه) (١).وبالإِضافة إلى الرسالة – السابق ذكرها – (٢) (كتاب ما يظهر قدام مولانا من الهزل) هناك رسالة أخرى لحمزة هي (رسالة السيرة المستقيمة) يعطينا فيها حمزة المزيد من تأويلاته لأفعال الحاكم الغريبة، ومما يقوله:

стр. 4357

ومن رسوم مولانا جل ذكره الركوب في الهاجرة، والمسير في الرمضاء وفي الشتاء، إذا كان يوم جنوب صعب وغبار عظيم يتأذون الناس في بيوتهم من ذلك الريح والغبار. ثم يركب المولى سبحانه في ظاهر الأمر إلى حجر الجب، ويرجع وما في الموكب أحد إلا وقد دمعت عيناه من الغبار والريح، وكلت ألسنتهم عن النطق الفصيح، ونالهم من المشقة والتعب ما لم يقدر عليه أحد، ومولانا سبحانه على حالته التي خرج بها من الحرم المقدس، ولم يراه (١) أحد قط في وقت الهاجرة الهائلة والسموم القاتلة قد اسود له وجه في ظاهر الأمر، ولا لحقه شيء من تعب، ولا يقدر أحد منهم يقول بأنه لحقه شيء من ذلك. ومع هذا فقد ترك خلق كثير ممن هو معه في المواكب وكدهم بالنظر إليه لمثل هذه الأمور، فلم يروا منها شيئا، ولا يقدر أحد يقول من حضر مع مولانا سبحانه في ظاهر الأمر في مواضع لا يحصرها كل الناس، أنه شاهد (٢) يفعل شيئًا مما ذكرناه من تعب أو أكل أو شرب حاشاه سبحانه من ذلك. وأيضًا ما يزعم المشركون به مما أوراهم (٣) من علة جسم من حيث إعلال قلوبهم، وهو في ظاهر الأمر يركب في محفة يحملها أربعة من الأضداد المشركين وتشق به أوساط المارقين الناكثين والمنافقين، وما من العساكر إلا وقد قتل ساداتهم، والرعية كلهم أعداؤه في الدين، إلا شرذمة يسيرة موحدين له مؤمنين به راضين بقضائه، ومن رسوم الملوك أنهم لا يثقوا بأحد من عساكرهم، ولا من أولادهم خوفًا من غدرهم. فكيف يزعمون أنه مريض، وليس يقدر يمشي، وقد قتل جبابرة الأرض وملوكهم، ويمشي بينهم في محفة، وهو الذي ذكرته لكم في هذه السيرة وأصناف هذه الأفعال ليس هي فعل أحد من البشر، وما هو شيء يستعظم للمولى سبحانه) (٤). إذن فكل هذا القتل، والسفك، وغير ذلك من أفعاله، لم تكن طبيعية، بل هي مقررة، تمت بخطة يستوعبها الناس على أن هذا ليس من فعل بشر، وإنما هو فعل إله: يقتل، ويحيي، ويرزق، ويمنع. أما لماذا تسمى الإِله المعبود بأسماء العباد؟ فهذا أيضا ما يوضحه حمزة في (رسالة السيرة المستقيمة) بقوله: (فإن قال قائل: فلم تسمى المولى سبحانه باسم العبد، وما الحكمة فيه؟ قلنا له بتوفيق مولانا جل ذكره وتأييده: أن جميع ما يسمون الباري جل ذكره في القرآن وغيره فهو لعبيده وحدوده، وأجل اسم عندهم في القرآن (الله)، وظاهره خطوط مخلوقة، وباطنه حدود مرئية مرزوقة وظاهره اسم وباطنه مسمى، والمعبود غيرهما وهو الاسم الحقيقي، وهو لاهوت مولانا سبحانه وتعالى عما يصفون. فلما كانت العبيد عاجزين عن النظر إلى توحيد باريهم إلا من حيث هم وفي صورهم البشرية، أوجبت الحكمة والعدل أن يتسمى بأسمائهم حتى يدركون بعض حقائقه) (٥).

стр. 4358

ولكي يبرهن دعاة الدروز على أن عبادتهم وتأليههم للحاكم هي العبادة الصحيحة، يحاولون أن يثبتوا أن عبادة جميع أهل النحل والأديان الأخرى، هي عبادة عدم، لأنها بلا معرفة ولا مشاهدة. يقول المقتني بهاء الدين في (الرسالة الموسومة بالشافية لنفوس الموحدين) ما يلي: وذلك أن جميع أهل النحل والأديان يعترفون بالمعبود وينكرون إذا دعوا إلى حقيقته – الوجود – كما قال: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) (١)، أي يقرون أن لهم باريا، فإذا دعوا إلى معرفة توحيده أنكروا وجوده، وكلهم أعني من قدمت ذكره من جميع أهل النحل والأديان يوجبون على أنفسهم عبادة يرجون بها ثوابه ويفرون بها من عقابه، والعقل يقطع ويشهد ويوجب أن الثواب لا يصح ولا يثبت إلا من بعد معرفة المثيب إذ كان الخلق إلى معرفة المثيب هم أحوج منه إلى معرفة ثوابه، وأيضًا جميع أهل الشرع والمذاهب المتقدمة. وأيضًا فإن كان معدومًا فقد سقطت الحجة عن جميع الخلق وكان الكل معذورين في توقفهم عن طلب الحق، ويؤيد ما ذكرته ما تقدم به الخلق من أقوالهم، أن الله لا يحتجب عن خلقه لكن حجبته عنهم أعمالهم) (٢). وفي هذا المعنى أيضًا يقول في (رسالة من دون قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن) ما يلي: (وجميع العالم على شك، والشك هو الكفر لأنهم يعبدون من لا يسمع ولا يُسمع، ولا يضر ولا ينفع، ولا يدرون هل عبادتهم مراده، أو أراد منهم شيئًا مما أجازته عقولهم. وأيضًا فقد تقدم القول بأن المولى جل ذكره عادل غير جائر، تعالى وجل عما يقوله الملحدون علوا كبيرا، فأي عدل يقتضي أن يكون فوق سبع سموات على كرسي فوق السماء السابعة كما يزعم المشركون (٣)، وقد كلفنا مع هذا عبادته ومعرفته، فهل في وسع أحد أن يعرف ما خلف الجدار الذي هو أقرب إليه من كل قريب إن لم يكشف عنه وينظره بعينه، فنعوذ بالمولى أن ننسبه أنه احتجب بهذه الحجبة، ثم كلفنا مع ذلك عبادته ومعرفته، بل ظهر تعالى بهذه الصورة الناسوتية التي تشاكلنا من حيث المجانسة والمقابلة، فهذا نفس العدل.

стр. 4359

ووجه آخر أن ابن آدم غرض الباري من جميع المخلوقات، فلما صح عند ذوي العلم والمعرفة والفهم، أن ابن آدم أفضل الأشياء كلها وجب أن يحتجب الباري جلت قدرته في أجل الأشياء، واحتجب بأشرف المخلوقات، واحتجب بأعلم الأشياء، فنعوذ بالمولى من سوء اعتقاد من يعتقد أنه في الأموات، وأيضًا فإن العالم كله ما اختلفوا في أن الباري قادر فأين قدرته لو غاب الدهر كله لا يظهر، أليس يكون عجز عن الظهور؟ وأيضًا فلو ظهر الدهر كله، ثم لم يغب لعجز عن الغيبة، ولو ظهر في كل الظهورات بصورة واحدة وعلى حالة واحدة لكان ذلك عجزًا) (١). بهذه الطريقة يحاول حمزة ودعاته أن يثبتوا أن ظهور اللاهوت بصورته الناسوتية (الحاكم)، كان رحمة للناس وعدلاً لهم منه، وفي زعمهم أن أهل الأديان الأخرى لا يعبدون إلا العدم الذي لا يسمع ولا ينفع ولا يضر، فكان ظهوره هذا رحمة للموحدين. أما لماذا تسمى الحاكم – (الإمام)؟ فيجيبنا حمزة على ذلك بقوله: (ولو كان في العالمين شيء أفضل من الإِمامة، لكان المولى جل ذكره في ظاهر الأمر تسمى به، فلما لم يظهر في الناسوت إلا باسم الإِمامة علمنا أنه أجل أسماء المولى جلت قدرته) (٢).وعن نهي الحاكم تقبيل الأرض بين يديه، وتأويل ذلك، تجيب عنه (الموسومة برسالة النساء الكبيرة) إذ تقول: (ألم تسمعن ما تلي عليكم في السجل المكرم أيضا، بالنهي عن تقبيل الأرض بين يدي مولانا جل ذكره، ألم تعلمن أن الأرض هي الأساس، وأن التقبيل أخذ علمه، وقد نهاكن عن ذلك) (٣). وفي شرح (ميثاق ولي الزمان) يشرح قول حمزة في الميثاق: (وأنه لا يعرف شيئًا غير طاعة مولانا جل ذكره) بقوله: المعرفة ها هنا بالفعل لا بالعلم، يعني أنه لا يدخل في عبادة الحاكم سبحانه ولا يعتقد سواه، كقوله: لم أعرف غيره ولم أتوجه إلا إليه، وكقوله: لم ينطلق في الدعوة الشركية ولا يعرف غير الدعوة اللاهوتية. والطاعة هي العبادة، لأن العبادة في هذا الموضع تأليه وتقديس، وفي غير هذا الموضع العبادة هي الاتباع والطاعة مطلقًا، ويجوز للعبد أن يقول عن نفسه: أنه يعبد الإِمام أي يتبعه ويطيعه، كقوله: (إن كنتم إياه تعبدونه) (٤) أي تطيعون وتتبعون. وإنما أظهر لنا الناسوت رفقًا بنا وطمأنينية لقلوبنا، لأن ليس في طاقتنا مقابلة الأهوة. وقال: ولو انكشف لها معرفة مبدعها من غير تأنيس ولا تدريج لصعقت لقدرته وخرت، فلو تجلى ﷻ للخلق من حيث هو لتلاشى كل شيء لعظم إشراق ضوء شعاع نور الأهوة. ويجب على من أقر بصورة الناسوت أن يعلم علما يقينا أن اللاهوت فيها غير منفصل عنها كقوله: إن الحجاب هو المحجوب، والمحجوب هو الحجاب ذلك هو، وهو ذلك لا فرق بينهما، وكقوله لا يغيب اللاهوت عن الناسوت، ومثل الناسوت في اللاهوت مثل الخط من المعنى، فالخط مثل الناسوت) (٥). ولا يزال الدروز حتى الآن يؤمنون ويقولون بهذه الأقوال، من هؤلاء الدكتور سامي مكارم الذي يقول:

стр. 4360

(ويمكننا أن نقول: إن الناسوت من اللاهوت كالخط من المعنى، وكما أن فكر الإِنسان المحدود بالكيفية والإِضافة والزمان وما شابه ذلك لا يستطيع أن يدرك المعاني مجردة من الخط أو الصورة أو الصوت، كذلك لا يمكن أن يدرك اللاهوت بوجه من الوجوه، وإنما يتجلى الله في الناسوت، ويكون هذا الناسوت قد تنزه عن كل ما ليس هو في حقيقته وشموله، فأضحى تشخيصًا للإِنسان الكامل، أي ناسوتًا مجردًا متطهرًا مثاليًا متنزلاً بتجرد الباقي السرمدي فيه عن التوهم والفناء. وهذا هو التأنيس بالنسبة للآخرين بغية التعرف من خلاله إلى حقيقة الموجود في سعي بعضهم، وتقربهم، وطلبتهم للمشاهدة والتوحيد الآخر) (١). والدروز يعتقدون أن الإِله المعبود اتخذ له في الأدوار الماضية صورًا ناسوتية أخرى، ويعتقدون أيضًا أن هذه الأدوار كانت سبعة أدوار وأن الإِله المعبود قد أظهر ناسوته في هذه الأدوار عشر مرات أو (مقامات)، وفي (رسالة السيرة المستقيمة) حديث طويل عن هذه الأدوار، يقول حمزة في هذه الرسالة: وهو القسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، هو الحاكم جل ذكره نطق بأن مولانا جل ذكره هو القائم على كل نفس بما كسب، وهو المعز، وهو العزيز، وهو الحاكم جل ذكره، يظهر لنا في أي صورة شاء كيف يشاء (إن الدين عند الله الإِسلام)، أي سلموا أمورهم إلى المولى سبحانه ورضوا بقضائه، فهم المسلمون له حقا، والمؤمنون به، والموحدون له تأليهًا وسدقًا. وتسمى مولانا جل ذكره بالقائم لأن أول ما ظهر للعالم بالملك والبشرية في أيام النطقاء الناموسية والشركية، فقام على العالمين بالقوة والقدرة) (٢).فتغيير صور ناسوته إنما كان لصلاح شأن الناس، لأن ناسوته لا يفارق لاهوته طرفة عين، لذلك ظهر في مقام القائم باسمه ووصفه، وظهر في مقام المنصور جلت قدرته، وهو في مقام المعز جلت عظمته، وفي مقام العزيز أيضًا ﷻ (العزيز والمعز هما أب وجد الحاكم بأمر الله)، وكل هؤلاء واحد لا يشغله شأن عن شأن، يعني لا يشغله ظهوره في صورة عن ظهوره في صورة أخرى) (٣). والمقامات الناسوتية التي ظهر فيها المعبود هي كما يعتقد بها الدروز: العلي. البار. أبو زكريا: ظهر في وقت السماء الثالثة سنة ٢٢٠ هـ. عليا: ظهر في وقت السماء الرابعة. المُعل: ظهر في وقت السماء الخامسة. القائم: كان طفلاً استودعه مع سر إمامته أبوه المعل برعاية سعيد المهدي الملقب بـ (عبيد الله) سنة ٢٨٠ هـ، وكان سعيد في العشرين من عمره، هرب بالقائم من وجه العباسيين إلى مصر سنة ٢٨٩ هـ، ثم إلى شمال أفريقية سنة ٣٠٨ هـ، وهو مؤسس الدولة الفاطمية. تلاه المنصور الذي حكم من سنة ٣٣٤ إلى سنة ٣٤١ هـ، ثم المعز من سنة ٣٤١ إلى سنة ٣٦٥ هـ، وهما مع القائم يعتبرون في المذهب الدرزي ذاتًا واحدة. العزيز: من سنة ٣٦٥ إلى سنة ٣٨٦ هـ، وأخيرًا الحاكم بأمر الله) (٤). والاعتقاد بهذه المقامات العشرة، واجب مؤكد على الدرزي، ففي رسالة درزية مخطوطة، مجهولة المؤلف وعنوانها (ذكر ما يجب أن يعرفه الموحد ويعتقد به ويحفظه ويسلك بموجبه، وهو قول موجز عن كتاب الفرائض) يقول فيها مؤلفها: ويجب معرفته تعالى في المقامات العشرة الربانية وهم: العلي، والبار، وأبو زكريا، وعليا، والمعل، والقائم، والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، وكلهم إله واحد لا إله إلا هو.

стр. 4361

فالعلي الأعلى كل زمان تجريد ولا إمامة فيه، ولم يكن قبله شيء وظهر في أول الدنيا، ثم البار تجريد عن الإِمامة وظهوره في أواخر أدوار الدنيا، وبين العلي والبار تسع وستون كشفة، وبين كل كشف وكشف سبع شرائع، وبين كل شريعة وشريعة سبعة أئمة، ومدة كل إمام مائة ألف سنة، فتكون الأدوار والشرائع من العلي إلى البار ثلثمائة ألف سنة. ثم بعد غيبة مقام البار ، ظهر آدم الجزي الذي هو أحنوخ بشريعة توحيدية يدعو إلى توحيد البار سبحانه، وظهر بعده سبعة أئمة من حروف الصدق وحدوا حدوده، ثم ظهرت بعدهم الشرائع الناموسية بالنطقاء التكليفية الذين هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد، وسعيد المهدي، وكلهم نفس واحدة، وبين كل ناطق وناطق سبعة أئمة، ودخل أهل الحق في هذه الشرائع المذكورة (١).وأما ظهور أبي زكريا وعليا (٢) والمعل، كان بإمامة مستورة في دور محمد بن إسماعيل، ثم بعد سعيد المهدي ظهر البار سبحانه في مقام القائم والمنصور والمعز والعزيز، وذلك في الخلافة الظاهرة والإِمامة الباطنة. وأما مقام الحاكم فظهر بالثلاث منازل المذكورة، ثم تجرد بالوحدانية وكشف توحيده مدة من السنين، ثم أعطى الخلافة والإِمامة لعلي الظاهر (٣)، الذي هو الدجال، وأعطى الإِمامة الحقيقية إلى صاحبها الذي هو القائم المنتظر حمزة بن علي صلى الله عليه) (٤). ومما يذكر أن حمزة أيضًا وجميع الحدود الآخرين كانوا يظهرون في هذه الأدوار بأسماء وصور مختلفة. وفي (رسالة السؤال والجواب) هذا الحوار أيضًا عن المقامات الناسوتية التي ظهر بها اللاهوت: س: وكم مرة ظهر مولانا الحاكم بالصورة الجسمانية؟ ج: ظهر عشر مرار، وتسمى بالمقامات وهم: العلي، البار، عليا، المعل، القائم، المعز، العزيز، أبو زكريا، المنصور الحاكم. س: فأول المقامات الذي هو العلي، أين ظهر؟ ج: ظهر في الهند في مدينة يقال لها حين ما حين. س: والبار أين ظهر؟ ج: بالعجم في مدينة يقال لها أصبهان (٥) ولأجل هذا تقول الفرس بارخدا، وعليا ظهر في اليمن، والمعل ظهر بالمغرب، في صورة رجل مكاري على ألف جمل، والقائم ظهر بالمغرب في مدينة يقال لها المهدية (٦)، ومنها جاء إلى مصر، وأبو زكريا والمنصور ظهرا في المنصورة (٧)، والمنصور كان اسمه إسماعيل. س: وكيف نقول في باقي الملل، الذين يقولون أننا نعبد الرب الذي خلق السماء والأرض؟ ج: ولو قالوا ذلك لا يصح معهم، لأن العبادة لا تصح بلا معرفة، ولو قالوا عبدنا ولم يعرفوا أن الرب هو الحاكم بذاته فتكون عبادتهم كاذبة) (٨).

стр. 4362

ويقول الدكتور محمد كامل حسين: (وليس لنا أن نناقش هذه العقيدة، إلا أننا نحب أن نسجل أن ظهور أبي زكريا القرمطي كان أسبق من ظهور القائم بأمر الله. ثم قولهم في (رسالة السيرة المستقيمة): أن القائم كان بمصر وبنى بها بابا يسمى الرشيدية، كل ذلك بعيد عن الحقيقة التاريخية، حقيقة حاول القائم بأمر الله فتح مصر أكثر من مرة ولكن لم يوفق، فكيف أقام بها وشيد بها بابًا؟) (١). والحقيقة أن الدارس لرسائل الدروز وخاصة رسائل حمزة يجد المغالطات التاريخية التي لا تخفى على أحد، وخصوصًا عندما يتحدث حمزة عن ظهوراته أيضًا في المقامات المختلفة من زمن آدم ﵇ إلى زمن محمد ﷺ . وكل هذا يدل دلالة واضحة على الشعوذات والمغالطات التاريخية التي أتبعها حمزة في إثبات معتقداته. غير أن هناك نقطة مهمة في هذا الموضوع أحب أن أوضحها، وهي أن المقام الأخير من ظهور اللاهوت بالناسوت – أعني ظهور الحاكم – كان الظهور الأخير من ظهور المعبود. لأن المعبود غضب – بعد ذلك – على كل خلقه ماعدا الموحدين؟! ولذلك أغلق باب دعوته فغاب إلى داخل السور المسمى (سد الصين) ليبقى إلى أن يشاء ثم يظهر يوم الدين. وهذا ما يقوله حمزة في (رسالة الأسرار ومجالس الرحمة والأولياء)، أما متى سيكون يوم الدين فهذا ما تحدث عنه حمزة مرارا بأنه سيكون قريبًا، وبذلك يكون انتهاء هذا الدور، كما صرح حمزة: أن الأدوار السابقة سبعون دورًا ومن كل دور واحد سبعون أسبوعًا وكل أسبوع سبعون سنة، وكل سنة ألف سنة من السنين التي يعدها البشر (٢)، وفي كل هذه الأدوار ظهر المعبود في نفس الصور التي ظهر في هذا الدور الذي نعيش فيه، وبذلك يكون عدد ظهور المعبود في كل الأدوار حوالي سبعمائة مرة) (٣). والغريب أن كمال جنبلاط يحدد ظهور التجلي الإِلهي الجديد في حدود سنة (٢٠٠٠ م)، حيث يتنبأ بظهور التجلي الإِلهي والحكيم من جديد، وعندها يفتح الطريق من جديد ويصير بإمكان جميع الناس في كافة أصقاع العالم سلوكها (٤). ويقول المقتني بهاء الدين عن يوم الدين حسب وجهة نظره: وأنتم تعلمون معاشر الإِخوان، وفقكم المولى لطاعته وسددكم عرضاته، أن قد صح عندكم أن الدنيا قد أفناها مولانا الحاكم سبحانه، وأنكم في أوائل الآخرة ودليلكم على ذلك واضح، وذلك أن مولانا سبحانه أظهر لكم إمام توحيده فنادى بكم وأرشدكم ... واعلموا معاشر الإِخوان، أن لو كان المعبود سبحانه ينتقل بعد هذا الظهور في الأقمصة المختلفة لكان هذا أمر لا نفاذ له، وأمد لا آخر له، وكانت تنفذ الديانة الآن، ويكون هذا يدل على أن من عمل عملاً لم يجازى عليه من ضد وولي) (٥). ونختتم هذا المبحث عن ألوهية الحاكم، بـ (شعر النفس) الذي نظمه أحد حدودهم: إسماعيل بن محمد التميمي صهر حمزة، وهو موجود بين رسائلهم، يمجد فيه الحاكم الإله المعبود، يقول التميمي في هذا الشعر: إلى غاية الغايات قصدي وبغيتي ... إلى الحاكم العالي على كل حاكم إلى الحاكم المنصور عوجوا وأتمموا ... فليس فتى التوحيد فيه ينادم هو الحاكم الفرد الذي جل اسمه ... وليس له شبه يقاس بحاكم حكيم عليم قادر مالك الورى ... يؤانس بالاسم المشاع بحاكم هو الحاكم المولى بناسوته يُرى ... ولاهوته يأتي بكل العظائم

стр. 4363

تسمى إمامًا والإِمام عبده ... يتقظى ولا يصغى إلى كل نائم وقد ظهر المولى فآنس عبيده ... بأفعالهم أنسا بحكم حاكم ظهورا بأفعال العبيد وشكلهم ... ويؤنسهم والخلق شبه بهائم (١). إن النصوص السابقة وأخرى كثيرة مثلها، تدل صراحة على تأليه الحاكم من قبل الدروز: وأمام هذه النصوص الواضحة والجلية، أتساءل: لماذا يحاول الدروز للآن أن ينفوا ظاهرًا هذا عن معتقدهم؟ مع أنهم يؤكدونها في مجالسهم الخاصة. يقول الأستاذ عبد الله النجار (وهو درزي): (وإني لأذكر عتاب كبير الأشياخ الثقات، لأني ذكرت في أحد الكتب المطبوعة: أن أم الحاكم كانت صقلبية، إذ قال لي: أن الحاكم لا أم له مرددا ما جاء في الرسالة ٢٦: حاشا مولانا جل ذكره من الابن والعم والخال، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٣ - ٤] (٢) ولقد حاولت جهدي أن لا أعلق كثيرًا على ما تضمنته هذه الرسائل، لأن ما تحويه لا تجعل مجالاً لأي تعليق؟ وما تضمنته يغني عن أية زيادة؟! المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقض لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٢١

стр. 4364

المطلب الثاني: التناسخ والتقمص والحلول يستدل من النصوص الواردة في رسائل الدروز، بأن الدروز يعتقدون بالتناسخ والتقمص، أي بانتقال النفس من جسم بشري إلى جسم بشري آخر، باعتبار أن النفس لديهم لا تموت، بل يموت قميصها (الجسم)، ويصيبه البلى، فتنتقل النفس إلى قميص آخر. وهذا خلاف التناسخ الذي تعتقده فرق أخرى – كالنصيرية -، والذين لا ينحصر عندهم التناسخ بين الناس، بل يكون أحيانًا بينهم وبين البهائم – أي بمعنى المسخ -) (١).وعقيدة الدروز تنكر المسخ في التناسخ إنكارًا صريحًا، وتنفيه نفيًا قاطعًا، حتى إنها استبدلت لفظة التناسخ بـ (التقمص)، لأن في انتقال النفس إلى جسم حيوان ظلم له، ولأن العقاب والثواب بني – حسب ما يزعمون – على قاعدة العدل الإِلهي في محاسبة الأرواح بعد مرورها في الدهر الطويل، لا في مدى حياة واحدة، بخيرها وشرها، وقصرها أو طولها، بحيث يمنحها الدهر الطويل فرص الاكتساب والتطور، والامتحان والتبدل، لكي تحاسب حسابًا عادلاً على مجموع ما كتب، فلا تكون الأرواح كيانات مبهمة غير واعية) (٢). ولكن الدروز يعتقدون بالمسخ المعنوي أو المجازي، يقول الأستاذ عبد الله النجار: (المسخ في اللغة تحويل الصورة إلى أقبح منها، فيقال مسخه الله قردًا، وهذا دينيا، ورد ذكره، مجازي معنوي، المقصود منه التحقير، والذم، والتوبيخ، وهو تعبير مجازي وليس حسيا على الإِطلاق. وإنما تكون الحكمة في عذاب رجل يفهم ويعرف العذاب، ليكون مأدبة له وسببا لتوبته ... وإنما يكون العذاب الواقع في الإِنسان، نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها في الدين، وفي قلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه) (٣).ومن اعتقادهم في هذا الموضوع: (أن العالم قد خلق دفعة واحدة، وأن البشر خلقوا سوية وليسوا بمتناسلين من أب واحد، بل من حين الخليقة وجد الحايك في نوله، والبناء على الحائط، وأن عدد أنفس البشر لا يزيد ولا ينقص) (٤). وفي هذا المعنى جاء في رسالة (من دون قائم الزمان) ما يلي: (أليس قد صح عند كل ذي عقل ومعرفة بالحقيقة والفضل، أن هذه الأشخاص أعني عالم السواد الأعظم لم يتناقصوا ولم يتزايدوا، بل هي أشخاص معدودة من أول الأدوار إلى انقضاء العالم والرجوع إلى دار القرار. والدليل على ذلك أن هذه الخلقة أعني العالم العلوي والسفلي ليس لها وقت محدد، ولا أمد عند العالم معدود، أليس لو زاد العالم في كل ألف سنة شخصًا واحدًا لضاقت بهم الأرض. ثم إنه لو نقص في كل ألف سنة شخص واحد لم يبق منهم أحد، فصح عند كل ذي عقل راجح، ومن هو بالحقيقة لنفسه ناصح، أن الأشخاص لم تتناقص ولم تتزايد، بل تظهر بظهورات مختلفات الصور على مقدار اكتسابها من خير وشر) (٥). وكذلك نجد في (رسالة ذكر الرد على أهل التأويل الذين يوجبون تكرار الإِله في الأقمصة المختلفة) ما يلي: عرفوني يا شيوخ التجريد هذه القوى التي تفارق الأجسام أين مستقرها؟ وأين يكون ثباتها؟ فإن قلتم: فيما بين الأرض والسماء، فهي لكثرة النشوء تسد ما بين العالمين، وتخالط الهوى وتأتي عليها الطبائع ويدخل عليها من التضاد والفساد ما يدخل على غيرها، وإن أوجبتم أن ثباتها فوق السماء فهي تملأ الأفق) (٦).

стр. 4365

والملاحظ في رسائل حمزة أن العذاب الواقع بالإِنسان يكون بنقلته من درجة عالية إلى درجة دونها من درجات الدين، ويستمر تنقله من جسد إلى جسد بتناسخ روحه وتقمصها في الأجساد، وهو كلما تنتقل روحه من جسد إلى جسد تقل منزلته الدينية. أما الجزاء في الثواب مادام يتكرر في الأجساد فهو زيادة درجته في العلوم الدينية وارتفاعه من درجة إلى درجة) (١). وهكذا تمر النفس في دورانها بحالات مختلفة وتظل كذلك حتى تتطهر – إن كانت صالحة -، وبعد هذا التطهير يكون الزمن الذي يعقب قيام القيامة التي يترقبها الدروز، أما النفس الشريرة فتظل معذبة بجميع أنواع العذابات المعروفة. والعذاب الأكبر هو عذاب الضمير، وعذاب الندم على ما فات، لأنها لم تنتفع من أدوارها الماضية) (٢).وهم يعتقدون أنه: (كلما مات إنسان انتقلت روحه لمولود جديد، ويسمى ذلك عندهم الفرقة والخلقة، ويشبهون النفس بالسائلات التي تحتاج إلى إناء يضبطها فإذا كسر فلابد من تلقي السائل في إناء غيره لئلا يهرف ويضيع) (٣). وبناء على ذلك فإذا مات أحد من مذهبهم فإنه يولد ثانية على نفس هذا المذهب، ولهذا فلا يقبلون أحدا في مذهبهم حتى ولو اطلع الإِنسان على كتبهم وعرف ديانتهم واعتقد صحتها وسلك بموجبها فلا فائدة من ذلك، بل حين موته ترجع روحه إلى مذهبه القديم. وكذلك إذا انتقل أحد من مذهبهم إلى غيره، فإنهم لا يعترفون بذلك، لأن روحه في النقلة الأخرى ستعود إلى مذهبه القديم (٤). يقول الدكتور سامي مكارم عن هذه النقطة: (ففي عقيدتهم أن الذين نقلوا الدعوة وتعرضوا إلى الحقيقة في الماضي لا يزالون يولدون من تقبل الدعوة. كذلك فإن التقمص في معتقد التوحيد ليس تطورًا للروح في هذا الدور، بل هو تقلب الروح في شتى الأحوال، لكي يتسنى لها أن تختبر هذه الأحوال. فمن لم يتقبل نداء الحق، حسب معتقد التوحيد، لا يمكنه إلا أن يحصد نتيجة أعماله في حيواته التالية، وكذلك هي الحال بالنسبة لمن تقبل هذا النداء وتعرف إلى الحقيقة. والتقمص يتضمن – عند الدروز أيضًا – تمييزًا جنسيًا، فالذكر يولد ذكرًا، والأنثى أنثى) (٥). ونتيجة لهذه النظرية عندهم؛ فإنهم يقولون: (عن ذوي العاهات والمصابين كالأعمى والأعرج والفقير والجاهل، أن مصابهم هو قصاص عن ذنوبهم في مدة حياتهم السابقة، ويحتجون بذلك على النصارى فيما ورد بالإِنجيل حينما سأل الرسل السيد المسيح: عن ذلك الأعمى هل هو أخطأ أم أبواه؟ حتى ولد أعمى، ويقولون: إنه إذا كان قد أصيب بالعمى وقت ميلاده لخطيئته ظهرت منه. ويعتقدون أيضًا: أن إيليا النبي هو يوحنا المعمدان، وأن المسيح أي حمزة أخبر عنه في إنجيل متى: بأن يوحنا هو إيليا، ويجعلون هذا برهانا على التقمص، وهكذا يجعلون الغني والعالم والجاهل، إنما استحقوا ذلك مكافأة لهم) (٦).

стр. 4366

ويستدل الدروز بآيات من القرآن الكريم ليثبتوا فيها اعتقادهم بالتناسخ، مؤولين معناها ليتفق مع ما يزعمون، ومن ذلك ما استدل به الأستاذ فؤاد الأطرش من آيات القرآن الكريم، زاعمًا أنها تدل على التناسخ: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا [النساء:٥٦] (كيف تكفرون بنعمة الله، وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون) (١). (لا ينفع نفسًا إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيرًا) (٢). مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: ٥٥] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم: ١٩]. ويزعم الأستاذ الأطرش أيضًا: (أن تشبيه النفس بالأرض إثبات مادي على التقمص لا يقبل الجدل، فلنتأمل في أدوار الأرض ومواسمها وموتها ثم حياتها. والإِنسان يرفض هذه الفكرة لأنها تناقض مبدأ الذاتية وتحطم أحلامه، ويضع الإِنسان أمام الواقع الروحي موضع المنافح في سبيل خلاصه من أسر مادية التفكير والحياة) (٣).وبسبب اعتقادهم بالتقمص، يعتقدون أيضًا بالنطق، (والنطق هو: أن الروح حين تنتقل من جسد إلى جسد تحمل معلومات عن دورها في الجيل السابق – يعني في الجسم الذي كانت تتقمصه قبل قميصها الحالي، وفي هذه الحالة تتحدث أو تنطق بما تذكره من وقائع عن حياتها السابقة) (٤).ولكن هناك من الدروز مثل الأستاذ عبد الله النجار، من ينفي نظرية (النطق) هذه من أساسها، ويعتبرها خرافات ومن سذج العامة ويستشهد على ذلك بنصوص من رسائلهم، ومما ذكره نقلاً عن الرسالة ٦٧: (فإن قال قائل: ما لنا لا نعرف ما مضى من الأدوار؟ قال له المحتج بالحقيقة: إنك لو ذكرت، وعرفت، لشاركت المبدع في غيب حكمته، ولكان ذلك عجزًا من الباري، ولكان يفسد النظام) (٥). غير أن الدكتور سامي مكارم يقول في معرض ردِّه على الأستاذ النجار: (ويمكننا القول أن منطق عملية التقمص لا يتعارض مع تذكر الماضي، خاصة عندما ندرك أن نزعات الفكر اللطيفة، حسب عقيدة التوحيد، تنطوي عند الموت، في أعماق النفس المتنقلة من جسد إلى جسد. وهذه النزعات والأفكار اللطيفة، كبذور انطلاقة الحياة التالية، هي التي تحدد وضع التقمص المقبل، فلابد لبعض الأذهان إذا صادفت بعض الحالات المناسبة، أن تتذكر الماضي المباشر الذي كانت تعيش فيه) (٦). ولابد لنا – بعد ذلك – إلا أن نرجح الرأي الذي يقول باعتقاد الدروز بـ (النطق)، ذلك لأن كتاب أضواء على مسلك التوحيد، كان في الحقيقة ردًا من مشيخة العقل عندهم على الأستاذ عبد الله النجار. أما الحلول: فهو نوع من التقمص، لكنه يختلف عنه في أن النفس المنتقلة من جسم إلى آخر، تنتقل معها أحيانًا جميع صفاتها، أو بعض صفاتها البارزة. ومن ذلك نشأ الاعتقاد أن نفوس الأنبياء والمرسلين تنتقل من دور إلى دور، مستكملة أروع صفاتها، فحمزة بن علي في دور الحاكم هو نفس سلمان الفارسي في دور النبي ﷺ (٧).وقد استنتج الدكتور محمد كامل حسين من نظرية التناسخ هذه: (أن لهذه العقيدة علاقة بمذهب التناسخ في الديانة البوذية، والديانة الهندوكية، ففي الديانة البوذية ظهر بوذا على هيئة حيوانات وطيور وشجر وصور أنسية حوالي ألف مرة (٨).وفي الديانة الهندوكية ظهر شيفا على صور أنسية عديدة، كذلك ظهر مذهب التناسخ عند فلاسفة اليونان وقدمائهم، ففي ديانة قدماء اليونان تظهر آلهتهم في صور مختلفة، وعند فلاسفة اليونان التناسخ عندهم عدة أقسام: نسخ ومسخ وفسخ ورسخ) (٩). وهكذا نستطيع أن نربط هذا الاعتقاد، بهذه الاعتقادات التي كانت سائدة في فارس والهند واليونان المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقض لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٤٢

стр. 4367

المطلب الثالث: الحدود الخمسة في العقيدة الإِسماعيلية مبدأ أساسي في التوحيد والإِيمان، (هو أن توحيد الله لا يكمل إلا بمعرفة مراتب الحدود الروحانية، والحدود الجسمانية، والإِيمان بهم وطاعتهم طاعة تامة، وهذه الحدود هي: (العقل، والنفس، والجد، والفتح، والخيال). وهذه الحدود العلوية ممثولات لحدود الدين الجسمانية الذين هم النطقاء، والأوصياء والأئمة والحجج والدعاة) (١). وذهب الفاطميون كذلك إلى أن الله تعالى أبدع العقل الكلي وبوساطته وجدت النفس الكلية، وبوساطتها وجدت المخلوقات كلها. فالعقل الكلي عند الإِسماعيلية هو الخالق الحقيقي، ومن هنا قالوا أن أسماء الله الحسنى الواردة في القرآن الكريم هي أسماء للعقل الكلي، واعتبروا أن الإِمام الفاطمي ممثل للعقل الكلي، وأن جميع مناقب العقل الكلي وصفاته تطلق أيضًا على الإِمام) (٢). وجاء دعاة الدروز وأخذوا آراء الفاطميين في الحدود، وحوروها حتى تتفق مع مبادئهم وآرائهم، فخالفوا بذلك آراء الفاطميين مخالفة جوهرية. من ذلك: (أن الحدود الروحانية هم نفسهم الحدود الجسمانية، فلا يوجد عندهم مثل وممثول، أي أن الحدود الجسمانية هم أنفسهم الحدود العلوية، فذهبوا إلى أن المعبود أبدع من نوره العقل الكلي، وهو الإِرادة، وهو علة العلل، وهو القلم، وهو القضاء، وهو ألف الابتداء وألف الانتهاء، وهو قائم الزمان حمزة بن علي) (٣). ويناقش حمزة رأي الفاطميين في حدود الدين في (رسالة كشف الحقائق) فيقول: (اعلموا معاشر الموحدين رحمكم البار العزيز الجبار، بأن جميع المؤمنين والشيوخ المتقدمين تحيروا في أمر السابق وضده التالي ونده، فبعضهم قالوا: بأن السابق هو الغاية والنهاية، والعبادة له وحده دون غيره في كل عصر وزمان، وهذا نفس الكفر. وقالت طائفة منهم: إن السابق نور الباري، لكنه نور لا تدركه الأوهام والخواطر، وهذا نفس الشرك بأن يكون الباري سبحانه لا يدرك، وعبده لا يدرك، فأين الفرق بين العبد والمعبود، وهذا محال ونفس الشرك والضلال) (٤). وهكذا أظهر حمزة الحدود في صور تختلف عما عهده أصحاب العقيدة الفاطمية، فحمزة بن علي هو نفسه العقل الكلي، وهو الإِرادة، وهو علة العلل، وهو القلم، وهو القضاء إلى غير ذلك من الألقاب التي منحها لنفسه، وهذا العقل الكلي ليس هو السابق، إنما السابق مرتبته أقل بكثير من مرتبة العقل الكلي، فإنه في المرتبة الرابعة من مراتب الحدود عند حمزة. كذلك عن التالي، وهو النفس الكلية عند الفاطميين، فقد جعل حمزة مرتبة التالي في المرتبة الخامسة، وجعل الفاطميون – الكلمة – مكونة من السابق والتالي، بينما جعل حمزة – الكلمة – هي المرتبة الثالثة من مراتب الحدود) (٥). (وجميع هؤلاء الحدود مشخصون ليس في زمن الحاكم وحسب، بل في جميع العصور) (٦). فقد زاروا العالم بظروف وأدوار مختلفة. إذ هم ليسوا مولودين بل موجودين، لا يمسهم الموت، إذ هم الروح الحقيقي الذي لا يخلوا منه عصر، وهم رسل الحاكم في كل دور وإن أخذوا أسماء مختلفة وأقمصة متعددة.

стр. 4368

ويوضح إسماعيل التميمي في (الرسالة الموسومة بالشمعة) مراتب الحدود وأسمائهم فيقول: الحمد لمن أبان توحيده بإقامة حدوده، وكشف عن مجيده بمراتب آياته، وضرب بذلك الأمثال ليعبدوه ذوي الألباب (١)، فقال: (وما يتذكر أولوا الألباب) (٢). والشمعة أقيمت كاملة بجميع آلاتها على التوحيد المحض، فشمعة: خمسة أحرف دليل على الخمس جواهر المكنونة وهم: الإِرادة، والمشيئة، والكلمة، والسابق، والتالي، فهؤلاء شمعة التوحيد. وعلى بعض الوجوه، إن الشمع لا يقد إلا بالقطن، والقطن لا تقد إلا بالشمع، ولم يقع عليها اسم شمعة كاملة يستضاء بنورها إلا بتعلق النار فيها، والنار الذي يتعلق فيها فهو لطيف وكثيف، فاللطيف فيه لسان العالي الأحمر الذي تعتريه زرقة يختفي مرة ويظهر مرة، فذلك دليل على قائم الزمان حمزة بن علي بن أحمد، والنار الذي يوقد الشمع دليل على حجته: إسماعيل بن محمد بن حامد، والشمع دليل على الكلمة محمد بن وهب، والقطن دليل على السابق سلامة بن عبد الوهاب، والطست الذي هو الحسكة دليل على التالي علي بن أحمد السموقي فهذه الخمسة حدود. كذلك من عدم معرفة هذه الخمسة حدود لم يعرف التوحيد في وقتنا هذا، وكان توحيده دعوى، فليعلموا الموحدون ذلك ويعتقدون ولا يعبدون المولى بلا معرفة، فقد قال: (حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (٣). ويصف (كتاب النقط والدوائر) الحدود بما يلي: فالأصلان القديمان: هما العقل الكلي والنفس الكلية، والكلمة البسيطة هو مولاي الكلمة سلام الله عليه، والنور البسيط هو مولاي أبو الخير، والحكمة اللطيفة هو مولاي بهاء الدين سلام الله عليهما. فصارت أربعة جوانب، أي الحدود الأربعة جوانب حول العقل الكلي، لأنهم له بمحل الأجنحة، كما قال: (أولي الأجنحة مثنى وثلاث ورباع) (٤). وعلى ضوء ما ورد في رسالة (ذكر معرفة الإِمام وأسماء الحدود العلوية روحانية وجسمانية) نستطيع أن نرتب حدود الدروز الخمسة على الشكل التالي: أولا: النفس، وهو ذو معة، علة العلل، والآمر قائم الزمان، وهو الإِرادة، وهو الإِمام الأعظم حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين. ثانيا: النفس، وهو ذو مصة، وهو المشيئة، إدريس زمانه، وأحنوخ أوانه، هرمس الهرامسة، الحجة الصفية الرضية، الشيخ المجتبى، أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن حامد التميمي، صهر حمزة بن علي. ثالثًا: الكلمة، وهو سفير القدرة، ذو مصة فخر الموحدين، وبشير المؤمنين، وعماد المستجيبين، الشيخ الرضى، أبو عبد الله محمد بن وهب القرشي.

стр. 4369

رابعا: السابق، وهو الجناح الأيمن، نظام المستجيبين وعز الموحدين، أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري. خامسًا: التالي، وهو الجناح الأيسر، لسان المؤمنين وسند الموحدين، ومعدن العلوم، الذي يقوم بالأفعال الصحيحة المعلومة، والناصح لكافة الخلق أجمعين، الشيخ المقتني بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي المعروف بـ (الضيف) (١).والحدود الأربعة الذين يلون العقل الكلي، هم الأربعة الحرم، وهؤلاء الحدود يظهرون في كل عصر في صور مختلفة وأسماء متباينة، فمثلاً عندما ظهر المعبود في صورة أبي زكريا، ظهر حمزة في صورة قارون، وظهر إسماعيل التميمي النفس الكلية في صورة أبي سعيد الملطي) (٢).وعندما ظهر حمزة في صورة سلمان الفارسي في زمن محمد ﷺ ، ظهرت الحدود الأربعة الأخرى بصورة أربعة من الصحابة وهم: المقداد، وأبو ذر، وعمار بن ياسر، والنجاشي) (٣). ومما يذكر أن التالي – أي بهاء الدين – له ثلاثة حدود هم: الجد: وهو أيوب بن علي. الفتح: وهو رفاعة بن عبد الوارث. الخيال: وهو محسن بن علي. وهؤلاء الثلاثة يتلقون أوامرهم من بهاء الدين، وليس لهم المكانة التي للحدود الحرم) (٤).وسمي الحدود الأربعة حرما، لأن حمزة مقامه منهم مقام الرجال، وهم نساؤه، ولأنهم عنده بمنزلة النساء في طاعتهم له) (٥). وحتى يكون التوحيد شاملاً، جعلوا لمرتبة العقل سبعين حجة، وعن هؤلاء الحجج السبعين تفرعت الحدود جميعا بين دعاة ومأذونين ومكاسرين. وجميع الحدود الحرم وغير الحرم كلهم من قبل العقل، يسقط من يريد ويرفع درجة من يشاء، والحدود السبعون هم الذين أتى على ذكرهم القرآن الكريم بقوله تعالى: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة: ٣٢]، يعني حدود دعوة التوحيد سلسلة بعضها في بعض وهم سبعون رجلاً موزعين ومنظمين حسب الشكل التالي: أولاً: النفس الكلية، ولها اثنا عشر حجة في الجزائر، وسبعة دعاة للأقاليم. ثانيا: الكلمة، ولها اثنا عشر حجة وسبعة دعاة. ثالثًا: السابق، وله اثنا عشر حجة فقط. رابعًا: التالي، وله اثنا عشر حجة فقط. خامسًا: الداعي المطلق، وله مأذون واحد ومكالبان – أو مكاسران -) (٦).

стр. 4370

وقد أوضحت (الرسالة الموسومة بكشف الحقائق) هذه الحدود بقولها: (فهؤلاء الحدود السبعون التي ذكرناهم، هم أذرع السلسلة الذي قال في القرآن: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:٣٠]، أي ضد الإِمام إذا بلغ غايته وتمت نظرته، خذوه بالحجج العقلية وغلوه بالعهد وهو الذبح الذي قالوا بأن القائم يذبح إِبليس الأبالسة، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١]، أي غوامض علوم قائم الزمان الذي يتحتم العلماء والفهماء عند علمه، أي يصمتوا ويتخيروا، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:٣٢] أي ميثاق قائم الزمان الذي هو سلسلة بعضها في بعض، وهم سبعون رجلاً في دعوة التوحيد. فهذه السلسلة الحقيقية، ومعانيها كما ذكره الجهال الحشوية (١)، ولو كان كما قالوا الظاهر لم يكن قولهم حكمة لأن من كان في غل جهنم وعليه متوكلو الزبانية لا يحتاج إلى سلسلة، لأنه لا يستطيع الخروج من النار، ولو كان نسيا، فكيف وقد غلوه؟ فإن قالوا: بأن الله أراد بالسلسلة تهديد أهل النار والتعظيم عليهم، فقد بطلت حجتهم هاهنا لأنه قال سبعون ذراعًا، ولو كان بسبب التعظيم لكان يجب أن يكون ألف ذراع، فلما لم يذكر غير سبعين ذراعًا، أعلمنا أنه أراد بذلك أشخاصًا معروفة دينية توحيدية لا يجوز لأحد أن يتجاوز حدهم ولا يزيد ولا ينقص) (٢).وقالوا في تأويل (بسم الله الرحمن الرحيم) أنها: (تسعة عشر حرف إشارة إلى حدود حمزة تسعة عشر رجلاً، فلذلك عندما يكتبون (بسم الله الرحمن الرحيم) يلحقونها بقولهم: حدود عبده الإِمام) (٣).فعندهم (بسم الله) سبعة أحرف دليل على سبعة دعاة أصحاب الأقاليم السبعة، و (الرحمن الرحيم) اثنا عشر حرفا دليل على اثني عشر دعاة الجزائر) (٤).وقد ورد هذا التأويل في (الرسالة الموسومة بسبب الأسباب) التي كتبها حمزة حيث يقول: (وفي السطر الرابع صفات العلة (بسم الله الرحمن الرحيم) وهم صفات هذه العلة المذكورة الذي هو الإِمام، لأن (بسم الله) سبعة أحرف دليل على سبعة دعاة أصحاب الأقاليم السبعة، و (الرحمن الرحيم) اثنا عشر حرفا دليل على اثنا عشر داعيًا، أصحاب الاثنا عشر (٥) جزيرة، وأيضًا دليل على سبعة أفلاك، واثنا عشر برجًا، وهم كلهم موجودون في عصر مولانا جل ذكره مستخدمون تحت أمر هذا الإِمام) (٦).ولهذا نجد في مقدمة كثير من رسائل الدروز ذكر (بسم الله الرحمن الرحيم) على أنها حدود عبده الإِمام، من ذلك (الموسومة برسالة النساء الكبيرة) حيث يقول: (توكلت على مولانا البار العلام العلي الأعلى على جميع الأنام، جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام حروف (بسم الله الرحمن الرحيم) عبده الإِمام) (٧). (واحترام الحدود عندهم، معتقد أكيد، لأنهم وسائط الله تعالى وأبوابه وسفراؤه، ومنهم الوصول إليه، ولا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى الخالق أبدا إلا بهم ومنهم وعلى يدهم وبتعليمهم وإرشادهم) (٨).فهم أشرف خلق الله تعالى بعد سيدهم الإمام الأعظم، وهم معصومون عن الزواج والخطايا) (٩)

стр. 4371

والحدود الخمسة – عندهم – بالإضافة إلى الجد والفتح والخيال، هم الثمانية الذين يحملون العرش) (١).ولذلك يقول حمزة في (رسالة التحذير والتنبيه): (واعرفوا الحدود بأسمائهم وصفاتهم، ونزَّلوهم في رتبهم، ومنازلهم، فإنه أبواب الحكمة، ومفاتيح الرحمة) (٢). وبعد هذا التعريف العام عن الحدود ومكانتهم عند الدروز، نتحدث عن كل واحد منهم على انفراد: العقل: هو أول الحدود، وإمامهم، ظهر في جميع الأدوار بأسماء مختلفة: في دور آدم كان اسمه شطنيل. في دور نوح كان اسمه فيثاغورس. في دور إبراهيم كان اسمه داود. في دور موسى كان اسمه شعيب. في دور عيسى كان اسمه المسيح يسوع، وهو المسيح الحقيقي صاحب الإنجيل. في دور محمد ﷺ كان اسمه سلمان الفارسي. في دور الحاكم، كان اسمه حمزة (٣).وقد خص حمزة نفسه بعدة ألقاب وصفات، لم يسبغها نبي من الأنبياء على نفسه، فهو الآية الكبرى، والعقل الكلي، والإِرادة، وعلة العلل، وذو معة. ووصف نفسه في (رسالة التحذير والتنبيه): بأنه أصل المبدعات، وأنه سراط المولى المعبود، والعارف بأمره، وأنه الطور والكتاب المسطور والبيت المعمور، وأنه صاحب البعث والنشور والنافخ في الصور، وأنه ناسخ الشرائع ومهلك العالمين، والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة، وأنه هو الذي أملى القرآن على محمد ﷺ إلى غير ذلك من النعوت التي أسبغها على نفسه وزخرت رسائله بها) (٤).

стр. 4372

وفي رسالة (السيرة المستقيمة) حديث عن النطقاء والأسس، وعن تأويل قصص الأنبياء، ويتساءل الدكتور محمد كامل حسين عن مصدر ما أتى به حمزة في هذه القصص ويقول: (هل هناك علاقة بين اسم شطنيل – الذي يأتي به حمزة – واسم شانطي الذي يطلقه الصينيون على القديسين المسيحين؟ ويقول: ربما سمع حمزة بهذه الكلمة من أحد الصينيين، أو أحد الذين سافروا، فاستغلها بعد أن حرفها إلى شطنيل ... وبعد أن يذكر – الدكتور محمود كامل حسين – بعض الأمثلة للأكاذيب التاريخية التي يطلقها حمزة، يضيف قائلاً: كل هذه مسائل كان حمزة هو الوحيد بين الكتاب في ذكرها على هذا النحو، ولاشك أنه أدرى بكل شيء لأنه علة العلل؟!) (١).وعن شطنيل هذا يقول حمزة في (رسالة السيرة المستقيمة) أنه (وجد في ابتداء دورنا الحالي ثلاثة رجال، كل واحد منهم اسمه آدم، كانوا يعيشون في وقت واحد في بلد واحد، وهم آدم الصفا، وآدم العاصي، وآدم الناسي، وجميعهم ولدوا من ذكر وأنثى، أما آدم الصفا، فهو آدم الصفا الكلي ذو معة – أي حمزة بن علي – وكان أحد حدود دعوة التوحيد في الدور الذي كان قبل دورنا هذا، وقد ولد آدم الصفا الكلي في بلدة آرمينية ببلاد الهند، وكان اسم شطنيل واسم أبيه دانيل) (٢).ولحمزة – كما سبق ذكره – أعظم ذكر وأجله بعد الحاكم حتى اليوم عند الدروز، باعتباره العقل الكلي والإِمام وقائم الزمان، يقول الدكتور سامي مكارم عن هذا الإِجلال ما يلي: (إن العقل الأرفع أو الكلي، حسب عقيدة التوحيد، هو مصدر انبثاق جميع الكائنات، وهو عين بقائها في هذا الوجود الظاهر، ومنه ابتدعت، فهي لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها من حيث العلة والمعلول، فالعقل الأرفع هو واسطة الكشف والمعرفة، أداة المشاهدة في كل نفس مؤمنة) (٣). وفي رسالة (من دون قائم الزمان) يستدل على إمامة قائم الزمان بأنه: دعا إلى عبادة موجود ظاهر وإله في جميع الأمور قادر ويقول: (وأول دليل على إمامة القائم أنه أتى بضد العالم، لأن جميع النطقاء والأسس وأصحاب الأدوار والأكوار أشاروا إلى عدم موهوم، وأبعدوه عن حواس العالم، وأن قائم الزمان والهادي إلى طاعة الرحمن عليه من المولى السلام دعا إلى موجود ظاهر وإله في جميع الأمور قادر، وكل من دعا إلى الحاكم المعبود الإِله الموجود فقد أنصف من نفسه. ووجه آخر أنه أظهر أغراضه في دفعة واحدة، وقد علم أهل الشرق والغرب أنه دعا إلى توحيد مولانا جل ذكره، ثم بعد ذلك خيروا العالم ومكنوا من أديانهم وإظهارها فصح أن ذلك لأهل التوحيد ... وأيضًا فإن عمارة الكنائس، وإزالة حمل الصلبان، وعزهم على المسلمين في كل مكان أدل دلالة على أن الإِسلام قد اضمحل وبطل وأنه الحق قد أنار واشتعل، والحق هو توحيد مولانا جل ذكره الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته) (٤). (ومن أدلة إمامته – أيضًا -: أنه صاحب القيامة والجزاء، لأنه الملك المظفر المسعود، ديان القيامة أي القهار والقاضي والحاكم والسايس والمحاسب والمجازي) (٥).

стр. 4373

أما الحد الثاني من الحدود الخمسة فهو: النفس: وهو أبو إبراهيم، إسماعيل بن محمد التميمي، ثاني الحدود، (باعتبار أن النفس فيض من العقل، وجزء متمم له انبثقت عنه، فنسبت إلى العقل كنسبة العقل إلى الخالق) (١).وقد وجه إليه حمزة مرسوم تقليد أسماه (سجل المجتبى) جاء فيه: (إلى أخيه وتاليه، وذي مصة علمه، وثانيه آدم الجزوي، الذي اجتباه بعلمه وهداه بحلمه، وغداه بسلمه أحنوخ الأوان، وإدريس الزمان هرمس الهرامسة أخي وصهري أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد التميمي ... إلى أن يقول: إني نظرت إليك بنور مولانا جل ذكره، وبما أيدني به مولانا علينا سلامه ورحمته ... فجعلتك خليفتي على سائر الدعاة والمأذونين والنقباء والمكاسرين ... وأسميتك بصفوة المستجيبين وكهف الموحدين وذي مصة علم الأولين والآخرين، وجعلت لك الأمر والنهي على سائر الحدود، فتولى من شئت وتعزل من شئت) (٢). وللتميمي عدة رسائل من رسائل الدروز، منها: (رسالة في تقسيم العلوم)، و (رسالة الزناد) و (رسالة الشمعة)، و (رسالة الرشد والهداية). ومع أن – للتميمي – هذه القيمة عند الدروز، إلا أنه بعد اختفاء حمزة، إثر مقتل الحاكم سنة ٤١١ هـ، لم تذكره لنا رسائل الدروز مطلقًا، ولم يقم بأي نشاط، غير أن الأستاذ عبد الله النجار يفترض أنه بقى حيًا حتى سنة ٤٢٧ هـ (٣)، وهذا يعنى أنه اختفى مع حمزة وباقي الدعاة حتى مات في هذه السنة. أما الحد الثالث فهو: الكلمة: وهو أبو عبد الله محمد بن وهب القرشي، ثالث الحدود، وأول الثلاثة الذين أضيفوا إلى العقل والنفس. (ومعلوماتنا عنه نجدها في تقليده الذي قلده إياه حمزة واسمه: (تقليد الرضى سفير القدرة)، وذلك حين رفعت درجته، وعين خلفا لسلفه (المرتضى) المتوفى) (٤).إذ أن التقليد يقول: (هي المنزلة التي كانت للشيخ المرتضى قدس الله سره، وأنت تسلمت علومه وحده، وقد سلمت إليك جميع كتبه التوحيدية، وجعلتك مقدمًا على جميع الدعاة والمأذونين والنقباء والمكاسرين والمستجيبين الموحدين، لا فوقك أحد أعلى منك غير صفوة المستجيبين وكهف الموحدين، (٥). وكما أن التميمي ليس له ذكر بعد الحاكم، كذلك ابن وهب لم يصلنا عنه أي خبر بعد هذا التقليد. والحد الرابع هو: السابق: وهو أبو الخير سلامة بن عبد الوهاب السامري، رابع الحدود، ولم نجد في رسائل الدروز الموجودة الآن، تقليد خاص للسابق أسوة بسواه ممن قُلِّدوا مِن قِبَلِ حمزة. ويقول الأستاذ عبد الله النجار: (ولكن لا شك أن السابق قلد السلطة بمرسوم لم ينقل إلينا، دليلنا في (تقليد المقتنى) عبارة: تالي السابق بن عبد الوهاب السامري، وقوله: إذ كان الأيمن قد تقدمك، وهو سلامة بن عبد الوهاب المصطفى) (٦). والسابق هو الجناح الأيمن في الحدود، وهو والتالي يعتبران الينبوع الذي يجري بالمعرفة الإِنسانية. أما الحد الأخير والخامس فهو: التالي: هو أبو الحسن علي بن أحمد السموقي، خامس الحدود، اشتهر باسم بهاء الدين، بالإِضافة إلى الأسماء والنعوت التي أطلقت عليه مثل: (لسان المؤمنين)، (وسند الموحدين)، (والعبد المقتني)، وغير ذلك من الألقاب التي أطلقها عليه حمزة. ويعتبر بهاء الدين، من أخطر دعاة الدروز بعد حمزة، إذ قام بأعظم قسط في نشر المذهب الدرزي بعد اختفاء حمزة، فلولا جهوده لما بقي لهذا المذهب أثر يذكر.

стр. 4374

ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز هي من تأليف بهاء الدين هذا، ومن هذه الرسائل: (التنبيه والتأنيب)، (ومثل ضربه بعض حكماء الديانة)، (والإِيقاظ والبشارة)، (ورسالة اليمن). (ورسالة الهند) وغير ذلك من الرسائل. وقد جاء في نسخة تقليده ما يلي: (فاخدم ببركة المولى في الحد الجليل الذي أهلت له، واستعد لك كأخيك الجناح الأيمن ثلاثين حدا دعاة مأذونين ونقباء ومكاسرين، واعلم أن أول السبعة المفترضات: سدق اللسان، والسدق هو المولى وضده الكذب، والسدق والكذب يتشابهان في التخطيط، كذلك الصدق يتشبه بالمولى، لأن المولى جل اسمه لا ضد له. وكذب ثلاثة أحرف، وسدق ثلاثة أحرف، فإذا أحسبناها في حساب الجمل افترقا، لأنك تقول: (ك) عشرون، (ذ) أربعة، (ب) اثنتان، الجميع ستة وعشرون حرفًا ... والسدق: (س) ستون، (د) أربعة، (ق) مائة، فذلك مائة وأربعة وستون حرفا دليل على مائة وأربعة وستين حدًا، يكون للإِمام منها تسعة وتسعون حدًا، كما قال (١): (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة) (٢)، أي لإِمام التوحيد تسعة وتسعين داعيًا من عرفهم دخل حقيقة دعوته) (٣). ويبدو أن بهاء الدين، كان على اتصال مع حمزة، أثناء غيابه بعد مقتل الحاكم، وكان أيضًا على معرفة بمقره السري الذي يختبئ به، وكان يتلقى منه الأوامر والتوجيهات، وقد قام بهاء الدين بجهود كبيرة لإِبعاد من حاولوا أن يغيروا شيئًا من المذهب من أمثال سكين وغيره، من الذين انقلبوا على أراء حمزة، لذلك نجد بهاء الدين يبعث إليهم برسائل التنبيه والتأنيب والتوبيخ، على ما حاولوا تغييره في المذهب. وهو لهذا أعلن غيبته سنة ٤٣٤ هـ في منشور الغيبة، والذي أعلن فيه إقفال باب الاجتهاد في المذهب، وذلك ليحافظ على آراء حمزة، وآراء الحدود والدعاة الآخرين مثل حمزة والتميمي. ومما يذكر في هذا المقام أن لكل حد من الحدود الخمسة لون مخصص له، فاللون الأخضر مخصص لحمزة، والأحمر مخصص للتميمي، والأصفر مخصص للقرشي، والأزرق لسلامة بن عبد الوهاب السامري، أما الأبيض فهو لبهاء الدين، ولهذا عندما أعلن الاستعمار الفرنسي قيام (إمارة جبل الدروز المستقلة) ارتفع علم ذو ألوان خمسة مكون من الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق والأبيض على المراكز الرسمية في الجبل، ولا يزال هذا العلم يرتفع على بيت الطائفة الدرزية في بيروت (٤). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقض لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٤٩

стр. 4375

المطلب الرابع: عقيدتهم في اليوم الآخر والثواب والعقاب اليوم الآخر في المذهب الدرزي ليس يوم القيامة، إذ ليس فيه موت للأرواح، ولا قيامة لها، ولا بعث. (فالأرواح لا تموت لتبعث، ولا تنام لتوقظ بل إن يوم الحساب نهاية مراحل الأرواح وتطويرها، إذ يبلغ التوحيد غايته من الانتصار من العقائد الشركية، وينتهي الانتقال والمرور في الأقمصة المختلفة) (١). (وفي هذا اليوم – كما يزعمون – يظهر المعبود (الحاكم بأمر الله) في الصورة الناسوتية، ولم تحدد رسائل الدروز تاريخ هذا اليوم، ولكنها تقول أنه سيكون في شهر جمادى أو رجب، وعلامة قرب هذا اليوم: هو عندما يتسلط المسيحيون واليهود على البلاد، ويستسلم الناس إلى الآثام والفساد والآراء الفاسدة، ويتملك شخص من ذرية الإِمامة يعمل ضد شعبه وأمته، ويضع نفسه تحت سلطان المخادعين، ويتملك اليهود بيت المقدس، إلى غير ذلك من علامات الساعة التي يذكرونها) (٢). أما مكان ظهوره، (فكما تقول رسالة الأسرار سيكون في بلاد الصين يخرج وحوله قوم يأجوج ومأجوج – ويسمونهم القوم الكرام – ويكونون مليونين ونصف من العساكر مقسومة إلى خمسة أقسام، كل قسم منها يترأس عليها أحد الحدود، فيدخلون مكة المكرمة. وفي صباح ثاني يوم وصولهم، يتجلى لهم الحاكم بأمر الله على الركن اليماني من الكعبة، ويتهدد الناس في سيف مذهب، يسده ويدفعه إلى حمزة فيقتل فيه الكلب والخنزير – يريدون فيهما الناطق والأساس. ثم يدفع حمزة السيف إلى محمد (الكلمة)، الذي هو أحد الحدود الخمسة، وحينئذ يهدمون الكعبة ويفتكون بالمسلمين والنصارى في جميع جهات الأرض ويستولون عليها إلى الأبد، ومن بقي يكون عندهم في الذل والهوان. وتصير الناس إلى أربعة فرق: أولا: الموحدون، وهم عقال الدروز، وهم الوزراء والحكام والسلاطين. ثانيا: أهل الظاهر، وهم المسلمون واليهود. ثالثا: أهل الباطن، وهم النصارى والشيعة. رابعا: المرتدون، وهم جهال الدروز. ويجعل حمزة لكل طائفة غير أصحابه سيمة في جبينه أو يده، وعذابا يتأذى به، وجزية يؤديها كل عام، ونحو ذلك من الهوان) (٣).

стр. 4376

وعن قوم يأجوج ومأجوج يقول (مصحف الدروز). (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، واقترب الوعد الحق، فإذا هي شاخصة أبصارهم، أبصار الذين كفروا، يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا، بل كنا ظالمين، لقد نسي هؤلاء هذا اليوم، وقد وقع لهم، ووقعوا فيه، وهم لا يشعرون وكبكبوا على وجوه قبلتهم، حتى غشيتهم الغاشية. أولم ير هؤلاء كيف مد لهم مولانا الحاكم الحياة أمدا، الآن حصحص الحق) (١).وفي ذلك اليوم، كما ورد في (رسالة الزناد) التي ألفها التميمي ينادي حمزة: (أين شركائي الذين زعمتم أنهم فيكم شفعاء، لقد انقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) (٢)، يعني يوم قيامة القائم صاحب القيامة بالسيف، فيناديهم: أين شركائي، يعني رؤساء أهل الظاهر وشياطينهم، الذين أضلوهم بغير علم، وأحلوهم دار البوار التي هي الشريعة، وما ألقوه من التكاليف الشرعية، التي هي من حيث العقل والنار بالفعل، وما تمسكوا به من زخارف أهل الجهل وأباطيلهم، فلم يستطيعوا جوابًا، إلا أن يقولوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا، وكنا قوما طاغين) (٣). وحمزة في هذا اليوم، هو صاحب الجزاء والقصاص، ولذلك يخاطب في (الرسالة الموسومة بالإعذار والإِنذار) أتباعه بقوله: (يوم قيامي بسيف مولانا الحاكم سبحانه ومجازاتي للخلائق أجمعين، وأخذي لكم الحق والقصاص، وإنالة إحساني لأهل الوفاء منكم والإِخلاص، وانتزاعي النفوس من الأجساد، من أهل الفسوق والعنادة وقتلى الوالدين والأولاد وأنيلكم أموالكم) (٤). (أما الثواب والعقاب، فيفهم من كتابات حمزة أن العذاب الواقع بالإِنسان نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها من درجات الدين، وقلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه، ويستمر تنقله من جسد إلى جسد بتناسخ روحه في الأجساد، وهو كلما تنتقل روحه من جسد إلى جسد، تقل منزلته الدينية. أما الثواب فهو زيادة درجته في العلوم الدينية وارتفاعه من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ إلى درجة حد – المكاسر) (٥). وهم ينكرون وجود الجنة والنار، ويسخرون من القائلين بهما، يقول التميمي في (رسالة الزناد): (وأما زعمهم بأن الجنة عرضها السموات والأرض) (٦)، فقد جهلوا معنى هذا القول، فإذا كان عرضها السموات والأرض، فكيف يكون طولها؟ وأين تكون النار فيها؟ ولو عرفوا الطول عرفوا العرض، وكل شيء طوله أكثر من عرضه، وإذا رجعنا إلى المعاني الحقيقية، التي بها يتخلصون الموحدون من جهلهم من داء الشرك.

стр. 4377

وأما معنى الطول والعرض، فإن طولها هو العقل الكلي، الذي هو قائم الزمان إمام المتقين بالحق، ومجرد سيف التوحيد، ومفني كل جبار عنيد، وكان عرضها مثل النفس القابل لبركات العقل والتأييد. وأما النار فهي من حيث المحسوس المحرقة للأجسام، ومن أسمائها ما يحمد ومنها ما يذم، وأما النار الكبرى والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنها مثل العقل لأنه مطلع على سرائر العالم، وأما المذموم منها نار العذاب وهي الهاوية، والجحيم، وهذه الأسماء معنى الشريعة التي هو وأهلها غووا ولحقوا فيها العذاب) (١). إلى هذا الحد، تذهب العقيدة الدرزية في اليوم الآخر، وفي الثواب والعقاب، وهي كما نرى لا تؤمن بالغيبيات وترفضها جميعها، ولهذا فهم ينكرون وجود الملائكة والجن، فالملائكة في نظرهم هم أتباع المذهب الدرزي، والشياطين هم مخالفي هذه العقيدة. ومن المفارقات العجيبة والمضحكة ما رواه مؤلف (أيها الدرزي عودة إلى عرينك) عن أحد مشايخ الدروز ويدعى الشيخ داود أبو شقرا والذي أعلن أن يوم القيامة سيكون في ٦ آب ١٩٥٢ وهو يوم القيامة التي وعدت به الرسائل المخطوطة معتمدًا في ذلك على مستند الحروف والجمل، وبالفعل فقد اقتنع بذلك بعض شيوخ لبنان وحوران وذاع الخبر، ولكن مع الأسف فإن هذه القيامة لم تقم كما توقعوا؟! (٢). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقض لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٦٥

стр. 4378

المطلب الخامس: عقيدتهم في الأنبياء (الدروز ينكرون جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وينسبونهم إلى الجهل، ذلك أنهم كانوا يشيرون إلى توحيد العدم، وما عرفوا المولى – أي الحاكم) (١).ويرون أن المعجزة يمكن أن يصل إليها كل إنسان ذي نزاهة إزاء نفسه (٢). وحمزة يرى وجوب محاربة جميع الأنبياء، أصحاب الشرائع الظاهرة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ووجوب البراءة من شرائعهم وعقائدهم الفاسدة وأديانهم المضللة، إذ هي النار والهاوية. فالناطق والأساس عندهم هما إبليس والشيطان، فالأول – أي إبليس – ظهر في جسم آدم ثم انتقل إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، ثم إلى محمد، ثم إلى سعيد. وأما الثاني – أي الشيطان – فظهر أولاً في جسم شيث بن آدم، ثم في سام، ثم في إسماعيل، ثم في يشوع بن نون بعد هارون، ثم شمعون الصفا، ثم في علي بن أبي طالب، ثم في قداح) (٣).ولذلك فهم يقذفون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسماء وألفاظ فاحشة، كالقبل والدبر والغائط والبول، ولا يتركون مجلسًا من التشنيع عليهم، وأكثر كراهيتهم متجه نحو المسلمين) (٤).فيقولون عن النبي ﷺ وآله: (بأنهم حروف الكذب، هي ستة وعشرون وهم: دليل إبليس وأولاده وزوجاته وهم: محمد وعلي وأولاده الإثني عشر إمامًا) (٥). وكما سبق – ذكره فإنهم يعتقدون أن حمزة ظهر بصور مختلفة في جميع الأدوار، وكان في زمن محمد ﷺ بصورة سلمان الفارسي، (ولهذا فإنهم يزعمون أن القرآن قد أوحي حقيقة إلى سلمان الفارسي، وأنه كلامه، وأن محمدًا أخذه وتلقاه عنه، حتى زعموا بأن خطاب لقمان الذي خاطب به ولده: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر (٦) هو خطاب سلمان لمحمد (٧). وهم لهذا يحاولون أن يؤولوا من آيات القرآن ما يمكنهم تأويله حسب معتقدهم وينكرون ما عداه.

стр. 4379

وبسبب كراهيتهم للرسول ﷺ يقولون عنه: (فهذه الدعامة – يقصدون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله – المقدم ذكرها هي تكليفية ناموسية، لأن العبادة للمعدوم تكليف، وما أحد قط نصح له عبادة معدوم، ولا تصح رسولية لكافر مشرك منافق ابن مشرك – يقصدون محمد رسول الله ﷺ ... ثم أقام دعامة الجهاد، به قام إبليس لعنه الله وجعله فرضًا على المسلمين، فالحاكم جل ذكره أبطله وحرمه ... ثم أقام دعامة الولاية لقوله وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن:١٢] على زعمهم أن الله فوق السماء، ومحمدًا رسول الله، كذبوا لعنهم الله فما في السماء ولا في الأرض إله إلا الحاكم جل ذكره (١).ويزعمون أيضًا أنه: (عندما يتجلى الحاكم في الركن اليماني – من الكعبة – وفي يده السيف، ينادي على المشركين بالغضب والزجر، ويعطي السيف حمزة فيقتل شخصين لا غير أحدهما متقمص فيه محمد بن عبد الله صاحب دين الإِسلام، والثاني علي بن أبي طالب، ثم يرسل الصواعق على الكعبة فتدك دكا) (٢). ويقولون كذلك: (إن الفحشاء والمنكر هما أبي بكر وعمر)، وأن الآية الكريمة التي تقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:٩٠]. يراد بذلك الخلفاء الراشدين الأربعة، وأنهم من عمل محمد بن عبد الله) (٣). وأما موقفهم من آدم ﵊، فإنهم لا يعتبرونه أول الخلق وأبو البشر، بل كان أكثر من آدم في ذلك الدور، ولهذا فهم ينكرون أن آدم بلا أب وأم وأن آدم وباقي البشر قد خلقوا من تراب، وعن هذا يقول حمزة في (رسالة السيرة المستقيمة): (وأما قولهم أنه بلا أب ولا أم، فهو من المحال أن يكون جسمًا ناطقًا إلا من جسم مثله ذكر وأنثى. وأما التراب الطبيعي فما يظهر منه خلق غير الحيات والعقاب والخنافس وما شاكل ذلك، وأما بشر فلا يجوز أن يكون من التراب ولو كان كما قالوا بأنها فضيلة لآدم حيث لا يخرج من ظهر ولا يدخل في رحم، ولا يتدنس بدم، فقد كان يجب بأن يخلق محمدًا من التراب، ولم يخرجه من ظهر كافر، ولم يدنسه بدم جاهلة كافرة. والمسلمون كلهم يعتقدون بأن والدي محمد كانا وماتا كافرين، وأن محمدًا لا يقدر يشفع في أمته إلا بعد أن يترك أمه وأباه ويتبرأ منهما، ويختار أمته على والديه ويتركهما في جهنم، وهذا كلام قبيح ظاهر وضيع باطنه، ولا يليق بالعقل ولا يقبله عاقل. وآدم هم ثلاثة: آدم الصفا الكلي، ومن قبله آدم العاصي الجزوي ومن دونه آدم الناسي الجرماني، وجميعهم من ذكر وأنثى لا كما قالوا أهل الزخاريف الحشوية بأنهم من التراب، حاشا الباري سبحانه وعز سلطانه أن يخلق صفيه وخليفته من التراب وهو من أهون الأشياء) (٤). وأما عن حواء، فهي ليست زوجته، وإنما هي حجته وأحد دعاته ولقبت بحواء لأنها احتوت على جميع المؤمنين. وقد سبق أن ذكرنا أيضًا موقفهم من موسى ﵇، فهم ينكرون عليه أنه (كليم الله) لأنه كلم الشجر والجبل، وهذا ما لا يليق بالله في نظرهم) (٥). أما عن كلمة (الضد) ومفهومها عند الدروز فقد كثرت في رسائل حمزة هذه الكلمة وقصد بذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد يطلقها بصورة صريحة على رسول الله محمد ﷺ .

стр. 4380

أما كلمة (عجل) فيقول صاحب مذكرة (أيها الدرزي عودة إلى عرينك) عن مدلولها عند الدروز وما ترمي إليه بقوله: (إن هذه الكلمة تحمل معنى لا يدركه إلا الراسخون في الحمزوية، إذ هي مشتقة من الاستعجال، ولذا حاول (العجل) أن يشبه نفسه بحمزة، أي حاول رسول الله محمد ﷺ أن يأتي بشريعة كشريعة حمزة. ويضيف قائلاً: ولا ريب أن الحمزوي العميق يدرك المقصود من هذه الكنايات، إذ لا يخفى أن حمزة سار بالنظر لسيدنا محمد ﷺ وسيدنا علي ﵁ تدريجيًا، إذ رآهما أولاً مستخدمين عند الحاكم دالين على مدلول هذا المقصود، ثم حرمهما من هذه المنزلة (منزلة العبودية للحاكم) ... فدعا محمدًا (ضدا وعجلا)، وسلب من علي درجة الأساس ودعاه اللعين ... بل كثيرًا ما أردف تلاميذه هاتين الكلمتين أو (لعنة الله) أو (أبعده الله من الرحمة) كما نرى هذا في النقط والدوائر ص ١٢) (١).ويبدو أن حقيقة هذه الكلمة وما ترمز إليه قد جعل بعض الناس يضعون إشارات استفهام على مدلولها، ولهذا يقول صاحب مذكرة (أيها الدرزي عودة إلى عرينك): (هذه حقيقة العجل التي كاد ذوو الأنوف السليمة يستنشقونها فاندفعت مجلة الضحى عدد كانون الثاني ١٩٦٦ تضاعف حولها الغبار وتكثف الغيوم وتحدثنا عن العجل بالعهد القديم والقرآن الكريم وتفيض بأمجاد قبيلة بني عجل الذين اشتركوا بموقعة ذي قار) (٢). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقض لمحمد أحمد الخطيب – ص ١٦٩
следующие страницы →