← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فإن كانت المرأة خارجة عن طاعة زوجها وعلم أن فيه القوة والإِنصاف لها، وكان لابد للمرأة من فرقة الرجل، فله من جميع ما تملكه النصف إذا عرفوا الثقات بتعديها عليه وإنصافه لها. وإن عرفوا الثقات أنه محيف عليها وخرجت من تحت ضرورة، خرجت بجميع ما تملكه، وليس له معها شيء في مالها. وإن كانت هي المخالفة له، وليست تدخل من تحت طريقته فلها النصف من جميع ما تملكه، ولو أن ثوبها الذي في عنقها، وإن اختار الرجل فرقتها باختياره بلا ذنب لها إليه فلها النصف من كل ما يملكه من ثوب ورحل وفضة وذهب ودواب، وما حاطته يده لموضع الإِنصاف والعدل) (١).وهكذا نجد أن الدرزي إذا اضطر إلى الطلاق، (فينبغي أن يعرف من منهما المقصر في معاملته الآخر، فإذا كانت الزوجة هي التي ترغب في الطلاق فيكون لزوجها نصف ما تملكه، بعد أن يشهد عدول أنها هي المقصرة في حق زوجها، وأنه كان يعاملها معاملة حسنة، وإذا شهد بأنه كان يهينها ولا يعاملها بالمساواة فلها أن تأخذ معها كل ما هو لها دون أن يسمح له بأن يأخذ منها شيئا، وإذا شاء الرجل أن يطلق زوجته من تلقاء نفسه دون أن تكون قد أذنبت، يكون لها نصف ما يملكه من بيته وأثاثه وأمواله ودوابه) (٢). (وإذا طلق الدرزي زوجته فلا يجوز له أن يتزوجها مرة أخرى، سواء بمحلل أو غير محلل، فهم لا يميزون بين الطلاق الرجعي، والطلاق البائن بنوعيه بينونة صغرى، وبينونة كبرى، بل الطلاق عندهم طلاق واحد، ولا يجوز بعده أن يرجع الرجل إلى مطلقته) (٣).ويقول صاحب كتاب (الدروز والثورة السورية): (أن المقصود من الزواج عندهم إيلاد البنين فقط، لا اقتضاء الشهوة، ومتى صار للرجل من زوجته أربعة أولاد إذا كان غنيا، وإذا كان فقيرا حتى لا يكون ضيق عليه في تقديم لوازم المعيشة، فيجب عليه حينئذ أن يبتعد عن زوجته بقية العمر) (٤).ولكن صاحب كتاب (بنو معروف – الدروز -) يقول: (وهذه القاعدة لا يحافظ عليها إلا أفرادا قلائل من عقالهم الذين يعتبرون أن الزواج لحفظ النسل فقط) (٥).يقول شارح الميثاق: (فإذا قصد جماع الزوجة فيكون مقصوده ونيته في ذلك الولدية لا غير، فأول مرتبته وجود الولد، فلا يجوز للرجل جماع زوجته مع حملها أبدًا للخوف من إفساده) (٦).ولا يجوز عندهم زواج الدرزية من غير الدرزي، ولا زواج الدرزي من غير الدرزية، فإذا حدث زواج من هذا القبيل فإنه يكون باطلاً ولا يجوز أيضًا تعدد الزوجات، والتزوج بأكثر من واحدة، بل يجب الاقتصار على زوجة واحدة) (٧).يقول الأستاد أمين طليع في كتابه الذي قدمه الشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الدروز عن تعدد الزوجات ما يلي: (إن تعدد الزوجات ممنوع قطعًا، فإذا جمع الرجل بين زوجتين، كان زواجه من الثانية باطلاً حكمًا) (٨).والوصية عندهم تجوز بجميع المال لوارث ولغير وارث، فللدرزي أن يوصي قبل موته بأملاكه لمن يشاء، ولكن بشرط أن تكون الوصية بالمال الذي اكتسبه بسعيه هو نفسه، أما إذا كان قد ورثه فلأولاد الموصي أن يطلبوا القسمة إن كان قد ورث ما في يده عن آبائه، لأن ذلك – ما للبيت – تستوي فيه الأصول والفروع، فإن كان قد اكتسبه بسعيه لم يكن لهم ذلك، لأن مال الشخص ينفرد فيه بنفسه) (٩).ويطلب مصحف الدروز منهم أن يوصوا بجزء من أموالهم، وخاصة الموسرين منهم، لعقالهم ومساكينهم، ويقول: (يا أيها الموحدون، كتب عليكم، إذا حضر أحدكم الموت وكان ذا ميسرة، فليوص لذوي العسرة والمساكين منكم، الذي لا يسألون الناس إلحافا، والقائمين على شؤون دينكم في الحكمة والموعظة الحسنة، بجزء من اثني عشر جزءا مما ترك، وليكفل القسمة أولئك القائمون منكم على شؤون دينكم، الذين يتلون حكمة وصلوات هذا المصحف المنفرد بذاته، العاملون عليه، الحاكمون به الموحدين بالعدل، الذين جعلوا خلائف الحدود) (١٠). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٢٣٥

стр. 4412

المطلب الثالث: تقسيم المجتمع الدرزي إلى عقال وجهال ونظام الخلوات عندهم يعيش الدرزي الآن في (لبنان، وسورية، وفلسطين). وينقسم المجتمع الدرزي من الناحية الدينية إلى قسمين: (روحاني، وجثماني، فأما الروحاني فهو الذي بيده أسرار الطائفة ويقسم إلى ثلاثة أقسام: رؤساء، وعقلاء، وأجاويد. والجثماني: وهو الذي لا يبحث في الروحيات بل يبحث في الدنيويات ويقسم إلى قسمين: أمراء وجهال. فالرؤساء بيدهم مفاتيح الأسرار العامة، والعقال بيدهم مفاتيح الأسرار الداخلية والأجاويد بيدهم مفاتيح الأسرار الخارجية، والأمراء الجثمانيون بيدهم مفاتيح الأسرار الخاصة، وزعماء الجهال بيدهم قبضة السيف والزعامة) (١). والعقال ينقسمون بدورهم إلى درجات ثلاثة: (منهم الطبقة التي تعرف بالمنزهين، وأصحاب هذه الطبقة في أشد العبادة والورع، فمنهم من لا يتزوج حتى يموت، ومنهم من يصوم كل يوم إلى المساء، ومنهم من لا يأكل اللحم في جميع حياته. والطبقة الأخرى: هي الشراح، ويرخص لهؤلاء بالاطلاع على ما كتبه الأمير عبد الله التنوخي أحد مشايخهم، وهو الذي بنى المساجد وجدد الجوامع وكان على ما قيل يريد أن يرجع بالدروز إلى مذهب أهل السنة والجماعة) (٢). ويبدو لي أن الأجاويد من طبقات الثلاث للعقال. (ويجتمع العقال في أماكن العبادة التي تعرف بالخلوات (جمع خلوة) لسماع ما يتلى عليهم، وبعد تلاوة المقدمات، يخرج من الخلوة الطبقة الدنيا من العقال، ثم بعد تلاوة بعض الرسائل البسيطة التي ليس بها تأويلات تخرج الطبقة الثانية بحيث لا يبقى إلا رجال الدرجة الأولى الذي لهم وحدهم الحق في سماع الأسرار العليا للعقيدة، أما الجهال فلا يسمح لهم بحضور هذه الخلوات، أو لسماع شيء من الكتب المقدسة إلا في يوم عيدهم الوحيد، وهو يوافق عيد الأضحى عند المسلمين) (٣). (والعقال يعملون لهم مناسك يبنونها بعيدًا عن البلدان التي هم بها نحو مسافة نصف ساعة وغالبًا يكون بناؤها على مرتفع ويتفردون فيها أكثر الأيام ليلاً ونهارًا ويسمون هذه المناسك خلوات البياضة، هي على سطح جبل فوق قرية حاصبيا – في لبنان -، تزيد على ستين خلوة) (٤). (والعقال يستحرمون (٥) أيضًا مال أولياء الأمور من أي جهة كان، وجميعهم يستحلون أموال التجار من أي جهة كانت، فإذا قبضوا دراهم محرمة أتوا بها إلى التاجر ليبدلونها منه. وكل عاقل لا يتناول شيئًا من المسكرات ونحوها على الإِطلاق ولو كان مدمنًا عليها في أيام الجهل، وهذا التحريم قد تظاهروا به منذ مائتي سنة فقط بإرشاد الأمير التنوخي، وأما قبل زمن فلم يكونوا يتحاشوه، ولا يفحش العاقل في كلامه على كل حال ولو كان قبل ذلك من السفهاء، ولا يسرف في طعامه وشرابه ولو دعت الحاجة إلى ذلك الإِسراف) (٦). (وأما الجاهل في نظرهم كالحارس الذي يحرس بيتًا في الخارج ويجهل معرفة أسراره الداخلية، وهكذا يعيش الجاهل منهم درزيًا ولا يعلم من الدرزية سوى شيء يسير جدًا، كالاعتقاد بألوهية الحاكم، وإمامة حمزة والأربعة حدود، والتقمص، والعلامة السرية التي يجعلونها لمعرفة بعضهم البعض) (٧).

стр. 4413

(ولا يسمح لطبقة الجهال بالانتقال إلى طبقة العقال إلا بعد امتحان عسير شاق يقوم على ترويض النفس وإخضاع شهواتها مدة طويلة، وقد يستمر الامتحان أكثر من سنة حتى يثق الشيوخ بأحقية الطالب أن ينتقل من طبقة الجهال إلى طبقة العقال. والعقال في المجتمع الدرزي يعرفون بعمائمهم ولبس القباء الأزرق الغامق، ويطلقون لحاهم (١) على أن الذين يسند إليهم وظائف حكومية يباح لهم ترك هذه الملابس وارتداء الزي الذي يطلبه منصبه الرسمي. والنساء في المجتمع الدرزي، ينقسمن أيضًا إلى عاقلات وجاهلات مثل الرجال تمامًا، والنساء العاقلات يلبس النقاب وثوبا اسمه "صاية") (٢). (وإذا وجدت هناك عاقلة زوجة لأحد الجهال، فلا يجوز لها أن تخاطبه بشيء من أمور الديانة، ولا تطلعه على شيء منها، وتخفي كتبها عنه ضمن صندوق مقفول) (٣). وفي رسالة صغيرة عنوانها (من تعليم دين التوحيد) ملحق على طريقة السؤال والجواب حول كيفية دخول الرجل في سلك العقال، والعهد الذي يؤخذ عليه، وفيما يلي نصه: س: بأي وجه يكون دخول الإِنسان في دين مولانا، ومن يدخله؟ ج: يُدخله الإِمام، وذلك باتحاده مع الموحدين مدة عامين لكي يتقبلوه بينهم، وأن يكون واحدًا منهم، ومتى قبلوه يدخله الإِمام بينهم يسلك مسلكهم. س: كيف يكون تقدمه؟ يقدمه جماعة الموحدين أمام الإِمام ويحرضه على حفظ السر ويعلن له الحقائق والطرائق، ويطعمه تينا، ويقول له: يا رجل أتؤمن بدين النبي؟ وتريد أن تأخذ هذا الدين وتصير من جملة المتوحدين، فيجيب: نعم أؤمن، فيسلم الحجاب ويصير واحدًا منهم صحيحًا تمامًا. س: كيف يجب أن يكون سلوكه بعد دخوله؟ ج: يجب أن يتظاهر بالحشمة والآداب، وطول للروح، والكلام اللائق والهدوء، والسلام والكلام اللين، وبما يضاهي به إخوانه الموحدين. س: ما هو العهد الواجب عليه وما هي صورته؟

стр. 4414

ج: هذه صورته: باسم الإمام مولانا الأعظم المنزه عن العاهات والوالد القادر، الذي لم يخلق ولم يولد، ولم يكن له كفوءا أحد، أنا فلان ابن فلان قد نويت وعزمت أن أضع نفسي وجسدي ومالي وحريمي وأولادي وأرزاقي وأعلامي، وكل ما تملك يدي تحت يد الطاعة، لسيدي ومولاي الحاكم بأمره العلي العلامة أمير الحكام صاحب الجبروت القادر على جميع الكائنات قد سلمت حالي إليه، ووعدته باتكالي عليه، وأقر الإِقرار التام، وأشهد أمام إخواني الموحدين وسيدي الإِمام، أني قد تبريت من الأديان، ولا أريد شيئًا يخالف أو يناقض الوحدانية، ولا أقر أن في السماء إلهًا معبودًا، ولا في الأرض إمامًا موجودًا سوى سيدي ومولاي الحاكم بأمره العالي المقتدر الحكيم بتدبيره، وهو نصيري ومجيري وإليه فوضت كل أمري وتدبيري، وكرهت ورذلت كل ما يبعدني عن عبادته وطاعته وصدقه. وقد كتبت هذه الوثيقة على نفسي وأنا بصحة العقل والجسم ومن كل إراداتي وخاطري من دون اغتصاب، وقد قريت بالدعوات والحدود الباقية المقرين بمولانا الحاكم بأمره الأمين، وأذنت بالشهود علي، وأقر أمام الشهود بكذا وكذا من سنة مولانا ومملوكه حمزة بن الهادي عدو المشركين والمنتقم منهم بسيف مولانا وسلطانه وحده لا معبود سواه) (١).وللدروز رئيس ديني يلقب بـ (شيخ العقل) (٢) ويتولى منصبه بالانتخاب أو الاتفاق بين الزعماء وكبار رجال الطائفة، ولشيخ العقل أعوان في كل قرية أو بلد (٣).هذا بالنسبة إلى التقسيم الديني، أما من الناحية الاجتماعية، فالنظام السائد في المجتمع الدرزي هو النظام الإقطاعي الديني الذي كانوا عليه منذ عدة قرون، فالقرى خاضعة لشيخ القرية الذي يختاره الأمير، وشيوخ القرى خاضعون للأمراء الذين يتوارثون الإِمارة ولذلك يأبى الدروز منذ عصورهم الأولى أن يخضعوا إلا لمشايخهم فقط، ولا يعترفون بسلطة أحد سوى أمرائهم (٤). ويقيم عقال الدروز عادة في مناطق نائية تسمى (الخلوات)، وعن هذه الخلوات يحدثنا صاحب مذكرة (أيها الدرزي عودة إلى عرينك)، عن كيفية قيامها وطريقة الوعظ فيها فيقول: (قبل عام ١٧٦٢ م لم يكن للدروز خلوات، أو كانت ولكن ليست ظاهرة، ولا شيوخ عقل بل كانوا تحت جناح الإِسلام مباشرة وبقي شيوخ العقل يتخبطون في خلواتهم بين الرسائل والشروح، إلى أن تسلم الرياسة الروحية في جبل حوران الشيخ إبراهيم البجري، فقرر قراءة الكتابين الأولين (أي ميثاق ولي الزمان وكشف الحقائق) مع شيء من الكتاب الثالث (أي مناجاة ولي الحق) على كل درزي تتوفر فيه الشروط الدينية. ثم قسم الشيخ إبراهيم الكتاب الثاني والثالث إلى ثمانية أقسام، وعين لكل ليلة من ليالي الأسبوع قسما منها، وضم لها أقسامًا معلومة من رسائل أخرى، ودعى هذا كله دورا. فدور مساء الخميس مثلاً، الميثاق والكشف والتنزيه وشعر النفس، ودور مساء الجمعة الميثاق والدامغة والرضا وشعر النفس ... وهكذا لكل ليلة دورها الخاص، مع الملاحظة أن الاجتماع الرسمي هو مساء الخميس، والقراءة في الجمعة وسواها جماعية.

стр. 4415

وهناك بعض فصول من الرسائل، رأى الشيخ إبراهيم وجوب قراءتها كل صباح، وقد دعا هذا الترتيب فرضا، وما زال عليه الناس في جبل حوران وسواه حتى يومنا هذا، وإن رأينا تعديلا في بعض المناطق، فهو لا يعدو إبدال فصل بفصل من رسالة واحدة أو رسالتين متغايرتين). وقد ثابر القوم على هذا المنهاج واعتبروه واجبا على كل درزي تتوفر فيه الشروط الدينية: وعن هندسة هذه الخلوات يقول: إن الشيخ إبراهيم أمر أن يقام في كل قرية درزية خلوة كبيرة تتسع لأكبر عدد من سكان القرية، وأطلق على هذا البناء اسم (مجلس حمزة) وهو يتألف من غرفة كبيرة تتوسطها مصطبة – طاولة ثابتة – بارتفاع سبعين سنتم تقريبًا، يعلوها ستار من القماش السميك بارتفاع متر ونصف تقريبًا، كأنها تقسم الغرفة قسمين وتحجب بينهما. يجلس الرجال في قسم والنساء في القسم الآخر، ولكل قسم باب ونافذة في مكان واحد. أما السبب في إقامة هذا الحاجز فهو: ١ – فصل النساء عن الرجال والحيلولة دون رؤية بعضهما. ٢ – إيصال صوت الرجال إلى النساء اللواتي جئن لاستماع الحكمة. أما ترتيب الشيوخ في المجلس فهو على النحو التالي: يجلس الإمام – شيخ عقل القرية – في صدر المجلس قريبا من الزاوية، ويولي ظهره للقاطع – المصطبة ثم يجلس الشيوخ عن يمينه وشماله بصفوف غير منتظمة، تاركين أمامه فسحة صغيرة مستعدين لأداء الطقوس. أما كيفية ترتيب الطقوس فهو كما يلي: ١ – الوعظ: وهو قصص وحكايات صوفية، كقصص مالك بن دينار وذي النون المصري وإبراهيم بن أدهم وسواها من القصص الخفيفة التي نراها في كتاب (روض الرياضين). أما إذا كانت هذه الليلة ليلة العيد الكبير، ضموا للوعظ قصة (الثواب والعقاب) وهما تصوران ما يلاقيه الكافر والمرتد من أهوال مجروية القيامة. وهذه الجلسة متاحة للجميع، يحضرها المدخن والسكير حتى ولو كان ليس درزيًا. ٢ – الشرح: المرحلة الأولى: ويجوز حضوره لكل درزي ونرى الحاضرين فيه كثيرين في ليالي الجمعة وليالي العشر من ذي الحجة، يفتتحه الإِمام قائلاً: علينا أن نمسي الحدود (أي نقول لهم: مساكم الله بالخير)، وقد يقول هذه الكلمة شخص آخر إذ هي لكل شخص من الحاضرين. وتمسية الحدود هي تحية وسلام وتسبيح على كل حد من الحدود الثمانية: (العقل، النفس، الكلمة، السابق، التالي، الجد، الفتح، الخيال). وهذه صيغة التمسية، يقدمونها أولا للعقل قائلين: ألف المسا مساك ... يا عقل من مولاك يا نور صاف محض ... سبحان من صفاك يا لابس الأخضر ... يا زينة المحضر قلبي يميل إليك ... عيني تريد رؤياك قلبي يميل إليك ... صلى الإِله عليك صلى عليك الله ... يا نور عرش الله صلى عليك ربي ... نحن دخيل حماك ثم يتجهون للنفس فيمسونه بنفس هذه الأبيات مع إبدال كلمة الأخضر الموجودة في صدر البيت الثالث بالأحمر، ثم يتجهون للكلمة بنفس الأبيات ويضعون بدل الأخضر كلمة أصفر، ثم يخصون السابق باللون الأبيض والتالي باللون الأسود بنفس الأبيات والترتيب. أما الحد والفتح والخيال فتقدم لهم التسمية دون ذكر البيت الثالث، إذ الثلاثة الباقون ليس لهم كسوة خاصة. وقد ترنم بعض الخلوات بهذه الترنيمة أيضًا: صلوا على القائل ... صاحب الجود والفضائل صلوا على ولي الهدايا ... صاحب النعم والكفايا صل وسلم يا رب عليه ... وأسعدنا برضاه صلوا على السيد الهادي الإِمام الأعلى، نور القيام، المنتظر لنجاة الأنام، الهادي إلى طاعة المولى العلي حاكم الحكام، إمام الرضاة المظفر المصطفى، صلى يا رب وسلم على سيدنا وحبيب قلوبنا ورجانا (حمزة بن علي).

стр. 4416

وبعد الانتهاء من هذه التحية الأدبية، يطلب الإِمام من أحد الشيوخ أن يعظ الناس، وهذا يتلو بعض أخبار الصالحين من الصوفيين ويطلب من آخر أن ينشد بعض الأناشيد الدينية، ويختم المجلس بنشيدة جماعية. المرحلة الثانية: يقف الشيخ – الإِمام – فيقفون جميعًا رجالاً ونساء – قائلين بصوت واحد: يا سميع، احترامًا للأمير السيد عبد الله التنوخي ثم يجلسون، وفي هذه اللحظة ينصرف الجهال، كالقاتل والزاني والسكير وشارب التبغ ... وسواهم من المحرومين الذين لا يستحقون سماع الشرح. على أن بعض هؤلاء الجهال يقف متأدبًا واضعًا كفيه تحت إبطيه ويكلم المشايخ بأدب وتواضع قائلاً: الله يمسيكم بالخير حضرات المشايخ، فيجيبون: الله يمسيك بألف خير، ثم يقول بذل وانكسار: نطلب الحلم وصفاء الخاطر من الله ومنكم، العبد يخطئ والسيد يعفو. وهنا يتجه المشايخ إلى بعضهم قائلين. احلموا علينا وعليه يا مشايخ وفي هذه اللحظة يأتي دور الإِمام وله أن يفوه بإحدى كلمتين: إما أن يسمح عن ذاك المستشفع قائلاً: تفضل اقعد، وهذه معناها: السماح بحضور المرحلة الثانية فقط. وإما أن يقول: ما قدامنا وقدامكم إلا الخير، وهذه معناها الإِصرار على إبعاده وعدم السماح له بالجلوس وهنا يخرج المستشفع خجلاً كسير النفس. وبعد خروجه تبدأ المرحلة الثانية فيقرأ الإِمام أو يكلف أحد الشيوخ بتلاوة شرح إحدى الرسائل المقررة، وبعد الانتهاء من القراءة يقفون جميعا قائلين: يا سميع. وفي هذه الفترة يخرج الذين لا يجوز لهم حضور المرحلة الثالثة. وإذا طلب أحد هؤلاء السماح يبقى واقفًا متأدبًا مكررًا الكلمات السابقة، وليس له إلا أحد الجوابين السابقين، وقد يوكل أحد الشيوخ فيقف هذا موقف المذنب التائب، ويتكلم بالنيابة عن المستشفع وبنفس الجمل، وهنا إما أن يجاب أو يرفض. المرحلة الثالثة: ثم يتوجه الإِمام للمشايخ قائلاً: تفضلوا احلموا، وهنا تبدأ قراءة الدور قراءة جماعية، وكلهم يحفظ الدور الواجب تلاوته، فيبدؤون بالميثاق، ثم بالرسائل المقررة لتلك الليلة، ويجعلون شعر النفس ختامًا، ويسجدون عند كلمة (هو الحاكم المولى بناسوته يرى .. ) ويرفعون أيديهم مبتهلين، ثم ينصرفون مرددين بعض الأدعية. هذه الخلوات، تشبه بعضها بعضا، وإن اختلف بناؤها باختلاف القرى أو تخلفها، وفي مقدمتها من حيث التاريخ خلوات الزنبقية، قرب كفر نبرخ بلبنان، وإن فاقتها الآن خلوات البياضة (حاصبيا لبنان) وحلت محل الصدارة. أما الشيوخ الذين يقومون بإدارة تلك الخلوات، فيتفاوتون ليس بالعلم أو الخدمة العامة، بل بشهادات السلوك والمثابرة على الخلوات والزهد الذي قد يصل لدرجة رهبان البراهمة؛ ذلك لأنهم يخالون العكوف على دراسة الرسائل كل شيء في العالم، ولذا ضاق أفقهم، وأصبحوا يستشهدون بما يتلهى به الأطفال كملحمة حسان التبعي. أولئك الشيوخ طبقات: ١ – طالبو الدخول بالمشيخة (البراني) أي الذين يعدون أنفسهم ليصبحوا شيوخا. ٢ – شيوخ المجالس السرية (الجواني). ٣ – شيوخ العقل. أما الأزارقة – لابسوا الأزرق – فهم أضيق أفقا من سواهم) (١). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب- ص ٢٣٨

стр. 4417

المطلب الأول: موقفهم من اليهود ذكرنا فيما مضى موقف الحاكم بأمر الله من اليهود والنصارى، واضطهادهم وهدم كنائسهم وبيعهم، وكيف تحول في آخر عمره عن هذا الاضطهاد المنظم، وذلك بعد أن ظهرت الدعوة الجديدة لتأليهه على يد حمزة. أما موقف الدروز من اليهود، فهو دعوتهم للدخول في ديانة الدروز، وإثبات أن المسيح الذي بشر به موسى هو حمزة بن علي، وقد ورد موقفهم هذا في (الرسالة الموسومة بالإِسرائيليات الدامغة لأهل اللدود والجحود أعني الكفرة من أهل شريعة اليهود) وهي من تأليف بهاء الدين. وقد بدأ بهاء الدين هذه الرسالة بالرد على اليهود في عدم جواز نسخ الشرائع حيث يقول: (العلة التي أوجب بها اليهود إرسال موسى لا تزال باقية، وإلا لم تقم حجة موسى على أصحابه ولا على من أقر بإبراهيم) (١). وحجة أخرى: (هي أن من شرع شريعة هو محدث، فموسى محدث مخلوق، ولاشك أن الشارع للشريعة أفضل من الشريعة التي شرعها، إذ أن الشريعة لا تقوم بنفسها، بل هي محتاجة إلى القائم بها العالم الفاضل، وإذا كان واجبًا رفع القائم بالشريعة وفناؤه وزواله فممكن إبطال الشريعة ورفعها). ولذلك يقرر بهاء الدين: أن اليهود يترقبون من سيكون الفرج على يديه، وهو أفضل من موسى ومن إبراهيم، وأنه يأتي بالآيات والبراهين، ويدعو الخلق إلى توحيد رب العالمين، ويستدل على ذلك من التوراة، إذ بشرهم بها موسى بمجيء المسيح، فجحدوا ذلك وعموا عنه وأنكروه وتبرءوا منه. ودليل بهاء الدين من التوراة على ظهور المسيح ودعوته اليهود والنصارى إلى التوحيد والدين الصحيح قول التوراة: (أنه سيجيء من ساعير نور، من اتبعه نجا، ومن تخلف عنه هلك وغوى، وساعير بشراة وبها قرية تدعى ناصرة، ولذلك قيل لأمته النصارى). ويأتي ذلك بدليل آخر هو قول شعيا عن الله: (هأنذا أخلق سماء جديدة، وأرضًا جديدة، وليس يُذكر الأول ولا يقع بقلب أحد .. أنا الله، وهذا اسمي، ولا أعطي جلالي ومجدي لغيري، ما كان في القديم قد أدبر، وأنا مبشر بالجديد قبل أن يظهر، فعرفهم بظهور المسيح الذي هو حمزة بن علي. ومما استدل به أيضا على ظهور قائم الزمان حمزة بن علي قول التوراة: (صوت مناد في القفار، انصبوا لله طرقا، وأقيموا في الفيافي طرقكم، سترتفع الوطأة، وتنخفض الجبال والكداة، وتكون المعوجة مستقيمة، والوعرة تكون طريقها سهلة، ويظهر جلال الله). وأيضًا قول داود في الزبور بذكر قائم الحق وهو: قال السيد لسيدي اجلس عن يميني حتى أجعل عدد أعدائك كرسي رجليك، فعظم داوود وسوره وأقر له بالخنوع والخضوع، لأنه يملك جميع الدنيا ويحوز من البحر إلى لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، والذي تنحر الجبابرة له بين يديه على ركبهم، ويجلس أعداؤه على التراب، وتأتيه الملوك بالقرابين ويسجد له وتدين الأمم كلها بطاعته، والانقياد لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه مالك الجميع صلى الله عليه. ويضيف بهاء الدين مخاطبًا اليهود: (فهذه صفات لا يدعيها أحد من الأنبياء، ومناقب ليست تكون إلا لقائم الحق، قائم القيامة .. وأنتم أيها اليهود وجميع أهل الشرع في سكرتكم تعمهون، وقد ضللتم عما كان عليه الأسلاف المحقون له ينتظرون، فلو كنتم يا جماعة اليهود رجعتم إلى الباري واتبعتم هاديه ودليله وقبلتم أمره، وسلكتم طريق الحق وسبيله، وحفظتم ميثاق الذي واثقكم عليه، وسلمتم عن أمر تم بالتسليم إليه، لرجع إليكم بالمغفرة وتلقاكم بالتوبة وأنقذكم من أيدي أعدائكم). هذا هو موقف الدروز من اليهود، ولكن يبدو أن هذا الموقف قد تبدل في الوقت الحاضر من العداء إلى الود والتأييد، وهو ما نراه في فلسطين المحتلة، فإن الكثير من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي هو من الدروز؟!. المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٢٤٩

стр. 4418

المطلب الثاني: موقفهم من النصارى موقف الدروز من النصارى تحدده أربع رسائل هي: ١ – رسالة خبر اليهود والنصارى. ٢ – الرسالة الموسومة بالمسيحية، وأم القلائد النسكية، وقامعة العقائد الشركية. ٣ – الرسالة الموسومة بالقسطنطينية، المنفذة إلى قسطنطين متملك النصرانية. ٤ – الرسالة الموسومة بالتعقب والاقتفاء لآداء ما بقي علينا من هدم شريعة النصارى الفسقة الأضداد. الرسالة الأولى تذكر أن بعض أهل الذمة، وقفوا بين يدي الحاكم وهو بالقرافة (مقبرة القاهرة)، وقالوا أنهم يهود ونصارى ويريدون أن يسألوه عن مسائل في الدين، ولكنهم خائفون منه، فأمنهم. ويبدو أن هذه المقابلة لم تحدث مطلقًا، وإنما هي تلفيق، وكتبت حتى تثبت أن ظهور الحاكم وحمزة كان ينتظره اليهود والنصارى. ويضيف مؤلف هذه الرسالة قوله: (أن الرسول ﷺ قد أتاه رؤساء شريعة اليهود والنصارى، فطلب منهم أن يؤمنوا بشريعته، فقالوا له: ما أنت الذي كنا منتظرين لزمانه متوقعين شخصه، ولا الذي نرجو الفرج مع ظهوره. والدليل على ذلك ثلاث خصال: إحداها: ليس اسمه كاسمك، إذ اسمك محمد، والذي بشرنا به اسمه أحمد. والثانية: مدته، قد بقي لها أربعمائة سنة من يوم مبعثك إلى حين ظهور هذا المنظر، وقد خالفته في الاسم والمدة. والثالثة: المنتظر إنما يدعو إلى توحيد ربه، بلا تعطيل ولا تشبيه ولا كلفة تلحق نفوسنا، وصفة المنتظر عندنا رفع التكليفيات، وانقضاء الشرور، ورفع المصائب والشكوك، وأن لا يتجاوزه في عصره كافر ولا منافق، وأنت أكثر أصحابك يظهرون النفاق عليك، وإنما بغلبة سيفك عليهم سلموا لأمرك. وتنتهي الرسالة إلى ما كانت تبغيه إذ تقول على لسان الحاكم: (فأي حجة بقيت لكم عليه وعلي بعدما أوضحناه، وأي أمر تعديت فيه، بزعمكم عليكم إذا كنت بشرطكم أخذتكم، وما كنتم تنتظرونه أقمته عليكم، وقد أسعتكم حلما وعدلا؟). إذن ها هي المدة قد انقضت (أي الأربعمائة سنة)، وظهر الإِله المعبود، قائم الزمان الذي يدعي إليه، فعليكم الإِيمان به وتصديقه؟ وقد كذب الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه الرواية التاريخية، إذ لم يثبت في أي من كتب التاريخ والسيرة أن قامت مناقشات بين النبي ﷺ ، وبين اليهود والنصارى، إلا ما جرى مع وفد نجران سنة ١٠ هـ ويؤكد ذلك كما قال الدكتور بدوي ثلاث حجج: ١ – فالحجة الأولى، وهي الخاصة باسم – أحمد – ساذجة لا يعتقد صدورها عن النصارى في عهد النبي ﷺ إذ أحمد ومحمد واحد. ٢ – والثانية غير معقولة أصلا، بسبب ما فيها من تحديد سنوات لا ينطبق إلا على الحاكم بأمر الله. ٣ – والثالثة باطلة، لأن أفعال النبي ﷺ تؤكد أنه أحل الطيبات وحرم الخبائث، ووضع الإصر والأغلال عن أتباعه (١). أما الرسالة الثانية: (الموسومة بالمسيحية) فهي تقريع بأقسى الألفاظ وأفحشها بالمسيحيين؛ لأنهم لا يعملون بوصية المسيح، ولا يحذرون من المسيح الضال الكذوب، ولا يقرون بالمسيح الحق الذي ظهرت علاماته في جميع أنحاء العالم.

стр. 4419

ومؤلف الرسالة هو (بهاء الدين) الذي يتحدث عن حمزة بن علي، على أنه المسيح وهو السيد، ويأخذ بها الدين – في هذه الرسالة – على النصارى: (أن عقولهم تصور لهم أن السيد المسيح لا يظهر إلا عندهم، ولا ينتظر مجيئه سواهم، مع أن المسيح سيظهر للعالم كله والسيد – أي حمزة – قد عرف أن ظهوره لخلاص الأمم من الخطيئة ... ولهذا يقرع النصارى فيقول: فتنبهوا أيها الجهلة من مراقد الغفلة، وارجعوا إلى الحق مع أولياء السيد قبل انقضاء المهلة، فقد دارت الأدوار وظهر توحيد الأب من حيث العالم). والرسالة الثالثة هي الرسالة (القسطنطينية) والتي أرسلت إلى قسطنطين الثامن إمبراطور الروم، الذي تولى الحكم وعمره سنتان عام ٩٦٣ م، وتوفي في عام ١٠٢٨م، وكاتبها هو بهاء الدين، (الذي يتودد فيها للإمبراطور وكبار رجال الدين المسيحي في بيزنطة، وينعتهم بالقديسين، ويقرب ما بين دعوة الدروز وبين العقائد النصرانية، هادفا من وراء ذلك إلى بيان أن: الفار قليط الذي أعلن عن قدومه المسيح عيسى بن مريم هو نفسه حمزة بن علي، وأن على المسيحيين أن يؤمنوا بأن حمزة وديانة التوحيد التي دعا إليها هو الفار قليط، الذي أعلن عن مجيئه المسيح، وبهاء الدين يلجأ في سبيل ذلك إلى تأويل أحداث حياة السيد المسيح تأويلاً يؤدي إلى ما يهدف إليه، وكذلك إلى تأويل آيات الإِنجيل تأويلاً يتفق مع مآربه (١). أما الرسالة الرابعة والأخيرة من الرسائل الأربعة الموجهة ضد النصاري، فهي (الموسومة بالتعقب والاقتفاء لأداء ما بقي علينا من هدم شريعة النصاري الفسقة الأضداد) وكاتبها هو بهاء الدين، ويصف نفسه بأنه: (محلل معاقد الملل وناسخ الأديان) وقد وجهها إلى ميخائيل إمبراطور الروم عام ١٠٣٤ م، وواضح من لهجة الرسالة أنها بالغة في العنف والإِقذاع بعكس الرسالة السابقة المتوددة، حيث لم تأتِ بنتيجة. وأن العلاقات ازدادت سوءً إلى أبعد حد بين الدروز ونصارى القسطنطينية، لأن بهاء في الرسالة يحمل بشدة عليهم لاضطهادهم أتباع ديانة التوحيد، ومساعدتهم دجالا أبرص أعور كان عدوا لديانة التوحيد. والدروز يعتقدون أن المسيح الذي صلب، هو (المسيح الكذاب) ابن يوسف النجار، وهذا ما ورد في (رسالة السؤال والجواب). س: وكيف الإِنجيل الذي عند النصارى، وماذا تقول عنه؟ ج: الإِنجيل حق، من قول السيد المسيح الذي هو سلمان الفارسي في دور محمد، وهو حمزة بن علي، والمسيح الكذاب هو الذي ولد من مريم لأنه ابن يوسف النجار. س: وأين كان المسيح الحق لما كان المسيح الكذاب مع التلاميذ؟ ج: كان معه من جملة تلاميذه، وكان ينطق بالإِنجيل (٢)، وكان يعلم المسيح ابن يوسف ويقول له: اعمل ما هو كذا أو كذا، حسب مرسوم دين النصرانية، وكان يسمع منه كل قوله، ولما خالف قول السيد المسيح الحق ألقي في قلب اليهود بغضه فصلبوه. س: وكيف صار بعد الصلب؟ ج: وضعوه في قبر وجاء المسيح الحق وسرقه من القبر، وطمره في البستان، وقال للناس: إن المسيح قام من الموتى.

стр. 4420

س: ومن الذي قام من القبر، ودخل للتلاميذ والأبواب مغلقة؟ ج: المسيح الحي الذي لا يموت، وهو حمزة، عبد مولانا ومملوكه (١). والخلاصة أن ما يرمي إليه الدروز – في ذلك الوقت – هو إثبات أن المسيح الحق هو حمزة بن علي عبد مولاهم الحاكم بأمر الله. ولكن يظهر أنهم غيروا أيضًا من طريقتهم هذه، وصاروا يحسنون معاملة النصارى، وخاصة في لبنان، حيث يسيطر النصارى على الموقف، يقول يوسف خطار أبو شقرا مؤلف كتاب (الحركات في لبنان) وهو درزي ما يلي: (لم يكن فيما مضى ما بين الدروز والنصارى في لبنان، ما كان بينهم منذ سنة ١٨٠٠ م من الشقاق والنفور، بل كانت الطائفتان محبة إحداهما بالأخرى، آنسة إليها، وبعبارة أخرى كانت الجماعتان كجماعة واحدة تعملان على وتيرة واحدة) (٢).وتقول المستشرقة (بول هنري بوردو): (وأعجبت بتساهل هذا الشعب (الدرزي) وإرساله صغاره إلى المدارس المارونية، وصلاته في الكنائس والجوامع على السواء، حتى يلتبس على فلاحي لبنان الإِجابة لو سئلوا: هل الدروز نصارى أم مسلمون؟!) (٣). وجاء في كتاب (لبنان في التاريخ) للمؤرخ اللبناني فيليب حتى ما يلي عن علاقة الدروز بنصارى لبنان: (وقد دهش فولتي كونت وهو عالم فرنسي من شدة الشبه بين الدروز والموارنة من (المسيحيين) في أساليب العيش، وفي نظام الحكم .. وفي اللهجة وفي العادات وفي الآداب العامة فإن عائلات درزية ومارونية تعيش جنبا إلى جنب متصافية متوادة، وأحيانا يصطحب الموارنة جيرانهم الدروز إلى الكنائس. ويؤمن الدروز بفعل الماء المقدس الذي يصلي عليه الكاهن وأحيانا إذا ألح المبشر في تبشير الدرزي فقد يقبل الدرزي سر المعمودية. وقد لاحظ ماريتي الراهب الإيطالي الذي زار البلاد سنة ١٧٦٠ م قبل مجيء فولتي بقليل: أن الدروز يظهرون خالص الود والاحترام للنصارى ويحترمون دينهم، والدرزي يصلي في كنيسة للروم الأرثوذكس كما يصلي في مسجد تركي. ويقول فريدرك بلس: أن الدروز لكي يتخلصوا من الخدمة العسكرية التركية كانوا يعلنون أنهم بروتستانت. ويؤكد ضابط فرنسي كان مقر خدمته حوران: أن العائلات الدرزية الأرستقراطية إذا فقدت طفلا أو أكثر يعمدون الطفل الذي يولد بعده، وقد عمد الابن الثاني لسلطان الأطرش سنة ١٩٢٤ م، وقد تكون ممارسة هذه التقاليد نوعا من التقية، وليس بمستغرب أن يتبرع درزي يقطن قرية أكثر سكانها من النصارى بالمال لكنيسة القرية) (٤). المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٢٥١

стр. 4421

المطلب الثالث: موقفهم من النصيرية طائفة الدروز تعيش في مناطق قريبة لمناطق تواجد طائفته النصيرية، ومن الطبيعي أن يقوم النزاع بينهما، وخاصة بسبب الاختلاف الرئيسي في العقيدة، فالدروز يؤلهون الحاكم بأمر الله، بينما النصيرية يؤلهون علي بن أبي طالب. ومع أن الخلاف قد اشتد بين الطائفتين في بعض الأحيان، فإنه لم يصل إلى أيدينا شيء عن هذا، غير رسالة ألفها حمزة بن علي يرد فيها على عقائد النصيرية لعنه المولى في كل كور ودور). وواضح مما ورد في هذه الرسالة أن حمزة كان يردّ على كتاب أَلَّفه النصيري اسمه (كتاب الحقائق وكشف المحجوب) والموجه ضد ديانة الدروز، والذي يحاول فيه النصيري أن يقرب بين الدروز والنصيرية، مستعينا بما كتبه حمزة لإثبات أن مذهب الدروز هو بعينه مذهب النصيرية، مما أغضب حمزة وجعله يقول في الرسالة: (إن من قبل كتابه عبد إبليس، واعتقد التناسخ (١)، وحلل الفروج، واستحل الكذب والبهتان ... وحاشا دين مولانا جل وعز من المنكرات، وحاشا الموحدين من الفاحشات)). ويأتي حمزة بعد ذلك على الأقوال والعقائد التي يقول بها النصيري ويرد عليها، وأول العقائد التي يرد بها حمزة على النصيري: (أن جميع ما حرموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا واللياطة فهو مطلق للعارف والعارفة بمولانا جل ذكره) ويرد حمزة على هذا فيقول أنه (كذب بالتنزيل والتأويل). وأما قوله – أي النصيري -: أنه يجب على المؤمن ألا يمانع أخاه من ماله ولا جاهه، وأن يظهر لأخيه المؤمن عياله ولا يعترض عليهم فيما يجري بينهم، وإلا فما يتم إيمانه). فيرد عليه حمزة بقوله: (فقد كذب لعنه الله وسرق الأول من مجالس الحكمة (٢) بقوله: لا يمنع أخاه من ماله ولا من جاهه ... وإلا فمن لا يغار على عياله فليس بمؤمن، بل هو خرمي طالب الراحة والإباحة ... إذ كان الجماع ليس هو من الدين ولا ينتسب إلى التوحيد، إلا أن يكون جماع الحقيقة، وهو المفاتحة بالحكمة بعد أن يكون مطلقا للكلام). وأما قوله – أي النصيري -: بأنه يجب على المؤمنة ألا تمنع أخاها فرجها، وأن تبذل فرجها له مباحا حيث شاء، وأن لا يتم نكاح الباطن إلا بنكاح الظاهر، ونسبه إلى توحيد مولانا جل ذكره، فقد كذب على مولانا عز اسمه، وأشرك به، وألحد فيه ... وأما وسائط مولانا جل ذكره، فما منهم أحد طلب من النساء مناكحة الظاهر، ولا ذكر بأنه لا يتم لكن ما تسمعنه إلا بملامسة الظاهر، فعلمنا بأنه لم يكن لهذا الفاسق النصيري لا ينفسد أبدا، لكنه طلب الشهوة البهيمية التي لا ينتفع بها في الدين ولا الدنيا). وأما قوله: الويل كل الويل على مؤمنة تمنع أخاها فرجها، لأن الفرج مثل أئمة الكفر، والإحليل إذا دخل فرج المرأة دليل على الباطن، وممثوله على مكاسرة أهل الظاهر وأئمة الكفر ... ومن عرف الباطن فقد رفع عنه الظاهر، فقد كذب على دين مولانا وحرف وأغوى المؤمنين وأفسد المؤمنات الصالحات، وليس كل من عرف باطن الشيء وجب عليه ترك ظاهره، وكل رجل ينكح امرأة مؤمنة بغير الشروط التي تجب عليه في الحقيقة والشريعة الروحانية كان منافقا على مولانا جل ذكره، إذ كان فيه هتك الدين وهدم التوحيد، ومن كانت لها بعل فلا شروط لها إلا لبعلها).

стр. 4422

ويرد حمزة أيضا على النصيري في قضية التناسخ التي يختلفون بها ويقول: (وأما قوله بأن أرواح النواصب والأضداد ترجع في الكلاب والقردة والخنازير إلى أن ترجع في الحديد، وتحمى وتضرب بالمطرقة، وبعضهم في الطير والبوم، وبعضهم ترجع إلى المرأة التي تثكل ولدها، فقد كذب على مولانا سبحانه بأن يعصيه رجل عاقل لبيب فيعاقبه في صورة كلب أو خنزير، وهم لا يعقلون ما كانوا عليه في الصورة البشرية، ولا يعرفون ما جنوه، ويصير حديدا ويحمى ويضرب بالمطرقة، فأين تكون الحكمة في ذلك والعدل فيهم؟! وإنما تكون الحكمة في عذاب رجل يفهم ويعرف العذاب ليكون مأدبة لها وسببا لتوبته. وأما العذاب الواقع بالإنسان فهو نقلته من درجة عالية إلى درجة دونها في الدين وقلة معيشته وعمى قلبه في دينه ودنياه، وكذلك نقلته من قميص إلى قميص على هذا الترتيب، وكذلك الجزاء في الثواب مادام في قميصه فهو زيادة درجته في العلوم، وارتقائه من درجة إلى درجة في اللهوات إلى أن يبلغ إلى حد المكاسرة، ويزيد في ماله وينبسط في الدين من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ إلى حد الإمامة، فهذه أرواح الباطنية وثوابها، وما تقدم أرواح الأضداد وعقابها، فمن اعتقد هذا كان عالما بتوحيد مولانا جل ذكره ... ومن اعتقد التناسخ مثل النصيرية المعنوية، في علي بن أبي طالب وعبده فقد خسر الدنيا والآخرة , ذلك هو الخسران المبين. وهنا يأتي حمزة إلى النقطة الحاسمة في الخلاف، وهو اختلافهم في ألوهية الحاكم – كما يقول الدروز -، وألوهية علي بن أبي طالب كما يقول النصيرية، فيقول حمزة: (ثم إنه إذا ذكر عليا – أي النصيري – يقول: علينا سلامه ورحمته، وإذا ذكر مولانا جل ذكره يقول: علينا سلامه، فيطلب الرحمة من المفقود المعدوم، ويجحد الموجود الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته، ولا يكون في الكفر أعظم من هذا، فصح عند العارف بأن الشرك الذي لا يغفر أبدا هو بأن يشرك بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جل ذكره، ويقول علي مولانا الموجود، ومولانا هو علي لا فرق بينهما، والكفر ما اعتقده هذا الفاسق من العبادة في علي بن أبي طالب والجحود لمولانا جل ذكره). وأما قوله بأن محمد بن عبد الله هو الحجاب الأعظم الذي ظهر لمولانا الحاكم منه، ومن لم يسدق بهذا الكتاب فهو من أصحاب هامان والشيطان وإبليس ... فقد كذب في جميع ما قاله المنجوس النصيري، فما عرف الدين ولا الحجاب، ومحمد كان حجاب علي بن أبي طالب، وأما حجاب مولانا جل ذكره فلا، وهذا قول من عقله سخيف، ودينه ضعيف، والحجاب هو سترة الشيء ليس إظهاره، والذي أظهر المولى جل اسمه نفسه منه كيف يشاء بلا اعتراض عليه يقال له حجة القائم، وهو المهدي، وبه دعا الخلق بنفسه إلى نفسه، وباشر العبيد بالصورة المرئية ومخاطبة البشرية، وكنه مولانا لا تدركه الأوهام والخواطر). بعد هذا الرد من حمزة على النصيري، نورد نصا غريبا على طريقة السؤال والجواب، يفيد أن النصيرية فرقة من فرق الدروز، وانفصلت عنها، مع أن هذا لم يؤيده أي مصدر تاريخي أو أي مصدر من مصادر الدروز والنصيرية، والنص كان كما يلي:

стр. 4423

س: وكيف انفصلت النصيرية عن الموحدين، وخرجوا عن دين التوحيد؟ ج: انفصلوا بدعوة النصيري لهم حيث زعموا أنه عبد مولانا أمير المؤمنين، وأنكر لاهوت مولانا الحاكم، واعترف بلاهوت علي بن أبي طالب الأساس، وقال إن اللاهوت ظهر في الأئمة الإثني عشر آل البيت. وغاب بعد أن ظهر في محمد المهدي القائم، واختفى في السماء ولبس الحلة الزرقاء وسكن الشمس، وأن النصيرية كلما صفى منهم واحد بطريق الانتقال في الأدوار رجعت العالم ولبس ثوب البشرية بعد الصفا يرجع يصير نجما في السماء وهو مركزه الأول. وإن عمل معصية تخالف لوصية علي أمير المؤمنين الرب الأعلى يعود يهوديا أو مسلما سنيا أو نصرانيا، ثم يتكرر إلى أن يصير مثل الفضة في الروباص، ويرجع يصير نجما في السماء، وإن الكفرة الذين ما عبدوا عليا بن أبي طالب كلهم يصيرون جمالا وبغالا وحميرا وكلابا وخرفانا للذبح وأمثال ذلك لكن الوقت إلى شرحها ضيق، وخاصة انتقال نفوس البشر إلى البهائم والحيوانات، ولهم مناقب وكتب كفرية مثل ذلك) (١). ولأهمية علاقة الدروز بالنصيرية والتقائهما في كثير من العقائد، نورد نص ما جاء في مخطوطة (في تقسيم جبل لبنان) عن العقائد المتشابهة بين النصيرية والدروز: ١ – قضية التناسخ بانتقال أرواح من مات منهم إلى جسم آخر، ولكن الدروز يقتصرون على انتقال الأرواح من الإنسان إلى الإنسان فقط، حتى أنهم يزعمون أن روح الدرزي لا تنتقل لجسد غير درزي، وهكذا المسلم ينتقل إلى مسلم، والنصراني إلى نصراني وهلم جرّا. وإذا تنصر واحد منهم مثلا ومات نصرانيا، وأسلم ومات مسلما، فلابد أن تكون والدته قد جاءت به من الزنا مع رجل مسلم أو نصراني أو يهودي، بحسب الملة التي انتقل إليها ذلك الرجل أنه لابد من بقاء أنفس كل ملة على مقدار ما هي عليه، وهكذا لو أن نصرانيًا مثلا اطلع على دين الدروز واعتقده وعمل بموجبه ومات على ذلك فترجع روحه إلى ملته القديمة لأن الباب قد قفل بعد ظهور الحاكم بأمره وآمن من آمن، وكفر من كفر وانقطع الأمل ولم يبق وجه لدخول أحد في دينهم. وأما النصيرية فيعتقدون بانتقال الأرواح من البشر إلى البهائم والحشرات حتى من الممكن انتقال روح أحدهم إلى المعادن كالحديد مثلا لكي تحمى بالنار ويتطرق بالمراذب على السدان، وذلك لأجل القصاص، ثم ترجع تلك الروح ثانية إلى البشر ولا تزال تتكرر حتى تتطهر وحينئذ تصير تلك الروح نجمة تلمع في السماء، وأن الكواكب هي أرواح الصلحاء الذين ماتوا منهم. ٢ – قضية العاقل والجاهل فالعقال يسترون دينهم عن الجهال منهم وإذا أراد أحد الجهال أن يدخل في أمور الديانة، فلا يسلمون الديانة إلا بالتدريج بعد أن يتتلمذ إلى أحد مشايخ دينهم ويتخذه والدا دينيا له. ٣ – يتفقون معهم باستباحة وقتل وسلب من يخالف معتقدهم. ٤ – يتفقون معهم بقدمية زمان إيجاد العالم، وأن العالم قد خلق على ما هو عليه الآن لا يزيد ولا ينقص. ٥ – يتفقون معهم بقضية الأدوار والأئمة والناطق والأساس والسابق والتالي، ولكن يختلفون في صفات أصحاب الأدوار، فالبعض من هؤلاء الأشخاص يكرمونهم بأكثر مما يكرمهم الدروز، ويكرمون بعض الأشخاص الممقوتين من الدروز كمحمد وعلي وعيسى وبطرس وموسى ويوشع وإبراهيم وإسماعيل ونوح وسام وآدم وهابيل ثم شيت. ٦ – وهم يعتقدون بالقرآن ويفسرونه على ما يطابق معتقداتهم التي هي مؤلَّفة من جملة معتقدات مختلفة) (٢). ونستنتج من هذا أن نقطة الخلاف الرئيسية بين الدروز والنصيرية هي ألوهية الحاكم عند الدروز، وألوهية علي عند النصيرية، أما بقية العقائد فقد يلتقون في شيء منها، ويختلفون في شيء آخر منها، كما هو في عقيدة التناسخ، فالدروز يصورونها على أنها تقمص من جسد إنسان إلى جسد إنسان آخر، بينما النصيرية يجيزون أن تتحول النفس الإنسانية إلى حيوان أو نبات أو جماد. المصدر: عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص ٢٥٧

стр. 4424

المطلب الرابع: الفرق بين النصيرية والدروز يتفق النصيريون والدروز في أمور ويختلفون في أمور أخرى، وبين الطائفتين عداوة شديدة لتباين أفكارهم حول دعوى الألوهية لزعمائهم الذين ينتسبون إليهم، وقد اتضح من خلال دراستنا للطائفتين فيما سبق الأمور الآتية: أن عقيدة الطائفتين باطنية –من الغلاة. أنهم لا يطلعون أحداً على أسرار مذهبهم وكتبهم السرية. لا يعترف الدروز لأحد بالدخول في مذهبهم أو الخروج عنه. لا يأخذون بظواهر الألفاظ وإنما يؤولونها. كلهم يقولون بالتناسخ ويختلفون في التسمية، فالنصيريون يسمونه (تناسخ)، والدروز يسمونه (تقمص)، والنصيرية يعممونه في كل شيء بينما الدروز يحصرونه بين البشر فقط. عند النصيرية التناسخ يشمل المسخ (١) والنسخ (٢) والفسخ (٣) والرسخ (٤). الجسد البشري في عقيدة الدروز ثوب أو قميص للروح تتقمص به الروح عند الولادة وتنتقل منه بالموت فوراً إلى جسد مولود إنساني آخر. الجنة عند الدروز معرفة الدعوة الهادية- أي الدعوة الدرزية- والجحيم هو الكفر بها. والنصيريون يقولون بأن الجنة معرفة ألوهية علي بن أبي طالب، والجحيم هو الكفر بها أو الجهل بها. يتفقون جميعاً في اعتبار الحج ظاهرة وثنية وأنه كفر وعبادة أصنام. كل هذه الطوائف تتفق في التشديد على التقية والسرية التامة. الشرك عند الدروز عدم الاعتراف بإفراد ألوهية الحاكم. وعند النصيرية عدم الاعتراف بإفراد ألوهية علي ﵁. يزعم الدروز أن الناس خلقوا دفعة واحدة، فهم لا يزيدون ولا ينقصون، كلما مات إنسان تحولت روحه إلى جسم جديد وهكذا. ومن الجدير بالذكر أن النصيرية انشقت عن الشيعة الاثني عشرية، والدروز انشقوا عن الإسماعيلية. والنصيرية أقدم من الدروز في الظهور، وكل طائفة حاولت الابتعاد عن أصلها رغم وضوح تأثرهم في كثير من أفكارهم بأصولهم الشيعية أو الإسماعيلية إلى غير ذلك من وجوه الاتفاق والافتراق بينهم، وكل أفكار الجميع تنضح مجوسية ووثنية تستر أصحابها بالتشيع لأهل البيت وبالإسلام؛ لتحقيق ما يهدفون إليه من إعادة كلمة المجوسية وإظهار قوتها من جديد، وهم ألد أعداء أهل البيت وألد أعداء الإسلام والمسلمين. والله متم نوره ولو كره الكافرون. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٣٦

стр. 4425

المبحث الثالث عشر: الدروز في العصر الحاضر كمال جنبلاط ودوره في تثبيت عقيدة الدروز هذا الشخص من كبار الدروز، ومن أشد المتعصبين لمذهبه الدرزي، وقد أقدم على جريمة كبيرة في هذا العصر؛ حيث بدأ هو وشخص آخر اسمه عاطف العجمي بتأليف كلام يحاكيان به القرآن الكريم، زاعمين أنه كلام مقدس تحت اسم المصحف المنفرد بذاته، أو مصحف الدروز مملوء من شتى الأفكار ومن شتى السور من القرآن الكريم. ومن حِكَمِ الهند –التي يميل إليها كمال جنبلاط كثيراً، بل هي قبلة حجهم إلى وقتنا الحاضر- ومن كلام زعمائهم، فأصبح خليطاً فاسداً يدور كله حول تأليه الحاكم، والثبات على العقيدة الدرزية، ومع أنه هذا المصحف –كما يسمونه –قد نسب إلى حمزة بن علي إلا أن الدكتور الخطيب يرى أنه من صنع كمال جنبلاط بدليل ما جاء فيه من ألفاظ وأسلوب عصري. وقد أنكر جنبلاط في مصحفه هذا القرآن الكريم، واعتبره فرية، وشنع على الذين يلتزمون به. وقد نقل الدكتور الخطيب عن هذا المصحف –الذي لا يوجد إلا عند الدروز وقد تيسر له الاطلاع عليه –فنقل عنه هذه النصوص: (لقد ضل الذين جحدوا الحكمة (١) واتبعوا فرية صحف اكتتبوها فهي قبلة آبائهم يتلونها بكرة وعشياً، وقالوا: هذا من عند الله المعبود (٢) وقال الذين كفروا منكم: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم وعليه وجدنا آباءنا، قل لو كنتم على الهدى لآمنتم به، ولكنكم لا تعلمون غير ما تهواه أنفسكم وأنتم تجهلون، نحن أعلم بما في أيديكم ونحن المنزلون، لقد ضل هؤلاء الذين يريدون أن يحكموا بالقرآن ويتخذوه سبيلاً ثم به يكفرون بعد أن تبين الحق، قل: أليس الحق أحق أن يتبع (٣).ويقسم هذا المصحف إلى أربعة وأربعين عرفاً ويقع في ٢٦٩ مائتين وتسع وستين صفحة، ويقول كاتبه في مقدمته: (جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه، ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان، ولقد اخترنا اسم العرف تناسباً مع ما يطلق على أبناء التوحيد: كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف) (٤).جاء في عرف الأمر والتقديم من هذا المصحف قوله: (أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم يوم ينادي منادي مولاكم الحاكم من مكان بعيد: هذا يومكم الذي فيه توعدون تتلوها أيام العذاب أنكم لخالدون ولات محيص .. إلى أن يقول: وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين) (٥).وفي هذا المصحف ألفاظ كتبت بالعربية وهي غير معروفة يرونها من الأسرار التي لا يبوحون بها لأحد، ومن أمثلتها (يود يلووهكا طران كنان وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكز كان بطكه وعد ودلولذ وسلر) (٦).وقد ذكر الدكتور الخطيب (٧) أمثلة كثيرة من ما جاء في هذا المصحف الذي يدور حول تثبيت ألوهية الحاكم والابتعاد عن كل الشرائع وعلى رأسها الإسلام الذي يتظاهرون به أمام الناس وهم ألد أعدائه. وقد ظن هذا الملحد أنه بمحاكاته للقرآن الكريم في أسلوبه جاء بشيء ينفع إلهه الحاكم الذي تكلم هو على لسانه بهذا الغثاء الذي يتمنى أن يهدم به الإسلام الذي أكل الحقد عليه قلوبهم وملأوا بالتشنيع عليه كتبهم ومقالاتهم، ولكنهم كانوا كما قال أحد الشعراء: كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل المصدر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – ٢/ ٦٣٣

стр. 4426

المبحث الرابع عشر: خيانات الدروز - مساعدة الدروز للصليبيينبعد سقوط مدينة أنطاكية بيد الصليبيين في عام ٤٩٠هـ وتمكن القائد الصليبي بوهيموند من جعل أنطاكية مملكة له أخذ في الاستعداد للزحف جنوبا قصد السيطرة على بيت المقدس والأماكن المقدسة في فلسطين فتحركت جموع الصليبيين صوب جنوب بلاد الشام مستولية على ما في طريقها من مدن وقرى في هذا الوقت كان التنوخيون يشكلون عماد دعوة الدروز الموحدين في جبل لبنان وتذكر المصادر أنه عندما توجه الصليبيون نحو الجنوب لم يلاقوا أي مقاومة من قبل الأمراء المحليين بل أن بعض هؤلاء الأمراء صالح الصليبيين وأعطاهم الأمان أما التنوخيون الدروز فكان موقفهم من الزحف الصليبي سلبيا للغاية فلم يعترضوا سبيل القوات الصليبية القادمة من أنطاكية والمتجهة إلى بيت المقدس ولم يسموها بسوء بل مرت بأمان من جوارهم. (١).لم يقف التنوخيون الدروز عند حد وقوفهم متفرجين على الزحف الصليبي بل تعدى الأمر لأبعد من ذلك حيث قام أحد زعمائهم بمصالحة الصليبيين والانسحاب من صيدا وتسليمها لهم ففي عام ٤٩٥هـ ولى شمس الملوك دقاق ملك دمشق عضد الدولة علي التنوخي على مدينة صيدا وأمره بتحصين المدينتين (صيدا وبيروت) فحصنهما وأرسل إلى صيدا نائبا عنه هو الأمير مجد الدولة محمد بن عدي وظل في صيدا إلى أن سقطت بيد الفرنج عام ٥٠٤هـ فخرج منها بعد أن صالح الفرنج عليها بالأمان (٢).ظل الزعماء التنوخيون فيما بعد على هذه الشاكلة إما مصالحين للفرنج متفرجين عليهم أو يعقدون العلاقات الودية معهم وتقديم العون لهم ففي عام ٥٢٨هـ انتقلت إمارة التنوخيين إلى الأمير بحتر بن شرف الدولة علي والذي استطاع أن يحافظ على منطقة الغرب والتهيئة لسقوطها في يد الصليبيين وذلك بسبب مهادنته لهم وعدم الوقوف في وجههم ومحاربتهم (٣).وبعد وفاة الأمير بحتر انتقلت إقطاعاته وشؤون الإمارة إلى ابنه كرامة الملقب بـ (زهرة الدولة أبو العز كرامة) وفي هذا الوقت كانت حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين في أوجها على يد القائد المسلم نور الدين محمود الذي عمل على استقطاب الأمراء المحليين من حوله حتى يضمن تماسك الجبهة الإسلامية من الداخل وكان من ضمن هؤلاء الأمراء الأمير كرامة الذي سارع في الدخول في خدمة الدولة النورية مهملا الفرنج مما يدل على أن الأمير كرامة كان قبل ذلك محالفا للصليبيين داخلا في طاعتهم (٤). لكن الأمير كرامة لم يطل به العمر فلم يلبث أن توفي فخلفه في الإمارة أولادة الأربعة الذين لم يجدوا حرجا في مهادنة الفرنج وبناء العلاقات الجيدة مع حكام بيروت الصليبيين (٥).وفي أيام دولة المماليك وعندما كان الظاهر بيبرس يعمل على استعادة السواحل من الفرنج ازدادت شكوكه في علاقة الأمراء التنوخيين الدروز بالصليبيين فعلم باتصال الدروز بوالي طرابلس الصليبي فتوجس منهم خيفة فأصدر أمرا بالقبض على هؤلاء الأمراء ليأمن غدرهم ووضعهم في السجون وعندما توسط بعض الأمراء من المماليك لدى الظاهر بيبرس للإفراج عنهم كان جواب السلطان (هؤلاء لا إفراج عنهم ولا آذيهم حتى أفتح طرابلس وبيروت وصيدا) (٦).

стр. 4427

ومن الأدلة الأخرى التي تثبت عداء الدروز للمسلمين السنة وتحالفهم مع كل عدو لهم وتقديم العون له ما ذكره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في معرض جوابه على سؤال عن الدروز فقال (إن هؤلاء لا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ) (١). فهذا دليل على أن هؤلاء القوم دأبوا على الخيانة وتقديم المساعدة إلى أعداء المسلمين فلا يؤتمنوا على القيام بحراسة المسلمين أو يكونوا جندا في صفوف جيش المسلمين حتى لا يؤتى الصف من داخله. المصدر: أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين – ص٢٥٨ - ومن خيانات الدروز قد قاموا بعدة ثورات متلاحقة تسببت في زعزعة الأمن وإرباك الدولة العثمانية واستنفاد كثير من الطاقات البشرية والمادية في سبيل القضاء عليها. ولما سير محمد علي باشا جيشا لاحتلال بلاد الشام بقيادة ابنه إبراهيم بعد أن شق عصا الطاعة على الدولة العثمانية عام ١٢٤٧هـ كان الدروز من الموالين له والمناوئين للدولة العثمانية. وكان الأمير الشهابي (المتوفى ١٢٦٦هـ) أمير الدروز وجنوده يقاتلون جنبا إلى جنب مع جيش محمد علي وقد غدت مهمة إبراهيم باشا بن محمد علي قائد الحملة المصرية بفضل تعاون الأمير بشير مهمة سهلة فتمكن من الاستيلاء على دمشق وهزم الجيش التركي (العثماني) في حمص وغير جبال طورس وأوغل في قلب بلاد الأتراك وكاد ينزل الضربة القاضية برجل أوربا المريض لكن بريطانيا والنمسا وروسيا اضطرته إلى الانسحاب. وقد حرص الدروز على استغلال كل فرصة مناسبة من أجل إقامة دولة درزية ولأجل ذلك هاجروا إلى جبل حوران الذي سمي بعد ذلك بجبل الدروز بعد أن تمكنوا من طرد أهله المسلمين واستقلوا به تماما (٢). ولم يكف الدروز في هذه المرحلة عن مناوشة المسلمين والنصارى من أهل القرى والبادية وقتالهم بل قد قاموا في غضون ذلك بمذابح مروعة كالتي وقعت في عام ١٢٩٨هـ حيث هجموا على قريتي الكرك وأم ولد وذبحوا سكانهما عن بكرة أبيهم ولم يبقوا حتى على الأطفال والرضع وقد حاولت الدولة العثمانية تأديبهم أكثر من مرة لكنها فشلت وتراجعت أمام ضغوط الإنكليز. وحين احتل الفرنسيون مصر عام ١٢١٣هـ بقيادة نابليون الذي توجه بعد إخضاعها إلى بلاد الشام وبينما كان محاصرا لعكا بعث الرسالة الآتية: مخيم عكا ٢٠ آذار ١٧٩٨م إلى بشير (بعد السيطرة على مصر دخلت صحراء سيناء فأتيت إلى العريش ثم إلى غزة ثم إلى يافا بعدها التقيت بجيوش الجزار وسحقتها ومنذ يومين وصلت إلى عكا وأنا أحاصرها الآن. وأسرع إلى إعلامك بكل ذلك لأنك لا شك في أنك تفرح لهزائم هذا الطاغية (يعني الجزار) الذي سبب الكثير من الذعر للإنسانية عامة وللدروز الأباة بشكل خاص ورغبتي المخلصة هي أن أقيم للدروز استقلالهم وأعطيهم مدينة بيروت ذات المرفأ كمركز تجاري لهم. لذلك فإني أرغب في أن تأتي شخصيا أو ترسل حالا من يمتلك لرسم خطة للتغلب على عدونا المشترك ويمكنك أن تذيع في جميع القرى الدرزية أن كل من يأتي لنا بالمؤن وخاصة الخمر سيكافأ بسخاء) (٣).

стр. 4428

ويقول الكابتن (بورون) (إن الأمير بشير لم يجب على رسالة نابليون ولكن قوة من الدروز والموارنة انضمتا إلى جيش نابليون الذي كان يحاول إخضاع عكا وفي آذار ١٧٩٩ أتت قوة من الخيالة الدروز والموارنة لنجدة نابليون الذي كان يحاول إخضاع عكا ثم يقول إن الدروز والموارنة آزروا نابليون وإن الأمير بشير أمده بالقادة والمستشارين وإن فارس بك الأطرش قال له إن جده إسماعيل كان يملك عدة رسائل بإمضاء نابليون موجهة إلى والده إسماعيل ولكن هذه الأوراق أتى عليها حريق شب في المنزل. ومنذ تاريخ ٢٥/ ٧/١٩٢٠ وحتى ١٧/ ٤/ ١٩٤٦ والمسلمون يقاومون الاستعمار الفرنسي بكل ما يملكون من قوة مادية كانت أو معنوية غير أن الدروز كان لهم موقف في جبلهم لقد رحبوا بالغزاة المحتلين وقدموا لهم كل ما يقدرون عليه من دعم أو مساعدة واطمأن الفرنسيون إليهم وآمنوا مكرهم ومن ذلك أنه حينما دخل الفرنسيون دمشق بعد معركة ميسلون سنة ١٣٣٨هـ - ١٩٢٠م اتخذ القائد الفرنسي (غور) حرسه الخاص من الدروز بمعرفة متعب الأطرش مما يدل على الثقة الكاملة التي أولاها الفرنسيون وهؤلاء الدروز أجروا اتصالاتهم ورفعوا عريضة للمسؤول الفرنسي يطلبون الاستقلال وهذه مقدمة عريضتهم: (لحضرة رئيس البعثة الفرنسي في دمشق الأفخم: بناء على بلاغاتكم المتكررة لرؤساء الروحيين لنا الشرف أن نقدم لسيادتكم بالنيابة عن الشعب الدرزي في جبل حوران برنامج الاستقلال المدرج أعلاه الذي يطلبه الشعب لكي تتكرموا بتقديمه لحضرة صاحب الفخامة المندوب السامي راجين أن يتوسل بالتصديق عليه من قبل حكومة الجمهورية الفرنسية المعظمة واقبلوا فائق احترامنا) وفي ٢٤ تشرين الأول عام ١٩٢٢م أصدر الجنرال غور وقراره رقم ١٦٤١ بإعطاء جبل حوران استقلاله باسم دولة جبل الدروز المستقلة (١). المصدر: خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية لمحمود محمد عبد الرحمن – ص ١٥٧

стр. 4429

المبحث الخامس عشر: الانتشار ومواقع النفوذ استوطن الدروز أماكن كثيرة متفرقة، وأهم أماكن تجمعاتهم- كما يذكر عنهم العلماء الذين اطلعوا على تلك الأماكن- هي: في سوريا: ويسكنون في محافظة السويداء، جبل حوران أو جبل الدروز أو جبل العرب كما يقال له، ويعيش منهم في هذه المنطقة أكثر من ثلاث وسبعين قرية. في لبنان: ويسكنون في عدة مناطق منه؛ في الغرب الأسفل، وفي الغرب الأعلى، وفي الشحار والمناصف، وفي الجرد، وفي العرقوب والباروك والجرد الشمالي، وفي الشوف. في فلسطين: عند جبل الكرمل وصفد. في بلاد المغرب بالقرب من مدينة تلمسان قبيلة تعرف ببني عبس تدين بالعقيدة الدرزية دون أن يعرف جيرانهم حقيقة مذهبهم. قال محمد كامل حسين بعد أن ذكر تلك الأماكن: (ومن يدري لعل الباحثين يكتشفون طوائف أخرى تعتنق مذهب الدروز في الأقاليم العربية) (١). هكذا قال، ونسأل الله ألا يوجد ذلك، وقد ذكر الأستاذ محمد حمزة كثيراً من أماكنهم وأثنى على شجاعتهم وبسالتهم ومقاومتهم –حسبما يذكر- لإسرائيل في الوقت الحاضر في هضبة الجولان وغيرها (٢) رغم أن المعروف عنهم لدى كافة الناس هو تفانيهم في خدمة إسرائيل!!. المصدر: فرق معاصرة – غالب عواجي ٢/ ٦٠٧ يعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين. غالبيتهم العظمى في لبنان ونسبة كبيرة من الموجودين منهم في فلسطين المحتلة قد أخذوا الجنسية الإسرائيلية وبعضهم يعمل في الجيش الإسرائيلي. توجد لهم رابطة في البرازيل ورابطة في استراليا وغيرهما. نفوذهم في لبنان الآن قوي جدًّا تحت زعامة وليد جنبلاط ويمثلهم الحزب الاشتراكي التقدمي ولهم دور كبير في الحرب اللبنانية وعداوتهم للمسلمين لا تخفى على أحد. ويبلغ عدد المنتمين إليها حوالي ٢٥٠ ألف نسمة موزعين بين سوريا ١٢١ ألفاً، ولبنان ٩٠ ألفاً والباقي في فلسطين وبعض دول المهجر. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4430

المبحث السادس عشر: حكم الإسلام فيهم وفي معاملاتهم إن النتيجة التي يخرج بها الباحث في المذهب الدرزي أن هذا المذهب لا صلة له بالإسلام والمسلمين وكل مزاعم أتباع هذا المذهب عن إسلاميتهم إنما هو طريق من طرق السرية والنفاق أمام المسلمين. ومع أن هذا الأمر لا يعرفه عامة المسلمين إلا أنه معروف لدى علماء الإسلام قديما وحديثا ولم يعاملهم من يعرف حقيقتهم إلا على هذا الأساس ولهذا فقد أفتى علماء المسلمين بعدم صحة حكم القاضي الدرزي على المسلمين لأن الدرزي لا ملة له كالمنافق والزنديق وإن سمى نفسه مسلما (١). ولا تقبل أيضا شهادتهم على أحد سواء كان مثلهم في الاعتقاد أو مخالفا لهم لعدم ولايتهم (٢). ويكفي أن نأتي بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية لنعرف حكم الإسلام فيهم وفي معاملتهم حيث أجاب فيها عن سؤال وجه إليه في هذا الموضوع فيقول "هؤلاء الدرزية والنصيرية كفار باتفاق المسلمين لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم بل ولا يقرون بالجزية فهم مرتدون عن دين الإسلام ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى ولا يقرون بوجوب الصلوات الخمس ولا بوجوب صوم رمضان ولا وجوب الحج ولا تحريم ما حرم الله ورسوله من الميتة والخمر وغيرهما وأن أظهروا الشهادتين مع هذه العقائد فهم كفار باتفاق المسلمين ..... والدرزية هم أتباع هشتكين الدرزي وكان من موالي الحاكم أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلاهية الحاكم ويسمونه الباري العلام ويحلفون به وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبدالله وهم أعظم كفرا من الغالية يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله أو مجوسا وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ويظهرون التشيع نفاقا .... وكفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين بل هم الكفرة الضالون فلا يباح أكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون لا تقبل توبتهم بل يقتلون أينما ثقفوا ويلعنون كما وصفوا ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ ويجب قتل علمائهم وصلحائهم لئلا يضلوا غيرهم ويحرم النوم معهم في بيوتهم ورفقتهم والمشي معهم وتشيع جنائزهم إذا علموا موتها ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيء يراه المقيم ولا المقام عليه .... ويضيف ﵀ قائلا: ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم .... وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم .... وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم فإن مالهم يكون فيئا لبيت المال لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة لأن أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف فالطريق في ذلك أن يحتاط في أمرهم فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح ولا في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ......

стр. 4431

والمعاون في كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له, من الأجر والثواب مالا يعلمه إلا الله تعالى فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم) (١).هذا وقد كان ابن تيمية من السباقين لتطبيق القول بالعمل وما رواه ابن كثير في تاريخه يوضح لنا كيفية هذا التطبيق وبما تم من حوادث سنة ٦٩٩هـ حيث يقول: (وفي يوم الجمعة العشرين من شوال ركب نائب السلطنة جمال الدين أقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان وخرج الشيخ تفي الدين ابن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتار وهربوا حين اجتازوا ببلادهم وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم وقتلوا كثير منهم فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير كثير وانتصار كبير على أولئك المفسدين والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش وقرر عليهم أموالا كثيرة يحملونها إلى بيت المال وأقطعت أراضيهم وضياعهم ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة ولا يدينون دين الحق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله .... وفي سنة ٧٠٤هـ عاد ابن تيمية ﵀ إلى مقاتلة هؤلاء ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان فاستتابوا خلقا منهم وألزموهم بشرائع الإسلام ورجع مؤيدا ناصراً) (٢).واضح بعد هذا أن هؤلاء القوم مرتدون عن الإسلام لتركهم عبادة الله تعالى وإنكارهم فرائض الإسلام وشرائعه ولكن لا بد من المطالبة بالعمل على نشر الإسلام بين صفوفهم وأن يحال بينهم وبين مشايخهم الذين لا يزالون يصرون على هذه السخافات والضلالات الخرافية المهينة للعقل الإنساني فتزول بذلك الغشاوة عن أعين الكثير منهم يعيشون في تخبط لا يجدون له نهاية وهذا الشيء هو ما يطالب به الشيخ محمد رشيد رضا في أحد فتاويه التي سئل عنها (٣). المصدر: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي لمحمد أحمد الخطيب – ص ٣١٥

стр. 4432

مراجع للتوسع ـ عقيدة الدروز عرض ونقد، محمد أحمد الخطيب. ـ أضواء على العقيدة الدرزية، أحمد الفوزان. ـ إسلام بلا مذاهب، د. مصطفى الشكعة. ـ أصل الموحدين: الدروز وأصولهم، أمين طلع. ـ تاريخ الدعوة الإسماعيلية، مصطفى غالب. ـ تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة. ـ الدروز والثورة السورية، كريم ناشد. ـ طائفة الدروز، محمد كامل حسين. ـ مذاهب الدروز والتوحيد، عبد الله النجار. ـ الدروز: وجودهم، مذهبهم، أبو إسماعيل سليم. ـ الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفة، يوسف أبو شقرا. ـ مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوي. ـ دراسة في الفرق والمذاهب القديمة المعاصرة، عبد الله الأمين. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 4433

تمهيد الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الذي لا شبيه له ولا مثيل ولا ند ولا عديل المنزه عما يخطر بالبال أو يتوهم في الفكر والخيال فالعقول في الإحاطة به عقال جل أن تبلغه الأوهام أو أن تدركه الأفهام أو أن يشبه الأنام أو أن تحيط به الأجسام. وأشهد أن محمدا خاتم الأنبياء والمرسلين هدانا إلى أقوم الطرق وأفضل السبل وأنزل الله عليه أعظم الكتب (القرآن) فحفظه من التبديل والتغيير والتحريف والنقصان وجعله آية ومعجزة على مر الأزمان فأكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المسلمين قال تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣] فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين أما بعد: فقد رضي الله لعباده الدين الذي أكمله فلا نحتاج لشيء آخر إلى قيام الساعة وحذرنا سبحانه من اتباع السبل الخداعة فقال سبحانه وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فسرها النبي ﷺ ((فخط خطا مستقيما ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ثم قال: هذا سبيل الله وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ الآية)) (١) وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) (٢).

стр. 4434

هكذا أخبرنا رسول الله ﷺ عن هؤلاء الشياطين الذين يدعون إلى سبل الغواية والضلال فهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أي بألسنة أهل الإسلام فيتكلمون بالكتاب والسنة بعدما يحرفون معانيهما لتوافق ما يدعون إليه من باطل متسترين باسم الدين متقنعين بمظاهر أهل الحق فكأنهم حين تراهم من أهله ومن دعاته حتى إذا أجابهم مجيب تلقفوه فقذفوه في النار. وهؤلاء الشياطين من الأنس وشركاءهم من شياطين الجن يستغلون في نشر دعواتهم فشو الجهل بالدين وبعد الناس عن نبعه الصافي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيستهدفون ضعفاء الإيمان ومتزعزعي العقيدة ومتبعي الشهوات والأهواء لذلك تجد أن متبعيهم إما جهلة غرر بهم وإما أناس اتبعوا شهواتهم وآثروا الحياة الدنيا ووجدوا في هذه الملل متسعا لإشباع تلك الشهوات فانتحلوها سعيا وراء الدرهم والدينار والمنصب والرياسة والشهرة كما قال رسول الله ﷺ : ((تكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا)) (١). وإن من أخطر الدعوات وأعظم الفتن التي فتن بها هؤلاء الشياطين كثيرا من الناس هو تعظيم شخص ورفعه والتعلق به حتى يؤول الأمر إلى عبادته. وأول من أظهر هذه الفتنة وأستخدمها لهدم الدين الإسلامي هو اليهودي المعروف بابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي فقد حمله الحقد على أهل الإسلام بعدما طهر الله بهم أرض جزيرة العرب من دنس اليهود إلى أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر فيتمكن من الكيد للإسلام وأهله فأظهر الورع والفقه وأخذ يستقطب حديثي الإسلام من المجوس وغيرهم وغرس في نفوسهم تعظيم على بن أبى طالب ﵁ حتى أوصلهم إلى أن قالوا لعلى يوما أنت ربنا ففزع على ﵁ من هول مقالتهم وحبسهم وجعل يطلب توبتهم ثلاثة أيام فلما لم يتوبوا وأصروا على كفرهم أوقد نارا ودعا مولاه قنبرا وقذفهم فيها وأنشد قائلا: إني لما رأيت الأمر أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا

стр. 4435

وكان هذا هو بداية غرس تعظيم شخص في هذا الدين والذي أثمر بعد ذلك فرق الرافضة - الشيعة - والتي تقوم بشكل أساسي على تعظيم على والأئمة حتى كان من نبت الرافضة فرقة تسمى بالباطنية والتي أسست في عهد الخليفة المأمون على يد الزنديق ميمون بن ديصان القداح وهدفها الرئيسي إبطال الشريعة بأسرها والقضاء على الدين ونسخه فهم أصحاب ملة خبيثة قال فيهم الإمام الإسفرايينى ﵀ في كتابه (التبصير في الدين) "وفتنتهم على المسلمين شر من فتنة الدجال فإن فتنة الدجال إنما تدوم أربعين يوما وفتنة هؤلاء ظهرت أيام المأمون وهي قائمة بعد ".ذكر أهل التواريخ أن الذين وضعوا دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس قال بن طاهر في (الفرق بين الفرق) "وليست الباطنية من فرق ملة الإسلام بل هي من فرق المجوس"ولكن لما لم يقدروا على إظهار الدين المجوسي مخافة سيوف المسلمين وضعوا مذهبهم على مداهنة أهل الإسلام والتظاهر بأنهم منهم كما قال النبي ﷺ : ((هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) (١) ثم راحوا يبثون سمومهم في الأمة عن طريق التفسير الباطني للنصوص فادعوا أن للنصوص ظواهر وبواطن تجرى في الظاهر مجرى اللب من القشر فظاهر النصوص عندهم للعوام والجهلة والحمير والأغبياء على حد وصفهم أما بواطن النصوص فهي للعقلاء والأذكياء منهم فحولوا الآيات إلى رموز وإشارات وأعداد ترمز في زعمهم إلى حقائق معينة تخدم دعواهم الباطلة وتناقض شريعة الإسلام وتنقضها فمن توصل إلى معرفة بواطن النصوص توصل للحقيقة ومن وقف نظره على ظاهر النصوص نزح تحت الأواصر والأغلال التي هي عندهم التكليف الإلهي الأوامر والنواهي الشرعية. ومن يرتقى إلى علم الباطن عندهم يرفع عنه التكليف فلا يتعلق به خطاب الشارع في أي شيء فلا صلاة عليه ولا زكاة ولا صوم ولا حج ولا يحرم عليه شيء فله أن يفعل ما يشتهي من معاقرة الخمور أو الزنا حتى مع المحارم أو حتى اللواط أو إتيان البهائم. ففتحوا بذلك باب إشباع الشهوات على مصراعيه حتى يجتذبوا سقطة الناس وأراذلهم وفتحوا كذلك باب التفسير الباطني للقرآن فتلقفه كل صاحب هوى وبدعة وأخذ يلوى عنق النصوص ويؤولها إلى ما يؤيد بدعته ويتماشى مع هواه من غير احتكام للضوابط الشرعية واللغوية المصطلح عليها عند أهل العلم. كان من جملة الباطنيين رجل يدعى عبيد الله القيرواني كتب مرة إلى سليمان بن الحسن القرمطي الباطني يقول " أوصيك بتشكيك الناس في التوراة والإنجيل والقرآن فإنه أعظم عون لك". ومما جاء في رسالته " وأعجب من هذا في دينهم ـ أي المسلمين ـ أن الواحد منهم تكون له ابنة حسناء يحرمها على نفسه ويبيحها للأجنبي ولو كان له عقل لعلم أنه أولى بها من الرجل الأجنبي ولكنهم قوم خدعهم رجل بشيء لا يكون أبدا خوفهم بالقيامة والنار ومناهم بالجنة واستعبدهم". كل هذا الكفر البواح الذي يظهر جليا في معتقد الباطنية وتراهم مع ذلك يتسمون بأسماء المسلمين ويخالطونهم مخفين مذهبهم بل ربما صلى الواحد منهم صلاة المسلمين متسترا بها. وأصل عقيدتهم إبطال الدين ونقض الشريعة والصد عن العبادات وإنكار البعث والحساب والجنة والنار حتى تشيع الفواحش وحتى ينهدم الدين وتنهدم الأمة. وقد ذهب العلماء إلى أن الباطنية كفار خارجين عن ملة الإسلام قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ في كتابه (فضائح الباطنية) " والقول الوجيز أنه يسلك فيه ـ أي الباطني الكافرـ مسلك المرتدين في النظر في الدم والمال والنكاح والذبيحة ونفوذ الأقضية وقضاء العبادات".

стр. 4436

بل كان العلماء يرون أن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى كما قال شيخ الإسلام ﵀ وأن قولهم يتضمن الكفر بجميع الكتب والرسل كما نقل شيخ الإسلام عن الشيخ إبراهيم الجعبري لما اجتمع بابن عربي - وكان باطنيا - فقال " رأيت شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله". فنخلص مما سبق أن الباطنية: كفار تظاهروا بالإسلام واستبطنوا الكفر والعداء للإسلام وأهله وأنهم يؤولون النصوص وفقا لما يخدم مذهبهم الباطل. وقد توالدت هذه الفرقة وتشعبت فخرج منها من فرق الغواية والضلال الكثير مثل القرامطة الذين اقتحموا الحرم سنة ٣١٧هـ ونهبوا الحجاج واقتلعوا باب البيت والحجر الأسود وظل خارج الحرم في حوزتهم حتى سنة ٣٣٩هـ. ومثل الإسماعيلية والتي انقسمت بدورها إلى فرق شتى ومثل النصيرية الذين يقولون بحلول الله في علي بن أبى طالب ﵁ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ومن هذه الفرق الدروز عبدة الحاكم بأمر الله الفاطمي ومنها القاديانية والأحباش والشيخية. ومن هذه الفرق الباطنية (البابية) و (البهائية) والتي هي حديث الساعة وموضوع هذا المختصر عباد الميرزا حسين علي النوري المازندراني الإيراني الذي لقب نفسه بـ (بهاء الله) عملاء الصهاينة اليهود الذين احتلوا بهم فلسطين ويريدون أن يغزوا بهم هذا البلد الأمين مصر وسائر بلاد المسلمين. نحاول أن نقف على شيء من تاريخ هذه النحلة ونتعرف على عقيدتها الفاسدة ولنكشف قناع التقية والكذب الذي يتقنعون به فيوهمون الناس أنهم دعاة محبة وسلام وأنهم أصحاب ديانة وعقيدة سماوية ونظهر بحول الله وقوته الوجه الوثني الإباحي الدميم لهذه الملة حتى نكون على حذر من فتنتها فإن من لم يعرف الشر وقع فيه. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري

стр. 4437

المطلب الأول: التعريف البابية أو البهائية فرقة ضالة كافرة انبثقت من الشيعة الاثني عشرية (الرافضة) المصدر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة لناصر القفاري وناصر العقل - ص ١٥٦ فهيحركة نبعت من المذهب الشيعي الشيخي سنة ١٢٦٠هـ/١٨٤٤م تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية. المصدر: الموسوعة الميسرة وموطنها الأول إيران وسميت بالبابية نسبة لأول زعيم لها والذي لقب نفسه بالباب وسميت بالبهائية نسبة لزعيمها الثاني والذي لقب نفسه بهاء الله. وقد ادعى كل من الباب والبهاء النبوة والرسالة ثم زعم كل واحد منهما أن الله قد حل فيه تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا المصدر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة لناصر القفاري وناصر العقل - ص ١٥٦

стр. 4438

تمهيد البهائية إحدى الفرق الباطنية الخبيثة التي حاولت هدم الإسلام وإخراج أهله منه بأساليب وطرق شتى قديماً وحديثاً. وقبل البدء بالكلام عن البهائية لابد من التطرق أولاً وبإيجاز إلى التعريف بالبابية وبيان الصلة ما بين البابية والبهائية التي هي موضوع هذه الدراسة. والواقع أن البابية والبهائية والشيخية والرشتية حلقات متصلة بعضها بالبعض الآخر وتعتبر الشيخية والرشتية هي النواة الأولى للبابية، كما تعتبر البابية هي الدرجة الأولى للبهائية. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٤٣ ونبدأ الآن بذكر الشيخية: زعيمهم –تعاليمه- نهايته- زعامة الرشتي.

стр. 4439

أولا: الشيخية أو الرشتية أما الشيخية: فهي الطائفة المنسوبة إلى زعيمها الضال أحد شيعة العراق (١)، ويسمى الشيخ أحمد الأحسائي، وهو أحمد بن زين الدين بن إبراهيم الأحسائي الذي ولد بالمطير من قرى الأحساء في شهر رجب سنة ١١٦٦هـ، وتوفي سنة ١٢٤١، ودفن بالبقيع (٢).وبعضهم يقول: إنه ولد سنة ١١٥٧ (٣)، ويعتبر من كبار علماء الإمامية وهو باطني من الغلاة، وله أفكار خارجة عن الإسلام يظهر فيها الاعتقاد بالحلول –كما تقدم- وذلك في مثل قوله: إن الله تجلى في علي وأولاده الأحد عشر، ومثل قوله الآخر: إن عليًّا وأولاده مظاهر الله، وأنهم أصحاب الصفات الإلهية والنعوت الربانية، تعالى الله عن قوله. كما يظهر فيها غلو الفلاسفة في قوله: إن الأئمة هم العلة المؤثرة في وجود المخلوقات، ولولاهم ما خلق الله شيئاً. كما يظهر فيها الإلحاد في قوله: إن اللوح المحفوظ هو قلب الإمام المحيط بكل السموات وكل الأرضين، وكان ينكر المعاد والبعث. كما يظهر فيها كذلك القول بالتناسخ حينما كان يزعم للناس أن المهدي يحل في أي رجل كان فيكون له صفة الباب، وأن روح المهدي حلت فيه هو فصار هو الباب إلى المهدي. إلى آخر ما قاله من خرافات وإلحاد، وهذه الأفكار دليل على تضلعه من مشارب الباطنية الغلاة والفلاسفة الغواة. إلا أن محمد حسين آل كاشف الغطاء يقول في ترجمته: "كان العارف الشهير الشيخ أحمد الأحسائي في أوائل القرن الثالث عشر وحضر على السيد بحر العلوم وكاشف الغطاء، وله منهما إجازة تدل على مقامه عندهم وعند سائر علماء ذلك العصر، والحق أنه رجل من أكابر علماء الإمامية وعرفائهم. وكان على غاية الورع والزهد والاجتهاد في العبادة كما سمعناه ممن نثق به ممن عاصره ورآه، نعم له كلمات في مؤلفاته مجملة متشابهة" (٤). وقد حاول محمد حسين هنا أن يثني على الإحسائي ويمجده، ولكن وقفت أفكار الأحسائي دون استرسال محمد حسين، ومن هنا أخذ يعتذر له بأن في مؤلفاته ألفاظاً مجملة متشابهة، وفاته أن هذا العذر غير مجدٍ للأحسائي؛ فإن الذي حمل الأحسائي على ذلك الإلغاز والإجمال، إنما هو معتقده المغالي، وإذا كان آل كاشف الغطاء يدافع عنه فإن كثيراً من علماء الشيعة غير راضين عنه. فقد ذكر الدكتور محسن عبد الحميد أن جماعة من علماء الإمامية ذهبوا إلى أن الأحسائي كان فاسد العقيدة منحرفاً، أوجد طريقة في مذهب الشيعة الاثني عشر، والتي سميت فيما بعد بالشيخية، وقد ردوا عليه بكتب معروفة متداولة. ثم ذكر بعد ذلك ثلاثة كتب لمشاهير الشيعة: وهي كتاب (ظهور الحقيقة على فرقة الشيخية) لمحمد مهدي الكاظمي، وكتاب (هدية النملة) للميرزا محمد رضا الهمدان، وكتاب (رسالة الشيخية والبابية) لمحمد مهدي الخالصي.

стр. 4440

وبعد دراسة قام بها الدكتور محسن عبد الحميد لأفكار الشيخية من كتبهم ظهر له أن الأحسائي يلجأ أحياناً إلى التفاسير الباطنية لتأييد وجهة نظره، وأنه غالى في الأئمة الاثني عشر الذين يزعمهم الشيعة، وغالى في الرسول ﷺ وزعم أن العلة في وجود جميع المخلوقات هم أولئك، حيث خلقها الله من أجل الأئمة. كما زعم أيضاً أن الرسول ﷺ مخلوق من نور الله، وهذا النور عقل واحد يظهر في محمد ثم يظهر في علي ثم في الحسن ثم في الحسين، وأن الزمان لا يخلو من ناطق، وأن كلامه في المعاد غامض مع إيمانه بالرجعة وما يتبعها من الحوادث (١).ولكن الشيخ عبد الرحمن الوكيل يبين أن هذه الرجعة التي يؤمن بها الأحسائي ليست هي الرجعة المفهومة عند الاثني عشرية، فإنه حكم بموت الإمام الثاني عشر، وبأن روحه طارت إلى الملأ الأعلى ولكنها ستعود لتحل مرة أخرى بجميع خصائصها في إنسان جديد، تولد ولادة حقيقية من أب وأم جديدين غير والدي الإمام الثاني عشر الغائب المزعوم، ولهذا ثار عليه شيعة إيران (٢). وتتضح شخصية الأحسائي وأوهامه من خلال دراسة الرشتية والبابية؛ لأن هؤلاء صاروا على طريقته مع زيادة الغلو الذي استحسنوه لتقوية المذهب وتكامله، ولتتم كذلك المؤامرة الرهيبة التي خطط لها هؤلاء ومن وراءهم بهدف القضاء على الإسلام والأمة الإسلامية وتمزيق وحدتها وتشتيت كلمة أبناء الإسلام وضرب بعضهم ببعض، حتى تم لهم فعلاً الكثير مما يريدونه ويعملون من أجله. خصوصاً والمسلمون وزعماؤهم في جرى حثيث وراء التيارات المنحرفة إلا القليل منهم، فلم يتمكنوا من التقاط أنفاسهم ولم يتح أعداء الإسلام لهم الفرصة للنظر في الواقع الذي يعيشونه، فضلاً عن التفكير في رد المخططات الرهيبة التي تحاك ضدهم، وهم في قلق وصراع مرير وخصام عنيف بينهم، وصار القائل: وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا صار هذا القائل ومن معه خيراً منهم؛ لأن الذين أخبر عنهم لم يجدوا عدوًّا يحاربونه فاشتغلوا بحرب بعضهم بعضاً، وهؤلاء تركوا العدو يتأهب ويعد العدة واشتغلوا عنه بالقتال والعداوة فيما بينهم. وما أن انتهت أيام الأحسائي الذي ألهب مشاعر أتباعه من الشيعة بقرب مجيء المهدي وجعله في أذهانهم قاب قوسين أو أدنى، ما أن انتهت أيامه حتى تولى بعده أعظم تلاميذه وهو الرشتي الذي أسس بعد ذلك جماعة ينتسبون إلى اسمه وهم الرشتية، واسمه كاظم الرشتي ولد سنة ١٢٠٥هـ في بلدة (رشت في إيران) (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٧ وكاظم الرشتي قال عنه بعض الباحثين: إنه قس نصراني ادعى الإسلام وسمى نفسه الرشتي نسبة إلى رشت قرية من قرى إيران بالرغم من أن أهل رشت لا يعرفون عنه شيئا. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري

стр. 4441

وقد سار على نفس طريقة أستاذه الإحسائي وزاد عليه أقوالاً كفرية أخرى، كانت هي النواة الأولى لظهور البابية بفعل تأثير الرشتي في تلميذه علي محمد الشيرازي، الذي تزعم الدعوة البابية الهدامة التي ظهرت في إيران البلد المضياف لكثير من الدعوات المناوئة للإسلام (١).وقد قال بالتناسخ حيث ادعى أنه حل فيه روح الباب كما حل في الأحسائي، ولكنه عاف فكرة الأبواب هذه وقفز إلى التبشير بظهور المهدي نفسه، وقد روج الرشتي أفكار شيخه الأحسائي وأدخل الكثيرين في مذهبه ومذهب الأحسائي، وصارت الشيخية فرقة مستقلة (٢) في كثير من الأفكار، ويحترم البابيون والبهائيون الأحسائي والرشتي احتراماً عظيماً ويسمونهما –كما يقول محسن- بالنورين (٣). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٤٧ تحمل الرشتي عقيدة قرب ظهور المهدي عن شيخه أحمد الأحسائي وأن المهدي يعيش بين الناس في حالة روحية لطيفة ويتضح هنا التشابه بين عقيدته في المهدي وبين عقيدة النصارى في المسيح وهي عقيدة اللاهوت والناسوت، برز الرشتي بين تلاميذ الأحسائي حتى صار رئيسا للشيخية بعد وفاة شيخه وظل يعمل على نشر هذه العقيدة وغرسها في صدور تلاميذه، وكان من أخبث هؤلاء التلاميذ ثلاثة: ١ـ حسين البرشوئي: من بشرويه إحدى قرى خراسان سماه الرشتي كبير التلاميذ وكان له دورا رئيسيا في تأسيس البابية. ٢ـ فاطمة بنت صالح القزويني (قرة العين): ومن أسمائها (زرين تاج) كانت فصيحة اللسان خطيبة مؤثرة ولكن كم من ذي وجه صبيح ولسان فصيح غدا في النار يصيح فلن يغنى عنها جمالها ولا لسانها من الله شيئا إذ كانت إباحية فاجرة قال الله تعالى وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤] كتب خالد القشطيني الكاتب بجريد الشرق الأوسط أن الباحث العراقي الأستاذ د. علي الوردي التقى ببعض من يتذكرونها من العراقيين وسألهم عنها وعن وعظها، فقالوا: " أوه! هذه قرة العين كانت قـ .... ة! مجرد عاهرة ساقطة". كانت قرة العين قد درست العلوم الشيعية على أبيها ثم مالت إلى الشيخية بواسطة عمها (الملا على الشيخي) ثم راسلت كاظم الرشتي وتركت زوجها من غير طلاق وقال البعض: إنه طلقها وتبرأ منها هو وأولادها وسافرت إلى كربلاء حيث لزمت مجالس الرشتي وصارت بعدها من أجرأ تلاميذه على إعلان الخروج على الإسلام والدعوة إلى شيوعية النساء والمال ولما بدأت تطبيق هذه المبادئ علنا مع بعض تلاميذ الرشتي لقبوها بالطاهرة!! ٣ – على محمد الشيرازي وهو مؤسس البابية، وستأتي ترجمته بشيء من التفصيل فيما يلي. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري

стр. 4442

ثانيا: البابية زعيم البابية زعيم البابية الأول هو علي بن محمد رضا الشيرازي ولد في سنة ١٢٣٥هـ في بلدة شيراز جنوبي إيران، مات أبوه وهو طفل فكفله خاله ويلقب بالميرزا، وقد نسب بعضهم أسرته إلى آل البيت وهذا غير صحيح، والذين أطلقوا عليه هذه النسبة إنما أطلقوها لشيء يريدونه في أنفسهم، لكي يطبقوا الروايات التي تذكر أن المهدي يكون من آل البيت. أي ومحمد علي الشيرازي من أهل البيت وهو المهدي المنتظر حسب خرافاتهم، ولم يلتفتوا إلى أن اسم المهدي محمد بن عبد الله كما ثبت بالسنة المطهرة، ووالده الشيرازي يسمى محمد رضا، وأمه فاطمة بيكم، وقد توفي والده وهو صغير فقام بكفالته خاله ويسمى الميرزا علي. وحين بلغ السادسة من عمره عهد به خاله إلى رجل يسمى الشيخ عابد- وهو أحد تلامذة الرشتي- لتعليمه في مدرسته التي سماها (قهوة الأنبياء والأولياء)، وبعد أن حصل على قسط قليل من التعلم عزف عن مواصلة التعليم، فأشركه خاله في التجارة ببيع الأقمشة، وتفنن فيها مع خاله الآخر الميرزا محمد. وكان قد بلغ السابعة عشر من عمره فاتصل به أحد دعاة الرشتية ويسمى جواد الكربلائي الطباطبائي، وبدأ يلقي في مسامعه أفكار الشيخية عن المهدي المنتظر ويوهمه بأنه ربما يكون هو نفسه- أي علي محمد الشيرازي- المهدي المنتظر لظهور علامات تدل على ذلك- حسب زعمه- فوقع الشيرازي في فخه وترك التجارة ومال إلى قراءة كتب الصوفية التي زادته هوساً، ومارس شتى الرياضات، حتى إنه كان- كما قيل عنه- يقف في حر الظهيرة المحرقة تحت أشعة الشمس على سطح البيت مكشوف الرأس عاري البدن مستقبلاً قرص الشمس، حتى كان يعتريه الذهول والوجوم، وتأثر عقله، وكان الكربلائي ملازماً له يحرضه على هذا المسلك. فأشفق عليه خاله وأرسله إلى النجف وكربلاء للاستشفاء بزيارة المشاهد التي يقدسونها هناك، إلا أنه في كربلاء بدأ يتردد على مجالس كاظم الرشتي ويدرس أفكاره وآراء الشيخية، وكان الرشتي أيضاً قد وقع اختياره على الميرزا ليجعل منه المهدي المنتظر، فكان يبشر أتباعه ومريديه وتلاميذه باقتراب الأوان لظهور المهدي ودنو قيام القائم المنتظر، ويشير إلى الميرزا علي محمد ويبالغ في إكرامه، وكثيراً ما يردد شعراً: يا صغير السن يا رطب البدن يا قريب العهد من شرب اللبن المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٤٨، ٦٤٩ وبعد موت كاظم الرشتى سنة١٢٥٩? – ١٨٤٣م رحل على محمد الشيرازى إلى شيراز فلحق به حسين البشروئى كبير التلامذة وأقنعه أن كاظم الرشتى كان يشير إلى أن على محمد رضا الشيرازى يمكن أن يكون هو الباب وأن البشروئى هو باب الباب. وكان يساعد البشروئى في غرس هذه الفكرة في ذهن الشيرازى الجاسوس الروسى " كنيازى دلكورچى" الذي تظاهر بالإسلام وواظب على حضور مجالس الرشتى وفيها تعرّف على علىّ محمد رضا الشيرازى , وكان كنيازى دلكورچى أو "عيسى اللنكرانى" كما سمّى نفسه يحرص على إلقاء فكرة أنّ علىّ رضا هو الباب في ذهن علىّ رضا وفي ذهن بقية التلاميذ , وهذا ما اعترف به الجاسوس نفسه في مذكراته التي نشرت في مجلة الشرق السوفيتية ١٩٢٤ - ١٩٢٥م.

стр. 4443

ويصف الجاسوس نصائحه إلى السيد علىّ رضا الشيرازى بعدما أوحى إليه أنّه الباب فيقول: "إن الناس يقبلون منك كل ما تقول من رطب ويابس ويتحمّلون عنك كل ما تقول ولو قلت بإباحة الأخت وتحليلها للأخ. فكان السيد يصغى ويسمع , وطفق كل من الميرزا حسين علىّ - الذي سُمّى بعد ذلك بالبهاء وكان من تلاميذ الشيرازى كما سيأتي- وأخوه الميرزا يحيى نوري (صبح أزل) والميرزا علىّ رضا الشيرازىّ ونفرٌ من رفقتهم يأتونني مجدَّداً ولكن مجيئهم كان من باب غير معتاد في السفارة".ولفظ الباب أي (الواسطة الموصّلة إلى الحقيقة الإلهية). وهو مصطلح شيعي شائع عند الشيعة الإمامية التي ظهرت بينها هذه البدعة المهلِكة المأخوذة من أكذوبة على الرسول ﷺ ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) (١). فما توفي علي بن أبى طالب ﵁ حتى صنعوا له بدلا من الباب ألف باب وكذاب. وبالفعل وافقت إيحاءات حسين البشروئي والجاسوس كنيازى دلكورچى ما في نفس الشيرازىّ من هوى وصدق الله إذ يقول: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ [الأنعام:١٢١]. وقال سبحانه: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:١١٢] فأعلن الشيرازي أنه الباب وطار بها البشروئي في الآفاق يعلن أنّه رأي الباب وأنّه هو باب الباب. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري وبعد أن أحكمت الخطة بينه وبين مشائخ الرشتية وسفير روسيا في ذلك الوقت والمترجم بها دالجوركي أعلن في سنة ١٢٦٠هـ أنه هو الباب الأصل إلى الإمام الغائب المنتظر عند الشيعة، وأن صديقه الملا حسين البشروئي هو باب الباب، وهو أول من آمن به. وكان عمر الباب الشيرازي آنذاك خمساً وعشرين سنة، واعتبر ذلك اليوم عيد المبعث لظهور الباب ودعوته جهراً، وآمن بدعوته كثير من زعماء الشيخية وأهمهم ثمانية عشر شخصاً جمعهم في حروف (حي)؛ لأن الحاء والياء يعادلها ثمانية عشر بحساب الحروف الأبجدية. ثم وزع هؤلاء في أقاليم مختلفة من إيران وتركستان والعراق، وكان لهؤلاء نشاط في الدعوة إلى البابية؛ خصوصاً زرين تاج بنت الملا صالح القزويني، والملا حسين البشروئي، والملا محمد علي الزنجاني، والملا حسين اليزدي، والملا البارفروشي (٢).

стр. 4444

المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٤٩، ٦٥٠ واجتمع علىّ الشيرازىّ عند إعلان أنّه الباب مع سبعة عشر رجلاً وامرأة هي قرة العين وكان هؤلاء هم صفوة الطائفة الذين يصلحون لزعامتها في نظره فكانوا جميعاً به تسع عشرة نفساً , لذلك قدّسوا الرقم ١٩ فجعلوا السنة ١٩ شهراً والشهر ١٩ يوماً. وما لبث الميرزا على محمد رضا الشيرازي - بعد أن ادعى أنّه باب المهدي – أن ادعى أنّه هو المهدىّ وسمّى نفسه " قائم الزمان " ثم ادّعى بعدها أنّه رسول بل أعظم من جميع الرسل وأنّه الممثل الحقيقي لجميع الرسل والأنبياء فهو نوح يوم بُعث نوح وهو موسى يوم بُعث موسى وهو عيسى يوم بُعث عيسى وهو محمد يوم بُعث محمد ﵊ , وألَّف كتاب (البيان) وادعى أنّه وحى وأنّه ناسخ لما قبله وأنه جاء ليجمع بين اليهودية والمسيحية والإسلام وأنّه لا فرق بينهم , وملأ كتابه بالضلالات والخرافات والسخافات .... فلما وجد من يتبعه من أراذل الناس وسقطتهم ادعى أن الله حل فيه أي اتخذ من جسده مكانا يسكنه ويظهر من خلاله لخلقه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري صلتهم بالمستعمرين في ذلك الوقت لقد واتت الفرصة الذهبية جميع الحاقدين على الإسلام حينما اصطنعوا فكرة الباب لعلي محمد، وقفوا بكل عزم في نشر دعوته الهدامة، فقد سارع زعماء الإنجليز والروس إلى حماية هذه الطائفة بل وإلى مدها بالأسلحة الخفيفة والثقيلة والهجوم على حكومتهم في أماكن كثيرة لإرهاب الناس وتوجيههم إلى قبول هذه الدعوة، وفتحت الحكومة الروسية أبواب بلادها للبابية ليعيشوا فيها بكل حرية وراحة ويدبروا المؤامرات من مكان مصون. وكان للمترجم الروسي (كنياز دالجوركي) بالسفارة الروسية نشاط قوي في دفع الميرزا على محمد إلى زعامة البابية وادعاء المهدية، ثم دفع البهاء أيضاً إلى زعامة البهائية ومناصرته أمام الشاه، كما صرح بذلك في مذكراته (١)، وقد قوي أمر الشيرازي وانتشرت دعوته وخافت الحكومة والعلماء من انتشارها حتى ألقي القبض على الشيرازي وحوكم وقتل. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي٢/ ٦٥٠ وقد أوعزت اليهودية العالمية إلى يهود إيران أن ينضموا تحت لواء هذه الحركة بصورة جماعية، ففي طهران دخل فيها (١٥٠) يهوديا وفي همذان (١٠٠) يهودي وفي كاشان (٥٠) يهوديا وفي كلباكليا (٨٥) يهوديا، كما دخل حبران من أحبار اليهود إلى البابية في همدان، وهما الحبر الباهو والحبر لازار، ودخول هذا العدد من اليهود في مدة قصيرة في هذه النحلة يكشف لنا الحجم الكبير للتآمر والأهداف الخطيرة التي يسعون لتحقيقها من وراء هذه الحركة ضد الإسلام والمسلمين المصدر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة لناصر القفاري وناصر العقل - ص ١٥٧ نهاية الشيرازي ثار العلماء في شيراز على دعاة البابية فقبض على الباب وأحضر من بوشهر إلى مجلس الحاكم فخر على الأرض ترتعد فرائصه فلطمه الحاكم وبصق في وجهه ثم رمى به في السجن سنة ١٨٤٧م المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري لقد كان للحاكم حسين خان –حاكم شيراز- مواقف حازمة ضد الباب الشيرازي ورفقته؛ حيث استدرج الشيرازي وألان له القول، واعتذر عما صدر منه من إهانة له ولأتباعه سابقاً، وأوهمه أنه قد تابعه أيضاً على فكرة البابية وسائر الدعاوى التي جاء بها الباب.

стр. 4445

ثم استدعى الحاكم العلماء ليقيم عليهم الحجة في صدق الباب كما أوهمه، وكان قد عهد إليهم بأن يصبروا في مخاتلة الرجل وأخذ الاعتراف منه بخط يده في سائر عقائده الباطلة، وأوهمه بأن كل من سيجرؤ على إظهار الكفر به فسيكون القتل مصيره؛ فاطمأن الباب وحضر مجلس العلماء ثابت الجنان طافي الجرأة ثم بادأ الجميع بقوله: إن نبيكم لم يخلف لكم بعده غير القرآن فهاكم كتابي البيان فاتلوه واقرءوه تجدوه أفصح عبارة من القرآن. وكظم العلماء ثورتهم، ثم طلب الحاكم إلى الباب أن يسجل ما يدعوه إليه كتابة ففعل ذلك، ثم نظر العلماء في ما كتبه الشيرازي فإذا به ينضح كفراً وخروجاً عن الإسلام. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٠، ٦٥١ ووجدوا به أخطاء فاحشة في اللغة فلما كلموه فيها ألقى اللوم علي الوحي الذي جاء بها هكذا المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري فما كان من الحاكم إلا أن صب جام غضبه على الشيرازي قائلا له: (فلأعذبنك لعلك ترجع عن غيك). ثم ضربه ضرباً شديداً وأمر أن يطاف به في الأسواق على دابة شوهاء، وأن يعلن التوبة من كفره على منبر المسجد الكبير. ثم ارتقى المنبر وأعلن رجوعه من كل ما ادعاه وأنه على دين الاثني عشرية؛ لأنه الحق اليقين (١)، ثم ألقي به في غيابة السجن (٢)، ولكن أتباعه ظلوا ينشرون فكرة المهدية والبابية وسائر الأفكار الشريرة، وعوام الناس يتناقلونها بكل لهفة لموافقتها هوى في نفوسهم. ولما تجاوز الأمر الحدَّ وأدرك عامة الشعب الإيراني واستيقظت الحكومة في إيران على مدافع هؤلاء وبنادقهم يقتلون المسلمين ويستبيحون منهم كل ما يشاءون في معارك دامية واغتيالات متنوعة، ويدعون إلى ظهور المهدي وإلى كتابه المقدس – اجتمع عدد كبير من العلماء والفقهاء وكفروا الباب وأعلنوا مروقه عن الإسلام ووجوب قتله بالأدلة الدامغة. إلا أن حاكم ولاية أصبهان الذي تظاهر بالإسلام ويسمى منوجهر خان الأرمني- وهو صليبي العقيدة والهوى المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥١، ٦٥٢ الذي دفعته الحكومة الروسية لإعلان إسلامه فغمره الشاه بالفضل وأولاه ثقته وعينه معتمداً للدولة في أصفهان المصدر: البهائية للدكتور طلعت زهران استطاع إخفاءه في قصره معززاً مكرماً ليطعن به الإسلام والمسلمين من الخلف. وكان الشيرازي يصدر توجيهاته إلى أتباعه من هذا المخبأ إلى أن توفي هذا الحاكم وخلفه جورجين خان، فكتب هذا إلى الحكومة في طهران يخبرهم عن وجود الشيرازي فألقي عليه القبض وأمر الميرزا أقاس رئيس الوزراء أن يعتقل الشيرازي في قلعة ماه كو، ومكث معتقلاً حوالي ثلاث سنوات. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٢ مؤتمر بدشت (٣) وما تم فيه من خطط: وحينما أحسَّ البابيون من أنفسهم القوة وكان زعيمهم الباب معتقلاً قرروا عقد مؤتمر لهم ليبحثوا فيه: - أمر الباب وكيفية خلاصه من السجن حتى ولو بالقوة. - نسخ شريعة الإسلام وإظهار شرائعهم، وهذا أهم ما عقد له المؤتمر. وقد تم بالفعل عقد هذا المؤتمر في صحراء (بدشت) حضر فيه جميع زعماء البابية، وكان من بينهم غانية البابيين الخليعة أم سلمى زرين تاج التي كانت تلقب بقرة العين وبالطاهرة، وهي ذات جمال فائق وأنوثة ثائرة تستميل بجمالها أغمار الناس، وكانت هي القوة الحقيقة في الظاهر في هذا المؤتمر، ولها أخبار طويلة لا يتسع المقام لذكرها هنا. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٢

стр. 4446

وفى هذا المؤتمر خطبت قرة العين خطبتها الإباحية المشهورة التي دعت فيها إلى شيوعية النساء والمال حيث قالت "ومزقوا هذا الحجاب الحاجز بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن بالأعمال واصلوهن بعد السلوة وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة فما هن إلا زهرة الحياة الدنيا وإن الزهرة لا بد من قطفها وشمها لأنها خلقت للضم والشم ولا ينبغي أن يعد أو يحد شاموها بالكيف والكم فالزهرة تجنى وتقطف وللأحباب تهدى وتتحف المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري وفي هذا المؤتمر الخليط من الرجال والنساء لا تسأل عما جرى فيه من الإباحية والخمر والفرح والمرح والأفعال القبيحة والتي أقلها إباحة الزنى وجميع ما يشتهيه الشخص، ثم أضافوا إلى هذا أيضاً إقرار نسخ الشريعة الإسلامية بمجيء الباب الشيرازي باعتبار أنه المهدي الذي ينسخ شريعة محمد ﷺ . ودعوى البابية هذه إنما هي ستار لاستجلاب الناس إلى البابية، ولأنهم يعتقدون أن الشيرازي ليس باباً فقط أو مهدياً، بل هو رسول مثل سائر الرسل وله شريعة خاصة به، وأقر في المؤتمر إحكام الخطط لتنفيذ مآربهم بالنسبة لنسخ الشريعة الإسلامية بتحريض شديد من تلك الغانية الملقبة بقرة العين (١). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٣ وبعد انفضاض المؤتمر وتسرب أنبائه ثارت ثائرة رجال الدين والدولة في إيران فطلب الشاه من ولي عهده ناصر الدين وهو في تبريز أن يحضر الباب من سجنه فأقر الباب أمام العلماء بأنه جاء بدين جديد فوجه إليه العلماء هذا السؤال: ما النقص الذي رأيته في دين الإسلام وما الذي كملت به هذا النقص لو كان؟ فارتج الدعي ولم يجد شيئا، فاستقر الرأي على وجوب قتله مرتداً بعد أن أطبق العلماء على كفره وردته. المصدر: البهائية للدكتور طلعت زهران وانفتحت على حكومة طهران مصائب كثيرة من البابيين وحروب مشتعلة، فرأت الحكومة وعلى رأسها ناصر الدين شاه القاجاري قتل الشيرازي رأس الفتنة فجيء به وأظهر تراجعه، ولكن لم يكن لينفعه الاستمرار على خداعه ومراوغته فتقرر قتله وقتل كبار أتباعه المسجونين معه في صبيحة يوم الاثنين ٢٧ من شعبان سنة ١٢٦٥هـ –١٨٤٩م. ولما علم الشيرازي بهذا الحكم ضده انهارت قواه وأسقط في يده وصار يبكي وينوح وغمره الذهول العميق والشرود حتى فهم أصحابه في السجن أن هناك أمراً قد قرر، ولكنهم ما أرادوا أن يسألوه فاستفاق بعد منتصف الليل وبدأ يردد أبياتاً شعرية منها (٢): تروم الخلد في دار المنايا فكم قد رام مثلك ما تروم تنام ولم تنم عنك المنايا تنبه للمنية يا نؤوم لهوت عن الفناء وأنت تفنى فما شيء من الدنيا يدوم ويروى عنه أنه طلب من يقتله في السجن في تلك الليلة حتى لا يرى المهانة والذل ثم القتل في صبيحة هذه الليلة، وقال لأصحابه: لو فعل أحد من الأحباء هذا لكان ما فعله عين الصواب (٣). ولما استعد لذلك الملا محمد علي الزوزني ارتعد الشيرازي وتراجع حينما رأي سيفه مسلولاً وبدأ هو وأصحابه في النحيب والبكاء، وفي الصباح اقتيد هو والزوزني وكان يوماً مشهوداً فقد احتشد الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً من كل مكان ليروا تنفيذ حكم الإعدام. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٣، ٦٥٤ وقبل إعدامه تبرأ منه كاتب وحيه وبصق في وجهه وأعلن توبته فأفرج عنه المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري

стр. 4447

ولما جاء وقت التنفيذ حمل الباب من سجنه ومعه أحد أتباعه لإعدامهما في أحد ميادين تبريز الذي كان مكتظاً بفئات كثيرة من الناس حضروا ليشاهدوا مصرع هذا الضال بيد أن القنصل الروسي استطاع أن يتصل بقائد الفرقة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام وأن يغريه برشوة كبرى ليحاول إنقاذ الباب. وشد هذا الباب إلى عمود طويل ومعه تابعه والناس يلعنونه ويستعجلون الفتك به، وأطلق الجنود ثمانمائة رصاصة استقرت كلها في جسد تابعه المغرور غير واحدة من هذه الرصاصات فقد قطعت الحبل الذي ربط به الباب وحينما إنجاب الدخان الكثيف رأي الناس جسد التابع ممزقاً تحت العمود، أما الباب فقد فر، غير أن بعض الجند الذين كانوا يعرفونه ويجهلون قصد قائدهم مزقوا جسده بالرصاص فانهار قنصل الروس وبكى من هول ما أصيب به. وقد تركت جثته في خندق طعاماً للوحوش بعد أن صور قنصل الروس الجثة وبعث بالصورة إلى حكومته المصدر: البهائية للدكتور طلعت الزهران وكان هلاك عدو الله على محمد رضا الشيرازي مؤسس البابية في يوم ٢٧ شعبان ١٢٦٦هـ الموافق ٨ يوليو ١٨٥٠م المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري ولقد كان لهذه الحادثة ألم شديد في نفس قنصل الروس الذي حاول بكل جهده أن ينقذه ليتم به تنفيذ مآرب الحاقدين على الإسلام، ولقد سر المسلمون بقتله ونهاية فتنته، ثم امتد القتل بعد ذلك إلى جميع زعماء البابية مثل قرة العين والكاشاني وغيرهم (١).وكان قد استمر في ضلالته متدرجاً من كونه الباب للمهدي إلى أنه هو المهدي إلى النبوة وأخيراً إلى الألوهية، وكان أتباعه ينادونه بالرب وبالإله (٢)، وقد أذله الله في أماكن كثيرة أمام الناس بعد مناظراته ويضرب ضرباً مهيناً ثم يبدي التوبة (٣)، إلا أن المتآمرين على إثارة التفرقة بين المسلمين والراغبين في الإباحية ونسخ الشريعة الإسلامية كانوا يدفعونه دفعاً ويهيئون له الجو الملائم لمثل هذه الدعاوى الكاذبة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٤، ٦٥٥ وبعد أن انتهي أمر الباب الشيرازي قام صراع حاد جدًّا على تولي الزعامة البابية وما بعدها بين حسين علي المازندراني وزعماء البابية، متمثلة في أخيه صبح الأزل، وقد أخذ حسين علي المازندراني منها نصيب الأسد، وهزمت البابية على يديه شر هزيمة في أحداث طويلة قد لا يكون من الضروري سردها هنا كاملة؛ بل نشير إلى أهم ما وقع فيها فيما يأتي. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٨ هزيمة البابية كان من تلاميذ الباب الميرزا على الشيرازي الميرزا يحيى على النوري المازندراني وأخوه الأكبر الميرزا حسين على النوري المازندراني وكان الباب الشيرازي قد أوصى بالأمر من بعده للميرزا يحيى النوري الذي اشتهر باسم (صبح أزل) فشق ذلك على أخيه الميرزا حسين مما أدى إلى نشوب نزاع بينهما على خلافة الشيرازي وادعى كل منهما أنه وريث الشيرازي وخليفته المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري لقد خاض البهائيون بزعامة حسين المازندراني مواجهات عنيفة وجدالا كبيرا وسفك دماء وتآمرا، وأحياناً خداع ومراوغة البابية.

стр. 4448

وكان من حظ البهائية العميلة أن وقفت معها اليهودية العالمية بالتأييد وتهيئة الظروف لانتشارها وإماتة البابية الأزلية أتباع يحيى صبح الأزل الذي أخذ الزعامة بعد الباب الشيرازي بوصية من الشيرازي له، فاختطفها منه أخوه حسين المازندراني، ولقد هاجم المازندراني أخاه صبح الأزل وأتباعه بكلام طويل زاعماً أنه من وحي الله وكلامه، وأنه هو المظهر الإلهي وصاحب نسخ الديانات كلها. وزعم أن البيان الذي ألّفه الشيرازي وأكمله صبح الأزل إنما كان من وحيه هو. (فاعتبروا يا أولي الألباب). وفسر هو وأتباعه وصية الشيرازي بالبابية إلى يحيى صبح الأزل بأنها خطة لتحويل أنظار الناس عن المازندراني لخوفهم عليه في ذلك الوقت، ونشطوا في بث الدعايات السيئة ضد البابية الأزلية. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٨، ٦٥٩ وكذلك حاول الميرزا حسين بكل السبل أن يسرق خلافة الشيطان الشيرازي من أخيه حتى ادعى أن الباب الشيرازي كان مجرد ممهد لظهوره وأن البيان كان للتبشير به فالباب وإن كان في زعمهم رسولا إلا أنه ـ أي الميرزا حسين ـ هو المقصود الأعظم من إرساله بل ومن إرسال كل الرسل لأن ظهور الله لخلقه سيكون من خلاله وأطلق على نفسه اسم (بهاء الله). وبذلك انقسم البابيون إلى ثلاث فرق هي: بابيون أزليون: تمسكوا ببابية الشيرازي ورفضوا اتباع أي من الرجلين. بابيون أزليون: اتبعوا يحيى على النوري المازندراني الملقب بـ (صبح أزل) تمسكا بوصية الشيرازي. بهائيون: اتبعوا حسين النوري المازندراني الذي لقب نفسه بعد ذلك بـ (بهاء الله). ولما اشتد الخلاف بينهم أبعدتهم الحكومة العثمانية إلى مدينة أدرنه التركية حيث كان يعيش اليهود واحتدم النزاع بينهما حتى حاول كل واحد منهما أن يدس السم لأخيه وحاول البهاء اغتيال صبح أزل مما دفع الحكومة إلى نفى يحيى إلى قبرص ونفى البهاء إلى عكا بفلسطين. وظل يحيى النوري (صبح أزل) في قبرص حتى مات ودفن بها في سنة ٢٩ إبريل ١٩١٢ م مخلفا كتابا سماه (الألواح) تكملة البيان الفارسي و (المستيقظ) ناسخ البيان وأوصى بالخلافة لابنه الذي تنصر وانفض عنه أتباعه. وأما في عكا فقد امتدت الأيادي الماسونية والصهيونية لإمداد البهاء بالمال وأسكنوه قصرا عظيما يسمى قصر البهجة وهو القصر الذي دفن فيه البهاء بعد ذلك وأمر البهائيين أن يتخذوه قبلتهم في الصلاة ومكان حجهم. قام البهاء في عكا بعملية ليلية لإبادة أتباع أخيه صبح أزل استخدم فيها الحراب والسواطير مما دفع الحكومة إلى اعتقاله في أحد معسكرات عكا وكانت تسمح لأتباعه ولغيرهم بزيارته والتحدث معه. وهذه المعاملة الخاصة للبهاء مما يلفت الأنظار ويستغرب له فهذا الأفاك ارتكب عدة جرائم وأثار فتنة استحق بها الحكم بالإعدام مرات ومرات وفي كل مرة تجد أصابع خفية تتوسط له أو تهربه أو تخفف عنه ولكن حين نعرف أن الماسونيين والصهاينة كانوا خلفه من البداية يزول هذا العجب فقد كان البهاء وأمثاله يسيرون وفق منهج يخدم مصالح الصهاينة في الدرجة الأولى وقد رأيت أن البابية في الأصل صنعة الجواسيس كما أن البهاء وعائلته قد تربوا في أحضان أعداء الأمة وكانت أسرته عميلة وفية للروس فقد كان أخوه الأكبر كاتباً في السفارة الروسية، وكان زوج أخته الميرزا مجيد سكرتيراً للوزير الروسي بطهران. المصدر: فتنة البهائية تاريخهم عقائدهم حكم الإسلام فيهم لأبي حفص أحمد بن عبد السلام السكندري

стр. 4449

وقد ظل صبح الأزل يواصل بث الدعاية ضد البهائية بكل وسيلة وهو في منفاه في جزيرة فاما جوستا بقبرص، وألف المؤلفات الكثيرة في بيان كذب المازندراني ونشر الدعايات ضده، إلا أن الأمور كانت تسير في غير صالحه إلى أن هلك في سنة ١٩١٢م عن اثنين وثمانين سنة. بعد أن أوصى بالأمر من بعده لابنه الميرزا محمد هادي، مع أنه ما كان له ما يوصي به (١)، وقد تفرق بقية أتباعه بعد ذلك وانتهت البابية التي لاحقتها مطاردة البهائية في كل مكان وصلت إليه البهائية. ولم يفد البابية شيئا ذلك الوحي الذي لفقه زعيمهم الشيرازي حين قال في كتابه (البيان): (لا إله إلا أنت لك الأمر والحكم، وأن البيان هدية مني إليك)، حيث فسر البابيون هذا الكلام على أنه موجه إلى يحيى صبح الأزل، بينما العجل حسين كما سماه أخوه صبح الأزل جاء في حقه قول يحيى: (خذوا ما أظهرنا بقوة وأعرضوا عن الإثم لعلكم ترحمون إن الذين يتخذون العجل من بعد نور الله أولئك هم المشركون) على أن الإثم والعجل المقصود بهما حسين المازندراني (٢). لقد أفنى حسين المازندراني أتباع يحيى صبح الأزل بحد السلاح، ولم يأخذه فيهم أي إحساس بالرحمة أو اللين؛ لأنه في عجل شديد للوصول إلى ما يهدف إليه من آماله العريضة، ولما كان الغرض يتعلق بدراسة البهائية وآرائها وبيان ما وصلت إليه من نفوذ وانعكاسات في العالم الإسلامي – فإننا نكتفي بذكر الإشارات السابقة في بيان نشأة البهائية التي قامت على أنقاض البابية التي قامت هي الأخرى على أكتاف الرشتية بتأسيس من الشيخية الضالة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٥٩، ٦٦٠

стр. 4450

تمهيد قبل الدخول في تفاصيل أمور البهائية ينبغي أن أذكر بما أجمع عليه العلماء العارفون حقيقة هذه الطائفة من شدة خطرها على المسلمين وما تبيته لهم من نية السوء. ذلك أن البهائية هي إحدى الحركات الهدامة التي احتضنتها الصهيونية العالمية لهدم الأديان، وخصوصاً الدين الإسلامي، وقد عرفنا فيما سبق أنها وريثة البابية بعد هلاك الشيرازي، بعد أن احتدمت بين البابية والبهائية تلك الخلافات على السلطة والزعامة الدينية، حيث خرجت البهائية منها هي المنتصرة في النهاية. وقد تسربت البهائية إلى أذهان كثير من الناس في أثواب براقة وأساليب مختلفة، ولقد كان لهم دور بارز في مصر ونشاط أقلق الرأي العام في سنة ١٩٧٢م، وكتب عنها حينذاك رجال الفكر في الصحف والمجلات. وتمت محاكمة البهائيين واتضح أنهم فئة خارجة على جميع الأديان السماوية، وتحت زعامة نبيهم المزعوم أو ربهم بهاء الله الذي حول الحج إلى المزارات البهائية في إسرائيل، واخترع له شريعة من أفكاره، وحوَّل الكعبة إلى المكان الذي هو فيه، ولهم نشاط ظاهر في محاربة جميع الأديان وأهمها الإسلام، كما أن لهم نشاطاً خفياً ومنشورات تدعو إلى نبذ الإسلام في البلدان التي يخافون فيها من بطش المسلمين بهم. ولهم شهور تخالف الشهور الإسلامية وعادات تخالف العقائد الإسلامية ومحافل وخلايا مندسة ومبثوثة بين صفوف المسلمين. ولقد حوربت البهائية واعتبرت عدوة الأديان جميعاً وحظر نشاطها في كل من مصر وتركيا وإيران بعد اطلاع علماء هذه البلدان على نوايا هذه الطائفة المجرمة عميلة الصهيونية العالمية، منذ أن تزعمها المازندراني الذي زعم لنفسه ألقاباً وصفات لا تليق إلا بالله ، تبعاً لشيخه الشيرازي الذي زعم قبل أن يقتل شر قتلة بأنه المظهر الإلهي، حيث حلت فيه الحقيقة الإلهية أتم حلول، وأنه أيضاً حقيقة كل نبي وقديس ورسول بل هو الله نفسه (١).ثم جاء البهاء وأغرق في الزيادة على تلك الأوصاف كلها وزعم تلك المزاعم كلها، وزاد عليها ما جاد به خياله الواسع في التعالي، حيث زعم أن الباب نفسه إنما جاء هو وسائر الرسل للتبشير بمجيء البهاء، فهو الممثل الوحيد لبهاء الله الذي هو متمثل به، تعالى عن إلحادهم (٢). المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٦٦١، ٦٦٢
следующие страницы →