لقد وصل في تشبيه رب العالمين إلى مثل ما وصل عتاة التجسيم والتشبيه؛ مثله مثل هشام بن الحكم الرافضي وغيره، ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يظن أنه يحسن صنعاً.
وأغلب الظن أن الغلام كان متأكداً من حركته، بأنه لم يحسن فيها صنعاً، ولكن غلبته شهوته وحبه الزعامة. ولقد شبه الله بإنسان له قصر، فيه باب يمنع الداخلين إلا بإذنه. قال في ضميمة الوحي: (ولا يوصل إلى قصر الله وبابه إلا هذا الدين الأجلى) (١).
ومما لا ريب فيه أن من تصور أن الله تعالى يصلي ويصوم، أو يفعل غيرهما من العبادة أنه لا حظَّ له من العقل فضلاً عن الدين، فلمن يصلي ويصوم الرب ؟ ومن الذي كلفه بهذه التكليفات؟ تعالى الله عن هذا المعتقد الجاهلي البدائي.
وأما كونه يلحقه النوم والصحو، والخطأ والصواب، وغير ذلك من صفات النقص التي تحل بالبشر لنقصهم وافتقارهم إلى ذلك، فإن الله تعالى هو الخلاق العظيم، والقوي العزيز، يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وورد في الحديث عن المصطفى ﷺ أنه قال: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)) (٢).
وهو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يكون إلا ما أراد، تنزه سبحانه عن الخطأ لأنه محال عليه لنفاذ علمه بكل شيء.
ووصْفُه تعالى بالتوقيع والكتابة، أو أنه مثل الأخطبوط، أو أن له ولداً كل هذه الأوصاف إنما يطلقها على الله تعالى من خرج عن الحق واتبع هواه وأفسد عقله قرناء السوء من الجن والإنس، وصار أضل من الأنعام واتخذ دينه لهواً ولعباً وفضل العقائد الوثنية والخرافية على دين الإسلام، فانسلخ منه وأضله الله على علم. نعوذ بالله من الزيغ والضلال.
المصدر: فرق معاصرة لعواجي ٢/ ٨١٥ - ٨١٧
стр. 4587
المطلب الثاني: التأويل يعرف الجرجاني التأويل بأنه صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً بالكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الميت [الأنعام:٩٥] إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلاً (١).
وهذا يعني أن التأويل يقصد به صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله. وأصل التأويل في اللغة بمعنى التفسير، وقد دعا رسول الله، ﷺ ، لابن عباس، ﵁، فقال: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) (٢).
ولا خلاف بين علماء أهل السنة والجماعة في قبول التأويل الصحيح وهو تأويل الأمر بعمل المأمور به، وتأويل النهي بترك المنهي عنه، أما التأويل الذي يخالف الكتاب والسنة ويؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه فهذا هو التأويل المذموم المنهي عنه.
وأيضاً من التأويلات الفاسدة المرفوضة عند علماء أهل السنة والجماعة ما يسمى بالتأويل الرمزي وفيه يؤول الباطنية والفلاسفة وغلاة الصوفية وغلاة الشيعة النصوص تأويلات باطنية غير صحيحة على الإطلاق.
من نماذج تأويل زعماء القاديانية للقرآن الكريم
يعد محمد على صاحب ترجمة القرآن للغة الإنجليزية من أبرز زعماء القاديانية وهو زعيم الفرع اللاهوري الذي يقول بأن المرزا غلام أحمد لم يدعِ النبوة، وإنما هو في زعمه مجدد القرن الرابع عشر الهجري، وهو مسيح هذه الأمة، وفي كتابه (بيان القرآن) يقدم تفسيراً وتأويلاً منحرفاً لمعاني القرآن الكريم. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: "يغلب على محمد على اتجاه تفسير المعجزات والأمور الغيبية التي تتعلق بقدرة الله الواسعة بالأمور الطبيعية والحوادث العادية التي تتفق مع النواميس الطبيعية والتجارب اليومية وهو يبالغ في ذلك ويغرق في التأويل، ولو أبت ذلك اللغة الصريحة، واللفظ الصريح، وهو أسلوب لبق من أساليب إنكار المعجزات والأمور الغيبية والفرار من الإيمان بالغيب والاعتماد على قدرة الله وصفاته وأفعاله، والخضوع الزائد للمقررات الطبيعية التي لا تزال في دور التحول والتطور، وهذا تفكير خطير على الإسلام، ومعارضته للدين الذي يطلب الإيمان بالغيب" (٣).ويقدم الأستاذ أبو الحسن الندوي نماذج لتأويلات محمد على زعيم الفرع اللاهوري من الطائفة القاديانية من خلال كتاب محمد على (بيان القرآن) فينقل عنه تفسيره لبعض الآيات الذي يظهر من خلالها تأويلاته المنحرفة لآيات الله تعالى، فمثلاً إنه يفسر قوله تعالى في مسألة طائفة من بني إسرائيل عبدت العجل وعاقبها الله بأن يقتل بعضها بعضا، يقول الله تعالى: َ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ [البقرة:٥٤]، يقول: "إن المراد بالقتل عنا إماتة الشهوات وهذا الذي أرجحه بناءً على السياق السابق" (٤).ومن هذا يتضح لنا مدى التعسف في تأويل آيات كتاب الله تعالى تأويلاً يخرجه عن معناه الحقيقي وهذا منهج باطني واضح في تأويل القرآن الكريم، وصدق الأستاذ أبو الحسن الندوي حين قال عن تفسير محمد على: "ما هذه التفسيرات المتطرفة إلا نسخة صادقة لتفسيرات الباطنية والإسماعيلية في العصور الماضية" (٥).
стр. 4588
ومن أبرز تأويلات مرزا غلام أحمد الفاسدة أنه لما اعترض عليه العلماء في زعمه أنه المسيح الموعود وقالوا له: إن أحاديث نزول المسيح التي يرددها ويحتج بها تنص على أن المسيح ينزل وعليه رداءان أصفران. فأوّل الحديث تأويلاً باطلاً عجيباً حين قال: "المراد بالرداء الأصفر: العلة، وقد جاء في الحديث أن المسيح ينزل وعليه رداءان أصفران وهذا شأني، فإنني أعاني من علتين: إحداهما: في مقدم جسمي وهو الدوار الشديد، الذي قد أخرُّ به إلى الأرض، وأخاف به على نفسي. والعلة الثانية: في أسفل الجسم وهي كثرة البول" (١).
وبالطبع فهذا تأويل ظاهر البطلان والفساد ولا يقول بهذا التأويل إلا من انتابته الأمراض النفسية والقلبية والجسمية، وهو يعترف بذلك فيقول عن نفسه: "إنني أعاني علتين من مدة طويلة، إحداهما الصداع الشديد الذي أعالج منه الشدة والكرب والأهوال الشديدة، وقد زال وبقي الدوار الذي ينتابني بعض الأحيان، والعلة الثانية مرض السكر الذي أعانيه منذ عشرين سنة".ومن التأويلات الباطلة التي يحاول من خلالها تأويل النص القرآني لصالح دعواه النبوة، تأويله لقول الله تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:٦]. فقال: "إن الآية مبشراً برسول ومصداقها السيد المسيح الموعود المرزا، وهو المقصود باسم أحمد في هذه الآية" (٢).
وقال في تأويله لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:٣٣]."وردت هذه الآية في شأن المسيح الموعود، وقد نص بها منذ الأزل إعلاء حجة الإسلام الأرفع التي تنخفض لديها سائر الأصوات، وقدر منذ قديم الأيام أن يكون قدم المسيح الموعود على المنارة العليا التي لا تعلوها بناية أخرى" (٣).
ومن أعجب التأويلات تأويل القاديانية لمكة والمدينة بأنهما قاديان!!.يقول محمود أحمد بن غلام أحمد وخليفته الثاني في جريدة الفضل في ٥ يناير، سنة ١٩٣٣م: " .. .. أما إلهام حضرة المسيح الموعود ﵊ بأننا نموت في مكة أو في المدينة فنقول: إن هذين الاسمين لقاديان" (٤).ويقول في تأويل قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:٩٧]، إن هذه الآية تنعت المسجد الذي أسس في قاديان. ويقول: "إن المراد بالمسجد الأقصى في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ُ [الإسراء:١] هو مسجد قاديان" (٥).
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٦٤ - ٦٨
стр. 4589
المطلب الثالث: إلغاء الجهاد لعل أبرز مبادئ القاديانية الدعوة إلى إلغاء الجهاد، بل إن المرزا غلام أحمد كان يفتخر بدعوته إلى عدم الجهاد فيقول: "إن الفرقة الإسلامية التي قلدني الله إمامتها وسيادتها تمتاز بأنها لا ترى الجهاد بالسيف ولا تنتظره بل إن الفرقة المباركة لا تستحل سراً كان أو علانية وتحرمه تحريماً باتاً" (١).ويعتقد القاديانيون بنسخ الجهاد اتباعاً لأوامر نبيهم المزعوم مرزا غلام القادياني الذي يقول: "إن مبادئي وعقائدي وتعليماتي لا تحل أي طابه من المحاربة والعدوان، وأنا متأكد من أن أتباعي كلما زاد عددهم قل عدد القائلين بالجهاد المزعوم، لأن الإيمان بي كمسيح ومهدي معناه رفض ذلك الجهاد" (٢).
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٦٨
ولم يدع القادياني أسلوباً إلاّ اتبعه للدفاع عن فكرة تحريم الجهاد التي خدمت الاستعمار أيما خدمة إذ يقول مرزا غلام أحمد في هامش كتابه (الأربعين): إن الله تعالى لم يزل يخفف شدة الجهاد ـ أي الحروب الدينية ـ وقد بلغت شدته في عهد موسى ﵇ إلى أن الإيمان كان لا ينجلي عن القتل حتى كان الرضع يقتلون أيضاً. ثم حرم قتل الأطفال والشيوخ والنساء في عصر نبينا ﷺ ، ثم تقرر قبول الجزية بدل الإيمان للتخلص من القتل، ثم نسخ الجهاد قطعاً في عهد المسيح الموعود (أي في عهد المرزا حسب زعمه).
ووصلت دعوتهم إلى بلاد إسلامية أخرى، مثل أفغانستان التي انبرى فيه اثنان من القاديانية هما نعمة الله خان وعبد اللطيف للدعاية ضد الجهاد حتى يمهدا الطريق لسيطرة الإنجليز على أفغانستان، وقد أفتى علماء أفغانستان قاطبة بردة هذين القاديانيين فقتلا، وكان ذلك في عهد الأمير أمان الله خان.
وليت الأمر اقتصر على هذا الحد من عدم الدعوة إلى الجهاد، بل لقد قال ميان محمود أحمد في خطبة الجمعة التي نشرتها صحيفة الفضل القاديانية (٢٧/ ٥/١٩١٩) "إن إعلان كابول ـ أي أفغانستان ـ الحرب ضد الإنجليز - وفي عهد الشاه أمان الله خان - جهالة، وعلى الأحمديين أن يخدموا الحكومة البريطانية، لأن طاعتها فريضة علينا، وحرب أفغانستان لها حيثية جديدة بالنسبة للأحمديين، لأن أرض كابول قتل فيها نفوسنا الغالية ظلماً، وقد قتلوا بلا ذنب. وكابول بلد يمنع فيه تبليغ الأحمدية، وقد أغلقت عليه أبواب الصدق. ولإقامة الصدق يجب على الأحمديين أن يزيلوا هذه الحواجز الظالمة، وذلك عن طريق تجندهم في الجيش الإنجليزي ونصرة بريطاينا، فاسعوا لكي تنبت تلك الفروع بأيديكم التي أخبر عنها المسيح الموعود".
العراق وبغداد:
عندما عزم الإنجليز الاستيلاء على العراق وقام بزيارتها (لارد هاردنك) لهذا الغرض، علقت على زيارته الصحيفة القادياينة الشهيرة (الفضل) قائلةً: (لا شك أن زيارة هذا الضابط الطيب القلب سوف يسفر عن نتائج طيبة، ونحن راضون بهذه النتائج، لأن الله يهب الملك وزمام الدنيا لمن يريد خيراً لخلقه، ويفوض حكم الأرض إلى من يكون له أهلاً، ونقول مرةً ثانية بأننا فرحون، لأن كلمة ربنا سوف تتحقق، ونرجو أن يتسع لنا مجال الدعوة بتوسع الدولة البريطانية، فندخل المسلم في الإسلام مرةً ثانيةً كما ندخل غير المسلم في الإسلام).
وبعد ثماني سنوات من هذا الحادث استولى الإنجليز على بغداد بعد هزيمة أهلها، فكتبت صحيفة الفضل القاديانية: (قال حضرة المسيح الموعود ـ المرزا ـ لهؤلاء العلماء أن لا يقاوموا هذا السيف فلماذا لا نفرح معشر الأحمديين بهذا النصر؟
[أول حاكم قادياني على العراق:]
стр. 4590
وكان لموالاة القاديانيين للإنجليز نصيب وافر في سقوط بغداد حيث إنه لما احتل الإنجليز (العراق) عينوا أول حاكم على (العراق) ميجر حبيب الله شاه - شقيق زوجة مرزا بشير الدين محمود ـ وكان ميجر حبيب الله شاه قد تجند في الحرب العالمية الأولى، وذهب إلى (العراق) وكان يشتغل طبيباً في الجيش.
ومن خدمات المرزا للاستعمار انه عندما أفتى أهل الحق من العلماء بأن الهند دار حرب استغلَّ المرزا هذه الفتوى لخدمة مولاه الاستعمار، فأرسل إلى الحكام البريطانيين نشرةً أرشدهم فيها إلى أنه يمكن التمييز بين المسلمين " أصحاب النيات الفاسدة " الذين يرون الهند دار حرب وبين المخلصين للحكومة بحضور صلاة الجمعة، هكذا جعل بشطارته الجمعة المقدسة وسيلةً للتمييز بين من يدين للحكومة الاستعمارية وبين من لا يدين لها.
ثم قام المرزا بجمع أسماء الذين اعتبروا الهند دار حرب، وقدمها إلى الحكومة، وقد ذكر هذه العملية الجاسوسية بكل فخر واعتزاز قائلاً: لما كان من المصلحة أن تنشر أسماء أولئك المسلمين الذين لا يفهمون، ويعتبرون الهند دار حرب في أنفسهم، ونصحاً للحكومة الإنجليزية اخترنا هذه القائمة حتى تبقى فيها أسماء من لا يعرف الحق محفوظةً عندنا كسياسة سرية. ثم استطرد قائلاً: نحن سجلنا أسماء هؤلاء الأشرار لأجل النصح السياسي لهذه الدولة المحسنة، وهذه الخرائط محفوظة عندنا كالسياسة السرية. ثم ذكر أعداد الخرائط مع أسماء هؤلاء وعناوينهم وعلاماتهم وأرسلها إلى الجهات المختصة.
المصدر: مقال ألف خيانة وخيانة للقاديانية في القارة الهندية - موقع فيصل نور
стр. 4591
المطلب الرابع: استمرار الوحي والنبوة وتأويل معنى ختم النبوة
أول القاديانيون معنى قول الله تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:٤٠]. معنى خاتم النبيين عندهم أي طابعهم، فيزعمون أن كل نبي يظهر الآن بعده، فإن نبوته تكون مطبوعة بخاتمه، ﷺ , يقول محمد منظور إلهي القادياني في كتابه (ملفوظات أحمدية) (ص٢٩٠): "المراد بخاتم النبيين أنه لا يمكن أن تصدق الآن نبوة أي نبي من الأنبياء إلا بخاتمه ﷺ ، وكما أن كل قرطاس لا يكون مصدقاً مؤكداً إلا حين يطبع عليه بالخاتم، فكذلك كل نبوة لا تكون مطبوعاً عليها بخاتمه وتصديقه، ﷺ ، تكون غير صحيحة" (١).وجاء في جريدة الفضل القاديانية في عددها الصادر في ٢٢ مايو ١٩٢٢م: "الخاتم هو الطابع، فإذا كان النبي، ﷺ ، طابعاً، فكيف يكون طابعاً إذا لم يكن في أمته نبي" (٢).ويفسر القاضي القادياني آية "خاتم النبيين" بأنه أفضل الأنبياء وأكبرهم درجة ومرتبة، والآية في زعم القاديانية لا تدل أبداً على انقطاع النبوة، يقول في القول الصريح: "إن الآية المذكورة لا تدل مطلقاً على انقطاع النبوة، بل تدل على بقائها لأن كمال النبي لا يتحقق إلا بكمال الأمة وفضيلة الأستاذ لا تظهر إلا بفضل التلميذ .. وإن أصر أحد على أنه بمعنى آخر زمانا فيمكننا أن نجعله مطابقاً للمعاني الأخرى بكل سهولة ونقول: إن المراد من النبيين هم المشرعون والمستقلون، والنبي، ﷺ ، ختم النبوة التشريعية والمستقلة، لأنها موجودة قبله، وأما النبوة الغير مستقلة فما كانت موجودة قبله " (٣).ويقول مرزا غلام أحمد: "نعني بالنبوة ختم كمالاتها على نبينا الذي هو أفضل رسل وأنبيائه، ونعتقد أنه لا نبي بعده إلا الذي من أمته ومن أكمل أتباعه الذي وجد الفيض كله من روحانيته وأضاء بضيائه" (٤).ويقول أيضاً في تفسير "وخاتم النبيين": "إن الله جعل رسول الله خاتم النبيين بمعنى أنه أعطاه خاتم الإفاضة الكمال مما لم يعطه أحداً سواه، فلأجل ذلك سمي بخاتم النبيين، أي أن اتباعه يورث كمالات النبوة، وأن القدسية التي تصنع بالأنبياء لم يعطها نبي سواه" (٥).ونقل الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه: (ماهي القاديانية) نصوصاً عديدة ذكرها المرزا غلام أحمد وجماعته توضح تأويلاتهم المختلفة لختم النبوة منها (٦):
التأويل الأول: "فإن كان الله كرم أحداً من هذه الأمة وسماه بالنبي إذا نال درجة الوحي والإلهام والنبوة بمجرد اتباع محمد، ﷺ ، فإن خاتم النبوة أي طابعها لا ينقض بذلك، لأنه لا يزال من أفراد الأمة الإسلامية، ولكن مما ينافي ختم النبوة ان يأتي نبي من غير الأمة الإسلامية".
ويقول المرزا أحمد: "إن محمداً، ﷺ ، خاتم الأنبياء بمفهوم أنه قد تمت عليه كمالات النبوة، وأنه لا يأتي بعده رسول ذو شريعة جديدة، ولا نبي من غير أمته".
стр. 4592
التاويل الثاني: قال غلام أحمد في حقيقة الوحي: "قد جعل الله جل شأنه محمداً، ﷺ ، الخاتم أي أعطاه الخاتم فاضة الكمال، وذلك لم يؤته أحداً غيره، ولذلك سمي بخاتم النبيين، أي أن إطاعته تمنح كمالات النبوة، وأن التقاءه الروحي يصنع الأنبياء".
التأويل الثالث: قال غلام أحمد في إرشاده المندرج في عدد جريدة الحكم الصادر في ١٧ أبريل من عام ١٩٠٣م: "ومن حكمة الله ولطفه بالأمة المحمدية أن رفع عنها هذه الكلمة –النبوة - ثلاثة عشر قرناً بعد محمد ﷺ ، وذلك لتتم عظمة نبوته، ثم لما كانت عظمة الإسلام تقتضي أن يكون في الأمة أفارد تطلق عليهم كلمة النبي بعده، ﷺ ، لتتم المشابهة بالسلسلة القديمة –أي سلسلة الأنبياء الموسويين –أجريت على لسانه، ﷺ ، كلمة "النبي" للمسيح الموعود في آخر الزمان".
التأويل الرابع: يقول غلام أحمد في إزالة الخطأ: "أنا محمد، ﷺ ، بصفة ظلية، فلأجل هذا ما انفض هذا الخاتم - خاتم النبيين - لأن نبوة محمد، ﷺ ، بقيت على حالها منحصرة في محمد وحده، أي أن محمداً وحده هو النبي إلى الآن، وإذا كنت أنا محمداً بصفة تجسدية فأي رجل غيره يكون قد ادعى النبوة بصفة مستقلة؟ ".
وهذه تأويلات باطلة فاسدة لختم النبوة، وقد وضع القاديانيون أدلة من القرآن والسنة على أن الوحي والنبوة، مستمران لا ينقطعان ابداً، وأوّلوا النصوص حسب هواهم.
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص ٣٧
أدلتهم من القرآن الكريم:
يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:٥١].يقول القاضي القادياني في كتابه (القول الصريح): "إن الله يوحي إلى غير الأنبياء بالطرق التي يوحي بها إلى الأنبياء لأن الله لم يقل: وكان لنبي بل قال: ما كان لبشر سواء كان نبياً أو غير نبي" (١).والحقيقة أنه ليس في هذه الآية أي دليل على وحي أو نبوة بعد رسول الله، ﷺ ، وإنما قال ابن كثير في تفسيره: "هذه الآية في ذكر مقامات الوحي بالنسبة إلى جانب الله " (٢) فلا وحي ولا نبوة بعد محمد، ﷺ .
وهكذا يزعم القاضي القادياني أن باب النبوة لا زال مفتوحاً أمام البشر ويذكر أن الله تعالى يقول: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:٦٩].ويفسر الآية - كما أشرنا من قبل - بأن معناها "أن الذي يطيع الله ومحمداً، ﷺ ، فعلى قدر إطاعته يكون من الصالحين أو الشهداء أو الصديقين أو النبيين، فهي تصريح جليٌّ أن النبوة باقية في الأمة المحمدية" (٣).وطبيعي أنه ليس في الآية دليل قط على استمرار النبوة بعد رسول الله، ﷺ ، وإنما مقصود الآية كما ذكر ابن كثير: "إن مَنْ عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقاً لمن ذكر في الآية" (٤).
فالآية لا تدل أبداً على أن النبوة مستمرة كما ادعى القاديانيون.
стр. 4593
ويقول أيضاً: "إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ [غافر:١٥] يقول: المراد من الروح في الآية الوحي أو روح القدس، والآية تصرح بأن النبوة باقية، لأن صيغة يلقى تدل على الاستمرار، فكما أن الله تعالى أخبر بنزول الملائكة في المستقبل كذلك بالإنذار، والإنذار من صفة الرسل" (١).
وهذا فهم خاطئ وتأويل باطل للآية، فالآية تبين لنا بوضوح تام أن الله تعالى يختص من يشاء ليكونوا أنبياء ورسلاً يبلغون رسالة الله في الأرض، وقد ختم الله تعالى الرسالات، بمحمد، ﷺ .
وفي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجمعة:٢ - ٣].يقول القاضي القادياني في كتابه (القول الصريح): "إن قوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ [الجمعة:٣] يدل على أن البعثة الثانية للنبي، ﷺ ، في الآخرين الذين يأتون بعد من الصحابة تكون منهم لا من غيرهم، ومعلوم أن النبي لا يبعث بذاته مرة ثانية، فليس المراد إذاً إلا المسيح الموعود بكونه نبياً في الآخرين باسم النبي، ﷺ " (٢).
وهذا تفسير باطل للآية، لأن ظاهر الآية واضح لكل ذي عينين، فالآية تشير بجلاء تام إلى أن الله تعالى بعث محمداً، ﷺ ، إلى الناس كافة يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:٢] فليس في الآية دليل على بعثة المسيح الموعود كما يزعم القاديانيون.
ويقول في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ٌ [المائدة:٣] يقول: "معلوم أن النبوة هي أعظم نعمة من نعم الله، فلو كانت منقطعة لما كانت النعمة تامة، بل كانت ناقصة" (٣).
والحقيقة إن هذه الآية أكبر دليل على ختم النبوة، فالله أكمل برسالة الإسلام الدين، فلا دين بعده، ولا نبي بعده، لاكتمال الرسالة وختمها برسول الله، ﷺ .
الأدلة من السنة على استمرار النبوة في زعم القاديانيين: عن ابن عباس، ﵁: ((لما توفي إبراهيم ابن الرسول قال رسول الله، ﷺ ، لو عاش لكان صديقاً نبياً)) (٤).
стр. 4594
يقول القاديانيون: إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن الرسول، ﷺ ، ليس خاتم الأنبياء. والمسألة أن القاديانيين ليسوا بعلماء في الحديث النبوي، ولذا فهم لا يعرفون المطلق والمقيد والعام والخاص، فحديث: ((لو عاش - أي إبراهيم - لكان صديقاً نبياً)) (١) روي بروايات متعددة وحديث أنس عند ابن منده يحل الإشكال تماماً وهو: ((ولو بقي أي إبراهيم ابن رسول الله، ﷺ ، لكان نبياً ولكن لم يكن ليبقى، لأن نبيكم آخر الأنبياء)) (٢)."ثم إن كل الأحاديث التي رويت بهذا المعنى علقت بصيغة شرطية، ولم يتحقق الشرط وهو عدم وفاة إبراهيم، فلم يتحقق الجواب، وهو أن يكون نبياً" (٣).
والأمر الآخر إن حديث ابن ماجة لا يصح لأن في سلسلة رجاله من لا يحتج به وهو إبراهيم بن عثمان الواسطي، قال البخاري: سكتوا عنه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة. وضعفه أحمد.
إذن هذا الحديث لا يعتد به، بالإضافة إلى أن المسألة مشروطة بشرط لو عاش إبراهيم، ومن الجلي أنه مات في حياة أبيه، فهو شرط لم يتحقق. وقال رسول الله، ﷺ : ((أبو بكر أفضل هذه الأمة إلا أن يكون نبي)) (٤) رواه الطبراني. وهذا الحديث ضعيف، لأن من رواته إسماعيل بن أبي زياد، وهو لا يحتج به، قال عنه ابن حجر: "متروك كذبوه". وقال الذهبي: قال يحيى: كذاب. وقال أبو حاتم: مجهول.
إن مأساة القاديانيين أنهم أخذوا الأحاديث الضعيفة والموضوعات وأولوها حسب هواهم ورغبتهم.
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٤٠،٤٤ ومن الأدلة التي ساقها بشير محمود على عدم انقطاع النبوة: قول الله تعالى: اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة:٦ - ٧] إلى آخر الأدلة، ثم قال: (يتبين لنا مما ذكرنا آنفاً من الآيات أن صراط الذين أنعمت عليهم هو الانضمام إلى طائفة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، إلى أن قال: (فلو كان حرم علينا نعمة النبوة، لما علمنا بأن نلح في طلبها، ولما بشرنا بأن اتباع هذا النبي ﷺ يشرف الإنسان بالنبوة) (٥).ومعنى هذا الكلام؛ أنه يصح لكل مسلم أن يطلب النبوة، بل كل مسلم نبي؛ لأن بشير يقول في معنى الآية: (وهل من الممكن أنه من ناحية يؤكدنا بطلب الصراط المستقيم صراط الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن ناحية أخرى يقول لنا والعياذ بالله: إنني حرمت عليكم هذه النعمة إلى الأبد؟ كلا) (٦) إلخ كلامه.
٦ - أن القول بانقطاع النبوة وختمها بمحمد ﷺ ينافي حاجة الناس إلى الرسل والأنبياء التي هي دائمة الوجود بين الناس، وشهادة الله بإكمال الدين الإسلامي يجب التغاضي عنها لتصدق مزاعم القادياني.
٧ - كما أن القول بختم النبوة بمحمد ﷺ فيه اتهام لله بأنه نفذت خزائنه، وأنه لم يعد قادراً على إرسال الرسل - كما يزعم بشير محمود - ولكي لا نصف الله بالعجز يجب أن نثبت أن والده نبي ورسول!!
стр. 4595
حقا لقد كفر القاديانيون - وبكل جرأة - بما جاء عن الله في كتابه الكريم، وفيما قررته السنة النبوية من ختم النبوة بمحمد ﷺ وهي نصوص صريحة واضحة، تسلطت عليها الباطنية، من قاديانية وصوفية وبهائية، وغيرهم من فرق الضلال؛ فأولوها على حسب أهوائهم، بتأويلات في غاية الجهل والتكلف الشنيع، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
فإن الله تعالى يقول: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب:٤٠].
стр. 4596
فالآية صريحة وواضحة في معناها وفي دلالتها على انقطاع النبوة بمحمد ﷺ . فجاء الدجاجلة كالقادياني وغيره وتسلطوا على معناها فأولوها تأويلات أجمع المسلمون على أنها باطلة، مثل تأويلاتهم السابقة لمعنى خاتم النبيين من أنه أفضلهم لا غير، أو تأويلهم لها بمعنى أن الرسول ﷺ مثل الخاتم الذي يختم به على المعاملات الرسمية - المهر - من كونه زينة لهم وغير ذلك من المعاني الباطلة، أو زعمهم - حين رأوا ضعف ذلك التأويل السابق - أن معنى الآية هو إثبات أن محمداً ﷺ هو خاتم النبيين أصحاب الشرائع المستقلة، لا الأنبياء الذين لم يأتوا بشرائع مستقلة عن التي قبلها؛ بل جاءوا متممين ومكملين للشرائع مثل حال القادياني بالنسبة للشريعة الإسلامية، التي هي في حاجة إلى من يكملها كالقادياني وغيره. وهي أفكار لا تجد لها رواجاً إلا بين الجهال ومن قل خوفهم من ربهم، فآثروا الدنيا على الآخرة، أو من كان له هدف يريد تحقيقه من وراء هذه الحركات الهدامة، وفي شرح الآية هذه يقول بشير الدين محمود بن الغلام أحمد: (إن الخاتَم بفتح التاء معناه الآلة التي يختم بها وليس الانتهاء - الخاتم يتخذ للتصديق - ومعنى الآية إذاً أنه ﷺ آلة الختم التي ختم بها جميع النبيين). إلى أن يقول: (والخلاصة أن هذه الآية لا تحظر النبوة التي ذكرناها آنفاً، ولكنها تنفي النبوة التشريعية أو النبوة المباشرة) (١).وفي قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [الأعراف:٣٥] استنتج من هذه الآية عدم انقطاع النبوة؛ قال: ويتبين من هذه الآية أن الأنبياء سيبعثون في هذه الأمة أيضاً؛ لأن الله تعالى يذكر هنا الأمة المسلمة بأن الأنبياء إن بعثوا إليكم فعليكم أن تؤمنوا بهم، إلى أن يقول أيضاً: إن سلمنا أن (إما) للشرط فإنها مع ذلك تدل على أن النبوة غير منقطعة) (٢).وبعد هذا الكذب على الله في معنى الآية يضيف كذباً آخر على النبي ﷺ في إثبات عدم انقطاع النبوة بعده ﷺ ؛ حيث أثبت أن المسيح نبي، قال: (وعلاوة على شواهد القرآن الحكيم يتبين من أحاديث الرسول ﷺ أيضاً أن باب النبوة ليس بمسدود على الإطلاق، لأنه ﷺ وصف المسيح الموعود بصفة النبي مراراً، ولو لم يمكن وجود النبوة مطلقاً لما وصفه النبي ﷺ بصفة النبي) (٣).
стр. 4597
وغريب جداً هذا الفهم القاصر لخليفة القادياني في زعامة القاديانيين؛ أن يستدل بإثبات النبوة لعيسى على استمرار تجدد الأنبياء، وأن يستدل من أمر الله لبني آدم - بعد إهباطه لأبيهم إلى الأرض - بالإيمان بالأنبياء الذين سَيُرْسِلُهُمْ، على استمرار النبوة بعد محمد ﷺ ، هذا فَهْمٌ يدعو إلى العجب حقاً، وهذه حجة من لا حجة له، وكم تناقض القاديانيون هنا! فمرة يزعمون أن الغلام نبي مشرع، ومرة يزعمون أنه نبي تابع للنبي محمد ﷺ ، مع أن هذا التفريق لا دليل عليه، فإن الله تعالى لم يخبرنا بأن فيه (فرقاً) بين النبي المشرع والآخر غير المشرع، بل أمر بالإيمان بجميع الأنبياء بدون تفريقهم بينهم، وحتى ما يقوله بعض العلماء من أن النبي هو الشخص الذي يسير على الشرع السابق للرسول قبله ويجدده، لا ينطبق على الغلام؛ لأنه جاء بتشريعات كثيرة تخالف الشريعة الإسلامية تمام المخالفة ومستقلة تمام الاستقلال (١).وكل تلك التأويلات - التي لفقها القادياني وأتباعه بعدم انقطاع النبوة - لا يقبلها إلا غافل فارغ عن العلم، وجاهل باللغة العربية، وجاهل بالدين الإسلامي؛ ذلك أن الختم معناه آخر الشيء ونهايته، كما يذكر علماء اللغة (٢)؛ لا أن معناه أفضل الشيء وأجوده.
وقد وردت النصوص من الكتاب والسنة على المعنى الأول، وأنه لا نبي بعده محمد ﷺ ، وأنه آخر الأنبياء، به أكمل الله الدين وأتم به النعمة على العباد، ومن لم يعتقد هذا فلا حظ له من الإسلام، وقد قدمنا ذكر بعض الأدلة على ختم النبوة بمحمد ﷺ وهي واضحة صريحة، لولا بُعْدُ هؤلاء عن الدين واستحواذ الشياطين عليهم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة غير خافية على طلاب العلم.
ومن غريب أمر القادياني أن يترك الأدلة الصريحة من القرآن والسنة على أن خاتم الشيء هو آخره، وأن الرسول خاتم الأنبياء أي آخرهم، ثم يستدل بأقوال الشعراء - الذين يتبعهم الغاوون - على أن خاتم الشيء أفضله واستدل بقول الشاعر:
فُجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي
وخاتم الشعراء هنا يعني أفضلهم وزينتهم كما فسره القاديانيون، ولكن معناه في الحقيقة أن الشاعر - وهو حسن بن وهب - يظن أن أبا تمام الذي قيل في رثائه هذا البيت - أفضل الشعراء المتقدمين ذوي الحكمة والعقل، وأنه على حسب ما يعتقد فيه الشاعر أنه خاتم الشعراء، أي فلا يمكن أن يأتي بعده مثله (٣)، هكذا ظن والظن أكذب الحديث - وعلى أي تفسير فإن القرآن والسنة لا يعارضان بأقوال الشعراء. ولكن الغريق بكل حبل يمسك، فإن تأويلات الباطنية من القاديانية أو البهائية أو غيرهم بأن خاتم النبيين أي أفضلهم أو زينة لهم، كل تلك التأويلات لا يلتفت إليها أي مسلم شرح الله صدره للإسلام، ولا شك أن نسبة هؤلاء للرسول ﷺ بأنه كالمهر في الورقة، هذه إهانة للرسول ﷺ ، فالذي يحب الرسول ﷺ ويحترمه لا يستجيز لنفسه أن يمثله بخاتم في أسفل الورقة، فالرسول ﷺ أجلُّ من أن يمثل بهذا.
المصدر: فرق معاصرة لعواجي ٢/ ٧٦٨ - ٧٧٣
стр. 4598
وأخذوا يتفننون في بيان مفهوم ختم النبوة على معان مختلفة وتأويلات ملفقة، منها: أن الله تعالى حين يكرم أحداً من أمة محمد ﷺ ويوصله إلى درجة الوحي والإلهام والنبوة فإنه - ومع تسميته نبياً - لا يتعارض هذا المفهوم - مع مفهوم ختم النبوة - إذ إن الشخص لا يزال من أمة محمد ﷺ ومن أتباعه، ولكن ينتقض هذا المفهوم إذا ادعاه شخص من غير أمة محمد ﷺ ؛ فحينئذ يتعارض قوله تماماً مع ختم النبوة (١). ويقول بشير محمود: (إننا نرفض النبوة المباشرة عن غير توسط الرسول ﷺ رفضاً باتاً؛ ولذلك نرفض ظهور المسيح الناصري بعينه، لكننا لا ننكر النبوة التي تضاعف كرامة النبي ﷺ وتزيدها سمواً وعلواً) (٢). وقد أخذ بشير هذا المفهوم عن والده، حيث قال الغلام في ضميمة الوحي: (وإن قال قائل: كيف يكون نبي من هذه الأمة وقد ختم الله على النبوة؟) وهذا سؤال مهم جداً، ولكن كيف كان جواب الغلام عنه؟ لقد أجاب بما لا مقنع فيه لأحد، وحاد عن الحق وألحد فيه، فقال: (فالجواب أنه ما سمى هذا الرجل نبياً إلا لإثبات كمال نبوة سيدنا خير البرية، فإن ثبوت كمال النبي لا يتحقق إلا بثبوت كمال الأمة (٣)، ومن دون ذاك ادعاء محض لا دليل عليه عند أهل الفطنة، ولا معنى لختم النبوة على فرد من غير أن تختتم كمالات النبوة على ذلك الفرد، ومن الكمالات العظمى كمال النبي في الإفاضة وهو لا يثبت من غير نموذج يوجد في الأمة" (٤).
والمغالطة في هذا الكلام:
أن النبوة لا تأتي من فيض أحد؛ بل هي تَفَضُّلٌ من الله تعالى على من يشاء من خلقه.
لماذا لا يكون النموذج الذي يدعيه الغلام عاماً؛ بحيث يحق لكل شخص أن يتصف به، فكيف احتكره القادياني بدون أن يذكر أي مبرر له.٢ - أن معنى القول بختم النبوة بمحمد ﷺ : (أنه قد تمت عليه كمالات النبوة وأنه لا يأتي بعده رسول ذو شريعة جديدة، ولا نبي من غير أمته) (٥)؛ أي أن الانبياء الذين يأتون بعده ﷺ كلهم يعتبرون من أمته، وهذا ليس فيه خروج - حسب مفهوم القادياني - عن القول بختم النبوة بمحمد ﷺ ، وهذا هو ما أكده بشير محمود في كتابه (دعوة الأمير) (٦). ولكن الغلام في آخر أمره اخترع له ولأتباعه شريعة جديدة.٣ - أن النبي محمداً ﷺ هو صاحب الفيوضات الكمالية التي لم يعطها أحد غيره؛ ولذلك سمي بخاتم النبيين (أي أن إطاعته تمنح كمالات النبوة، وأن التفاته الروحي يصنع الأنبياء) (٧).
أي فإذا وجد أن أحداً يدعي النبوة ولم تكن نبوته مصدقة من خاتم النبيين محمد ﷺ فإنها لا تكون نبوة صحيحة، مثل الورقة التي تكون رسمية وليس عليها الختم الرسمي، وإذا كانت طاعته ﷺ تمنح الكمالات والنبوة فإنه يحق لكل شخص متبع للرسول ﷺ أن يتصف بصفة النبوة، بل كان الصحابة في أول هؤلاء. فهل يستطيع الغلام أن يثبت أن أحداً منهم ادعاها؟ ٤ - أن معنى الختم هنا هو تأخير النبوة بعد محمد ﷺ ثلاثة عشر قرناً لتظهر عظمة محمد ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك ما يقتضي إظهار عظمة الإسلام بظهور من تطلق عليه كلمة النبي، لتبقى سلسلة النبوة متصلة الحلقات، ومن هنا أجريت على لسانه ﷺ كلمة النبي للمسيح الموعود في آخر الزمان (٨)، ويقول بشير محمود: (إن الشريعة لا تُنسخ إلا بالنبوة التشريعية الجديدة المباشرة، لكن النبوة التي تستمد من اتباع النبي الأول وتهدف إلى نشر الشريعة السابقة هي مظهر رائع للنبوة السابقة .. وهي في متناول هذه الأمة) (٩).
٥ - أن الغلام هو ظل للرسول ﷺ لبقاء النبوة في شخص الرسول ﷺ إلى الآن، وانعكاس ظلية الكمالات المحمدية في الغلام، ومن هنا فلا تأثير في نبوة الغلام على القول بختم النبوة بمحمد ﷺ (١٠)، وعلى الناس أن يتركوا عقولهم ويصدقوا هذا الهراء.
المصدر: فرق معاصرة لعواجي ٢/ ٧٦٥ - ٧٦٨
стр. 4599
المطلب الخامس: مجمل عقيدة القاديانية
نذكر مجمل العقائد الفاسدة التي يعتقدونها على وجه الإيجاز والتلخيص لما سبق:
- يعتقد القاديانيون أن الله يصوم ويصلي وينام ويصحو ويكتب ويخطئ ويجامع ـ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.
- يعتقد القادياني بأن إلهه إنجليزي لأنه يخاطبه بالإنجليزية!!!.
- تعتقد القاديانية بأن النبوة لم تختم بمحمد ﷺ بل هي جارية، والله يرسل الرسول حسب الضرورة، وأن غلام أحمد هو أفضل الأنبياء جميعاً.
- يعتقدون أن جبريل ﵇ كان ينزل على غلام أحمد وأنه كان يوحى إليه، وأن إلهاماته كالقرآن.
- يقولون لا قرآن إلا الذي قدمه المسيح الموعود (الغلام)، ولا حديث إلا ما يكون في ضوء تعليماته، ولا نبي إلا تحت سيادة غلام أحمد.
- يعتقدون أن كتابهم منزل واسمه الكتاب المبين وهو غير القرآن الكريم.
- يعتقدون أنهم أصحاب دين جديد مستقل وشريعة مستقلة وأن رفاق الغلام كالصحابة.
- يعتقدون أن قاديان كالمدينة المنورة ومكة المكرمة بل وأفضل منهما وأرضها حرم وهي قبلتهم وإليها حجهم.
- نادوا بإلغاء عقيدة الجهاد كما طالبوا بالطاعة العمياء للحكومة الإنجليزية لأنها حسب زعمهم ولي الأمر بنص القرآن!!!.
- كل مسلم عندهم كافر حتى يدخل القاديانية: كما أن من تزوج أو زوج من غير القاديانيين فهو كافر.
- يبيحون الخمر والأفيون والمخدرات والمسكرات.
المصدر: الموسوعة الميسرة
- يؤمنون بأن الحج المفروض هو الحضور في المؤتمر السنوي في القاديان،
- يعتقدون بأنهم أمة مستقلة ودين مستقل وأنهم ينفصلون عن المسلمين في كل شيء في العقيدة والعبادة وغيرها فهم يقولون ليس شيء يجمع بيننا وبين المسلمين فربنا غير رب المسلمين وإسلامنا غير إسلامهم وقرآننا غير قرآنهم وصلاتنا غير صلاتهم وحجنا غير حجهم ولهذا يكفرون المسلمين ويمنعون التزاوج معهم والصلاة عليهم ولكنهم مع ذلك كله يدعون الإسلام وينشرون كفرهم باسم الإسلام
المصدر: الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة لناصر القفاري وناصر العقل - ص ١٥٢
стр. 4600
المطلب السادس: علاقتهم بالإسلام والمسلمين وغير المسلمين
لقد ابتعد القادياني عن الإسلام وعن المسلمين، وزاحمت القاديانية الإسلام، وأرادت أن تحل محله في العقيدة والفكر والعاطفة، وقطعت أقوى صلة للقاديانية بالإسلام، وجعلت كل من يدخل هذه الديانة الجديدة أو الإسلام الجديد –كما يزعم القاديانيون - بعيداً عن الإسلام الذي ارتضاه رب العالمين لخلقه. ومن هنا نرى القاديانيين يقارنون بين أصحاب الرسول محمد ﷺ وبين أتباع الغلام، دون أن يجدوا في ذلك أي حرج، فقد جاء في صحيفة الفضل القاديانية: (لم يكن فرق بين أصحاب النبي ﷺ وتلاميذ الميرزا غلام أحمد؛ إلا أن أولئك رجال البعثة الأولى وهؤلاء رجال البعثة الثانية) (١).
ثم جعلوا الحج الأكبر هو زيارة قاديان، وقبر القادياني، مضاهاة لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على الرسول ﷺ بالمدينة المنورة، ونصوا على أن الأماكن المقدسة في الإسلام ثلاثة: مكة والمدينة وقاديان، وأوَّلوا المراد بالمسجد الأقصى بأنه مسجد قاديان، فقد جاء في تلك الصحيفة أيضاً: (إن الذي يزور قبر المسيح الموعود عند المنارة البيضاء، يساهم في البركات التي تخص قبة النبي الخضراء في المدينة، فما أشقى الرجل الذي يحرم نفسه هذا التمتع في الحج الأكبر إلى قاديان) (٢).وفيها أيضاً: (أن الحج إلى مكة بغير الحج إلى قاديان حج جاف خشيب؛ لأن الحج إلى مكة اليوم لا يؤدي رسالته ولا يفي بغرضه) (٣).
واخترعوا لهم أشهراً غير الأشهر الإسلامية، وهي: الصلح، التبليغ، الأمان، الشهادة، الهجرة، الإحسان، الوفاء، الظهور، تبوك، الإخاء، النبوءة، الفتح (٤).
وهو نفس المسلك الذي سار عليه البهاء المازندراني حين اخترع له أشهراً غير الأشهر الإسلامية، ليقطعوا صلتهم بالأشهر الإسلامية وبما جاء فيها من مناسبات مفضلة، ومن هنا يتضح أن علاقة القاديانيين بالمسلمين أتباع محمد ﷺ علاقة مبتورة، فقد قطعوا كل صلة بهم وعاملوهم على الأسس الآتية:
أن المسلمين كفار ما لم يدخلوا في القاديانية؛ لأنهم يفرقون بين الرسل، والله تعالى يقول: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة:٢٨٥]، فالمؤمن بالإسلام ونبيه إذا لم يؤمن بالقاديانية ونبيها فإنه يكون كافراً.
وعلى هذا فإنه لو مات مسلم، فإنه لا يجوز للقادياني الصلاة عليه ولا دفنه في مقابرهم؛ لأنه كافر لعدم إيمانه بنبوة الغلام، فلا تجوز الصلاة عليه ولو كان طفلاً أيضاً، ويذكر أن ظفر الله خان وزير خارجية باكستان لم يُصَلِّ على القائد الشهير محمد علي جناح حين مات، لأنه في نظر ظفر الله كافر لعدم إيمانه بنبوة الغلام.
المصدر: فرق معاصرة لعواجي ٢/ ٨١٩ - ٨٢١
стр. 4601
يقول غلام أحمد فيما نقله عنه مظاهري: "أطلعني الله على أن كل من وصلته رسالتي، ولم يؤمن بي فهو ليس بمسلم" (١).ويقول: "إن كل من لا يتبعك ولا يبايعك ويظل يخالفك فهو يعصي الله ورسوله وهو من أهل النار" (٢).ويقول: "إن كل من لا يؤمن بي فإنه لا يؤمن بالله ولا برسوله، لأن الله ورسوله بشرا بي، فكل من لا يؤمن بأحكام الله ورسوله ويكذب القرآن ويرفض آيات الله، ويقول: إني مفترٍ وكذاب على الرغم من وجود مئات الآيات المؤيدة لي لا يكون مؤمناً، وإذا كان مؤمناً يكفر بالافتراء علي" (٣).
ونشرت جريدة الفضل القاديانية في عدد ٢١ حزيران (يونيو) ١٩٢٣م مقالا لطالب في جامعة ملية اسمه عبد القادر جاء فيه: سألت ذات يوم بعد صلاة العصر حضرة الخليفة لماذا يكفر غير الأحمديين، فكانت خلاصة الحديث ما يلي:
السائل: أصحيح أنكم تكفرون غير الأحمديين
الخليفة: نعم هذا صحيح
السائل: على ما تعتمدون في هذا التكفير أفلا يلفظون كلمة الشهادة؟ الخليفة: إنهم ولا شك يلفظون كلمة الشهادة، ولكن الاختلاف بيننا وبينهم ليس فرعياً، بل اختلاف رئيسي، فالمسلمون يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإن من ينكر نبياً من أنبياء الله فهو كافر، ومثال ذلك المسيحيون، فهم يؤمنون بكل الأنبياء الذين جاءوا قبل عيسى ﵇، ولكنهم بكفرهم بمحمد فقد كفروا، وهكذا فإن من ينكر نبوة غلام أحمد فهو كافر بنص القرآن، فالله قد بعث رسولاً آمنا به ولم يؤمنوا به" (٤).
ولم يكتفِ القاديانيون بتكفير المسلمين، بل سلكوا في ذلك مسلكاً عمليًّا، فلآن أهل الإسلام في معتقدهم الكاذب كفاراً، فلا يجوز عندهم الصلاة وراء المسلمين، وكذلك لا يجوز الزواج منهم.
وقد جاء في جريدة الحكم القاديانية بتاريخ ١٠ أغسطس ١٩٠١ قول غلام أحمد: "اصبروا ولا تصلوا خلف أحد من غير جماعتكم، ففي ذلك الخير والصلاح وفيه نصركم العظيم". وقال في العدد ٣ من أربعين، صفحة ٣٤: "اذكروا بأن الله قد أطلعني بأنه حرام عليكم وحرام بات أن تصلوا خلف منكر أو مكذب أو متردد".والقاديانيون لا يصلون صلاة الجنازة على المسلمين، لأنهم يعتقدون عدم جواز الصلاة على من لم يؤمن بغلام أحمد، وقالت جريدة الفضل المؤرخة في ١٥ كانون الأول ١٩٣١م: إن غلام أحمد لم يصل على ابنه فضل أحمد، لأنه لم يكن مؤمناً به" (٥).ويقول في صفحة ٧ من فتاوى أحمدية: "لا تزوجوا بناتكم ممن لم يؤمن بي" (٦).وينقل العلامة إلهي ظهير عن محمود أحمد ابن الغلام في كتابه (بركات خلافات) ص٧٥ حكم القاديانية بأنه لا يجوز لأي قادياني أن ينكح ابنته من غير القادياني، لأن هذا أمر من المسيح الموعود - يقصد والده غلام أحمد- أمر مؤكد، وقال: "عن من ينكح ابنته من غير القادياني فهو خارج من جماعتنا معما يدعي القاديانية، وأيضاً لا ينبغي لأحد من أتباعنا أن يشترك في مثل هذه الحفلات الزواجية (الفضل ٢٣ مايو ١٩٣١). وأكثر من ذلك فقد نشرت جريدة الحكم القاديانية بأنه ينبغي أن يراعي في الزواج من المسلمين أن لا تعطى لهم البنات، ويجوز الزواج ببناتهم لأنهم كأهل كتاب، فنحن لا نعطي بناتنا ونأخذ بناتهم كما يعامل أهل الكتاب، فلو أعطيناهم بناتنا لا يجوز، ولو أخذنا منهم بناتهم يجوز، وفيه فائدة بأننا قد زدنا واحداً في صفنا" (٧).
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٦٩ - ٧١
стр. 4602
بل وأبعد من هذا أنهم لا يجوزون الصلاة على من يصلي من القاديانيين خلف المسلمين أو يتعامل معهم أو يوادهم.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٢١
علاقتهم بغير المسلمين:
وأما علاقتهم بغير المسلمين فنوجزها فيما يلي:
لقد قامت بين القاديانيين وبين كثير من الملل المخالفة للإسلام علاقات قوية، خصوصاً بينهم وبين الدول المعادية للمسلمين، مثل بريطانيا وإسرائيل اليهودية الحاقدة، فهي تتمتع معهم بصداقات حميمة واتصالات وثيقة، وقد أعطتهم إسرائيل أمكنة لفتح المراكز والمدارس، وأغدقت عليهم الأموال سراً وجهراً، وقد جاء في خطاب للقاديانيين باسم (مراكزنا في الخارج) هذا النص: (ويمكن للقارئين أن يعرفوا مكانتنا في إسرائيل بأمر بسيط، بأن مبلغنا جوهدري محمد شريف حينما أراد الرجوع من إسرائيل إلى باكستان سنة ١٩٥٦م، أرسل إليه رئيس دولة إسرائيل بأن يزوره قبل مغادرته البلاد، فاغتنم المبشر هذه الفرصة وقدم إليه القرآن المترجم إلى الألمانية الذي قبله الرئيس بكل سرور (١)!!! وقد نشر تفاصيل اللقاء في الصحف الإسرائيلية، كما أذيع أيضاً في الإذاعة، بل وقد سمحت لهم إسرائيل بإنشاء مدرسة بقرب جبل الكبابير.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٢١
وجاء في الخطاب السابق أيضا:
إن المركز القادياني في حيفا، ونحن نملك هناك مسجداً وبيتاً للمركز، ومكتبة عامة للمطالعة، ومكتبة خاصة لبيع الكتب، ومدرسة، ويصدر المركز مجلة شهرية باسم "البشرى" التي ترسل إلى ثلاثين بلداً عربياً مختلفاً (٢) وقد ترجم أكثر مؤلفات المسيح الموعود (الغلام) إلى العربية بطريق هذا المركز، وإن مركز القاديانية تأثر من تقسيم فلسطين من عدة وجوه، وإن المسلمين الذين بقوا في إسرائيل قد أخذوا من المركز الفوائد الجمة .. ..
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٧٩
ومن المعروف بداهة أن إسرائيل ما كانت لتحتضن هذه الدعوة القاديانية ولا أن تقوم بتمويلها بل والدعاية لها لو أنها تعرف فيها مثقال ذرة من الإسلام، الذي تعتبره إسرائيل الخطر الحقيقي عليها، كما أن إسرائيل تمول جميع الحركات الهدامة من قاديانية وبهائية وغير ذلك لتحقيق أهدافها في السيطرة والعلو، فالمؤامرات واضحة لا تحتاج إلى سياسي بارع ولا ذكي في تحليل الأحداث.
رحب القوميون الهنود بالقاديانية وفرحوا بها وتحمسوا لها كثيراً، لأن هؤلاء الهنادك يحقدون على الإسلام حقداً لا يقل عن حقد اليهود والنصارى، وضايقهم جداً توجه المسلمين الهنود بقلوبهم إلى نبيهم محمد ﷺ وكتاب ربهم، بل وإلى الجزيرة العربية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولهذا فقد اعتبروا توجه الناس إلى قاديان انتصاراً للوطنية الهندية على الإسلام الأجنبي عن بلادهم، وفرصة سانحة للتحول العظيم في تفكير المسلمين الهنود وغيرهم من الإسلام إلى القوميات والتعصب لها بدلاً عن الإسلام. وفي هذا يقول الكاتب الهندوكي د/شنكرداس مهرا:
(إن المسلمين الهنود يعتبرون أنفسهم أمة منفصلة متميزة ولا يزالون يتغنون ببلاد العرب ويحنون إليها، ولو استطاعوا لأطلقوا على الهند اسم العرب، وفي هذا الظلام الحالك وفي هذا اليأس الشامل يظهر شعاع من النور يبعث الأمل في صدور الوطنيين وهي حركة الأحمديين (القاديانيين).
стр. 4603
وكلما أقبل المسلمون إلى الأحمدية نظروا إلى قاديان كمكة هذه البلاد والمركز الروحي العالمي وأصبحوا مخلصين للهند وقوميين بمعنى الكلمة.
إن تقدم الحركة الأحمدية ضربة قاضية على الحضارة العربية والوحدة الإسلامية. وكل من اعتنق الأحمدية تغيرت وجهة نظره وضعفت صلته الروحية بمحمد ﷺ بذلك، وتنتقل الخلافة من الجزيرة العربية وتركيا إلى قاديان في الهند، ولا يتبقى لمكة والمدينة إلا حرمة تقليدية.
إن كل أحمدي سواء كان في البلاد العربية أو تركيا أو إيران أو في أي ناحية من نواحي العالم يستمد من قاديان القوة الروحية وتصبح قاديان أرض نجاة له، وفي ذلك سر فضل الهند، وهذا هو سر عدم ارتياح المسلمين إلى حركة الأحمدية وقلقهم منها؛ لأنهم يعتقدون أن حركة الأحمدية هي المنافسة للحضارة العربية والإسلام. ولذلك اعتزل الأحمديون عن حركة الخلافة لأنهم يحرصون على تأسيس الخلافة في قاديان مكان تركيا والجزيرة العربية، وإن كان هذا الواقع مقلقاً للمسلمين الذين لا يزالون يحلمون بالاتحاد الإسلامي وبالاتحاد العربي، ولكنه مصدر سرور وارتياح للوطنيين الهنديين) (١).
والكلام ظاهر المعنى ينفث خبثاً وحقداً على المسلمين وعلى الإسلام، ويريد قائله أن تشن الحرب التي لا هوادة فيها على كل مسلم غير القاديانيين، الذين يرى فيهم تحقيق أحلامه الكفرية ومحو الإسلام من أذهان المسلمين والاهتداء بعميل الإنجليز وبالوطنيين الهنود، كما يريد فوضويو المجوسية ودعاتها الحاقدون. ومما يوضح موقف القاديانيين من الإسلام أيضاً ذلك الدفاع الذي بذله عدو الإسلام والمسلمين في الهند جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند حينذاك عن هذه الطائفة المسلمين - يقصد القاديانيين - على حد زعمه، وغريب منه أن يتعاطف مع المسلمين، فقد قال متسائلاً ومستنكراً: لماذا يلح المسلمون على فصل القاديانية عن الإسلام، وهي طائفة من طوائف المسلمين الكثيرة؟ فأجابه الدكتور محمد إقبال –﵀ فقال: (القاديانية تريد أن تنحت من أمة النبي العربي محمد ﷺ أمة جديدة تؤمن بالنبي الهندي ... وقال: إنها أشد خطراً على الحياة الاجتماعية الإسلامية في الهند عن عقائد (أسفنورا) الفيلسوف الثائر على نظام اليهود) (٢).
وحينما تظاهر القاديانيون في خبث ودهاء ومكر بالإسلام، إنما أرادوا أن يموهوا على المسلمين ويدخلوا على عوامهم من طرق لا يفطنون لها ليسلخوهم عن دينهم شيئاً فشيئاً إن استطاعوا، ولن يتم لهم ذلك إن شاء الله تعالى.
المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٢/ ٨٢٢
في أعقاب ضعف قبضة بريطانيا على الهند، نشأ حلف قادياني هندوسي وكان ذلك في عهد مرزا محمود ـ خليفة مرزا غلام أحمد ـ وأحس الهندوس بأهمية هذه الفرقة لهم، وقام جواهر لال نهرو ـ مع انه اشتراكي ملحد ـ بتأييدها.
وكان القاديانيون يرفضون فكرة قيام دولة إسلامية في باكستان، ويؤيدون الهند الموحدة وجعلوا ذلك هي إرادة الله، إذ يقول مرزا محمود: "إن مشيئة الله تقتضي وحدة الهند، وهي عين ما تقتضيه بعثة مرزا غلام أحمد".
стр. 4604
وكان القادياينون يرون ضرورة الهند المتحدة، لأنهم يعتبرون أنفسهم أمة واحدة دون المسلمين، ويرون الدول الكافرة أنفع لهم من الدولة الإسلامية، وهم يفضلون فكرة الهند المتحدة على دولة باكستان المسلمة.
أسباب معارضة القاديانيين لاستقلال باكستان
لعب القاديانيون دوراً كبيراً ضد استقلال باكستان، وكان أكبر همهم هو أن يظل الاستعمار على الهند الذي كانوا يرونه رحمةً إلهيةً، وعندما بدأت شمس الاستعمار تأفل عن الهند أيد القاديانيون بشكل كامل فكرة الهند المتحدة دون فكرة إقامة دولة إسلامية، لأن الحركة القاديانية لا يمكنها أن تعمل بين المسلمين إلا في ظل دولة غير إسلامية بحتة، أو أن لا تكون إسلامية على الأقل، حتى يصبح المسلمون فريسة لهم مغلوبين على أمرهم تحت قبضة الحكومة الكافرة، ويقتنصهم القاديانيون تحت رعاية الحكومة اللادينية، وأما الدولة الإسلامية فيعتبرونها أرضاً وعرةً لا تثمر فيها جهودهم المضللة، وإلى هذا أشار المرزا في كتاباته قائلاً: ولو خرجنا من هنا (أي المستعمرة البريطانية) فلا ملجأ لنا لا في مكة ولا في المدينة ولا الروم ولا الشام ولا إيران ولا كابول إلا في هذه المملكة (البريطانية) التي أدعو لها بالعزة. ثم يخاطب أتباعه قائلاً: فكروا، لو خرجتم من ظل هذه الحكومة فأين يكون مقركم؟ فكل دولة إسلامية عازمة على قتلكم لأنها تعتبركم كفاراً مرتدين.
خيانة القاديانيين عند وضع حدود باكستان
كانت الجماعة القاديانية تعارض تقسيم الهند كما ذكرنا وعندما أعلن بالتقسيم ـ رغم معارضتها ـ قام القاديانيون بمحاولة أخرى للإضرار بباكستان، وذلك بفصل محافظة غورداسفور. التي تقع فيها (قاديان) عن باكستان وضمها إلى الهند. وتفصيل هذا الإجمال هو أن لجنة تحديد الحدود عندما كانت تضع تخطيطاً لحدود الهند وباكستان وكان الممثلون عن حزب الشيوخ ورابطة المسلمين يقدمون إليها دعاويهم وأدلتهم، قدمت إليها الجماعة القاديانية مذكرةً خاصةً، واختارت فيها موقفاً خاصًّا مخالفاً لحزب الشيوخ والرابطة وطالبت باعتبار (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان وذكروا في المذكرة عددهم وديانتهم وكيفيات موظفيهم المدنيين والجنود وغيرها من التفصيلات، وكانت النتيجة أن لجنة التحديد لم تستجب طلب اعتبار (قاديان) ولايةً مثل الفاتيكان غير أنها استغلت المذكرة القاديانية فأخرجت القاديانيين عن عداد المسلمين واعتبرت محافظة غورداسفور بها أقلية مسلمة بعد فصل القاديانيين، فضَّم أهم مناطقها إلى الهند، وهكذا فقدت باكستان محافظة غورداسفور بل وجدت بها الهند طريقاً للاستيلاء على كشمير وانفصلت كشمير عن باكستان.
المصدر: مقال ألف خيانة وخيانة للقاديانية في القارة الهندية من موقع فيصل نور
стр. 4605
المطلب الأول: الرد الإجمالي
هذه هي القاديانية .. رئيسها المتنبئ لها .. أخلاقه .. تعاليمه .. تنبؤاته .. عقيدته .. مهمته .. والمتأمل لهذه الحركة لا يرى تحتها شيئا قدمته للبشرية وهي بجملتها من أولها إلى آخرها لا تحتوي إلا على جانبين فقط ..
الأول: هو ادعاء القادياني للنبوة والاتصال بالوحي والإساءة إلى كل من لم يؤمن به وأن الله سينصره وسيخذل أعداءه .. إلى آخر تلك الأمور التي لا تخلو صفحة من صفحات كتبه .. بل لا يكاد يخلو سطر واحد منها إلا وهو يتحدث عن هذا الموضوع.
الثاني: فلو تنازلنا لهذا المتنبئ وسلمنا له بالنبوة فأي شيء سيقدمه لنا؟ هل سيقدم دينا جديدا يشتمل على عقيدة واضحة شاملة وشرع كامل شامل بحيث يغنينا عما سواه – معاذ الله – لا إنه سيقدم أمرا واحدا فقط ذلك الأمر هو لب عمله وأس دعوته وهو إلغاء الجهاد ودعوة المسلمين للخضوع لأعدائهم والذلة للإنجليز بالذات لأنهم هم الذين أرسلوه – كما يبدو – وهذا هو الجانب الثاني من دعوته دعوى كبيرة عريضة يترتب عليها كفر وإيمان نتيجتها إلغاء الجهاد وذلة المسلمين لأعداء الإسلام إنها ضلالة حمقاء أقدم عليها ذلك المخذول المأجور نعوذ بالله من خذلانه.
ولا بد من وقفة قصيرة مع تلك الدعوة أو الديانة المحدثة لنرى ما فيها من اضطراب وتناقض وتهافت لئلا يبقى عذر للمخدوعين بها.
أولا: إن أول ما يسترعي الانتباه في حياة القادياني هو حيرته في نسبه واضطرابه في أصله كما تقدم.
فآباؤه يدعون أنهم (مغوليون) وهو يتهم آباءه في ذلك وأنهم لم يصدقوا ويدعي أن أصله فارسي فيقول: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله رد عليهم رجل من فارس شكر الله سعيه) فلماذا يدعي ذلك.
стр. 4606
إنه يريد أن يوجد لنفسه سندا أولا حتى يقيم دعواه على أساس يستطيع به خداع المسلمين على أنها دعوى صحيحة ويتضح ذلك القصد من خلال كلامه: فهو يقول: (خذوا التوحيد يا أبناء الفارس – إنا أنزلنا قريبا من القاديان .. ) (١). فهو هنا يشير إلى الحديث الصحيح الذي ذكره النبي ﷺ وهو ((لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس أو من أبناء فارس حتى يتناوله)) (٢)(٣) ولقد أشار إليه القادياني كذلك في قوله (لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله).فهذا السند الأول الذي لمح به ويحاول ادعاء الفارسية لأجله فهل فيه سند له؟ إن الحديث لم يقل (لو كان الوحي عند الثريا لذهب به رجل من فارس) إنه قال: ((لو كان الدين ... )) (٤). الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله ﷺ من غير إحداث نبوة إذ في دينه أنه لا نبي بعده ولهذا نراه يشير إلى الحديث من غير تصريح لأنه يعلم أن ذلك لا يمكنه من دعواه تلك ولكن يبدو أن هذه المحاولة قد فشلت فانتقل إلى غيرها وترك النسبة الفارسية وادعى أنه من آل بيت النبي ﷺ وأن إحدى جداته كانت من آل البيت .. أراد بذلك أن يمهد لدعوى (المهدية) والتي قد بشرت بها السنة – كما تقدم – وقد فعل وادعى أنه المهدي ولكن المهدي لا يكون مبتدعا ولا ناسخا لشيء من دين الإسلام ولا يدعي الوحي ولا النبوة إذ هو أحد أفراد الأمة يكرمه الله بوظيفة الإصلاح في آخر الزمان. وهذه الدعاوى الثلاث لم تف له بالغرض وهو ممن تربى على كتب التصوف الضالة وخاصة كتب (ابن عربي) الذي رأينا طرفا من أفكاره من قبل فزعم القادياني أن مما قرأه في كتب ابن عربي أنه بشر بمجيء ولد صيني يدعو إلى الله فادعى أنه هو وقال (إن محي الدين بن العربي في كتابه (فصوص الحكم) حيث قال (يولد في آخر الزمان ولد يدعو إلى الله ويكون مولده بالصين ولغته لغة بلده فأنا هو المقصود لأني صيني الأصل) (٥). وهذه دعوى رابعة في نسبه كما ترى.
ويبدوا أن الرجل أراد أن يخدع المسلمين بدعوى المهدية التي بشر بها نبيهم ﷺ ويخدع أهل التصوف بدعوى أن شيخهم تنبأ له وأخبر به قبل مجيئه.
فما هو نسبه يا ترى؟ هل هو مغولي كما ذكر آباؤه؟ أم هو فارسي كما زعم أنه أوحي إليه بذلك ثم كذب نفسه بعد ذلك وادعى أنه صيني أم أنه عربي من آل البيت إنه اضطراب عجيب وحيرة عاشها ذلك المتنبئ.
وهذه أولى صور الاضطراب والحيرة في حياته
ثانيا: دعاوى القادياني:
أما دعاواه الكاذبة فقد رأينا أنها تزيد على عشر دعاوى وهو مظهر حيرته واضطرابه فقد ظهر مدافعا عن الإسلام ثم انتهى أخيرا إلى دعوى النبوة ونزول الوحي عليه بل بلغ به الهوس حتى وصل إلى تلك الرؤيا المنحطة التي رأى نفسه فيها أنه هو (الله) وأراد تغيير خلق الكون بأسره يا لها من سخافة حمقاء وصل إليها ذلك الفكر الضال.
стр. 4607
وإن هذا الاضطراب يكشف لنا عن مدى ما يعانيه في نفسه من تمزقات وتناقضات ولعل ذلك ناتج عن حرصه الشديد على إقناع جميع الطوائف الإسلامية بصدق ادعائه فأراد أن يقنع أهل السنة بدعوى التجديد والمهدي وأراد أن يقنع أهل التشيع كذلك بأنه من أهل البيت والمهدي المنتظر وأراد أن يخدع أهل التصوف بتلك النبوءة الكاذبة التي زعم أنها من كلام ابن عربي ولابن عربي في نفوس الصوفية المكانة التي لا تلحق. والدعاوى الأخرى التي يدعي فيها أنه ظل محمد ﷺ أو أنه آدم أو إبراهيم أو غير ذلك هذه ثمرة الفكر الصوفي المتمثل في فكر ابن عربي الذي يزعم أن الله يبعث على قدم كل نبي وليا من الأولياء تتمثل فيه صفاته (١). والقادياني رغم تعدد الدعاوى يركز على ظليته لرسول الله ﷺ وذلك أثناء خطاباته للصوفية فقد جاء في رسالته التي بعث بها إلى مشايخ الهند ومتصوفة أفغانستان ما يلي (إن الله وتر يحب الوتر ولأجل ذلك قد استمرت سنته أنه يرسل بعض الأولياء على قدم بعض الأنبياء فمن بعث على قدم نبي يسمى في الملائكة باسم ذلك النبي الأمين وينزل الله عليه سر روحه وحقيقة جوهره وصفاء سيرته وشأن شمائله .. إلخ، فهو يزعم أنه بعث على قدم رسول الله ﷺ .
والقادياني في هذه النزعة يتابع شيخه ابن عربي إذ قد تحدث عن هذه الموضوعات بشكل أوسع في كتابه (الفتوحات المكية).
ولا ندري كيف عرف القادياني هذه السنة الإلهية مع الأنبياء وهي أن الله يرسل أولياء على قدم الأنبياء؟ فهو شيء لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ولا غيره إلا ما زعمه ابن عربي الذي لا يقل عنه في هذا الموضوع ضلالا وبهتانا على الله ورسوله.
ولو سلمنا له هذه الدعوى فمن يا ترى الذي أرسل على قدم محمد ﷺ أهو شيخه ابن عربي أم هو؟ وإذا كان حسبما يقول القادياني (أن الأنبياء لهم ساعات ينزلون فيها إلى الأرض فيريهم الله الفساد فيغار كل نبي على أمته فينزعج ويدعو الله أن ينزله على الأرض ليهيئ لهم من وعظ رشدا فيخلق له نائبا يشابهه في جوهره وينزل روحه بتنزيل انعكاس على وجود ذلك النائب ويرث النائب اسمه وعلمه فيعمل على وفق إرادته عملا - فهذا هو المراد من نزول إيليا في كتب الأولين ونزول عيسى ﵇ وظهور محمد نبينا ﷺ في المهدي خلقا وسيرة وما من محدث إلا له نصيب من تدليات الأنبياء قليلا كان أو كثيرا (٢).
إذا كان هذا الزعم صحيحا فلماذا لم يخلق أحد شبيها به ﷺ من قديم الزمن إذ قد تعرضت الأمة لفتن كثيرة ومصائب عظيمة وقد كانت الأمة وحدها هي التي تغالب تلك الأحداث ولم نسمع أن أحدا ادعى قبل القادياني أنه أرسل شبيها برسول الله ﷺ لينقذ الأمة لأن الرسول نزل إلى الأرض فانزعج وأرسله!
ثم ما هو الإصلاح الذي جاء به هذا المهدي المزعوم والمسيح الموهوم؟ لقد رأينا من قبل أن كل ادعاءاته وكتاباته وأقواله وأفكاره لا تخرج عن أمرين دعوى النبوة والرسالة ثم إلغاء الجهاد الإسلامي فهل هذا هو الإصلاح الذي أرسل القادياني لأدائه اللهم إنه نعم إذا اعتبرنا المرسل هم الإنجليز فقد قدم لهم خدمة عظيمة ودعا المسلمين لطاعتهم والذلة لهم وأما ما عدا هذا فقد فرق المسلمين وشغلهم ببعضهم وأساء إلى غير المسلمين الذين اعتنقوا دينه بأن أضلهم وقادهم إلى سخط الله وعقابه.
стр. 4608
ثم إن هذه الدعاوى ما الذي يمنع أن يدعيها أي شخص آخر منحرف ثم يتقدم بها إلى الناس ما دامت الدعاوى تقبل بغير برهان كما هي حال المتنبئ القادياني وإلا فأي برهان على صدق دعواه أو دعاواه تلك لا شيء إلا الشتم والسب والتكفير والخداع الكثير.
بل إن الأدلة الشرعية والعقلية كلها تنادي ببطلانها وضلالها يزيد في ضلالها تلك الطامة الكبرى التي تردى فيها ذلك المسكين أخيرا حيث تخيل نفسه أنه هو البارئ وأنه أخذ يعيد النظر في المخلوقات ويريد أن يستبدلها بمخلوقات جديدة كما يزعم فخلق سماوات جديدة وأراضين جديدة وخلق آدم من جديد يا لها من عقلية قد عبثت بها الشياطين وأردتها إلى ذلك المستوى المخجل الذي يأنف من نزوله كل من لديه مسكة من عقل أو رائحة من دين.
هذه العقلية هي التي زعمت أنها تتلقى الوحي من السماء وأن الله قد اتصل بها لإصلاح العالم وتجديد أمر الدين.
ثالثا: أما أخلاقه بعد أن تعرض لاستنكار العلماء لدعواه تلك فقد كانت في درجة هابطة لا ينزلق إليها أقل الناس شأنا فما بالك بأدعياء الوحي واستمع إلى تلك الشتائم والاتهامات التي يقذف بها هذا النبي المزعوم من يدعي الاتصال بوحي السماء والتي لم نر واحدة منها في قصة الأنبياء كما يحدثنا عنها القرآن الكريم – وحاشاهم عن ذلك.
هذه هي الألفاظ التي استعملها مع خصومه:
خنزير .. حمر تشهق .. كرقص بغية. .كلب .. حمار ينهق .. ما نقَّ إلا كدجاجة .. رجال مخنثون .. فضلة النوكى ... يا لهذا الأدب النبوي القادياني لو عرضت هذه الألفاظ على محكمة شرعية لناله حد القذف .. ولكنه كان آمنا من حد الله لعدم وجود الخلافة الإسلامية التي تؤدب السفهاء وتقيم بينهم حدود الله. بل قد عرضت إحدى القضايا المتعلقة بذلك على إحدى المحاكم وأدين فيها بسوء الخلق لأنه استعمل فيها ألفاظا سيئة فأخذ عليه التعهد كما حدث عن ذلك بنفسه حيث قال: (أنا عاهدت أمام نائب الحاكم بأني لا أستعمل بعد ذلك ألفاظا سيئة) (١).
ومما ينضم إلى قاموس تلك الألفاظ القاديانية أنه كتب كلمة (لعنة الله) ألف مرة في أربع صفحات في آخر (نور الحق) ثم جعلها على مخالفيه وأنها لمهزلة تزري بعقل صاحبها وبعقول أتباعه.
وإن هذا كله يهون مع موقفه من نبي الله عيسى ﵇ واتهامه في نسبه وخلقه بأن أمهاته زانيات – أستغفر الله وحاشاه من ذلك – وأنه هو كان كذلك وأنه خمار – وسيئ السيرة كذلك. يقول في ذلك (إن عيسى كان يميل إلى المومسات لأن جداته كن من المومسات) (٢).ويقول كذلك (إن عيسى ما استطاع أن يقول لنفسه أنه صالح لأن الناس كانوا يعرفون أن عيسى رجل خمار وسيئ السيرة) (٣).
أي خلق هذا الذي يتحلى به القادياني وأي عقل هذا الذي يسف في هذه الحماقات والسفاهات التي لا تليق بآحاد الناس بله أن يتقمصها رجل يدعي الاتصال بخبر السماء.
رابعا: إذا نظرنا إلى وحيه المزعوم فإننا نراه قد وصل إليه بعدة لغات العربية .. والإنجليزية .. والأردية .. والفارسية .. ولغة أخرى غير معروفة وقد جمع هذا كله في كتاب سماه أتباعه (تذكرة) وفسروه بقولهم (يعني وحي مقدس) تحت العنوان.
وقد خلط بين هذه اللغات المختلفة فترى الصفحة الواحدة مملوءة بعدة لغات ..
أسطر منها بالأردو ثم جملة واحدة بالعربي ثم يعقبها لغة أخرى عدة أسطر .. وهكذا كل صفحة ولنأخذ صفحة من صفحات ذلك الكتاب مثلا: ص ٣٢
стр. 4609
سطران بغير العربي ثم جملة عربية هي (أشكر نعمتي رأيت خديجتي) ثم ستة أسطر غير عربية ثم جملة فيها (الحمد لله الذي جعل لكم الصهر والنسب) ثم بقية الأسطر غير عربية .. وهكذا بقية الصفحات.
ونحن هنا سنناقش ما ورد فيه من العبارات العربية: وهي مزيج من:
القرآن الكريم
والأحاديث النبوية
والشعر العربي
وكلام لا يدري ما هو. فأما الآيات التي أخذها من القرآن فهي أكثر ما في ذلك الوحي المزعوم بعضها نقله كما هو نحو قوله هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان: ١] (١). وقوله فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا. [مريم: ٢٣] (٢) وقوله أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ وقوله وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ , وقوله وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (٣).، إلى غير ذلك من الآيات. أما تحريفه للآيات فكثيرة منها الآية المتقدمة التي في أم عيسى مريم ﵍ طبقها على نفسه فقال (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) وقوله (كنتم خير أمة أخرجت للناس وافتخارا للمؤمنين) (٤).، ويقول (إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بشفاء من مثله
وأما الأحاديث: فمنها ما جاء به كما هو نحو قوله ((الله أكبر خربت خيبر)) فهذا من كلام رسول الله ﷺ في غزوة خيبر حيث قال ((الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (٥).
ومنها ما حرفه وغير فيه نحو قوله (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكن من الصالحين الصديقين) فهو حديث جاء عن رسول الله ﷺ ما عدا الزيادة الأخيرة من قوله (وكن .. إلخ) (٦).
وأما الشعر: فقوله (طلع البدر علينا من ثنية الوداع) (٧) فهو من مطلع قصيدة قالها الأنصار ﵃ عند مقدم رسول الله ﷺ المدينة. وهي:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (٨)
وأما قوله (عفت الديار محلها ومقامها) وقوله (إن المنايا لا تطيش سهامها) فهما بيتان من قصيدة لبيد بن ربيعة المشهورة وهي من المعلقات ومطلعها: عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها (٩).
стр. 4610
فقوله الأول هو شطر البيت من هذه القصيدة – الجاهلية – مع تغييره في اللفظ .. إذ في قوله (ومقامها وفي القصيدة (فمقامها) وقوله الثاني هو شطر البيت التاسع والثلاثين من القصيدة الذي هو: صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها (١).والقادياني يروي هذا البيت مرة أخرى مع التحريف فيه فيقول (إن المنايا قد تطيش سهامها) (٢) وهذا في غاية الحمق وسوء المعتقد إذ المنية وهي الموت لا تطيش عن أحد وهي بقدر الله وقد كان لبيد في قصيدته الجاهلية خيرا منه إذ عرف أن المنية لا تطيش ولا تخطئ.
وأما الكلام الذي لا يدرى ما هو فما تقدم وهو (إيلي إيلي لما سبقتني إيلي أوس) فأي شيء هذا يا ترى؟ الله أعلم.
هذه هي مجموع ما أوحى به إلى القادياني خليط من كل شيء ويبدو أنه كان يتكلم بكل ما يأتي على لسانه ويدعي أنه وحي فما دام أن في عالم البشر من لا يفرق بين الرشد والغي والعقل والجنون فليقل ما شاء وليفعل ما أراد.
خامسا: أما عن تنبؤاته فالواقع أن علم الغيب لا يعلمه أحد من البشر ولا يخاطر بالتحدث عنه عاقل إلا من قبيل الحدس والظن أما الأنبياء الذين يتصلون بالله فإنهم يتحدثون عن ذلك وهم واثقون من تحقق ما يخبرون به ويقع موافقا لما أخبروا به لأنهم يتلقون ذلك من الله الذي يعلم السر وأخفى.
ولكن القادياني الذي يزعم الاتصال بالله وأنه يتلقى منه الوحي فقد اقتحم ذلك الميدان وخاطر بنفسه فيه وأخبر بوقوع تلك التي لم يتحقق منها شيء.
فقد تنبأ بموت ذلك الرجل النصراني فلم يمت فحاول أن يخدع الناس بأنه شرط الموت بعدم عودة النصراني إلى الحق ولكن النصراني تاب فلم تتحقق النبوءة فرد عليه النصراني بما فضحه وأظهر كذبه.
ثم تنبأ بزواجه من تلك المرأة وأن الذي يتزوجها غيره يموت فلم يتزوجها هو ولم يمت زوجها.
ثم تنبأ بأنه سيولد له ولد ذكر فولدت زوجته بنتا ولم تأت بولد.
ثم تنبأ كذلك بعدها بأنه يولد له ولد فكان خلاف ما ذكر.
ثم تنبأ أنه يتزوج نسوة أخريات ويولد أولاد فلم يتزوج بعد هذه النبوءة ولم يولد له. وتنبأ أن ولده مبارك أحمد يكبر ويكون مصلحا وصاحب العظمة ولكن الله أخزاه فمات بعد ثمان سنوات (٣).
стр. 4611
وهكذا .. وهكذا .. كلما تنبأ بنبوءة واحدة أكذبه الله فيها خلاف ما ذكر فأي نبوة هذه التي تتحدث باسم الله؟ إنها نبوءات شيطانية أوقعه فهيا غباؤه وبلادته وإلا لو كان عاقلا لما عرض نفسه إلى تلك المجازفات ولكن الله أراد أن يفضحه للناس حتى لا يبقى لهم على الله حجة إلا الذين ظلموا منهم. وهذه التنبؤات التي وقعت له في حياته فلم تصدق لا يزال التاريخ القادياني يحفظها ويحاول تأويل بعضها خروجا من ذلك الحرج فهي شهادة واضحة بكذب صاحبهم ولكن الضلال إذا تمكن من إنسان أورده المهالك وأخفى عليه الحقائق واستمع إلى أحدهم وهو يبرر عدم وقوع أول نبوءة له ظنا منه أنه سيأتي من النبوءات الأخرى ما يمسح عن صاحبه عار تلك الحادثة يقول محمد على اللاهوري – أمير الفرع القادياني بلاهور – عن تلك النبوءة (هذا صحيح بأن إمامنا قال إن محمدي بيجوم تزوج له وصحيح أنها ما زوجت له ولكنه مع ذلك لا ينبغي أن يكذب الرجل لنبوءة واحدة وتترك النبوءات الأخرى التي تحققت .. ) (١). إنها مهزلة من ذلك الزعيم القادياني يبرر بها كذب نبوءة صاحبه .. إذا النبي الذي يخبر عن الله بأمور الغيب لا يمكن أن يكذب منها ولا مثقال ذرة لأنه لا يتكلم من عند نفسه فلا تكون المسألة كهانة إذا صدق أكثرها قبل منه ويعفى عن البعض الآخر لا .. لا .. إنها نبوة يتوقف عليها إيمان وكفر ووجود الشك في جزء منها يعرضها للطعن في الله أو الطعن في ادعاء صاحبها وبهذا يكون القادياني إنسانا مفتريا يعتمد على المصادفات التي يقول أصحابها أكذب مائة كذبة لعله تصدق كذبة واحدة وهذا الجانب يكفي أن يكون دليلا على كذبه ودجله. سادسا: لم تكن هذه العقيدة – أي اعتقاد نزول الوحي عليه هي عقيدة الغلام القادياني في أول أمره إذ كان يقول قبل ادعائه النبوة (ولا يجوِّز القرآن أن يأتي نبي جديد أو قديم بعد خاتم النبيين فإن الرسول لا يتلقى علم الدين إلا بواسطة جبريل وأن باب نزول جبريل بسلسلة وحي الرسالة مقفل ومن الممتنع أن يأتي الرسول بدون أن تكون سلسلة وحي الرسالة باقية) (٢).ويقول (من سوء الأدب والوقاحة والجسارة غير المحمودة أن يترك أحد نصوص القرآن الصريحة ويتبع الأفكار الركيكة ويعتقد أنه سيأتي نبي بعد خاتم النبيين وأن يبدأ سلسلة وحي النبوة بعد انقطاع وحي النبوة) (٣).ويقول (فإن جوزنا ظهور نبي آخر بعد نبينا ﷺ فقد جوزنا انفتاح باب النبوة بعد انغلاقه وهو غير صحيح كما هو ظاهر للمسلمين وكيف يأتي نبي بعد نبينا ﷺ وقد انقطع الوحي بعد وفاته وختم الله الأنبياء على نبوته) (٤).
ثم نراه فيما بعد يقول (وقالوا لست مرسلا بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فسوف يعلمون .. وما كنت متفردا في هذا بل ما أتى الناس من رسول إلا كانوا به يستهزئون وهلم جرا إلى ما تشاهدون) .. فما الذي طرأ على القادياني بعد حتى ادعى ما يخالف اعتقاده السابق؟ يبدو أن باب الوحي الإنجليزي هو الذي انفتح عليه مؤخرا وذلك ما يصوره لنا هو بنفسه حيث يقول (أني رأيت ملكا في صورة شاب انجليزي ما تجاوز عمره من عشرين سنة وهو جالس على كرسي وأمه منضدة فقلت له إنك جميل جدا فقال أي نعم) (٥).
ومن إلهاماته بالإنجليزية ما يلي:
I love you - يعني أنا أحبك
I am with you – أنا معك
I shall help you – أنا أساعدك
стр. 4612
ويذكر أنه ارتجف جسمه ثم ألهم في الإنجليزية هذه العبارة: I can what l will do (١) . أي أنا أستطيع أن أفعل ما أريد – ثم قال ففهمت التلفظ واللهجة كأنه إنكليزي يتكلم عند رأسي .. (٢).
نعم إنه إنجليزي وليس شبيها به .. ويبدو أن هذا الإنجليزي ماهر في طريقة الإيحاء .. وهذا لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون هذا الإنجليزي قد استعمل معه طريقة التنويم المغناطيسي أو الإيحاء النفسي وأما أن يكون قد أوحى إليه شفويا من غير أي تأثير آخر ..
إذ (ملك) على صورة إنجليزي وعلى كرسي ومنضدة هذا مكتب إرسال الوحي البشري لا الإيحاء الرباني ثم يقول له أنت جميل جدا فيجيب أي نعم أهذا موقف وحي تهتز له الأعضاء أم موقف تغزل وتظرف؟!.
إنها مهزلة عاشها ذلك المسكين وإنني لا أستبعد أن يكون الإنجليز قد استخدموا معه التنويم المغناطيسي وأوهموه أن ذلك من وحي السماء وهو يصدقهم عندما يرى نفسه في غيبوبة ويسمع الأصوات الإنجليزية وهو في أحد مكاتب الإدارات الإنجليزية فيزيده ذلك إيهاما على إيهامه ويظن أنه وحي من السماء بلغة انجليزية.
لعل المستقبل يكشف عن ذلك في مذكرات الإنجليز وهو في الهند ولكن القادياني يعترف في مواطن كثيرة أن هذه الدعوة من غرس الإنجليز حيث ذكر في عريضة قدمها لأحد أمراء يخاطبهم فيها عن دعوته وجماعته ثم يقول (ما غرسها إلا أنتم)
هذه شهادته بنفسه ويؤيدها عشرات الرسائل والاعترافات التي سجلها هو في كثير من كتبه وسنرى طرفا منها فيما يأتي – إن شاء الله.
سابعا وأخيرا: فإن عمالته لبريطانيا تبدو في مواضع كثيرة من كتاباته وفي أكثر من خطاب بعثه إلى الحكومة الإنجليزية ومنها خطابه الآتي الذي يقول فيه:
(ولا يخفى على هذه الدولة المباركة أنَّا من خدامها ونصحائها ودواعي خيرها من قديم وجئناها في كل وقت بقلب صميم وكان لأبي عندها زلفى وخطاب التحسين ولنا لدى هذه الدولة أيدي الخدمة ولا نظن أن تنسها في حين – وكان والدي الميرزا غلام مرتضى بن ميرزا عطا محمد القادياني من نصحاء الدولة وذوي الخلة وعندها عن أرباب القربت .. بل ثبت إخلاصنا في أعين الناس كلهم وانكشف على الحاكمين.
وتعلم الدولة أن أبي كيف أمدها في حين محاربات مشتدة الهبوب وفتن مشتطة اللهوب وأنه أعطا الدولة خمسين خيلا مع الفوارس مددا منه في أيام المفسدة وسبق السابقين في إمدادات المال .. ) ثم استرسل بذكر أبيه وكذلك أخيه بعد موت أبيه إلى أن قال (ثم بعد وفاتهما قفوت أثرهما واقتديت سيرهما) – وذكر عصرهما – ثم اعتذر عن وجود المال الذي يقدمه مساعدة لها على غرار سلفه وأنه سخر لخدمتها قلمه يقول: (فقمت لإمدادها بقلمي ويدي).ثم قال (فانظروا يا أولي الأبصار لم فعلت هذه الأفعال ولم أرسلت هذه الكتب التي فيها منع شديد من الجهاد لهذه الدولة في ديار العرب وغيرها من البلاد) (٣).
أي رجل شريف هذا الذي يفخر بخدمته لأناس هم أعداء الله ورسوله ثم هم ظالمون مغتصبون جاؤوا من بريطانيا واقتحموا بلاد الهند فأذلوا أهلها وتسلطوا على خيراتها وأرزاقها ثم يفخر هذا المتنبئ أنه ابن أسرة خادمة لهؤلاء الكفار الظلمة والله يقول وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: ١١٣] فهذا الركون فما بال المساعدة والمعاونة أن هذا الظلم الصارخ الذي أزعج المواطنين فلم يهنوا ولم يذعنوا بل قاوموه بكل طاقاتهم وشهروا السلاح في وجوه الغاصبين يطالبونهم بالجلاء إن هذا الظلم الذي ينكره أقل البشر لم يهز المتنبئ القادياني بل لا يرى أنه ظلم فأي نبوة هذه التي تبارك الظلم وتمجد الظالمين وتعينهم على ظلمهم ولكن إذا عرف السبب بطل العجب إن السبب في ذلك المسخ في عقل القادياني أنه (غرسة من غراسهم) غرسوها وغذوها بغذاء الظلم وأموال الظالمين فلا غرابة إذن ..
وإلا فإننا نرى الإحساس بالظلم والثورة في وجهه حتى من الحيوانات التي لا تعقل ولا تفكر فبمجرد أن يعتدي حيوان آخر على مسكنه أو أولاده أو رزقه فإنه يحول بينه وبين ذلك وتحدث بينهم الصراعات والمعارك لا لشيء إلا للإحساس بالظلم فإذا ما فقد هذا الإحساس في إنسان من الناس فإنه يفقد إنسانيته بل وينحدر إلى أدنى درجات المخلوقات بله أن يكون متصلا برب الأرض والسموات.
هذه هي القاديانية على ضوء مصادرها هي وعلى ضوء ما كتبه عنها علماء الأمة لم نجد فهيا ما يستحق المدح والثناء لا في حياة منشئها ولا في محتويات أصولها ومبادئها إلا ذلك الخلط والسفه والتناقض والتهافت ..
دعاوى باطلة ..
وعقائد فاسدة ..
وهذيان مخلوط من كل شيء ..
ونبوءات كاذبه ..
وعمالة واضحة ..
وكل جانب فيها ينادي بكذبها ودجلها.
المصدر: عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية لأحمد بن سعد بن حمدان الغامدي - ص: ٢٥٦ - ٢٧٠
стр. 4613
المطلب الثاني: الرد على القاديانية فيما يتعلق بالمهدي والمسيح ورد في السنة النبوية عدة أحاديث تؤكد ظهور المهدي في آخر الزمان منها ما رواه أبو سعيد الخدري، ﵁، قال رسول الله، ﷺ : ((أبشركم المهدي في أمتي على اختلاف من الناس، وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم الأرض صحاحاً. فقال رجل: وما صحاحاً؟ قال: بالسوية بين الناس. قال ويملآ الله قلوب أمة محمد، ﷺ ، غنىً ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له في مال حاجة فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: ائت السدَّان - وفي رواية السادن - أي الخازن - فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له: احث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم. فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً؟ أوعجز عني ما وسعهم؟ قال: فيرده فلا يقبل منه فيقال: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين ثم لا خير في العيش بعده أو قال: ثم لا خير في الحياة بعده)) (١).وقد جاء في صحيح مسلم أقر فيه إشارة إلى المهدي دون ذكر اسم المهدي، فعن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله ﷺ قال: ((يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده)) (٢).وعن عبد الله بن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ ، ((يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)). وقال أبو هريرة، ﵁: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يلي)) (٣).إن أحاديث ظهور المهدي في آخر الزمان كثيرة، وصحيح أن في بعض هذه الأحاديث ضعف في إسنادها إلا أن كثرة رواياتها مما يقوي بعضها بعضاً، يقول العلامة ابن القيم ﵀: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة فهي مما يقوي بعضها بعضاً، ويشد بعضها بعضاً، فهذه أقوال أهل السنة" (٤).ويقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: "إن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وإن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته" (٥).وقال العلامة السفاريني في كتابه (لوامع الأنوار البهية): "والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدَّ من معتقداتهم .. ..
стр. 4614
فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة" (١).
هكذا ورد في نزول عيسى في آخر الزمان عدة أحاديث صحيحة بلغت حد التواتر، حيث سينزل عيسى، ﵇، لقتل الدجال ولإحياء ما درس من شريعة الإسلام. ومن هنا نفهم أن مسألة نزوله لا يعني أبداً أنه سيأتي بشريعة جديدة، بل سيعمل ويحكم بشريعة الإسلام، ذلك أن رسالة محمد، ﷺ ، هي خاتمة الشرائع، ونبوته هي النبوة الخاتمة، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، ﵁ – وأشرنا إليه – قال رسول الله، ﷺ : ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) (٢) وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي، ﷺ يقول: ((ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى ابن مريم، ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (٣).فمسألة نزول عيسى، ﵇، وقتله الدجال والخنزير، وحكمه بشريعة الإسلام من المسائل المقررة التي يعتقدها جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة، وإن قول عيسى، ﵇، في الحديث الذي رواه مسلم حين طلب منه أن يصلي إماماً تأكيداً لقول رسول الله، ﷺ : ((لا نبي بعدي)) (٤). ومعنى ذلك أيضاً أن نبي الله عيسى، ﵇، سينزل حاكماً بشريعة الإسلام، ويُحيي تعاليم الإسلام التي اندرست وغابت عن حياة الناس.
والأمر العجيب حقاً ما يدعيه القاديانيون حيث يدَّعون أن المقصود بالمسيح الموعود في الأحاديث النبوية الشريعة ليس عيسى ابن مريم، ﵇، لأنه مات، وإنما المقصود هو مثيل المسيح، يعني مسيح مثل ابن مريم، ويعنون بذلك مسيحهم المزعوم مرزا غلام أحمد، ويقولون: طالما أن المسيح كان نبياً، فلا ينافي مجيئه مع ختم النبوة.
والحقيقة .. .. إن الأحاديث النبوية الشريفة تبين لنا تعسف القاديانية في تأويلها تأويلاً خاطئاً لصالح زعمهم بأن غلام أحمد هو المسيح ابن الموعود، والأحاديث في نزول عيسى ابن مريم كثيرة كما ذكرنا. فعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: ((كيف أنتم إذا نزل ابن مريم وإمامكم منكم)) (٥).
стр. 4615
والحديث ينص على أن النازل هو عيسى ابن مريم لا مثيله كما يدعي القاديانيون، ويشير أيضاً إلى أن عيسى، ﵇، يُصلي خلف إمام المسلمين، يوم ذاك، فهو لا يؤم في الصلاة، لأنه لن يأتي بشريعة جديدة وإنما يتبع شريعة خاتم الأنبياء، ﷺ ، لأنه لا نبوة بعده ﷺ . وعن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله، ﷺ : (( .. .. فينزل عيسى ابن مريم، ﷺ ، فيقول أميرهم: تعالى فصلِّ فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)) (١).وعن أبي هريرة، ﵁: أن النبي، ﷺ ، قال: ((ليس بيني وبينه نبي يقصد عيسى ابن مريم وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين مصرتين كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون)) (٢).وعن جابر ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: (( .. .. فإذا هم بعيسى ابن مريم، ﵇، فتقام الصلاة فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلى صلاة الصبح خرجوا إليه، فحين يرى الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله حتى إن الشجر والحجر ينادي يا روح الله: هذا اليهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحداً إلا قتله)) (٣).وعن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ ، قال في قصة الدجال: (( .. فينزل عيسى، ﵇، فيقتله، ثم يمكث عيسى، ﵇ في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاًُ وحكماً مقسطاً)) (٤).
وهذه الأحاديث وغيرها تدلنا على أن الذي ينزل هو عيسى ابن مريم، وليس غيره ولا مثيله. وحين نزول عيسى، ﵇، لا ينزل عليه الوحي، ولا يأتي بشريعة جديدة، وإنما سيكون متبعاً لشريعة محمد، ﷺ ، والغرض من نزوله هو القضاء على فتنة الدجال لا الإتيان بنبوة جديدة ورسالة أخرى ..... ويقول الإمام النووي في شرح مسلم: "ينزل عيسى ابن مريم حكماً أي حاكماً بهذه الشريعة، ولا ينزل برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة" (٥).ويقول صاحب تفسير الخازن: " .. فإن قلت قد صح أن عيسى، ﵇، ممن نُبئ قبله، وحين ينزل في آخر الزمان، ينزل عاملاً بشريعة محمد، ﷺ ومصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته" (٦).
فالذي ينزل سينزل في آخر الزمان عيسى ابن مريم، ﵇، وليس ميرزا غلام أحمد كما يزعم ويفتري.
المصدر: القاديانية للدكتور عامر النجار - ص٢٥ - ٣٠
стр. 4616
الرد التفصيلي: جاء في الرسالة (١) ص١: (إن سنة الله العامة الشاملة لجميع بني آدم أن يعيشوا في الأرض، فكيف خرج عيسى بن مريم من هذه السنة المستمرة كما يزعم البعض).
والجواب: إن الذي شاء هذه السنة وأوجدها قادرٌ على أن يستثنى منها من شاء، ولا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
وهل بقاء عيسى ﵇ حيا في السماء بأعجب من ولادته من أم بلا أب؟ أليس في هذا مخالفة للسنة الكونية كما تزعمون؟ وكل جواب تجيبون به على هذا الإيراد هو جوابنا عليكم في قولكم.
جاء في الرسالة ص١ - ٢: الاستدلال بقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:١٤٤] على أن جميع الأنبياء قد توفوا؛ باعتبار أن معنى (خلا): مات، وأن أبا بكر ﵁ استدل بهذه الآية على موت نبينا محمد ﷺ لأن جميع الأنبياء قبله قد ماتوا , وأجمع الصحابة على موته وعلى موت جميع الأنبياء قبله.
والجواب: لو سُلِّم بأن معنى (خلا) في الآية: مات، فقد دلت الأدلة على تخصيص عيسى ﵇ من هذا الحكم، بمعنى أنهم قد ماتوا إلا عيسى ﵇، والتخصيص بدليل منفصل مقبول عند أهل العلم، خاصة وأن كلمة الرسل في هذا السياق ليست نصاً في العموم، هذا إن كانوا يفهمون معنى العموم أو التخصيص.
ثم من نقل إجماع الصحابة على موت جميع الأنبياء بمن فيهم عيسى ﵇؟ وهل هذا إلا محض الافتراء والكذب؟
جاء في الرسالة ص١: (وأما القول بأن عيسى بن مريم ﵇ رُفع إلى السماء حياً، وجلس عن يمين الله، وسينزل من السماء بجسده المادي في آخر الزمان مع الملائكة بكل قوة ويغلب الناس فهو في الحقيقة تصور باطل مأخوذ من عقيدة النصارى وليس بثابت من القرآن الكريم).
والجواب: إن القول برفع عيسى ﵇ حيا ونزوله من السماء بجسده في آخر الزمان حقٌ نطق به القرآن والسنة، وسيأتي بيان ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
وأما قولهم: وجلس عن يمين الله ... إلخ فهذا ليس من قول المسلمين، فلا يلزمون به.
جاء في الرسالة ص١: (ولقد أبطل الله هذه العقيدة في قوله : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ [يس:٣١] أي الموتى لا يرجعون إلى هذه الدنيا أبدا، فكيف يرجع عيسى بن مريم خلافا لما قال الله؟).
والجواب: أولا: إن هذه الآية تخاطب الكفار بالاتعاظ بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كيف لم يكن لهم إلى الدنيا كرة ولا رجعة، هذا معنى الآية.
ثانيا: الآية تتحدث عن الموتى، والمسلمون يقولون إن عيسى ﵇ حي لم يمت، فالدليل ليس في محل النزاع؛ فسقط الاستدلال.
ثالثا: أن الله تعالى إذا شاء إرجاع من مات إلى الحياة مرة أخرى فإنه يكون، ولا يعجزه شيء سبحانه.
ألم يسمع هؤلاء ما أخبر الله به في كتابه من إحياء عيسى ﵇ الموتى بإذن الله وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ [آل عمران:٤٩] بل أعظم من ذلك أنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟
وفي قصة البقرة في سورة البقرة: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:٧٣]، وقصة إبراهيم ﵇: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:٢٦٠]، وغير ذلك كثير.
стр. 4617
وهذا الجواب على سبيل التنزل في الجدال، وإلا فعيسى ﵇ لم يمت كما تقرر آنفا.
جاء في الرسالة (ص١): (لو كان من الممكن رجوع نبي من الأنبياء إلى هذه الدنيا لكان نبينا محمد المصطفى ﷺ أولى وأجدر بأن يرسل مرة ثانية؛ لكماله وفضائله وتفوقه على سائر الأنبياء ﵈.
والجواب: أولا: هذه الشبهة مغالطة مكشوفة؛ لأن الكلام ليس في رجوع نبي بعد موته، وإنما في نزوله وهو حي إلى الأرض؛ فسقطت الشبهة من أصلها.
ثانيا: لا يلزم من أفضلية نبينا محمد ﷺ على سائر الأنبياء أن يثبت له جميع ما يقع لإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدلائل والبراهين – التي تسمى: المعجزات - وإلا فطرد كلامهم يلزم منه عدم صحة ما جاء في القرآن من أن عيسى ﵇ كان يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ لأن ذلك لم يقع لنبينا ﵊، ومثل ذلك يقال عن عصا موسى ﵇ وغيرها من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكل جواب لهم على هذا الإيراد هو جوابنا عليهم في شبهتهم.
ثالثا: أن فيما قدره الله سبحانه من رفع عيسى حيا ثم نزوله في آخر الزمان حكما عظيمة، منها: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه ﵊، وأنه هو الذي يقتلهم ويقتل الدجال معهم.
جاء في الرسالة ص٢ إيراد شبهة لإنكار رفع عيسى ﵇، وهي قولهم: (لقد رُفع عيسى بنفس الطريقة التي رُفع بها الأنبياء الآخرون، فقد قال الله في شأن إدريس ﵇: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:٥٧]، ونفس المعنى لرفع عيسى ﵇ في الآية الكريمة: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:٥٥]، فليس هنالك ذكر للفظ السماء، وكل ما تدل عليه هذه العبارة أن الله سوف يفشل خطة اليهود بقتل عيسى ﵇ على الصليب ليثبتوا أنه - والعياذ بالله – ملعون من الله، وسوف يرفع درجته ويجعله من المقربين، ورفعت روحه كما رفعت أرواح الأنبياء الآخرين).
والجواب: أولا: أن لأهل العلم بالتفسير أقوالا عدة في تفسير قوله تعالى عن إدريس: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:٥٧]، فمن أهل العلم من قال: إن الله رفعه حيا إلى السماء ومات بها، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من السلف، فعلى هذا تكون الآية دليلا عليهم لا لهم.
وقيل: المقصود رفعه في الجنة، والجنة – ولا شك – سيدخلها بجسده وروحه، وذكر الفعل الماضي لا يشكل على هذا؛ إذ هو من باب تأكيد الوقوع، كقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:٧٣]، وقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:٧٢].
وعلى هذا فلا يستقيم الاستدلال.
ثانيا: لو سُلِّم بأن المراد من الآية رفع الدرجات والمنزلة في حق إدريس ﵇ فلا يلزم أن يكون ذلك مدلول الآيات الواردة في عيسى ﵇؛ لأنها صريحة في رفع الجسد والروح معا، لما يأتي:
أن الله تعالى قيد هذا الرفع بأنه إليه حيث قال: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:٥٥]، وقال: بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء:١٥٨]، ومن المتقرر في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أن الله تعالى في العلو، فيكون رفعه ﵇ إلى السماء، بخلاف الرفع في حق إدريس ﵇ فإنه مطلق: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:٥٧]، ويدرك الفرق بين الأسلوبين كل من شم للغة العربية رائحة.
стр. 4618
أنه لو سُلِّم بأن الآية تحتمل معنى رفع المنزلة والمكانة؛ فإن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع صريحة المعنى وقاطعة الدلالة على أن الرفع كان للروح والجسد معا، وكذا النزول آخر الزمان.
ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير)) البخاري ٤/ ١٣٤ ومسلم ١/ ١٣٥.
وفي (صحيح مسلم) ٤/ ٢٢٥٣ أنه ﵊ قال: (( ... إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين " أي ثوبين مصبوغين " واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه " أي يطلب الدجال " حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة)).
والأحاديث في هذا بالعشرات، فهل يُقال بعد ذلك إن هذا الرفع كان للروح فقط؟
ولو كان المقصود برفع عيسى رفع روحه كما جاء في الرسالة فما هي الميزة لعيسى ﵇؟ إذ سائر المؤمنين إذا قُبضت أرواحهم عُرج بها إلا السماء!
ج - أن قوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء:١٥٧] دليل واضح كالشمس على ما تقرر آنفا مما يؤمن به المؤمنون قاطبة؛ فقوله تعالى: بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء:١٥٨] يدل على أن رفعه كان للبدن والروح؛ إذ لو أريد موته لقيل: وما قتلوه وما صلبوه بل مات، وهذا واضح تمام الوضوح لمن تأمل، وكان ذا بصيرة وحسن قصد.
جاء في الرسالة ص٢: (كما أن النبي ﷺ رآه ليلة المعراج في الموتى مع يحيى ﵇.
والجواب: كون النبي ﷺ رآه في السماء مع يحيى على أي شيء يدل؟
وما المانع أن يكون حيا بجسده وروحه في السماء وسائر الأنبياء بأرواحهم؟ وهل تقاس هذه الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة؟
إن على المؤمن الذي آمن بالله ربا وبالنبي ﷺ نبيا وبالإسلام دينا أن يؤمن ويُسلِّم بكل ما جاء في الوحي الشريف دون الدخول بعقله فيما لا يدرك.
وإلا فيلزم القاديانيين أن يكذبوا بالمعراج من أصله؛ إذ كيف عُرج بالنبي ﷺ إلى السماء وسلّم على الأنبياء وخاطبهم وهو حي وهم أموات؟ فكما يقولون في هذا فليقولوا في ذاك.
جاء في الرسالة ص٢: ذكر ما حصل في واقعة الصلب، وخلاصة ما ذُكر: أن عيسى ﵇ لم يُرفع حيا، ولم يُلق شبهه على أحد، وإنما عُلق على الصليب بضع ساعات، ولما أُنزل كان في حالة إغماء شديد حتى خُيل إليهم أنه قد مات، ثم بعد واقعة الصلب هاجر من فلسطين إلى البلاد الشرقية: العراق وإيران وأفغانستان وكشمير والهند، وعاش عشرين ومائة سنة.
هكذا ذكرت الرسالة! وكأن كاتب هذه القصة قد حضرها، أو بُعث إليه من قبره من حضرها ففصَّل له خبرها!
ولا يخفى على العقلاء أن الدعاوى أمرها سهل، وأن كلا يستطيع أن يدعي ما يشاء، لكن الشأن في ثبوت هذه الدعوى بدليل مقنع، وإلا فإنه لا قيمة لها عند من يحترم عقله.
وهذه القصة المزعومة، وتلك التفاصيل التي أوردوها ليس من طريق للعلم بها إلا الوحي.
стр. 4619
وإنني أدعوا القاديانيين جميعا أن يبحثوا في كتب السنة جميعها عشر سنين، وإن شاؤوا معها أخرى وثالثة ورابعة حتى يأتوا بنص صحيح عن رسول الله ﷺ أو عن أحد من أصحابه يسرد القصة مثل سردهم.
وإن كان خيرا لهم وأقوم أن يعودوا إلى جادة الحق والرشد، ويعلموا أنه لن ينجيهم من عذاب الله إلا صدق الإيمان وصحة الاتباع، والبراءة من هذا الدين المعوج الساقط، الذي تمجه العقول وتأباه الفِطر، والله الهادي.
جاء في الرسالة ص٣ - ٤: (واعلموا أن القرآن المجيد لا يسمح لأحد أن يصعد إلى السماء بجسده ثم ينزل منها، ألا تعلمون أن الكفار طالبوا النبي ﷺ أن يرقى في السماء وينزل عليهم كتابا يقرؤنه دليلا على أنه صعد إلى السماء، فرد الله عليهم: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء:٩٣]، فلو كان الصعود إلى السماء بالجسد ممكنا لبشر لكان النبي ﷺ أولى وأجدر أن يصعد إلى السماء أمام أعين الكفار ليؤمنوا به، فالأمر الذي لم يجز لأفضل الرسل محمد ﷺ كيف جاز لعيسى بن مريم ﵇ ... ).
والجواب: أقول وبالله التوفيق: إن هذه الفئة المارقة لا تفتأ تتشبث بأي شبهة استدلال حتى ولو كانت في الوهن كبيت العنكبوت، لكنها في الواقع شاهدة على ضلالهم وانحرافهم، ومن ذلك هذا الاستدلال الساقط الذي يظهر ضعفه ووهاؤه لكل ذي عينين، وسوف أذكر شيئا من ذلك فيما يأتي:
أولا: لقد ادعوا أن القرآن لا يسمح لأحد أن يصعد إلى السماء بجسده ثم ينزل منها؛ فيقال لهم:
ماذا تقولون في معراج النبي ﷺ ، أليس صعودا إلى السماء ثم نزولا منه؟ وجماهير المسلمين على أن ذلك كان بجسده وروحه. هل سيسلمون بذلك كحال المسلمين فتنقطع حجتهم؟ أم سيبادرون بالإنكار والتأويل – كعادتهم – فينكشف أمرهم للمسلمين أكثر؟!
ثانيا: أن الدعوى أعم من الدليل فلا يستقيم الاستدلال؛ بمعنى أنه إذا سُلم أن الآية تدل على الامتناع فإنها واردة في شأن أمرين: صعود إلى السماء مع تنزيل كتاب يُقرأ، والبحث ههنا في قضية واحدة، وهي الصعود، فلا يلزم أن يكون ذلك ممتنعا.
ثالثا: هل عدم الاستجابة يدل على امتناع تحقق المطلوب؟ لا شك أن كل مسلم سيجيب بالنفي؛ فإن الله تعالى لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات.
يوضح ذلك أن النبي قال سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء:٩٣]، ولم يقل: وهل يمكن أن يقع ذلك؟ أو نحوه، بل إن قوله ذلك يدل على أن المطلوب أمر لا يمتنع وقوعه، وإنما الأمر لله سبحانه الفعال لما يريد، إن شاء أجاب إلى ما سألوا، وإن شاء لم يجب، وما هو إلا رسول يبلغ رسالات الله وينصح لهم.
رابعا: إن كان يمتنع – كما يزعمون – الصعود إلى السماء فليمتنع أيضا ما ورد في السياق نفسه: وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا [الإسراء:٩٠ - ٩١] إلى أن قال: أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء [الإسراء:٩٣]، فليقولوا باستحالة تفجير الينابيع من الأرض، وأن القرآن يمنع من ذلك، وليكونوا ضحكة العقلاء.
أولا يعلمون أن موسى ﵇ ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأعظم من ذلك أن النبي ﷺ نبع الماء من بين أصابعه ﵊، فإذا أمكن ذلك فلماذا لا يمكن الصعود إلى السماء؟!
جاء في الرسالة ص٤: أن عقيدة وفاة عيسى تمسك بها صلحاء الأمة وكبراء علمائها.
стр. 4620
وعددوا منهم أربعة عشر اسما فقط، ولا أدري عن بقية علماء الأمة، ما موقفهم من هذه القضية في نظر القاديانيين؟ وما موقفهم من العلماء الكثر الذين نقلوا إجماع العلماء على رفع عيسى ونزوله من السماء؟
وهؤلاء المذكورون سأورد ما يتعلق بهم فيما يأتي:
أولا: لقد نسبوا هذه العقيدة لابن عباس ﵄؛ استنادا لتفسيره قوله تعالى: مُتَوَفِّيكَ [آل عمران:٥٥] أي: مميتك.
والجواب عن هذه الشبهة باختصار: أن مراده ﵁: وفاته آخر الزمان بعد نزوله، يؤكد هذا ما أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في هذه الآية: (رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان)، انظر: (الدر المنثور) (٢/ ٣٦).
وابن عباس ﵄ هو الذي يفسر كلامه، وليس بحاجة إلى القاديانيين ليحملوا كلامه حسب أهوائهم.
وعلى هذا فإن في الآية تقديما وتأخيرا؛ أي: رافعك إلي ومتوفيك بعد ذلك.
وتقديم التوفي على الرفع في الذكر لا يقتضي التقدم في الزمن؛ لأن الصحيح أن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب.
وتتميما للفائدة أذكر أن لأهل العلم في تفسير الآية أقوالا أخرى، منها:
أن التوفي بمعنى القبض، وليس الوفاة المعروفة.
ومنها أن الوفاة هنا بمعنى النوم، أي رفعه الله وهو في حالة النوم، والنوم يسمى وفاة، كما قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:٤٢]، وقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [الأنعام:٦٠].
ثانيا: جاء في الرسالة ص٤ أن الإمام مالكا ﵀ قال: (مات عيسى)، وأحالوا إلى الشيخ علامة طاهر، بحار الأنوار. هكذا! وهذا من أسمج الكذب وأقبحه، ينقلون عن هذا الإمام الجليل هذه الكلمة في هذا الموضوع الخطير من كتاب لا يعرف لدى المالكية ولا غيرهم، فأين كلامه في الموطأ والمدونة؟ وأين كلامه في مصنفات تلاميذه وأتباع مذهبه؟
ثم إنني قلت: لعلهم يقصدون كتاب: (مجمع بحار الأنوار) لمحمد بن طاهر الفتني، وبعد بحث في مظان الموضوع فيه تبين أنه ليس فيه نقل عن الإمام مالك بن أنس في هذا الموضوع، وإنما فيه تقرير مؤلفه عقيدة المسلمين في رفع عيسى ونزوله، وإجابة عما يُتوهم من معارضة ذلك لقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:٥٥]، انظر ٥/ ٩١ من الكتاب المشار إليه.
ثالثا: زعمت الرسالة ص٤ أن الفخر الرازي يرى هذا الرأي أيضا، ونقلوا عنه ما يأتي: (قال الإمام الرازي في تفسير الآية: (يا عيسى إني متوفيك: أي إني مُنهٍ أجلك، ورافعك أي رافع مرتبتك ورافع روحك إلي ... ثم يقول: (واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله تعالى: ورافعك إلي [آل عمران:٥٥] , هو رفع الدرجة والمنقبة لا المكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة والمكانة (تفسير الفخر الرازي).
والجواب عن ذلك ما يأتي:
أن العبارة الأولى المنقولة هي من جملة كذبهم الكثير؛ إذ لا وجود لها البتة! والتفسير موجود ونسخه منتشرة.
وإذا كان كثير من المشركين والكفار يأنفون من الكذب لأنه في معيار القيم والأخلاق غايةُ السفول؛ فإن القاديانيين لا يزالون يرتكسون في حمأته المرة تلو الأخرى، والحمد لله الذي فضحهم بأقلامهم، وسيأتي ما يفضحهم أكثر.
أن الرازي أورد في تفسير الآية أوجها عديدة فيها التصريح بأن عيسى ﵇ رُفع إلى السماء بجسده، وأنه حي فيها حتى ينزل إلى الأرض.
стр. 4621
بل إنه في أحد تلك الأوجه نقل الآتي: (ولما علم أن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه ﵇ رُفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده) فماذا سيقول القاديانيون بعد هذا الكلام؟!
أما العبارة الثانية التي نقلوها فإنها موجودة في آخر ذاك الموضع، وهذه عادة أهل الانحراف والهوى يأخذون من الكلام ما يوافق أهواءهم ويغطون ما سواه.
إن الناظر في كلام
الرازي يلحظ أنه قرر عقيدة المسلمين المعروفة بكلام طويل، ثم عقب بهذه العبارة، وتوجيه ذلك عندي أن له محملين:
الأول: أن كلامه هنا عن علو الله تعالى، إذ الرازي ينفي علو الله تعالى على طريقة الجهمية، فيكون تعليقه على كلمة (إلي) في الآية، وليس مقصوده ما يتعلق بعيسى ﵇ لأنه قد مضى الحديث عنه، وقد قرر عقيدته في ذلك بكل وضوح، ومن ذلك قوله: (وقد ثبت الدليل أنه حي، وورد الخبرعن النبي ﷺ أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك) ٨/ ٦٠.
الثاني: أن يقال: إنه لا يرى أن هذه الآية تدل على رفع عيسى إلى السماء – فرارا من الإلزام بإثبات علو الله سبحانه – وإن كان يرى أن أدلة أخرى تدل على ذلك، وعدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر، ويشهد لصحة هذا التوجيه كلامه المنقول آنفا. والنتيجة أن الرازي يعتقد رفع عيسى ونزوله، فليس في كلامه للقاديانيين مستمسك.
رابعا: جاء في ص٤ - ٥ نسبة هذه العقيدة لابن حزم يرحمه الله، وأنه يرى أن عيسى قد مات، وأحالوا إلى كتابه (الفِصَل) عند كلامه عن المسيحية.
ولا أدري هل هؤلاء يكتبون لأناس لا عقول لهم ولا أبصار، أو أنهم لا يفهمون ما يقرؤن؟ فالكتاب مشهور، ولم يذكر فيه مؤلفه كلمة واحدة مما نسبوه إليه، بل على العكس من ذلك فإنه يقرر رفع عيسى ﵇ شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين، انظر: الفصل ٢/ ٢٠٦ - ٢٢٨.
ألا فليتفضلوا ببيان هذا الكلام المزعوم عنه نصا، مع الإحالة إلى الجزء والصفحة، وإلا فليشهدوا على أنفسهم – وليشهد المسلمون أيضا – أنهم من الكاذبين، ولعنة الله على الكاذبين. خامسا: أحالوا في ص٥ هذا الهراء إلى الألوسي ﵀، وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (١)، وإن العجب لا ينقضي من تمادي هؤلاء الضالين في الكذب دون حياء، فالألوسي ﵀ يقرر عقيدة المسلمين في هذه القضية، واسمع كلامه في تفسيره روح المعاني٣/ ١٧٩: (والصحيح كما قاله القرطبي أن الله تعالى رفعه من غير وفاة ولا نوم، وهو اختيار الطبري والرواية الصحيحة عن ابن عباس).
هذا وقد أحالوا إلى آخرين من مفكري العصر الحديث، أشك في نسبة ما ذكروا إليهم، وقد جُرب على القاديانيين الكذب الكثير، ولا حاجة إلى بذل الجهد في تتبع ذلك؛ لأنه لو ثبتت صحة ما نسبوا إليهم فإنهم ليسوا من الأئمة الذين يُرجع إليهم في مثل هذه القضايا، وهكذا طريقة أهل الأهواء إذا أعيتهم الحيل ذهبوا يبحثون في ركام الزلات وعند خاملي الذِّكر لعلهم يجدون عندهم ما يسند بناءهم المتهدم.
وإني سائل سؤالا أدع إجابته للقاديانيين وحدهم: إن بعض من سميتم وزعمتم أنهم قائلون بموت المسيح ﵇ قد أدركوا زمن القادياني المتنبئ الكذاب، فماذا كان رأيهم فيه؟ هل كانوا يرونه المسيح والمهدي كما تزعمون؟ أم كانوا يرونه كذابا ضالا كافرا؟ وليتذكروا أنهم وصفوهم بأنهم من علماء الأمة! أجزم أنهم يعلمون الجواب علم اليقين.
стр. 4622
جاء في الرسالة ص٦: (واعلموا أن أكثر الأحاديث الواردة في شأن الدجال ونزول المسيح ابن مريم وعلامات ظهوره إنما هي كشوف ورؤى للنبي ﷺ ، ولا يمكن أن تحمل على ظاهرها، وأكثرها تتطلب التأويل، ولفظ (ابن مريم) الوارد في الحديث إنما هو اسم وصفي أُطلق على رجل تقي مؤمن، كما استعمل اسم (امرأة فرعون) و (مريم بنت عمران) وصفا لكل مؤمن في القرآن المجيد).
أقول: إنني لا أرى أن اجتراء هؤلاء على افتراء الكذب على الله أمرا غريبا؛ فالشيء من معدنه لا يُستغرب، وإنما العجب من عقول القطعان الجاهلة التي أسلست قيادها لهؤلاء الضالين، وتلقت هذا الإفك بالقبول، وصدق الله: وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا [المائدة:٤١].
إن مجرد نقل هذا الكلام كاف في إفساده.
لو سُلم جدلا أن أكثر الأحاديث الواردة في هذا الموضوع إنما هي كشوف ورؤى؛ أليست رؤى الأنبياء وحي؟ أو أنهم لا يؤمنون بذلك؟! وماذا عن القليل - الذي هو سوى الأكثر - ما حاله عندهم؟
وإذا كان أكثر الأحاديث يتطلب التأويل، فكيف سيصنعون بأقلها؟
لقد اتضح لأهل الإيمان أن النصوص الشرعية أصبحت نهبا عند هؤلاء النوكى؛ فيحورون ويؤولون، ويصرفون ويبدلون كما يشاؤون؛ فابن مريم في الحديث ليس النبي المعروف، وامرأة فرعون ومريم بنت عمران وصف لكل مؤمن!
وعلى هذه القاعدة التي يُصرف بها عن معناه كل ما لا يوافق الأهواء يمكن أن يقال: إن النصوص الواردة في الصلاة ليس المقصود بها الصلاة المعروفة وإنما شيء آخر، وكذا نصوص الزكاة والصوم، أما الحج فليس على ظاهره، ونصوص المعاد لا يراد بها حقيقتها، بل النبي محمد ﷺ لا يُراد بكل النصوص التي ورد فيها ذكر اسمه ذاته الشريفة، وإنما يراد ببعضها رجل صالح من أمته! .. وهكذا أصبح الإسلام وأدلته ألعوبة بأيدي القاديانية الأحمدية، فقاتلهم الله أنى يؤفكون.
ثم جاء في خلاصة تلك الرسالة المتهافتة ص٦:) فالمراد من نزول عيسى بن مريم بعثة رجل آخر من أمة المصطفى ﷺ يشبه عيسى بن مريم في صفاته وأعماله وحالاته، وقد ظهر هذا الموعود في قاديان الهند باسم ميرزا غلام أحمد إماما مهديا، وجعله الله مثيل المسيح عيسى بن مريم ﵇، فكان هو المسيح الموعود والإمام المهدي للأمة المحمدية ... ) إلى آخر ذاك الهراء.
ولا أظن أني بحاجة إلى رد هذا الكلام الساقط، وقد بين كثير من العلماء كذب هذا الأفاك الأثيم في دعواه، وكذب أتباعه من بعده، ومن تلك المؤلفات الحسنة كتاب: (القاديانية) للشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀.
لكني سأذكر باختصار لمن هو مرتاب في أمره: لقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله علي وسلم بأوصاف عيسى ﵇ عند نزوله، فهل انطبق منها حرف واحد على كذاب قاديان؟ هل نزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين ملَكين؟ هل مات كل كافر وَجد ريح نَفَسه؟ هل قتل الدجال؟ هل كسر الصليب؟ هل كان حاكما عادلا؟ هل قتل الخنزير؟ هل جمع الناس على دين واحد هو دين الإسلام؟ هل كثر المال في عهده؟ هل وقعت الأمنة في الأرض؟ هل حج بعد نزوله؟ هل هل ... أسئلة كثيرة أطرحها لمن كان فيه أدنى مسكة من عقل أو جذوة من إيمان.
المصدر: التوضيح لإفك الأحمدية (القاديانية) في زعمهم وفاة المسيح لصالح بن عبد العزيز السندي - مقال
стр. 4623
أولاً: ختم النبوة في القرآن الكريم:
لقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة وهذا الأصل قال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠].
وعلى قراءة: خاتم بكسر التاء فهذا وصف له، ﷺ ، بأنه ختم الأنبياء، وأنه ليس بعده نبي، وكذا بفتح التاء، فإن كلاً منهما يُستعمل بمعنى الآخر. ويؤكد هذا المعنى حديث رسول الله، ﷺ ، في صحيح البخاري، فعن أبي هريرة، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)) (١).
وهذا الأمر أجمع عليه أهل الإسلام، قال الإمام ابن عطية في تفسير قوله تعالى: أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفاً وسلفاً متعلقة على العموم التام، مقتضية نصاً: أن لا نبي بعده، ﷺ ".إن القرآن الكريم واسلنة المطهرة يبينان للخلق جميعاً أن الرسول، ﷺ ، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، يقول ابن كثير: "أخبر الله تعالى في كتابه ورسوله، ﷺ ، في السنة المتواترة عنه أن لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل" (٢).
لقد انقطع وحي السماء إلى الأرض بختم نبوة محمد، ﷺ ، يقول تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:٤٠] أي آخرهم، فخاتم كل شيء أي عاقبته وآخره. قال ابن حيان في تفسيره البحر المحيط: "قرأ الجمهور وخاتم النبيين بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم أي جاء آخرهم" (٣).وقال القاسمي في تفسيره محاسن التأويل: "تمت الرسالات برسالته إلى الناس أجمعين، وظهر مصداق ذلك بخيبة من ادعى النبوة بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها" (٤).ويقول ابن الجوزي: "ومن قرأ "خاتم" بكسر التاء فمعناه وختم النبيين، ومن فتحها فالمعنى آخر النبيين" (٥).ويقول العلامة ابن كثير: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس" (٦).
ولأن الله جعل نبيه محمداً، ﷺ ، خاتم الأنبياء والرسل أجمعين فقد جعل رسالته عامة للبشر جميعاً يقول تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:١٥٨].يقول الإمام الطبري في تفسيره: "قل يا محمد للناس كلهم إني رسول الله إليكم جميعاً لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلاً إلى بعض الناس دون بعض" (٧).
стр. 4624
وتأكيداً لهذا المعنى فقد امتلأ كتاب الله تعالى بآيات كثيرة تبين للناس أن صاحب الرسالة الخاتمة، ﷺ ، رسالته عامة للبشر جميعاً يقول تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ [سبأ:٢٨]. وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧]. وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:١٥٨].
ولأن الله جعل الإسلام الدين الخاتم، ورسوله الرسول الخاتم، لذا فقد كمل الدين بالنبوة الخاتمة التي لا نبوة بعدها، يقول تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣].وأخرج الإمام الطبري عن ابن عباس، ﵁، قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وهو الإسلام. قال أخبر الله نبيه، ﷺ ، والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً" (١).
ولأن رسالة محمد، ﷺ ، الرسالة الخاتمة، ولأن دينه خاتم الأديان، لذا كانت معجزته عقلية خالدة، باقية ما بقي الزمان، فقد كانت الرسالات السابقة على الإسلام معجزاتها حسية لا تتجاوز فترة حياة النبي صاحب المعجزة, أما معجزة محمد، ﷺ ، فهي باقية، لأنها تخاطب العقل في كل زمان ومكان.
ولقد تحدى القرآن الكريم أن يأتي العرب وغير العرب بمثل سورة منه فعجزوا عن ذلك منذ نزل القرآن الكريم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يقول تعالى في عظمة وقوة: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:٨٨].
ويقول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: "فهذا القضاء الحاتم منه –تعالى - بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بشيء من مثل ما تحداهم به ليس قضاء بشرياً، ومن الصعب بل ومن المتعذر أن يصدر عن عاقل التزام كالذي التزمه، وشرط كالذي شرطه على نفسه، لغلبة الظن عند من له شيء من العقل أن الأرض لا تخلو من صاحب قوة مثل قوته، وإنما ذلك هو الله المتكلم، والعليم الخبير، والناطق على لسانه، ﷺ ، وقد أحاط علمه بقصور جميع القوى عن تناول ما استنهضم له وبلوغ ما حثهم عليه" (٢).
والحقيقة كما يقول عفيف طبارة: "إن معجزات الرسل السابقين الدالة على صدق نبوتهم هي وقائع تنقضي، يراها الذين عاصروا الأنبياء فيؤمنون حث الإيمان بمن جاءت على يدهم ولا يراها الذين يأتون من بعدهم، بل تصل إليهم أخبارها فيضعف تأثيرها على الأمم التابعة .. .. والآن بعد أن ترقى العقل وكثرت المعارف ودخلت الشبهات على الأديان ضعف تأثير هذه المعجزات على أتباع الأديان، أو بالأحرى ضعف الإيمان وسرى الإلحاد، فكان الدين بحاجة إلى دلائل وبراهين على صحته غير البراهين السالفة" (٣).
لقد كان القرآن الكريم معجزة محمد، ﷺ ، ومعجزة الدين الخاتم والرسالة الخاتمة: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]
стр. 4625
ثانياً: خصائص القرآن دليل على ختم نبوته:
يقول تعالى في سورة المائدة: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].
هذه الآية الكريمة تبين لما بوضوح أن القرآن الكريم هو المصدق للكتب السماوية السابقة على الإسلام، وأنه الشاهد والمهيمن عليها والمبين لما فيها من خطأ أو صواب، وهذا يؤكد لنا أن القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، لهذا جعله الله تعالى بياناً لما اختلفوا فيه في كتبهم، يقول تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ [النحل: ٦٤].يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني في فتح القدير: "إن القرآن صار شاهداً بصحة الكتب المنزلة، ومقرراً لما فيها مما لم ينسخ، ناسخاً لما خالفه منها، ورقيباً عليها، وحافظاً لما فيها من أصول الشرائع، وغالباً لها كونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ" (١).
يقول تعالى: مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:٩٧]. ولقد أنزل الله على رسوله الكريم لينذر به الخلق جميعاً، قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧]. وقال تعالى: وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [القلم: ٥٢].
ولقد تكفل الله بحفظ هذا الكتاب من كل تحريف أو زيادة أو نقص: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
وهذا عكس الكتب السابقة حيث استحفظ الله الربانيون والأحبار على كتابه واستأمنهم عليه، لكنهم لم يكونوا أمناء لكنهم لم يكونوا أمناء على ما استحفظوا عليه.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:٩] أي حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلاً أو تنقص منه حقاً، فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظاً، وقال في غيره: "بما استحفظوا" فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا " (٢).