← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أما من رأى من أهل العلم أن من خالف السنة في باب من أبواب الاعتقاد ووافقها في باب آخر فهو من أهل السنة فيما وافق فيه السنة، وليس منهم فيما خالفهم فيه، وذلك من باب أن المرء يمدح بقدر ما فيه من موافقة السنة، ويذم بقدر ما فيه من مخالفتها، وأن إخراج قوم من مسمى "أهل السنة"؛ لأنهم خالفوا السنة في باب دون باب، فيه مجانبة للعدل والإنصاف، من رأى هذا الرأي قال مثلاً: الأشاعرة من أهل السنة في أبواب الإيمان والعقيدة التي لم يخالفوهم فيها، وليسوا منهم في باب الصفات وما خالفوا فيه. والذي أميل إليه: أن لا يقال: "الأشاعرة من أهل السنة" إلا بقيد، فيقال: هم من أهل السنة في كذا، في الأبواب التي لم يخالفوا فيها مذهب أهل السنة. لأننا إذا أطلقنا القول بأنهم من "أهل السنة" التبس الأمر وظن من لا دراية له بحالهم أنهم على مذهب أهل السنة والسلف في كل خصال السنة، والواقع أنهم ليسوا كذلك. بل في أقوالهم ما يخالف السنة في كثير من أبواب الاعتقاد. فليسوا على السنة المحضة في كل اعتقاداتهم. وإذا أطلقنا القول بأنهم ليسوا من أهل السنة، كان ذلك حكماً بأنهم خالفوا السنة في كل أبواب الاعتقاد، والأمر ليس كذلك فقد وافقوا أهل السنة في أبواب الصحابة والإمامة وبعض السمعيات. فالعدل والإنصاف يقتضي أن يحكم على كل بما يستحق على ضوء ما رضي لنفسه من قول واختط من نهج. المصدر: وسطية أهل السنة بين الفرق لمحمد باكريم - ص ٤١ هنالك لبس كبير يقع فيه بعض الناس قديما وحديثا, ذلكم هو دعوى الأشاعرة بأنهم أهل السنة, ووصفهم بذلك من غيرهم – أحيانا – وهذه دعوى عريضة فيها الكثير من الإيهام والخلط. أولا: أن أهل السنة والجماعة: سموا بذلك لأنهم هم الذين على سنة رسول الله ﷺ , وهم الجماعة الذين ذكرهم رسول الله, ﷺ . وعليه فأهل السنة: الصحابة والتابعون ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. ولم يبتدع ولم يغير, ومن غير أو بدل أو أحدث في الدين ما ليس منه وما لم يكونوا عليه في الاعتقاد والسنة فليس منهم فيما غير أو بدل. ثانيا: أما الأشاعرة: فإنهم فرقة كلامية طارئة, نشأت بعد القرون الفاضلة فهي تنتسب إلى الإمام أبي الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤هـ) ﵀ وكان معتزليا, ثم تحول عن المعتزلة عام (٣٠٠هـ) تقريبا, وصار يرد عليهم بأساليبهم الكلامية من جانب, وبنصوص الكتاب والسنة من جانب آخر, وبهذا وقف للمعتزلة وتصدى لهم وهو ومن نهج منهجه حتى أفحمهم وهذا عمل جليل يحمد له. وفي هذا الجو نشأ مذهب عقدي تلفيقي مخضرم, لا هو سني خالص ولا كلامي عقلاني خالص, حتى هدأت العاصفة وانجلى غبار المعركة ضد المعتزلة, وقد أبلى فيها الإمام أبو الحسن الأشعري بلاء حسنا, وخرج منتصرا على المعتزلة والجهمية, ومن سلك سبيلهم, وهنا استبصر الأشعري الحق وعرف أنه إنما انتصر بتعويله على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , ونصره للسنة وأهلها, وقوفه مع أئمة السلف الآخرين.

стр. 632

ثم تراجع عن مقولاته في الصفات وغيرها التي سلك فيها مسلك التأويل والتعويل على العقل, والكلام في أمور الغيب والصفات والقدر فقرر أن يلحق بركب أهل السنة والجماعة فأبان عن ذلك في كتابه (الإبانة) ووفقه الله للتخلص من التلفيق العقدي فقال:" ..... وقولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا وبسنة نبينا محمد ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين, وأئمة الحديث, ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل – نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته – قائلون, ولمن خالف قوله مجانبون ..... " (١). لكن مذهبه الثاني: النقلة من الاعتزال إلى طريقة ابن كلاب الكلامية – بقي مذهبا يحتذى إلى اليوم, لأنه يشبع رغبات الفلاسفة والمتكلمين, وأهل التأويل. فالأشاعرة تنتسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري قبل عودته إلى أهل السنة, وبعد فراره من الاعتزال, وبالرغم من أنه تخلى عن هذا المذهب, وكتب خلافه في (الإبانة) والمقالات, إلا أن الشاعرة لا يزالون يحملونه تبعته ... فالأشاعرة مذهب طارئ ملفق بين أهل السنة وأهل الكلام, لذلك صاروا أقرب الفرق الكلامية إلى أهل السنة. ومن جانب آخر فالأشعرية مرت بأطوار تاريخية في كل طور تزداد الشقة بينهم وبين أهل السنة ولا سيما بعد ما أدخل فيها زعماؤهم اللاحقون تلك الأسس والمعتقدات الدخيلة من: الفلسفة, والتصوف, والمنطق, والكلام, والجدل, حتى صارت عقيدة الأشاعرة مزيجا من تلك الأخلاط. ومن أبرز أولئك: الباقلاني, المتوفى سنة (٤٠٣هـ) والقشيري المتوفى سنة (٤٦٥هـ) وأبو المعالي الجويني, المتوفى سنة (٤٧٨هـ) , وابن العربي المتوفى سنة (٥٤٣هـ) , والغزالي, المتوفى سنة (٥٠٥) , والفخر الرازي, المتوفى سنة (٦٠٦هـ) , والآمدي المتوفى سنة (٦٨٢هـ) , ونحوهم. غفر الله لنا ولهم فأصبحت الأشاعرة اليوم مزيجا من المشارب والمعتقدات بين أهل السنة والفلسفة والتصوف, وعلم الكلام, لذلك نجدهم أكثر من ينتسبون للسنة وقوعا في المخالفات العقدية والعبادية (أي بدع العقائد والعبادات) وهذا بخلاف أهل السنة في كل زمان, كما نجد أن كثيرا من الأشاعرة (حاليا) منضوون تحت الطرق الصوفية البدعية. وتكثر فيهم بدع القبور والتبرك البدعي بالأشخاص والأشياء, وبدع العبادات والأذكار والموالد ونحوها. وهذه البدع هي التي تميزهم – حاليا – عن أهل السنة بوضوح. فمن خلال الواقع اليوم, يندر أن ترى أحدا من الأشاعرة إلا ولديه شيء من البدع أو الميل إلى ذلك, أو التساهل وعدم الاكتراث بهذه المسألة الخطيرة, بينما العكس فيمن ينتسبون – حقا – لأهل السنة, فإنه يندر أن تجد فيهم من يتعرق بشيء من البدع, إلا عن جهل وهذا قليل جدا بحمد الله. لذا يطلق الأشاعرة المعاصرون تبعا للرافضة وسائر الطوائف غير السنية على أهل السنة في سائر بلاد المسلمين اليوم (وهابية) نسبة إلى الداعي المصلح محمد بن عبد الوهاب – ﵀ – كما أنهم قديما كانوا يطلقون على أهل السنة (الحنابلة) نسبة لإمام السنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وما علموا أن نبذهم باسم هذين الإمامين أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الوهاب تزكية لهم وهو شرف وشهادة لهم بأنهم مقتدون بأئمة الهدى. المصدر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها لناصر العقل – ص٥٤

стр. 633

إن مصطلح أهل السنة والجماعة يطلق ويراد به معنيان: أ- المعنى الأعم: وهو ما يقابل الشيعة فيقال: المنتسبون للإسلام قسمان: أهل السنة والشيعة، مثلما عنون شيخ الإسلام كتابه في الرد على الرافضي (منهاج السنة) وفيه بين هذين المعنيين (١)، وصرح أن ما ذهبت إليه الطوائف المبتدعة من أهل السنة بالمعنى الأخص. وهذا المعنى يدخل فيه كل من سوى الشيعة كالأشاعرة، لاسيما والأشاعرة فيما يتعلق بموضوع الصحابة والخلفاء متفقون مع أهل السنة وهي نقطة الاتفاق المنهجية الوحيدة كما سيأتي. ب- المعنى الأخص: وهو ما يقابل المبتدعة وأهل الأهواء، وهو الأكثر استعمالاً في كتب الجرح والتعديل، فإذا قالوا عن الرجل أنه صاحب سنة أو كان سنياً أو من أهل السنة ونحوها، فالمراد أنه ليس من إحدى الطوائف البدعية كالخوارج والمعتزلة والشيعة، وليس صاحب كلام وهوى. وهذا المعنى لا يدخل فيه الأشاعرة أبداً، بل هم خارجون عنه وقد نص الإمام أحمد وابن المديني على أن من خاض في شيء من علم الكلام لا يعتبر من أهل السنة وإن أصاب بكلامه السنة حتى يدع الجدل ويسلم للنصوص، فلم يشترطوا موافقة السنة فحسب، بل التلقي والاستمداد منها (٢)، فمن تلقى من السنة فهو من أهلها وإن أخطأ، ومن تلقى من غيرها فقد أخطأ وإن وافقها في النتيجة. والأشاعرة – كما سترى – تلقوا واستمدوا من غير السنة ولم يوافقوها في النتائج فكيف يكونون من أهلها. وسنأتي بحكمهم عند أئمة المذاهب الأربعة من الفقهاء فما بالك بأئمة الجرح والتعديل من أصحاب الحديث: ١ - عند المالكية: روى حافظ المغرب وعلمها الفذ ابن عبد البر بسنده عن فقيه المالكية بالمشرق ابن خويز منداد أنه قال في كتاب (الشهادات) شرحاً لقول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء، وقال: " أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها (٣). وروى ابن عبد البر نفسه في الانتقاء عن الأئمة الثلاثة " مالك وأبي حنيفة والشافعي " نهيهم عن الكلام وزجر أصحابه وتبديعهم وتعزيرهم، ومثله ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) فماذا يكون الأشاعرة إن لم يكونوا أصحاب كلام؟ ٢ - عند الشافعية: قال الإمام أبو العباس بن سريج الملقب بالشافعي الثاني، وقد كان معاصراً للأشعري: " لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة بل نقبلها بلا تأويل ونؤمن بها بلا تمثيل "

стр. 634

قال الإمام أبو الحسن الكرجي من علماء القرن الخامس الشافعية ما نصه: " لم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري ويتبرأون مما بنى الأشعري مذهبه عليه وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت من عدة من المشايخ والأئمة "، وضرب مثالاً بشيخ الشافعية في عصره الإمام أبو حامد الإسفرائيني الملقب "الشافعي الثالث" قائلاً: " ومعلوم شدة الشيخ على أصحاب الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلق عنه أبو بكر الراذقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه (اللمع) و (التبصرة) حتى لو وافق قول الأشعري وجهاً لأصحابنا ميزه وقال: " هو قول بعض أصحابنا وبه قالت الأشعرية ولم يعدهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلاً عن أصول الدين " (١) أ. هـ. وبنحو قوله بل أشد منه قال شيخ الإسلام الهروي الأنصاري (٢).٣ - الحنفية: معلوم أن واضع الطحاوية وشارحها كلاهما حنفيان، وكان الإمام الطحاوي معاصراً للأشعري وكتب هذه العقيدة لبيان معتقد الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وهي مشابهة لما في الفقه الأكبر عنه وقد نقلوا عن الإمام أنه صرح بكفر من قال إن الله ليس على العرش أو توقف فيه، وتلميذه أبو يوسف كفر بشراً المريسي، ومعلوم أن الأشاعرة ينفون العلو وينكرون كونه تعالى على العرش ومعلوم أيضاً أن أصولهم مستمدة من بشر المريسي (٣).٤ - الحنابلة: موقف الحنابلة من الأشاعرة أشهر من أن يذكر فمنذ بدّع الإمام أحمد " ابن كلاب " وأمر بهجره – وهو المؤسس الحقيقي للمذهب الأشعري – لم يزل الحنابلة معهم في معركة طويلة، وحتى في أيام دولة نظام الملك – التي استطالوا فيها – وبعدها كان الحنابلة يخرجون من بغداد كل واعظ يخلط قصصه بشيء من مذهب الأشاعرة، ولم يكن ابن القشيري إلا واحداً ممن تعرض لذلك، وبسبب انتشار مذهبهم وإجماع علماء الدولة سيما الحنابلة على محاربته أصدر الخليفة القادر منشور " الاعتقاد القادري " أوضح فيه العقيدة الواجب على الأمة اعتقادها سنة ٤٣٣ هـ (٤) (٥). وكذلك يفعل أتباعهم في عصرنا هذا بملء خطبهم الحماسية ومواعظهم وقصصهم وما يسمونه بالكتب الفكرية لثقة قرائهم - من الشباب المتحمس - العمياء بهم ولجهل أكثر هؤلاء الشباب بعقيدتهم الصحيحة التي كان عليها سلفهم الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

стр. 635

هذا وليس ذم الأشاعرة وتبديعهم خاصة بأئمة المذاهب المعتبرين، بل هو منقول أيضاً عن أئمة السلوك الذين كانوا أقرب إلى السنة واتباع السلف، فقد نقل شيخ الإسلام في الاستقامة كثيراً من أقوالهم في ذلك، وأنهم يعتبرون موافقة عقيدة الأشعرية منافياً لسلوك طريق الولاية والاستقامة حتى أن عبد القادر الجيلاني لما سئل: " هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال: ما كان ولا يكون ". هذا موجز مختصر جداً لحكم الأشاعرة في المذاهب الأربعة، فما ظنك بحكم رجال الجرح والتعديل مما يعلم أن مذهب الأشاعرة هو رد خبر الآحاد جملة، وأن في الصحيحين أحاديث موضوعة أدخلها الزنادقة، وغيرها من العوام، وانظر إن شئت ترجمة إمامهم المتأخر الفخر الرازي في الميزان ولسان الميزان. فالحكم الصحيح في الأشاعرة أنهم من أهل القبلة لاشك في ذلك، أما أنهم من أهل السنة فلا، وسيأتي تفصيل ذلك في الموضوعات التالية: وهاهنا حقيقة كبرى أثبتها علماء الأشعرية الكبار بأنفسهم – كالجويني وابن أبي المعالي والرازي والغزالي وغيرهم – وهي حقيقة إعلان حيرتهم وتوبتهم ورجوعهم إلى مذهب السلف، وكتب الأشعرية المتعصبة مثل طبقات الشافعية أوردت ذلك في تراجمهم أو بعضه فما دلالة ذلك؟ إذا كانوا من أصلهم على عقيدة أهل السنة والجماعة فعن أي شيء رجعوا؟ ولماذا رجعوا؟ وإلى أي عقيدة رجعوا؟ رابعاً: دعوى الأشاعرة أن أكثر أئمة المسلمين على مذهبهم دعوى عارية عن الدليل يكذبها الواقع التاريخي، وكتب الأشاعرة نفسها عند تعريف مذهبي السلف والخلف تقول إن مذهب السلف هو مذهب القرون الثلاثة وبعضها يقول إنه مذهب القرون الخمسة (١)، فما بقي بعد هذه القرون؟ وصدقوا فالثابت تاريخياً أن مذهب الأشاعرة لم ينتشر إلا في القرن الخامس إثر انتشار كتب الباقلاني (٢). ولولا ضيق المجال لسردت قائمة متوازية أذكر فيها كبار الأشاعرة ومن عاصرهم من كبار أهل السنة والجماعة الذين يفوقون أولئك عدداً وعلماً وفضلاً، وحسبك ما جمعه ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) والذهبي في (العلو)، وقبلهما اللالكائي. أما عوام المسلمين فالأصل فيهم أنهم على عقيدة السلف؛ لأنها الفطرة التي يولد عليها الإنسان، وينشأ عليها المسلم، بلا تلقين ولا تعليم – من حيث الأصل – فكل من لم يلقنه المبتدعة بدعتهم ويدرسوه كتبهم، فليس من حق أي فرقة أن تدعيه إلا أهل السنة والجماعة. ومن الأدلة على ذلك الإنسان الذي يدخل في الإسلام حديثاً، فهل تستطيع أي فرقة أن تقول أنه معتزلي أو أشعري؟ أما نحن فبمجرد إسلامه يصبح واحداً منا. وإن شئت المثال على عقيدة العوام فاسأل الملايين من المسلمين شرقاً وغرباً هل فيهم من يعتقد أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته كما تقول الأشاعرة. أم أنهم كلهم مفطورون على أنه تعالى فوق المخلوقات، وهذه الفطرة تظل ثابتة في قلوبهم حتى وإن وجدوا من يلقنهم في أذهانهم تلك المقولة الموروثة عن فلاسفة اليونان (٣).

стр. 636

وقس على هذا نظرية الكسب والكلام النفسي ونفي التأثير وأشباهها مما سترى في عقائد الأشاعرة على أن الموضوع الذي يجب التنبه إليه هو التفريق بين متكلمي الأشاعرة كالرازي والآمدي والشهرستاني والبغدادي والإيجي ونحوهم وبين من تأثر بمذهبهم عن حسن نية واجتهاد أو متابعة خاطئة أو جهل بعلم الكلام أو لاعتقاده أنه لا تعارض بين ما أخذ منهم وبين النصوص، ومن هذا القسم أكثر الأفاضل الذين يحتج بذكرهم الصابوني وغيره وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر – ﵀. ولست أشك أن الموضوع يحتاج لبسط وإيضاح ومع هذا فإنني أقدم للقراء لمحة موجزة عن موقف ابن حجر من الأشاعرة: من المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ) ثم خلفه الآمدي (٦٣١ هـ) والآرموي (٦٨٢ هـ) فنشرا فكره في الشام ومصر واستوفيا بعض القضايا في المذهب (وفكر هؤلاء الثلاثة هو الذي كان الموضوع الرئيسي في كتاب (درء التعارض) وأعقبهم الإيجي صاحب (المواقف) (الذي كان معاصراً لشيخ الإسلام ابن تيمية) فألف (المواقف) الذي هو تقنين وتنظيم لفكر الرازي ومدرسته وهذا الكتاب هو عمدة المذهب قديماً وحديثاً وقد ترجم الحافظ الذهبي – ﵀ – في الميزان وغيره للرازي والآمدي بما هم أهله، ثم جاء ابن السبكي – ذلك الأشعري المتعصب – فتعقبه وعنف عليه ظلماً، ثم جاء ابن حجر – ﵀ – فألف لسان الميزان فترجم لهما بطبيعة الحال – ناقلاً كلام ابن السبكي ونقده للذهبي (١) – ولم يكن بخاف عليه مكانتهما وإمامتهما في المذهب كما ذكر طرفاً من شنائع الآرموي ضمن ترجمة الرازي. فإذا كان موقف ابن حجر لأن موقفه هو الذي يحدد انتماءه لفكر هؤلاء القوم أو عدمه؟ إن الذي يقرأ ترجمتيهما في اللسان لا يمكن أن يقول إن ابن حجر على مذهبهما أبداً، كيف وقد أورد نقولاً كثيرة موثقة عن ضلالهما وشنائعهما التي لا يقرها أي مسلم فضلاً عمن هو في علم الحافظ وفضله؟ على أنه قال في آخر ترجمة الرازي: " أوصى بوصية تدل على أنه حسّن اعتقاده ". وهذه العبارة التي قد يفهم منها أنها متعاطفة مع الرازي ضد مهاجميه هي شاهد لما نقول نحن هنا، فإن وصية الرازي التي نقلها ابن السبكي نفسه صريحة في رجوعه إلى مذهب السلف. فبعد هذا نسأل: أكان ابن حجر يعتقد أنه يؤيد عقيدة الرازي التي في كتبه أم عقيدته التي في وصيته؟ الإجابة واضحة من عبارته نفسها. هذه واحدة. والأخرى: أن الحافظ في الفتح قد نقد الأشاعرة باسمهم الصريح وخالفهم فيما هو من خصائص مذهبهم، فمثلاً خالفهم في الإيمان، وإن كان تقريره لمذهب السلف فيه يحتاج لتحرير، ونقدهم في مسألة المعرفة وأول واجب على المكلف في أول كتابه وآخره (٢).كما أنه نقد شيخهم في التأويل " ابن فورك " في تأويلاته التي نقلها عنه في (شرح كتاب التوحيد في الفتح وذم التأويل والمنطق) مرجحاً منهج الثلاثة القرون الأولى كما أنه يخالفهم في الاحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة (٣) وغيرها من الأمور التي لا مجال لتفصيلها هنا. والذي أراه أن الحافظ – ﵀ – أقرب شيء إلى عقيدة مفوضة الحنابلة كأبي يعلى ونحوه ممن ذكرهم شيخ الإسلام في (درء تعارض العقل والنقل) (٤) ووصفهم بمحبة الآثار والتمسك بها، لكنهم وافقوا بعض أصول المتكلمين وتابعوهم ظانين صحتها عن حسن نية.

стр. 637

ولو قيل إن الحافظ ﵀ كان متذبذبا في عقيدته لكان ذلك أقرب إلى الصواب كما يدل عليه شرحه لكتاب (التوحيد) والله أعلم. وقد كان من الحنابلة من ذهب إلى أبعد من هذا كابن الجوزي وابن عقيل وابن الزاغوني، ومع ذلك فهؤلاء كانوا أعداء ألداء للأشاعرة، ولا يجوز بحال أن يعتبروا أشاعرة فما بالك بأولئك. والظاهر أن سبب هذا الاشتباه في نسبة بعض العلماء للأشاعرة أو أهل السنة والجماعة هو أن الأشاعرة فرقة كلامية انشقت عن أصلها " المعتزلة " ووافقت السلف في بعض القضايا وتأثرت بمنهج الوحي، في حين أن بعض من هم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصل تأثروا بسبب من الأسباب بأهل الكلام في بعض القضايا وخالفوا فيها مذهب السلف. فإذا نظر الناظر إلى المواضع التي يتفق فيها هؤلاء وهؤلاء ظن أن الطائفتين على مذهب واحد، فهذا التداخل بينهما هو مصدر اللبس. وكثيراً ما تجد في كتب الجرح والتعديل – ومنها لسان الميزان للحافظ ابن حجر – قولهم عن الرجل أنه وافق المعتزلة في أشياء من مصنفاته أو وافق الخوارج في بعض أقوالهم وهكذا، ومع هذا لا يعتبرونه معتزلياً أو خارجياً، وهذا المنهج إذا طبقناه على الحافظ وعلى النووي وأمثالهما لم يصح اعتبارهم أشاعرة وإنما يقال وافقوا الأشاعرة في أشياء، مع ضرورة بيان هذه الأشياء واستدراكها عليهم حتى يمكن الاستفادة من كتبهم بلا توجس في موضوعات العقيدة. المصدر: منهج الأشاعرة في العقيدة لسفر الحوالي أود أن أقف وقفة لا بد منها مع قول البزدوي: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص عند أهل السنة والجماعة وقال أصحاب الحديث والشافعي إنه يزيد وينقص" فإن فيه من الغلط ما يقتضي الوقوف عنده والتنبيه عليه لزوما. فإنه كما ترى جعل أهل الحديث قسيما لأهل السنة والجماعة وليسوا هم, وأن أهل السنة والجماعة إنما هم جماعته المتكلمون من أشاعرة وماتريدية, وكم في هذا الكلام من الغلط والجور على أئمة الدين وعلماء السلف الأولين, ومن الإجحاف حقا وهضم الحقوق أن ينتزع هذا الاسم من أهله الذين هم أحق به وهم أهل الحديث ويعطى لغيرهم ممن ليس لهم فيه حق. وهذه دعوى عريضة يدعيها دوما أهل البدع والأهواء على حد قول القائل: وكل يدعى وصلا لليلى [وليلى لا تقر لهم بذاك] ومن هذا القبيل قول يوسف عبد الرزاق أحد علماء الأزهر في تحقيقه لكتاب (إشارات المرام) من عبارات الإمام بتقديم الكوثري: "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية" (١).وكذلك من جنسه زعم الصابوني المعاصر في مقاله المنشور في مجلة المجتمع أن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة (٢). قلت: لا ريب أن قولهم وادعائهم هذا باطل غير صحيح فإن الأشاعرة والماتريدية لا يصح إطلاق هذا اللقب الجليل عليهم فضلا عن أن يكونوا أهله المختصين به.

стр. 638

فإن المراد بالسنة الطريقة المحمدية التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وتابعوهم بإحسان قبل ظهور البدع وفشوها, فمن تأثر بشيء من الأهواء واستمسك بها لم يصح إطلاق هذا الوصف الجليل عليه. فإنه لما أخبر النبي ﷺ ((أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)) (١) , وفي حديث آخر أنه قال: ((هم من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (٢). صار المتمسكون بالإسلام الخالص من الشوائب والأهواء هم أهل السنة والجماعة ومن سواهم أهل البدعة والضلالة. قال شيخ الإسلام: "وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة, فإن أئمة السنة تضاف السنة إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت, وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت ... " (٣) وبهذا يعلم أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة, كيف ومذاهبهم مخالفة لأهل السنة والجماعة في أمور كثيرة خطيرة, فهم مخالفون لأهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي الإيمان وفي القدر وغير ذلك من كبار مسائل الاعتقاد, وإنما هم يعدون من مبتدعة أهل القبلة ومن محدثة المسلمين وعندهم من الخير والموافقة لأهل السنة والجماعة في بعض المسائل ما كانوا به أقرب من غيرهم ممن توغل في الإحداث والابتداع كالجهمية والمعتزلة وغيرهم. هدانا الله وإياهم وجميع المسلمين إلى الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ثم إن هذه المسألة على الخصوص جرى فيها مناظرة بين شيخ الإسلام ابن تيمية وبين خصومه الأشاعرة, حيث أنكروا عليه قوله في العقيدة الواسطية: "ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص قول القلب واللسان, وعمل القلب واللسان والجوارح". قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار, وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين. فأجابهم ﵀ بقوله: "إن قولي اعتقاد الفرقة الناجية هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة حيث قال: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) (٤).

стр. 639

فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية, فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص, وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه, وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة, وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته, وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية, والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى, بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد, ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا, وقد لا يكون ناجيا, كما يقال من صمت نجا" (١). قلت: وفي كلام شيخ الإسلام هذا أبلغ جواب لما قد يستشكله الكثير في مسألة إخراج الأشاعرة أو غيرهم من أهل البدع من الفرقة الناجية ومن أهل السنة والجماعة, وأن ذلك يلزم منه أن يكونوا من أهل النار حتما ومن الهالكين يقينا. ولا تلازم بين الأمرين على ما بينه شيخ الإسلام هنا إذ النص المتقدم ونحوه من نصوص الوعيد لا يدخل فيها من لم تبلغه الحجة ولم يتبين له السبيل مع إرادته للحق وتحريه له وقد يكون معه حسنات ماحية أو يكون متأولا أو يكون جاهلا معذورا أو نحو ذلك من الأعذار وعلى كل فحكمهم في الدنيا أنهم من أهل البدع والأهواء وأما يوم القيامة فمرجعهم إلى الله يحكم فيهم بمقتضى عدله وحكمته ولا يظلم ربك أحدا. ثم يقال لمعشر الأشاعرة على الخصوص, أما لكم اسوة بإمامكم وشيخكم ومؤسس مذهبكم, ومن تدعون أنكم أتباعه وعلى طريقته فقد أبان الله له الجادة وهداه إلى الحق, وترك ما أنتم عليه الآن إلى مذهب أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل قائل, فدونكم إن شئتم كتبه الثلاثة الأخيرة لتروا فيها رجوعه إلى الحق وتمسكه به. قال ﵀ وغفر له في كتابه (الإبانة): "فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحلولية والرافضة والمرجئة, فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين, فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفخم وعلى جميع أئمة المسلمين" (٢). فيقال للأشاعرة هذا إمامكم المقدم وشيخكم المبجل يسجل لكم رجوعه إلى الحق وتمسكه به في ورق مسطر وكلام محرر فهلا بكلام إمامكم اقتديتم وبما هدي إليه اهتديتم. المصدر: زيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه لعبد الرزاق البدر – ص ٣٦٢

стр. 640

المبحث الثالث: مواقف العلماء الآخرين من المذهب الأشعري يرد على من زعم أن الأشعرية هم أهل السنة ١ - موقف أبي نصر السجزي من الأشعرية: فهذا أبو نصر السجزي: علم من أعلام السنة ومن المشهود لهم بالحفظ وأتباع السنة ينقد الأشعرية نقدا شديدا ويصرح بأن الناس لم يزالوا على سنة حتى جاء الأشعري. قال: "اعلموا أرشدنا الله وإياكم، أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة، وهم معهم بل أخس حالا منهم في الباطن. وصرح بأن "المعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام السنة من هؤلاء". واتهم الأشعري بأنه كان يجعل أسماء الله تسميات ويهرب من اعتبارها أسماء. وكان يتلاعب في موقفه من القرآن فيعتقد بأنه عبارة، وأن حروفه شيء آخر غير ما تكلم الله به. وأن قول الأشعرية في القرآن حيرة يدعون قرآنا ليس بعربي وأنه الصفة الأزلية، وأما هذا النظم العربي فمخلوق عندهم. ويقولون الإيمان التصديق". وشدد على أنه ينبغي تأمل قول الكلابية والأشاعرة في الصفات ليعلم أنهم غير مثبتين إلها في الحقيقة. واحتج بما رواه محمد بن عبدالله المالكي المغربي وكان فقيها صالحا عن الشيخ أبي سعيد البرقي وهو من شيوخ فقهاء المالكيين ببرقة عن أستاذه خلف المعلم وكان من فقهاء المالكيين أيضا أنه قال: أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال ثم أظهر التوبة فرجع عن الفروع وثبت على الأصول. وهذا كلام خبير بمذهب الأشعري وغوره. وانتهى إلى تلك الوصية: "ينبغي أن ينظر في كتب من درج وأخبار من سلف: هل قال أحد منهم إن الحروف ليست من كلام الله؟ فإن جاء ذلك عن أحد من الأوائل والسلف قبل مخالفينا الكلابية والأشعرية: عذروا في موافقتهم إياه" (١). ٢ - شيخ الإسلام الهروي: لقد بالغ الهروي في ذم المذهب الأشعري حتى قال: بأن ذبائح الأشعري لا تحل" (٢). وكان الناس يقاطعون من يتمذهب بهذا المذهب الكلامي. فقد انقطع الناس عن أبي عصرون – من علماء الأشاعرة – فقال لهم: لماذا انقطعتم عني؟ قالوا: إن أناساً يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا بأشعري" (٣). ٣ - ابن خويز منداد فقيه المالكية: وقال مالك "لا تجوز شهادة أهل البدع" وذكر حافظ المغرب وفقيهها ابن عبدالبر بسنده عن فقيه المالكية أبي بكر بن خويزمنداد أنه قال معلقاً على قول مالك "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء" قال: "أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعرياً كان أو غير أشعري ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته" (٤).

стр. 641

٤ - السيوطي ينتقد الكلام وأهله: لقد كتب السيوطي كتاب (صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام) وروى من طريق أبي عبدالله الحاكم قال: سمعت أبا زيد الفقيه المروزي يقول: أتيت أبا الحسن الأشعري بالبصرة فأخذت عنه شيئاً من الكلام فرأيت من ليلتي في المنام كأني عميت فقصصتها على المعبر، فقال: إنك تأخذ علماً تضل به، فأمسكت عن الأشعري، فرآني في الطريق فقال لي: يا أبا زيد، أما تأنف أن ترجع إلى خراسان عالماً بالفروع جاهلا بالأصول، فقصصت عليه الرؤيا فقال: اكتمها عليّ ههنا" (١). ٥ - موقف ابن حزم: لقد تعجب ابن حزم من الأحوال التي يقول بها الأشاعرة حيث يقولون: "إن ههنا أحوالا لا مخلوقة ولا غير مخلوقة ولا معلومة ولا مجهولة ولا حق ولا باطل وأن الناس ليست حارة والثلج ليست باردة" (٢). ووصف الأشعرية بالفرقة الضالة (٣). ٦ - انتقاد السرهندي الفاروقي للأشعرية: وانتقد السرهندي الفاروقي النقشبندي مذهب الأشعري في القدر واعتبر مذهبه داخلا في دائرة الجبر الحقيقي، وأن كثيرين من ضعيفي الهمة يحتجون بقدر الأشعري ويميلون إلى مذهبه لهذا السبب (٤). ٧ - انتقاد السرهندي للماتريدية كذلك: وانتقد السرهندي المذهب الماتريدي أيضا فقال: "يا ليت شعري! ماذا أراد أصحابنا الماتريدية من قولهم باستقلال العقل في بعض الأمور كإثبات وجود الصانع تعالى ووحدانيته، حتى كلفوا من نشأ في شاهق الجبل وعبد الصنم بهما، وإن لم تبلغه دعوة الرسول، وحكموا بترك النظر فيهما بكفره وخلوده في النار، ونحن لا نفهم الحكم بالكفر والخلود في النار إلا بعد البلاغ المبين والحجة البالغة المنوطة بإرسال الرسل" (٥). ٨ - أبو الفرج ابن الجوزي يوبخ الأشعريانتقد ابن الجوزي أبا الحسن الأشعري لأنه فتح على الناس باباً أدى إلى النزاع على العقائد والاختلاف في القرآن. فقال "لم يختلف الناس حتى جاء علي بن إسماعيل الأشعري، فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عن له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس، فأوجبت دعواه هذه أنا ما عندنا مخلوق" (٦) مع أنهم يصفون ابن الجوزي بأنه من منزهة الحنابلة. كذلككذلك انتقد ابن الجوزي أبا حامد الغزالي كثيراً والقشيري صاحب الرسالة القشيرية والفتنة البغدادية – وكلاهما أشعريان – فقال "وجاء عبدالكريم بن هوازن القشيري وصنف لهم كتاب (الرسالة) فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء (أي في الله) والقبض والبسط والجمع والتفرقة والصحو والمحو والسكر والشرب والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والحقيقة والشريعة وغير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء" (٧). واعتبر ابن الجوزي أن أساس البدع دخلت على الأمة من طريقين: ١) الفلسفة التي عكف عليها خلق من العلماء لم يقنعوا بما قنع به النبي ﷺ حتى خاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد. ثم انتقد أبا الحسن الأشعري لأنه فتح على الناس باباً أدى إلى النزاع على العقائد والاختلاف في القرآن فتارة يقول بقول المعتزلة وتارة يزعم أن الكلام صفة قائمة بنفس الله فأوجبت دعواه أن القرآن مخلوق".٢) الرهبنة حيث أخذ خلق من المتزهدين عن الرهبان طريق التقشف" (٨). ويعني بهم الصوفية.

стр. 642

٩ - الشيخ عبدالقادر الجيلاني: انتقد الشيخ عبدالقادر الجيلاني قول الأشاعرة إن كلام الله معنى قائم قديم بالنفس. وقال: "ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو (أي علو المنزلة) والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء كما قالت المعتزلة. وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعت المعتزلة والأشعرية" (١). فهذا الجيلاني يقرن الأشاعرة بالمعتزلة. ١٠ - محمد أنور الكشميري: كذلك انتقده الشاه محمد أنور الكشميري الحنفي (٢) قائلا: ألا ترى أن الأشعري لما بالغ في التنزيه وشدد فيه لزمه نفي كثير من الصفات التي أثبتها السمع حتى قارن المعطلة، فلم يبق للاستواء المنصوص عنده مصداق، وصار نحو ذلك كله من باب المجازات عنده، فالقرآن يأبى عما يريده الأشعري من تنزيهه هذا". أضاف "وقد نقلنا لك أننا لم نجد تعبيراً في القرآن أزيد إيهاماً من قوله تعالى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه: ١٤] ومن قوله بُورِكَ مَن فِي النَّارِ [النمل: ٨] وكان ذلك مسموعاً، فالأشعري يزعمه خلاف التنزيه قلت: فعليه أن يكره هذا التعبير أيضاً ولكن القرآن قد أتى به ولم يبال بذلك الإيهام، ولا أراه مخالفاً للتنزيه ... "."وبالجملة قد ثبت إسناد كثير من الأشياء في السمع ولا يرضى الأشعري إلا بقطعها عن الله تعالى، مع أن القرآن على ما يظهر لا يسلك مسلك تلك التنزيهات العقلية" (٣). وهذا اعتراف منه بأن إثبات الصفات ليس تشبيهاً، وهو كلام جيد، غير أن الرد على الأشعري والسكوت عن الماتريدي ليس من الإنصاف، لأن الكشميري ما تريدي، والتأويل سائغ في مذهبهم. وكلامه هذا حجة على الماتريدية أيضاً. ١١ - أحمد بن الصديق الغماري - ومن المعاصرين أبو الفضل أحمد بن الصديق الغماري – أخو عبدالله الغماري – الذي قال عند تفسير قوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]. "وأما الأشعرية فأنكرت أن تكون لله يد بالمرة، فهم أظلم منهم، وزعموا أن من قال لله يد وعين وقدم: مشبه ومجسم، وحرفوا معنى قوله تعالى بِأَعْيُنِنَا [هود: ٣٧] بالحفظ والقدرة، وهو خلاف الحق ومذهب السلف، فكانوا في ذلك أعلم من الله الذي أثبت ذلك لنفسه على المعنى الذي أراده، لا على معنى الجارحة الذي فهمه الأشعرية وغيرهم من المؤولة، وضل من قال "قدرتاه مبسوطتان" فإنه ليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة بلفظ التثنية، بل بلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله تعالى أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً [البقرة: ١٦٥].وقال في تفسير قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] قال: "استواء يعلمه الله تعالى، ويجب علينا الإيمان به وتسليم معناه لله ورسوله، لا استولى كما يقول الأشعرية المبتدعة تعالى الله عن قولهم وعن مذهبهم علواً كبيراً" (٤). كل هؤلاء انتقدوا المذهب الأشعري، بينما لم ينتقدوا مذهب أحمد والشافعي في العقائد، مما يؤكد أن الأشعري لم يكن علما من أعلام السنة. المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبدالرحمن دمشقية - ص ٧

стр. 643

المبحث الرابع: من أهم المسائل التي خالف فيها الأشاعرة أهل السنة - من أخطر ما خالف به الأشاعرة أهل السنة خوضهم في صفات الله بالتأويل الذي نهى عنه السلف خاصة الصفات الخبرية التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ مثل صفات اليد, والعين, والنفس, والوجه, والاستواء على العرش, والنزول, والمجيء, والرضا, والغضب, والحب, والبغض, ونحوها من الصفات الخبرية التي ذكرها الله تعالى في كتابه, أو صحت عن رسول الله ﷺ فإنهم لم يؤمنوا بها كما جاءت, وكما فعل السلف, فقد أولوها وصرفوا ألفاظها إلى غير ظاهرها, هروبا من شبهة التجسيم والتمثيل, وغفلوا عما يترتب على فعلهم هذا من تحريفهم لكلام الله وتعطيل لمعانيه والقول على الله بغير علم, وغير ذلك من المستلزمات التي يقتضيها التأويل وتنافي التسليم لله تعالى إذ كيف يليق أن يقول الله عن نفسه ويقول عنه رسوله ﷺ بصفات لا تليق, أو تقتضي التشبيه والتجسيم, ثم لا يكتشف هذه المسألة إلا المتكلمون بعد القرن الثالث الهجري! ثم كيف فات هذا الفهم على الصحابة والتابعين وسلف الأمة ثم يدركه المتكلمون؟! هذا مما لا يليق تجاه كلام الله – تعالى – وكلام رسوله ﷺ والصحابة والتابعين وأئمة الهدى الأوائل ممن هم أعلم منهم وأتقى لله فإن الله سبحانه حين وصف نفسه بتلك الصفات: كاليدين, والوجه, والنفس, والرضا, والغضب, والمجيء, والاستواء, والعلو ...... إلخ. من الصفات, فقد سد باب شبهة التمثيل بقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. فهل الذين أولوا تلك الصفات أعلم بالله من الله؟ وهل هم أشد تنزيها لله من رسوله ﷺ ؟ وهل هم أعلم بمراد الله من صحابة رسول الله ﷺ وسلف الأمة من التابعين وتابعيهم وأئمة الهدى والسنة في القرون الفاضلة؟! الذين أمروا هذه الصفات وغيرها من أمور الغيب كما جاءت عن الله وعن رسوله لفظا ومعنى على مراد الله ورسوله من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تأويل. وقد ابتلي المتكلمون – ومنهم الأشاعرة – بسبب التأويل في صفات الله وبعض مسائل العقيدة بأن أدخلوا في عقائدهم من المصطلحات والألفاظ والظنيات العقلية ما لا يليق القول به في حق الباري سبحانه لا نفيا ولا إثباتا. وأقل ما يقال فيه إنه كلام مبتدع لم يرد عن الله ولا عن رسوله ﷺ فالكف عنه أسلم, والخوض فيه قول على الله بلا علم, مثل: الحدود والغايات, والجهات, والماهية, والحركة, والحيز, والعرض, والجوهر, والحدوث, والقدم. ودعوى قطعية العقل وظنية النقل ... ومثل كلامهم في: التركيب والتبعيض وقولهم عن الباري سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه ... إلخ. ومما ابتدعوه من الكلام عن الله تعالى نفيا وإثباتا. وذلك انسياقا مع إلزامات المعتزلة والجهمية والفلاسفة العقلية الجدلية. وكلامهم في هذه الأمور قد يشتمل على بعض الحق أحيانا لكن الله تعالى نهانا عنه, وأقل ما يقال فيه أنه قول على الله بغير علم والله تعالى يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] ويقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف: ١٨٠]. فأهل السنة لا يتكلمون في هذه الأمور على سبيل التأصيل والإقرار والتقرير إلا من باب الرد وإلزام الحجة, وبقدر الحاجة فمخالفة الأشاعرة لأهل السنة في هذا الباب (الصفات) ليست فرعية, إذ هي متعلقة بأصل من أعظم أصول الدين وهو توحيد الصفات المتعلقة بالباري سبحانه جل شأنه .........

стр. 644

- ومن الأصول التي خالف فيها الأشاعرة أهل السنة تعويلهم على العقل والجدل وعلم الكلام (النظر) في صفات الله ومسائل القدر والغيب وتقديمهم العقل ما يسمونه القواطع العقلية – على النقل (الكتاب والسنة) , في أمور الغيب ومسائل الاعتقاد, بل في مسائل صفات الله تعالى! فالقاعدة عندهم كما قررها الرازي والجويني وغيرها (أن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين) و (أن الدلائل النقلية ظنية, وأن العقلية قطعية, والظن لا يعارض القطع) (١). سبحان الله!! - ومن أصولهم المخالفة لأهل السنة: تفسيرهم التوحيد بما يحصره في توحيد الربوبية وغفلتهم عن توحيد الألوهية والعبادة لله تعالى وحده مع أنه التوحيد الذي أرسلت به الرسل قال الله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. وهو التوحيد الذي من أجله خلق الله الخلق قال تعالى وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. لذلك نجد التلبس بالبدع في العبادات والوقوع في بعض الشركيات كثيرة فيمن ينتسبون إلى الأشاعرة المتأخرين لتساهلهم في توحيد العبادة. وهذا لا يعني أن أهل السنة يستهينون بأمر توحيد الربوبية ... كلا والله! لكنهم يبدأون بما بدأ الله به وما بدأ به رسوله ﷺ , لأن توحيد الربوبية فطري, لا يكاد ينكر بالكلية إلا نادرا وغالب الآيات التي جاءت في تقريره جاءت في سياق الإلزام بتوحيد العبادة والطاعة, لذلك لا يعرف أن أمة من الأمم أنكرت توحيد الربوبية بل لا توجد طائفة أجمعت على هذا الأمر على الحقيقة, ولو حصل هذا لذكره الله تعالى في قصص الأنبياء. وبعكسه توحيد الألوهية فهو الذي ضلت فيه الأمم والفرق والطوائف حتى اليوم. لذا نجد أن نظار الأشاعرة وأئمتهم يبدأون مؤلفاتهم في الاعتقاد بالعقليات والنظريات والتصديقات والتصورات, والمصطلحات الكلامية والفلسفية, وأن الدلائل النقلية (السمعية) لا تفيد اليقين! وأن العقليات قطعية! يقينية, ثم حدوث العالم وإثبات الصانع وغير ذلك من الفلسفة وعلم الكلام, وينتهون في ذلك إلى تقرير توحيد الربوبية وهذا خلاف ما درج عليه أهل السنة بل خلاف منهج القرآن الكريم فالآيات التي جاءت لتقرير توحيد الربوبية قليلة بإزاء الآيات التي جاءت لتقرير توحيد العبادة والطاعة ثم إن كثيرا من الآيات في توحيد الربوبية جاءت لتقرير عبادة الله وحده كما أسلفت. - كما أنهم خالفوا أهل السنة في أصول أخرى مثل: قولهم في القرآن وكلام الله, والإيمان, والقدر, والنبوات, حيث تأثروا بالأصول الكلامية والفلسفية في نظرتهم لهذه الأمور فجاءت عقيدتهم فيها خليطا من الحق والباطل بين أهل السنة والمعتزلة والفلاسفة, لذا تجدهم كثيرا ما يستخدمون مصطلحات فلسفية وكلامية محتملة للحق والصواب وضدها, وتختلف عن ألفاظ الكتاب والسنة. وهكذا ... فإن هذه الأمور التي خالف الأشاعرة فيها أهل السنة, وهي من أصول الاعتقاد وفروعه تقتضي من الباحث المنصف عند التدقيق والتحقيق أن يحكم كما هو رأي المحققين من أئمة أهل السنة بأن مذهب الأشاعرة في العقيدة مذهب مستقل في بعض الجوانب عن أهل السنة بأصوله ومناهجه, وتصوراته وأحكامه بخاصة في مسائل الصفات والإيمان والوحي والنبوات والقرآن وكلام الله والقدر فالأشاعرة في هذه المسائل وغيرها يوافقون أهل السنة في أمور ويخالفونهم في أخرى. - كما أنه لا يجوز أن نحمل السلف أهل السنة والجماعة مقولات الأشاعرة فيما ابتدعوه من علم الكلام والفلسفة, وإنه لمن الإجحاف والتجني أن ننسب تلك المقولات للصحابة والتابعين وأئمة الهدى في القرون الفاضلة, وهذه المقولات هي الغالبة في معتقدات الأشاعرة. أما أهل السنة فهم الذين لم يحيدوا ولم يزيدوا على مذهب السلف حتى اليوم, فالذي ينتمي وينتسب لأهل السنة يلزمه أن يعتقد ما اعتقدوه في هذه الأصول, وأن يتبع ما قالوه أو قرروه, لا أن يقول ويعتقد حسب قواعده العقلية الكلامية والفلسفية, ثم ينسب قوله وعقيدته إلى السلف, كما فعل كثير من نظار الأشاعرة. وإذا عرضنا الكثير من معتقدات الأشاعرة على ما أثر ونقل عن السلف في القرون الفاضلة وجدنا البون بينهما شاسعا ووجدنا أنهم – أي الأشاعرة – ابتدعوا وأحدثوا من المقولات ما كان ينهى عنه السلف من الكلام في الصفات والغيبات بالظنون والمبتدعات الكلامية. المصدر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها لناصر العقل – ص٥٨

стр. 645

المبحث الأول: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم وردود بعضهم على بعض وأساس الرد التطور الذي حدث للمذهب الأشعري الذي سبق تفصيل القول فيه، وشيخ الإسلام كثيرا ما يشير إليه ويبين أنهم طبقات – حسب القرب والبعد عن أهل السنة ومذهبهم الصحيح – فابن كلاب أقرب إلى السلف من الأشعري، والأشعري أقرب من الباقلاني وطبقته، والباقلاني أقرب من الجويني وطبقته، والجويني أقرب من الرازي وطبقته (١). بل إن شيخ الإسلام يقرر من خلال تتبع دقيق أن أئمة الأشعرية الذين كانوا في العراق كأبي الحسن الأشعري والباهلي، وابن مجاهد، والباقلاني، وغيرهم، أقرب إلى السلف من أشعرية خراسان كأبي بكر بن فورك ونحوه (٢).وانحراف متأخري الأشاعرة عن متقدميهم أمر مشتهر حتى إن أبا العباس أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ صاحب كتاب (اللوامع) في الجمع بين الصحاح والجوامع، والمتوفي سنة ٥٢١هـ. قال في مسألة الاستواء من تأليفه: "ورأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي العرش وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ (الإبانة) عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا رغبوا إلى الله في الأمر النازل بهم، يقولون جميعا: يا ساكن العرش، ثم قال: ومن سلفهم جميعا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سموات" (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – بعد نقله النص السابق: "وكذلك الشيخ نصر المقدسي له تأليف في الأصول نقل فيه فصولا من كتاب (الإبانة) " (٤).

стр. 646

وهذا يدل على أن هذا المنهج – وهو الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال متقدميهم وأئمتهم الذين ينتسبون إليهم – قد استخدمه العلماء قبل شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد استخدم شيخ الإسلام هذا المنهج في كتبه المختلفة وركز عليه كثيرا لأنه رأى فيه فوائد عملية، ومن ذلك ما جرى في المناظرة حول الواسطية – وهي المناظرة الثانية التي حضرها صفي الدين الهندي – حيث إن شيخ الإسلام ذكر أنه قبل هذا المجلس اجتمع به بعض أكابر الشافعية من الأشعرية وعبروا له عن خوفهم من أن تظهر حجته على خصومه دون أن يكون من أئمة أصحابهم الأشعرية من يوافقها، يقول شيخ الإسلام: "وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة، والأشعري، وأكابر أصحابه، على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية، والحنفية، وغيرهم ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضا من تفوق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته ولم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها لصارت فرقة، ولصعب عليهم، أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم، فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به، مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق .... وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية: لأبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي، وأذكر قول الأشعري، وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي، وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه، فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان" (١). والأشاعرة المتأخرون في أوقات محنهم يلجأون إلى أقوال أئمتهم، ينقلونها ويستشهدون بها ليبينوا سلامة معتقدهم وصحة مذهبهم، وهذا ما فعله القشيري في الشكاية المشهورة، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري. ولا شك أن المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في الرد على أقوال المتأخرين بأقوال شيوخهم الذي يعتزون بالانتساب إليهم له قيمته الكبرى وأثره البالغ لأمرين: أحدهما: أن هذه النقول أتى بها شيخ الإسلام موثقة، منقولة بحروفها من كتبهم المشهورة التي تناقلها المتأخرون واعتزوا بها، ونقلوا عنه ما يوافق أقوالهم من المسائل التي لم يختلف فيه قول متقدمي الأشاعرة عن قول متأخريهم، ولذلك لم يستطع أحد منهم الطعن فيما نقله شيخ الإسلام، ولم يقل: إن هذا منسوب إلى أئمتهم، أو إنه حكاية لمذهبهم – كما تحكى بعض كتب الفرق أقوال الطوائف، وقد يكون في الحكاية زيادة أو نقص، وتقديم أو تأخير يخل بالمعنى – ولا شك أن الأمانة والمنهج العلمي الذي وفق إليه شيخ الإسلام، جعل أعداءه ومعارضيه يرضخون له في ذلك مع حرصهم الشديد على النيل منه ومن أقواله وكتبه، ولتوضيح ذلك يمكن ذكر هذين المثالين: المثال الأول: قال بعض متأخري الأشعرية: إن للأشعري في الصفات الخبرية قولين، قول بالتأويل، وقول بالإثبات، فلما جاء شيخ الإسلام – وهو المطلع على كتب الفرق – أوضح مرارا أنه ليس للأشعري فيها إلا قول واحد هو الإثبات، وأتى بالأدلة على ذلك من كتبه، أما الذين يزعمون أن له قولا آخر فحتى الآن لم ينقل أحد منهم نصا من كتب الأشعري يدل على ذلك.

стр. 647

والمثال الثاني: لما نقل شيخ الإسلام عن الباقلاني في كتابه (التمهيد) نصا يثبت فيه الاستواء والعلو ويمنع من تأويله، قال الكوثري وبعض الباحثين – المائلين إلى المذهب الأشعري – وهم بصدد تحقيق (التمهيد) عن نسخة خطية ناقصة – قالوا: إن ابن تيمية وابن القيم – الذي نقل النص أيضا في اجتماع الجيوش – قد كذبا وهما على الباقلاني. ولما حقق (التمهيد) مرة أخرى – على يد نصراني – تبين صدق شيخي الإسلام، وخطأ الكوثري وأصحابه. والثاني: أن هذه النقول نص صريح في مخالفتها لأقوال متأخري الأشعرية، وليست مما يقبل التأويل أو اختلاف المفاهيم حولها، فمثلا حين يؤول المتأخرون الاستواء بالاستيلاء ويمنعون من إثباته وإثبات الاستواء، ودلالته على العلو، تورد عليهم أقوال الأشعري وغيره التي نصوا فيها على إثبات الاستواء، ودلالته على العلو، وقولهم: إن تأويله بالاستيلاء هو قول خصومهم المعتزلة، وليس للمتأخرين – المنتسبين إلى الأشعري – هنا إلا الاعتراف والفرار إلى التفويض وأن هذا هو حقيقة مذهب الأشعري. ولكن ماذا يصنعون بقوله: إن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة؟ وبنصوصه الأخرى في إثبات علو الله على خلقه؟. ولأهمية هذا في إقناع الخصوم – وأتباعهم – ركز عليه شيخ الإسلام وأضاف إليه جانبا آخر وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض سواء كانوا متقدمين أو متأخرين، لأن هذا أيضا يفيد في بيان ضعف المذهب وضعف الأدلة التي أعتمدوا عليها، فهذان جانبان رئيسان ركز عليهما شيخ الإسلام:

стр. 648

أ- فمن الأمثلة على الجانب الأول:١ - في مسألة العلو والاستواء التي أنكرها متأخرو الأشعرية، رد شيخ الإسلام على زعمهم الرازي بأن نقل نصوصا من كلام شيوخه من الأشاعرة يثبتون فيها العلو لله تعالى (١)، وفي موضع آخر من نفس الكتاب رد على الرازي في هذا الموضوع وفي موضوع الصفات الخبرية التي أولها الرازي وأصحابه، فنقل شيخ الإسلام كلام الأشعري في (الإبانة) و (المقالات)، وكلام الباقلاني (٢)، ثم قال: "فإذا كان قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة وأهل السنة أن الله فوق العرش وأن له وجها ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأن تأويل استوى بمعنى استولى هو تأويل المبطلين، ونحو ذلك، علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كان قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه" (٣) , ثم أتبع ذلك بنقل مذهب جمهرة كبيرة من أئمة السلف (٤) تؤيد ما ذهب إليه الأشعري وأئمة أصحابه في هذا الباب.٢ - وفي معرض رده على دليل حدوث الأجسام الذي أوجبه كثير من متأخري الأشعرية كالجويني يقول شيخ الإسلام عنه: "وبالجملة فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة، فكثير من أئمة الأشعرية – أو أكثرهم – يخالفونه في ذلك ولا يوجبونها، بل إما أن يحرموها، أو يكرهوها، أو يبيحوها وغيرها، ويصرحون بأن معرفة الله تعالى لا تتوقف على هذه الطريقة ولا يجب سلوكها، ثم هم قسمان: قسم يسوقها، يسوق غيرها، ويعدها طريقا من الطرق، فعلى هذا إذا فسدت لم يضرهم، والقسم الثاني: يذمونها، ويعيبونها، ويعيبون سلكوها وينهون عنها، إما نهي تنزيه وإما نهي تحريم" (٥)، ثم نقل عن الخطابي في شعار الدين والغنية ما يدعم قوله (٦)، وأشار إلى رسائل الأشعري إلى أهل الثغر (٧)، وأنها توافق ما قاله الخطابي، وقد نقل كلام الأشعرية فيها كلام في كتاب آخر (٨).٣ - وعند ذكر الصفات الخبرية وغيرها مما يتأوله الجويني وأصحابه، قال شيخ الإسلام رادا عليه: "فدعواه أن دلالة القرآن والأخبار على ذلك ليست قطعية يخالفه في هذه الدعوى أئمة السلف وأهل الحديث والفقه والتصوف، وطوائف من أهل الكلام من أصحابه وغيرهم، فإن عندهم دلالة النصوص على ذلك قطعية، وأما الأخبار فأكثر أصحابه أنها إذا تلقيت بالقبول أفادت العلم، كما تقدم ذكرهم لذلك عن الأستاذ أبي إسحاق، وهذا الذي ذكره أبو بكر ابن فورك هو معنى ما ذكره الأشعري في كتبه عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه قوله، وإن الإيمان بموجب هذه الأخبار واجب" (٩)،

стр. 649

والذي أشار إليه شيخ الإسلام بأنه تقدم ما نقله عن أبي القاسم النيسابوري الأنصاري – شارح (الإرشاد) للجويني – فإنه قال في كتابه هذا حين نقل منع الجويني إثبات الصفات بظواهر الآيات: "هذا ما قاله الإمام، وقد رأيت في كتب الأستاذ أبي إسحاق قال: ومما ثبت من الصفات بالشرع الاستواء على العرش، والمجييء يوم القيامة بقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقوله: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، ومما ثبت بالأخبار الصحيحة النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، وقوله: ((أنا عند ظن عبدي بي ......... وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا)) (١). الحديث. قال: وأجمع أهل النقل على قبول هذين الخبرين، وما هذا وصفه كان موجبا للعمل ومقبولا في مسائل القطع، هذا ما ذكره الأستاذ في هذا الكتاب" (٢)، وهكذا فالإسفراييني وابن فورك يردان على الجويني في زعمه أن أخبار الآحاد – الثابتة – لا يحتج بها في العقائد لأنها لا تفيد العلم. وقد تقدم بيان هذه المسألة. هذه بعض النماذج وهناك نماذج أخرى كثيرة (٣).

стр. 650

ب- ومن الأمثلة على الجانب الثاني، وهو ردود بعض الأشاعرة على بعض:١ - ذكر شيخ الإسلام أن كل طائفة تقول عن الأخرى إن مذهبها متناقض ومن هؤلاء الأشاعرة، فمثلا "نفاة الجهة منهم يقولون: إن أدلتهم وأئمتهم الذين يقولون: إن الله تعالى فوق العرش وإنه ليس بجسم متناقضون، وكذلك نفاة الصفات الخبرية منهم يقولون: إن مثبتيها مع نفي الجسم متناقضون، ومثبتة العلو والصفات الخبرية يقولون: إن نفاة ذلك منهم متناقضون، حيث أثبتوا ما هو عرض في المخلوقات كالعلم والقدرة والحياة، وليس هو بعرض في حق الخالق، ولم يثبتوا ما هو جسم في حق المخلوق كاليد والوجه، ويقولون ليس بجسم في حق الخالق" (١). وليس المقصود الإشارة إلى التناقض في مذهب الأشاعرة – لأن هذا سيأتي في الفقرة القادمة – وإنما المقصود أن كل طائفة ترد على الأخرى وتقول: إن قولها متناقض، وكلهم ينسبون أقوالهم إلى المذهب الأشعري.٢ - وفي مسألة دليل حدوث الأجسام، ذكر شيخ الإسلام براهين الرازي على حدوث الأجسام وحدوث العالم، ثم ذكر اعتراضات الآمدي على كل واحدة منها وقال: "وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث، ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق، بل بين ضعفها، واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف ... والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي، وهو (أي الآمدي) متقدم على الأرموي، فإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه، وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر كما يوافق الحافر الحافر، أو يكون الأرموي والآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره، وهذا الاحتمال أرجح ... وبكل حال فهما – مع الرازي ونحوه – من أفضل بني جنسهم من المتأخرين، فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات، لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه، يعرف بها الحق من الباطل في ذلك، بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيرا من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام، فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسألة، وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها وعلى القدح فيها استقر أمرهم، وكذلك غيرهم قدح فيها كأبي حامد الغزالي وغيره" (٢). وقد نقل شيخ الإسلام أقوال كل من الرازي والآمدي والأرموي، وقدح هذين في أدلة حدوث الأجسام التي ذكرها الرازي، نقل كل ذلك من كتبهم، وهو يدل على الاستقصاء الممتاز الذي يتميز به منهج شيخ الإسلام، وهذا الاستقصاء والمتابعة تفيد كثيرا في بيان كيف يرد بعض هؤلاء على بعض، مما يبين فساد الحجج التي يقوم عليها مذهبهم.٣ - ومن المسائل المشهورة عند الأشاعرة قولهم: إن الأعراض لا تبقى زمانين ليقولوا: إنها حادثة وإن الجسم لا يخلو منها فيكون الجسم حادثا، وبنوا على ذلك دليل حدوث العالم، كما أن من المسائل المشهورة قولهم: إن الأفعال يجب تناهيها بناء على امتناع حوادث لا أول لها. يقول شيخ الإسلام معلقا على هذه المقدمات العقلية مبينا كيف طعن فيها علماؤهم: "وغاية هؤلاء أن الأعراض لا تبقى زمانين، وجمهور العقلاء يخالفون في ذلك. وأن الأفعال يجب تناهيها، وقد علم نزاع العقلاء فيها، وجمهورهم يمنعون امتناع تناهيها من الطرفين. وقد ذكرنا اعتراض الأرموي وغيره على شيوخه في هذه المقدمات، وقد سبقه إلى ذلك الرازي وغيره، وقدحوا فيها قدحا بينوا به فسادها على وجه لم يعترضوا عليه وإن كان الرازي يعتمدها في مواضع أخر، فنظره استقر على القدح فيها. وكذلك الأثير الأبهري في كتابه المعروف (بتحرير الدلائل في تقرير المسائل) هو وغيره قدحوا في تلك الطرق وبينوا فساد عمدة الدليل، وهو بطلان حوادث لا أول لها" (٣). وإذا كان الأمر كذلك فإن الأدلة العقلية التي هي عماد المذهب الأشعري طعن فيها بعض أعلامهم. وبذلك لم يأت رد المذهب ونقضه من خارج رجاله حتى يقال: إن هذه حال جميع الطوائف يرد بعضها على بعض، بل جاء الرد والنقض من داخل المذهب ومن رجال يعتبرون من العمد التي يرتكز عليها أتباع المذهب كل في زمنه وعصره. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٢/ ٨٧٢

стр. 651

المبحث الثاني: إبطال دعوى الأشاعرة أنهم أكثر الأمة لقد تكررت دعوى بعض الأشاعرة بأنهم أكثر الأمة، وأصبح الكثير منهم يتناقلونها في كتبهم ومحاضراتهم، يغرون بها الجهال ممن لا علم لهم بحقيقة الأمر. فقد قال المؤلفان (ص٢٤٨) (١): "ومذهب الأشاعرة ومن وافقهم من أهل السنة الذي عليه سواد الأمة، وأكابر أهل الفضل فيها" اهـ. وقالا (ص ٣١) (٢): "هذا المذهب الذي يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام، وسوادها الأعظم وعلماؤها ودهماؤها" اهـ. ولا ريب أنها دعوى مجردة من الدليل، ويكذبها الواقع التاريخي، ويكفي في إبطالها ما سبق تفصيله في بيان مذهب السلف وطريقهم وبيان مخالفة الأشعرية له، وخروجهم عنه. وجميع من نقلنا نصوصهم في هذا الكتاب بدءاً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة ﵃، ومن لم ننقل عنهم من السلف، جميعهم مخالفون للأشاعرة في أصول الاعتقاد، ومبطلون لأقوالهم ومذهبهم، فضلاً عمن نقلنا عنهم الطعن في الأشاعرة، والتنصيص على خروجهم عن السنة والطريق. وحسبك من ذكرهم ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية)، والذهبي في (العلو) من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء، ممن نصوا في مسألة علو الله تعالى بنفسه على خلقه بما يخالف مذهب الأشاعرة، وهي واحدة من مسائل الاعتقاد، فكيف إذا أضيف إليهم من نصوا في بقية مسائل الاعتقاد بما يخالف مذهب الأشاعرة؟. فهل يمكن بعد ذلك أن يدعي أن الأشاعرة هم أكثر الأمة، وهم مخالفون للقرون المفضلة الأولى؟!! وقد ذكر ابن المبرد في كتابه (جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر) أكثر من أربعمائة عالم من بين محدث وفقيه وعابد وإمام، كلهم مجانبون للأشاعرة ذامون لهم، بدءاً من عصر الأشعري وحتى وقته، صدرهم بأبي الحسن البربهاري، وختمهم بجمال الدين يوسف بن محمد المرداوي صاحب كتاب (الإنصاف)، ثم قال بعد ذلك: "والله ثم والله ثم والله ما تركنا أكثر مما ذكرنا، ولو ذهبنا نستقصي ونتتبع كل من جانبهم من يومهم وإلى الآن لزادوا على عشرة آلاف نفس" (٣) اهـ. بل إن ابن عساكر وهو من خدم الأشعرية بكتابه (تبيين كذب المفتري) قد اعترف بأن أكثر الناس في زمانه وقبل ذلك على غير ما عليه الأشعرية ... فقد قال في التبيين: "فإن قيل: إن الجم الغفير في سائر الأزمان وأكثر العامة في جميع البلدان لا يقتدون بالأشعري ولا يقلدونه، ولا يرون مذهبه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم" (٤) اهـ. وقد قال ابن المبرد معلقاً على كلامه هنا: "وهذا الكلام يدل على صحة ما قلنا، وأنه في ذلك العصر وما قبله كانت الغلبة عليهم، وبعد لم يظهر شأنهم" (٥) اهـ. وإذا كان أبو الحسن الأشعري إنما ولد سنة ٢٦٠هـ، وقيل: ٢٧٠هـ، فما الذي كانت عليه الأمة قبله؟ أفتراها كانت على عقيدة الأشعري الذي لم يكن شيئاً مذكورا كما يزعم هؤلاء؟!! أم أن العقيدة كانت خافية عليهم، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فأيقظ الأمة من سباتها؟ فإن قال قائل: إن الأشعري لم يأت بشيء جديد، ولكنه أبان أموراً وأوضحها في رده على المعتزلة حتى كشف عوارهم، وهذا سبب الانتساب إليه، لكونه صار علماً على السنة في مقابل المعتزلة.

стр. 652

فالجواب أن هذا بلا ريب بعيد عن التحقيق، فضلاً عن الواقع والتاريخ، إذ أن ظهور المعتزلة كان متقدماً على ظهور الأشعري بأكثر من قرن ونصف من الزمان، فضلاً عن الجهمية التي كانت أسبق ظهوراً من المعتزلة. ومن المعلوم أن ظهور هاتين الفرقتين قد جوبه برد عنيف من السلف والأئمة، الذين أنكروا عليهم أعظم النكير، وحكموا بضلالهم، بل وكفر الجهمية منهم، فقام أئمة السنة ابتداءاً من الحسن البصري وإلى عصر الأشعري بالرد على شبهاتهم، وكشف عوارهم. وكتب السنة طافحة بآثار السلف في النكير على الجهمية والمعتزلة والرد على ما ابتدعوه، فانظر كتاب (السنة) لعبدالله بن الإمام أحمد، و (أصول اعتقاد السنة) لللالكائي، و (الإبانة) لابن بطة وغيرها كثير. وقد نقلنا في ثنايا هذا الكتاب كثيراً من كلامهم. ولم يكتف السلف بمقولة أو مقولتين، بل إنهم قد كتبوا الكتب وصنفوا المصنفات في الرد عليهم، ككتاب (الرد على الجهمية) للإمام أحمد، وابنه عبدالله وابن أبي حاتم، وابن قتيبة، والدارمي، والكناني، وابن منده، وأبي العباس السراج وغيرهم كثير، فضلاً عما تضمنته كتب السنة من أبواب الرد على الجهمية، كما فعله البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، وغيرهما. ناهيك عن كتب السنة الأخرى، والتي ألفت لبيان معتقد السلف والرد على أهل البدع والمخالفين من أصناف المعطلة والمشبهة (١). والمعلوم أن المعتزلة والجهمية قد قويت شوكتهم في أواخر القرن الثاني، لما تأثر بهم الخليفة المأمون، حتى حصلت تلك الفتنة العظيمة، التي امتحن فيها العلماء، وأوذي فيها الإمام أحمد اذى عظيماً، وهي فتنة القول بخلق القرآن، وقد تتابع على هذه الفتنة ثلاثة خلفاء: المأمون، والواثق، والمعتصم، وهذا قد ساهم كثيراً في دفع عجلة السلف لكشف أباطيل هاتين الفرقتين، والجواب عن شبهاتهم، خشية التباسها على الناس. ومع كل هذه الردود من السلف والأئمة على الجهمية والمعتزلة، وما حصل من الفتنة بهم، فإننا لم نجد أحداً من السلف قد يقرر ما قرره الأشعري في الاعتقاد، لا من حيث التأصيل والتقعيد، ولا من حيث الرد على المعتزلة والنكير، بل على العكس من ذلك: وجدنا نصوصهم صريحة في نقض أصوله الاعتقادية في أسماء الله وصفاته، كما سبق بيانه في الباب الأول، فضلاً عن سائر أبواب الاعتقاد كالإيمان، والقدر، والنبوات وغيرها من أبوب الاعتقاد التي لم نعرج عليها في كتابنا هذا. ومن ظن أن السلف كانوا عاجزين عن البيان والتوضيح لأصول المعتقد، والرد على المخالفين كالجهمية والمعتزلة، وكشف عوارهم، والجواب على شبهاتهم، ونقض أصولهم، حتى أتى الأشعري فأبان عما لم يعلموه، ورد على المعتزلة بما لم يستطيعوه؟! فقد ظن بهم ظن السوء، ونسبهم إلى الجهل والعجز. وكفى به ضلالاً وخسراناً. قال ابن المبرد في إبطال هذه الدعوى: "فيا سبحان الله! قبل توبته – أي: من الاعتزال – ما كان للمسلمين أئمة يقتدى بهم، حتى يتخذ مبتدع تاب من بدعته إماماً؟ كأن الناس ماتوا إلى هذا الحد كله، ولم يبق من يصلح للإمامة، حتى يتوب مبتدع من بدعته فيصير إمامهم، وأهل الإسلام قاطبة تقدم متكلماً على أئمة الحديث جميعهم في حال كثرة العلماء، ما هذا الهذيان؟ " (٢) اهـ.

стр. 653

ثم يقال: كيف يدعى ذلك في رجل قضى أربعين سنة من عمره على الاعتزال، ثم تاب في آخر حياته، وعاش في مرحلة التوبة ما يقرب من عشر سنين تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً على اختلاف الروايات في مولده، كيف يكون مثل من كان هذا حاله إماماً للمسلمين؟ متى تعلم العلم ورسخ فيه حتى يتخذ إماماً دون أئمة السنة وأهل الحديث؟ هذا ضرب من المحال، بل من الجنون. قال ابن المبرد في رده على ابن عساكر: "فقد أثبت – أي: ابن عساكر – أنه كان أكثر عمره على غير السنة، وأنه كان معتزليا متكلماً، وأنه تاب من الاعتزال ولم يتب من الكلام. فيا سبحان الله! من كان بهذه المثابة وبهذه الحالة يجعل إمام المسلمين والمقتدى به، يترك مثل أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وابن المبارك، ولا يقتدي ولا يذكر إلا هذا الذي أقام على البدعة عمره" (١) اهـ. ويقال أيضاً: إن أبا الحسن الأشعري بعد رجوعه إلى طريق الكلابية ثم إلى طريق السنة المحضة، لم يكن مبرزاً في شيء من العلوم سوى علم الكلام، ومن كان هذا حاله فحسبه أن يكون متبعاً للسلف ومنتسباً لأئمة السنة وهو الأمر الذي قرره وذكره في أول كتابه الذي يمثل مرحلته الأخيرة: (الإبانة) حيث انتسب فيه إلى الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، وأما أن يكون هو الإمام الذي يقتدى به وينسب إليه فهذا ضرب من المجازفة، بل الانحراف.

стр. 654

ومن المعلوم أن المسلمين كانوا على جهادة السنة والطريق حتى ظهرت الفرق الكلامية، وحصلت الفتن وابتلي المسلمون، فلما جاء أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس وبدأ يظهر بعض رؤوس الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، انتهض السلفيون لدحر هذه الفتنة، وكشف زيفها وأباطيلها، حتى كتب الخليفة العباسي القادر بالله تلك العقيدة المعروفة بالقادرية والتي سبق أن ذكرنا طرفاً منها، وأمر أن يرسل بها إلى أنحاء الدولة العباسية وأطراف الأمة الإسلامية. وكانت هذه العقيدة قد كتبها أبو أحمد الكرجي المعروف بالقصاب المتوفي سنة (٣٦٠هـ)، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه (١)، مما يعني أنه قد كتبها للقادر بالله قبل توليه الخلافة، إذ أنه تولى الخلافة سنة (٣٨١هـ)، ثم أظهرها في خلافته وأرسل بها في الآفاق. قال الوزير ابن جهير: "هكذا فعلنا أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع" (٢).وممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها أعظم ملوك الدولة الغزنوية وفاتح الهند العظيم محمود بن سبكتكين (٣)، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم على المنابر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا – من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة – في مملكته، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضا الأشعرية" (٤) اهـ. وقال أيضاً: "ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة، فلعنوا الكلابية والأشعرية كما كان في مملكة الأمير محمود بن سبكتكين" (٥) اهـ. وقال الذهبي: "وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولعنوا على المنابر" (٦) اهـ. ثم لما كان في خلافة القائم بالله ابن القادر، رفع بعض الأشاعرة رؤوسهم وظهر كتاب ابن فورك (تأويل مشكل الحديث) حيث ملأه بالتأويلات لأخبار الصفات، فقام القاضي أبو يعلى بالحق ونصر السنة وألف كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) رداً على تأويلات ابن فورك وحصلت فتنة، عندها أمر الخليفة القائم بأمر الله أن يقرا (الاعتقاد القادري)، ويأخذ توقيعات العلماء على الإقرار بما فيه وأنه المعتقد الصحيح، وكان ذلك في سنة "٤٣٣هـ".قال ابن كثير في أحداث سنة ٤٣٣هـ: "وفيها قرئ "الاعتقاد القادري" الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف" (٧) اهـ. وكان ممن وقع عليه القاضي أبو يعلى كما سبق نقل كلام ابنه في الطبقات.

стр. 655

ثم لما كان في سنة ٤٦٠هـ أعيدت قراءة "الاعتقاد القادري" وأمر بأن يقرأ في الجوامع والمساجد. قال ابن الجوزي: "وقرأت بخط أبي علي بن البنا قال: اجتمع الأصحاب وجماعة الفقهاء، وأعيان أصحاب الحديث ... وسألوا إخراج "الاعتقاد القادري" وقراءته، فأجيبوا وقرئ هناك بمحضر من الجمع ... وكان أبو مسلم الليثي البخاري المحدث معه كتاب (التوحيد) لابن خزيمة فقرأه على الجماعة ... ونهض ابن فورك قائماً فلعن المبتدعة وقال: لا اعتقاد لنا إلا ما اشتمل عليه هذا الاعتقاد، فشكرته الجماعة على ذلك ... وقال الوزير ابن جهير: ... ونحن نكتب لكم نسخة لتقرأ في المجالس، فقال: هكذا فعلنا في أيام القادر، قرئ في المساجد والجوامع، وقال: هكذا تفعلون فليس أعتقد غير هذا، وانصرفوا شاكرين" (١) اهـ. فانظر إلى هذه الانتهاضة في الإنكار على أهل البدع ومنهم الأشاعرة، ثم انظر إلى ما قاله المؤلفان (ص٢٥٢) عاكسين للحال: "بل نزيد ونقول إنه لا يبعد أن يكون – أي: ابن جرير – انتسب إليه – أي: الأشعري – فيما لم يصلنا من كتبه، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه انتهض لنصرة طريقة الإمام أبي الحسن والإمام أبي منصور جميع أهل السنة في العالم الإسلامي" اهـ. وقد قال ابن المبرد في تأكيد ما ذكرناه: "أنا أذكر لك كلاماً تعلم كيفيتهم: كان الأشعري وأتباعه في زمنه لا يظهر منهم أحد بين الناس، ولا يقدر أحدهم على إظهار كلمة واحدة مما هم عليه، ثم لما ذهب هو وأصحابه، ولا نسب أحداً منهم، فلعله قد تاب حقيقة، بل نسأل الله له ولأتباعه المسامحة، وجاء أصحاب أصحابه، وكان ذلك في زمن شيخ الإسلام الأنصاري كان الواحد والاثنان والثلاثة منهم إذا أرادوا أن يتكلموا بشيء من مذهبهم وما هم عليه اختفوا بذلك بحيث لا يراهم أحد بالكلية، فقد ذكر ذلك شيخ الإسلام الأنصاري وغيره، وهو إمام مقبول عند سائر الطوائف، ومن لم يصدقني فلينظر في كتابه (ذم الكلام) يجد ذلك في عدة مواضع منه. ثم لما كان بعد ذلك بمدة في زمن الخطيب البغدادي وغيره ظهروا بذلك بعض الظهور، فقويت الشوكة عليهم ولعنوا على المنابر، ونفي جماعة منهم (٢)، ثم بعد ذلك أبرزوه، وقويت شوكتهم، وكانوا يقومون به ويقعون، تارة لهم وتارة عليهم، ثم في زمن ابن عساكر وغيره ظهروا وبرزوا أكثر من ذلك، وصاروا تارة يظهرون ويترجحون، وتارة يظهر عليهم، ثم في زمن الشيخ تقي الدين ابن تيمية ترجح أمرهم وظهروا غاية الظهور، ولكن كان يقاومهم هو وأصحابه إلا أن الظفر في الظاهر مع أولئك، ثم بعد ذلك عم الخطب والبلوى بذلك فصار ما هم عليه هو الظاهر وصريح السنة، وما عليه السلف هو الخفي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (٣) اهـ.

стр. 656

وأما أسباب انتشار العقيدة الأشعرية في القرون المتأخرة، فهو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما نصه: "فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبدالملك بن عيسى بن درباس الماراني على هذا المذهب، قد نشئا عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك. واتفق مع ذلك توجه أبي عبدالله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لفقها عنه عامتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبدالمؤمن بن علي الميسي، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهدي المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلا الله خالقها ، كما هو معروف في كتب التاريخ. فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب، وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلا أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحكم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة، وعلى الصوفية" (١) اهـ. وكلام المقريزي هنا يبين وقت وسبب انتشار المذهب الأشعري، وأنه كان بسبب فرضه على الناس، إلى حد قد يصل في بعض الأحايين إلى القوة والقتل كما حصل من ابن تومرت لما حكم المغرب والأندلس. وقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية نصيب من الابتلاء، فقد أوذى وسجن بسبب تبيينه لمنهج أهل السنة والرد على المخالفين. وأما ما يتعلق بعوام المسلمين، فلا ريب أنهم إن تركوا من غير تلقين فإنهم على الفطرة السليمة، وعلى اعتقاد السلف وأهل الحديث، لا يعرفون أصول الكلام، ولا تأويل الصفات، ولا شيئاً من ذلك. ولا يمكن لأحد أن يدعي خلاف ذلك إلا مكابرة. فلا يعرف العامي إلا أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، لا يعرف ما يقوله الأشاعرة من أنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت. ولا يعرف العامي إلا أن الله يتكلم، وأنه كلم موسى فسمع موسى كلام الله، لا يعرف الكلام النفسي الذي هو: أمر ونهي وخبر واستخبار. ولا يعرف العامي إلا أن الله يحب التوابين، ويبغض الكافرين، ويرضى عن الطائعين، ويسخط على العاصين، لا يعرف أن هذه الصفات كلها راجعة إلى الإرادة. ولا يعرف العامي إلا أن الله أقدر العبد على الفعل، وجعل له إرادة لها تأثير فيه، لا يعرف الكسب الذي هو اقتران القدرة الحادثة بالقدرة القديمة، وأن الحادثة لا تأثير لها في الفعل البتة. وسل إن شئت جماعات المسلمين يخبروك بحقيقة الحال إذ أنهم على الفطرة، فأما عقيدة الأشاعرة فلا يعرفها إلا من درسها في المعاهد والمدارس. فدعوى أن الأشعرية هو المذهب الذي يدين به عامة الأمة ودهماؤها، دعوى باطلة جملة وتفصيلاً. المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٧٤١

стр. 657

المبحث الثالث: ذكر بعض من نسبوا إلى الأشعرية وبيان براءتهم منها الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري "٢٥٦هـ":زعم المؤلفان (١) أن البخاري كان موافقاً لابن كلاب في معتقده!! وهي دعوى مردودة، يأباها التحقيق العلمي، والاستقراء التاريخي. فإن البخاري ﵀ رأس في الحديث، بل هو إمام الدنيا في عصره وحامل لواء أهل الحديث، وليس هذا بعجب منه، إذ أنه كان تلميذ أئمة السنة، وعلى رأسهم إمام أهل السنة بلا منازع أحمد بن حنبل، وكذا إسحاق بن راهوية، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم من أكابر أئمة السنة وبقية السلف. ومن تأويل ما سطره في صحيحه، وفي غيرها من كتبه يعلم تمام العلم، أنه كان على عقيدة أهل الأثر، لا أهل الكلام، وأنه يثبت صفات الله تعالى على الوجه اللائق به، بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تنزيه ينفي حقائقها. وقد عقد كتاباً في صحيحه أسماه كتاب (التوحيد)، أثبت فيه الصفات لله تعالى على منوال السلف والأئمة، لا على منوال أهل الكلام، فعقد فيه ثمانية وخمسين باباً في إثبات صفات الله، منها: - باب: "قول الله تعالى: وَيُحَذكرمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] "، لإثبات النفس لله تعالى. - وباب: "قول الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] "، لإثبات الوجه لله تعالى. - وباب: "قول الله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩] "، لإثبات العين لله تعالى. - وباب: "قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] "، لإثبات اليد لله تعالى.- وباب: "قول النبي ﷺ ((لا شخص أغير من الله)) (٢)، لإثبات الشخص لله تعالى. - وباب: " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً [الأنعام: ١٩]، فسمى الله تعالى نفسه شيئاً. وسمى النبي ﷺ القرآن شيئاً. وهو صفة من صفات الله. وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]؛ لإثبات أن الله تعالى يسمى شيئاً. - وباب: " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود: ٧]، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩] "، لإثبات علو الله تعالى على خلقه، واستوائه وارتفاعه على عرشه، وأورد فيه قول أبي العالية ومجاهد: استوى: علا وارتفع، ثم ساق الأحاديث الدالة على علو الله تعالى، وأنه في السماء فوق كل شيء. - وباب: "قول الله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] ... وقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق: ١]، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين"، ففيه إثبات أن الله يوصف بأنه يحدث ما شاء.

стр. 658

- وأبواب في إثبات كلام الله تعالى، منها: باب لإثبات الحرف والصوت لله تعالى فقال: "باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة".- وباب: "ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره، وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون" (١).قال ابن القيم: "وهذه الترجمة فصل في مسألة الفعل والمفعول، وقيام أفعال الرب به وأنها غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، ففصل النزاع بهذه الترجمة أحسن فصل، وأبينه، وأوضحه، إذ فرق بين الفعل والمفعول، وما يقوم بالرب سبحانه، وما لا يقوم به، وبين أن أفعاله تعالى كصفاته، داخلة في مسمى اسمه، ليست منفصلة خارجة مكونة، بل بها يقع التكوين" (٢) اهـ. وهذا التقرير يخالف ما عليه الأشعرية من امتناع قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى لأنها حوادث، والحوادث عندهم لا تقوم إلا بحادث، فيمنعون ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال، فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه. وزاد البخاري هذا تأكيداً في (خلق أفعال العباد) في باب: "الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل"، فقال: "ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به، وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى؛ إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله" (٣) اهـ. وقال في موضع آخر: "ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق" (٤) اهـ. وبوب في مسائل الإيمان: - باب: "وسمى النبي ﷺ الصلاة عملاً"، لإثبات أن العمل من الإيمان. - وقال في باب: "قول الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] وسمى النبي ﷺ الإيمان عملاً".وهو القائل: "كتبت عن ألف وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" (٥) اهـ. ومعلوم أن هذا مخالف لعقيدة الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل لا يسمى إيماناً. وعقد في كتاب (التوحيد) من صحيحه غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي يقرر فيه الصفات لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تعرض لها بتأويل ولا تحريف.

стр. 659

قال الذهبي في (العلو): "قال الإمام أبو عبدالله بن إسماعيل في آخر الجامع الصحيح في كتاب (الرد على الجهمية)! باب قوله تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود: ٧]، قال أبو العالية: استوى إلى السماء، ارتفع. وقال مجاهد في اسْتَوَى: علا على العرش. وقالت زينب أم المؤمنين ﵂: "زوجني الله من فوق سبع سموات".ثم إنه بوب على أكثر ما تنكره الجهمية، من العلو، والكلام، واليدين، والعينين، محتجاً بالآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله: "باب قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠] "، و"باب قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] "، "باب قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، و"باب كلام الرب مع الأنبياء"، ونحو ذلك مما إذا تعلقه اللبيب عرف من تبويبه أن الجهمية ترد ذلك وتحرف الكلم عن مواضعه، وله مصنف مفرد سماه (كتاب أفعال العباد) في مسألة القرآن" (١) اهـ. وكتب البخاري أيضاً في تقرير بعض مسائل المعتقد كتاب (خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل)، والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، ونقل كثيراً من نصوص السلف والأئمة في الصفات، والتي سبق أن ذكرنا بعضها في ثنايا كتابنا هذا، ككلامهم في علو الله تعالى على خلقه، وفي كلام الله تعالى، وقرر أنه بصوت كما سبق نقل كلامه. فقال: "وإن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ذكره. قال أبو عبدالله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال : فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً [البقرة: ٢٢]، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين" (٢) اهـ. وهذه الصفة مما اتفق الأشاعرة على إنكارها، وتنزيه الله عن الاتصاف بها، بدعوى أنها تستلزم التشبيه، بناءاً على أصلهم في الكلام النفسي. فإثبات البخاري لكلام الله تعالى وأنه بحرف وصوت، يبطل دعوى انتسابه أو تأثره بابن كلاب، لأن مسألة الكلام النفسي هي من أشهر المسائل التي خالف فيها ابن كلاب السلف، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد عليه كما سيأتي بيانه، وأمر بهجر الحارث المحاسبي بسببه. فطريقة البخاري في صحيحه في كتاب (التوحيد)، وكذا في كتاب (خلق أفعال العباد) في تقرير المعتقد، ظاهرة في كونه على منهج السلف وطريقهم، الذين يجعلون الكتاب والسنة أصلاً، ثم يتبعونه بكلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. كما أن تبويبه لمسائل المعتقد يدل بشكل واضح على عدم كونه من المتكلمين، بل هو مباين لهم غاية التباين. ومما يؤكد كون البخاري لم يكن موافقاً لابن كلاب، أنه لم يذكره في شيء من كتبه البتة، ولا عرج على كلامه، ولا على كلام أصحابه، كالحارث المحاسبي، والقلانسي، والكرابيسي، وغيرهم. لا في صحيحه، ولا في تواريخه، كالتاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، ولا في كتبه الأخرى ككتاب (خلق أفعال العباد). الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري "٣١٠هـ": هو إمام المفسرين ومقدمهم محمد بن جرير ابن يزيد بن كثير الإمام العلم المجتهد عالم العصر أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البدعية من أهل آمل طبرستان. وله كتابان في المعتقد، هما: (التبصير في معالم الدين)، و (صريح السنة)، قد قرر فيهما المعتقد وأبان عن منهجه وطريقته، فضلاً عما سطره في ثنايا تفسيره العظيم.

стр. 660

ومع وجود هذين الكتابين، فإن المؤلفين لم ينقلا حرفاً واحداً منهما، ولم يشيرا إليهما البتة، ويزعمان مع ذلك أن الطبري أشعري المعتقد!!! وقد سبق أن نقلنا كثيراً من تقريراته في مسائل المعتقد في ثنايا الكتاب. ونؤكد هنا ما نقلنا ونزيد عليه: علو الله تعالى بنفسه على خلقه: قال الذهبي في (العلو): "قال أبو سعيد الدينوري مستملي محمد بن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع في عقيدته، فقال "وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر".قال الذهبي: تفسير ابن جرير مشحون بأقوال السلف على الإثبات، فنقل في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة: ٢٩]، عن الربيع بن أنس: أنه بمعنى ارتفع. ونقل في تفسير: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، في المواضع كلها أي: علا وارتفع. وقد روى قول مجاهد، ثم قال: ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا، لا من يقرأن الله فوق العرش، ولا من ينكره من الجهمية وغيرهم" (١) اهـ. قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة: ٧]: "وعنى بقوله: هُوَ رَابِعُهُمْ، بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه. كما حدثني عبدالله بن أبي زياد، قال: ثني نصر بن ميمون المضروب، قال: ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك، في قوله مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ ... إلى قوله: هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة: ٧]، قال: هو فوق العرش وعلمه معهم: أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (٢) اهـ. إثبات اليدين لله تعالى: وقال في تفسير قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]: "اختلف أهل الجدل في تأويل قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، فقال بعضهم: عنى بذلك: نعمتاه ... وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة ... وقال آخرون منهم: "بل "يده"، ملكه ... وقال آخرون منهم: بل "يد الله" صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم. قالوا: وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن خصوصه آدم بما خصه به من خلقه إياه بيده، قالوا: ولو كان معنى "اليد" النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصه آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئته في خلقه نعمة، وهو لجميعهم مالك ... ". إلى أن قال: "قالوا: ففي قول الله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، مع إعلامه عباده أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع، ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى "اليد" في هذا الموضع: النعمة، وصحة قول من قال: إن "يد الله" هي له صفة. قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وقال به العلماء وأهل التأويل" (٣) اهـ.

стр. 661

إثبات صفة الإتيان لله تعالى: قال في تفسير قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨]: "يقول جل ثناؤه: هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك يا محمد بين خلقه في موقف القيامة، أو يأتي بعض آيات ربك، يقول: أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، وذلك فيما قال أهل التأويل طلوع الشمس من مغربها ... "، ثم ذكر آثار السلف على ذلك" (١) اهـ. إثبات الصفات على الحقيقة بلا تشبيه: وقال في (التبصير في معالم الدين): "ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمته، لا يسع أحداً من خلق الله – قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله ﷺ فيما روي عنه به الخبر منه – خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حساً، فمعذور بالجهل به الجاهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالرؤية والفكر. وذلك نحو: إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميع بصير. وأن له يدين لقوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]. وأن له يميناً لقوله: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]. وأن له وجهاً لقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]. وقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧].وأن له قدماً لقول رسول الله ﷺ : ((حتى يضع الرب قدمه فيها)) (٢) ,يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي ﷺ للذي قتل في سبيل الله: إنه لقي الله وهو يضحك إليه. (٣). وأنه يهبك كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا؛ لخبر رسول الله ﷺ . وأنه ليس بأعور؛ لقول النبي ﷺ ، إذ ذكر الدجال فقال: ((إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)) (٤). وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غيابة، وكما يرون القمر ليلة البدر، لقول النبي ﷺ . وأن له أصابع، لقول النبي ﷺ : ((ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ... )) (٥). إلى أن قال: "فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سماعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع ... ".

стр. 662

إلى أن قال: "فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله ﷺ ؟ قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفي عن نفسه جل ثناؤه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] ... ".إلى أن قال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه" (١). إثبات النزول لله تعالى: قال في "التبصير": "قيل له –أي: للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي ﷺ : أنه يهبط إلى السماء الدنيا فينزل إليها. فإن قال: أنكرت ذلك؛ أن الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة. قيل لهً: فقد قال جل ثناؤه: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك. قيل: قد أخبرنا ﵎ أنه يجيء هو والملك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملك لا الملك، كما كان معنى مجيء الرب ﵎ مجيء أمره. فإن قال: لا أقول ذلك في الملك، ولكني أقول في الرب. قيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب ﵎ والملك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، وزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟! ... ". إلى أن قال: "فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟ قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا الخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفا صفا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية" (٢). القرآن كلام الله غير مخلوق: قال في "صريح السنة" في إثبات أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وإبطال معتقد الأشاعرة فيه: "فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه، أو قاله بلسانه دائناً به فهو بالله كافر حلال الدم، بريء من الله، والله منه بريء بقول الله : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [البروج: ٢١ - ٢٢]، وقال وقوله الحق: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة: ٦].فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد ﷺ مسموع، وهو قرآن واحد: من محمد ﷺ ، وفي اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو" (٣) اهـ. وهذا يبطل معتقد الأشاعرة الذين يزعمون أن هناك قرآنين أحدهما: كلام الله غير مخلوق وهو ما قام بذات الله، والآخر مخلوق: وهو الملفوظ المتلو المكتوب، كما سبق بيان قولهم في الفصل الثالث من الباب الثاني.

стр. 663

وقال في اللفظة: "وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغناء والشفاء رحمة الله عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم مقام قول الأئمة الأولى، أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل حنبل ﵁. فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: اللفظة جهمية لقول الله جل اسمه: يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة: ٦]، فممن يسمع. ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه أنه كان يقول: من قال "لفظي بالقرآن مخلوق" فهو جهمي، ومن قال "هو غير مخلوق" فهو مبتدع" (١) اهـ. وقال أيضاً في تعريف الإيمان: "فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل، يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ ، وعليه مضى أهل الدين والفضل" (٢) اهـ. وهذا مخالف لمعتقد الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن الأعمال ليست داخلة في حقيقة الإيمان. هذه نتف من كلام ابن جرير ﵀ في تقرير الاعتقاد تبين موافقته للسلف، ومخالفته للأشاعرة. وكيف لا يكون كذلك وهو صاحب إمام الأئمة ابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم من أئمة السنة. الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني "٣٨٥هـ": كان الحافظ الدارقطني من ضمن من حاول المؤلفان ضمه إلى ركب الأشاعرة استكثاراً للأتباع، وتشبعاً بما لم يعطيا. والحافظ الدارقطني علم من الأعلام، وإمام من الأئمة الذين ألفوا وكتبوا في فنون كثيرة، ومنها: "المعتقد"، فاللدارقطني ثلاثة كتب معروفة مشهورة مطبوعة متداولة في معتقد أهل السنة والجماعة، وهي: كتاب (الصفات)، وكتاب (الرؤية)، وكتاب (أحاديث النزول). ومع توفر هذه الكتب في المكتبة الإسلامية، فإننا نجد المؤلفين لم يعرجا على شيء منها البتة، وأعرضا عنها تماماً، واستندا في دعواهما بأشعريته على قصة ذكر فيها أن الدارقطني قبل رأس أبي بكر الباقلاني الأشعري، وأثنى عليه. ومن المعلوم أن هذه الطريقة لا يمكن الاعتماد عليها في استخلاص معتقد إمام معروف بكتبه كالحافظ الدارقطني، وغاية ما فيها ثناء الدارقطني على بعض الأشاعرة. وهذا على فرض ثبوته يحتمل أموراً كثيرة. منها: أن الثناء عليه قد يكون قبل أن يعلم حاله، وقبل أن يظهر ما ظهر من معتقداته. ومنها: أن الثناء قد يكون نسبياً، كأن يثني عليه لجهوده في الرد على المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد كان الباقلاني معروفاً بهذا. لا لكونه موافقاً للحق في كل معتقده. وقد ذكر ابن المبرد الدارقطني من ضمن من كان مجانباً للأشاعرة، فقال: "ومنهم: الإمام أبو الحسن الدارقطني، كان مجانباً لهم – أي: الأشاعرة -، وله كلام في ذمهم" (٣). وأنا أبين هنا ما سطره الدارقطني في كتبه حتى يتبين لكل عاقل، بطلان هذه الدعوى، وأن الدارقطني كان إماماً في السنة، رأساً فيها، ناهجاً نهج السلف والأئمة، لم يكن أشعرياً ولا كلابياً ولم يدخل في الكلام البتة. فكتاب (الصفات) قد ألفه في إثبات صفات الله تعالى التي كان يتأولها المعطلة من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية، فعقد بابا لإثبات القدم لله ، وباب لإثبات اليدين، وبابا لإثبات الضحك، وبابا لإثبات الأصابع، وبابا في ما جاء في الكرسي، وبابا في ما جاء في صورة الرحمن، وبابا في ما جاء في حثيات الرب ، وبابا في ما جاء في يمين الله ، وباباً في ما جاء في كف الرحمن.

стр. 664

ثم أعقب هذه الأبواب بباب في بيان منهج السلف في هذه الصفات، وهو إمرارها على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل، ولا تشبيه، ونقل فيها كثيراً من نصوص السلف والتي قد ذكرنا كثيراً منها في الباب الأول. وأما كتاب (أحاديث النزول) فقد أثبت فيه صفة النزول لله تعالى، وأنه حق على حقيقته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، وأنه نزول الله تعالى لا نزول ملك ولا نزول أمره ونحو ذلك مما يتأوله الأشاعرة وجميع المعطلة، وجميع فيه أحاديث النزول في الثلث الأخير من الليل، وفي شعبان، وعشية عرفة، وقال في أوله: "ذكر الرواية عن النبي ﷺ أن الله ﵎ ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيغفر للمستغفرين ويعطي السائلين" (١) اهـ. وأما كتاب (الرؤية) فقد قرر فيه معتقد السلف في أن الله ﵎ يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون في العرصات، وبعد دخول الجنة، وجمع فيها الأحاديث المتواترة الدالة على ذلك، ونقل فيه كلام الصحابة والتابعين والأئمة في إثبات ذلك، وأن ألذ نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله ﵎. فكيف يمكن بعد ذلك إدخال الدارقطني في جملة الأشعرية؟!! وكتبه كلها قد نسجها على منوال السلف في تقرير المعتقد، فيستدل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم من كلام السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يعرج قط على المسائل الكلامية، ولا الدلائل التي يسميها أصحابها عقلية، بل كان مبغضاً لهذه الطرق. قال الذهبي في (العلو): "كان العلامة الحافظ أبو الحسن علي بن عمر نادرة العصر، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن، فمما صنف: كتاب (الرؤية)، وكتاب (الصفات)، وكان إليه المنتهى في السنة ومذاهب السلف. وهو القائل ما أنبأني أحمد بن سلامة بن يحيى بن يونس أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري أنشدنا الدارقطني رحمه الله تعالى: حديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده وأما حديث بإقعاده ... على العرش أيضاً فلا نجحده أمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده اهـ (٢). وقال الذهبي في السير: "وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام. قلت: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام، ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً. سمع هذا القول منه أبو عبدالرحمن السلمي" (٣) اهـ. الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني "٤٣٠هـ":وهو ممن عده المؤلفان (٤) من الأشاعرة، اتباعاً لابن عساكر، وقد استدرك ذلك عليه ابن المبرد منتقداً إلحاقه له بالأشاعرة فقال: "ثم ذكر فيهم أبا نعيم الحافظ، وليس بمسلم له فيه، وهو اختلاف عليه" (٥) اهـ.

стр. 665

وأنا أذكر بعض ما نقل عنه في المعتقد ليتبين لنا حقيقة هذا الدعوى: قال في كتابه (محجة الواثقين ومدرجة الواقين) فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالْ على عرشه، مستو عليه، لا مستول عليه كما تقول الجهمية: أنه بكل مكان، خلافاً لما نزل في كتابه: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: ١٦]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسماوات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ ، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفاً صفاً كما قال تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، وزاد النبي ﷺ وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء، كما قال تعالى: يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [آل عمران: ١٢٩] " (١) اهـ. وقال الذهبي في (العلو): "قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني مصنف "حيلة الأولياء" في كتاب (الاعتقاد) له: "طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالماً بعلم بصيراً ببصر سميعاً بسمع متكلماً بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة، كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءاً ومتلواً ومحفوظاً ومسموعاً ومكتوباً وملفوظاً كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر – إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرض واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه" (٢) اهـ. ونقل ابن القيم عنه قوله في عقيدته: "وإن الله سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأويل فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا. ثم قال: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة، لأنه البائن الفرد من الخلق، والواحد الغني عن الخلق .. - وقال أيضاً: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة -، وساق ذكر اعتقادهم ثم قال: ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه وساق بقيته" (٣) اهـ.

стр. 666

شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني "٤٤٩هـ":زعم المؤلفان (١) أن شيخ الإسلام الصابوني أشعري، مستندين على ما ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري حيث قال: "وسمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشار البوشنجي المعروف بالخركردي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه: أن الإمام أبا عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري، قال: ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب (الإبانة) لأبي حسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به، ويقول: ماذا الذي ينكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه. فهذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان" (٢) اهـ. والاستدلال بمثل هذه الحكاية على أشعرية الصابوني خطأ كبير لأمور: الأول: أن المخبر بها غير مسمى، فلا يعرف من هو، فكيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الحكاية. الثاني: أنه أمر غير مستغرب، لأن (الإبانة) الذي ألفه الأشعري في آخر عمره، قد مشى فيه على طريقة السلف، ورجع عما كان عليه من طريقة ابن كلاب، وهو ما سيأتي تقريره في الفصل الثالث من الباب الخامس. فلذلك نقول: إن كانت الأشعرية هي على ما عليه الأشعري في (الإبانة) فحي هلا، وأما إن كانت على ما عليه الأشاعرة المتأخرون فلا وألف لا. الأمر الثالث: أن الإمام الصابوني قد كتب في بيان المعتقد كتاباً عظيماً أسماه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث)، وهو مشهور متداول، فهلا نقل منه المؤلفان ليثبتا أشعريته وموافقته لهما؟!. فإن كتابه هذا قد أبان فيه المعتقد الصحيح لأهل الحديث أهل السنة والجماعة، وهو الموافق لما في كتاب (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري، فلا عجب بعد ذلك أن يثني الإمام الصابوني على (الإبانة).وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: "ومنهم أبو عثمان الصابوني، شيخ الإسلام، كان إماماً مجانباً لهم" (٣). وأنا أنقل هنا بعض ما ذكره في كتابه حتى تتبين عقيدة الإمام الصابوني:

стр. 667

قال يحكي عقيدة أهل الحديث: "ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله – عز من قائل -: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة والجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] ".وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغيرها من تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﵌ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧] " (١) اهـ. فانظر كيف حكى معتقد أهل السنة في الصفات، وأنهم يسلكون فيها الإثبات من غير تشبيه، ولا تحريف وتأويل. وأن هذا هو سبيلهم في جميع الصفات، لا يفرقون بين صفات المعاني، ولا غيرها من الصفات، كالوجه، واليدين، والفرح، والضحك. وقد سبق أن بينت أن قوله: "ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله" يريد به حقيقة ما عليه الصفة، وكيفيتها، بدليل إثباته لها على ظاهرها، ومنعه من التعرض لها بتأويل وغيره، فلو كان اللفظ غير مفهوم، لم يكن إمراره على ظاهره معنى، كيف وقد بين وجوب إمراره بلا تشبيه، ولا تكييف، ونقل إجماع الأمة على علو الله تعالى واستوائه على عرشه بمعنى العلو.

стр. 668

فقال في الاستواء والعلو: "ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سموات على عرشه كما نطق به كتابه ... وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته ... ".إلى أن قال: "وسمعت الحاكم أبا عبدالله في كتابه (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه (معرفة الحديث) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله على عرشه، فوق سبع سمواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي ﷺ : ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) رواه البخاري (١) ".ثم ذكر حديث الجارية ((أين الله؟)) (٢) ثم قال: "فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية" (٣) اهـ. وقال: "والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه، ويعلمون حقاً يقيناً أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله" (٤) اهـ. وقال في إثبات النزول لله تعالى: "وثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله .. " (٥) اهـ. وقال في إثبات الرؤية: "ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: ((إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) (٦) , والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي" (٧) اهـ. وقال في الإيمان: "ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" (٨) اهـ. وقال في علامات أهل البدع: "وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ﷺ ، واحتقارهم لهم وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية" (٩) اهـ. فهذه بعض تقريراته في المعتقد، والتي تدل على اتباعه لمذهب السلف فيها، واجتنابه مذهب الخلف كالأشعرية وغيرهم. وقد نقل الصابوني كثيراً عن إمام الأئمة ابن خزيمة في أبواب الاعتقاد، ومعلوم مخالفة ابن خزيمة للكلابية والأشعرية، والتحذير منهم. فهل ترى بعد هذا يصح نسبة هذا الإمام للأشعرية؟!! أم هل يرتضي المؤلفان عقيدته هذه؟!!

стр. 669

الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي "٥١٦":عد المؤلفان (١) الإمام البغوي من الأشاعرة، بلا تمحيص ولا تحقيق، ولا نقل من كتبه ومؤلفاته كعادتهم. وهي دعوى يكذبها ما سطره الإمام البغوي في كتبه، كتفسيره المسمى بـ"معالم التنزيل"، وكتابه الماتع العظيم (شرح السنة) والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، حيث عقد فيه فصلاً للرد على الجهمية الذين تأولون الصفات. وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: "ومنهم الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء البغوي، كان مجانباً لهم" (٢). وأنا أنقل بعض كلامه في المعتقد لتتبين لنا حقيقة دعوى أشعريته: قال في (شرح السنة): "باب بيان أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، والرد على المرجئة ... " – ثم ساق الآيات والأحاديث الدالة على ذلك ثم قال: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان ... " – ثم قال: "وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء .... " – إلى أن قال: "واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته" (٣) اهـ. وهذا يخالف كما هو معلوم معتقد الأشاعرة من أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص. وساق أحاديث الأصابع لله ثم قال: "والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح ... " - ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: "فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ... " – ثم ساق آثار السلف (٤) اهـ. وفي باب الرد على الجهمية: ذكر حديث "إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا – وأشار وهب بيده – مثل القبة عليه"، وأشار أبو الأزهر أيضاً" "إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب"، ثم نقل كلام الخطابي وتأويله للحديث الصفة، ثم قال معلقاً: "والواجب فيه وفي أمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق" (٥) اهـ. فتأمل إثباته لصفات الله تعالى، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه عنها، ومنع التأويل فيها، وتقريره أن إثباتها لله لا يستلزم التشبيه، كإثبات الذات. وتأمل منعه من الخوض فيها بالعقول تأويلاً، وتحريفاً، بعد أن نقل كلام الخطابي.

стр. 670

وأما قوله: "ووكلوا العلم فيها إلى الله "، فالمراد به علم حقيقة ما هي عليه، وكنهها، وكيفيتها، وإلا لم يكن لقوله "وإمرارها على ظاهرها" معنى، فإن الإمرار على الظاهر، هو حملها على ما دل عليه لفظها من المعنى المعروف لغة مع نفي التشبيه، وليس المراد بالظاهر: تنزيلها وكونها في القرآن، إذ لا ينكر هذا أحد ولا يمتري فيه. ويقال أيضاً: لو كان كذلك لم يقل "إمرارها على ظاهرها" إذ يكون ظاهرها مجهولاً غير معلوم، فكيف يأمر بإمراره. وقال في تفسيره "معالم التنزيل" في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة: ٢٩]: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء" (١) اهـ. وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠]، "والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة" (٢) اهـ. وقال في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]: "قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله . وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق رأسه ملياً، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً. ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (٣) اهـ. وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨]: " أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة" (٤) اهـ. وقال في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]: "ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وقال النبي ﷺ : ((كلتا يديه يمين)) (٥)، والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (٦) اهـ. هذا بعض كلامه في تقرير المعتقد، فوازن بينه وبين معتقد الأشاعرة، لترى البون الشاسع بينهما. الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير "٧٧٤هـ":ادعى المؤلفان (٧) أن الحافظ ابن كثير كان أشعرياً، واستدلا على ذلك بما ورد في (الدرر الكامنة) في ترجمته إبراهيم بن محمد بن قيم الجوزية ما نصه: "ومن نوادره أنه وقع بينه وبين عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيمية" (٨) اهـ. وهذه الحكاية لم يذكر ابن حجر من حدثه بها، هذا أولاً.
следующие страницы →