← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني "٤٤٩هـ":زعم المؤلفان (١) أن شيخ الإسلام الصابوني أشعري، مستندين على ما ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري حيث قال: "وسمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشار البوشنجي المعروف بالخركردي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه: أن الإمام أبا عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري، قال: ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا وبيده كتاب (الإبانة) لأبي حسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به، ويقول: ماذا الذي ينكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه. فهذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخراسان" (٢) اهـ. والاستدلال بمثل هذه الحكاية على أشعرية الصابوني خطأ كبير لأمور: الأول: أن المخبر بها غير مسمى، فلا يعرف من هو، فكيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الحكاية. الثاني: أنه أمر غير مستغرب، لأن (الإبانة) الذي ألفه الأشعري في آخر عمره، قد مشى فيه على طريقة السلف، ورجع عما كان عليه من طريقة ابن كلاب، وهو ما سيأتي تقريره في الفصل الثالث من الباب الخامس. فلذلك نقول: إن كانت الأشعرية هي على ما عليه الأشعري في (الإبانة) فحي هلا، وأما إن كانت على ما عليه الأشاعرة المتأخرون فلا وألف لا. الأمر الثالث: أن الإمام الصابوني قد كتب في بيان المعتقد كتاباً عظيماً أسماه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث)، وهو مشهور متداول، فهلا نقل منه المؤلفان ليثبتا أشعريته وموافقته لهما؟!. فإن كتابه هذا قد أبان فيه المعتقد الصحيح لأهل الحديث أهل السنة والجماعة، وهو الموافق لما في كتاب (الإبانة) لأبي الحسن الأشعري، فلا عجب بعد ذلك أن يثني الإمام الصابوني على (الإبانة).وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: "ومنهم أبو عثمان الصابوني، شيخ الإسلام، كان إماماً مجانباً لهم" (٣). وأنا أنقل هنا بعض ما ذكره في كتابه حتى تتبين عقيدة الإمام الصابوني:

стр. 667

قال يحكي عقيدة أهل الحديث: "ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله – عز من قائل -: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة والجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] ".وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغيرها من تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﵌ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران: ٧] " (١) اهـ. فانظر كيف حكى معتقد أهل السنة في الصفات، وأنهم يسلكون فيها الإثبات من غير تشبيه، ولا تحريف وتأويل. وأن هذا هو سبيلهم في جميع الصفات، لا يفرقون بين صفات المعاني، ولا غيرها من الصفات، كالوجه، واليدين، والفرح، والضحك. وقد سبق أن بينت أن قوله: "ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله" يريد به حقيقة ما عليه الصفة، وكيفيتها، بدليل إثباته لها على ظاهرها، ومنعه من التعرض لها بتأويل وغيره، فلو كان اللفظ غير مفهوم، لم يكن إمراره على ظاهره معنى، كيف وقد بين وجوب إمراره بلا تشبيه، ولا تكييف، ونقل إجماع الأمة على علو الله تعالى واستوائه على عرشه بمعنى العلو.

стр. 668

فقال في الاستواء والعلو: "ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سموات على عرشه كما نطق به كتابه ... وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته ... ".إلى أن قال: "وسمعت الحاكم أبا عبدالله في كتابه (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه (معرفة الحديث) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله على عرشه، فوق سبع سمواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي ﷺ : ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) رواه البخاري (١) ".ثم ذكر حديث الجارية ((أين الله؟)) (٢) ثم قال: "فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية" (٣) اهـ. وقال: "والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أنهم إذا سمعوا خبراً في صفات الرب ردوه أصلاً، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه، ويعلمون حقاً يقيناً أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله" (٤) اهـ. وقال في إثبات النزول لله تعالى: "وثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله .. " (٥) اهـ. وقال في إثبات الرؤية: "ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: ((إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) (٦) , والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي" (٧) اهـ. وقال في الإيمان: "ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" (٨) اهـ. وقال في علامات أهل البدع: "وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي ﷺ ، واحتقارهم لهم وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية" (٩) اهـ. فهذه بعض تقريراته في المعتقد، والتي تدل على اتباعه لمذهب السلف فيها، واجتنابه مذهب الخلف كالأشعرية وغيرهم. وقد نقل الصابوني كثيراً عن إمام الأئمة ابن خزيمة في أبواب الاعتقاد، ومعلوم مخالفة ابن خزيمة للكلابية والأشعرية، والتحذير منهم. فهل ترى بعد هذا يصح نسبة هذا الإمام للأشعرية؟!! أم هل يرتضي المؤلفان عقيدته هذه؟!!

стр. 669

الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي "٥١٦":عد المؤلفان (١) الإمام البغوي من الأشاعرة، بلا تمحيص ولا تحقيق، ولا نقل من كتبه ومؤلفاته كعادتهم. وهي دعوى يكذبها ما سطره الإمام البغوي في كتبه، كتفسيره المسمى بـ"معالم التنزيل"، وكتابه الماتع العظيم (شرح السنة) والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، حيث عقد فيه فصلاً للرد على الجهمية الذين تأولون الصفات. وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: "ومنهم الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء البغوي، كان مجانباً لهم" (٢). وأنا أنقل بعض كلامه في المعتقد لتتبين لنا حقيقة دعوى أشعريته: قال في (شرح السنة): "باب بيان أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، والرد على المرجئة ... " – ثم ساق الآيات والأحاديث الدالة على ذلك ثم قال: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان ... " – ثم قال: "وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء .... " – إلى أن قال: "واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته" (٣) اهـ. وهذا يخالف كما هو معلوم معتقد الأشاعرة من أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص. وساق أحاديث الأصابع لله ثم قال: "والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح ... " - ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: "فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ... " – ثم ساق آثار السلف (٤) اهـ. وفي باب الرد على الجهمية: ذكر حديث "إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا – وأشار وهب بيده – مثل القبة عليه"، وأشار أبو الأزهر أيضاً" "إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب"، ثم نقل كلام الخطابي وتأويله للحديث الصفة، ثم قال معلقاً: "والواجب فيه وفي أمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق" (٥) اهـ. فتأمل إثباته لصفات الله تعالى، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه عنها، ومنع التأويل فيها، وتقريره أن إثباتها لله لا يستلزم التشبيه، كإثبات الذات. وتأمل منعه من الخوض فيها بالعقول تأويلاً، وتحريفاً، بعد أن نقل كلام الخطابي.

стр. 670

وأما قوله: "ووكلوا العلم فيها إلى الله "، فالمراد به علم حقيقة ما هي عليه، وكنهها، وكيفيتها، وإلا لم يكن لقوله "وإمرارها على ظاهرها" معنى، فإن الإمرار على الظاهر، هو حملها على ما دل عليه لفظها من المعنى المعروف لغة مع نفي التشبيه، وليس المراد بالظاهر: تنزيلها وكونها في القرآن، إذ لا ينكر هذا أحد ولا يمتري فيه. ويقال أيضاً: لو كان كذلك لم يقل "إمرارها على ظاهرها" إذ يكون ظاهرها مجهولاً غير معلوم، فكيف يأمر بإمراره. وقال في تفسيره "معالم التنزيل" في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة: ٢٩]: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء" (١) اهـ. وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠]، "والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة" (٢) اهـ. وقال في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]: "قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله . وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، كيف استوى؟ فأطرق رأسه ملياً، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً. ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (٣) اهـ. وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: ١٥٨]: " أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة" (٤) اهـ. وقال في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]: "ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]، وقال النبي ﷺ : ((كلتا يديه يمين)) (٥)، والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: "أمروها كما جاءت بلا كيف" (٦) اهـ. هذا بعض كلامه في تقرير المعتقد، فوازن بينه وبين معتقد الأشاعرة، لترى البون الشاسع بينهما. الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير "٧٧٤هـ":ادعى المؤلفان (٧) أن الحافظ ابن كثير كان أشعرياً، واستدلا على ذلك بما ورد في (الدرر الكامنة) في ترجمته إبراهيم بن محمد بن قيم الجوزية ما نصه: "ومن نوادره أنه وقع بينه وبين عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيمية" (٨) اهـ. وهذه الحكاية لم يذكر ابن حجر من حدثه بها، هذا أولاً.

стр. 671

وثانياً: أنه على فرض صحتها فإن ظاهرها يبطل هذه الدعوى، لأن إبراهيم بن قيم الجوزية لم يصدقه في ما ذكر من الدعوى، لكون شيخه هو ابن تيمية، وهو المعروف بالرد على الأشاعرة وإبطال معتقداتهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وهذا أمر ظاهر، فكيف يكون تلميذ من طال كلامه في الانتصار لمذهب السلف، وأوذي في ذلك حتى اجتمع عليه الأشاعرة وسجنوه مرات عدة، كيف يكون تلميذ هذا أشعرياً، هذا تأباه العادة. ولذا فإنك تجد ابن كثير لا يذكر شيئاً من كلام ووقائع ابن تيمية في البداية والنهاية إلا ويقول: "قال شيخنا العلامة"، و"كان شيخنا العلامة"، وربما قال: "جهبذ الوقت شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية)، وقال مرة: "سمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد، وهما يسمعان، فلم يضبط عليه لحنة متفقاً عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما". ونحو ذلك مما يدل على تعظيمه له. ومن المستبعد جداً، أن يصفه بهذا الوصف، وهو مخالف له في أعظم الأمور، كأمور المعتقد. وقد ساق ابن كثير في تاريخه كثيراً من وقائع شيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من الأشاعرة، ومن أشهر ذلك: المناظرات التي جرت بينه وبينهم في عقيدته المسماة بـ"الواسطية". وانتصر له في "تاريخه" فقال: "أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية: وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر، وقرئت عقيدة الشيخ تقي الدين "الواسطية"، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع على المجلس الثاني. فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاما كثيراً، ولكن ساقيته لاطمت بحراً، ... ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً ... وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه ... وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله ... ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع جماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة ... ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان ... وفي الكتاب: إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه" (١) اهـ. وقد أطال ابن كثير في ذكر هذه الأحداث منتصراً لشيخه ابن تيمية. ومعلوم ما في "العقيدة الواسطية" مما يخالف مذهب الأشاعرة في الصفات، والقدر، والقرآن والإيمان، والنبوات، والكرامات، وغير ذلك من أبواب الاعتقاد. أما التحقيق العلمي في معتقدات الأئمة، فليس بالقصص والحكايات، كما سبق أن ذكرنا، وإنما بالنصوص البينة التي سطروها في كتبهم.

стр. 672

ومن المعلوم أن من أشهر مؤلفات ابن كثير هو "تفسيره"، وقد سطر فيه معتقده واضحاً جليا، ولذلك أعرض المؤلفان عن ذكره إلا في موضع واحد، ولعل ذلك لما علما من إبطاله لدعواهما في أشعريته. وله ﵀ باسم "الاعتقاد" أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: "فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله ورسوله ﷺ من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك" (١) اهـ. وهذا كلام صريح في إثباته لصفات الله تعالى على الحقيقة، ومنعه من تأويلها، أو تغييرها، أو تشبيهها بصفات خلقه. ولم يفرق بين صفة وأخرى. وأنا أسوق بعض نصوصه في تقرير المعتقد، ليعلم أنه مباين للأشاعرة: قال في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]: "وأما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها، وإنما سلك في هذا المقام مذهب السلف الصلاح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة – منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله"، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى" (٢) اهـ. وهذا ظاهر في أنه موافق للسلف في إمرار الصفات كما جاءت من غير تعرض لها بتأويل، ولا تحريف، ومن غير اعتقاد تشبيه ولا تمثيل، وأن إثباتها على ظاهرها لا يستلزم التشبيه، كما نقله عن نعيم بن حماد. وقال في آخر كلامه: أن سبيل الهدى هو وصف الله بها على الوجه اللائق به. وهذا صريح في بطلان دعوى أشعريته، إذ أن الأشاعرة يتسلطون عليها بالتأويل، ولا يثبتون ظاهرها اللائق بالله، بل يدعون أن ظاهرها يستلزم التشبيه. وقد بين أنها لا تستلزم التشبيه، وأن من فهم منها تشبيه الله بخلقه، وأنها كصفة المخلوق فهو مشبه، ولذلك قال: "والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه". فخص هذا المفهوم السقيم بأنه لا يقع إلا من المشبهين، وهم الذين يفهمون من صفة الله ما هو صفة المخلوق. ولما ذكر أئمة السنة والقدوة في مسائل الاعتقاد، لم يذكر منهم ابن كلاب والقلانسي والكرابيسي والحارث المحاسبي، ولا الأشعري، ولا أحداً من أصحابه. ويستحيل أن يكون أشعرياً ثم لا يعرج على أبي الحسن الأشعري فيمن يقتدي بهم. وقال في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]: "قال أبو عمران الجويني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي بحيث أرى" (٣) اهـ. وهذا إثبات العين لله تعالى، ولم يتعرض لها بتأويل ولا تعطيل. وقال في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]: "وهذه الآية كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، وقد نعت الله تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف" (٤) اهـ. فتأمل إثباته لوجه الله تعالى، وأنه موصوف بالجلال والإكرام. وقال في قوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]: " وَجَاء رَبُّكَ، يعني: لفصل القضاء بين خلقه ... فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً" (٥) اهـ. المصدر: الأشاعرة في ميزان أهل السنة لفيصل الجاسم - ص ٥٩٧

стр. 673

المبحث الرابع: بطلان دعوى أن ابن حجر كان أشعريا وقد ادعى قوم أن ابن حجر كان أشعري المذهب وهذا قول بلا دليل، وأنا لا أعلم أن ابن حجر نص على مثل ذلك ولا أذكر أنه أحال لمن يريد اتباع السنة أن يلتحق بالمذهب الأشعري. ونقول لهم:١) إن ابن حجر نقد مبدأ القصد والنظر اللذان هما عند الأشعرية أول الواجب على المكلف" فقال (١) هو من أصول مذهب المعتزلة بقي من جملة ما بقي عند الأشاعرة (٢).- لقد سطر الحافظ ابن حجر اعتراف أبي جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب" (٣). ولو قال: "من أصحابنا" لكان دليلا على أنه أشعري.- وسفه أبو المظفر بن السمعاني هذا المبدأ الاعتزالي ووصفه بأنه قول مبتدع لم يعرفه السلف الذين كان أول الواجب عندهم الإتيان بالشهادتين (٤).٢) أن الحافظ ابن حجر أظهر حقيقة الخلاف العقائدي بين أحمد والأشاعرة فقال – هو والزبيدي – أن أحمد تمسك بأن الله يتكلم بصوت، وهو ما أثبته أبو الفضل التميمي في روايته عن أحمد، بينما قالت الأشاعرة إن الله يتكلم بلا حرف ولا صوت. وأثبتت الكلام النفسي (٥). فأكد ابن حجر أن الكلام النفسي من عند الأشاعرة لا من عند أحمد. وكان مما أعلنه الأشعري في توبته "أننا بما كان عليه الإمام قائلون ولمن خالف قوله مجانبون" (٦). فلما أذعن الأشعري للحق أعلن أن الحق ما كان عليه أحمد وأنه سيتبعه وعلى الناس اتباع أحمد ولم يقل للناس كونوا أشاعرة. يؤكد ذلك أن لأحمد كتاب مشهور وهو (الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله) وأثبت الحافظ ابن حجر نسبته إليه (٧). فأثبت لأهل السنة تأويلا وأثبت للجهمية تأويلات مخالفة لهم هي في الحقيقة تحريفات يتبناها الأشاعرة اليوم كتحريف معنى اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر أو نزول الملك بأمره.- وما أورده السبكي عن أحمد أنه قال: "لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسول الله ﷺ : لا نتجاوز القرآن والحديث" (٨) وما نص عليه الزبيدي أن "المفهوم من ظاهر مذهب أحمد عدم التأويل على الإطلاق وأن الشافعي ومالك وأحمد اختاروا عدم التأويل للمتشابهات" (٩) وصرح به الشيخ محمد بن درويش الحوت أن "سيدنا أحمد يمنع التأويل" وصرح أن التأويل مذهب المعتزلة (١٠).٣) أن ابن حجر كان دائم التحذير من مسلك الخلف في التأويل الذي عليه الأشاعرة فيقول "وليس من سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله" وتكرر قوله بأن "صاحب التأويل ليس جازماً بتأويله". واحتج المرتضى الزبيدي بهذه العبارة (١١).قال: "وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو من أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل ... فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" (١٢). المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٥

стр. 674

المبحث الخامس: مسائل الخلاف بين الأشعرية والماتريدية ١) الماتريدي لا يفرق بين صفات الذات وبين صفات الفعل لله تعالى، فهي عنده كلها قديمة، قال "والقول بحدوث شيء منها يؤدي إلى القول بتغير الله وهو يؤدي إلى عبادة غير الله" (١) بينما يفرق الأشعرية بينهما وأشار ابن عذبة في (الروضة) إلى أن الماتريدية يخالفون بذلك رأي أبي حنيفة الذي يوافق مذهب الأشاعرة في التفريق بين صفات الذات وصفات الفعل كما نقله عنه الطحاوي (٢).- وترتب على هذا الاختلاف: خلاف في صفة الحكمة لله تعالى فهي أزلية بمعنى الإتقان والإحكام كما عند الماتريدية وليست كذلك عند الأشعري (٣). وترتب على ذلك تسوية الأشعري بين الإرادة والرضى. واعتبر البزدوي ذلك من جملة مخالفاته لأهل السنة "يريد الماتريدية" (٤). فالماتريدية يذهبون إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة.٢) ذهب الماتريدية إلى أن الواجب تحقق الحقيقة في نفسها بحيث تتنزه عن قابلية العدم. أما الأشاعرة فيرون أن الذات مقتضى الوجود (٥).٣) الوجوب عند الماتريدية ليس أمرا زائدا على الذات. وعند الأشاعرة أن الوجوب أمر اعتباري لا وجود له في الخارج (٦).٤) الماتريدية لا يرون تكليف الله لعباده إلا فيما يقدرون عليه. وخالفهم في ذلك الأشاعرة فجعلوا التكليف بما لا يطاق جائزا وخالفهم الإسفراييني والغزالي (٧).٥) الماتريدية يرون أن الله يفعل لحكمة تقتضي الفعل، بينما يرى الأشاعرة أن أفعاله تعالى على الجواز لا على اللزوم. وألزمهم الماتريدية باعتقاد جواز العبث في أفعاله تعالى (٨).٦) ذهب الماتريدية إلى امتناع أن يخالف الله وعيده ووعده، وذهب الأشاعرة إلى جواز إخلاف الله لوعيده (٩).٧) ذهب الماتريدية إلى أن الله لا يفعل القبيح. وقالوا: لا يجوز ما يقوله الأشاعرة من جواز تعذيب المطيعين وتخليد الأنبياء في النار، وإدخال الكافرين الجنة. وعلل الأشاعرة القول بأن الله مالك مطلق يحق له التصرف في عباده كيف يشاء حتى قالوا بجواز عفو الله عن الكافر (١٠).٨) وذهب الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها وأن معرفة الله بالعقل، حتى قال الصدري التعديل "كل ما هو واجب عقلا فهو حسن عقلا، وكل ما هو حرام عقلا فهو قبيح عقلا ومن هنا قالوا أن العقل آلة في معرفة الله وأنه كاف في إلقاء الحجة على صاحبه ولم يؤمن فهو كافر مخلد في النار. وخالفهم الأشاعرة في ذلك مستدلين بقوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] (١١) وقالوا "أن إرادة الله في الشرع مطلقة لا يقيدها شيء، فهو خالق الأشياء وهو خالق القبيح والحسن .... ولا عبرة بأوامر العقل، إنما العبرة بأوامر الشارع الحكيم" (١٢). - وترتب على هذا خلاف آخر وهو:

стр. 675

٩) معرفة الله تعالى: هل هي بالعقل أم بالسمع؟ فعند الأشعري بالشرع، وأنه لا يجب إيمان ولا يحرم قبل ورود الشرع. وعند الماتريدية بالعقل. قال صاحب (النونية): ووجوب معرفة الإله الأشعري ... يقول ذلك شرعة الديان والعقل ليس بحاكم لكن له ... الادراك لا حكم على الحيوان وقضوا بأن العقل يوجبها وفي ... كتب الفروع لصحبنا قولان

стр. 676

- أما الماتريدية فكانوا في مخالفة الأشاعرة أقرب إلى قول المعتزلة بل قولهم وقول المعتزلة على السواء كما ذكر ابن عذبة، إلا أنهم يختلفون معهم في وجوب ذلك على الصبي العاقل غير البالغ: إذا مات بدون تصديق هل هو معذور أم لا؟ (١).١٠) الماتريدية يرون وجوب الإيمان بالعقل، ولا يرون زيادة الإيمان ونقصانه. ويحرمون الاستثناء فيه ومن قال آمنت بالله إن شاء الله فهو كافر لأنه شاك في إيمانه. والإسلام والإيمان واحد. بينما يرى الأشاعرة وجوب الإيمان بالشرع. والإيمان يزيد وينقص ويجوز الاستثناء فيه. ولا يرونه والإسلام شيئا واحدا وإنما أحدهما مغاير (٢).١١) اتفق الماتريدية والأشعرية على الكلام النفسي، لكنهم ما لبثوا أن اختلفوا في سماع موسى كلام الله: هل سمع كلامه القديم أم سمع ما يدل على سماعه؟ فاختار الماتريدي أنه لم يسمع وحملوا نصوص السماع على أن الله تعالى خلق صوتا في الشجرة (٣) وأجاز الأشعري سماع الكلام النفسي القديم، وذكر ابن عذبة أن أبا الحسن ذكر في كتابه (الإبانة) مقالة أهل السنة والحديث في مسألة الكلام وهذا إثبات بأن الكتاب معتمد عند القوم، وأما تجاهل المتأخرين له فمكابرة.١٢) اتفقت الماتريدية على خلق الله لأفعال العباد ثم اختلفوا: هل لقدرة العبد تأثير؟ فإلى الأول ذهب الماتريدية وإلى الثاني جنحت الأشاعرة. ورأى الماتريدي وجود أثر القدرة للعبد في وصف الفعل، ورأى الأشعري أن كل شيء خاضع قسرا للقدرة الإلهية المطلقة. واعتبر البزدوي بأن مسألة الأفعال هي من شر المسائل التي خالف بها الأشعري أهل السنة "يريد الماتريدية". وذكر ابن عذبة أن الجويني غلا في إثبات الأثر لقدرة العبد. قال "وهذا مذهب المعتزلة" اهـ (٤).١٣) واختلفوا في مسألة التكوين والمكون، فرأى الماتريدية أن التكوين صفة أزلية والمكون حادث، وهي تغاير بذلك القدرة لتساوي القدرة في جميع المخلوقات (٥) أما الأشاعرة فيرون أن التكوين هو عين المكون وهو حادث. قال أبو المعين النسفي "وقول أكثر المعتزلة وجميع النجارية والأشعرية: أن التكوين والمكون واحد قول محال" (٦).١٤) واختلفوا في صفة "كن" التي يخلق الله بها الأشياء، فذهب الماتريدية إلى أنها كناية عن سرعة الإيجاد فهي ليست كلمة على الحقيقة وإنما هي كلمة مجازا. وذهب الأشعري إلى أن وجود الأشياء متعلق بكلامه الأزلي، وأن هذه الكلمة دالة عليه (٧).١٥) ذهب الماتريدية إلى أن التوفيق: هو التيسير والنصرة، وذهب الأشعري إلى أن التوفيق هو خلق القدرة على الطاعة (٨).١٦) واختلفوا في السعادة والشقاوة هل تتبدلان أم لا؟ فقال الماتريدية: إن السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد. وسبب إجازة الماتريدي تبدل السعادة والشقاوة: لأنهما من أفعال العباد وليس في تغيرهما تغير لما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ. واستنكر مشايخ الحنفية مقولة من يمنعون تبدل الشقاوة والسعادة "يريدون الأشعري ومن وافقه" وذكروا أن ذلك يؤدي إلى إبطال الكتب وإرسال الرسل (٩)

стр. 677

وخالفهم الأشعري فقال: إن السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه. قال الخاطري: إن الأشاعرة قالوا إن أبا بكر وعمر كانا مؤمنين في حال سجودهما للصنم. وأن سحرة فرعون كانوا مؤمنين في حال حلفهم بعزته (١).١٧) اتفقوا على جواز رؤية الله في الآخرة، واختلفوا في الدليل عليه فذهب الماتريدية إلى أن الدليل على ذلك سمعي مستدل عليه بالكتاب والسنة. أما الأشعري فيرى أن الدليل عقلي ولم يرتض بعض الأشاعرة رأي أمامهم كالرازي فانحازوا إلى رأي الماتريدية (٢).١٨) واختلفوا في صفة البقاء لله: هل هو باق ببقاء زائد على الذات أم أنه باق بذاته لا ببقاء؟ فذهب الأشعري وأكثر أصحابه إلى أن البقاء صفة زائدة على الذات. وأيده بعض الماتريدية في حين ذكر ابن عذبة مخالفة إمام الحرمين والقاضي أبي بكر لرأي الأشعري. وأرجع الآمدي في أبكار الأفكار أصل قولهما إلى المعتزلة (٣).١٩) وذهب الماتريدية إلى أن صفة السمع والبصر تتعلق بما يصح أن يكون مسموعا ومبصرا. وذهب الأشعري إلى أنهما يتعلقان بكل موجود، يسمع ويرى في الأزل ذاته العلية ويسمع فيما لا يزال ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية. ورد الشيخ علي القاري ذلك بأنه قول مجرد عن الأدلة وهو بدعة في الشريعة (٤).٢٠) ذهب الماتريدية إلى أن الإيمان غير مخلوق. وذهب الأشاعرة إلى أنه مخلوق. قال الكردري "قال الإمام محمد بن الفضل: من قال الإيمان مخلوق لا تجوز الصلاة خلفه. واتفقوا على أنه كافر (٥) وبناء على ما نقله الكردري يصير الأشاعرة في نظر الماتريدية غير مسلمين فضلا عن أن يكونوا من الفرقة الناجية! وإننا لنعجب حين نجد ابن عذبة وهو يروي لنا أن أول من قال بخلق الإيمان أبو حنيفة نفسه، وأن الخلاف في هذه المسألة ناشىء بين أهل بخارى وسمرقند وكلاهما ما تريديون (٦).٢١) واختلفوا في إيمان المقلد فاشترط الأشعري والباقلاني والإسفراييني وإمام الحرمين على المسلم أن يعرف كل مسألة بأدلتها كشرط لصحة إيمانه وإلا كان كما يصفه القشيري "ساقطا عن سنن النجاة، واقعا في أسر الهلاك" (٧) بينما ينكر القشيري نفسه نسبة هذا القول للأشعري مؤكدا أن ذلك من مفتريات الكرامية على الإمام. ويلاحظ كما في الروضة البهية إنكار القشيري نسبة المسائل التي لا تتناسب ومذهب الأشاعرة إلى الأشعري. ويعزو هذه النسبة إلى مفتريات الكرامية.٢٢) وأنكر الماتريدية أن يكون الله أرسل رسلا نساء واشترطوا ذكورة النبي أما الأشاعرة فلم يروا ذكروة النبي شرطا، بل صحت نبوة النساء عندهم بدليل قوله تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص: ٧] (٨).٢٣) واختلفوا في القدرة: هل تصلح للضدين؟ فذهب الماتريدية إلى أنها تصلح للضدين، وذهب الأشاعرة إلى أنها لا تصلح للضدين، بل لكل منهما قدرة على حدة (٩).٢٤) واختلفوا في الأعمال التي حبطت بالردة: هل تعود بعد التوبة منها أم لا؟ فقال الماتريدية لا تعود، وخالفهم الأشاعرة فقالوا تعود (١٠).

стр. 678

٢٥) واختلفوا في الكفار: هل يعاقبون على ترك الفروض والواجبات بجانب الكفر؟ فقال الماتريدية: يعاقبون على ترك الاعتقاد دون الفروض وقال الأشاعرة يعاقبون على ترك العبادات زيادة على عقوبة الكفر (١).٢٦) واختلفوا في توبة اليأس: هل هي مقبولة أم لا؟ فذهب الماتريدية إلى أنها مقبولة وأن إيمان اليأس غير مقبول. وذهب الأشاعرة إلى أن توبة اليأس لا تقبل كإيمان اليأس (٢).٢٧) وذهب الماتريدية إلى أن الشم والذوق واللمس ليسوا صفحة زائدة لله بل هو نوع من العلم في حقه، بدليل أن ذلك الإدراك يهم العروض بأمور حادثة ينزه الله عنها. وذهب الأشاعرة إلى أن المماثلة تثبت بالاشتراك حتى لو اختلفا في وصف لا تثبت المماثلة. فاستنكر النسفي ذلك وقال: "لا نقول ما يقول الأشاعرة من أنه لا مماثلة إلا بالمساواة في جميع الصفات" (٣).٢٨) واختلفوا في عصمة الأنبياء: فمنع الأشاعرة وقوع الكبائر من الأنبياء مطلقا، وجوزوا عليهم الصغائر سهوا. ومنهم من منع وقوع شيء من ذلك مطلقا كالإسفراييني والقاضي عياض المكي (٤) وهم بذلك موافقون للماتريدية. نهاية المطاف أن هذه الخلافات العميقة بن الفرقتين هي في ذاتها دليل ضد كل من يدعي أهما الطائفة الناجية وهما الماتريدية والأشعرية. فالفرقة الناجية ليست مركبة من فرقتين متناحرتين في العقائد، وإنما هي طائفة واحدة كما في الحديث. وليس من سماتها تقديم العقل محل النقل ولا التأويل في أسماء الله وصفاته وإنما تتميز الطائفة الناجية بأنها تقدم النقل على العقل من غير أن تعطل دور العقل. فلا تقدم العقل على النقل على النحو الذي مضى عليه الفلاسفة والمتكلمون والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية. ولا تقدم القلب والكشف على النقل كما يفعل الصوفية والباطنية. المصدر: شبهات أهل الفتنة وأجوبة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية - ص ٣١٣

стр. 679

ليس هناك فرق بين منهج ابن كلاب الذي لا يقر بصفات خبرية، وبين منهج متأخرة الأشاعرة، إلا ما أضافوه من تطبيقات، وما أثاروه من شبهات، وعلى هذا تكون الموازنة بين منهج الأشاعرة ومنهج الماتريدية مع بيان مأخذهما من مذهب الكلابية الذي يعد منبع أفكارهما. لقد سلك الأشاعرة منهجاً يقضي بإثبات بعض الصفات الإلهية وتأويل بعض، فأثبتوا سبع صفات فقط وهي: القدرة، والإرادة والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وسموها "صفات المعاني" ثم اشتقوا منها سبعاً أخرى سموها "صفات معنوية" أي منسوبة إلى السبع السابقة، وهي: كونه تعالى قادراً، مريداً، عالماً، حياً، سميعاً بصيراً، متكلماً. كما ذكروا ست صفات أخرى سموها "صفات سلبية" لأن إثباتها ينفي أضدادها وهي: الوجود، القدم، البقاء، مخالفة الحوادث، القيام بالنفس، الوحدانية (١). فبلغت الصفات عندهم عشرين صفة، إلا أنهم يرجعونها إلى السبع المسمى صفات المعاني، وزعموا أنهم أثبتوا هذه الصفات لأنها ثبتت بالعقل، قال الأنصاري: "وأما برهان اتصافه تعالى بالقدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، أنه لو انتفى شيء من صفات المعاني لما وجد شيء من الحوادث، لاستحالة وجود المتوقف بدون المتوقف عليه؛ إذ وجود العالم متوقف على اتصاف الفاعل بهذه الصفات، فلو انتفت القدرة لزم العجز، والعاجز لا يوجد شيئاً من الحوادث، ولو انتفت الإرادة لانتفى التخصيص، فلا يوجد شيء من الحوادث، ولو انتفى العلم لانتفت الحوادث لاستحالة القصد للشيء المجهول. ولو انتفت الحياة لانتفت هذه الصفات فلا يوجد شيء من الحوادث ... وأما برهان وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام فالكتاب والسنة والإجماع، والعقل؛ لأنه لو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها التي هي الصمم، والعمى، والبكم، وهي نقائص، والنقص عليه تعالى محال" (٢).وبناء على هذا المسلك فقد أول الأشاعرة جميع الصفات الخبرية، وهي التي لا يصح أن نصف الله بها لولا ثبوتها في النقل، وليست مثل صفة الحياة – مثلاً – التي يعلم كل عاقل بفطرته أن الباري متصف بها، ووضع لها الرازي قانوناً للتأويل ما عدا السبع فقال: "القانون الكلي في أمثال هذه الصفات: أن كل صفة تثبت للعبد فيما يخص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك فهو محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض، مثاله: أن الحياء حالة تحصل للإنسان ولها مبدأ ونهاية، أما البداية فهو (هكذا) التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أو ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهي أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الجواب الذي هو مبدأ الحياء وتقدمته، بل المراد هو ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له مبدأ وهو غليان دم القلب وشهوة الانتقام، وله غاية وهي إيصال العقاب إلى المغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد هو ذلك المبدأ أعني غليان دم القلب وشهوة الانتقام، بل المراد تلك النهاية وهي إنزال العقاب، فهذا هو القانون" (٣).

стр. 680

وهذا القانون لا يخفى اختلاله على متأمل؛ إذ يلزم منه أن يكون كل مغضوب عليه معاقباً، وهذا يؤدي إلى قول المعتزلة في وجوب معاقبة صاحب الكبيرة، كما يطعن فيه كون كثير من الصفات التي لا يثبتونها ليست لها بدايات ولا نهايات، وإلا فأين بدايات ونهايات "اليد" و"العين" و"القدم" وغيرها من الصفات الثابتة في النقل؟ ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أول من اشتهر عنه نفي الصفات الخبرية، وتأويلها أبو المعالي الجويني ت ٤٧٨هـ حيث أولها في كتاب (الإرشاد)، ثم رجع عنه وحرم تأويلها في (الرسالة النظامية) (١). ولعل المقصود من كلامه – ﵀ – الاشتهار كما هو ظاهر عبارته، وإلا فقد نفى بعضها الباقلاني ت ٣٠٤هـ، ومشى على قانون التأويل فقال: "ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبته، ورضاه ورحمته، وكراهيته، وغضبه وسخطه، وولايته، وعداوته كلها راجع إلى إرادته" (٢) هذا مسلك الأشاعرة في الإثبات والتأويل. وأما الصفات الثبوتية عند الماتريدية فثمان صفات وهي: القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين (٣). وإنما خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها لأنها هي الثابتة بالعقل عندهم، وما عداها لا يدل العقل على ثبوتها فيلزم نفيها تنزيها لله، كما قال الأشاعرة تماماً، ولذا لا تجد لهم قدماً راسخة في الإثبات، يقول الماتريدي – عن علو الله تعالى -: "والأصل فيه أن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن، جل عن التغير والزوال والاستحالة والبطلان، إذ ذاك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم" (٤) ويقول: "وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يتعبد عباده بما شاء ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظن من ظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه إنما هو كظن من يزعم أنه من جهة أسفل الأرض بما يضع عليه وجهه متوجهاً في الصلاة ونحوها ... على أن السماء هي محل ومهبط الوحي ومنها أصول بركات الدنيا، فرفع إليها البصر لذلك" (٥) وهذا الكلام يدل دلالة قاطعة على أن الرجل لا يثبت علو الله، وأنه لا يفرق بين ما ثبت بالشرع وبين ما ثبت بالفطرة. وأما آيات الاستواء فيرى التوقف في فهم معناها، يقول أبو منصور: " ... وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه فيجب القول بـ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] على ما جاء به التنزيل وثبت ذلك في العقل، ثم لا نقطع تأويله على شيء لاحتماله غيره مما ذكرنا ... ونؤمن بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء ... فإن الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد، وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذامما المحنة فيه الوقف لا القطع" (٦) هذا موقفه من هذه الصفة في هذا الكتاب، ويقول في كتاب آخر: "لو حقق معنى الاستواء لأوجب ذلك تغيراً وزوالاً ونحو ذلك، والله يجل عنه ويتعالى؛ إذ ذلك علم الحدوث، وأمارة الغيرية" (٧) وهذا القول يناقض القول بالتوقف؛ لأنه نفي إثبات لهذه الصفة الثابتة في القرآن الكريم، مع العلم أن الوقف ذاته يخالف مذهب السلف من أهل السنة والجماعة.

стр. 681

ونظراً لاضطراب قول الماتريدي بين التأويل والتفويض اضطربت الماتريدية بعده، فرجح بعضهم التأويل، ورجح آخرون التفويض، ومنهم من أجاز الأمرين، ومنهم من خص التفويض بفئة من الناس والتأويلات بفئة أخرى، حيث قالوا – عن آيات الصفات -: "إما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ... وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" (١) وقالوا: "إنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة، بل بمعنى يليق به سبحانه وحاصله: وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه، فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز الإرادة؛ إذ لا دليل على إرادته عيناً، فالواجب عيناً ما ذكرنا، وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء" (٢).وقال ماتريدي آخر: "فاللائق بالعوام سلوك طريق التسليم، واللائق بأهل النظر طريق التأويل لدفع تمسكات المبتدعة" (٣) "فالماتريدية إذاً ليس لهم قانون موحد مستقيم يسيرون عليه في التأويل ولا في التفويض فأقوالهم فيه مختلفة مضطربة" (٤). وبإلقاء نظرة عاجلة على ما سبق يتجلى لنا ما يلي:١ - التقارب البين بين المنهج الأشعري، والمنهج الماتريدي في الصفات وقانون التأويل، ولعل السبب في ذلك راجع إلى أن المذهبين انبثقا من المذهب الكلابي الذي كان منتشراً في بلاد ما وراء النهر، وهي البلاد التي عاش فيها الماتريدي (٥)، وهذا التقارب جعل عدداً من الباحثين والكتاب يجزمون بأنهما فرقة واحدة تحت اسمين: يقول البياضي الماتريدي: "إنهم – يعني الماتريدية والأشعرية – متحدوا الأفراد في أصول الاعتقاد، وإن وقع الاختلاف في التفاريع بينهما؛ إذ لا يعد كل من خالف غيره في مسألة ما صاحب مقالة عرفاً، وما من مذهب من المذاهب إلا ولأصحابه اختلاف في التفاريع" (٦) ويقول الزبيدي: "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية" (٧) ويقول فتح الله خليف: "حرصنا على أن نقدم كل هذه النصوص لنبين أن الحافر يقع على الحافر وأن توسط الماتريدي هو بعينه توسط الأشعري، وأن شيخي السنة يلتقيان على منهج واحد، ومذهب واحد، في أصول مسائل علم الكلام" (٨) وذكر أيضاً أن هذا التقارب الفكري هو الذي يفسر لنا كون الأزهر – رغم أشعريته الكلابية – اتخذ كتاب (العقائد النسفية) للنسفي الماتريدي مصدراً أساساً لدراسة التوحيد منذ زمن بعيد (٩).وتوصل شمس الدين الأفغاني في موازنته بين الطائفتين إلى نتيجة ذكرها بقوله: "والحاصل أن الماتريدية والأشعرية فرقة واحدة من ناحية المعتقد، أو كادتا أن تكونا فرقة واحدة، على أقل التقدير، وما بينهما من الخلاف فهو يسير وغالبه لفظي، وهما واسطة بين أهل السنة، والجهمية الأولى، والمعتزلة، كما أنهما من المعطلة" ثم ذكر أن الماتريدية الديوبندية يصرحون بأنهم أشعرية وماتريدية في آن واحد (١٠).

стр. 682

٢ - أننا إذا تأملنا الصفات السبع لدى الأشاعرة، والصفات الثماني لدى الماتريدية نجد أن إثباتها ونفي ما سواها يعود إلى قاعدة إثبات صفات الذات ونفي ما عداها التي قعدها ابن كلاب.٣ - أن صفة التكوين التي أضافها الماتريدي – وقال بها بعض الأشاعرة – تعود في الحقيقة إلى قاعدة ابن كلاب المذكورة في الصفات، ويتبين ذلك بذكر مفهوم التكوين عندهم: فمن المعلوم أن أفعال الله تعالى على نوعين: متعد، ولازم، فالمتعدي مثل الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، ونحو ذلك، واللازم مثل الاستواء، والنزول، والمجيئ والإتيان، ونحو ذلك (١)، وترى الماتريدية أن جميع صفات الأفعال المتعدية ترجع إلى صفة واحدة هي صفة التكوين، والتي فسروها بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود (٢)، أما الصفات الفعلية اللازمة فينفونها بالتأويل الفاسد بناء على القاعدة الكلامية القائلة بأن إثبات الصفات يجب أن يكون بالعقل، ومعلوم أن الأصل في ثبوت الأفعال اللازمة الخبر، والعقل لا يستقل بإثباتها، كل ما في الأمر أن ابن كلاب نفي جميع صفات الأفعال الخبرية، وأرجعها إلى صفات الذات التي لا تتعلق بالمشيئة، وأما الماتريدي فأرجع الجزء المذكور من صفات الأفعال إلى صفة التكوين، ووصفوها بأنها أزلية لا تتعلق بالمشيئة (٣)، وسيأتي – بإذن الله – بيان أن صفة التكوين تمثل نقطة خلاف بين جمهور الأشعرية والماتريدية.٤ - أننا حين نقول: إن الأشاعرة والماتريدية يثبتون سبع صفات أو ثمان صفات لله ينبغي أن نقول ذلك بتحفظ؛ لأن إثباتهم لها يختلف عن الإثبات المعروف عند أهل السنة والجماعة، وهو: أن السلف يفهمون معنى الصفة الثابتة لله، ويوكلون إدراك الحقيقة إلى الله، مع القطع بعدم مشابهة المخلوقين، فلو نظرنا في إثباتهم للكلام – مثلاً – لوجدناهم يقولون: "وليس مرادنا من إطلاق الكلام غير المعنى القائم بالنفس" (٤) ويعتقدون أن هذا الكلام النفسي هو الذي لا يوصف بأنه مخلوق، أما ألفاظ القرآن التي نقرأها فهي مجرد عبارة عن كلام الله وليس كلام الله حقيقة، ويقول أحدهم بكل صراحة: "أما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق، ويراد به اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم" (٥) ويقول النسفي الماتريدي: "وقال أهل الحق (الماتريدية) ... إن كلام الله تعالى صفة أزلية ليست من جنس الحروف والأصوات، وهي صفة قائمة بذاته منافية للسكوت والآفة، من الطفولة، والخرس، ونحو ذلك، والله تعالى متكلم بها آمر ناه، وهذه العبارات دالة عليها، وتسمى العبارات كلام الله تعالى على معنى أنها عبارات عن كلامه، وهو ينادي بها؛ فإن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، وإن عبر عنه بالعبرية فهو توراة، والاختلاف على العبارات المؤدية لا عليه، كما يسمى الله تعالى بعبارات مختلفة بالألسنة، وفي لسان واحد بألفاظ مختلفة، والمسمى ذات واحد لا خلاف فيه، هذا هو بيان قول أهل الحق" (٦).

стр. 683

٥ - بهذا كله نعلم أن منهج الأشاعرة والماتريدية – على الرغم من انتشارهما في العالم الإسلامي – منهج مخالف لما كان عليه سلف الأمة من إثبات صفات الله إثباتاً حقيقياً بلا تعطيل، ولا تمثيل، وإن زعم سلفية هذا المنهج من زعمها من المتأخرين كما صنع فتح الله خليف في مقدمته لكتاب (التوحيد) للماتريدي (١).وأضيف هنا أن الأشعرية الكلابية، والماتريدية على الرغم من أنهما اتفقا في سلوك منهج التأويل والتعطيل، وركوب صهوة العقل، فقد اختلفوا في مسائل الاعتقاد، عنى بجمعها المؤلفون (٢)، فنقل التاج السبكي ت ٧٧١هـ عن والده التقي السبكي ت ٧٥٦هـ أن مسائل الخلاف، بين الطائفتين ثلاث مسائل فقط، ثم ذكر هو أنها ثلاث عشرة مسألة، منها ست الخلاف فيها معنوي، وسبع الخلاف فيها لفظي، وتبعه على ذلك، الزبيدي، والمقريزي، وأوصلها البياضي إلى خمسين مسألة (٣)، والذي يبدو للمتأمل أن خلافهم في التعداد راجع في غالبه إلى التفصيل والإجمال، وأن أذكر من تلك المسائل ألصقها بالصفات والتأويل:١ - صفة التكوين: والتكوين عند الماتريدية – كما تقدم – هو الإخراج من العدم إلى الوجود، وهو عندهم صفة أزلية، والصفات الفعلية المتعدية عندهم من متعلقات التكوين، وليست صفات لله حقيقة، وإلا لزم قيام الحوادث بالله تعالى، أو لزم تكثير القدماء جدا (٤) وأما جمهور الأشاعرة فلا يعترفون بصفة التكوين، ويذهبون إلى أن صفات الأفعال مجرد إضافات واعتبارات حادثة مرجعها مجموع القدرة والإرادة (٥)، ويبدو أن الأشاعرة رفضوا هذه الصفة بناء على أصلهم السابق في إقرار سبع صفات فحسب، مع قولهم: إنها الثانية بالعقل، وأما الماتريدية فقد أتوا بهذه الصفة – التكوين – ووصفوها بالأزلية فراراً من القول بحلول الحوادث بذات الله – كما زعموا – غير أنهم قد عجزوا عن إزاحة الغموض عن رأيهم حول هذه الصفة، قال الرازي في مناظراته مع نور الدين الصابوني الماتريدي ت ٥٨٠هـ: "هذه الصفة التي سميتها التكوين إن كانت عبارة عن هذه الصفات السبع فنحن نعترف بها، إلا أن البحث يصير لفظياً، وإن كانت صفة أخرى فلابد من بيانها وشرح حقيقتها حتى يمكننا نفيها أو إثباتها" (٦) وهذا يدل على أن الخلاف في هذه المسألة خلاف جوهري.

стр. 684

٢ - هل يجوز سماع كلام الله تعالى أو لا؟ ذهبت الأشعرية إلى الجواز (١)، وذهبت الماتريدية إلى المنع، وأولوا النصوص التي ورد فيها ذكر لسماع كلام الله بمعنى إعلام الله إيانا معنى كلامه كما علمنا قدرته وربوبيته، وقدرته تعالى على المعلومات لا من المسموعات (٢). وقول الماتريدية – على بطلانه – أوفق لمذهبهم في القول بالكلام النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت؛ لأنه إذا لم يكن بحرف وصوت، لم يتصور سماعه، والأشاعرة كان يلزمهم القول بمذهب الماتريدية لأنهم يقولون بالكلام النفسي. ٣ - هل المشيئة والإرادة تستلزمان الرضا والمحبة، أو لا؟ ذهبت الماتريدية إلى عدم استلزام المشيئة للرضا والمحبة، فالمعاصي والكفر مراد لله تعالى كونا مع عدم الرضا به (٣)، وذهب جمهور الأشاعرة إلى أن الإرادة والرضا متحدان فالله تعالى كما يريد الكفر يرضى به أيضاً واختار بعضهم المذهب الأول (٤)، ومذهب جمهور الأشعرية في هذه المسألة باطل بدليل قوله تعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] فالإرادة عند أهل السنة نوعان: إرادة كونية شاملة لجميع الموجودات، وإرادة شرعية متضمنة للمحبة والرضا (٥)، وبناء على هذا الأصل في عدم التفريق بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية فقد أقدم الأشاعرة على تأويل النصوص الدالة على أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر والمعاصي (٦).٤ - هل يجوز عقلاً أن يعذب الله تعالى المطيع أو لا؟ فالأشعرية يجوزون ذلك (٧)، والماتريدية لا يجوزونه (٨)، والحق أن الله لا يعذب المطيع (٩).

стр. 685

٥ - هل معرفة الله واجبة بالعقل أو بالشرع؟ قالت الأشعرية: معرفة الله واجبة بالشرع لا العقل (١)، وقالت الماتريدية: معرفة الله واجبة بالعقل ولو لم يكن الشرع (٢)، وقال صاحب نظم الفرائد: "ذهب جمهور مشايخ الحنفية إلى أنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولاً لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته، واتصافه بما يليق به (٣) " وثمرة الخلاف تظهر فيمن لم تبلغه الدعوة فمات، ولم يؤمن، فهو غير معذب عند الأشاعرة، معذب الماتريدية (٤)، والحق أن الله لا يعذب من لم تبلغه الدعوة بدليل قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: ١٥] (٥) وترتب على هذا تأويل الماتريدية للنصوص القاضية بلزوم إقامة الحجة قبل العقاب (٦).٦ - هل يجوز التكليف بما لا يطاق؟ قالت الأشعرية بالجواز، وقالت الماتريدية بالمنع (٧)، والحق المنع بدليل قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وترتب عليه تأويل الأشاعرة هذه الآية وما في معناها (٨).٧ - هل يجوز صدور الصغائر من الأنبياء؟ مذهب الأشاعرة الجواز، ومذهب الماتريدية المنع (٩)، والحق أن الأنبياء معصومون من الإقرار على الذنوب مطلقاً (١٠).

стр. 686

٨ - هل يجوز الاستثناء في الإيمان؟ منعت الماتريدية الاستثناء، وقالت الأشاعرة بالجواز (١)، ولم يصب التاج السبكي في جعله الخلاف في هذه المسألة خلافاً لفظياً، فكيف يكون لفظياً وقد رتب عليه بعض الأحناف تكفير من يقول بالاستثناء في الإيمان، فيقول: "لا ينبغي للحنفي أن يزوج ابنته من رجل شافعي المذهب، ولكن يتزوج من الشافعية تنزيلاً لهم منزلة أهل الكتاب، بحجة أن الشافعية يرون جواز الاستثناء في الإيمان وهو كفر" (٢).٩ - هل يصح إيمان المقلد؟ (٣) مذهب جمهور الحنفية الماتريدية أن إيمان المقلد صحيح، غير أنه عاص بترك الاستدلال (٤)، وذهب جمهور الأشاعرة إلى عدم الاكتفاء بالتقليد في العقائد، وفسر بعضهم عدم الاكتفاء بالكفر، ونقل عن الأشعري أنه قال: إن المقلد خرج من الكفر ولم يستحق اسم الإيمان (٥).قلت: إن صح عنه هذا فهو من آثار الاعتزال وبقاياه، وإلا فما المانع من أن يستحق اسم المؤمن إذا شهد بالحق واستقامت حاله؟ والحق صحة إيمان كل مؤمن بما جاء به النبي ﷺ مع طاعته (٦)، وذكر صاحب (التمهيد) أن المشهور من مذهب الأشعري أن المقلد ليس بمؤمن (٧). والحاصل: من هذه المقارنة أن هؤلاء لا يختلفون في الأصول الكلامية التي بنوا عليها التأويل، أعني: تقديم العقل على النقل، وبناء التأويل على ما سموه محالات عقلية، يقول أحد أئمة الماتريدية:"وقد تقرر أن الأمر الممكن الذي أخبر به الشارع يجب الإيمان من غير تأويل، وأما الأمر المحال عقلاً فالنص الوارد فيه مصروف عن ظاهره، كالنصوص الموهمة لإثبات جسمية، أو جهة للواجب تعالى، نحو قوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] فإنهما مؤولة بالقدرة، وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] فالاستواء مؤول بالعظمة التامة، والقدرة القاهرة" (٨).وكذلك متفقون على أن نصوص القرآن والسنة المتواترة وإن كانت قطعية الثبوت ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية وظواهر ظنية لا تفيد اليقين (٩). ولأجل هذا كله اتحد منهجهم في باب الصفات فأثبت كل بعض الصفات وأول بعضاً. وتجدر الإشارة إلى الأقوال المنسوبة إلى الطائفتين فيما سبق من باب التغليب، فقد يوجد من الأشعرية من قال بقول الماتريدية في بعض المسائل، وكذلك العكس. المصدر: جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص ٢٥٧

стр. 687

المبحث السادس: تناقض الأشاعرة من أبرز السمات العامة لمنهج شيخ الإسلام في ردوده على الأشاعرة، وقد استخدمه كثيرا وهو يناقش المسائل الكثيرة التي خالفوا فيها مذهب السلف. والسؤال الذي يرد هنا هو: هل كان هذا المذهب يحمل في طياته منذ نشأته مبدأ التناقض؟ وبعبارة أخرى هل المنهج التلفيقي الذي أراد مؤسسوه، أن يبنوا عليه هذا المذهب أدى إلى الوقوع في هذا التناقض؟ إن كلام شيخ الإسلام يدل على أنه يجيب بالإيجاب، فهو يقول عن أبي الحسن الأشعري بعد دفاعه عنه: "لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة، وأعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك. والمخالفون له من أهل السنة والحديث، ومن المعتزلة والفلاسفة، يقولون: إنه متناقض، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه أهل السنة" (١)، ويقول أيضا عن ابن كلاب والقلانسي والأشعري: "لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية، وما يقول الناس: إنه يلزمهم بسببه التناقض، وأنهم جمعوا بين الضدين، وأنهم قالوا ما لا يعقل، ويجعلونهم مذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء فهذا وجه من يجعل في قولهم شيئا من أقوال الجهمية" (٢). وهنا جمع شيخ الإسلام بين الأشعري وشيوخه من الكلابية في وقوعهم في التناقض. ولا شك أن الأشعري أراد أن يجمع بين الإيمان ببعض أصول المعتزلة والجهمية مع اتباع مذهب السلف، ولما كانت خبرته بمذهب السلف قليلة أراد أن يجمع بين تلك الأصول ومذهب السلف الذي حكاه بإجمال، حكى بعضه كما يعتقده، لا كما هو في واقع الأمر. يقول شيخ الإسلام عن الأشعري: "وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب، فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية. وكذلك الأشعري في الصفات. وأما في القدر والإيمان فقوله قول جهم. وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال: "وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب" (٣)، فهو أقرب ما ذكره، وبعضه ذكره عنهم على وجهه، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر؛ إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول. وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث، وموافقتهم، فأراد أن يجمع بين ما رآه من رأي أولئك، وبين ما نقله عن هؤلاء، ولهذا يقول فيه طائفة: إنه خرج من التصريح على التمويه، كما يقوله طائفة: إنهم الجهمية الأناث، وأولئك الجهمية الذكور" (٤).

стр. 688

والتناقض الذي وقع فيه متقدمو الأشعرية، موجود في مذهبهم في الصفات، وكلام الله، والقدر، وغير ذلك من المسائل التي خالفوا فيها أهل السنة. والشيء الملفت هنا – أن المتأخرين من الأشاعرة، وهم أكثر تناقضا – اتهموا المتقدمين من أئمتهم بالتناقض، يقول شيخ الإسلام عن ابن كلاب والأشعري وبعض الصفاتية: إنهم يقولون: إن الله تعالى فوق العرش، وإنه مع ذلك ليس بجسم ولا متحيز قال شيخ الإسلام: "والمنازعون لهم في كونه فوق العرش كالرازي ومتأخري الأشعرية وكالمعتزلة يدعون أن هذا تناقض مخالف للضرورة العقلية"، ثم يقول في المفاضلة بين الأولين – أي متأخري الأشعرية كالرازي والجويني – وهؤلاء – أي متقدمي الأشعرية-: "تبين أن الأولين أعظم مخالفة للضرورة العقلية، وأعظم تناقضا من هؤلاء، وأن هؤلاء (أي الجويني وابن كلاب) لا يسع أحدهم في نظره ولا مناظرته أن يوافق أولئك على ما سلكوه من النفي فرارا مما ألزموه إياه من التناقض؛ لأنه يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فيكون الذي وقع فيه من التناقض ومخالفة الفطرة الضرورية العقلية أعظم مما فر منه، مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة، وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في الأول، فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء: أنا أجد حرارتها وألمها، فيقال له: النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألما، وإن كنت لا تجدها حين وقوفك على الرمضاء، بل تجدها حين تباشرها – فيكون قد فر من نوع تناقض وخلاف بعض الضرورة، فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات، وبقى ما امتاز به الأول في كلامه من الزندقة والإلحاد، ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتباع غير سبيل المؤمنين: زيادة على ذلك" (١).وهؤلاء المتأخرون إنما رموا أئمتهم المتقدمين بالتناقض لأنهم كانوا عارفين بالأصول العقلية التي اعتمدها هؤلاء، وأنها تقتضي أن يلتزموا لوازمها وأن لا يهابوا أهل الحديث بل يصرحوا بما تقتضيه هذه الأصول ولوازمها. وهذا هو ما فعله المتأخرون وطبقوه (٢).

стр. 689

واتهام المتأخرون للمتقدمين بالتناقض يدل عليه ما حوته كتبهم التي صرحوا فيها بمخالفة السلف ومخالفة أئمتهم، وما يذكرونه من الأدلة والمناقشات لعقائدهم – وخاصة في مسائل العلو والاستواء، والصفات الخبرية، والرؤية – تحمل في ثناياها الاتهام لشيوخهم وأئمتهم بالتناقض، وهم قد لا يصرحون بذلك لأن هؤلاء هم أئمة المذهب، وبهم يقتدون في المسائل الأخرى التي وافقوهم فيها. ومع ذلك فأحيانا يصرحون: ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره أبو المعالي الجويني في مسألة الصفات الخبرية كالوجه واليدين، التي أثبتها متقدمو الأشعرية – الذين ينفون الصفات الاختيارية عن الله تعالى، ولذلك يؤولون الاستواء والنزول والمجيء، إما بتأويلات صريحة كما فعل المتأخرون، وإما بجعلها من صفات الذات لا من صفات الفعل، وأن الاستواء – مثلا – فعل فعله الله في العرش سماه استواء، كما هو قول الأشعري – فالجويني يقول لهؤلاء إذا كنتم أثبتم الصفات الخبرية بظواهر الآيات فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات كالاستواء والنزول والجنب بظواهر النصوص أيضا، أما إذا سوغتم تأويل هذه فلا يبعد تأويل الصفات الخبرية: يقول الجويني عن الصفات الخبرية، "ومن سلك من أصحابنا سبيل إثبات هذه الصفات بظواهر هذه الآيات ألزمه سوق كلامه أن يجعل الاستواء والمجيء والنزول والجنب من الصفات تمسكا بالظاهر، فإن ساغ تأويلها فيما يتفق عليه، لم يبعد أيضا طريق التأويل فيما ذكرناه" (١). فهو يقول: إن تأويل هذه والمنع من تأويل تلك تناقض. فإما إثبات الجميع، أو تأويل الجميع. ويلاحظ أن هذا يقال للجويني أيضا. والنماذج التي ذكرها شيخ الإسلام لتناقض الأشاعرة كثيرة، ومن أمثلتها:١ - ذكر شيخ الإسلام – في أثناء رده على الجويني – الذي سمى أصحابه أهل الحق وذكر ما يتميزون به عن المعتزلة، وتكلم بكلام عجيب حول أخبار الصفات حتى إن الإمام القرطبي انتقد كلامه في ذلك (٢) – أنواعا كثيرة من التناقضات في المذهب الأشعري، فقال – بعد رده على الجويني من وجوه عديدة-: "الوجه الرابع عشر أن يقال له: هؤلاء الذين سميتهم أهل الحق، وجعلتهم قاموا من تحقيق أصول الدين بما لم يقم به الصحابة، هم متناقضون في الشرعيات والعقليات: أما الشرعيات: فإنهم تارة يتأولون نصوص الكتاب والسنة، وتارة يبطلون التأويل، فإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة – الذين يتأولون نصوص الصفات مطلقا، ردوا عليهم، وأثبتوا لله الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك من الصفات – وإذا ناظروا من يثبت صفات أخرى دل عليها الكتاب والسنة كالمحبة والرضا والغضب والمقت والفرح والضحك ونحو ذلك تأولوها، وليس لهم فرق مضبوط بين ما يتأول وما لا يتأول، بل منهم من يحيل على العقل، ومنهم من يحيل على الكشف، فأكثر متكلميهم يقولون: ما علم ثبوته بالعقل لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، ومنهم من يقول: ما علم ثبوته بالكشف والنور الإلهي لا يتأول، وما لم يعلم ثبوته بالعقل يتأول، وكلا الطريقين ضلال وخطأ من وجوه .... (٣) "، ثم قال: "وأما تناقضهم في العقليات فلا يحصى: "مثل قولهم: إن الباري لا يقوم به الأعراض، ولكن تقوم به الصفات، والصفات والأعراض في المخلوق سواء عندهم، فالحياة والعلم والقدرة والإرادة والحركة والسكون في المخلوق هو عندهم صفة وهو عندهم عرض، ثم قالوا في الحياة ونحوها هي في حق الخالق صفات وليست بأعراض، إذ العرض هو ما لا يبقى زمانين، والصفة القديمة باقية ... ".

стр. 690

"وكذلك قولهم: إن الله يرى كما ترى الشمس والقمر من غير مواجهة ولا معاينة وأن كل موجود يرى حتى الطعم واللون". "وأن المعنى الواحد القائم بذات المتكلم يكون أمرا بكل ما أمر به ونهيا عن كل ما نهى عنه، وخبرا بكل ما أخبر به، وذلك المعنى إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وأن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل، وأن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له وأن هذا المعنى يسمع بالأذن – على قول بعضهم إن السمع عنده متعلق بكل موجود – وعلى قول بعضهم إنه لا يسمع بالأذن، لكن بلطيفة جعلت في قلبه، فجعلوا السمع من جنس الإلهام ... ".

стр. 691

"ومثل قولهم: إن القديم لا يجوز عليه الحركة والسكون ونحو ذلك لأن هذه لا تقوم إلا بمتحيز، وقالوا: إن القدرة والحياة ونحوهما يقوم بقديم غير متحيز. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا فرق بين المتماثلين."وكذلك زعمهم أن قيام الأعراض التي هي الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه" (١).ثم ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى (٢)، ويلاحظ هنا أن شيخ الإسلام اقتصر على ذكر وجه التناقض، ولم يكن هدفه أن يبين وجه الحق في كل مسألة ذكرها، فمثلا في المسألة الأخيرة التي فرقوا فيها بين الصفات والأعراض فقالوا إن الأعراض إذا قامت بالمحل دلت على حدوثه، وأما الصفات فهي قائمة بالله ولا تدل على حدوثه، بين شيخ الإسلام أن هذا تناقض أن قيام الأعراض إن دلت على الحدوث فالصفات كذلك، وقيام الصفات إن لم تدل على الحدوث فالأعراض كذلك، والمقصود أن لا يفهم من ظاهر عبارة الشيخ أنه ينكر قولهم: إن الصفات قائمة بالرب ولا تدل على حدوثه، بل هو ينكر ويبين تناقضهم، وإلا فالله تعالى تقوم به الصفات، كما أنه تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء، وينزل ويجيء إذا شاء – وهذه وإن سموها أعراضا – فهي لا تدل على حدوث البارئ تعالى.٢ - ومن الأمثلة على تناقض الأشاعرة أنهم في مسألة الترجيح بلا مرجح مرة يقولون: إن القادر المختار يرجح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، ومرة يقولون بعكس ذلك وأن القادر لا يرجح أحد طرفي الممكن إلا بمرجح، وسبب التناقض اختلاف الحالة التي يستدلون لها: فإنهم إن كانوا في موقع مناظرة الفلاسفة الدهرية حول حدوث العالم، ردوا عليهم بقولهم "إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح، وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة" (٣)، ويلاحظ أن هذا جواب للمعتزلة أيضا يجيبون به الفلاسفة. وإن كانوا في موقع الرد على القدرية المعتزلة في مسألة خلق أفعال العباد وأن الله هو الخالق لها ردوا عليهم بقولهم "إنه لا يتصور ترجيح الممكن، لا من قادر ولا من غيره إلا بمرجح يجب عنده وجود الأثر" (٤)، يقول شيخ الإسلام معلقا على الأشاعرة: "فهؤلاء إذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لم يجيبوهم إلا بجواب المعتزلة، وهم دائما إذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر يحتجون عليهم بهذه الحجة التي احتجت بها الفلاسفة، فإن كانت هذه الحجة صحيحة بطل احتجاجهم على المعتزلة، وإن كانت باطلة بطل جوابهم للفلاسفة. وهذا غالب على المتفلسفة والمتكلمين المخالفين للكتاب والسنة تجدهم دائما يتناقضون، فيحتجون بالحجة التي يزعمون أنها برهان باهر، ثم في موضع آخر يقولون: إن بديهة العقل يعلم بها فساد هذه الحجة" (٥).وهذا يشبه تناقض الأشاعرة في مسألة أصوات العباد، حيث إنهم حينما يردون على المعتزلة يقولون: إنها ليست فعلا للعباد، فإذا جاءوا إلى مسألة القرآن قالوا أصوات العباد فعل لهم وهذا تناقض (٦).

стр. 692

٣ - وفي موضوع النبوات وما يتعلق بها من المعجزات الدالة على صدق الأنبياء ذكر شيخ الإسلام جوانب كثيرة دالة على تناقضهم: من ذلك أن بعضهم يقول: إن دلالة المعجزة على التصديق معلومة بالاضطرار، ثم يقولون: عن الله لا يفعل لحكمة، وليست أفعاله تعالى معللة. وهذا تناقض إذ كيف تدل المعجزة – التي هي من أفعال الله ومفعولاته – على صدق النبي، والله لا يفعل لحكمة أبدا؟ يقول شيخ الإسلام: "وأما الطريقة الثانية وهي أجود وهي التي اختارها أبو المعالي وأمثاله، فهو أن دلالة المعجز على التصديق معلوم بالاضطرار، وهذه طريقة صحيحة لمن اعتقد أن الله يفعل لحكمة، وأما إذا قيل: إنه لا يفعل لحكمة انتفى العلم الاضطراري. والأمثلة التي يذكرونها كالملك الذي جعل آية لرسوله خارجا عن عادته، إنما دلت للعلم بأن الملك يفعل شيئا لشيء، فإذا نفوا هذه بطلت الدلالة" (١).ومثل ذلك من علق صدق النبوة على القدرة، وأن الله قادر على أن يميز بين الصادق والكاذب، إنما صح ذلك مع إثبات الحكمة والتعليل، أما مع نفيها فهو متناقض (٢).ومن تناقضهم في هذا الباب قولهم عن المعجزات: إن الله لا يمكن أن يخلقها على يد كاذب، ثم يقولون: إن الله لا ينزه عن فعل أي ممكن، وأنه لا يقبح منه فعل، وحينئذ فيقال لهم قولكم متناقض لأنه إذا جاز أن يفعل الله القبيح جاز أن يخلق المعجزة على يد كذاب، يقول شيخ الإسلام معلقا على قولهم إن الله لا يمكن أن يخلق المعجزة على يد كاذب: "لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم أن يكون ذلك دليل الصدق، وهو أمر حادث مقدور، وكل مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان، فإنه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل، فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق لم يكن ممتنعا على أصلكم، وهي لا تدل على الصدق البتة على أصلكم ... فأنتم بين أمرين: إن قلتم لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعا فقد قلتم: إنه لا يقدر على إحداث حادث قد فعله مثله، وهذا تصريح بعجزه ... وإن قلتم: يقدر، لكنه لا يفعل، فهذا حق وهو ينقض أصلكم" (٣). ومعلوم أن من أكثر ما تخبط فيه الأشاعرة مسألة المعجزات.٤ - ومن الأمثلة على تناقضهم قولهم: إن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر ثم يقولون لا واجب إلا بالشرع خلافا للمعتزلة، وهذا تناقض بين (٤).والأمثلة على تناقض الأشاعرة كثيرة، وما سبق كاف لإثبات ذلك، وهناك جوانب أخرى من تناقضهم ذكرها شيخ الإسلام (٥).

стр. 693

٥ - ويذكر شيخ الإسلام – إضافة إلى ما سبق – تناقض بعض أعلامهم: أ- ومن ذلك تناقض الشهرستاني والرازي والآمدي الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية: وقالوا: إنه لا دليل على نفيها، يقول شيخ الإسلام مخاطبا هؤلاء حول العلو نفيهم له لالتزامه على زعمهم التحيز: "أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين للرسل فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم فقلتم: لا نعلم دليلا على نفيها أو قلتم بإثباتها. وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي لوازم هذا القول وموجباته وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلا فلا تعارضوا به المسلمين، أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمين، ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين وحسن النظر والمناظرة عقلا وشرعا" (١). فهذا التناقض إنما هو لمن قال بالجواهر العقلية، أو قال إنه لا دليل على نفيها، وهؤلاء مع الغزالي لهم تناقضات أخرى في المنطق وما يتعلق به من مسألة تماثل الأجسام أشار شيخ الإسلام إلى جوانب منها (٢). ب- تناقض الرازي. وقد أشار شيخ الإسلام إلى أمثلة عديدة من تناقضه ومن ذلك:١ - تناقضه في مسألة حدوث الأجسام، فمرة يثبته، ومرة يذكر فساد حجج من يثبته (٣).٢ - وفي إثبات العلو قال في نفيه بالدليل العقلي: إنه يلزم منه النقص على الله تعالى، وفي نهاية العقول ذكر أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل (٤).٣ - وسورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: ١ - ٢] قال فيها مرة إنها من المحكمات. وفي موضع آخر جعلها من المتشابهات (٥).٤ - والجوهر الفرد وما يتعلق به من كون الحركة لها وجود أو ليس لها وجود، مرة أثبت ذلك ومرة نفاه (٦). هذه نماذج لتناقض الأشاعرة في مذهبهم، وفي أقوال أئمتهم، ولاشك أن جود التناقض وكثرته يدل على ضعف المذهب، وضعف الأدلة التي بني عليها. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٢/ ٨٨١

стр. 694

المبحث السابع: التناحر الأشعري الأشعري اعترف العز بن عبدالسلام وابن حجر الهيتمي بوقوع الخلاف فيما بين الأشاعرة "والعجيب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين والعينين، وفي الأحوال وفي تعدد الكلام واتحاده" (١).وذكر العز بن عبدالسلام أن أصحاب الأشعري مترددون مختلفون في صفات البقاء والقدم هل هي من صفات السلب أم من صفات الذات (٢).وصدق فيما قال، فإن منهم من يقسم الصفات إلى قسمين: نفسية ومعنوية، ومنهم من يجعلها ثلاثة أقسام: ذاتية ومعنوية وفعلية، ومنهم من يجعلها أربعاً: نفسية وسلبية وصفات معان وصفات معنوية (٣). فهم مختلفون في طريقة تنزيه ربهم. ومنهم المفوض الذي يلزم المؤول بالتحريف في صفات الله. ومنهم المؤول الذي يصف المفوض بأنه يلزمه أن النبي كان جاهلا بمعاني صفات الله. وكل من هاتين الطائفتين تمتاز بصفة ذكرها الله في أهل الكتاب: فالمؤولة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣]. والمفوضة لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨] أي إلا تلاوة للمعنى، لا يفهمونه ولا يتدبرونه. مع أن ثمرة التلاوة يجب أن تكون التفكر وتدبر المعاني. وأنهم وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣]. الأشاعرة المؤولة يردون على الأشاعرة المفوضة فالأشاعرة فرقتان: أشاعرة مؤولة وأشاعرة مفوضة. والماتريدية فرقتان: ماتريدية مؤولة وماتريدية مفوضة. فهم في الحقيقة أربع فرق لا فرقتان. وكل فريق منهم ينكر على الآخر ويتهمه بتجاهل معاني كلام الله، بل ونسبة الجهل وما لا يليق إلى النبي ﷺ . وقد رد ابن فورك على المفوضة الذين يزعمون أن ألفاظ الصفات مما لا يفهم معناه قائلا: بأنه لو كان معنى الصفات غير مفهوم لكان خطاب الله خالياً من الفائدة، وعارياً عن معنى صحيح: وهذا مما لا يليق بالنبي ﷺ (٤). وإذا كان لا يليق بالنبي فهو باطل! ولكن العجيب أن الأشاعرة يجعلون هذا الباطل أحد طريقي أهل السنة في تنزيه الله "التأويل والتفويض" ويجيزون لأتباعهم أن يختاروا أياً من الطريقين شاؤا: إما التأويل وإما التفويض. حتى قال اللقاني في (جوهرة التوحيد) (٥): وكل وصفٍ أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها - وألزم الرازي المفوضة بأحد أمرين: = إما أن يقطعوا بتنزيه الله عن المكان والجهة، فقد قطع بأنه ليس مراد الله من الاستواء الجلوس. وهذا هو التأويل.= وإما أن لا يقطع بتنزيه الله عن المكان والجهة بل بقي شاكاً فيه، فهو جاهل بالله تعالى" (٦).

стр. 695

- وطعن أبو حيان النحوي في التفويض ورجح التأويل عليه. ونقل قول ابن عباس عن آيات الصفات بأن "هذا من المكتوم الذي لا يفسر" وكذلك نقل قول الشعبي وسعيد بن المسيب والثوري "نؤمن بها ونقر كما نصت، ولا نعين تفسيرها ولا يسبق النظر فيها. ثم وصف هذين القولين بأنهما قول من لم يمعن النظر في لسان العرب". ونسب إلى جماهير المسلمين أن الصفات تفسر على قوانين اللغة ومجازات الاستعارة. فما صح في العقل نسبته إليه (أي إلى الله) نسبناه، وما استحال أولناه بما يليق به تعالى" (١). وهذا القول هو الأصل الذي يقول به المعتزلة. ولما قال والد الجويني إن الحروف المقطعة من قبيل الصفات ورجح التفويض زاعماً أنه طريق السلف (٢): رد عليه القشيري في التذكرة الشرقية قائلا: "وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلا الله؟ أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبي ﷺ ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم؟ أليس الله يقول بلسان عربي مبين؟ فإذن: على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] إذ لم يكن معلوما عندهم، وإلا: فأين هذا البيان؟ وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب؟ ونسبة النبي ﷺ إلى أنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل: أمر عظيم لا يتخيله مسلم، فإن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف، وقول من يقول: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها، والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها، تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل ... وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معنى لها أصلا فهو حكم بأنها ملغاة، وما كان في إبلاغها إلينا فائدة، وهي هدر. وهذا محال ... وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها" (٣). وهذا ما رجحه النووي حيث قال "يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل إلى معرفته" (٤). المصدر: موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية - ص ١٩

стр. 696

المبحث الثامن: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم عن علم الكلام لاشك أن هذا متولد عن الوجه السابق الذي هو التناقض، لأن وجود التناقض في المذهب وفي طرق الاستدلال له يؤدي إلى عدم الثقة فيه فإذا انضاف إلى ذلك تعظيم شيوخ المذهب وأنهم لا يمكن أن يقولوا إلا ما هو حق موافق للعقل؛ فإن الأمر يتطور إلى الشك والحيرة، والرجوع لمن هدى الله منهم. وكل ذلك لأجل أنهم خاضوا في علم الكلام والفلسفة، وتركوا الاعتماد على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح ولذلك صار لهم سمات خاصة بهم منها:"أنك تجدهم أعظم الناس شكا واضطرابا، وأضعف الناس علما ويقينا ... " (١).ومنها: "أنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه وتكفير قاله في موضع آخر وهذا دليل عدم اليقين" (٢).ومنها: أن منتهى هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له: "السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن الله ورسوله لم يردها بكلامه، وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية، ثم إن فضلاء هم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب" (٣). فالشك والحيرة – خاصة في المسائل الكبار – من سمات أهل الكلام، وفي مقدمتهم أعلام الأشاعرة، وقد استخدم شيخ الإسلام في منهجه وردوده عليهم هذه الطريقة التي تبين أن كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فهذا مآله ومنتهاه، كما أنها تدل على حقيقة هؤلاء الأعلام المشهورين الذين يقتدى بهم فئام وفئام من الناس. أما رجوع كثير منهم عما كان عليه وتعويله على الكتاب والسنة ففيه دلالة قوية على بطلان ما كانوا عليه، وهو حجة قاطعة على أن تعويل السلف على النصوص الواردة عن الله وعن رسوله – ﷺ لم يكن عن جهل بما عداها مما هو موجود في عهدهم من مذاهب اليونان وغيرهم، وإنما كان نابعا من اعتقاد جازم وإيمان عميق أن الهدى والرشاد والطمأنينة القلبية لن تكون إلا باتباع الوحي المنزل. وشيخ الإسلام وهو يذكر ما في رجوع أهل الكلام من الخير لهم ولغيرهم إلا أنه يثير مشكلة كتبهم التي انتشرت وتناقلها الناس فيقول: "وأما اعتراف المتكلمة من الإسلاميين فكثير، وقد جمع العلماء فيه شيئا، وذكروا رجوع أكابرهم عما كانوا يقولونه، وتوبتهم، إما عند الموت، وإما قبل الموت، وهذا من أسباب الرحمة إن شاء الله في هذه الأمة، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وهذا أصح القولين في قبول توبة الداعي، لكن بقاء كتبهم وآثارهم محنة عظيمة في الأمة، وفتنة عظيمة لمن نظر فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (٤).

стр. 697

إن شيخ الإسلام وهو يقول هذا الكلام الرقيق، بحيث يجعل رجوع هؤلاء من أسباب الرحمة في هذه الأمة لأن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده، لا ينسى الجانب الآخر وهو أن هؤلاء تابوا ورجعوا ولكن كتبهم بقيت، يتناقلها الناس ويفتنون بها، وهذا يفسر ما قام به شيخ الإسلام من ردود طويلة على هؤلاء وعلى كتبهم، وإن كان قد أثر عنهم التوبة والرجوع. وعلماء وفضلاء الأشاعرة معترفون بما في مذهب الأشعري من إشكالات حتى إن العالم الفاضل المجاهد العز بن عبدالسلام لما قيل له في مسألة القرآن: كيف يعقل شيء واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار؟ قال ﵀: "ما هذا بأول إشكال ورد على مذهب الأشعري" (١).وقد سبق في تراجم أعلام الأشاعرة ذكر نماذج لرجوع بعضهم، وللحيرة والشك عند كثير منهم، ولا يخلو كتاب من كتب شيخ الإسلام العقدية من التعرض لهذه المسألة حتى إنه قال: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان لكان شيئا كثيرا، وما لم يبلغني من حيرتهم وتشككهم أكثر وأكثر" (٢).

стр. 698

وهذه المسألة واضحة ومعروفة، ولذلك نكتفي بذكر نماذج من أقواله ونقوله عنهم:١ - يقول شيخ الإسلام مبينا اضطراب الأشاعرة وعلى رأسهم الأشعري: "وقد قيل: إن الأشعري – مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك – صنف في آخر عمره كتابا في تكافؤ الأدلة، يعني أدلة علم الكلام فإن ذلك هي صناعته التي يحسن الكلام فيها، وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم، كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره حتى قال أبو حامد الغزالي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام"، وهذا أبو عبدالله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب – باب الحيرة والشك والاضطراب – لكن هو مسرف في هذا الباب له نهمة في التشكيك دون التحقيق، بخلاف غيره فإنه يحقق شيئا ويثبت على نوع من الحق ... " (١). والقول بتكافؤ الأدلة سمة عامة لغالب أئمة الأشاعرة خاصة في مثل المسائل الكبار كمسألة دليل حدوث الأجسام (٢).٢ - وكثيرا ما يؤدي خوض هؤلاء في علم الكلام إلى الشك والوقف والحيرة، وهذه من الحالات الخطيرة، والأمراض المزمنة، لأنها تؤدي بهؤلاء إلى أنواع من الشكوك التي قد يكون من آثارها زيغ القلوب – ولا حول ولا قوة إلا بالله – وشيخ الإسلام يبين أنه لما كثرت عند هؤلاء الأدلة العقلية وتناقضت وتناقض أصحابها أدى بمن اعتمد عليها إلى الحيرة والوقف، يقول – بعد إشارته إلى تناقض الأدلة العقلية عند هؤلاء: "ثم من جمع منهم بين هذه الحجج أداه الأمر إلى تكافؤ الأدلة، فيبقى في الحيرة والوقف أو إلى التناقض وهو أن يقول هنا قولا، ويقول هنا قولا يناقضه كما تجده من حال كثير من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة، بل تجد أحدهم يجمع بين النقيضين أو بين رفع النقيضين، والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا يجتمعان ولا يرتفعان، بل هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الاعتقادين المتناقضين الإثبات والنفي، كما يتردد بين الإرادتين المتناقضتين وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي والآمدي" (٣).٣ - والأشاعرة توقفوا حتى في أهم المسائل كمسألة الصفات، يقول شيخ الإسلام: "ومثل هذا النظر – وهو تعارض الأدلة التي يظن صاحبها أنها أدلة عقلية – يوجب الحيرة والشك والتوقف، ولهذا صرح طائفة من هؤلاء بالتوقف والحيرة في مسائل الصفات، وهذا شأن الرازي والآمدي وغيرهما في مسائل لهم، وهو منتهى نظر أهل النظر والكلام المذموم في الشرع، فإنه ينتهي بهم الأمر إلى الحيرة والشك كما قال ابن عقيل وغيره من العلماء: آخر المتكلمين الخارجين عن الشرع هو الشك، وآخر الصوفية الخارجين عن الشرع هو الشطح. وهو كما قالوا: فإن من تدبر كلام كثير منهم الثابت عنهم وجد منتهى أمرهم إلى الشك والتوقف، كما يوجد في كلام الرازي وغيره؛ فإنه واقف في مسألة الجوهر الفرد، ومسألة الصفات والأفعال وغير ذلك، كما هو أخبر به عن نفسه وكما يوجد في كتبه، وكذلك أبو حامد الغزالي واقف في كثير من المسائل، وكذلك أبو المعالي حصل له التوقف قبل أن يموت في الصفات الخبرية كالاستواء وفي قيام الأمور الاختيارية به" (٤).

стр. 699

٤ - ومن أعظم الأشاعرة حيرة واضطرابا الرازي والآمدي، فالرازي كثيرا ما "يعرف بالحيرة في المواضع العظيمة: مسائل الصفات وحدوث العالم، ونحو ذلك" (١)، وقد صرح في آخر كتبه وهو المطالب العالية بتكافؤ الأدلة (٢)، وهو كثيرا ما يصرح بالحيرة (٣)، وقد انتقل هذا إلى كبار تلاميذه حتى إن أبرزهم – وهو الخسروشاهي – دخل عليه ابن بادة فقال له: يا فلان ما تعتقد؟ وصدرك منشرح له، قلت: نعم. قال فبكى بكاء عظيما، أظنه قال: لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد، لكني والله ما أدري ما أعتقد" (٤). وهكذا تكون حيرة الأستاذ والتلاميذ. أما الآمدي فكثيراً ما يصرح في المسائل العظام عند عرض الأدلة والمناقشات بمثل قوله: هذا إشكال مشكل، ولعل عند غيره حله (٥)، وذكر شيخ الإسلام عن الثقة أنه حدثه عنه أنه قال: "أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام، أو كلاما هذا معناه" (٦).٥ - ورجوع الأشاعرة وكلامه في ذلك كثير ومشهور، وعلى رأسهم الجويني (٧)، والشهرستاني (٨)، والرازي (٩)، وغيرهم. وقد وفق شيخ الإسلام في التركيز على هذه المسألة، لأنه وإن كانت كتب هؤلاء موجودة، ويعتمد عليها من كثير من أتباعهم، إلا أن بيان هذه القضية وإيضاحها للناس يفيد الموافق والمخالف، أما الموافق فتزيده ثقة فيما عنده من الحق المعتمد على الكتاب والسنة. وأما المخالف فلابد أن تزرع في نفسه شيئا من عدم الثقة فيما يقوله هؤلاء في كتبهم الكثيرة التي أعلنوا رجوعهم عنها ورضاهم بطريقة القرآن. المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود – ٢/ ٨٩١

стр. 700

ومن أقوى الأسباب التي جعلتهم يصلون إلى هذه المرحلة:-السبب الأول: شعورهم العميق بأن القرآن جاء موافقاً لما في الفطرة من إثبات صفات الكمال لله تعالى – وإن كانوا قد توهموا أنها تفيد التشبيه!، فمن أقوالهم في ذلك قول الرازي في ذكره لأسباب إيراد المتشابهات! في القرآن، فقال: "الخامس: وهو السبب الأقوى: أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص، والعوام تنبوا في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق العقلية المحضة، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه!!، ظن أن هذا عدم محض فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب مما تخيلوه وتوهموه، ويكون مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول: وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني: وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر وهو المحكمات!! " (١) اهـ. فالرازي بكلامه هذا يحوم على أن ما عند المتكلمين إنما حصل بالمران على أقيستهم وشبهاتهم العقلية، وأن العوام لا يبلغون ذلك لمخالفته لمقتضى الفطرة، ولا يخفى كذلك ما ذكره من عبارات مجملة في كلامه المنقول، حيث استبدل الألفاظ الشرعية بعبارات فيها نظر، وهذه الألفاظ الشرعية هي الواردة في القرآن كما أشار في مطلع حديثه، وهي التي توافق فطر الناس. السبب الثاني: شعورهم العميق بأن أحاديث الصفات لا يمكن تأويلها، ومن ذلك قول الرازي نفسه عند تعداده للأوجه الموجبة لترك الاستدلال بأخبار الآحاد كما زعم فقال: "إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه بلغت مبلغاً كثيراً في العدد، وبلغت مبلغاً عظيماً في تقوية التشبيه، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة عظيم الأعضاء!، وخرجت عن أن تكون قابلة للتأويل" (٢) اهـ. فللسببين السابقين كانوا يردون النصوص أو يبالغون في تحريفها تعظيماً لجانب العقل، ثم لم يسلم لهم العقل، وهذا هو السبب الثالث. السبب الثالث: إنهم قد عظموا جانب العقل جداً ولم يراعوا حدوده، فلما تعمقوا شعروا بالقصور والحيرة والشك، فلم يكن أمامهم إلا الرجوع إلى الشرع والتمسك به وبما كان عليه سلف الأمة، فالتمسك بالشرع لأنه قائم على الحق، ولأنه يدعو بأيسر الطرق، ولأنه يدعو إلى التسليم وعدم التعمق والتنطع، والتمسك بما كان عليه السلف: لأنهم المشهود لهم بالخيرية. المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف - ٢/ ٦٧٠

стр. 701

المبحث التاسع: من كلام الإمام الجويني (الأب) في رسالته التي وجهها إلى شيوخه بعد رجوعه إلى مذهب السلف يقول الإمام الجويني (الأب) ﵀ بعد مقدمة مستفيضة, سرد منها كثير من صفات الله وأسمائه: وبعد: فهذه نصيحة كتبتها (١) إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء, والإخلاص, والوفاء, لما تعين علي من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله , فإنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله ﵊ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, والنصح لكل مسلم (٢). وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: ((الدين النصيحة ثلاثا قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٣). أعرفهم – أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده – أنني كنت برهة من الدهر متحيزا في ثلاث مسائل: ١ - مسألة الصفات. ٢ - ومسألة الفوقية. ٣ - ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد. وكنت متحيرا في الأقوال الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل, فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات, وكذلك في إثبات العلو والفوقية, وكذلك في إثبات الحرف, والصوت. ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء, ويؤول النزول بنزول الأمر, ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك. ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائما بالذات بلا حرف ولا صوت, ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

стр. 702

وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين, لأني على مذهب الشافعي ﵁. وعرفت فرائض الدين وأحكامه على هذا المذهب, فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة, يذهبون على مثل هذه الأقوال, وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم. ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات (حزازات) لا يطمئن قلبي إليها, وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها, فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره, المتململ في تقلبه وتغيره وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول, مخافة الحصر والتشبيه, ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول ﷺ قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها, وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي. ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها, لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء – مشايخي الفقهاء – المتكلمون مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء والنزول, بنزول الأمر وغير ذلك, ولم أجد عنه ﵊ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرهما. ولم تنقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل الفوقية القهرية ويد النعمة والقدرة وغير ذلك, وأجد الله يقول الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:١٦] أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:١٧].فسرد آيات كثيرة تدل على فوقية الله وعلوه على خلقه إلى أن قال: ثم أجد الرسول ﵊ لما أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله ﷺ في الحديث للجارية ((أين الله؟ قالت: في السماء)) فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه, فلا يتوهمون أن الأمر على خلاف ماهو عليه, بل أقرها وقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (١) , وفي حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله ﷺ : ((إن الله فوق عرشه فوق سمواته, وسمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي ﷺ بيده إلى القبة)) (٢) , وساق عدة أحاديث. إلى أن قال: لا ريب إننا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله, ونحن قطعا لا نعقل عن الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراض تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض وعلمه كذلك وبصره كذلك هي صفات كما تليق به كما لا تليق بنا فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم وليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان وليس جميع ذلك أعراضا بل هو كما يليق به.

стр. 703

ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله, ففوقيته معلومة, أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر, فإنهما معلومان ولا يكيفان. وكذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما تليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق, بل كما يليق بعظمته وجلاله. فصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت, غير معقولة من حيث التكييف والتحديد. فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه, مبصرا من حيث الإثبات والوجود. أعمى من حيث التكييف والتحديد, وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به, وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف, وذلك هو مراد الرب تعالى في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل. ولا فرق بين الاستواء والسمع ولا بين النزول والبصر, الكل ورد فيه النص. فإن قالوا لنا في الاستواء شبهتم نقول لهم في السمع شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض, فإن قالوا: لا عرض بل كما يليق به قلنا: في الاستواء والفوقية لا حصر بل كما يليق به, فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم, فكما لا يجعلونه أعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح, ولا يوصف به المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجون إلى التأويل والتحريف. فإن فهموا من هذه الصفات ذلك, فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع, صفات المخلوقين من الأعراض فما يلزموننا به في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية وما ينزهون به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبون فيها إلى التشبيه سواء بسواء. ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك, ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف, وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك. لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة. فإذا أثبتنا تلك وحرفنا هذه وأولنا كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي ذلك بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى. هكذا نصح هذا الإمام الصادق في نصحه الإمام الجويني شيوخه الذين عاش معهم برهة من الزمن في التأويل والتحريف في صفات الله تعالى كلها أو التصرف فيها بإثبات بعضها وتأويل البعض الآخر, ثم تاب الله عليه فتاب وكتب هذه (النصيحة) التي انتخبنا منها بعض النقاط من أولها ومن آخرها وقد ناقشهم فيها بالأدلة النقلية والعقلية معا وطالبهم بالإنصاف – والإنصاف من الإيمان – وأوضح لهم أنه لا يوجد ما يفرق بين ما أولوه وحرفوا فيه الكلام وبين ما أثبتوه من الصفات لأن هذه وتلك جاءت في موضع واحد وهو الوحي من كتاب أو سنة, ودرج على عدم التفريق بينها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. وعلماء الحديث. ثم أوضح السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويلهم صفات الله تعالى عامة والصفات الخبرية السمعية خاصة. وهو أنهم فهموا منها خطأ, المعاني التي تليق بالمخلوق, ثم أرادوا تصحيح ذلك المفهوم الخاطئ فوقعوا في التأويل أي شبهوا أولا ثم عطلوا ثانيا, هذه هي حقيقة القوم وعقيدتهم. فنسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لهذا الإمام وأمثاله على هذه النصيحة الهادئة والصادقة, إنه سميع قريب. فليهنأ أبو محمد الجويني بهذا التوفيق وهذه الهداية, ولعل الله علم من الرجل الإخلاص في عمله وجهاده الذي بذله في البحث عن الحق في فترة (حيرته وتردده) تلك الفترة الصعبة على قصرها – فيما أحسب – فهداه الله ووفقه مصداقا لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] ولقد كاد حبه وتقديره لشيوخه أن يخلداه إلى أرض التقليد ليحولا بينه وبين رأيه الحق واتباعه (ولكن الله سلم) ووفقه وأخذ بيده إلى بر السلامة, فسلم ونحمد الله على ذلك. إذا قارن الإمام بين ما يخوض فيه شيوخه من التأويل وبين ما ينطق به الكتاب المبين والسنة المطهرة من إثبات حقائق الصفات, فتأكد أن شيوخه لم يفهموا نصوص الصفات الفهم الصحيح لا سيما الصفات الخبرية, بل لم يفهموا منها إلا ما يليق بالمخلوق ولذلك تورطوا في التحريف والتعطيل أو الوقوف دون محاولة للفهم, لذا بادر الإمام أبو محمد بتوجيه تلك النصيحة فور توبته وسلوكه مسلك السلف على بصيرة من ربه. المصدر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة لمحمد أمان الجامي – ص ٤٠٩

стр. 704

المبحث الأول: التعريف بالماتريدية الماتريدية: فرقة كلامية (بدعية)، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 705

المطلب الأول: حياته هو الإمام أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود بن محمد، الماتريدي (١) السمرقندي الحنفي. المتكلم الملقب بإمام الهدى وعلم الهدى إمام المتكلمين مصحح عقائد المسلمين قدوة أهل السنة ورافع أعلام السنة والجماعة ....... أما تاريخ ميلاد الإمام أبي منصور الماتريدي فلم يذكره أحد فيما أعلم .... ولم أظفر على تاريخ ميلاد الماتريدي لا من خلال ترجمته ولا من خلال تراجم شيوخه بدقة غير أن شيخين للماتريدي وجدت لهما تاريخ وفاتهما: الأول محمد بن مقاتل الرازي فقد توفي سنة ٢٤٨هـ والثاني نصير بن يحيى البلخي وهو توفي سنة ٢٦٨هـ فبالنظر إلى تاريخ وفاة شيخه الأول يكون عمر الماتريدي عشر سنوات حين وفاة شيخه هذا لأن الماتريدي لم يكن على طريقة المحدثين حتى يبكر للسماع فإن صح هذا التقريب يكن ميلاد الماتريدي سنة ٢٣٨هـ والله أعلم وحول هذا التقريب تدور آراء الباحثين المعاصرين (٢) لكن كون الرازي هذا شيخا للماتريدي غير ثابت فالأولى في ميلاده ٢٥٨هـ. وأما وفاته فاتفق المترجمون للماتريدي - فيما أعلم - أنه توفي سنة (٣٣٣هـ). إلا ما وقع عند حاجي خليفة في موضع من أنه توفي سنة (٣٣٢هـ). مع أنه قد وقع عنده في مواضع أنه توفي سنة (٣٣٣هـ) موافقا لبقية المؤرخين. وقد شذ الكوثري عن الجماعة بدون برهان كعادته فادعى أنه توفي سنة (٣٣٢هـ). ووقع عند عبد العزيز الفريهاري الهندي أنه توفي سنة (٣٣٥هـ). قلت: هذا إما وهم من الفريهاري نفسه، أو خطأ مطبعي، لأنه قول شاذ بدون برهان. وذكر بعض المعاصرين من الماتردية: أن طاش كبرى زاده قال في (طبقات الفقهاء): " وقيل: سنة (٣٣٦هـ) (٣). قلت: راجعت (طبقات الفقهاء) و (مفتاح السعادة) لطاش كبرى زاده ففيهما ما يوافق الجماعة. الحاصل: أن الصحيح هو أن الماتريدي توفي سنة (٣٣٣هـ) أما بقية الأقوال، فلا اعتبار لها. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ١/ ٢١٠ - ٢١٤ تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على أحد كبار علماء ذلك العصر وهو نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياض وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام.
следующие страницы →