← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المبحث التاسع: من كلام الإمام الجويني (الأب) في رسالته التي وجهها إلى شيوخه بعد رجوعه إلى مذهب السلف يقول الإمام الجويني (الأب) ﵀ بعد مقدمة مستفيضة, سرد منها كثير من صفات الله وأسمائه: وبعد: فهذه نصيحة كتبتها (١) إلى إخواني في الله أهل الصدق والصفاء, والإخلاص, والوفاء, لما تعين علي من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله , فإنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وفي الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله ﵊ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, والنصح لكل مسلم (٢). وعن تميم الداري أن النبي ﷺ قال: ((الدين النصيحة ثلاثا قالوا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٣). أعرفهم – أيدهم الله تعالى بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده – أنني كنت برهة من الدهر متحيزا في ثلاث مسائل: ١ - مسألة الصفات. ٢ - ومسألة الفوقية. ٣ - ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد. وكنت متحيرا في الأقوال الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل, فأجد النصوص في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات, وكذلك في إثبات العلو والفوقية, وكذلك في إثبات الحرف, والصوت. ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء, ويؤول النزول بنزول الأمر, ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم وأمثال ذلك. ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائما بالذات بلا حرف ولا صوت, ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

стр. 702

وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين, لأني على مذهب الشافعي ﵁. وعرفت فرائض الدين وأحكامه على هذا المذهب, فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة, يذهبون على مثل هذه الأقوال, وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم. ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات (حزازات) لا يطمئن قلبي إليها, وأجد الكدر والظلمة منها وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها, فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره, المتململ في تقلبه وتغيره وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول, مخافة الحصر والتشبيه, ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول ﷺ قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها, وأعلم بالاضطرار أنه ﷺ كان يحضر في مجلسه الشريف والعالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي والجافي. ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها, لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء – مشايخي الفقهاء – المتكلمون مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء والنزول, بنزول الأمر وغير ذلك, ولم أجد عنه ﵊ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرهما. ولم تنقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها مثل الفوقية القهرية ويد النعمة والقدرة وغير ذلك, وأجد الله يقول الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:١٠] أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:١٦] أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:١٧].فسرد آيات كثيرة تدل على فوقية الله وعلوه على خلقه إلى أن قال: ثم أجد الرسول ﵊ لما أراد الله تعالى أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء حتى كان قاب قوسين أو أدنى ثم قوله ﷺ في الحديث للجارية ((أين الله؟ قالت: في السماء)) فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه, فلا يتوهمون أن الأمر على خلاف ماهو عليه, بل أقرها وقال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (١) , وفي حديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله ﷺ : ((إن الله فوق عرشه فوق سمواته, وسمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي ﷺ بيده إلى القبة)) (٢) , وساق عدة أحاديث. إلى أن قال: لا ريب إننا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله, ونحن قطعا لا نعقل عن الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراض تقوم بجوارحنا فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض وعلمه كذلك وبصره كذلك هي صفات كما تليق به كما لا تليق بنا فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة وعلمه معلوم وليس مكيفا وكذلك سمعه وبصره معلومان وليس جميع ذلك أعراضا بل هو كما يليق به.

стр. 703

ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله, ففوقيته معلومة, أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر, فإنهما معلومان ولا يكيفان. وكذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما تليق به واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق, بل كما يليق بعظمته وجلاله. فصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت, غير معقولة من حيث التكييف والتحديد. فيكون المؤمن بها مبصرا من وجه أعمى من وجه, مبصرا من حيث الإثبات والوجود. أعمى من حيث التكييف والتحديد, وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به, وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف, وذلك هو مراد الرب تعالى في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل. ولا فرق بين الاستواء والسمع ولا بين النزول والبصر, الكل ورد فيه النص. فإن قالوا لنا في الاستواء شبهتم نقول لهم في السمع شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض, فإن قالوا: لا عرض بل كما يليق به قلنا: في الاستواء والفوقية لا حصر بل كما يليق به, فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم, فكما لا يجعلونه أعراضا كذلك نحن لا نجعلها جوارح, ولا يوصف به المخلوق وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجون إلى التأويل والتحريف. فإن فهموا من هذه الصفات ذلك, فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع, صفات المخلوقين من الأعراض فما يلزموننا به في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية وما ينزهون به في الصفات السبع وينفون عنه عوارض الجسم فيها فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبون فيها إلى التشبيه سواء بسواء. ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك, ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف, وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك. لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد وهو الكتاب والسنة. فإذا أثبتنا تلك وحرفنا هذه وأولنا كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض وفي ذلك بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى. هكذا نصح هذا الإمام الصادق في نصحه الإمام الجويني شيوخه الذين عاش معهم برهة من الزمن في التأويل والتحريف في صفات الله تعالى كلها أو التصرف فيها بإثبات بعضها وتأويل البعض الآخر, ثم تاب الله عليه فتاب وكتب هذه (النصيحة) التي انتخبنا منها بعض النقاط من أولها ومن آخرها وقد ناقشهم فيها بالأدلة النقلية والعقلية معا وطالبهم بالإنصاف – والإنصاف من الإيمان – وأوضح لهم أنه لا يوجد ما يفرق بين ما أولوه وحرفوا فيه الكلام وبين ما أثبتوه من الصفات لأن هذه وتلك جاءت في موضع واحد وهو الوحي من كتاب أو سنة, ودرج على عدم التفريق بينها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين. وعلماء الحديث. ثم أوضح السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويلهم صفات الله تعالى عامة والصفات الخبرية السمعية خاصة. وهو أنهم فهموا منها خطأ, المعاني التي تليق بالمخلوق, ثم أرادوا تصحيح ذلك المفهوم الخاطئ فوقعوا في التأويل أي شبهوا أولا ثم عطلوا ثانيا, هذه هي حقيقة القوم وعقيدتهم. فنسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لهذا الإمام وأمثاله على هذه النصيحة الهادئة والصادقة, إنه سميع قريب. فليهنأ أبو محمد الجويني بهذا التوفيق وهذه الهداية, ولعل الله علم من الرجل الإخلاص في عمله وجهاده الذي بذله في البحث عن الحق في فترة (حيرته وتردده) تلك الفترة الصعبة على قصرها – فيما أحسب – فهداه الله ووفقه مصداقا لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] ولقد كاد حبه وتقديره لشيوخه أن يخلداه إلى أرض التقليد ليحولا بينه وبين رأيه الحق واتباعه (ولكن الله سلم) ووفقه وأخذ بيده إلى بر السلامة, فسلم ونحمد الله على ذلك. إذا قارن الإمام بين ما يخوض فيه شيوخه من التأويل وبين ما ينطق به الكتاب المبين والسنة المطهرة من إثبات حقائق الصفات, فتأكد أن شيوخه لم يفهموا نصوص الصفات الفهم الصحيح لا سيما الصفات الخبرية, بل لم يفهموا منها إلا ما يليق بالمخلوق ولذلك تورطوا في التحريف والتعطيل أو الوقوف دون محاولة للفهم, لذا بادر الإمام أبو محمد بتوجيه تلك النصيحة فور توبته وسلوكه مسلك السلف على بصيرة من ربه. المصدر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة لمحمد أمان الجامي – ص ٤٠٩

стр. 704

المبحث الأول: التعريف بالماتريدية الماتريدية: فرقة كلامية (بدعية)، تُنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية. المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 705

المطلب الأول: حياته هو الإمام أبو منصور، محمد بن محمد بن محمود بن محمد، الماتريدي (١) السمرقندي الحنفي. المتكلم الملقب بإمام الهدى وعلم الهدى إمام المتكلمين مصحح عقائد المسلمين قدوة أهل السنة ورافع أعلام السنة والجماعة ....... أما تاريخ ميلاد الإمام أبي منصور الماتريدي فلم يذكره أحد فيما أعلم .... ولم أظفر على تاريخ ميلاد الماتريدي لا من خلال ترجمته ولا من خلال تراجم شيوخه بدقة غير أن شيخين للماتريدي وجدت لهما تاريخ وفاتهما: الأول محمد بن مقاتل الرازي فقد توفي سنة ٢٤٨هـ والثاني نصير بن يحيى البلخي وهو توفي سنة ٢٦٨هـ فبالنظر إلى تاريخ وفاة شيخه الأول يكون عمر الماتريدي عشر سنوات حين وفاة شيخه هذا لأن الماتريدي لم يكن على طريقة المحدثين حتى يبكر للسماع فإن صح هذا التقريب يكن ميلاد الماتريدي سنة ٢٣٨هـ والله أعلم وحول هذا التقريب تدور آراء الباحثين المعاصرين (٢) لكن كون الرازي هذا شيخا للماتريدي غير ثابت فالأولى في ميلاده ٢٥٨هـ. وأما وفاته فاتفق المترجمون للماتريدي - فيما أعلم - أنه توفي سنة (٣٣٣هـ). إلا ما وقع عند حاجي خليفة في موضع من أنه توفي سنة (٣٣٢هـ). مع أنه قد وقع عنده في مواضع أنه توفي سنة (٣٣٣هـ) موافقا لبقية المؤرخين. وقد شذ الكوثري عن الجماعة بدون برهان كعادته فادعى أنه توفي سنة (٣٣٢هـ). ووقع عند عبد العزيز الفريهاري الهندي أنه توفي سنة (٣٣٥هـ). قلت: هذا إما وهم من الفريهاري نفسه، أو خطأ مطبعي، لأنه قول شاذ بدون برهان. وذكر بعض المعاصرين من الماتردية: أن طاش كبرى زاده قال في (طبقات الفقهاء): " وقيل: سنة (٣٣٦هـ) (٣). قلت: راجعت (طبقات الفقهاء) و (مفتاح السعادة) لطاش كبرى زاده ففيهما ما يوافق الجماعة. الحاصل: أن الصحيح هو أن الماتريدي توفي سنة (٣٣٣هـ) أما بقية الأقوال، فلا اعتبار لها. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ١/ ٢١٠ - ٢١٤ تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على أحد كبار علماء ذلك العصر وهو نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة ٣٦٨ هـ، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياض وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام.

стр. 706

لقد كان لأبي منصور مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، وقد اتحد في الهدف مع الأشعري في محاربة المعتزلة وكان معاصرا له، وأما في العقائد فكان على اتفاق مع ما قرره أبو حنيفة في الجملة، مع مخالفته في أمور وله مؤلفات كثيرة في مختلف الفنون، منها: (بيان وهم المعتزلة تأويلات أهل السنة) - (الدرر في أصول الدين) - (الرد على تهذيب الكعبي في الجدل) - (عقيدة الماتريدية) - (كتاب التوحيد وإثبات الصفات) - (كتاب الجدل) - (مأخذ الشرائع في أصول الفقه) - (المقالات). وكان يلقب فيما وراء النهر بإمام السنة وبإمام الهدى (١)، وقد وقف في وجه المعتزلة الذين كانوا فيما وراء النهر إلا أنه كان قريبا منهم في النظر إلى العقل، ولم يغل فيه غلوهم، بل اعتبره مصدرا آخر إضافة إلى المصدر الأساسي وهو النقل، مع تقدم النقل على العقل عند الخلاف بينهما (٢) إلا أنه يعتبر معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع وإن الله يعاقبه على عدم هذه المعرفة. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١٢٢٨ قال عبد الله المرائي في كتاب (الفتح المبين) في طبقات الأصوليين: "كان أبو منصور قوي الحجة، فحما في الخصومة، دافع عن عقائد المسلمين، ورد شبهات الملحدين .. " (١/ ١٩٣، ١٩٤). وقال عنه الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه (رجال الفكر والدعوة) "جهبذ من جهابذة الفكر الإنساني، امتاز بالذكاء والنبوغ وحذق الفنون العلمية المختلفة" (ص ١٣٩) بل كان يرجِّحه على أبي الحسن الأشعري في كتاب (تاريخ الدعوة والعزيمة) (١/ ١١٤ـ١١٥). المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 707

المطلب الثاني: مصنفاته للماتريدي مؤلفات كثيرة ويمكن تقسيم ما تم الوقوف عليه من أسماء مؤلفاته حسب موضوعاتها إلى ثلاثة أقسام: الأول: التفسير: للماتريدي تفسير من التفاسير الوسيطة يعرف باسم (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن) ذكره عامة من ترجموا له وهو معروف ومشهور عند الماتريدية ولا يوازيه عندهم أي تفسير آخر لا قبله ولا بعده وقد وصل إلينا الكتاب كاملا ونسخه الخطية كثيرة ..... وذكر صاحب (كشف الظنون) كتابا آخر باسم (تأويلات الماتريدية في بيان أصول السنة وأصول التوحيد) وقال في وصفه: وهي ما أخذ منه أصحابه المبرزون تلقفا ولهذا كان أسهل تناولا من كتبه جمعه الشيخ الإمام علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي وهذا الكتاب موجود منه الجزء الأول فقط في مكتبة خدابخش برقم (٢٩٤) وقد رجع إليه الدكتور أيوب علي وذكر أن الكتاب ما هو إلا شرح لتفسير الماتريدي والشارح هو علاء الدين أبو بكر السمرقندي. الثاني: علم الكلام ١ - كتاب (التوحيد): يعد كتاب (التوحيد) للماتريدي من أهم مؤلفاته الكلامية وذلك لأنه قد قرر فيه نظرياته الكلامية وبين فيه معتقده في أهم المسائل الاعتقادية فلذلك صار كتاب (التوحيد) المرجع الأساسي في معرفة عقيدة الماتريدية وكل من جاء بعد الماتريدي من الماتريدية اعتمدوا عليه ولم يأتوا بجديد يذكر وكتاب (التوحيد) أيضا من أقدم المراجع الكلامية التي فيها ذكر آراء الفرق الإسلامية وخاصة المعتزلة وكذلك آراء الفرق غير الإسلامية وكتاب (التوحيد) أيضا من أول الكتب الكلامية التي صدرت بالكلام في نظرية المعرفة والكتاب صعب تناوله فيه كثير من العبارات الغامضة والمعاني المبهمة والألفاظ المغلقة فلهذا قال أبو اليسر البزدودي إن في كتاب (التوحيد) الذي صنفه الشيخ أبو منصور قليل انغلاق وتطويل وفي ترتيبه نوع تعسير. ٢ - شرح (الفقه الأكبر): من المؤلفات المنسوبة لأبي منصور الماتريدي كتاب (شرح الفقه الأكبر) وهذا الكتاب في نسبته للماتريدي نظر إذ إنه لا يوجد في المصادر التي ترجمت للماتريدي ولا في المصادر التي تهتم بكتب المؤلفين أي إشارة إلى أن الماتريدي قد (شرح الفقه الأكبر) وقد نفى نسبة الكتاب إلى أبي منصور الماتريدي المستشرق الهولندي وينسنك في كتابه (عقيدة المسلمين) وذكر أنه قد رجع إلى عدة نسخ مخطوطة ولم يجد فيها التصريح بنسبته إلى الماتريدي كما أن الكوثري ذكر في مقدمته لكتاب (العالم والمتعلم) أن عدة نسخ مخطوطة بدار الكتب المصرية فيها التصريح بنسبة الكتاب إلى أبي الليث السمرقندي ومما يؤكد عدم صحة نسبة الكتاب إلى الماتريدي أنه قد ورد في الكتاب نقد لأقوال الأشاعرة في عدة مواضع ومعلوم أن المذهب لم يشتهر كمذهب إلا بعد وفاة الأشعري بفترة زمنية ليست بالقصيرة والماتريدي كان معاصرا للأشعري بل إن وفاتهما متقاربة ولعل الصواب كما ذكر الكوثري وأبو زهرة وغيرهما أن الكتاب لأبي الليث السمرقندي ومما يؤكد هذا أنه ورد في نص الكتاب عبارة قال الفقيه أبو الليث .... ٣ - (رسالة في العقيدة) ذكر هذه الرسالة البغدادي في (هدية العارفين) وفؤاد سزكين في (تاريخ التراث) وللسبكي شرح لهذه الرسالة بعنوان (السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور) وشكك السبكي في نسبة هذه الرسالة إلى الماتريدي وأشار إلى أنها لبعض تلاميذ الماتريدي ومما يؤكد عدم صحة نسبة الرسالة إلى الماتريدي هو ورود ذكر الأشعرية في نصها بالإضافة إلى أن بقية من ترجم للماتريدي لم يذكروا هذه الرسالة ضمن مؤلفاته. ٤ - (رسالة في الإيمان) ذكرها أبو المعين النسفي في (التمهيد) ٥ - (المقالات) يعد كتاب (المقالات) للماتريدي من أقدم كتب المقالات وذلك لتقدم مؤلفه ولكن الكتاب مفقود ولم يعثر على أي نسخة له. ٦ - (بيان وهم المعتزلة) ٧ - (رد تهذيب الجدل) ٨ - (رد وعيد الفساق) ٩ - (رد أوائل الأدلة) ١٠ - (رد الأصول الخمسة) لأبي محمد الباهلي ١١ - (الرد على القرامطة) ١٢ - (رد الإمامة) وهو رد على بعض الروافض الثالث: أصول الفقه للماتريدي كتابان في أصول الفقه الأول مأخذ الشرائع والثاني الجدل ذكرهما عامة الذين ترجموا له وقال علاء الدين البخاري مبينا قدر هذين الكتابين وتصانيف أصحابنا (في أصول الفقه) قسمان قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان لصدوره ممن جمع الأصول والفروع مثل (مأخذ الشرائع) وكتاب (الجدل) للماتريدي ونحوهما وقسم وقع في نهاية التحقيق في المعاني وحسن الترتيب لصدوره ممن تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع غير أنهم لما لم يتمهروا دقائق الأصول وقضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض الفصول ثم هجر القسم الأول إما لتوحش الألفاظ والمعاني وإما لقصور الهمم والتواني. وهذان الكتابان لم يعثر على أي نسخة منهما وهما في عداد المفقودات المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٠٩ - ١١٤

стр. 708

المطلب الثالث: شيوخه وتلاميذه أولا: شيوخه ١ - محمد بن مقاتل الرازي قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) محمد بن مقاتل الرازي لا المروزي حدث عن وكيع وطبقته تكلم فيه ولم يترك ..... مات سنة ثمان وأربعين ومائتين ... وله تصانيف منها المدعي والمدعى عليه. ٢ - أبو نصر العياضي هو أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة بن غالب بن نوفل بن عياض بن يحيى بن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري السمرقندي أبو نصر العياضي، ذكره الإدريسي في (تاريخ سمرقند) وقال كان من أهل العلم والجهاد ولا أعلم له رواية ولا حديثا فأذكره أسره الكفار فقتلوه صبرا في بلاد الترك في أيام نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أسد بن سامان .... وذكر عن أبي القاس الحكيم السمرقندي أنه قال ما أتى الفقيه أبا نصر العياضي أحدا من أهل البدع والأهواء وأولي الجدل والمراء في الدين بآية من القرآن يحتج بها عليه لمذهبه إلا تلقاه مبتدئا بما يفحمه ويقطعه وأن رياسة العلماء والدرس كانا إليه وهو من أبناء عشرين سنة وأنه لما استشهد خلف أربعين رجلا من أصحابه كانوا من أقران الشيخ أبي منصور الماتريدي. وذكر النسفي والناصري أن له كتابا في مسألة الصفات ٣ - أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني ...... وكان الجوزجاني من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع وكان في أنواع العلوم في الدرجة العالية وله كتاب (الفرق والتمييز) وكتاب (التوبة) وغيرهما. ٤ - نصير بن يحيى البلخي ..... وقيل نصر ... كان بارعا في الفقه الحنفي والكلام توفي سنة ٢٦٨هـ المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٠٠ - ١٠٣ ثانيا: تلاميذه ١ - أبو القاسم الحكيم السمرقندي هو أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد القاضي الحكيم السمرقندي ... أخذ الفقه والكلام عن الماتريدي ويعد من أشهر تلاميذ الماتريدي ... وذكر أبو المعين أنه توفي سنة ٣٣٥هـ والذي عليه بقية من ترجموا له أنه مات في محرم يوم عاشوراء سنة اثنين وأربعين وثلاثمائة بسمرقند .... ومن آثار أبي القاسم الحكيم السمرقندي (الرد على أصحاب الهوى) وهو المسمى (بالسواد الأعظم) ويعد من أهم المتون عند الماتريدية ... ومن آثار أبي القاسم السمرقندي رسالة صغيرة في الإيمان. ٢ - علي الرستغفني هو أبو الحسن علي بن سعيد الرستغفني نسبة إلى رستغفن وهي قرية من قرى سمرقند وقد وصف الرستغفني من ترجم له بأنه من كبار مشايخ سمرقند ومن أصحاب الماتريدي الكبار وله ذكر في الفقه والأصول في كتب الحنفية ووقع خلاف بينه وبين الماتريدي في مسألة المجتهد إذا أخطأ في إصابة الحق. عند الماتريدي يكون مخطئا في الاجتهاد وعند أبي الحسن الرستغفني يكون مصيبا في الاجتهاد على كل حال أصاب الحق أو لم يصب. ومن آثاره (إرشاد المهتدي) و (الزوائد والفوائد في أنواع العلوم) و (الأسئلة والأجوبة) و (بيان السنة والجماعة). ٣ - أبو محمد عبد الكريم البزدوي هو أبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى الفقيه البزدوي ... تفقه على أبي منصور الماتريدي وسمع وحدث وقد برع في الفقه خاصة ... قال القرشي ذكر في تاريخ نسف أنه مات سنة تسعين وثلاثمائة في رمضان. ٤ - أبو أحمد العياضي هو أبو أحمد بن أبي نصر أحمد بن العباس العياضي، وهو ابن أبي نصر العياضي شيخ الماتريدي. ٥ - أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري أخذ عن أبي منصور الماتريدي الكلام والفقه وهو صاحب أبي القاسم الحكيم السمرقندي. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص١٠٤ - ١٠٨

стр. 709

المطلب الرابع: أهم آراء الماتريدي إجمالا ١ - لا يرى الماتريدي مسوغا للتقليد، بل ذمه وأورد الأدلة العقلية والشرعية على فساده وعلى وجوب النظر والاستدلال. ٢ - يذهب في نظرية المعرفة إلى لزوم النظر والاستدلال، وأنه لا سبيل إلى العلم إلا بالنظر، وهو قريب من آراء المعتزلة والفلاسفة في هذا، ثم يذكر أدلة كثيرة على وجود الله، مستخدما أدلة المعتزلة والفلاسفة في حدوث الأجسام وأنها دليل على وجود الله. ٣ - يوافق في الاعتقاد في أسماء الله السلف، ويرى أن أسماء الله توقيفية، فلا نطلق على الله أي اسم إلا ما جاء به السمع، إلا أنه يؤخذ على الماتريدية أنهم لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله وبين باب التسمية فأدخلوا في أسمائه ما ليس منها كالصانع والقديم والشيء، والسلف يخالفونهم في هذا وقد عطل الماتريدية كثير من أسماء الله تعالى وأولوها. ٤ - يرى أن المؤمنين يرون ربهم والكفار لا يرونه، ويخالف الأشعري هنا في أن الماتريدي يرى أن الأدلة على إمكان رؤية الله تعالى عقلا غير ممكنة، بينما يستدل عليها أبو الحسن الأشعري بالعقل، إلا أنهم خالفوا السلف فنفوا المقابلة والجهة مطلقا، وذلك بسبب نفيهم عن الله علو الذات كما أن إثباتهم للرؤية ونفي الجهة والمقابلة فيه تناقض فإن الله تعالى يرى في جهة العلو. ٥ - هو أقرب ما يكون إلى السلف في سائر الصفات، فهو يثبت الاستواء على العرش وبقية الصفات دون تأويل لها ولا تشبيه، أي في الصفات التي تثبت عند الماتريدية بالعقل لكنهم يؤولون ما عداها، كما أنهم يعتقدون أن صفات الله لا هي هو ولا غيره وهو تناقض منهم. ٦ - في القضاء والقدر هو وسط بين الجبر والاختيار، فالإنسان فاعل مختار على الحقيقة لما يفعله ومكتسب له وهو خلق لله، حيث يخلق للإنسان عندما يريد الفعل قدرة يتم بها، ومن هنا يستحق الإنسان المدح أو الذم على هذا القصد، وهذه القدرة يقسمها إلى قسمين: قدرة ممكنة: وهى ما يسميها: لسلامة الآلات وصحة الأسباب. وقدرة ميسرة، زائدة على القدرة الممكنة: وهى التي يقدر الإنسان بها على الفعل المكلف به مع يسر، تفضلا من الله تعالى. يقول الماتريدي بخلق أفعال العباد، وهو يفرق بين تقدير المعاصي والشرور والقضاء بها وبين فعل المعاصي، فالأول من الله والثاني من العبد بقدرته واختياره وقصده. ويمنع أبو منصور من إضافة الشر إلى الله فلا يقال: رب في الأوراث والخبائث ولو أنه خالق كل شيء، وهذا الشق الأخير معروف عن السلف، أما تقسيمه القدرة وجعل العبد فاعلا باختياره وقصده وقدرته من وجه، ولو كان الله هو الفاعل من وجه آخر، فيه حيد عن مذهب السلف في ذلك، ونسبة الماتريدية الفعل إلى العبد يقصدون به أن الله لا يخلق فعل العبد إلا بعبد أن يريده العبد ويختاره فيصبح ذلك العمل كسبا له يجازي به حسب اختياره له وإرادته المستقلة له. فى مسائل الإيمان: لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا يقول بخروج مرتكب الكبيرة عن الإسلام. ويرى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، دون الإقرار باللسان، ومن هنا يفترق الماتريدي عن السلف. وعنده لا يجوز الاستثناء في الإيمان، لأن الاستثناء يستعمل في موضع الشكوك والظنون. وهو كفر، وأهل السنة قالوا بجواز الاستثناء في الإيمان لأنه يقع على الأعمال لا على أصل الإيمان أو الشك في وجود الإيمان. المصدر: فرق معاصرة لغالب عواجي ٣/ ١٢٢٨ - ١٢٣٠

стр. 710

المبحث الأول: نشأة الماتريدية وأهم زعمائها نتحدث الآن عن تطورهم الذي مر بالأدوار المهمة التاريخية التي تدل على نشاطهم البالغ المتواصل لنشر العقيدة الكلامية الماتريدية. ليعرف بهذه الدراسة تطور الماتريدية والأدوار التي مرت عليها. وتكون هذه الدراسة بمثابة تاريخ إجمالي للماتريدية ويتم كل ذلك بتوفيق الله تعالى ومشيئته سبحانه. فأقول: لقد مرت بالماتريدية أدوار أهمها ما يلي: أ - دور تأسيسي (٢٥٨ - ٣٣٣هـ) وهو دور أبي منصور الماتريدي إمام الماتريدية ويمتاز هذا الدور بأنه دور النشأة والتأسيس كما يمتاز بشدة النطاح بين الماتريدي وبين المعتزلة كما يظهر من تأليفات الماتريدي فيما سبق ومن خلال نصوص الماتريدي ضد المعتزلة في كتبه. ب - دور تكويني (٣٣٣ - ٤٠٠هـ) وهو دور تلامذة الماتريدي ومن تأثر به بعده وتلامذة تلامذته، ويمتاز هذا الدور بأنه تكونت فيه فرقة كلامية ماتريدية وظهرت على وجه الأرض كما يمتاز بوجود تلامذة الماتريدي الذين نشروا أفكار شيخهم وإمامهم والدفاع عنه، وقد ذكرنا نبذة عن تلامذة الماتريدي وتأليفاتهم الكلامية في الفصل الأول. ج - دور بزدوي (٤٠٠ - ٥٠٠هـ) وهذا الدور تمديد لسابقه بالنشر والتأليف، ومن أهم شخصيات هذا الدور " أبو اليسر البزدوي (٤٩٣هـ) أخو " فخر الإسلام " (٤٨٢هـ). د- دور نسفي (٥٠٠ - ٧٠٠هـ) وهذا الدور كاسمه نسف العقيدة السلفية في الصفات نسفا أكثر من سابقه وامتاز بكثرة التأليف، وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية. ومن أهم أعيان هذا الدور أبو المعين النسفي (٥٠٨هـ)، ونجم الدين عمر النسفي (٥٣٧هـ)، وحافظ الدين عبد الله النسفي (٧١٠هـ) وهو أكبر أدوار العقيدة الماتريدية السابقة. هـ - وفي بداية هذا الدور دور آخر: وهو دور صابوني يمتاز بكثرة المناظرات بين الماتريدية، وبين الأشعرية. وأهم شخص في هذا الدور هو أبو محمد نور الدين أحمد بن محمد الصابوني (٥٨٠هـ). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ وقد اعتمد الصابوني في دراسته لأصول الدين على كتاب (تبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي كما ورد ذلك عنه فيما ذكره الرازي في مناظرته له قال الرازي قال لي (أي: الصابوني) يا أيها الرجل إني كنت قد رأيت كتاب (تبصرة الأدلة) لأبي معين النسفي واعتقدت أنه لا مزيد على ذلك الكتاب في التحقيق والتدقيق ... ذكر القرشي أن له (البداية في أصول الدين) و (المغني في أصول الدين) وذكر ابن قطلوبغا وصاحب (الطبقات السنية) وحاجي خليفة أن له (الهداية في علم الكلام) وأنه اختصره في كتاب سماه (البداية) وذكر البغدادي (المختصر) بعنوان (بداية مختصر الهداية) وذكر حاجي خليفة أن له كتابا بعنوان (الكفاية في الهداية) واختصره في كتاب سماه (العمدة) وذكر البغدادي أن (الكفاية) شرح (للهداية) المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٢٣، ١٢٤ ودور عثماني: نسبة إلى الدولة العثمانية (٧٠٠ - ١٣٠٠هـ). وهذا الدور جمع الأدوار الماتريدية الكثيرة. ومنها دور صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود (؟ - ٧٤٧هـ). ومنها دور التفتازاني (٧١٢ - ٧٩٢هـ). ومنها دور الجرجاني (٧٤٠ - ٨١٦هـ). ومنها دور الكمال ابن الهمام (٧٩٠ - ٨٦١هـ). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٢٦٣

стр. 711

هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي الأصل السكندري القاهري الحنفي من مؤلفات ابن الهمام (فتح القدير) في الفقه، وهو شرح (الهداية) ولم يتمه وصل فيه إلى أثناء الوكالة ... وله (التحرير في أصول الفقه) ... وله أيضا (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة) .... وقد طبع الكتاب عدة مرات ويعد كتاب (المسايرة) من المراجع المهمة في معرفة عقيدة الماتريدية ومعرفة المسائل الوفاقية والخلافية بين الأشاعرة والماتريدية المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٢٤ - ١٢٧ وغيرها من الأدوار التي تتصل بالدولة العثمانية. وهذه الأدوار كلها ترجع إلى أم الأدوار ألا وهو الدور العثماني الذي يعد أهم الأدوار الماتريدية حيث بلغ هذا الدور إلى أوج الكمال حيث يستظل هذا الدور بظل الدولة العثمانية ويتمتع بخيراتها، لأن الدولة العثمانية كانت دولة حنفية الفروع ماتريدية العقيدة. فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية وكان جل القضاة، والمفتين وخطباء الجوامع، ورؤساء المدارس حنفية الفروع ماتريدية العقيدة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى كثرت في هذا الدور تأليف أنواع الكتب الكلامية من المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي، والحواشي على الحواشي، والتنكيتات، كما كان بين الماتريدية والأشعرية ائتلاف كأنهما فرقة واحدة صعب التمييز بينهما. وفي هذا الدور انتشرت العقيدة الماتريدية في شرق الأرض وغربها في هندها، وتركها، وفارسها، ورومها، وعربها، وعجمها. ز- دور ديوبندي (١٢٨٣هـ - إلى ما شاء الله) نسبة إلى جامعة ديوبند التي أسسها الشيخ محمد قاسم النانوتوي إمام الديوبندية (١٢٩٧هـ) سنة (١٢٨٣هـ). ويمتاز هذا الدور بكثرة التأليف في علم الحديث من شروح وغيرها، والديوبندية أئمة في العلوم النقلية، والعقلية كما هم في قمة من الزهد، والتأله، وهم خدموا الإسلام وحاربوا الشرك والبدع إلى حد كبير غير أنهم حرفوا الأحاديث إلى مذهبهم الحنفي الفقهي، والكلامي الماتريدي كما يتضح من كتبهم وهم في غاية من التعصب للمذهب الحنفي والتقليد الأعمى حتى جعلوا كثيرا من الأحاديث حنفية بالتأويلات الباطلة. كما أنهم ناصبوا العداء لـ (أهل السنة) الذين يسميهم المغرضون باسم (الوهابية)، فيسبونه أشنع السباب، وينبزونهم بأبشع الألقاب. ومن ميزات هذا الدور البارز أيضا أنهم ديوبندية كما هم حنفية الفروع ماتريدية العقيدة كذلك هم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدع قبورية كما يشهد عليهم كتابهم (المهند على المفند) لـ (الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمة الديوبندية، وهو أهم كتب الديوبندية في العقيدة وعليه توقيعات لكبار علمائهم كما يأتي شرحه إن شاء الله تعالى. بل في كبار أئمة الديوبندية من ساير الكوثري في شتائم أئمة الإسلام - كالبنوري الديوبندي فله مقدمة خطيرة مسمومة فتاكة أبعد غورا في الضلال والإضلال، وفيها ما لا يخطر بالبال من إجلال الكوثري، وشتائم أئمة الإسلام. وللديوبندية شعبتان مهمتان: شعبة التعليم والتدريس، وشعبة التبليغ والتربية وهي المعروفة بـ (جماعة التبليغ) لها حسنات عملية كثيرة. ولهذه الجماعة لون آخر في دورهم من أدوار الماتريدية يبثون أفكارهم الصوفية وأنظارهم العقدية الماتريدية بطرق خفية تدريجية حتى اغتر بهم كثير من أصحاب العقيدة السلفية ولكن لابد للحقيقة أن تظهر.

стр. 712

وقد ألف الشيخ أرشد القادري البريلوي أحد كتاب " البريلوية " كتابا بعنوان (الزلزلة) ذكر فيه نصوصا صريحة لكبار علماء الديوبند تتضمن البدع القبورية والخرافات بل الشركيات الصريحة وحاكمهم محاكمة دقيقة. وقد اعترف بذلك الشيخ عامر العثماني مدير مجلة " التجلي " " بديوبند " أحد كبار كتاب الديوبندية وصرح أن كل بلاء وبدعة وخرافة دخلت على الديوبندية إنما دخلت من أبواب التصوف (١). ح- دور بريلوي (١٢٧٢هـ - إلى ما شاء الله): نسبة إلى زعيمهم: أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي الصوفي القبوري الملقب بعبد المصطفى (١٣٤٠هـ). ويمتاز هذا الدور بالإشراك الصريح، وعبادة القبور فهي فرقة وثنية محضة. كما يمتاز بشدة العداوة مع الديوبندية وتكفيرهم فضلا عن تكفير (أهل السنة) الذين يسميهم المغرضون بـ (الوهابية). ط- دور كوثري (١٢٩٦هـ - إلى ما شاء الله): منسوب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي عدو السلفية (١٣٧١هـ). ويمتاز هذا الدور بشدة العداء لأهل السنة والطعن في أئمة الإسلام ولعنهم وجعلهم وثنية مشركين كفارا عبدة الأوثان، والأصنام، مجسمة مشبهة. وجعل كتب السلف ككتب (التوحيد)، و (السنة)، و (الإبانة)، و (الشريعة)، و (الصفات)، و (العلو)، وغيرها في شرح عقيدة أئمة السنة - كتب وثنية، وكتب كفر، وكتب شرك، وكتب تجسيم، وتشبيه. كما يمتاز هذا الدور بالدعوة إلى الإشراك وعبادة القبور، وجواز بناء المساجد والقبب عليها تحت ستار التوسل. وكتب الكوثري (١٢٩٦ - ١٣٧١هـ) شاهدة لما ذكرنا، وقد حاول الكوثري أن يحيي دولة الجهم، والمريسي، وابن أبي دؤاد كما حاول أن يحيي دول القبورية. ي- دور فنجفيري (من ١٣٧٠هـ) وينسب هذا الدور إلى زعيم الجماعة الفنجفيرية: شيخ القرآن محمد طاهر بن آصف الحنفي الماتريدي الديوبندي النقشبندي (١٤٠٧هـ) ﵀. واسم هذه الجماعة: " جماعة إشاعة التوحيد والسنة " وهي فرع لـ (الديوبندية)، (النقشبندية الصوفية). وهي جماعة لها دور كبير ونشاط طيب في نشر ترجمة القرآن الكريم، والقضاء على الإشراك والبدع القبورية وإحياء كثير من السنن في مناطق بشاور ومردان، والقبائل الحرة وغيرها في باكستان وكثير من المناطق في أفغانستان ولهم مساع جميلة يشكرون عليها غير أنهم ماتريدي في باب الصفات، ولهم مدارس خاصة يدرسون فيها كتب الماتريدية، وهم حنفية متعصبة في الفقهيات لهم عداء شديد لأهل الحديث في تلك المناطق، حتى لا يتحاشون الكذب الصريح، والافتراء القبيح إلا من شاء الله منهم. وقد بلغ بهم التقليد إلى تحريف الأحاديث؛ فقد قال شيخهم: إن المراد من أحاديث رفع اليدين، رفعهما عن السرة والركبة (٢). ويزعم زعيمهم الشيخ محمد طاهر المذكور في حق أهل الحديث المعاصرين لهم: أنهم إخوان القاديانيين (٣) الأصاغر (٤). ولكونه صوفيا نقشبنديا أوصى تلاميذه بأن يكونوا علماء صوفية بلا ترجيح طرق بعضهم على بعض، ولا إنكار على المغلوبين من الصوفية ولا على المؤولين في السماع وغيره. ولأجل ماتريديتهم يثنون على الماتريدي بأنه " إمام الهدى " و " إمام أهل السنة " وعلى " تأويلاته". ويجعلون السلف مفوضة ويعدون المؤولة في أهل السنة. هذه بعض الأدوار المهمة للماتريدية بمثابة تاريخ إجمالي للماتريدية.

стр. 713

وفيما يلي نتحدث إن شاء الله عن أسباب انتشار الماتريدية وبسط سلطانهم. أ - دور ندوي: المدرسة الندوية الهندية لا تختلف عن المدرسة الديوبندية، الفنجفيرية. في كونها ماتريدية وعلى غير الطريقة السلفية. وذلك أن إمام الندوية الشيخ أبا الحسن الندوي - مع تظاهره بالسلفية - قد بالغ في الثناء على الماتريدي وطريقته وكتبه ورجحه على الأشعري (١). فقد أبان الندوي عن حقيقة سلفيته بإكباره وإجلاله لماتريديته. وما كل مخضوب البنان بثينة [وما كل مصقول الحديد يمانيا.] المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٢٦٣ - ٢٦٨ الخلاصة: يمكن إجمالها في أربع مراحل رئيسية كالتالي: · مرحلة التأسيس: (٠٠٠ـ٣٣٣هـ) والتي اتسمت بشدة المناظرات مع المعتزلة وصاحب هذه المرحلة: أبو منصور الماتريدي ..... عاصر أبا الحسن الأشعري، وعاش الملحمة بين أهل الحديث وأهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهاج غير منهاج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضها. ـ توفي عام ٣٣٣هـ ودفن بسمرقند، وله مؤلفات كثيرة: في أصول الفقه والتفسير. ومن أشهرها: (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن) وفيه تناول نصوص القرآن الكريم، ولا سيما آيات الصفات، فأوَّلها تأويلات جهمية. ومن أشهر كتبه في علم الكلام كتاب (التوحيد) وفيه قرر نظرياته الكلامية، وبيَّن معتقده في أهم المسائل الاعتقادية، ويقصد بالتوحيد: توحيد الخالقية والربوبية، وشيء من توحيد الأسماء والصفات، ولكن على طريقة الجهمية بتعطيل كثير من الصفات بحجة التنزيه ونفي التشبيه؛ مخالفاً طريقة السلف الصالح. كما ينسب إليه شرح كتاب (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة، وله في الردود على المعتزلة (رد الأصول الخمسة) وأيضاً في الرد على الروافض (رد كتاب الإمامة) لبعض الروافض، وفي الرد على القرامطة (الرد على فروع القرامطة). · مرحلة التكوين: (٣٣٣ـ٥٠٠هـ): وهي مرحلة تلامذة الماتريدي ومن تأثر به من بعده، وفيه أصبحت فرقة كلامية ظهرت أولاً في سمرقند، وعملت على نشر أفكار شيخهم وإمامهم، ودافعوا عنها، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع (الأحكام)، فراجت العقيدة الماتريدية في تلك البلاد أكثر من غيرها. ومن أشهر أصحاب هذه المرحلة: أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الحكيم السمرقندي (٣٤٢هـ)، عرف بأبي القاسم الحكيم لكثرة حكمه ومواعظه، وأبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى البزدوي (٣٩٠هـ). · ثم تلى ذلك مرحلة أخرى تُعتبر امتداداً للمرحلة السابقة. ومن أهم وأبرز شخصياتها: ـ أبو اليسر البزدوي (٤٢١ـ٤٩٣هـ): هو محمد بن محمد بن الحسين بن عبدالكريم، والبزدوي نسبة إلى بزدوة ويقال بزدة، ولقب بالقاضي الصدر، وهو شيخ الحنفية بعد أخيه الكبير علي البزدوي، ولد عام (٤٢١هـ).

стр. 714

ـ تلقى العلم على يد أبيه، الذي أخذه عن جده عبد الكريم تلميذ أبي منصور الماتريدي، قرأ كتب الفلاسفة أمثال الكندي، وغيره، وكذلك كتب المعتزلة أمثال الجبائي، والكعبي، والنّظام، وغيرهم، وقال فيها: "لا يجوز إمساك تلك الكتب والنظر فيها؛ لكي لا تحدث الشكوك، وتوهن الاعتقاد"، ولا يرى نسبة الممسك إلى البدعة. كما اطلع على كتب الأشعري، وتعمق فيها، وقال بجواز النظر فيها بعد معرفة أوجه الخطأ فيها، كما اطلع على كتابي (التأويلات)، و (التوحيد) للماتريدي فوجد في كتاب (التوحيد) قليل انغلاق وتطويل، وفي ترتيبه نوع تعسير، فعمد إلى إعادة ترتيبه وتبسيطه مع ذكر بعض الإضافات عليه في كتاب (أصول الدين). ـ أخذ عن الشيخ أبو اليسر البزدوي جمٌّ غفير من التلاميذ؛ ومن أشهرهم: ولده القاضي أبو المعاني أحمد، ونجم الدين عمر بن محمد النسفي صاحب (العقائد النسفية)، وغيرهما. ـ توفي في بخارى في التاسع من رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. · مرحلة التأليف والتأصيل للعقيدة الماتريدية: (٥٠٠ـ٧٠٠هـ): وامتازت بكثرة التأليف وجمع الأدلة للعقيدة الماتريدية؛ ولذا فهي أكبر الأدوار السابقة في تأسيس العقيدة، ومن أهم أعيان هذه المرحلة: ـ أبو المعين النسفي (٤٣٨ـ٥٠٨هـ): وهو ميمون بن محمد بن معتمد النسفي المكحولي، والنسفي نسبة إلى نسف وهي مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند، والمكحولي نسبة إلى جده الأكبر، ولكن نسبته إلى بلده غلبت نسبته إلى جده، وله ألقاب عدة أشهرها: سيف الحق والدين. ـ ويعد من أشهر علماء الماتريدية، إلا أن من ترجم له لم يذكر أحداً من شيوخه، أو كيفية تلقيه العلم، يقول الدكتور فتح الله خليف: "ويعتبر الإمام! أبو المعين النسفي من أكبر من قام بنصرة مذهب الماتريدي، وهو بين الماتريدية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة، ومن أهم كتبه (تبصرة الأدلة)، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب (التوحيد) للماتريدي، بل هو أوسع مرجع في عقيدة الماتريدية على الإطلاق، وقد اختصره في كتابه (التمهيد)، وله أيضاً كتاب (بحر الكلام)، وهو من الكتب المختصرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية". ـ توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمانٍ وخمسمائة، وله سبعون سنة. ـ نجم الدين عمر النسفي (٤٦٢ـ٥٣٧هـ): هو أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن لقمان الحنفي النسفي السمرقندي، وله ألقاب عدة أشهرها: نجم الدين، ولد في نسف سنة إحدى أو اثنتين وستين وأربعمائة. ـ كان من المكثرين من الشيوخ، فقد بلغ عدد شيوخه خمسمائة رجلاً ومن أشهرهم: أبو اليسر البزدوي، وعبد الله بن علي بن عيسى النسفي. وأخذ عنه خلقٌ كثير، وله مؤلفات بلغت المائة، منها: (مجمع العلوم)، (التيسير في تفسير القرآن)، (النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري) وكتاب العقائد المشهورة بـ (العقائد النسفية)، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصر (لتبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي قال فيه السمعاني في ترجمة له: "كان إماماً فاضلاً متقناً، صنَّف في كل نوع من التفسير والحديث .. فلما وافيت سمرقند استعرت عدة كتب من تصانيفه، فرأيت فيها أوهاماً كثيرة خارجة عن الحد، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث، ولم يرزق فهمه". ـ توفي بسمرقند ليلة الخميس ثاني عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة.

стр. 715

· مرحلة التوسع والانتشار: (٧٠٠ـ١٣٠٠هـ): وتعد من أهم مراحل الماتريدية حيث بلغت أوجَ توسعها وانتشارها في هذه المرحلة؛ وما ذلك إلا لمناصرة سلاطين الدولة العثمانية، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية، فانتشرت في: شرق الأرض، وغربها، وبلاد العرب، والعجم، والهند، والترك، وفارس، والروم. وبرز فيها أمثال: الكمال بن الهمام صاحب (المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة)، والذي ما زال يدرَّس في بعض الجامعات الإسلامية. وفي هذا الدور كثرت فيها تأليف الكتب الكلامية من: المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي على الشروح. وهناك مدراس مازالت تتبنى الدعوة للماتريدية في شبه القارة الهندية وتتمثل في: ـ مدرسة ديوبند والندوية (١٢٨٣هـ ـ) وفيها كثر الاهتمام بالتأليف في علم الحديث وشروحه، فالديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية؛ إلا أنهم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدعٌ قبورية، كما يشهد عليهم كتابهم (المهنَّد على المفنَّد) لـ الشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمتهم، وهو من أهم كتب الديوبندية في العقيدة، ولا تختلف عنها المدرسة الندوية في كونها ماتريدية العقيدة. ـ مدرسة البريلوي (١٢٧٢هـ ـ) نسبة إلى زعيمهم أحمد رضا خان الأفغاني الحنفي الماتريدي الصوفي الملقب بعبد المصطفى (١٣٤٠هـ) وفي هذا الدور يظهر الإشراك الصريح، والدعوة إلى عبادة القبور، وشدة العداوة للديوبندية، وتكفيرهم فضلاً عن تكفير أهل السنة. ـ مدرسة الكوثري (١٢٩٦هـ ـ) وتنسب إلى الشيخ محمد زاهد الكوثري الجركسي الحنفي الماتريدي (١٣٧١هـ) ويظهر فيها شدة الطعن في أئمة الإسلام ولعنهم، وجعلهم مجسمة ومشبهة، وجعل كتب السلف ككتب: (التوحيد)، (الإبانة)، (الشريعة)، و (الصفات)، و (العلو)، وغيرها من كتب أئمة السنة، كتب وثنيةٍ وتجسيمٍ وتشبيهٍ، كما يظهر فيها أيضاً شدة الدعوة إلى البدع الشركية وللتصوف من تعظيم القبور والمقبورين تحت ستار التوسل. انظر تعليقات الكوثري على كتاب (الأسماء والصفات) للبيهقي، وكتاب (مقالات الكوثري). المصدر: الموسوعة الميسرة

стр. 716

المبحث الثاني: أسباب انتشار الماتريدية انتشرت الماتريدية في بقاع الأرض شرقها، وغربها لأسباب أهمها ما يلي: ١ - السبب الرئيس، بل أهم الأسباب، اعتناق السلاطين والملوك للمذهب الحنفي، فبسبب ذلك انتشر المذهب الحنفي في شرق الأرض وغربها، وعربها، وعجمها، وفارسها ورومها، وبانتشار الحنفية ونفوذ سلطانهم انتشرت الماتريدية، لأن الماتريدية كانوا يمثلون المذهب الحنفي، وهذه حقيقة اعترف بها الحنفية الماتريدية. ٢ - ومن المعروف في التاريخ عبر القرون أن أية دولة إذا كانت تميل إلى فرقة ما تسهل وتوفر لعلمائها مناصب القضاء، والإفتاء والرئاسة والخطابة والتأليف، والتدريس؛ فيجدون أسبابا كثيرة وطرقا ميسورة لبسط سلطانهم على القلوب والأبدان، ونفوذ تأثيرهم على الشعوب والأوطان وتشجعهم الدولة أيضا بإنشاء المدارس والجوامع، وبذلك تنشر أفكارهم ويزداد نشاطهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) في بيان سبب انتشار الحنفية: " فأي مذهب كان أصحابه مشهورين، وسد إليهم القضاء، والإفتاء، واشتهرت تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسا ظاهرا، انتشر في أقطار الأرض، ولم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء، والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين " وقد صرح العلامة عبد الحي اللكنوي أن سبب شيوع مذهب الحنفية تولية الإمام أبي يوسف قضاء القضاة زمن هارون الرشيد (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر، والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي (محمد بن المنصور ١٦٨هـ) والرشيد (هارون بن محمد المهدي ١٩٣هـ) ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين كان أهل السنة في تلك الأيام أكثر وأقوى، وأهل البدع أقل، وأذل. .؛ ولكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وأظهر، وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم. وفي دولة أبي العباس المأمون (٢١٨هـ) ظهر (الخرمية) (٢) ونحوهم من المنافقين، وعرب من كتب الأوائل (يعني الفلاسفة) المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وأرسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة. . فتولد من ذلك محنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات، والتكذيب بكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام وغيره ما جرى مما يطول وصفه إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ [البقرة:١٥٦]. وكان في أيام المتوكل (جعفر بن محمد المعتصم ٢٤٧هـ) قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم. . ". إلى آخر ذلك الكلام المهم في مقارنة الملوك والدول ومعاملتهم مع الإسلام وأهله والسنة وأهلها.

стр. 717

الحاصل: أن مناصرة الملوك والسلاطين والأمراء لمذهب ما وتشجيعهم لعلمائه من أهم أسباب انتشاره، كما يقال: " الناس على دين ملوكهم "، وهذا واقع غالبا، وهذا من الأسباب الرئيسة لنشر العقيدة الأشعرية في البلاد الشامية، والمغربية أيضا. قال أبو عذبة: " وفي بلاد الهند على كثرتها، وسعتها، وبلاد الروم على كثرتها وسعتها - مع كونهم بأسرهم حنفية - عقائد الماتريدية " (١). وهكذا انتشرت الماتريدية وعقائدهم في بلاد ما وراء النهر، والترك، والأفغان، والهند، والصين وما والاها. وقوى هذا السبب لنشر العقيدة الماتريدية في الهند وما جاورها، أن العلماء والمشائخ الذين وردوا الهند في عهود الملوك المسلمين - كان جلهم من علماء ما وراء النهر الذي كان معظم اعتمادهم على كتب المتأخرين من فقهاء الحنفية وكان عنايتهم بكتب السنة تحلة للقسم وكانوا مولعين بخرافات اليونان فأصبح مسلموا الهند يتسكعون في ظلمات علوم اليونان. وافتخر الكوثري افتخارا عظيما بكثرة الحنفية في بقاع الأرض قائلاً: ". . . فالحنفية في السند لا تقل عن خمسة وسبعين مليونا، وفي الصين عن خمسين مليونا، وفي بلاد الروس، والقوقاس، والقزان وبخارى، وسيبريا، وما والاها عن خمسين مليونا أيضا، وفي بلاد الرومان، والعرب، ودربوسنا، وهرسك، والألبان، والبلغار، واليونان، والبلاد العثمانية القديمة في القارات الثلاث، يعني آسيا، وأوروبا، وأفريقيا، عن خمسين مليونا أيضا، سوى من بلاد الأفغان، وبلاد الحبشة، ومصر، وطرابلس الغرب، وتونس، وأفريقيا الجنوبية، وغيرها. . ". قلت: نستدل بكلام الكوثري هذا - مع مجازفته - على كثرة الماتريدية وانتشارهم على البسيطة تبعا لانتشار الحنفية: ولكن عدد الماتريدية أقل من الحنفية؛ لأن في الحنفية جهمية أولى، ومعتزلة، وزيدية، وكرامية، واتحادية، وحلولية، والمتفلسفة، ونذرا قليلا من السلفية، كما أن النساء، والعوام وأصحاب الحرف من الفلاحين وغيرهم ليسوا من الماتريدية في شيء وإن هم انتسبوا إلى الماتريدية ظاهرا؛ فمن في هؤلاء من يزعم أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، ولا فوق ولا تحت؟ ومن فيهم من يقول: إن كلام الله كلام نفسي لا بحرف ولا بصوت وأن هذا القرآن العربي مخلوق ليس كلام الله بل هو دال على كلام الله؟ ومن فيهم من يقول: إن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله بل سمع صوتا مخلوقا في الشجرة إلى آخر تلك الحماقات الكلامية الماتريدية؟. فهؤلاء كلهم في الحقيقة على الفطرة فلا يصح ظن الظان أن الماتريدية والأشعرية تمثل أهل السنة وأنهم الكثرة الكاثرة والجمهور وأنهم السواد الأعظم (٢). بل الحقيقة أن الفريقين من الماتريدية والأشعرية قلة قليلة والذي اشتهر خلافه فهو خلاف الواقع والحقائق الملموسة. ٢ - مدارس الماتريدية، ونشاطهم الدراسي والتدريسي:

стр. 718

لمدارس الماتريدية دور عظيم في نشر عقيدتهم، وأنا لا أخوض في تفصيل تلك المدارس لأن هذا يحتاج إلى بحث مستقل بل القصد ههنا التنبيه على أن المدارس لها دور في نشر عقيدة هؤلاء، وعلى سبيل المثال نذكر جامعة ديوبند فإنها أكبر جامعة للماتريدية في القارة الهندية ودورها في نشر العقيدة الماتريدية مما لا يخفى على أحد بطبيعة الحال وهكذا مدارس الحنفية الماتريدية في تاريخ أفغانستان، وفي تاريخ الدولة العثمانية فإنها خدمت الحنفية والماتريدية في آن واحد، فكانت هذه المدارس حقولا ومزارع لغرس البذور الماتريدية وتربيتهم ثم تخرجهم وانتشارهم في بقاع الأرض حيث يواصلون مساعيهم لنشر ما تعلموه وما رسخ في أذهانهم من العقيدة الماتريدية على ظنهم أنها عقيدة أهل السنة يجب الدفاع عنها ونشرها. ولذلك لا تجد في جميع مدارس الحنفية الماتريدية عبر القرون كتابا واحدا من كتب السلف في العقيدة يكون في منهجهم الدراسي بل نرى بعكس ذلك كتب علم الكلام والمنطق يهتمون بها درسا وتدريسا، وهذا أمر جعلهم متعمقين في العقيدة الكلامية الماتريدية كما جعلهم بعيدين عن الكتاب والسنة والعقيدة السلفية السنية في آن واحد حتى الفنجفيرية. ٣ - نشاط الماتريدية في ميدان التأليف: للماتريدية نشاط بالغ وسعي متواصل في ميدان التصنيف في علم الكلام، وانتشرت هذه الكتب في مشارق الأرض ومغاربها وبانتشارها ودرسها وتدريسها انتشرت العقيدة الماتريدية وبسطت سلطانها على قلوب المشائخ والطلاب، ونفصل في ذكر المؤلفات الماتريدية في الفصل الثاني، إن شاء الله تعالى. المهم أن نذكر الآن أن تراث الماتريدية وعكوف الناس عليه سبب عظيم لنشر عقائدها. ونضرب لذلك مثالا واحدا على لسان أحد الماتريدية المعاصرة. يقول الدكتور أبو الخير محمد أيوب علي البنغلاديشي الماتريدي: " وندرك أثر الماتريدي، ونجاح طريقته ورضاء أهل السنة بها؛. حين نرى (الفقه الأكبر) لـ (أبي حنيفة)، و (العقيدة) لـ (النسفي)، و (المسايرة) لـ (ابن الهمام) تدرس في هذه الأيام في الجامعات الدينية، وكلياتها، والمعاهد الدينية ومنها الأزهر وفي كثير من البلاد الإسلامية، وقد أدرك الأزهر ضرورة دراسة المدرسة الماتريدية، والتعريف بأبي منصور الماتريدي فأدرج في منهج الدراسة في كليتي الشريعة، وأصول الدين دراسة هذه المدرسة دراسة علمية وتاريخية " (١). ويقول: " ثم إن مذهب الأشعري، وإن كان له أكبر أثر على عقيدة جمهور المسلمين، وكان قد تغلب على الماتريدية في الأيام الماضية، فإن الماتريدية قد أصبحت اليوم - كما يبدو لنا - أكثر منه تأثير على جماعة علماء أهل السنة ". ٤ - أمور أخرى تكون بمجموعها سببا قويا لانتشارهم وانخداع الناس بهم: وهي ما يلي: أ- تظاهرهم بمظهر أهل السنة بل دعواهم: أنهم، والأشعرية هم يمثلون أهل السنة. ب- اتهامهم لأهل السنة المحضة وأصحاب الحديث بالتجسيم والتشبيه ونحو ذلك. ج- انتسابهم إلى السلف ولاسيما إلى الأئمة: " أبي حنيفة " و " الشافعي " و " الأشعري ". د- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الذي عند غيرهم من أهل البدع. هـ - ردهم على الفرق الباطلة كالجهمية الأولى والمعتزلة والخوارج والروافض وغيرهم. وضعف أنوار الآثار السلفية وعجز كثير من أهل السنة المحضة وأهل الحديث ". المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني- ١/ ٢٦٩ - ٢٧٥

стр. 719

المبحث الأول: الاعتماد على العقل يبدو واضحاً لكل باحث مطلع على كتب الماتريدية الكلامية أنهم جعلوا معظم مباحث الإلهيات "عقلياتٍ" فجعلوا "السمع" تابعاً للعقل فيها، ومن هذه العقليات تلك الصفات الثمان التي يسمونها صفاتٍ عقلية ثبوتية، كما يسمونها (صفات المعاني) أيضاً. ويعتمدون في إثباتها على الحجج العقلية التي يرونها قطعية، أما النصوص الشريعة فيذكرونها للاعتضاد، لا للاعتماد (١). فمصدر تلقي العقيدة في هذه الأبواب هو العقل عندهم والنقل تابع له أما مباحث المعاد فجعلوها سمعية وكذا مباحث النبوات، ويعبرون عن السمعيات بالشرعيات أيضاً. وعرفوا الشرعيات بأنها أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً ونفياً، ولا طريق للعقل إليها، وأما العقليات فهي ما ليس كذلك (٢).فمصدر العقيدة عندهم في هذه الأبواب هو النقل، والعقل تابع له (٣).وقد جعل بعضهم مباحث النبوات من قبيل العقليات (٤).فأنت ترى أنهم جعلوا العقل حاكماً فيما يسمونه "العقليات" وجعلوا النقل عاطلاً؛ أما ما يسمونه "السمعيات" فقد جعلوا النقل حاكماً فيه والعقل عاطلاً مع أن من مذهب أهل السنة أنه لا منافاة بين العقل السليم الصريح والنقل الصحيح أصلاً (٥)، فالنقل هو الذي يعتمد عليه، والعقل معاضد للنقل ومعاون له كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى، وليس أصلاً من أصول العقيدة يستقل فيه العقل أو يهدر فيه (٦). ولهذا احتج الله تعالى على منكري المعاد بحجج عقلية قطعية في مواضع من كتابه؛ فدل هذا على أن العقل لا يهدر حتى في أمر المعاد بل العقل الصحيح يدل على المعاد أيضاً. الحاصل: أن الماتريدية لما قسموا أصول الدين إلى "عقليات" و"سمعيات" بنوا على ذلك موقفهم الفاسد من النقل في باب ما يسمونه "العقليات" فأي نقل خالف عقولهم في "العقليات" إن كان من أخبار الآحاد ردوه، أو أوّلوه؛ وإن كان من المتواترات حرفوه بشتى التأويلات الفاسدة، وأما ما يتعلق بالمعاد فلا يؤولونه. يقول متكلم الماتريدية الهندية، الشيخ عبدالعزيز الفريهاري في صدد إثبات نعيم القبر وعذابه، وسؤال منكر ونكير:

стр. 720

"ثابت كل من هذه الأمور بالدلائل السمعية أي المسموعة من الشارع، وهي الآيات والأحاديث، لأنها أمور ممكنة، غير مستحيلة أخبر بها الصادق، وهو النبي ﷺ . وقد تقرر أن الأمر الممكن الذي أخبر به الشارع يجب الإيمان به من غير تأويل، وأما الأمر المحال (يعني علو الله تعالى واستوائه ووجهه، ويديه وغيرها من الصفات) فالنص الوارد مؤول مصروف عن الظاهر؛ كالنصوص الموهمة لإثبات جسمية، أو جهة لله تعالى، نحو قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:١٠]، فإنها مؤولة بالقدرة، وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] فإن الاستواء مؤول بالعظمة التامة، والقدرة القاهرة" (١). المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٥٣٧ - ٥٤٠

стр. 721

إن مصدر الماتريدية في التلقي هو العقل وقد صرح بهذا الماتريدي في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات) فهو يقول أصل ما يعرف به الدين وجهان: أحدهما السمع والآخر العقل أما السمع فما لا يخلو بشر من انتحاله مذهبا يعتمد عليه ويدعوه غيره إليه ... فلزم طلب أصل يجمعهم عليه لغاية ما احتمل وسعهم الوقوف عليه على أن الأحق في ذلك إذ علم بحاجة كل ممن يشاهد وضرورة كل من المعاين أن لهم مدبرا عالما بأحوالهم وبما عليه بقاؤهم وأنه جبلهم على الحاجات لا يدعهم وما هم عليه من الجهل وغلبة الأهواء مع ما لهم من الحاجة في معرفة ما به معاشهم وبقاؤهم دون أن يقيم لهم من يدلهم على ذلك ويعرفهم ذلك ولابد من أن يجعل له دليلا وبرهانا يعلمون خصوصه بالذي خصه به من الإمامة لهم وأحوجهم إليه فيما عليه أمرهم فيكون في ذلك ... أنه هو الذي جعله المفزع لهم والمعتمد" (١).وقال أيضا: " إنا وجدنا الناس مختلفي المذاهب في النحل في الدين متفقين على اختلافهم في الدين على كلمة واحدة: أن الذي هو عليه حق والذي عليه غيره باطل على اتفاق جملتهم من أن كلا منهم له سلف يقلد فثبت أن التقليد ليس مما يعذر صاحبه لإصابة مثله ضده على أنه ليس فيه سوى كثرة العدد اللهم إلا أن يكون لأحد ممن ينتهي القول إليه حجة عقل يعلم بها صدقه فيما يدعي وبرهان يقهر المنصفين على إصابته الحق فمن إليه - أي إلى العقل - مرجعه في الدين بما يوجب تحقيقه عنه فهو المحق ... " (٢).وقال في موضع آخر: " والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع .... " (٣).وقال أيضا: " إن العلم بالله وبأمره عرض لا يدرك إلا بالاستدلال" (٤). أي: بالمعرفة الاستدلالية القائمة على النظر العقلي".وقال في تفسيره لقوله تعالى: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] "قوله تعالى: لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] حقيقة الحجة لكن ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل فلا يكون وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة ... " (٥).والماتريدية لا تقول بالقدرة المطلقة للعقل إذ إن العقل عندهم يدرك ظواهر الأشياء ولا يدرك ماهيتها وحقائقها يقول الماتريدي موضحا هذا: " إن العقول أنشئت متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء والأفهام متقاصرة عن بلوغ غاية الأمر .... " (٦) وهم بذلك يحاولون أن يصلوا إلى غايتهم وهي محاولة التوسط بين العقل والنقل وهذا دفعهم إلى تقسيم العقائد إلى إلهيات ونبوات يستقل العقل بإثباتها وإلى سمعيات لا يستقل العقل بإثباتها ولا تدرك إلا بالسمع (٧).

стр. 722

قال صاحب (نثر اللآلئ): " قد صرح غير واحد من علماء الحنفية بأن العقل حجة من حجج الله تعالى ويجب الاستدلال به قبل ورود الشرع وعليه فيكون إرسال الرسل وإنزال الكتب تتمة للدين من بيان ما لا تهتدي العقول إليه من أنواع العبادات والحدود وأمر البعث والجزاء فإن ذلك مما يشكل مع العقل وحده لا لنفس معرفة الخالق فإنها تنال ببداية (أي ببداهة) العقول" (١). وهذا المنهج الذي تحاول به الماتريدية التوسط بين العقل والنقل قائم أساسا على فكرة باطلة وهي أن نصوص الوحي متعارضة مع أحكام العقل، وهذا التعارض المزعوم إنما هو في الواقع مسلك الفلاسفة في الأصل الذين لا يثبتون النبوات ولا يرون أن إرسال الرسل وما جاءوا به حقائق ثابتة فمصدرهم في الاستدلال على إثبات الأمور هو العقل وما أثبته العقل فهو الثابت وما نفاه هو المنفي. فلما اعتمد المتكلمون من المعتزلة ومن نحا نحوهم كالماتريدية والأشاعرة هذا الأصل وقرروا أن العقل هو الميزان الصحيح وأن أحكامه يقينية أقحموا العقل في مجالات ليست من مجال بحثه فخرج العقل بأحكام باطلة وفاسدة وهي بزعمهم أنها يقينية ثم أرادوا أن يجمعوا بين هذه الأحكام ونصوص الوحي فتولد لديهم تعارض بين الأحكام العقلية التي توصلوا إليها وبين نصوص الوحي فأرادوا أن يتخلصوا من هذا التعارض فوضعوا قانونا يسمى بقانون التأويل الذي حاصله أنه يجب تقديم العقل على النقل وتأويل النقل حتى يتفق مع العقل أو تفويضه. وأصل شبهتهم في تقديمهم للعقل على النقل وجعله مصدر التلقي هو اعتقادهم أن السمع لا يعرف ولا يثبت إلا من طريق العقل. قال صاحب (المسامرة): إن الشرع إنما يثبت بالعقل فإن ثبوته يتوقف على دلالة المعجزة على صدق المبلغ وإنما ثبتت هذه الدلالة بالعقل فلو أتى الشرع مما يكذب العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل معا .... " (٢). وقد أجاب عن هذه الشبهة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا تهافتها وعدم صحتها بقوله: " من المعلوم أنه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول ﷺ . وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول ﷺ بل ذلك يعلم بما يعلم به أن الله تعالى أرسله مثل إثبات الصانع وتصديقه للرسول بالآيات وأمثال ذلك. وإذا كان كذلك لم تكن جميع المعقولات أصلا للنقل لا بمعنى توقف العلم بالسمع عليها ولا بمعنى الدلالة على صحته ولا بغير ذلك لا سيما عند كثير من متكلمة الإثبات أو أكثرهم .... الذين يقولون العلم بصدق الرسول عند ظهور المعجزات التي مجرى تصديق الرسول علم ضروري فحينئذ ما يتوقف العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير مع أن العلم بصدق الرسول له طرق كثيرة متنوعة ...

стр. 723

وحينئذ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن يقدح فيه قدحا في أصل السمع وهذا بين واضح وليس القدح في بعض العقليات قدحا في جميعها كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحا في جميعها ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة السمعيات صحة جميعها. وحينئذ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات ولا من فساد هذه فساد تلك فضلا عن صحة العقليات المناقضة للسمع فكيف يقال إنه يلزم من صحة المعقولات التي هي ملازمة للسمع صحة المعقولات المناقضة للسمع؟ " (١). ويقال لهم أيضا: "لو قدر تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لأن العقل قد صدق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به ولا العلم بصدق الشرع موقوف على كل ما يخبر العقل ومعلوم أن هذا المسلك إذا سلك أصح من مسلكهم كما قال بعض أهل الإيمان يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر: العقل سلطان ولى الرسول ثم عزل نفسه. ولأن العقل دل على أن الرسول يجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر ولأن العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس وأكثر من غلطه بكثير فإذا كان حكم الحس أقوى من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض فما الظن بالعقل؟ " (٢). قال الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀: " اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم ولبطل معنى الأمر والنهي ولقال من شاء ما شاء ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا. ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله وما تعبد الناس (باعتقاده) وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله ﷺ من ذكر عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها فإذا سمعنا شيئا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته وقال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:٨٥] وقال تعالى: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة:٢٥٥] " (٣).ثم قال ﵀: " وإنما علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانا وتصديقا وما لم نعقله قبلناه تسليما واستسلاما وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم " (٤). المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٤٠ - ١٤٥

стр. 724

المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقيدة من الأصول المنهجية لدى الماتريدية في تقرير العقيدة عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد فلا يحتجون إلا بالقرآن أو المتواتر من الأحاديث ولا يثبتون العقيدة بالقرآن أو الحديث إلا إذا كان النص قطعي الدلالة ومعنى قطعي الدلالة عندهم أنه لا يحتمل التأويل أي أنها مقبولة عقلا خالية من التعارض مع العقل (١).وقالوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد العلم اليقيني وذلك لعروض الشبهة في كونها خبر الرسول لعدم الأمن من وضع الأحاديث على النبي ﷺ (٢).وقالوا يؤخذ بها في الأحكام الشرعية وذلك حيطة في الأمر وأخذا بالحزم وأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة فلو رد خبر الواحد تعطلت الأحكام (٣). وقد نص على عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد الماتريدي في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات) وذكر أن خبر الآحاد لا يوجب العلم لأنه لا يبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة ولكنه يجب العمل به واستدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأمر الله لمن يصلح للتفقه في الدين بالتخلف عن الجهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (٤).ونص على ذلك أيضا الناصري في (النور اللامع) حيث قال: "خبر الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم ... " (٥).وقال في موضع آخر: " ولا تبنى العقائد على أخبار الآحاد لأنها لا توجب العلم يقينا ... " (٦).ونص على ذلك أيضا أبو البركات النسفي في المنار (٧) وابن الهمام في التحرير (٨) وابن عبد الشكور في مسلم الثبوت (٩) وملا على القاري في شرح نخبة الفكر (١٠) وغيرهم. والماتريدية في الحقيقة لا يحتجون بأحاديث الآحاد الصحيحة في الأحكام الشرعية العملية مطلقا بل حتى يكون الحديث مقبولا لديهم يجب أن يكون موافقا لقواعدهم وأصولهم التي قرروها وقد صرح به غير واحد منهم قال أبو زيد الدبوسي في (تأسيس النظر): " الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي ﵊ أنه أوجب الوضوء من مس الذكر لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفا للأصول ... " (١١). وقال أبو الحسن الكرخي في رسالته في بيان أصول الحنفية والتي ذكر أمثلتها وشواهدها عمر النسفي صاحب (العقائد): " الأصل أنه يفرق بين العلم إذا ثبت ظاهرا وبينه إذا ثبت يقينا".قال عمر النسفي معلقا على هذا الأصل:" من مسائله أن ما علم يقينا يجب العمل به واعتقاده وما ثبت ظاهرا وجب العمل به ولم يجب اعتقاده" (١٢).

стр. 725

وقال أبو الحسن الكرخي: " إن كل خبر يجيء بخلاف قول أصحابنا فإنه يحمل على النسخ أو على أنه معارض بمثله ثم صار إلى دليل آخر أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح أو يحمل على التوفيق وإنما يفعل ذلك على حسب قيام الدليل فإن قامت دلالة النسخ يحمل عليه وإن قامت الدلالة على غيره صرنا إليه ".ثم قال: " الأصل أن الحديث إذا ورد عن الصحابي مخالفا لقول أصحابنا فإن كان لا يصح في الأصل كفينا مؤنة جوابه وإن كان صحيحا في مورده فقد سبق ذكر أقسامه إلا أن أحسن الوجوه وأبعدها عن الشبه أنه إذا ورد الحديث عن الصحابي في غير موضع الإجماع أن يحمل على التأويل أو المعارضة بينه وبين صحابي مثله" (١).وقول الماتريدية ومن وافقهم بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد قول لا أصل له بل هو مبتدع محدث فتقسيم ما ورد عن النبي ﷺ إلى متواتر وآحاد تقسيم لم يكن معروفا في عصر الصحابة والتابعين كما أن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم قول ابتدعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأحاديث ورفضها لأنها حجة عليهم (٢) فإن أشهر من عرف عنه اشتراط العدد في صحة الحديث هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية (٢١٨ هـ) وهو كما قال الذهبي: " جهمي هالك كان يناظر في خلق القرآن " (٣). وقد نص الإمام الشافعي ﵀ على إجماع المسلمين على حجية خبر الواحد في الرسالة حيث قال: " ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي " (٤). وقال بعد أن نص على حجية خبر الواحد: " ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل" (٥).والقول بحجية خبر الواحد في العقائد والأحكام هو مذهب الإمام مالك ﵀ كما ذكره عنه محمد بن أحمد المعروف بابن خويزمنداد (٦).وهو أيضا قول الإمام أحمد ﵀ قال المروذي ﵀: "قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فعابه وقال لا أدري ما هذا ... " (٧).ولا يعرف عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال بعدم إفادة خبر الواحد العلم أو أنه فرق في قبوله بين العقائد والأعمال بل الذي ورد عنه قبول الأحاديث بدون تفريق فقد روي عنه أنه قال:"إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ لم نحد عنه إلى غيره وأخذنا به" (٨) وهذا هو مذهب أصحاب أبي حنيفة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (٩). وهو أيضا مذهب السلف وجمهور المحدثين والأصوليين كما نص على هذا غير واحد من العلماء. وقول الماتريدية ومن شاكلهم بأن أحاديث الآحاد لا تفيد العلم لاحتمال الكذب والخطأ والشبهة في كونها خبر الرسول مرده إلى جهلهم بعلم الحديث وأهله فإنه كما يرجع في معرفة الفقه للفقهاء وفي معرفة اللغة لأهل اللغة وكذا في كل صنعة وفن فإنه ينبغي الرجوع في معرفة الحديث لأهل الحديث الذين أفنوا أعمارهم وأموالهم في حفظ الحديث وصيانته ودراسته وتدريسه.

стр. 726

قال أبو الحسن العامري الفيلسوف: "وليس يشك أن أصحاب الحديث هم المعنيون بمعرفة التواريخ العائدة بالمنافع والمضار وهم العارفون لرجال السلف بأنسابهم وأماكنهم ومقادير أعمارهم ومن اختلف إليهم وأخذ العلم عنهم بل هم المتحققون لما يصح من الأحاديث الدينية وما يسقم ويقوى منها ويضعف بل هم المتجشمون للحل والترحال في أقاصي البلدان وأدانيها ليأخذوا عن الثقات سنن رسول الله ﷺ بل هم المجتهدون أن يصيروا نقاد الآثار وجهابذة الأخبار فيعرفوا الموقوف منها والمرفوع والمسند والمرسل ... وأن يصونوا صناعتهم صيانة لو رام أحد أن يفتعل حديثا مزورا أو يغير إسنادا أو يحرف متنا أو يروج فيها ما روج في الأخبار الأدبية كالفتوح والسير والأسمار والوقائع للحقه من جماعتهم أعنف النكير. وإذا كان هذا سعيهم وعليه مدار أمرهم فمن الواجب أن نعتقد لهم فيما أكدوا من العناية أعظم الحق وأوفر الشكر وأتم الإحماد وأبلغ التقريظ " (١).

стр. 727

بل إن أهل الحديث، كما يقول ابن القيم "من أعظم الناس صدقا وأمانة وديانة وأوفرهم عقولا وأشدهم تحفظا وتحريا للصدق ومجانبة للكذب وإن أحدا منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه ولا شيخه ولا صديقه وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله ﷺ تحريرا لم يبلغه أحد سواهم لا من الناقلين عن الأنبياء ولا من غير الأنبياء وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء وأخبر برضاه عنهم واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة ومن تأمل ذلك أفاده علما ضروريا بما ينقلونه عن نبيهم أعظم من كل علم ينقله كل طائفة عن صاحبه وهذا أمر وجداني عندهم لا يمكنهم جحده بل هو بمنزلة ما تحسونه من الألم واللذة والحب والبغض حتى أنهم يشهدون بذلك ويحلفون عليه ويباهلون من خالفهم عليه. وقول هؤلاء القادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين بمنزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاء به شيطان كاذب وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق أهل الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك وجدت الدين لأهل الحديث والكلام للمعتزلة والكذب للرافضة والحيل لأهل الرأي ... وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله ﷺ قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة وعلمهم بذلك ضروريا لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث أن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولا ... " (١).ومما يدل لحجية الآحاد مطلقا أن النبي ﷺ حين سئل عن الفرقة الناجية قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) (٢) فلا بد من معرفة ما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة لمن أراد أن يكون من الفرقة الناجية وهذا لا يمكن إلا من طريق معرفة الأحاديث والآثار وأهل الحديث هم فرسان هذا الميدان وأبطاله وقد أبى الله تعالى كما يقول أبو المظفر السمعاني " أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفا عن سلف وقرنا عن قرن إلى أن انتهوا إلى التابعين وأخذه التابعون عن أصحاب رسول الله ﷺ وأخذه أصحاب رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ ولا طريق لمعرفة ما دعا إليه رسول الله ﷺ الناس من الدين المستقيم والصراط القويم إلا من هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث " (٣).ومما يدل أيضا على أن أحاديث الآحاد توجب العلم كما أنها توجب العمل عمل النبي ﷺ حيث اقتصر بخبر الواحد في إيجاب العلم فقد كان يبعث الآحاد من الصحابة إلى الملوك والرؤساء والأقطار يدعونهم إلى الإسلام وهذا مما لا بد فيه من العلم بمعنى الاعتقاد الجازم الذي لا يبقى معه شك ولا شبهة (٤).وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في (الرسالة) جملة الأحاديث والآثار التي دلت على ذلك (٥)،

стр. 728

فعلى هذا فإن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم يفضي إلى الطعن في عمل النبي ﷺ وأصحابه وهو أيضا خرق إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام وموافقة للجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج (١) نعوذ بالله من هذا القول الشنيع والعمل القبيح المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٧٧ - ١٨٥ أما أخبار الآحاد: وهو النوع الثاني من النصوص - فموقفهم منها مركب من مقدمات ثلاث: الأولى: أنها ظنية لا تفيد اليقين (٢).الثانية: أنها لا تثبت بها العقيدة (٣).قال التفتازاني فيلسوف الماتريدية، والفنجفيرية وغيرهم من الماتريدية واللفظ للأول: "إن خبر الواحد على تقدير اشتماله على جميع الشرائط المذكورة في أصول الفقه لا يفيد إلا الظن، ولا عبرة بالظن في باب الاعتقاديات ... " (٤).وقال الملا علي القاري (١٠١٤هـ): "فإن الآحاد لا تفيد الاعتماد في الاعتقاد" (٥) قلت: وارتكبت هذه الطامة الفنجفيرية أيضاً (٦). الثالثة: أنها إن وردت في مخالفة العقل، فإن كانت نصاً لا تحتمل التأويل ردت وإن كانت ظاهرة فظاهرها غير مراد. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٥٤٤، ٥٤٥

стр. 729

المبحث الثالث: القول بالمجاز ذهبت الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية إلى القول بأن المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث، قال ابن الهمام: " المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث ... " (١). وقد نص على هذا غير واحد من أئمتهم وعلمائهم وهو أصل منهجي يعتمدون عليه في تقرير العقيدة وأصول الفقه (٢). فهم يقسمون الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز ويقصدون بالحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له وبالمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له فالمجاز عندهم هو قسيم الحقيقة أي بمعنى الشيء المقابل للحقيقة والمجاز بهذا الاصطلاح كان له دور كبير في عقيدة الماتريدية ومن قبلها المعتزلة حيث اعتمدوا عليه في تأويلهم للنصوص والذي دفعهم لهذا هو اعتقادهم بأن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يستلزم التجسيم والتشبيه لذلك نجدهم يستدلون على قولهم بالمجاز بقوله تعالى: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٥] ونحوها من الآيات ويقولون بأن الاستهزاء حقيقة لا يتصور منه تعالى فهو مجاز عن الجزاء المشابه له. قال البياضي في (إشارات المرام): " لما لم يكن حمل تلك النصوص على معانيها الحقيقية من الجوارح الجسمانية والتحيز والانفعالات النفسانية لمنع البراهين القطعية ولم يجز إبطال الأصل لعدم درك حقيقة الوصف بلا كيفية تحمل على المجاز من الصفات بلا كيفية .... " (٣).وقال أيضا: " وإنما قالوا بالمجاز نفيا لوهم التجسيم والتشبيه ... " (٤).

стр. 730

والقول بالمجاز على اصطلاحهم قول مبتدع محدث لا أصل له فأئمة اللغة المتقدمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء لم يتكلموا فيه ولا يوجد فيما وصل إلينا من كتبهم وكلامهم أدنى إشارة إلى هذا الاصطلاح أو حتى إلى تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز. كما لا يوجد هذا التقسيم عند أئمة الفقهاء والأصوليين فالشافعي ﵀ أول من تكلم في علم الأصول وقد وصل إلينا أهم كتبه في هذا العلم وهو (الرسالة) ولا يوجد في كتابه هذا أدنى إشارة إلى هذا التقسيم لا من قريب ولا من بعيد وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الجامع الكبير لم يتكلم فيه بلفظ الحقيقة والمجاز كما أنه لم ينقل هذا التقسيم عن أي واحد من الأئمة كمالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وغيرهم (١).وأما قول الإمام أحمد ﵀ في كتابه (الرد على الجهمية): "أما قوله تعالى: إِنَّا مَعَكْمْ فهذا في مجاز اللغة ... " (٢). فإنه لم يقصد به المجاز الذي هو قسيم الحقيقة إنما قصد به أنه مما يجوز في اللغة والدليل على هذا قوله ﵀ بعد كلامه هذا: " وأما قوله: قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:٤٦] فهو جائز في اللغة يقول الرجل الواحد للرجل سأجري عليك رزقك أو سأفعل بك خيرا" (٣). فمن يقول إن الإمام أحمد قال بالمجاز وبالتأويل بناء على ذلك فقد أخطأ ونسب إلى الإمام ما لم يقله والمطلع على مذهب الإمام أحمد وأصحابه المتقدمين يعرف خطأ من يقول بهذا (٤). وما ذكره أبو عبيد في كتابه (مجاز القرآن) كذلك لم يقصد به المجاز الذي اصطلح عليه المتكلمون بل الذي قصده هو ما يجوز أن يعبر به عن الآية في اللغة فهو يستخدم المجاز بمعنى التفسير فهو يقول في قوله ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:٤٦] مجازه يعرضون وهكذا فكتابه إذا ما هو إلا تفسير لغريب القرآن.

стр. 731

وعلى هذا فمن قال بأن الأئمة أو أهل اللغة المتقدمين قد نصوا على أن اللفظ ينقسم إلى حقيقة ومجاز قد افترى عليهم وتكلم بغير علم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من قال من الأصوليين ... إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز فقد تكلم بلا علم فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها ... " (١).فالقول بالمجاز الذي هو قسيم الحقيقة قول محدث وقد حدث بعد القرون المفضلة وكان منشؤه من جهة المعتزلة كما نص على هذا شيخ الإسلام وتلميذه الإمام ابن القيم قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق: "وإنما هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين ... " (٢).وقال ابن القيم: " وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين .... " (٣).ولعل أول من عرف عنه القول بالمجاز هو الجاحظ كما يشير إلى ذلك الشريف الرضى في كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) (٤) كما نجد الجاحظ يستخدم المجاز بمعنى الشيء المقابل للحقيقة في عدة مواضع من كتابه (الحيوان) بل إن ابن جني يرى أن أكثر اللغة مجاز وهذا في غاية الفساد ومما يبين عدم صحة القول بالمجاز أصل وضع اللغة فالعرب كما يقول الإمام الشاطبي: " إنما عنايتها بالمعاني وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد والمعنى هو المقصود ولا أيضا كل المعاني فإن المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوما دونه ... ولهذا أصل في الشريعة صحيح نبه عليه قوله تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي لم يكن تكلفا بل هو مضطر إليه ... فإذا كان الأمر هكذا فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب لأنه المقصود والمراد وعليه يبنى الخطاب ابتداء " (٥). والقول بالمجاز يصح كما يقول شيخ الإسلام " لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال وهذا إنما يصح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية فيدعي أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا ويجعل هذا عاما في جميع اللغات وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبي هاشم الجبائي ... والمقصود هنا أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة ثم استعملوها بعد الوضع وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني ... فالمولود إذا ظهر منه التمييز سمع أبويه أو من يربيه ينطق باللفظ ويشير إلى المعنى أي أراد المتكلم به ذلك المعنى ثم هذا يسمع لفظا بعد لفظ حتى يعرف لغة القوم الذين نشأ بينهم من غير أن يكونوا قد اصطلحوا معه على وضع متقدم ... " (٦).

стр. 732

ومما يدل على فساد القول بالمجاز قول القائلين به " أن كل مجاز يجوز نفيه ويكون نافيه صادقا في نفس الأمر فتقول لمن قال رأيت أسدا يرمي ليس هو بأسد وإنما هو رجل شجاع فيلزم على القول بأن في القرآن مجازا أن في القرآن ما يجوز نفيه. ولا شك أنه لا يجوز نفي شيء من القرآن وهذا اللزوم اليقيني الواقع بين القول بالمجاز في القرآن وبين جواز نفي بعض القرآن قد شوهدت في الخارج صحته وأنه كان ذريعة إلى نفي كثير من صفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن العظيم. وعن طريق القول بالمجاز توصل المعطلون لنفي ذلك فقالوا لا يد ولا استواء ولا نزول ونحو ذلك في كثير من آيات الصفات لأن هذه الصفات لم ترد حقائقها بل هي عندهم مجازات فاليد مستعملة عندهم في النعمة أو القدرة والاستواء في الاستيلاء والنزول نزول أمره ونحو ذلك فنفوا هذه الصفات الثابتة بالوحي عن طريق القول بالمجاز" (١). وأما زعمهم أن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يستلزم التجسيم والتشبيه فلا ريب في بطلانه إذ إنه من المعلوم لكل مسلم أن " كل ما أخبر به الله يستحيل أن يلزم عليه باطل ... ولا يخفى على أحد أن الذي يقول إن الاستواء على العرش يلزمه مشابهة الحوادث أن إلزامه هذا اعتراض صريح على من أخبر بالاستواء وهو الله . فليعلم مدعي لزوم الباطل لظاهر آيات الصفات أن اعتراضه على ربه ومن ظن أن ظواهر آيات الصفات دالة على اتصافه تعالى بصفات تشبه صفات الخلق فهو جاهل مفتر بل ظاهرها اتصافه بتلك الصفات المنزهة عن مشابهة صفات الحوادث. ومن أوضح الأدلة على أن آيات الصفات لم يرد بها شيء من المعاني التي يحملها عليه المتأولون أنها لو كان يراد بها ذلك لبادر النبي ﷺ إلى بيانه لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة إليه كما تقرر في الأصول ولا سيما في العقائد" (٢).ورحم الله الإمام ابن حزم إذ يقول: " كيف يظن به ﵇ أن يخبر عن ربه خبرا يكلفنا فهمه وهو بخلاف ما يفهم ويعقل ويشاهد ويحس ما ينسب هذا إليه ﷺ إلا ملحد في الدين كائد" (٣). فالقول بالمجاز على اصطلاح هؤلاء في القرآن أو الحديث أو اللغة قول مبتدع محدث لا أصل له لا في اللغة ولا في الشرع والقوم قالوا به ليتخذوه مطية لتعطيل النصوص عما دلت عليه من المعاني. والذين يقولون من أهل السنة بجواز وقوع المجاز في القرآن أو الحديث أو اللغة من الأصوليين واللغويين وغيرهم لم يدركوا حقيقة المسألة وأصل نشأتها وبعدها العقدي وهم في قولهم هذا مخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة موافقون لمنهج المتكلمة من المعتزلة وغيرهم. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٥٥ - ١٦١

стр. 733

المبحث الرابع: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع ذهبت الماتريدية إلى أن معرفة الله تجب بالعقل قبل ورود السمع وأن الإنسان يتحمل مسؤولية هذه المعرفة قبل بعثة الأنبياء والرسل ولا يكون معذورا بتركها بل يعاقب على تركه لها وقد صرح بذلك غير واحد من علمائهم صرح به الماتريدي في تفسيره لقوله تعالى لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] حيث ذكر أن حقيقة الحجة إنما هي في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها الرسل أما معرفة الله فإن سبيل لزومها العقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة (١).وذكر غير واحد من الماتريدية أن الماتريدي أوجب معرفة الله تعالى بالعقل على الصبي العاقل (٢). وقال أبو المعين النسفي: " من لم يبلغه الوحي وهو عاقل ولم يعرف ربه هل يكون معذورا أم لا؟ عندنا لا يكون معذورا ويجب عليه أن يستدل بأن للعالم صانعا ... " (٣). وقال الأوشي في منظومته: وما عذر لذي عقل بجهل ... بخلاق الأسافل والأعالي (٤) وقال صاحب (نظم الفرائد): "ذهب جمهور مشايخ الحنفية إلى أنه تعالى لو لم يبعث إلى الناس رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته واتصافه بما يليق .... " (٥).

стр. 734

والحق والصواب في هذه المسألة أن وجوب معرفة الله تعالى ثابت بالعقل والسمع " والقرآن على هذا يدل فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:٢٩] وقوله: ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل:٧٥] وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:٧٣ - ٧٤] إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها. ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء:١٥] وقوله: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك:٨ - ٩] وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:٥٩] وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر" (١).فمعرفة الله تعالى إذا واجبة بالعقل والسمع " فالعقل يوجبه بمعنى اقتضائه لفعله وذمه على تركه وتقبيحه لضده والسمع يوجبه بهذا المعنى ويزيد إثبات العقاب على تركه والإخبار عن مقت الرب تعالى لتاركه وبغضه له" (٢). فثبوت الحجة إذا وترتب العقاب على ذلك لا يكون إلا بعد ورود السمع وهذا هو الذي قد دل عليه الكتاب والعقل الصحيح، كما تقدم بيانه. فظهر بهذا أن قول الماتريدية وهو قول المعتزلة من قبل أن معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع وأن العبد يعاقب على تركها قول باطل ظاهر البطلان لمعارضته نص الكتاب وصريح العقل. وحقيقة قول الماتريدية هذا أن إرسال الرسل وعدم إرسالهم سواء. وهذا قول تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:٩٠] ولا يقول له من في قلبه ذرة إيمان فكيف ترضى الماتريدية بذلك. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٤٧ - ١٥٠

стр. 735

المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين ومن القواعد والأسس المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة القول بالتحسين والتقبيح العقليين فقد ذهبت الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها فقد ذهبت الماتريديةإلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها كما قالت المعتزلة من قبل إلا أنهم خالفوهم في المسائل المبنية على القول بالتحسين والتقبيح العقليين كالقول بوجوب الصلاح والأصلح ونحو ذلك. واختلفت الماتريدية فيما بينها في الجزم بحكم الله في الفعل بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح فيه فجمهور الماتريدية وعلى رأسهم الماتريدي يذهبون إلى أن حكم الله يجزم به في بعض الأفعال دون بعض قبل ورود السمع كالإلهيات والنبوات وأما السمعيات والشرائع فلا تدرك إلا بالسمع. وأما أئمة بخارى فذهبوا إلى أن العقل لا يقضي بما أدركه من حسن الفعل وقبحه بحكم الله تعالى فيه إلا بعد ورود الشرع. قال ابن الهمام: " قالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة ثم اتفقوا على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الأصلح ... ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في إيلام الأطفال والبهائم ... واختلفوا هل يعلم باعتبار العلم بثبوتهما في فعل حكم الله في ذلك الفعل تكليفا، فقال الأستاذ أبو منصور وعامة مشايخ سمرقند نعم وجوب الإيمان بالله وتعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه وتصديق النبي ﵇ وهو معنى شكر المنعم ... وقال أئمة بخارى منهم لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة ... إذ لا يمتنع أن لا يأمر الباري بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنا ولا ينهى سبحانه عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحا والحاصل أن لا يمتنع عدم التكليف عقلا إذ لا يحتاج سبحانه إلى الطاعة ... ولا يتضرر بالمعصية ... " (١). وقول الماتريدية بالتحسين والتقبيح العقليين راجع إلى أن العقل عندهم هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع وكان مقدما عليه عند التعارض فيتفقون في هذا مع المعتزلة ويقابلهم الأشاعرة فإنهم ينفون الحسن والقبح العقليين ويجعلون حسن الأشياء وقبحها راجعا إلى الشرع لا إلى صفات قائمة بالأعيان والأفعال فهذان المذهبان على طرفي نقيض والحق وسط بينهما. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٥١، ١٥٢ وخلاصة القول أن الماتريدية يوافقون المعتزلة في إثبات الحسن والقبح الذاتيين للأفعال وأن العقل يدرك الحسن والقبح في بعض الأفعال فيدرك القبح المناسب لترتب حكم الله تعالى بالمنع من الفعل على وجه ينتهض معه الإتيان بذلك الفعل سببا للعقاب ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب على فعله والعقاب على تركه. إلا أن أئمة بخارى- وإن أثبتوا الحسن والقبح العقليين- متفقون مع الأشاعرة في أنه لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة.

стр. 736

كما أن جميع الماتريدية يخالفون المعتزلة في وجوب الصلاح واللطف وغيرها من الأمور التي أوجبها المعتزلة على الله تفريعا على قولهم بالحسن والقبح العقليين. المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع هادي المدخلي- ص ٩٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الناس في مسألة التحسين والتقبيح على ثلاثة أقوال طرفان ووسط: الطرف الأول: قول من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف. وأما الطرف الآخر في مسألة التحسين والتقبيح فهو قول من يقول إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر ... وهذا القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح" ثم قال: "وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح فإنهم قالوا إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:٥٩] والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم. النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى لما بعث إليهم من سألهم الصدقة فلما أجاب الأعمى "قال الملك: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم فرضي عنك وسخط على صاحبيك" (١).فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب " (٢). فإطلاق القول في مسألة التحسين والتقبيح بأنهما عقليان أو شرعيان غير صحيح والحق والصواب في المسألة هو التفصيل كما بينه ووضحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه المتقدم. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٥٢ - ١٥٤

стр. 737

المبحث السادس: التأويل والتفويض وبعد أن عرفنا أن مصدر تلقى العقيدة عند الماتريدية في العقليات هو العقل فالعقل حاكم وأصل، والنقل تبع له وفرع له؛ فإذا ورد النقل على خلاف العقل لابد من أن يرد أو يحرف بتأويله وصرفه عن ظاهره، وأما في السمعيات فمصدر تلقي العقيدة عندهم هو النقل. ولما قسموا هذه القسمة الضيزي، وأصلوا هذا الأصل الفاسد، بنوا عليه موقفهم الفاسد من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة الواردة في صفات الله تعالى، بنوعيها من المتواترات، وأخبار الآحاد. أما المتواترات: كنصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة - فحكموا عليها بأنها وإن كانت قطعية الثبوت، ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية، وظواهر ظنية لا تفيد اليقين، وأنها تخالف البراهين القطعية العقلية، وأن الأدلة العقلية براهين قطعية، وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية، لأنها الأصل (١).وأن الأدلة السمعية إما أن يفوض فيها، وإما أن تؤول (٢)، وأما البراهين العقلية فتأويلها محال" (٣). وقد ساق التفتازاني فيلسوف الماتريدية عدة آيات الصفات ثم ذكر قانوناً كلياً في الجواب عن تلك الآيات فقال:"والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيتها جرياً على الطريق الأسلم ... ، أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح الأحاديث، سلوكاً للطريق الأحكم - يعني طريقة المتكلمين على زعمه الفاسد -" (٤).وقال الجرجاني: " ... ولا يجوز التعويل في إثباته - أي الاستواء- على الظاهر من الآيات والأحاديث مع قيام الاحتمال المذكور، هو أن المراد به الاستيلاء ... " (٥). وقال: "والحق أنها أي الدلائل النقلية قد تفيد اليقين في الشرعيات، نعم في إفادتها في العقليات نظر".ثم قال: (فلا جرم كانت إفادتها في العقليات محل نظر وتأمل) (٦). ثم قال: "وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية". ولقد ساق الزبيدي نصوص صفتي الاستواء والنزول، وسماها "ظواهر"، ثم ذكر قانوناً كلياً معروفاً عند الماتريدية وزملائهم الأشعرية في الجواب عن نصوص الصفات فقال: "وأجيب عنه بجواب إجمالي هو كالمقدمة للأجوبة التفصيلية:

стр. 738

وهو أن الشرع إنما ثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل، معاً. إذا تقرر هذا، فنقول: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسماً، أو صفة لها، وهو مخالف للعقل، ويسمى المتشابه، لا يخلو إما أن يتواتر، أو ينقل آحاداً، والآحاد إن كان نصاً لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه، وإن كان ظاهراً فظاهره، غير مراد، وإن كان متواتراً فلا يتصور أن يكون نصاً لا يحتمل التأويل، بل لابد وأن يكون ظاهراً، وحينئذ الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مراداً منه" (١). وهكذا موقفهم من نصوص أخرى في صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتوبتهم عنها، فهي أيضاً إما أن تُرد وإما أن تحرف فيذكرون قانونهم الكلي قائلين:" ... فما نقل عن الأنبياء ﵈ مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعثة" (٢).قلت: هذا الذي ذكرنا من موقفهم من المتواترات، وأن العقل أصل والنقل فرع فلابد من صرف النقل عن ظاهره، ولا يجوز التمسك بظاهره، هو بعينه موقف الجهمية الأولى والمعتزلة (٣)، بل القرامطة الباطنية من نصوص الشرع. وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية (٤)، ولذلك نرى تأويلات الماتريدية عين تأويلات الجهمية الأولى والمعتزلة (٥). وللماتريدية وزملائهم الأشعرية موقف آخر أضرّ من الأول مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف الباطني القرمطي (٤٢٨هـ) وهو أن نصوص الصفات في الكتب السماوية والأحاديث النبوية ليست جادة في بيان الاعتقاد ولا القصد منها اعتقاد ما تدل عليه من صفات الله تعالى بل القصد منها استدراج العوام المشبهة لأن ذلك أنسب لدعوتهم إلى التنزيه لئلا يتبادروا إلى الإنكار والعناد. وهذا من الأدلة الواضحة على أن مادة الماتريدية هذه مأخوذة عن الجهمية الأولى بل عن القرامطة الباطنية ابن سينا من الملاحدة والزنادقة. هذا هو بيان موقفهم من النصوص المتواترات. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٥٤٠ - ٥٤٤ فالتأويل والتفويض إذا هما أصل من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهمونه ويتصورونه هم من النصوص قال في (التأويلات): "إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى" (٦).

стр. 739

كما أن أبا المعين النسفي قد صرح بهذا في (التبصرة) و (التمهيد). قال في (التبصرة): " إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه وكون الباري جسما متبعضا متجزيا كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر والحجج المعقولة ... غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها ... إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة وهي كلها حجج الله تعالى ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل ... والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه ... فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالا ممتنعا" (١).وقال في موضع آخر: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل يوجب تناقضا فاحشا في كتاب الله تعالى ... فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث فيه ... " (٢).والماتريدية كغيرهم من المتأولة لا يوجد لديهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فالماتريدي يؤول بعض النصوص ويجزم بتأويله إياها أي أنه يقطع بأن تأويله هو المعنى المراد من اللفظ كتأويله قوله تعالى: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٥] وقوله: يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:١٤٢] وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ [آل عمران:٥٤] كما أنه يؤول كثيرا من النصوص ولا يجزم ولا يقطع بتأويله لها كما في تأويله لصفة الاستواء والوجه والعينين واليدين ونحوهما من الصفات ويلجأ إلى التفويض في نصوص أخرى كتفويضه لصفة المجيء (٣). والماتريدية بعد الماتريدي اختلفوا فمنهم من رجح التأويل ومنهم من رجح التفويض ومنهم من أجاز الأمرين ومنهم من أجاز التأويل للحاجة. فأبو القاسم الحكيم السمرقندي يرى التفويض مطلقا فهو يقول بعد ذكره لبعض النصوص الخبرية: " فينبغي له - أي للعبد - أن يعتقد ويؤمن بها ولا يفسرها لأن تفسيرها يدخل في مذهب التعطيل ... وإذا رأيت آية المتشابه فدع ذلك إلى الله تعالى ولا تفسره حتى تنجو لأنه ليس فرضا عليك أن تعرف تفسيره بل الفرض عليك أن تؤمن به " (٤). وذهب أبو المعين النسفي إلى جواز كل من التأويل والتفويض كما أنه ذكر اختلاف مشايخ الماتريدية في ذلك وكذا البياضي وغيره.

стр. 740

قال أبو المعين: " اختلف مشايخنا ﵏ منهم من قال في هذه الآيات - أي آيات الصفات الخبرية - إنها متشابهة نعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها ... ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله تعالى بها حق ... ومنهم من اشتغل ببيان احتمال الآيات معاني مختلفة سوى ظاهرها ويقولون نعلم أن المراد بعض ما يحتمل بها الألفاظ من المعاني التي لا تكون منافية للتوحيد والقدم ولا يقطعون على مراد الله تعالى لانعدام دليل يوجب القطع على المراد وتعيين بعض المعاني ... " (١).ثم قال: " فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث ... " (٢).وقال في التمهيد بعد ذكره لآيات الصفات: " فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ... وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" (٣). وذهب الناصري إلى القول بالتفويض ونسب القول به إلى مشايخ الماتريدية بإطلاق وبدون تفصيل. قال: ومن أراد أن يعرف الحق فعليه التمسك بالأدلة الموجبة للعلم قطعا ... وما اشتبه عليه من متشابهات الكتاب والخبر المتواتر فيؤمن بمراد الله تعالى ومراد رسوله منها وينفي عن الله مشابهة الخلق عملا بالنص المحكم وهو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]. ويصفه بما وصف نفسه في سورة التوحيد والإخلاص ويعتقد أن الله قديم حكيم لم ينزل كتابه متناقضا ولا بعث رسوله بدين متناقض .... " (٤).وقال أيضا: "والمذهب عند أصحابنا ﵏ أن كل ما ثبت بالكتاب والسنة الواضحة ولا يتعلق به العمل فإنه لا يجب الاشتغال بتأويله بل يجب الاعتقاد بثبوته وحقية المراد بذكره ووروده " (٥).ويرى ابن الهمام التأويل فيما دعت الحاجة إليه وذلك إذا خيف على العوام أن يقع خلل في فهمهم فهو يقول مثلا في الاستواء: "أنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة بل بمعنى يليق به هو سبحانه أعلم به وحاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء .... " (٦).وأما ابن قطلوبغا فيرى أن التفويض أليق بالعوام والتأويل أليق بأهل النظر والاستدلال قال في حاشيته على (المسايرة): "فاللائق بالعوام سلوك طريق التسليم واللائق بأهل النظر طريق التأويل لدفع تمسكات المبتدعة " (٧).
следующие страницы →