← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 32150

موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 723 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كما أن جميع الماتريدية يخالفون المعتزلة في وجوب الصلاح واللطف وغيرها من الأمور التي أوجبها المعتزلة على الله تفريعا على قولهم بالحسن والقبح العقليين. المصدر: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى لمحمد ربيع هادي المدخلي- ص ٩٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الناس في مسألة التحسين والتقبيح على ثلاثة أقوال طرفان ووسط: الطرف الأول: قول من يقول بالحسن والقبح ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعل الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة وهو ضعيف. وأما الطرف الآخر في مسألة التحسين والتقبيح فهو قول من يقول إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر لمحض لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر ... وهذا القول ولوازمه هو أيضا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح" ثم قال: "وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فسادهم فهذا النوع هو حسن وقبيح وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح فإنهم قالوا إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا وهذا خلاف النص قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:٥٩] والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا الرسالة كثيرة ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم. النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا وإذا نهى عن شيء صار قبيحا واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه ولا يكون المراد فعل المأمور به كما أمر إبراهيم بذبح ابنه فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى لما بعث إليهم من سألهم الصدقة فلما أجاب الأعمى "قال الملك: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم فرضي عنك وسخط على صاحبيك" (١).فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب " (٢). فإطلاق القول في مسألة التحسين والتقبيح بأنهما عقليان أو شرعيان غير صحيح والحق والصواب في المسألة هو التفصيل كما بينه ووضحه شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه المتقدم. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٥٢ - ١٥٤

стр. 737

المبحث السادس: التأويل والتفويض وبعد أن عرفنا أن مصدر تلقى العقيدة عند الماتريدية في العقليات هو العقل فالعقل حاكم وأصل، والنقل تبع له وفرع له؛ فإذا ورد النقل على خلاف العقل لابد من أن يرد أو يحرف بتأويله وصرفه عن ظاهره، وأما في السمعيات فمصدر تلقي العقيدة عندهم هو النقل. ولما قسموا هذه القسمة الضيزي، وأصلوا هذا الأصل الفاسد، بنوا عليه موقفهم الفاسد من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المحكمة الصريحة الواردة في صفات الله تعالى، بنوعيها من المتواترات، وأخبار الآحاد. أما المتواترات: كنصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة - فحكموا عليها بأنها وإن كانت قطعية الثبوت، ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية، وظواهر ظنية لا تفيد اليقين، وأنها تخالف البراهين القطعية العقلية، وأن الأدلة العقلية براهين قطعية، وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية، لأنها الأصل (١).وأن الأدلة السمعية إما أن يفوض فيها، وإما أن تؤول (٢)، وأما البراهين العقلية فتأويلها محال" (٣). وقد ساق التفتازاني فيلسوف الماتريدية عدة آيات الصفات ثم ذكر قانوناً كلياً في الجواب عن تلك الآيات فقال:"والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيتها جرياً على الطريق الأسلم ... ، أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح الأحاديث، سلوكاً للطريق الأحكم - يعني طريقة المتكلمين على زعمه الفاسد -" (٤).وقال الجرجاني: " ... ولا يجوز التعويل في إثباته - أي الاستواء- على الظاهر من الآيات والأحاديث مع قيام الاحتمال المذكور، هو أن المراد به الاستيلاء ... " (٥). وقال: "والحق أنها أي الدلائل النقلية قد تفيد اليقين في الشرعيات، نعم في إفادتها في العقليات نظر".ثم قال: (فلا جرم كانت إفادتها في العقليات محل نظر وتأمل) (٦). ثم قال: "وقد جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية". ولقد ساق الزبيدي نصوص صفتي الاستواء والنزول، وسماها "ظواهر"، ثم ذكر قانوناً كلياً معروفاً عند الماتريدية وزملائهم الأشعرية في الجواب عن نصوص الصفات فقال: "وأجيب عنه بجواب إجمالي هو كالمقدمة للأجوبة التفصيلية:

стр. 738

وهو أن الشرع إنما ثبت هذه الدلالة بالعقل، فلو أتى الشرع بما يكذبه العقل وهو شاهده لبطل الشرع والعقل، معاً. إذا تقرر هذا، فنقول: كل لفظ يرد في الشرع مما يستند إلى الذات المقدسة بأن يطلق اسماً، أو صفة لها، وهو مخالف للعقل، ويسمى المتشابه، لا يخلو إما أن يتواتر، أو ينقل آحاداً، والآحاد إن كان نصاً لا يحتمل التأويل قطعنا بافتراء ناقله، أو سهوه، أو غلطه، وإن كان ظاهراً فظاهره، غير مراد، وإن كان متواتراً فلا يتصور أن يكون نصاً لا يحتمل التأويل، بل لابد وأن يكون ظاهراً، وحينئذ الاحتمال الذي ينفيه العقل ليس مراداً منه" (١). وهكذا موقفهم من نصوص أخرى في صدور الصغائر عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتوبتهم عنها، فهي أيضاً إما أن تُرد وإما أن تحرف فيذكرون قانونهم الكلي قائلين:" ... فما نقل عن الأنبياء ﵈ مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود، وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن، وإلا فمحمول على ترك الأولى، أو كونه قبل البعثة" (٢).قلت: هذا الذي ذكرنا من موقفهم من المتواترات، وأن العقل أصل والنقل فرع فلابد من صرف النقل عن ظاهره، ولا يجوز التمسك بظاهره، هو بعينه موقف الجهمية الأولى والمعتزلة (٣)، بل القرامطة الباطنية من نصوص الشرع. وهذه حقيقة اعترف بها الماتريدية (٤)، ولذلك نرى تأويلات الماتريدية عين تأويلات الجهمية الأولى والمعتزلة (٥). وللماتريدية وزملائهم الأشعرية موقف آخر أضرّ من الأول مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف الباطني القرمطي (٤٢٨هـ) وهو أن نصوص الصفات في الكتب السماوية والأحاديث النبوية ليست جادة في بيان الاعتقاد ولا القصد منها اعتقاد ما تدل عليه من صفات الله تعالى بل القصد منها استدراج العوام المشبهة لأن ذلك أنسب لدعوتهم إلى التنزيه لئلا يتبادروا إلى الإنكار والعناد. وهذا من الأدلة الواضحة على أن مادة الماتريدية هذه مأخوذة عن الجهمية الأولى بل عن القرامطة الباطنية ابن سينا من الملاحدة والزنادقة. هذا هو بيان موقفهم من النصوص المتواترات. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني ١/ ٥٤٠ - ٥٤٤ فالتأويل والتفويض إذا هما أصل من الأصول المنهجية التي يقوم عليها منهج الماتريدية في تقرير العقيدة وقد صرح الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي يفهمونه ويتصورونه هم من النصوص قال في (التأويلات): "إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى" (٦).

стр. 739

كما أن أبا المعين النسفي قد صرح بهذا في (التبصرة) و (التمهيد). قال في (التبصرة): " إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه وكون الباري جسما متبعضا متجزيا كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر والحجج المعقولة ... غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها ... إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة وهي كلها حجج الله تعالى ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل ... والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه ... فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالا ممتنعا" (١).وقال في موضع آخر: "إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل يوجب تناقضا فاحشا في كتاب الله تعالى ... فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث فيه ... " (٢).والماتريدية كغيرهم من المتأولة لا يوجد لديهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فالماتريدي يؤول بعض النصوص ويجزم بتأويله إياها أي أنه يقطع بأن تأويله هو المعنى المراد من اللفظ كتأويله قوله تعالى: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٥] وقوله: يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:١٤٢] وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ [آل عمران:٥٤] كما أنه يؤول كثيرا من النصوص ولا يجزم ولا يقطع بتأويله لها كما في تأويله لصفة الاستواء والوجه والعينين واليدين ونحوهما من الصفات ويلجأ إلى التفويض في نصوص أخرى كتفويضه لصفة المجيء (٣). والماتريدية بعد الماتريدي اختلفوا فمنهم من رجح التأويل ومنهم من رجح التفويض ومنهم من أجاز الأمرين ومنهم من أجاز التأويل للحاجة. فأبو القاسم الحكيم السمرقندي يرى التفويض مطلقا فهو يقول بعد ذكره لبعض النصوص الخبرية: " فينبغي له - أي للعبد - أن يعتقد ويؤمن بها ولا يفسرها لأن تفسيرها يدخل في مذهب التعطيل ... وإذا رأيت آية المتشابه فدع ذلك إلى الله تعالى ولا تفسره حتى تنجو لأنه ليس فرضا عليك أن تعرف تفسيره بل الفرض عليك أن تؤمن به " (٤). وذهب أبو المعين النسفي إلى جواز كل من التأويل والتفويض كما أنه ذكر اختلاف مشايخ الماتريدية في ذلك وكذا البياضي وغيره.

стр. 740

قال أبو المعين: " اختلف مشايخنا ﵏ منهم من قال في هذه الآيات - أي آيات الصفات الخبرية - إنها متشابهة نعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها ... ولا نشتغل بتأويلها ونعتقد أن ما أراد الله تعالى بها حق ... ومنهم من اشتغل ببيان احتمال الآيات معاني مختلفة سوى ظاهرها ويقولون نعلم أن المراد بعض ما يحتمل بها الألفاظ من المعاني التي لا تكون منافية للتوحيد والقدم ولا يقطعون على مراد الله تعالى لانعدام دليل يوجب القطع على المراد وتعيين بعض المعاني ... " (١).ثم قال: " فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث ... " (٢).وقال في التمهيد بعد ذكره لآيات الصفات: " فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها ... وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" (٣). وذهب الناصري إلى القول بالتفويض ونسب القول به إلى مشايخ الماتريدية بإطلاق وبدون تفصيل. قال: ومن أراد أن يعرف الحق فعليه التمسك بالأدلة الموجبة للعلم قطعا ... وما اشتبه عليه من متشابهات الكتاب والخبر المتواتر فيؤمن بمراد الله تعالى ومراد رسوله منها وينفي عن الله مشابهة الخلق عملا بالنص المحكم وهو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]. ويصفه بما وصف نفسه في سورة التوحيد والإخلاص ويعتقد أن الله قديم حكيم لم ينزل كتابه متناقضا ولا بعث رسوله بدين متناقض .... " (٤).وقال أيضا: "والمذهب عند أصحابنا ﵏ أن كل ما ثبت بالكتاب والسنة الواضحة ولا يتعلق به العمل فإنه لا يجب الاشتغال بتأويله بل يجب الاعتقاد بثبوته وحقية المراد بذكره ووروده " (٥).ويرى ابن الهمام التأويل فيما دعت الحاجة إليه وذلك إذا خيف على العوام أن يقع خلل في فهمهم فهو يقول مثلا في الاستواء: "أنه تعالى استوى على العرش مع الحكم بأنه ليس كاستواء الأجسام على الأجسام من التمكن والمماسة والمحاذاة بل بمعنى يليق به هو سبحانه أعلم به وحاصله وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه فأما كون المراد أنه استيلاؤه على العرش فأمر جائز الإرادة إذ لا دليل على إرادته عينا فالواجب عينا ما ذكرنا وإذا خيف على العامة عدم فهم الاستواء إذا لم يكن بمعنى الاستيلاء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية وأن لا ينفوه فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستيلاء .... " (٦).وأما ابن قطلوبغا فيرى أن التفويض أليق بالعوام والتأويل أليق بأهل النظر والاستدلال قال في حاشيته على (المسايرة): "فاللائق بالعوام سلوك طريق التسليم واللائق بأهل النظر طريق التأويل لدفع تمسكات المبتدعة " (٧).

стр. 741

فالماتريدية إذا ليس لهم قانون مستقيم في التأويل ولا في التفويض فأقوالهم فيه مختلفة مضطربة .... والتأويل على اصطلاح الماتريدية وغيرها من الفرق الكلامية ... قول مبتدع محدث لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين ولا عن أحد من أهل اللغة المتقدمين (١). والتأويل بهذا الاصطلاح ما هو إلا منهج عقلي ظهر بظهور بدعة نفي الصفات والقدر على يد الجهمية والمعتزلة فقد ورد عن بعض رءوس الجهمية أنه قال: " ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن فأقروا به في الظاهر ثم صرفوه بالتأويل ويقال إنه قال إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتأويل" (٢). والذي يغلب على الظن كما أن القول بنفي الصفات انتقل إلى الجهمية والمعتزلة من طريق اليهود والنصارى فكذا القول بالتأويل، إذ إن التأويل بهذا الاصطلاح كان معروفا عند اليهود والنصارى قبل ظهوره على يد الجهمية والمعتزلة ففي اليهودية ارتبط التأويل باسم (فايلو الإسكندراني) الذي كان ينفي الصفات الخبرية التي وردت في التوراة ويؤكد على وجوب تفسيرها تفسيرا مجازيا وفق قوانين التأويل المجازي التي حددها هو بنفسه. وسار على نهج فايلو عدد من لاهوتي اليهود في العصور الإسلامية منهم سعدايا الفيومي وموسى بن ميمون الذي أكد في كتابه (دلالة الحائرين) أن السبب الرئيسي الذي أدى إلى ظهور التشبيه هو التمسك بظاهر الصفات الخبرية التي وردت في التوراة وتفسيرها بالحقيقة دون المجاز (٣). وفي النصرانية ظهر القول بالتأويل المجازي على يد كلمانت الإسكندري وأوريجين والقديس أوغسطين واشتهر به أيضا يوحنا الدمشقي الذي يعتبر من أكبر آباء الكنيسة الشرقية وقد كان له دور كبير في ظهور الجدل العقلي بين المسلمين بل يعده كثير من الباحثين المسؤول الأول عن ظهور الجدل العقلي في البيئة الإسلامية (٤). ولقد كان التأويل أصل كل بدعة ظهرت بين المسلمين كما قال الإمام ابن القيم ﵀ في نونيته: هذا وأصل بلية الإسلام من ... تأويل ذي التحريف والبطلان وهو الذي قد فرق السبعين بل ... زادت ثلاثا قول ذي البرهان إلى أن قال ﵀: وجميع ما في الكون من بدع ... وأحداث تخالف موجب القرآن فأساسها التأويل ذو البطلان لا ... تأويل أهل العلم والعرفان فجميع ما أحدث في الإسلام من بدع فرقت الأمة شذر مذر أصله وسببه هو التأويل الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف وتعطيل لنصوص الكتاب والسنة. وقول الماتريدية وغيرهم من المتكلمين بالتأويل ظاهر الفساد لكل عاقل ومما يدل على فساده تناقضهم فيه والقول المتناقض بطبيعة الحال قول فاسد لذا كان الطبيب ابن النفيس يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف (٥) ... وهو بهذا "يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة" (٦).

стр. 742

لهذا لم يكن لهم قانون مستقيم في التأويل فلا يستطيعون أن يفرقوا بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه فهم كما يقول شيخ الإسلام: " يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون بعض وليس في المنتسبين إلى القبلة بل ولا في غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات. وإذا كان كذلك قيل لهم ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟ فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه. فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء فإنه لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية ... وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل عقلي ونحو ذلك فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفا على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ الجميع يشترك في أن يكون الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به. وإن قالوا بتأويل كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويكون الدافع له أن يقول ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا. فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك ... فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع ... فعلم أن قولهم باطل ... " (١). " فهؤلاء مع تناقضهم لا يجعلون الرسول نفسه نصب في خطابه دليلا يفرق به بين الحق والباطل والهدى والضلال بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم. ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول. فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئا من معرفة صفات الله تعالى بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله نفيا وإثباتا وإنما ولايته عندهم في العمليات ... " (٢).

стр. 743

ويقال لهم إن الأصل في اللفظ حمله على الحقيقة وحمله على غير حقيقته وظاهره يكون إخراجا له عن أصله وهذا حتى يكون صحيحا مقبولا لابد لمدعيه أن يأتي بأربعة أمور ليس له قدرة على واحد منها وهي: الأول: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي تأوله في ذلك التركيب الذي وقع فيه وإلا كان كاذبا على اللغة منشئا وضعا من عنده فإن اللفظ قد لا يحتمل ذلك المعنى لغة وإن احتمله فقد لا يحتمله في ذلك التركيب الخاص" (١).الثاني: أن " يبين ذلك المعنى ... فإنه إذا أخرج عن حقيقته قد يكون له معان فتعين ذلك المعنى يحتاج إلى دليل" (٢).الثالث: "إقامة الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره فإن دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه" (٣). الرابع: "الجواب عن المعارض فإن مدعي الحقيقة قد أقام الدليل العقلي والسمعي على إرادة الحقيقة أما السمعي فلا يمكنك المكابرة أنه معه. وأما العقلي فمن وجهين: عام وخاص. فالعام الدليل الدال على كمال علم المتكلم وكمال بيانه وكمال نصحه والدليل العقلي على ذلك أقوى من الشبه الخيالية التي يستدل بها النفاة بكثير فإن جاز مخالفة هذا الدليل القاطع فمخالفة تلك الشبه الخيالية أولى بالجواز وإن لم تجز مخالفة تلك الشبه فامتناع مخالفة الدليل القاطع أولى. وأما الخاص فإن كل صفة وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ فهي صفة كمال قطعا فلا يجوز تعطيل صفات كماله وتأويلها بما يبطل حقائقها فالدليل العقلي الذي دل على ثبوت الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر دل نظيره على ثبوت الحكمة والرحمة والرضا والغضب والفرح والضحك والذي دل على أنه فاعل بمشيئته واختياره دل على قيام أفعاله به وذلك عين الكمال المقدس وكل صفة دل عليها القرآن والسنة فهي صفة كمال والعقل جازم بإثبات صفات الكمال للرب سبحانه ويمتنع أن يصف نفسه أو يصفه رسوله بصفة توهم نقصا وهذا الدليل أيضا أقوى من كل شبهة للنفاة" (٤).

стр. 744

ثم يقال لهم: إن القول بالتأويل على اصطلاحكم شر من التشبيه والتعطيل فإن التأويل " يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل ففهموا التشبيه أولا ثم انتقلوا إلى المحذور الثاني وهو التعطيل فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها ولا يليق بالرب ﷻ . المحذور الثالث نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد ... ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس. المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد ... قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز وقالوا لا طريق لك علينا وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن .... " (١).ويلزم القائلين بالتأويل لوازم باطلة لا يرضى بواحد منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " منها أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه ﷺ من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به بل رمز إليه رمزا وألغزه إلغازا لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك ومنها أن يكون دائما متكلما في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب تارة بأنه استوى على عرشه وتارة بأنه فوق عباده وتارة بأنه العلي الأعلى وتارة بأن الملائكة تعرج إليه ... إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه لا نصا (ظاهرا ولا تنبيها) ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون فقد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان وذلك إما جهل ينافي العلم وإما كتمان ينافي البيان ... ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال ولم يستفيدوا منها يقينا ولا علما بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك إنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها" (٢). فهل يشك أحد بعد هذا في فساد التأويل وبطلانه؟! وأما القول بالتفويض فهو في الحقيقة من شر أقوال أهل البدع وذلك لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن واستلزامه تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين فمن المعلوم " أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟!

стр. 745

وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر. وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه بل دل ظاهره على الكفر والباطل وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (١). " فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه ... ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته ... لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين. وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما عملته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم معناه أحد لا يجوز أن يستدل به ... " (٢). فتبين بهذا أن القول بالتفويض في غاية البطلان والفساد بل هو من شر أقوال أهل البدع كما أن التأويل كذلك. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٦٢ - ١٧٦

стр. 746

المطلب الأول: معنى الإيمان وحقيقته ذهب جمهور المحققين من الماتريدية - وعلى رأسهم الماتريدي- إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وذهب بعضهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان (١). وغاية ما استدلوا به على صحة قولهم هو: ١ - أن الإيمان في اللغة هو التصديق وهو باق على معناه اللغوي لم ينقل إلى غيره واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:١٧] ٢ - أن الكفر ضد الإيمان والكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما. ٣ - أن الله قد فرق بين الإيمان والأعمال وذلك بما ورد في كثير من الآيات من عطف الأعمال على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة. ٤ - أن الله خاطب المؤمنين بالإيمان قبل فرض الأعمال فدل ذلك على عدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان. قال أبو المعين النسفي: " الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغة مؤمنا به ومؤمنا له قال الله تعالى: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ " أي بمصدق لنا ثم إن اللغوي وهو التصديق بالقلب هو حقيقة الإيمان الواجب على العبد حقا لله تعالى وهو أن يصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من الله تعالى فمن أتى بهذا التصديق فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى ... فمن جعله لغير التصديق فقد صرف الاسم عن المفهوم في اللغة إلى غير المفهوم وفي تجويز ذلك إبطال اللسان وتعطيل اللغة ورفع طريق الوصول إلى اللوازم الشرعية والدلائل السمعية يحققه أن ضد الإيمان هو الكفر والكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما إذ لا تضاد يتحقق عند تغاير المحلين والذي يدل عليه أن الله تعالى فرق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها على ما قال الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ [التوبة:١٨] فقد عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان ولا شك في ثبوت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يحققه أن الله تعالى خاطب باسم الإيمان ثم أوجب الأعمال على العباد على ما قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:١٨٣] وهذا دليل التغاير وقصر اسم الإيمان على التصديق. وبالوقوف على هذا يثبت بطلان قول من جعل الأعمال إيمانا وهو قول فقهاء الحديث وأكثر متكلميهم" (٢). والجواب عما ذكروه هو كما يلي: أولا قولهم: إن الإيمان في اللغة هو التصديق وهو باق على معناه لم ينقل إلى غيره ... والجواب عن ذلك من وجوه:

стр. 747

١ - يقال لهم: "مما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم ولهذا قال الفقهاء الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:١٩] ونحو ذلك ... فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ﷺ ما يراد بها في كلام الله ورسوله وكذلك لفظ الخمر وغيرها ... فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ﷺ لم يقبل منه .... " (١).ومعلوم أن النبي ﷺ قد بين المراد باسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر " بيانا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله فإنه شاف كاف بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من مقام الإيمان" (٢). ٢ - القول بالترادف بين الإيمان والتصديق غير صحيح بدليل " أنه يقال للمخبر إذا صدق صدقه ولا يقال آمنه ولا آمن به بل يقال آمن له كما قال تعالى فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت:٢٦] "وقال" فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ [يونس:٨٣] ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام فالأول يقال للمخبر به والثاني للمخبر ولا يرد كونه يجوز أن يقال ما أنت بمصدق لنا لأن دخول اللام لتقوية العامل كما إذا تقدم المعمول أو كان العامل اسم فاعل أو مصدرا على ما عرف في موضعه"كما أن " الفرق بينهما ثابت في المعنى فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة صدقت كما يقال له كذبت فمن قال السماء فوقنا قيل له صدقت وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب فيقال لمن قال طلعت الشمس صدقناه ولا يقال آمنا له فإن أصل معنى الأمن والائتمان إنما يكون في الخبر عن الغائب فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر" (٣). ٣ - وعلى فرض صحة القول بالترادف بين الإيمان والتصديق فإن القول بأن التصديق لا يكون إلا بالقلب أو بالقلب واللسان عنه جوابان:" أحدهما المنع بل الأفعال تسمى تصديقا كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن تزني وزناها الاستماع واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ذلك ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) (٤) وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف. قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق الدائم التصديق ويكون الذي يصدق قوله بالعمل. وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ... .الثاني: أنه إذا كان أصله التصديق فهو تصديق مخصوص كما أن الصلاة دعاء مخصوص والحج قصد مخصوص والصيام إمساك مخصوص وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عند الإطلاق فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ويبقى النزاع لفظيا هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو اللزوم " (٥).

стр. 748

ثانيا قولهم إن الكفر ضد الإيمان والكفر هو التكذيب والجحود وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما. يقال لهم: " إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال صدقت أو كذبت ويقال صدقناه أو كذبناه ولا يقال لكل مخبر آمنا له أو كذبنا له ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال أنا أعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفره أعظم فلو كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق .... فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل " (١). ثالثا: استدلالهم بالآيات الوارد فيها عطف العمل على الإيمان وقولهم إن العطف يقتضي المغايرة. يقال لهم: إن الإيمان يرد في النصوص مطلق عن العمل ويرد مقرونا بالعمل فأما إذا ورد مطلقا فإنه يكون مستلزما للأعمال إذ لا يمكن تصور وجود إيمان القلب مع انتفاء جميع الأعمال وذلك كقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:١٥] وقوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) وقوله ﷺ : ((من غشنا فليس منا)). وأما إذا عطف العمل على الإيمان فإن العطف هنا لا يقتضي المغايرة بل هو من باب عطف الخاص على العام أو الجزء على الكل وذلك كقولة تعالى حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة:٢٣٨] وقوله: مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة:٩٨]. ومن هذا الباب قوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ونحوها من الآيات والله تعالى عطف العمل على الإيمان حتى لا يظن أحد أنه يكتفى بإيمان القلب فقط بل لابد معه من العمل الصالح (٢). رابعا: قولهم بأن الله خاطب المؤمنين بالإيمان قبل فرض العمل فدل ذلك على عدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان. فيقال لهم:" إن قلتم إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:٩٧] ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان ... وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد" (٣). وبهذا يتبين لنا تهافت قولهم وتساقط استدلالاتهم وأن ما ذهبوا إليه خلاف الحق والصواب. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٥٣ - ٤٥٩

стр. 749

المطلب الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه هذه المسألة مبنية على التي قبلها فإن الماتريدية لما قالت بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان قالوا بعدم زيادة الإيمان ونقصانه وبنوا ذلك على أن التصديق لا يتصور فيه الزيادة والنقص. قال الحكيم السمرقندي: "وينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان فهو مبتدع والزيادة والنقصان إنما تكون في الأفعال لا في الإيمان ... ولم يقل أحد من العلماء والصالحين إن الإيمان يزيد وينقص" (١).وقال أبو المعين النسفي: " وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق وهو لا يتزايد في نفسه دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه ولا نقصان له بارتكاب المعاصي إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما " (٢). وإذا تبين لنا مما تقدم بطلان قول الماتريدية في حقيقة الإيمان فإنه تلقائيا يسقط قولهم بنفي زيادة الإيمان ونقصانه وإضافة لهذا فإن زيادة الإيمان ونقصانه ثابتة بنص الكتاب والسنة والإجماع ....... وأما احتجاجهم على نفي زيادة الإيمان ونقصانه بأن التصديق القلبي لا يقبل الزيادة ولا النقصان فهو باطل نقلا وعقلا فقد دل النقل على أن الإيمان القلبي يتفاوت كما في حديث الخروج من النار ... كما لا يشك عاقل في أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتا عظيما وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في التصديق القلبي. قال الإمام النووي ﵀: فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ويتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخاري في (صحيحه) قال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم من أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. والله أعلم (٣). وقد صرح الإيجي في (المواقف) بأن التصديق يقبل الزيادة والنقصان فقال: "والحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان بوجهين: الأول: القوة والضعف. قولكم: الواجب اليقين والتفاوت لاحتمال النقيض. قلنا لا نسلم أن التفاوت لذلك ثم ذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي وآحاد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا .. الثاني التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال والنصوص دالة على قبوله لهما" (٤). فلا ريب أن القول الحق في المسألة هو أن الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي كما هو مذهب سلف الأمة المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٦٣ - ٤٦٧

стр. 750

المطلب الثالث: الاستثناء في الإيمان يقصد بالاستثناء في الإيمان تعليق الإيمان بالمشيئة وهو قول المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله. والخلاف في هذه المسألة وقع تبعا للخلاف في حقيقة الإيمان وحاصل الأقوال التي قيلت في الاستثناء ثلاثة أقوال: الأول: القول بوجوب الاستثناء وهو قول الكلابية ومن وافقهم. الثاني: القول بتحريمه: وهو قول المرجئة والجهمية. الثالث القول بجواز الأمرين باعتبارين. وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة. والماتريدية لما قالوا بأن الإيمان هو التصديق وأنه لا يقبل الزيادة والنقصان منعوا الاستثناء في الإيمان وقالوا إن الاستثناء شك ومن شك في تصديقه فهو كافر. قال الماتريدي: " الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه لأن كل معنى مما باجتماع وجوده تمام الإيمان عنده مما إذا استثني فيه لم يصح ذلك المعنى فعلى ذلك أمره في الجملة نحو أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله إن شاء الله أو محمد رسول الله إن شاء الله وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب" (١). وقال أبو المعين النسفي: " ثم لما كان (أي الإيمان) اسما للتصديق .... وهو شيء حقيقي معلوم الحد فإذا حصل بهذا الحد كان الذات به مؤمنا كالقعود والجلوس والسواد والبياض وغير ذلك لما كانت معاني معلومة الحد متى وجدت بحقيقتها كان الذات بها قاعد جالس أسود أبيض فكذا هذا ...... وبمعرفة هذا يعرف .... أن التصديق لما وجد فقد وجد الإيمان بحقيقته فقول من يقول أنا مؤمن إن شاء الله مع وجود حقيقة التصديق كقول من يقول أنا قائم إن شاء الله وأنا قاعد إن شاء الله مع وجود حقيقة ذلك وذلك باطل فكذا هذا .... " (٢). وقال في (بحر الكلام): " وحجتنا وهو أن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان ولأنا أجمعنا على أنه إذا قال العبد لا إله إلا الله إن شاء الله أو قال أشهد أن محمدا رسول الله إن شاء الله أو قال آمنت بالله وملائكته وبالكتب واليوم الآخر إن شاء الله يكون كافرا وكذلك إذا قال أنا مؤمن إن شاء الله يكون كافرا لأنه شاك في إيمانه وهذا لأن كل أمر متحقق في الحال أو في الماضي من الزمان لا يحسن الاستثناء فيه ". فالماتريدية منعوا الاستثناء في الإيمان وذلك لأن مفهوم وحقيقة الإيمان عندهم التصديق أو التصديق والقول. وأما أهل السنة والجماعة وسلف الأمة فقد قالوا بجواز الاستثناء في الإيمان وذلك لأن الإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد والاستثناء عندهم إنما هو في الأعمال لا في أصل الإيمان والمقصود به عدم تزكية النفس لورود النهي عن ذلك كما في قوله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:٣٢] فالخلاف بين أهل السنة والجماعة والماتريدية وغيرهم في مسألة الاستثناء إنما هو راجع للخلاف في حقيقة الإيمان. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٦٨ - ٤٧١

стр. 751

المطلب الرابع: الإيمان والإسلام ومن المسائل التي وقع فيها نزاع وخلاف بين طوائف المسلمين مسألة الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام وذلك "لكثرة ذكرهما وكثرة كلام الناس فيهما والاسم كلما كثر الكلام فيه فتكلم به مطلقا ومقيدا بقيد آخر في موضع كان هذا سببا لاشتباه بعض معناه ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه ويكون ما سمعه مقيدا أوجبه اختصاصه بمعنى فيظن معناه في سائر موارده كذلك فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة وعلم مأخذ الشبهة أعطى كل ذي حق حقه وعلم أن خير الكلام كلام الله وأنه لا بيان أتم من بيانه" (١). وللناس في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد. الثاني أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. الثالث التفصيل وذلك بأن حالة اقترانهما غير حالة إفرادهما فإذا اقترنا كان المقصود بالإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة وإذا أفردا كان معناهما واحدا ودخل أحدهما في الآخر ويكون المقصود جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة. والماتريدية في هذه المسألة ذهبت إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وأنه لا تغاير بينهما ولا ينفك أحدهما عن الآخر وإذا زال أحدهما زال الآخر واستدلوا على قولهم هذا بعدة أدلة ذكرها الماتريدي وتابعه عليها عامة الماتريدية قال الماتريدي: " وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام أنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان .... ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية الله تعالى وأن له الخلق والأمر في الخلق لا شريك له في ذلك والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها وكذا كل شيء لله تعالى بالعبودية لله لا شريك فيه فحصلا من المراد فيهما على واحد ... ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتي المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا ثبت أنهما في الحقيقة واحد ومعلوم أن الذي يسع له التسمي بأحدهما يسع بالآخر وأن الذي به تختلف الأديان إنما هو الاعتقاد لا بأفعال سواه وبالوجود يستحق كل الاسم المعروف لذلك وجب ما قلنا. وقد قال الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران:١٩] وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:٨٥] فالمؤمن بالصفة التي يصير بها مؤمنا لا يخلو من أن يكون أتى بالإسلام الذي هو الدين عند الله أو أتى ببعضه لا كله أو ابتغى غير دين الله فإن قال بالأول أذعن للحق وإن قال بالثاني فهو إذا لم يبتغ به دينا إنما ابتغى بعضه وذلك بعيد بل شهد الله على مثله بأنه كافر حقا وإن قال بالثالث صير دار المؤمنين النار وأبطل جميع ما جاء به الرسل من الأمر بالإيمان بهم.

стр. 752

ثم قد ثبت أنهما واحد في التحقيق على ما جرت به أحكام القرآن قال الله تعالى: قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ [البقرة:١٣٦] إلى قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فألزمهم اسم الإسلام بالذي صاروا به مؤمنين ومثله في يونس وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [يونس:٨٤] فصيرهم بالذي آمنوا مسلمين وقال يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] صير ذلك منهم إسلاما لو صدقوا في إيمانهم وكذلك به يكونون مؤمنين وقالت الملائكة: فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] فصير الذين كانوا مسلمين مؤمنين" (١).

стр. 753

وقول الماتريدية بأن مسمى الإسلام والإيمان واحد ضعيف مخالف لمجموع أدلة الكتاب والسنة. فالله تعالى " قد فسر الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبين أيضا أن العمل بما أمر يدخل في الإيمان ولم يسم الله الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت إسلاما بل إنما سمى الإسلام الاستسلام له بقلبه وقصده وإخلاص الدين والعمل بما أمر به كالصلاة والزكاة خالصا لوجهه فهذا هو الذي سماه الله إسلاما وجعله دينا وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:٨٥] وهذا يقتضي أن كل من دان بغير دين الإسلام فعلمه مردود وهو خاسر في الآخرة فيقتضي وجوب دين الإسلام وبطلان ما سواه لا يقتضي أن مسمى الدين هو مسمى الإيمان بل أمرنا أن نقول آمنا بالله وأمرنا أن نقول وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فأمرنا باثنين فكيف نجعلهما واحدا (١) وقولهم بأن الإسلام والإيمان شيء واحد يلزمهم فيه أحد أمرين إما أن يقولوا إن الإسلام هو التصديق وهذا ما لم يقله أحد من أهل اللغة وإما أن يقولوا إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وهذا خلاف قولهم. والقول بأن كل مؤمن مسلم هذا حق لا مرية فيه ولكن إطلاق القول بأن كل مسلم مؤمن أو من أتى بشرائط الإسلام فهو مؤمن غير صحيح بدليل أن " الإسلام يتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب " (٢).فقد يكون مسلما يعبد الله كما أمره ولا يعبد غيره ويخافه ويرجوه ولكن لم يخلص إلى قلبه أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ولا أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من جميع أهله وماله وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه وأن يخاف الله لا يخاف غيره وأن لا يتوكل إلا على الله وهذه كلها من الإيمان الواجب وليست من لوازم الإسلام فإن الإسلام هو الاستسلام وهو يتضمن الخضوع لله وحده والانقياد له والعبودية لله وحده وهذا قد يتضمن خوفه ورجاءه وأما طمأنينة القلب بمحبته وحده وأن يكون أحب إليه مما سواهما وبالتوكل عليه وحده وبأن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه فهذه من حقائق الإيمان التي تختص به فمن لم يتصف بها لم يكن من المؤمنين حقا وإن كان مسلما وكذلك وجل قلبه إذا ذكر الله وكذلك زيادة الإيمان إذا تليت عليه آياته" (٣).

стр. 754

وما استدلوا به من الأدلة السمعية هو دليل على نقض قولهم فإن الله تعالى قال: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ [آل عمران:١٩] وقال: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:٨٥] وقال: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة:٣] ولم يقل قط إن الدين عند الله الإيمان ولا قال ومن يبتغ غير الإيمان دينا فدل ذلك على عدم صحة القول بترادف الإسلام والإيمان. ويوضح هذا " أن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه وقوله والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له ولا يكون العبد مؤمنا إلا بهما وأما الإسلام فهو عمل محض مع قول والعلم والتصديق ليس جزء مسماه لكن يلزمه جنس التصديق فلا يكون عمل إلا بعلم لكن لا يستلزم الإيمان المفصل الذي بينه الله ورسوله كما قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:١٥] فإن كثيرا من المسلمين مسلم باطنا وظاهرا معه تصديق مجمل ولم يتصف بهذا الإيمان" (١). ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: آمَنَّا بِاللهِ وأمرنا أن نقول: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وكذلك قول موسى ﵇: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [يونس:٨٤] فلو كان مسماهما واحدا- كما قالت الماتريدية - لكن هذا تكرير وكذلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:٣٥] وكان النبي ﷺ يقول إذا قام من الليل: ((اللهم لك أسلمت وبك آمنت .. )).وكذا استدلالهم بآية الحجرات دل على نقيض قولهم فإن "القوم لم يقولوا أسلمنا بل قالوا آمنا والله أمرهم أن يقولوا أسلمنا ثم ذكر تسميتهم بالإسلام فقال: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] (أي) في قولكم آمنا ولو كان الإسلام هو الإيمان لم يحتج أن يقول إن كنتم صادقين فإنهم صادقون في قولهم أسلمنا مع أنهم لم يقولوا .... " (٢).وأما احتجاجهم بقوله تعالى فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] " فلا حجة فيه لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإيمان والإسلام ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما" (٣). إذا فقول الماتريدية بأن الإيمان والإسلام مترادفان ولا فرق بينهما قول غير صحيح. والقول الحق الذي دلت عليه الأدلة هو القول بالتلازم بين الإيمان والإسلام فإنهما إذا اجتمعا في الذكر كان المقصود بالإيمان الأمور الباطنة وبالإسلام الأعمال الظاهرة وإذا افترقا كان المقصود بهما واحد وهو الأمور الظاهرة والباطنة. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٧٢ - ٤٧٧

стр. 755

المطلب الخامس: حكم إيمان المقلد البحث في هذه المسألة كان نتيجة لإيجاب المتكلمين النظر والاستدلال على كل مكلف فإنهم لما جعلوا النظر العقلي أول الواجبات وأصل العلم اختلفوا في حكم من آمن ولم ينظر ويستدل على ثلاثة أقوال: الأول أنه يصح إيمانه ويكون كافرا. الثاني أن إيمانه صحيح ولكنه آثم على تركه النظر والاستدلال. الثالث أن يكون مقلدا لا علم له بدينه لكنه ينفعه هذا التقليد ويصير به مؤمنا غير عاص (١). والماتريدية لما قالت بوجوب النظر والاستدلال ذهب جمهورهم إلى أن من آمن ولم ينظر ويستدل يكون إيمانه صحيحا ولكنه يأثم على تركه للنظر والاستدلال وذهب بعضهم إلى أنه يكون مقلدا ولا يأثم على تركه النظر والاستدلال. قال الناصري: " قال الإمام سيف الحق أبو المعين: ثم المذهب أن المقلد الذي لا دليل معه مؤمن وحكم الإسلام لازم له وهو مطيع لله تعالى باعتقاده وسائر طاعاته وإن كان عاصيا بترك النظر والاستدلال وحكمه حكم غيره من فساق أهل الملة .... ".ثم قال أبو المعين: " ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه لابد لثبوت الإيمان وكونه نافعا من دليل ينبني عليه اعتقاده غير أن أبا الحسن الرستغفني ... قال: إذا بنى اعتقاده على قول الرسول وعرف أنه رسول وأنه ظهرت على يده المعجزات ثم قبل منه القول في حدوث العالم وثبوت الصانع ووحدانيته من غير أن عرف صحة كل من ذلك بدليل عقلي كان كافيا " (٢). وقال الأوشي: وإيمان المقلد ذو اعتبار بأنواع الدلائل كالنصال (٣) وقال الزرنوجي: " فإن إيمان المقلد وإن كان صحيحا عندنا لكن يكون آثما بترك الاستدلال " (٤). والأقوال الثلاثة في المسألة- وقول الماتريدية ضمنها- باطلة لأنها قد بنيت على أصل باطل وهو أن النظر والاستدلال أصل الدين والإيمان وهم يقصدون بالنظر الاستدلال على وجود الله بدليل حدوث الأجسام وقد تقدم بيان فساد هذا الدليل بالتفصيل.

стр. 756

وهذا النظر والاستدلال الذي جعلوه أول الواجبات هو نظر واستدلال مبتدع فإن من المعلوم بالاضطرار " أن الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر ولا بهذا الدليل لا عامة الخلق ولا خاصتهم فامتنع أن يكون هذا شرطا في الإيمان والعلم وقد شهد القرآن والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم وأنهم عالمون بصدق الرسول وبما جاء به وعالمون بالله وبأنه لا إله إلا الله ولم يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعين كما قال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ:٦] وقال: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ [آل عمران:١٨] وقال: أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:١٩].وقد وصف باليقين والهدى والبصيرة في غير موضع كقوله: وبالآخرة هم يوقنون وقوله أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ [البقرة:٥] وقوله: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:١٠٨] وأمثال هذا فتبين أن النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء وجعلوه أصل الدين ليس مما أوجبه الله ورسوله ولو قدر أنه صحيح في نفسه وأن الرسول أخبر بصحته لم يلزم من ذلك وجوبه إذ يكون للمطلوب أدلة كثيرة فلو كانت .... هذه الطريق صحيحة عقلا وقد شهد لها الرسول والمؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة لم يتعين مع إمكان سلوك طرق أخرى كما أنه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنص والإحماع أنها من آيات الله الدالة على الهدى ومع هذا فإذا اهتدى الرجل بغيرها وقام بالواجب ومات ولم يعلم بها ولم يتمكن من سماعها لم يضره كالآيات المكية التي اهتدى بها من آمن ومات في حياة النبي ﷺ قبل أن ينزل سائر القرآن فالدليل يجب طرده لا عكسه" (١).قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لقول النبي ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... )) (٢) الحديث:" فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي" (٣) ويقال لهم إن المستدل بالكتاب والسنة ليس بمقلد بل هو متبع للدليل فإن "العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز وذلك بحمد الله تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله وفهمه فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ وسنة رسوله وهي بحمد الله مضبوطة محفوظة ... وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول التي ما أنزل الله بها من سلطان ....

стр. 757

" (١) بل إن الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء ونحوهم من الشيوخ وغيرهم هو التقليد الذي ذمه الله تعالى في كتابه كما في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة: ١٧٠] وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا [المائدة:١٠٤] والماتريدية وغيرهم من المتكلمين قد وقعوا في هذا التقليد الذي ذمه الله تعالى من وجهين: الأول أنهم أعرضوا عن كتاب الله ورسوله واعتمدوا على عقولهم. الثاني أنهم قلدوا شيوخهم وأكابرهم فيما زعموه من النظر والاستدلال كدليل حدوث الأجسام والأعراض وهذا واضح بين في كتبهم من أولهم إلى آخرهم. فحقيقة الأمر إذ أنهم هم الذين وقعوا في التقليد الذي حرمه الله تعالى ورسوله وأما من رجع إلى الكتاب والسنة فقد أخذ العلم من معينه الصافي وأصاب عين الدليل. المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ٤٨٠ - ٤٨٤

стр. 758

المطلب السادس: حكم مرتكب الكبيرة ذهبت الماتريدية إلى أن مرتكب الكبيرة - غير المستحل لها- لا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر بل هو مؤمن كامل الإيمان لعدم زوال التصديق وهو مع إيمانه فاسق مستحق للوعيد لعدم طاعته لله تعالى واقترافه للمعاصي والآثام. وقالوا وإذا مات مرتكب الكبيرة من غير توبة فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وإن عذب يخرج من النار لا محالة. قال أبو المعين النسفي: " وأما أهل الحق فإنهم يقولون: إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها ولا مستخف بمن نهى عنها بل لغلبة شهوة أو حمية يرجو الله أن يغفر له ويخاف أن يعذبه عليها فهذا اسمه المؤمن وبقي على ما كان عليه من الإيمان ولم يزل عنه إيمانه ولم ينتقص ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله تعالى فيه المشيئة إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات أو بشفاعة بعض الأخيار وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة ولا يخلد في النار. أما الاسم فلأن الإيمان هو التصديق والكفر هو التكذيب وهذا الذي ارتكب هذه الكبيرة .... كان التصديق معه باقيا وما دام التصديق موجودا كان التكذيب منعدما لمضادة بينهما فالقول بكفره والتكذيب منعدم أو بزوال الإيمان والتصديق قائم أو بثبوت النفاق والتصديق في القلب متقرر قول ظاهر الفساد. ثم إطلاق اسم الفاسق لما أنه خرج عن حد الائتمار والفسق في اللغة هو الخروج ثم الخروج عن الائتمار ... ولا يضاد التصديق فيبقى التصديق وإذا بقي كان المصدق مؤمنا ضرورة " (١). وقال الأوشي: ولا يقضى بكفر وارتداد ... بعهر أو بقتل واختزال (٢) وقال: ومرجو شفاعة أهل خير ... لأصحاب الكبائر كالجبال (٣) وقال: ذو الإيمان لا يبقى مقيما ... لشؤم الذنب في دار اشتعال (٤) وقول الماتريدية بأن مرتكب الكبيرة فاسق وليس بكافر حق وصواب وأما زعمهم بأن الفسق لا أثر له على الإيمان وأن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان فلا شك ولا ريب أنه باطل وغير صحيح وهم قالوا بهذا لأن العمل غير داخل في مسمى الإيمان عندهم وأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص وقد تقدم معنا بيان فساد قولهم هذا وأن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. والحق والصواب في الحكم على مرتكب الكبيرة بالنسبة لأحكام الدنيا أن يقال: هو "مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولا يعطى اسم الإيمان المطلق فإن الكتاب والسنة نفيا عنه عنه الاسم المطلق واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه وهو لازم له كما يلزم غيره ... " (٥). وأما قولهم بأن مرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة يكون تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ثم عاقبة أمره إلى الجنة وأنه لا يخلد في النار فهو القول الحق في المسألة وهو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة. قال الإمام الطحاوي ﵀: " وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر في كتابه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به " (٦). اللهم آمين المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص٤٨٥ - ٤٨٧

стр. 759

التمهيد ذهبت الماتريدية في تصورها واعتقادها لتوحيد الله تعالى إلى نحو قريب مما ذهبت إليه المعتزلة وكذا الأشاعرة وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسوله والمراد بالتوحيد عندهم هو اعتقاد الوحدانية التي هي عندهم صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع: الأول الوحدة في الذات ويقصدون بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له وفسروا لفظ الأحد الوارد في النصوص في حق الله تعالى بهذا المعنى فقالوا في تفسير قوله تعالى قل هو الله أحد أي الواحد الموجود الذي لا بعض له ولا انقسام لذاته .... (١). الثاني: الوحدة في الصفات: والمراد بها كما يقولون انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات بل علمه تعالى واحد ومعلوماته كثيرة وقدرته واحدة ومقدوراته كثيرة وهذا على جميع صفاته.

стр. 760

الثالث: الوحدة في الأفعال والمراد بها انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموما وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلا. وجماع قولهم في توحيده تعالى أنه واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له واحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له (١).والأخير يسمى بتوحيد الأفعال وأشهر ما قدموه من الأدلة على إثباته هو دليل التمانع وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، وأما الأول والثاني والذي هو حاصل توحيدهم قصدوا به نفي التجسيم ونفي التشبيه وأدرجوا في مسمى هذا التوحيد الذي اصطلحوا عليه نفي ما ينفونه من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة لذا جعلوا من أصول عقيدتهم نفي الجسم والجوهر والعرض ونحوها من الألفاظ والمعاني المبتدعة (٢). وهم يقصدون بنفي التجسيم والتشبيه نفي ما ينفونه عن الجسم المطلق وهو "أنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث لا يكون له قدر وحد وجوانب ونهاية ولا عين قائمة بنفسها يمكن أن يشار إليها أو يشار إلى شيء منها دون شيء .... وهذا عندهم نفي الكم والمساحة " (٣).قال الماتريدي في بيان معنى الواحد والتوحيد: " والله واحد لا شبيه له دائم قائم لا ضد له ولا ند وهذا تأويل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] ... وواحد بالتوحد عن الأشباه والأضداد ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء وإذا ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به " (٤).وقال في موضع آخر: " معنى الواحد أنه إذ هو واحد في علوه وجلاله وواحد الذات محال أن يكون له في ذاته مثال إذ ذاك يسقط التوحيد .... وواحد الصفات يتعالى عن أن يشركه أحد في حقائق ما وصف به العلم والقدرة والتكوين بل كل وصف من ذلك لغيره به بعد أن لم يكن، ومحال مماثلة الحديث القديم " (٥). وقال بأنه تعالى " واحدي الذات إليه حاجات الآحاد متعال عن معنى الآحاد عما يوجب صفة الإعداد ويتمكن فيه صفة التغير والزوال أو الحدود والنهاية موصوف بالقدم والتكوين والقدرة جل وعز عن التغير والزوال ... " (٦).وأصل توحيدهم هذا يقوم على أن معنى الواحد هو ما ليس بجسم إذ إن الجسم أقله أن يكون مركبا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة (٧).وهذا التفسير لمعنى الواحد معلوم الفساد بالضرورة وهو لا ريب باطل شرعا وعقلا ولغة فإن " من المعلوم بالاضطرار أن اسم (الواحد) في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم" (٨). بل إنه قد ورد في كثير من الآيات والأحاديث إطلاق لفظ الواحد على الذات الموصوفة بالصفات القائمة بنفسها والتي هي من الأجسام كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:١] ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم ....

стр. 761

وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم وجسد آدم جسم من الأجسام وقد سماها الله نفسا واحدة علم أن الجسد يوصف بالوحدة ... وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر:١١]. فإن الوحيد مبالغة في الواحد فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولي ومع هذا فهو جسم من الأجسام. وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ [التوبة:٦] وقال تعالى وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:٣٦] وقال تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وفي الصحيح ((أن النبي ﷺ سئل أيصلي الرجل في الثوب الواحد فقال أو لكلكم ثوبان)) (١) وفي الصحيح ((عن النبي ﷺ أنه نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) (٢) ... " (٣)." والاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها .... فليس لأحد أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي ﷺ يخاطب بها أمته وهي لغة العرب ولغة قريش خصوصا. ومن المعلوم المتواتر في اللغة ... أنهم يقولون درهم واحد ودينار واحد ورجل واحد وامرأة واحدة وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد فكيف يجوز أن يقال إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام" (٤). ثم إن أصل لفظ الواحد في اللغة يدل على معنى ثبوتي وليس سلبي. قال ابن فارس: " (وحد) الواو والحاء والدال أصل يدل على الانفراد " (٥). فتفسيرهم لمعنى الواحد تفسيرا سلبيا ليس بصحيح بل هو معلوم الفساد بالضرورة لذا "يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر لا يعقل ولا له وجود في الخارج وإنما هو أمر مقدر في الذهن ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز منه شيء عن شيء بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسما. وأيضا فإن التوحيد إثبات لشيء هو واحد فلا بد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها ويتميز بها عما سواه حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية ولا مجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو عليه حقيقة يستحق بها واحدا .... لذلك أهل الإثبات من أهل السنة والحديث يصنفون كتب التوحيد يضمنونها ثبوت الصفات التي أخبر بها الكتاب والسنة لأن تلك الصفات في كتابه تقتضي التوحيد ومعناه" (٦).والمقصود هنا أن التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ليس هو هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرتها الماتريدية وغيرهم من المتكلمين " وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ فهم مع زعمهم أنهم الموحدون ليس في توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله بل التوحيد الذي يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة " (٧). كما تقدم بيانه، "وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا بل ولا مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له " (٨). وبهذا يظهر لنا فساد تصور الماتريدية واعتقادهم لتوحيد الله وذلك أنهم اعتصموا بعقولهم ولم يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهما النور الذي أنزل الله على رسوله فمن اتبعه كان من المفلحين قال الله تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص١٨٩ - ١٩٤

стр. 762

المطلب الأول: توحيد الربوبية والألوهية ترى الماتريدية كما مر معنا أن معرفة الله لا تتم إلا بالمعرفة الضرورية الفطرية بل لا تكون إلا بالاكتساب العقلي فلذا كان من الأصول التي تنبني عليها عقيدتهم (وجوب معرفة الله بالعقل) ورتبوا على ذلك إيجاب النظر والاستدلال وجعلوه أول واجب على العبد (١).وهذا مما جعلهم يتعبون أنفسهم في إقامة الأدلة والمقاييس العقلية لإثبات هذا النوع من التوحيد الذي لم ينازع في أصله أحد من بني آدم (٢) وجعلوه هو الغاية الكبرى والمقصد الأسنى وأن من أتى به كان مؤمنا موحدا. وتقريرهم لتوحيد الربوبية يقوم على إثبات قضيتين: الأولى: إثبات وجود الله. الثانية: إثبات وحدانية الله في ربوبيته. وفيما يلي تفصيل القول في كل قضية على حدة: أولا: إثبات وجود الله: تعتقد الماتريدية أن الله تعالى لا يعرف إلا من طريق العالم وفي هذا يقول الماتريدي: " والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع ... " (٣). وهذه المعرفة تكون عندهم بإثبات حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على إثبات وجود محدثه تعالى. والماتريدي استدل على إثبات وجود الله بعدة أدلة ولكنها في الحقيقة جميعا ترجع إلى دليل واحد وهو دليل الحدوث والماتريدي ألمح في عدة مواضع من كتاب (التوحيد) إلى أن إثبات الصانع ليس له دليل إلا دليل الحدوث (٤). كما أن النسفي أكد على أن العناية يجب أن تصرف لهذا الدليل، فلذا كان هو الدليل المعتمد عند الماتريدية حتى أنهم لا يلتفتون إلى غيره من الأدلة (٥)، وعامة المتكلمين استدلوا بدليل الحدوث وعولوا عليه في إثبات وجود الله وإن كانوا قد اختلفوا في بعض التفريعات فقط (٦).ودليل الحدوث في الأصل مأخوذ في الأصل عن المعتزلة والجهمية الذين تأثروا بالفلاسفة وقد اعترف بهذا الأشعري ﵀ في (رسالته إلى أهل الثغر) ونص على هذا أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في عدة مواضع من كتابه (درء تعارض العقل والنقل) من ذلك قوله ﵀: " والمعتزلة هم الأصل في هذه الطريقة (يعني دليل الحدوث) وعنهم انتشرت وإليهم تضاف ... " (٧).

стр. 763

ويعرف دليل الحدوث بدليل حدوث الجواهر والأعراض وبدليل حدوث الأجسام وبدليل حدوث الأعراض وذلك أنهم يقررون قبل إقامتهم لمقدمات الدليل أن العالم وهو كل ما سوى الله تعالى من الموجودات ينقسم إلى جواهر وأعراض والجوهر هو ما له قيام بذاته والعرض ما لا قيام له بذاته ثم يبنون الدليل على هذا التقسيم ويقيمونه على أربع مقدمات كبرى وهي: الأولى: إثبات الأعراض. الثانية: إثبات حدوث الأعراض. الثالثة: إثبات عدم خلو الجواهر عن الأعراض. الرابعة: إثبات عدم تقدم الجواهر على الأعراض. والنتيجة أن العالم بجميع أجزائه حادث والحادث لابد له من من محدث وهو الله تعالى. وفيما يلي تفصيل الدليل كما ذكره أبو المعين النسفي في (التمهيد) " دليل ثبوت الأعراض أن الجوهر قد يكون ساكنا ثم يتحرك وهكذا على القلب ولو لم تكن الحركة والسكون معنيين وراء ذات الجوهر بل لو كانا راجعين إلى ذاته لكان في الأحوال أجمع ساكنا متحركا لوجود ذاته الموجب لهما ولما اختص كل صفة بحالة على حدة ثبتت الأعراض ثم الأعراض كلها حادثة عرف حدوث بعضها بالحس والمشاهدة وبعضها بحدوث أضدادها المنعدمة عند حدوثها بالدليل فإنها لما قبلت العدم دل أنها كانت حادثة إذ المحدث هو الذي يكون وجوده وعدمه في حيز الجواز فأما القديم وهو واجب الوجود لذاته فيكون مستحيل العدم فيكون جواز العدم وتحققه دليل الحدوث. وإذا كانت الأعراض كلها محدثة يستحيل خلو الجواهر عنها إذ وجود جوهرين غير متفرقين ولا مجتمعين وتوهم جسم في مكان واحد في حالة البقاء غير متحرك ولا ساكن محال وكذا خلو الجواهر عن الألوان كلها والطعوم والروائح مما يحيله العقل كما يحيل اجتماع المتضادات في محل واحد في وقت واحد وإذا استحال خلو الجواهر عنها استحال سبق الجواهر عليها لما أن في السبق الخلو والخلو محال فكان السبق محالا فإذن لم تسبق الجواهر الأعراض وما لا يسبق الحادث فهو حادث ضرورة لمشاركته المحدث فيما كان لأجله محدثا وهو أن لوجوده ابتداءً.

стр. 764

ودخل تحت هذه الدلالة جميع أجزاء العالم من السموات والأفلاك الدوارة والنجوم السيارة وغيرها والأرضين وما فيها من البحار والجبال والنبات والجماد وغير ذلك. ثم لما ثبت أن العالم محدث والمحدث ما كان جائز الوجود وما كان جائز الوجود كان جائز العدم وما جاز عليه الوجود والعدم لم يكن وجوده من مقتضيات ذاته فلم يكن اختصاصه بالوجود دون العدم - خصوصا بعد ما كان عدما- إلا بتخصيص مخصص ولهذا لا يثبت البناء دون الباني فلا بد من محدث له أحدثه وخصه بالوجود" (١).وهذه الطريقة التي استدلت بها الماتريدية على إثبات وجود الله والتي أحدثها المعتزلة والجهمية وتبعهم عليها من وافقهم من الأشعرية وغيرهم قد طعن فيها السلف والأئمة وأتباعهم وجمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن أصح منها (٢).قال الإمام أبو العباس بن سريج ﵀: " توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك " (٣).وقال الإمام أبو سليمان الخطابي ﵀ في الغنية: " إن الله سبحانه ... بعث رسوله محمدا ﷺ بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا وقال له: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧] وقال ﷺ في خطبة الوداع وفي مقامات شتى وبحضرته عامة أصحابه: ((ألا هل بلغت)) (٤) وكان الذي أنزل عليه من الوحي وأمر بتبليغه وهو كمال الدين وتمامه لقوله تعالى: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:٣] فلم يترك ﷺ شيئا من أمور الدين قواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال ومعلوم أن أمر التوحيد وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدا في كل وقت وزمان ولو أخر عنه البيان لكان التكليف واقعا بما لا سبيل للناس إليه وذلك فاسد غير جائز وإذا كان الأمر على ما قلناه وقد علم يقينا أن النبي ﷺ لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها إذ لا يمكن واحدا من الناس أن يروي عنه ذلك ولا عن أحد من الصحابة من هذا النمط حرفا واحدا فما فوقه لا من طريق تواتر ولا آحاد علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدل لعدوا من جملة المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل إلينا أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم فلما لم يظهر ذلك دل على أنه لم يكن عندهم أصل " (٥).

стр. 765

وقال: " إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا وأصح برهانا وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه. وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء فأما مثبتو النبوات فقد أغناهم الله عن ذلك وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها والإيداع والانقطاع على سالكها ... " (١).قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لكلام الإمام الخطابي: " وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الإعراض من الكلام المذموم الذي ذمه السلف والأئمة وأعرضوا عنه كما ذكر ذلك الأشعري وغيره وأن الذين سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطريق النبوية الشرعية فمن لم يسلك الطرق الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة " (٢).

стр. 766

والأشعري بين فساد هذا الدليل في (رسالته إلى أهل الثغر) بقوله: " ما يستدل به من أخباره ﵊ على ذلك (أي على إثبات الصانع) أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈ من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها ... وفي كل رتبة ... فرق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها وليس يحتاج ... في الاستدلال بخبر الرسول ﷺ إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة على صدقه محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه .... وإذا كان ذلك ما وصفنا بان ... أن طرق الاستدلال بأخبارهم (أي الرسل) ﵈ ... أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كانت أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها ... ". ثم قال: " فأخلد سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي ﷺ فيما دعاهم إليه من العلم بحدثهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما دعوا إلى معرفته منها والعدول عن كل ما خالفها ... وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدوث العالم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم ... " (١).ومن الفلاسفة الذين بينوا فساد دليل الحدوث ابن رشد الحفيد في كتابه (مناهج الأدلة) حيث قال: " وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الله ﵎ لا يكون إلا بالعقل لكن سلكوا في ذلك طريقا ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها وذلك أن طريقتهم المشهورة انبنت على بيان أن العالم حادث، وانبنى عندهم حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث والأجسام محدثة بحدوثه، وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ- وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد- طريق معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل فضلا عن الجمهور ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود البارئ " (٢).ثم ذكر بأن هذه الطريقة ليست نظرية يقينية ولا شرعية يقينية وقال: " وذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز على المعنى، أعني بمعرفة وجود الصانع، وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤملت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين أحدهما أن تكون يقينية والثاني أن تكون بسيطة غير مركبة أعني قليلة المقدمات فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول" (٣).هذا كلام ابن رشد وهو من كبار الفلاسفة السائرين على طريقة أرسطو وأتباعه يبين "أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم من طريقة الأعراض ونحوها وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلم للعامة والخاصة والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لا تفيد لا العامة ولا الخاصة هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره ...

стр. 767

" (١). ومن الأئمة الذين بينوا فساد هذه الطريقة التي استدلت بها الماتريدية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد نقد دليل الحدوث نقدا علميا موضوعيا في كثير من كتبه واستقصى جزئياته وبين تهافتها عقلا ونقلا وخاصة في كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل). فمن الوجوه التي ذكرها ﵀ في بيان فساد هذا الدليل أن الاستدلال على وجود الله بهذا الدليل بدعة في الدين أحدثها المعتزلة والجهمية ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وأتباعهم أنه قال بهذا. وأن هذا الدليل مبني على مقدمات طويلة غامضة مشكلة وينتهي إلى نتيجة هي أبين عند العقلاء من المقدمات فالطريقة لو قدر صحة مقدماتها فهي تطويل بلا فائدة واستدلال على الأظهر بالأخفى وعلى الأقوى بالأضعف كما لا يحد الشيء بما هو أخفى منه وإثبات الصانع لا يفتقر إلى حدوث الأجساد بل نفس ما يشهد حدوثه من الحوادث يغني عن ذلك والعلم بأن الحادث يفتقر إلى المحدث هو من أبين العلوم الضرورية والعقل يعلم ضرورة افتقار المحدَث إلى المحدِث الفاعل ويقطع به ويعلمه ضرورة. والدليل مبني على استعمال ألفاظ مجملة ومعان مبهمة لم يعرفها العرب في تخاطبهم ولم يستعملوها فيما بينهم .... واستعمال المتكلمين لهذا الدليل جعلهم يلتزمون لوازم فاسدة أوقعتهم في التناقض والاضطراب والحيرة والشك كنفي الصفات ونحوها. وبين رحمه الله تعالى الطريقة الشرعية في الاستدلال المذكورة في القرآن وأكد على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وأنه لم ينازع في أصل هذه المسألة أحد من بني آدم وإنما نازعوا في تفاصيله وأن الإقرار بالصانع ثابت في الفطرة وهو أرسخ المعارف وأثبت العلوم وأصل الأصول (٢) قال ﵀: " الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث التي له ووجوب تناهي الحوادث. والفرق بين الاستدلال بحدوثه والاستدلال على حدوثه بين والذي في القرآن هو الأول لا الثاني كما قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:٣٥] فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك معلوم بالضرورة بل مشهود لا يحتاج إلى دليل وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة. والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لا يحتاج إلى دليل وذلك معلوم بالحس أو بالضرورة ... وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار وحدوث النبات من الأرض وأمثال ذلك ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة بعد أن لم تكن وكذلك الإنسان وغيره كما قال تعالى: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم:٦٧] وقال تعالى: قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:٩].وإذا كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان بل يستدل بذلك على وجود المحدث تعالى" (٣).

стр. 768

وقال ﵀ في موضع آخر موضحا أن الإقرار بوجود الله أمر فطري ضروري: " وأيضا فالحاجة التي يقترن مع العلم بها ذوق الحاجة هي أعظم وقعا في النفس من العلم الذي لا يقترن به ذوق ولهذا كانت معرفة النفوس بما تحبه وتكرهه وينفعها ويضرها هو أرسخ فيها من معرفتها بما لا تحتاج إليه ولا تكرهه ولا تحبه ... ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها ... ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار" وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل:٥٣] وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه بحال اضطرارهم وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه بحال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل يكون ما يحبونه سواه ... وإنما يحبونهم لأجله ... ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار ... فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع والإقرار به أولى أن يكون ضروريا في النفوس. وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح ((كل مولود يولد على الفطرة)) (١) وقوله فيما يروي عن ربه: ((خلقت عبادي حنفاء)) (٢) ونحو ذلك لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له وهذا هو الحنيفية" (٣).ثم قال: " والمقصود هنا أن كثيرا مما يجعلونه مقدمات في أدلة إثبات الصانع وإن كان حقا فإنه لا تحتاج إليه عامة الفطر السليمة .... " (٤)." ومن أعظم المصائب أن يصاب الإنسان فيما لا سعادة له ولا نجاة له إلا به ويصاب في الطريق الذي يقول أنه به يعرف ربه ويرد عليه فيه إشكال لا ينحل ... " (٥).

стр. 769

وقد اعترف حذاق الكلام بأن الإقرار بوجود الله أمر ضروري فطري إذ لا سبيل إلى إنكار ذلك ومن أنكره إنما هو مكابر معاند. قال الشهرستاني في (نهاية الإقدام): " أما تعطيل العالم عن الصانع القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد ولا أعرف عليه صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية ... فإن الفطر السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير أَفِي اللهِ شَكٌّ [إبراهيم:١٠] وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء ... لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) سورة النجم في البحر ضل من تدعون إلا إياه وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧] ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا)) (١) ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد .... " (٢). وبهذا يتبين لنا فساد دليل الحدوث الذي جعلته الماتريدية طريقهم لمعرفة الله تعالى وأتعبوا أنفسهم في تقريره وكلفوا الناس أمرا لا يطيقونه ولم يشرعه الله تعالى ولا رسوله فابتعدوا عن المنهج القرآني فضلوا وأضلوا. ثانيا: إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته: استدلت الماتريدية على إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته بالدليل المشهور عند المتكلمين والمعروف بدليل التمانع (٣) وهذا الدليل نجده بصورة مطردة عند جميع الماتريدية حتى أنهم في كثير من كتبهم لا يذكرون غيره (٤).وقد استدل الماتريدي بأدلة أخرى كاستدلاله بتناهي العالم وآيات الأنبياء والرسل واتساق العالم ودقة صنعه وقد نص على هذا في كتاب (التوحيد) بقوله: " والدلالة أن محدث العالم واحد ... اتفاق القول ... على أن الواحد اسم لابتداء العدد واسم للعظمة والسلطان والرفعة والفضل كما يقال فلان واحد الزمان ومنقطع القرين في الرفعة والفضل والجلال وما جاوز ذلك لا يحتمل غير العدد فيجب أن يكون العالم غير متناه إذ لو كان منهم شيء واحد فيخرج الجملة عن التناهي بخروج المحدثين وذلك بعيد ثم ما من عدد يشار إليه إلا وأمكن من الدعوى أن يزاد عليه وينقص منه فلم يجب القول بشيء لما لا حقيقة لذلك بحق العدد لا يشارك فيه غيره لذلك بطل القول به " (٥).

стр. 770

وقال في استدلاله بآيات الأنبياء والرسل واتساق العالم: " إنه لم يذكر عن غير الإله الذي يعرفه أهل التوحيد دعوى الألوهية والإشارة إلى أثر فعل منه يدل على ربوبيته ولا وجد في شيء معنى أمكن إخراجه عن حمله ولا بعث رسلا بالآيات التي تقهر العقول ويبهر لها فتثبت أن القول بذلك خيال ووسواس. و ..... مجيء الرسل بالآيات التي يضطر من شهدها أنها فعل من لو كان معه شريك ليمنعهم عن إظهارها إذ بذلك إبطال ربوبيتهم وألوهيتهم فإذا لم يوجد ولا منعوا عن ذلك مع كثرة المكابرين لهم والمعاندين ممن لو أحبوا وجود الإبصار لهم في إظهار آياتهم لوجدوا فثبت أن ذلك إنما سلم للرسل لما لم يكن الإله الحق والخالق للخلق غير الواحد القهار الذي قهر كل متعنت مكابر عن التمويه فضلا عن التحقيق .... " (١).وقال: " وأما دلالة الاستدلال بالخلق فهو أنه لو كان أكثر من واحد لتقلب فيهم التدبير نحو أن تحول الأزمنة من الشتاء والصيف أو تحول خروج الإنزال وينعها أو تقدير السماء والأرض أو تسيير الشمس والقمر والنجوم أو أغذية الخلق أو تدبير معاش جواهر الحيوان فإذا دار كله على مسلك واحد ونوع من التدبير واتساق ذلك سنن واحد لا يتم إلا بمدبرين لذلك لزم القول بالواحد ... " (٢).وهذه الأدلة عند الماتريدي أدلة سمعية حسية وأما الدليل العقلي عنده فهو دليل التمانع (٣). لذلك احتل دليل التمانع عند الماتريدية الصدارة حتى أصبحوا لا يذكرون غيره وذلك لأن مصدر التلقي عندهم العقل كما تقدم. وصورة دليل التمانع عندهم كما يعرضه أبو المعين النسفي في (التمهيد) هي: " إذا ثبت أن للعالم محدثا أحدثه وصانعا صنعه كان الصانع واحدا إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع وذلك دليل حدوثهما أو حدوث أحدهما فإن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة والآخر أراد أن يخلق فيه موتا وكذا هذا في جميع المتضادات كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والسواد والبياض وغير ذلك إما أن حصل مرادهما ووجد في المحل المتضادات وهو محال وإما أن تعطلت إرادتهما ولم تنفذ ولم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك وهو تعجيزهما وإما أن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر وفيه تعجيز من لم تنفذ إرادته والعجز من أمارات الحدث فإذا لم يتصور إثبات صانعين قديمين للعالم فكان الصانع واحدا ضرورة " (٤).وهذا الدليل لا ريب أنه دليل صحيح وبرهان تام على إثبات امتناع صدور العالم عن اثنين (٥).

стр. 771

ومن قال بعدم صحته فلا شك أنه قد أخطأ. ولكن اعتقاد الماتريدية بأن هذا الدليل هو المقصود بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢]. اعتقاد باطل وفهم سقيم لكلام الله والذي جعلهم يقولون هذا هو اعتقادهم أن الإله بمعنى الآله- اسم فاعل- وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع (١). فالإله عندهم هو بمعنى الرب وأن الآية دلت على انتفاء ربيَّن فقط وذلك بتقدير امتناع الفعل من رَبَّين فالآية عندهم دلت على نفي الشرك في الربوبية فقط وهو مطلوب دليل التمانع بينما الآية قد " دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا وأن إثبات ربيَّن للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم ... ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة لغير الله وفي الإلهية بعبادة غير الله تعالى واتخاذ الوسائط ودعائها والتقرب إليها ... فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين، وقد قال تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ والرسل دعوا الخلق إلى توحيد الإلهية وذلك متضمن لتوحيد الربوبية كما قال كل منهم لقومه اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وإلا فمجرد توحيد الربوبية قد كان المشركون يقرون له وذلك وحده لا ينفع وهؤلاء الذين يريدون تقرير الربوبية يظنون أن هذا هو غاية التوحيد ... وهذا من أعظم ما وقع فيه هؤلاء ... من الجهل بالتوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب " (٢).فأدلتهم "وإن كانت صحيحة فلم تنازع في هذا التوحيد أمة من الأمم وليست الطرق المذكورة في القرآن هي طرقهم كما أنه ليس مقصود القرآن هو مجرد ما عرفوه من التوحيد" (٣). فعلى هذا هنالك فرق كبير بين مطلوب الآية ومطلوب دليل التمانع، فمطلوب الآية هو إثبات توحيد الإلهية بفساد العالم لو وجد من يستحق العبادة مع الله أحد غير الله تعالى. بينما مطلوب دليل التمانع هو إثبات توحيد الربوبية بفساد العالم لو وجد خالق آخر للعالم. فالفرق بين المطلوبين فرق شاسع فكيف يصح القول بأن مطلوب الآية هو مطلوب دليل التمانع؟! توحيد الإلهية: لم تتعرض الماتريدية- كغيرها من الفرق الكلامية- لتوحيد الإلهية ولم يتنبه أحد منهم إليه مع أنه قطب رحى الدين وأول وآخر دعوة الأنبياء والمرسلين ولم يفرقوا بين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية بل خلطوا بين معنى الإلهية ومعنى الربوبية وظنوا أن معنى الإلهية هو القدرة على الاختراع فلذا اعتقدوا أن توحيد الربوبية هو المقصود في قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] ونحوها من الآيات وظنوا بأن المراد بالتوحيد- الذي هو حق الله على عباده- هو مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم وظنوا أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد وأن من جاء به فقد أخلص الدين كله لله وصار مؤمنا موحدا ..... وجهل الماتريدية بهذا النوع من التوحيد الذي هو أصل الأصول وأس الدين وأساسه يرجع لفساد أصل منهجهم في التلقي حيث إنهم تلقوا عقيدتهم من العقل بزعمهم ولم يتلقوها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فضلوا وأضلوا المصدر: الماتريدية دراسة وتقويما لأحمد بن عوض الله بن داخل اللهيبي الحربي - ص ١٩٥ - ٢١٥

стр. 772

إن المتكلمين من الماتريدية والأشعرية لا يوجد عندهم "توحيد الألوهية" فليس عندهم بعد توحيد الذات إلا نوعان من التوحيد: الأول: توحيد الصفات. الثاني: توحيد الأفعال. أما توحيد الصفات فقد عرفت في الفصول السابقة أن توحيدهم هذا فيه تلحيد وإلحاد وتخريف وتعطيل وتحريف. حيث أرادوا تحقيق التنزيه فوقعوا في أقبح التشبيه. فشبهوا الله بالحيوانات العجماوات، والجمادات الصامتات، والمعدومات، اللاشيات، والممتنعات المستحيلات المحالات. فنعوذ بالله من تفسيرهم الذي يورث التعطيل والتحريف والتشبيه كما قاله الإمام الأشعري ﵀. أما توحيد الأفعال: فهو أشهر أنواع التوحيد عندهم، وهو توحيد الربوبية، والخالقية، بمعنى "أن الله خالق العالم وحده، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، والغاية، وأنه معنى "لا إله إلا الله"؟ حيث إنهم فسروا "الألوهية بمعنى "القدرة على الاختراع" (١). فعطلوا صفة "ألوهية" الله تعالى، وحرفوها إلى صفة "الخالقية" و"القادرية". ولذلك نرى الماتريدية والأشعرية يعرّفون التوحيد بتعريفات مجملة ناقصة غير جامعة لأهم أنواع التوحيد ألا وهو "توحيد الألوهية" الغاية العظمى. وقد سبق أن ذكرنا نصوصهم في تعريف التوحيد" (٢).حتى أن الشيخ محمد عبده ماتريدي الأزهر (١٣٢٣هـ) صرح بأن "توحيد الربوبية" هو الغاية حيث قال بعد تعريفه: "وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ ... ". (٣). فأنت ترى أن هذه التعريفات التي ذكرنا عن الماتريدية تدور حول "توحيد الربوبية" وأنه هو الغاية، ولا تتناول "توحيد الألوهية"؛ مع أنه أهم أنواع التوحيد كلها، وهو الغاية العظمى والمقصد الأسنى الأسمى. وليس توحيدُ "الربوبية" "الخالقية" هو "الغاية العظمى". وقد وصل بعض الكوثرية في الهذيان إلى حد قالوا: إن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، "والألوهية" من مخترعات ابن تيمية (٤). مع أن تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية يوجد في كلام الإمام أبي حنيفة ﵀ حيث قال في صدد إقامة الحجة العقلية على علو الله تعالى:"والله يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء (٥). وقد قال الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى (٣٢١هـ):"نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله، إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره" (٦). فقوله: "إن الله واحد" توحيد إجمالي يشمل الأقسام كلها، فهو "المقسم" "الكلي" وقوله: "ولا شيء مثله" توحيد الأسماء والصفات، وقوله: "ولا شيء يعجزه" توحيد الربوبية، وقوله: "ولا إله غيره" توحيد الألوهية.

стр. 773

وخرق بعضهم فارتكب حمقاً جلياً فقال: إن القائل "ربي الله" معترف بتوحيد الربوبية والألوهية جميعاً (١). فجعل مشركي العرب موحدين معترفين مؤمنين بلا إله إلا الله!. وكفى به ضلالاً مبيناً، ومن لوازمه: أن من قال: لا رب إلا الله فهو مسلم؛ لأن هذا القائل عند هذا الأخرق - كمن قال: لا إله إلا الله!!!. وأشنع وأبشع من هذا كله ما ارتكب من يدعي "محمد بن علوي المالكي" من تزوير وتدليس وتحريف وتلبيس؛ حيث صرح دون حياءٍ؛ بأن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم: من اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق الرب المدبر المحيي المميت، وقولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، بل كانوا هازلين في جميع ما اعترفوا به (٢). قلتُ: هذا تكذيب صريح لله تعالى وكتابه المهيمن وإفساد وإلحاد إلى الغاية. وهكذا تلعب البدع والخرافات بأهلها حتى أوصلتهم إلى هذا الحد. وقد ذكرني هذا اللعاب الذي لعب بكتاب الله حتى ظن أنه هزل لا جد - ما هذى ابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ) وكثير من كبار أئمة الكلام أمثال: الغزالي (٥٠٥) والرازي (٦٠٦هـ) من الأشعرية، والتفتازاني (٧٩٢هـ) والبياضي (١٠٩٨هـ) من الماتريدية، من أن الكتب السماوية وملل الأنبياء، إنما جاءت بما يوافق ظاهر اعتقاد الجمهور من أن الله تعالى فوق العالم استدراجاً لهم إلى الدين الحق لئلا يتنفروا عن قبول الدعوة ولا يتسارعوا إلى الإنكار والعناد. وليس القصد بنصوص كون الله تعالى فوق العالم، أن الله فوق العالم حقيقة. قلتُ: الإنسان إذا وصل إلى هذا الحد في الخرق والحمق والسفسطة والقرمطة - فهو ساقط عن مرتبة الخطاب إلى اصطبل الدواب. الحاصل: أنه لا يوجد عند هؤلاء المتكلمين "توحيد الألوهية" بوجه أتم وأكمل مفسر ومفصل. فإن قيل: إن "الألوهية" تدخل في الصفات. قلنا: لا شك أن صفة "الألوهية" من أعظم صفات الله تعالى التي انفرد بها. ولكن الماتريدية والأشعرية لم يثبتوها "صفة" لله تعالى؟. لأنهم حصروا صفات الثبوتية الذاتية - التي يسمونها - "صفات المعاني". في أربع على الاتفاق، وهي "الحياة" "والعلم" "والقدرة" "والإرادة" على تفلسف فيها واختلفوا في "السمع والبصر". وزادت الماتريدية صفة "التكوين" خلافاً للأشعرية، ولكن الخلاف في الحقيقة راجع إلى اللفظ، وأن "التكوين" عبارة عن القدرة والإرادة. أما صفة "الكلام" فقد عرفت أنهم عطلوها وحرفوا نصوصها إلى "الكلام النفسي" وقالوا جهاراً دون إسرار بلا حياء ولا تقى: بخلق القرآن، وبخلق أسماء الله تعالى الحسنى. فأين في هذه الصفات المحصورة "صفة الألوهية" التي هي غاية خلق الجن والإنس ولتحقيقها أنزلت الكتب وأرسلت الرسل؟! بل الماتريدية أرجعوا هذه الصفة العظيمة إلى صفة "التكوين" "والصنع" و"الاختراع" ويشهد لذلك وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن العلامة الكشميري أحد كبار أئمة الماتريدية الديوبندية (١٣٥٢هـ) قد قال: "الأسماء الحسنى عبارة عن الإضافات عند الأشاعرة، أما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين" (٣). قلتُ: من المعلوم أن في أسماء الله الحسنى "الاسم الأعظم" وهو "الله" كما أن فيها اسماً حسناً آخر لله وهو "الإله".

стр. 774

وهذان الاسمان الحسنان يدلان على صفة "الألوهية" لله تعالى أقطع دلالة فكيف تكون صفة "الألوهية" من صفات الأفعال التي مرجعها إلى صفة التكوين؟! مع أنها من أعظم صفات الله الثبوتية الذاتية. الوجه الثاني: أن الماتريدية فسروا "الإله" بالصانع القادر المالك صرح بذلك خيالهم الذي غلب أفكاره خيالات كلامية (٨٦٢هـ)،وكستليهم (٩٠١هـ) وبهشتيهم (٩٧٩هـ) وجنديهم (؟) وغيرهم من الماتريدية والرستمي من الفنجفيرية النقشبندية (١). الوجه الثالث: أن الإمام أبا منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) وكبار الماتريدية بعده يحتجون على إثبات توحيد الربوبية الخالقية وكون الله تعالى صانعاً وحده، للعالم ومحدثاً له. بما يسمونه "برهان التمانع". فقالوا: واللفظ للتفتازاني فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ): "المحدث للعالم هو الله تعالى، أي الذات الواجب الوجوب ... ، الواحد، يعني: أن صانع العالم واحد ... والمشهور في ذلك بين المتكلمين "برهان التمانع" المشار إليه بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] وتقريره: أنه لو أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع، بأن يريد أحدهما حركة زيد، والآخر سكونه ... وحينئذ إما أن يحصل الأمران - فيجتمع الضدان، أولا - فيلزم عجز أحدهما ... " (٢). فأنت ترى أيها المسلم إلى هؤلاء الدهماء كيف قلبوا آية عظيمة جاءت لتقرير توحيد الألوهية "العبادة" إلى كونها برهان التمانع على إبطال صانعين ربين لهذا العالم؛ ففسروا الإله "بالرب الخالق". وفسروا صفة "الألوهية" بالربوبية والخالقية والصانعية والمالكية. فوقعوا في خرق وحمق، وخرجوا على لغة العرب، وعطلوا صفة "الألوهية"، وحرفوا نصوصها إلى صفة "الربوبية الخالقية الصانعية"؛ لأن تفسير صفة بأخرى - كتفسير "اليد" بالقدرة أو النعمة - تعطيل وإبطال لها. حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة ﵀ وشهادة ثمانية من كبار أئمة الماتريدية. المصدر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات لشمس السلفي الأفغاني ٣/ ١٦٣ - ١٧٠

стр. 775

تمهيد لقد عرضت للمعطلة بما فيهم الماتريدية شبهة - هي أساس كل فساد وضلال- حول صفات الله تعالى، ونصوصها في الكتاب والسنة، وهي أن ظاهر نصوص الصفات تشبيه الله تعالى بخلقه، ولو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة من العلو، والاستواء، والنزول، والوجه، واليدين، والغضب، والرضى، ونحوها، ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، يلزم من ذلك تشبيه، وهذا يخالف التنزيه. وهذه الشبهة هي أصل أصولها الثلاثة الأخرى، وهي: ١ - أن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية. ٢ - أما هذه الظواهر الظنية فهي إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف في زعمهم الباطل. ٣ - وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معانٍ توافق البراهين العقلية، كما سيأتي تفصيل ذلك في الفصول الثلاثة الآتية. وأنا بمشيئة الله تعالى أتحدث في هذا المبحث عن هذه الشبهة التي هي أم الشبهات، وأذكر تاريخها، ثم أذكر نماذجها عن كتب الماتريدية حيث طبقوها عملياً على صفات الله تعالى، ثم أناقشهم في المبحث الثاني بتوفيق الله ، فأقول وبه أستعين. لما كانت قلوب السلف الصالح وفيهم الإمام أبو حنيفة سليمةً وفطرهم مستقيمةً، وأذهانهم صافيةً مطهرةً من أرجاس الفلسفة وأنجاس بيئة الكلام، لم يخطر ببالهم أن نصوص الصفات توهم التشبيه ولا ظنوا أن صفات الله تعالى تشبهُهُ صفاتُ المخلوقين، فكان منهجهم إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً في بعض الصفات كالقول في بعضها على طريقة واحدة، فلم يكن عندهم شيء من التشبيه والتعطيل ولا عندهم شيء من التفويض والتأويل كما سيأتي. وتحقيقاً لما قلنا وتمثيلاً لذلك أُقدِّم نصاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ليكون قولا فاصلا قاطعا قاضيا على الماتريدية:"وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه، واليد، والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته، أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، هو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف، وغضبه، ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" (١).وقال: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله تعالى بشيء في ذاته، ولكن نصفه بما وصف سبحانه به نفسه .. " (٢).وقال: "لا يوصف الله بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه ... " (٣). فهذه عقيدة الإمام أبي حنيفة - تمثل عقيدة السلف في الصفات وتقضي على شبهة التشبيه أولاً وعلى التفويض ثانياً والتأويل ثالثاً. ولكن الحنفية الماتريدية لسبب تأثرهم ببيئة الجهمية تخيلوا من صفات الله تعالى ما يليق بالمخلوقين فكان هذا هو الدافع لهم على التفويض أو التأويل كما كان الجهمية الأولى تزعم أن إثبات الصفات لله تعالى كفر وتشبيه؛ بل القرامطة الباطنية بنوا التعطيل على هذه الشبهة نفسها.
следующие страницы →